وَإنْ أكْرَهَ الابْنُ امْرَأةَ أبِيهِ في مَرَضِ أبِيهِ عَلَى مَا يَفْسَخُ نِكَاحَهَا، لَمْ يُقْطَعْ مِيرَاثُهَا، إلا أنْ تَكُونَ لَهُ امْرَأةٌ سِوَاهَا.
ــ
قال في الصِّحَّةِ: أنتِ طالِقٌ إن لم أضْرِبْ غُلامِي. فلمْ يَضْرِبْه حتى مات، وَرِثَتْه، ولا يَرِثُها إن ماتَتْ، وإن مات الغُلامُ والزوجُ مَريضٌ طَلُقَتْ، وكان كتَعْليقِه على مجئِ زيدٍ على ما ذَكَرْنا. وكذلك إن قال: إن لم أُوَفِّكِ مَهْرَكِ فأنتِ طالقٌ. فإنِ ادَّعَى أنَّه وَفَّاها مَهْرَها فأنْكَرَتْه، صُدِّقَ الزَّوْجُ في تَوْرِيثِه منها، لأنَّ الأصْلَ بقاءُ النكاحِ، ولم يُصَدَّقْ في بَراءتِه منه؛ لأنَّ الأصلَ بقاؤه في ذِمَّتِه. ولو قال لها في الصِّحَّةِ: أنتِ طالقٌ إن لم أتَزَوَّجْ عليك. فكذلك. نَصَّ عليه أحمدُ. وهو قولُ الحسنِ. ولو قَذَف المريضُ امرأتَه ثم لَاعَنَها في مرضِه فبانَتْ منه ثم مات في مرضِه وَرِثَتْه. وإن ماتت لِم يَرِثْها. وإن قَذَفَها في صِحَّتِه ثم لَاعَنَها في مرضِه ثم مات فيه لم تَرثْه. نصَّ عليه أحمدُ. وهو قولُ الشافِعيِّ، واللُّؤْلُؤِيِّ. وذَكَر القَاضي روايةً أُخْرَى، أنَّها تَرِثُ. وهو قولُ أبي يوسفَ. وإن آلى منها ثم صَحَّ، ثم نُكِسَ في مرضِه فبانَتْ منه بالإِيلاءِ لم تَرِثه.
٢٨٦٥ - مسألة: (وإن أكْرَهَ الابنُ امرأةَ أبيه في مرضَ أبيه على ما يَفْسَخُ نِكاحَها، لم يُقْطَعْ مِيراثُها، إلَّا أن يكونَ له امرأةٌ سِواها) إذا
стр. 8927
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
اسْتَكْرَهَ الابنُ امرأةَ أبيه على ما يَفْسَخُ نِكاحَها، مِن وَطْءٍ أو غيرِه، في مرضِ أبيه، فماتَ أبُوه مِن مرضِه ذلك، وَرِثَتْه، ولم يَرِثْها إن ماتَتْ. وهو قولُ أبي حنيفَةَ وأصحابِه. فإن طاوَعَتْه على ذلك لم تَرِثْ؛ لأنَّها مشارِكةٌ له فيما يَفْسَخُ نِكاحَها، أشْبَهَ ما لو خَالعَتْه. وسواءٌ كان للمَيِّتِ بَنُونَ سِوَى هذا الابنِ أو لم يكنْ. فإنِ انْتَفَتِ التُّهْمةُ عنه، بأن لا يكونَ وارثًا، كالكافِرِ والقاتلِ والرَّقيقِ، أو كان ابنًا مِن الرَّضاعةِ، أو ابنِ ابنٍ مَحْجُوبٍ بابنِ الميتِ، أو بأبَوَينِ وابْنَتَين، أو كان للميتِ امرأةٌ أُخْرَى تَحُوزُ ميراثَ الزوجاتِ، لم تَرِثْ؛ لانتفاءِ التُّهْمةِ. ولو صار ابنُ الابنِ وارثًا بعدَ ذلك لم تَرِثْ، لانْتفاءِ التُّهْمةِ حال الوَطْءِ. ولو كان وارثًا حينَ الوَطْءِ فعاد مَحْجوبًا عن الميراثِ، وَرِثَتْ؛ لوُجودِ التُّهْمةِ حينَ الوَطْءِ.
ولو كان للمريضِ امْرأتانِ، فاسْتَكْرَهَ ابنُه إحْداهُما، لم تَرِثْ؛ لانتفاءِ التُّهْمةِ، لكَوْنِ ميراثِها لا يَرْجِعُ إليه. وإنِ استَكْرَهَ الثانيةَ بعدَها، وَرِثَتِ الثانيةُ؛ لأنَّه مُتَّهَمٌ في حَقِّها، ولو استَكْرَهَهُما معًا دَفْعَةً واحدةً، وَرِثَتا معًا وهذا كله قولُ أبي حنيفةَ وأصحابِه. وأمَّا الشافِعيُّ، فلا يَرَى فَسْخَ
стр. 8928
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
النِّكاحِ بالوَطْءِ الحرامِ. وكذا الحكمُ فيما إذا وَطِئَ المريضُ مَن يَنْفَسِخُ نكاحُه بوَطْئِها، كأُمِّ امْرأتِه، فإنَّ امرأتَه تَبينُ منه، وتَرِثُه إذا مات في مرضِه. وسواءٌ طاوَعَتْه المَوْطوءةُ أو لا؛ لأَنَّ مُطاوَعَتَها ليس للمرأةِ فيه فِعْلٌ يَسْقُطُ به مِيراثُها. فإن كان زائلَ العقلِ حينَ الوَطْءِ لم تَرِثِ امرأتُه منه شيئًا؛ لأنَّه ليس له قَصْدٌ صحيحٌ، فلا يكونُ فارًّا مِن مِيراثِها. وكذلك لو وَطِئَ بنتَ امرأتِه، كَرْهًا لها، وهو زائِلُ العقلِ. فإن كان صبِيًّا عاقلًا وَرِثَتْ؛ لأنَّ له قَصْدًا صحيحًا. وقال أبو حنيفةَ: هو كالمَجنُونِ؛ لأنَّ قولَه لا عِبْرَةَ به. وللشافِعيِّ فيما إذا وَطِئَ الصَّبِيُّ بنتَ امْرأتِه وأمَّها قولان؛ أحدُهما، لا يَنْفَسِخُ به نكاحُ امْرأتِه؛ لأنَّه لا يُحَرِّمُ. والثَّاني، تَبِينُ امرأتُه، فلا تَرِثُه ولا يَرِثُها. وفي القُبْلَةِ والمُباشَرةِ دُونَ الفَرْجِ روايتان؛ إحداهما، تَنْشُرُ الحُرْمَةَ. وهو قولُ أبي حنيفةَ وأصحابِه؛ لأنَّها مُباشَرة تَحْرُمُ في غيرِ النِّكاحِ والمِلْكِ، أشْبَهتِ الوَطْءَ. والثَّانيةُ، لا تَنْشرُه؛ لأنَّه ليس بسببٍ للبَعْضِيَّةِ، فلا يَنْشرُ الحُرْمَةَ، كالنَّظْرةِ والخَلْوةِ. وخَرَّجَ أصحابُنا في النَّظرِ إلى الفَرْجِ والخَلْوةِ لشَهْوةٍ وَجْهًا أنَّه يَنْشُرُ الحُرْمَةَ. والصَّحيحُ أنَّها لا تَنْشُرُ.
стр. 8929
وَإِنْ فَعَلَتْ في مَرَضِ مَوْتِهَا مَا يَفْسَخُ نِكَاحَهَا لَمْ يَسْقُطْ مِيرَاثُ زَوْجِهَا.
ــ
٢٨٦٦ - مسألة: (وإن فَعَلَتِ) المرأةُ (في مرضِ موتِها ما يَفْسَخُ نِكاحَها لم يَسْقُطْ مِيراثُ زوجِها) وذلك بأن تُرْضِعَ امرأةَ زوجِها الصَّغِيرَةَ، أو زوجَها الصَّغِيرَ، أو ارْتَدَّتْ، فإنَّ زوجَها يَرِثُها، ولا تَرِثُه. وبهذا قال أبو حنيفةَ. وقال الشافعيُّ: لا يَرِثُها ولَنا، أنَّها أحَدُ الزوجين فَرَّ مِن ميراثِ الآخرِ، فأَشْبَهَ الرَّجُلَ.
فصل: وإن أُعْتِقَتْ فاختارت نَفسَها، أو كان الزوجُ عِنِّينًا فأُجِّلَ سَنَةً فلم يُصِبْها حتى مَرِضَتْ في آخرِ الحَوْلِ فاخْتارتْ فُرْقَتَه وفُرِّقَ بينَهما، لم يَتَوارَثا في قولِهم أجْمَعِين. ذَكَرَه ابنُ اللَّبَّانِ في كتابِه. وذَكَر القاضِي في المُعْتَقةِ إذا اخْتارتْ نفسَها في مَرَضِها، لم يَرِثْها، لأنَّ فَسْخَ النِّكاحِ في هذين الموضِعَين لِدَفْعِ الضَّررِ، لا للفِرارِ مِن الميراثِ. وإن قَبَّلَتِ ابنَ زوْجِها لشَهْوَةٍ، خُرِّجَ فيه وَجْهان، أحدُهما، يَنْفَسِخُ نِكاحُها ويَرِثُها إذا كانت مريضةً وماتت في عِدَّتِها. وهذا قولُ أبي حنيفةَ وأصحابِه. والثاني، لا يَنْفَسِخُ النِّكاحُ به. وهو قولُ الشافعيِّ. ولو أنَّ رجلًا زَوَّجَ ابنةَ أخِيه
стр. 8930
وَإنْ خَلَّفَ زَوْجَاتٍ نِكَاحُ بَعْضِهِنَّ فَاسِدٌ أُقْرِعَ بَينَهُنَّ، فَمَنْ أصَابَتْهَا الْقُرْعَةُ فَلَا مِيرَاثَ لَهَا.
ــ
صغيرةً ثم بلغَتْ، فَفَسَخَتِ النِّكاحَ في مَرَضِها، لم يَرِثْها الزوجُ، بغيرِ خلافٍ عَلِمْناه؛ لأنَّ النِّكاحَ مِن أصْلِه فاسدٌ في صحيحِ المذهبِ. وهو قولُ الشافعيِّ. ورُوِيَ عن أحمدَ ما يَدُلُّ على صِحَّتِه، ولها الخيارُ. وهو مذهبُ أبي حنيفةَ وأصحابِه؛ لأنَّ الفَسْخَ لإِزالةِ الضَّررِ لا مِن أجلِ الفرارِ، [فلم يَرِثْها] (١)؛ لو فَسَختِ المُعْتَقَة نِكاحَها.
٢٨٦٧ - مسألة: (وإن خلَّف زوجاتٍ نِكاحُ بعضِهِنَّ فاسد أُقْرِعَ بينَهُنَّ، فمَن أصابَتْها القرعةُ فلا ميراثَ لها) قد ذكرنا أنَّ النِّكاحَ الفاسدَ لا يثْبُتُ به التوارثُ بينَ الزوجينِ؛ لأنَّه ليس بنكاحٍ شرعيٍّ. فإذا اشْتَبَهَ مَن نِكاحُها فاسدٌ بمَن نِكاحُها صَحيحٌ، فقد رُوِيَ عن أحمدَ ما يدُلُّ على أنَّه يُقْرَعُ بينَهما في الميراثِ إذَا ماتَ عنهما. ذَكرَه أبو بكرٍ. فمَن خرجَتْ في القُرْعَةُ فلا ميراثَ لها. وكذلك لو طَلَّقَ واحدةً مِن نسائِه وأُنْسِيَها؛ لأنَّه اشْتَبَهَ المُسْتَحِقُّ بغيرِه، فوجَبَ المصيرُ إلى القُرعةِ، كما لو أعْتَقَ في مرَضِه عبيدًا فلم يخْرُجْ مِن الثُّلُثِ إلَّا أحدُهم. يُرْوَى ذلك عن عليٍّ، ﵁. وقد ذَكَرنا ذلك فيما قبلَ هذا البابِ، والاخْتِلافَ فيه والتَّفْريعَ عليه.
стр. 8931
وَإذَا طَلَّقَ أَرْبَعَ نِسْوَةٍ في مَرَضِهِ فَانْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ، وَتَزَوَّجَ أرْبَعًا سِوَاهُنَّ، فَالْمِيرَاثُ لِلزَّوْجَاتِ. وَعَنْهُ، أنَّهُ بَينَ الثَّمَانِي.
ــ
٢٨٦٨ - مسألة: (إذا طَلَّقَ أرْبَعَ نِسوةٍ في مرَضِه فانقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ، ثم تَزَوَّجَ أربعًا سواهُنَّ، فالميراثُ للزوجاتِ. وعنه، أنَّه بينَ الثَّمانِ) وجملةُ ذلك، أنَّ المريضَ إذا طَلَّقَ امرأتَه، ثم نَكَحَ أُخْرى، ثم مات، لم يخْلُ مِن حالينِ؛ أحدُهما، أن يموتَ في عِدَّةِ المُطَلَّقَةِ، فتَرِثاه جميعًا. وهذا قولُ أبي حنيفةَ، وأهلِ العراقِ، وأحدُ قَوْلَي الشافعيِّ. والقولُ الآخرُ، لا تَرِثُ المبتوتَةُ، فيكونُ الميراثُ كُلُّه للثانيةِ. وقال مالكٌ: الميراثُ كُلُّه للمطَلَّقَةِ. لأنَّ نِكاحَ المريضِ عندَه غيرُ صحيحٍ. وذكره بعضُ أصحابِنا وجهًا في المذهبِ؛ لأنَّها تَرِثُ منه ما كانت تَرِثُ قبلَ طَلاقِها، وهو جميعُ الميراثِ، فكذلك بعدَه. وليس هذا صحيحًا؛ فإنَّها إنَّما تَرِثُ ما كانت تَرِثُ لو لم يُطَلقْها، ولو تَزَوَّجَ عليها ولم يُطَلِّقْها لم تَرِثْ إلَّا نِصفَ ميراثِ الزوجاتِ، فكذلك إذا طلَّقَها. فعلى هذا، لو تَزَوَّجَ ثلاثًا في مرَضِه، فليس للمُطَلَّقَةِ إلَّا رُبْعُ ميراثِ الزوجاتِ، ولكُلِّ واحدةٍ مِن الزوجاتِ رُبْعُه.
стр. 8932
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الحالُ الثاني، أن يموتَ بعدَ انْقِضاءِ عِدَّةِ المُطَلَّقَةِ، فيكونَ الميراثُ كُلُّه للزوجاتِ، في إحْدَى الرِّوايَتَين. وهو قولُ الشافعيِّ، وأبي حنيفةَ وأصحابِه. وفي الرِّوايَةِ الأُخْرى، الميراثُ للأرْبَعِ، كما لو مات في عِدَّةِ المُطَلَّقةِ. وعندَ مالكٍ، الميراثُ كُلُّه للمُطَلَّقةِ. فإن كان له أرْبَعُ نِسوةٍ فطَلَّقَ إحْداهُنَّ ثلاثًا في مرَضِه، ثم نَكَحَ أُخْرى في عِدَّةِ المُطَلَّقةِ، أو طَلَّق امرأةً واحدةً ونَكَح أخْتَها في عِدَّتِها ومات في عِدَّتِها فالنِّكاحُ باطِلٌ، والميراثُ بينَ المُطَلَّقةِ وباقي الزَّوجاتِ الأوائِلِ. وهذا قولُ أبي حنيفةَ، ومالكٍ. وقال الشافعيُّ: النِّكاحُ صَحيحٌ، والميراثُ للجديدَةِ مع باقِي المنْكوحاتِ دُونَ المُطَلَّقةِ. ويَجِئُ على قولِه القديمِ وجْهان؛ أحدُهما، أن يكونَ الميراثُ بينَ المُطَلَّقةِ وباقي الزوجاتِ كقولِ الجُمْهورِ، ولا شيءَ للمنكوحَةِ. والثاني، أن يكونَ بينَهُنَّ علَى خَمْسةٍ، لكُلِّ واحِدةٍ خُمْسُه (١). فإن مات بعدَ انقضاءِ عِدَّةِ المُطَلَّقةِ، ففي مِيراثِها رِوايَتان؛ إحداهما، لا مِيراثَ لها، فيكونُ الميراثُ لباقي الزوجاتِ. وهو قولُ أبي حنيفةَ، وأهلِ العراقِ. والثانيةُ، تَرِثُ معَهُنَّ، ولا شيءَ للمنكوحةِ. وعندَ الشافعيِّ، الميراثُ للمنكوحاتِ، ولا شيءَ للمُطَلَّقةِ. فإن تَزَوَّجَ
стр. 8933
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الخامسةَ بعدَ انقضاءِ عِدَّةِ المُطَلَّقةِ صَحَّ نِكاحُها. وهل تَرِثُ المطلقةُ؟ على روايتين؛ إحداهما، لا تَرِثُ. وهو ظاهِرُ كلامِ أحمدَ؛ لأنَّه قال: يلزمُ مَن قال: يصِحُّ النِكاحُ في العِدَّةِ. أن يَرِثَ ثَمانِ نسْوةٍ، وأن تَرِثَه أُخْتان، فيكونُ مسلمٌ يَرِثُه ثمانٍ وأُخْتان. وتَوْرِيثُ المُطلَّقاتِ بعدَ العِدَّةِ يَلْزَمُ منه (١) هذا، أو حِرْمانُ الزوجاتِ، المَنْصُوصِ على مِيراثِهِنَّ، فيكونُ مُنْكِرًا له غيرَ قائلٍ به. فعسى هذا، يكونُ الميراثُ للزوجاتِ دُونَ المُطَلَّقةِ. والروايَةُ الثانيةُ، تَرِثُ المُطَلَّقةُ. فيُخرَّجُ فيه وَجْهان؛ أحدُهما، يكونُ الميراثُ بينَ الخَمْسِ. والثَّاني، يكونُ للمُطَلَّقةِ والمَنْكُوحاتِ الأوائل دُونَ الجَديدةِ؛ لأنَّ المريضَ ممنوعٌ مِن أن يَحْرِمَهُنَّ ميراثَهُنَّ بالطَّلاقِ، فكذلك يُمْنَعُ مِن تَنْقيصِهنَّ منه. قال شيخُنا (٢): وكِلَا الوجْهَين بعيدٌ؛ أمَّا أحدُهما فيَرُدُّه نصُّ الكتاب على تَوْرِيثِ الزوجاتِ، فلا تجوزُ مخالفَتُه بغيرِ نَصٍّ ولا إجماعٍ ولا قياسٍ على صورةٍ مخصوصةٍ مِن النَّصِّ في مَعْناه، وأمَّا
стр. 8934
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الآخَرُ، فلأَنَّ اللهَ لم يُبِحْ نِكاحَ أكثَرَ مِن أرْبَعٍ، ولا الجَمْعَ بينَ الأُخْتَين، فلا يجوزُ أن يجْتَمِعْنَ في مِيراثِه بالزوجِيَّةِ. وعلى هذا، لو طَلَّقَ أربعًا في مَرضِه وانْقَضت عِدَّتُهنَّ، ونَكَحِ أربعًا سِواهُنَّ، ثم مات مِن مَرَضِه، فعلى القَولِ الأوَّلِ، وهو المخْتارُ، ترِثُه المنكوحات خاصةً. وعلى الثاني، يكونُ فيه وَجْهانِ، أحدُهما، أنَّه بينَ الثمانِ. والثَّاني، أنَّ الميراثَ كُلَّه للمُطَلَّقاتِ. وهو قولُ مالكٍ؛ لأنَّ نِكاحَ المُتَجَدِّداتِ غيرُ صحيحٍ عندَه. وإن صَحَّ مِن مرَضِه، ثم تَزَوَّجَ أربعًا في صِحَّتِه ثم مات، فالميراثُ لهُنَّ في قولِ الجمهورِ، ولا شيءَ للمُطَلَّقاتِ، إلا في قولِ مالكٍ ومَن وافَقَه. وكذلك إن تَزوَّجَتِ المُطَلَّقاتُ، لم يَرِثْنَ إلَّا في قول مالكٍ ومَن وافَقَه.
стр. 8935
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: ولو طَلَّقَ أرْبعًا بعدَ دُخُولِه بهِنَّ في مرَضِه، وقال: قد أخْبَرْنَنِي بانْقِضاءِ عِدَّتِهِنَّ. وكَذَّبْنَه، فله أنا يَنْكِحَ أرْبعًا سِواهُنَّ إذا كان ذلك في مُدَّةٍ يُمْكِنُ انْقِضاءُ العِدَّةِ فيها، ولا يُقْبَلُ قولُه عليهِنَّ في حِرْمانِ الميراثِ. وهذا قولُ أبِي حنيفةَ، وأبي يوسفَ، واللُّؤْلُؤِيِّ، إذا كان بعدَ أرْبَعةِ أشْهُرٍ. وقال زُفَرُ: لا يجوزُ له التَّزْويجُ أيضًا. والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ هذا حُكْمٌ فيما بَينَه وبينَ اللهِ تعالى لا حَقَّ لهُنَّ فيه، فقُبِلَ قولُه فيه. فعلى هذا، إن تَزَوَّجَ أرْبعًا في عَقْدٍ واحدٍ ثم مات، وَرِثَه المُطَلَّقاتُ دُونَ المَنْكوحاتِ، إلَّا أن يَمُتْنَ قبلَه، فيكونَ الميراثُ للمنكوحاتِ. وإن أقْرَرْنَ بانْقِضاءِ عِدَّتِهِنَّ، وقلنا: لا ميراثَ لهُنَّ بعد انْقِضاءِ العِدَّةِ. فالميراثُ للمَنْكوحاتِ أيضًا. وإن مات منهُنَّ ثلاثٌ، فالميراثُ للباقِيَةِ. وإن ماتت منهُنَّ واحدةٌ ومِن المنكوحاتِ واحدةٌ أو اثنتان، أو مات مِن المُطَلَّقاتِ اثنتان ومِن المنكوحاتِ واحدةٌ، فالميراثُ لباقي المُطَلَّقاتِ. وإن مات مِن المُطَلَّقاتِ واحدةٌ ومِن المنكوحاتِ ثلاثةٌ، أو من المُطَلَّقاتِ اثنتان ومِن المنكوحاتِ اثنتانْ، أو مِن المطلقاتِ ثلاثٌ ومِن المنكوحاتِ واحدةٌ، فالميراثُ بينَ البواقي مِن المطلقاتِ والمنكوحاتِ معًا؛ لأنَّه لو اسْتَأْنَفَ العَقْدَ على الباقياتِ مِن الجميعِ جاز وكان صحيحًا.
стр. 8936
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فإن تَزَوَّجَ المَنْكوحاتِ في أَربَعِة عُقودٍ، فمات مِن المُطَلَّقاتِ واحدةٌ، وَرِثَ مكانَها الأُولَى مِن المنكوحاتِ. وإن مات اثنتان وَرِثَتِ الأُولَى والثَّانِيةُ. وإن مات ثلاثٌ وَرِثَتِ الأُولَى والثانيةُ والثالثةُ مِن المنكوحاتِ، مع مَن بَقِيَ مِن المطلقاتِ. وهذا على قياسِ قولِ أبي حنيفةَ، وأبي يوسفَ، واللُّؤْلُؤِيِّ فأما زُفَرُ، فلا يَرَى صِحَّةَ نِكاحِ المنكوحاتِ حتى يُصَدِّقَه المُطَلَّقاتُ. وأما الشافعيُّ، فيُباحُ عندَه التَّزْويجُ في عِدَّةِ المطلقاتِ. فعلَى قولِه، إذا طَلَّقَ أرْبعًا، ونَكَحَ أرْبعًا في عَقْدٍ أو عُقودٍ، ثم مات مِن مَرَضِه، فالميراثُ للمَنْكوحاتِ. وعلى قولِه القديمِ يُخَرَّجُ فيه وَجْهان؛ أحدُهما، أنَّ الميراثَ بينَ الثَّمانِ. وعلى الثاني، هو للمطلقاتِ خاصةً.
وإن مات بعضُ المطلقات أو انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ، فللمَنْكوحاتِ ميراثُ الميِّتاتِ. وإن ماتت وَاحدةٌ فللزَّوجاتِ رُبْعُ ميراثِ النِّساءِ. وإن مات اثنتان فللزوجاتِ نِصْفُ الميراثِ. وإن مات ثَلاثٌ فلهُنَّ ثلاثةُ أرباعِه إن كان نِكاحُهُنَّ في عَقْدٍ واحدٍ وإن كان في عُقُودٍ مُتَفَرِّقةٍ، فإذا ماتت مِن المُطَلَّقاتِ واحدةٌ فميراثُها للأولَى مِن المنكوحاتِ، وميراثُ الثانيةِ للثانيةِ، وميراثُ الثالثةِ للثالثةِ.
стр. 8937
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: إذا قال الرجلُ لنِسائِه: إحداكُنَّ طالِقٌ. يعني واحدةً بعَينِها، طَلُقَتْ وحدَها، ويُرْجَعُ إلى تَعيِينِه، ويُؤْخَذُ بنَفَقَتِهِنَّ كُلِّهِنَّ إلى أن يُعَيِّنَ. وإن كان الطلاقُ بائنًا مُنِع منهنَّ إلى أن يُعَيِّنَ. فإن قال: أرَدْتُ هذه. طَلُقَتْ وحدَها. وإن قال: لم أُرِدْ هؤلاءِ الثلاثَ. طَلُقَتِ الرابعةُ. فإن عاد فقال: أخطأتُ، إنَّما أرَدْتُ هذه. طَلُقتِ الأُخْرَى. وإن مِتْنَ أو إحْداهنَّ قَبْلَ أن يُبَيِّنَ رُجِعَ إلى قولِه، فمَن أقَرَّ بطَلاقِها حَرَمْناه مِيراثَها وأحْلَفْناه لوَرَثةِ مَن لم يُعَيِّنْها. وهذا قولُ الشافِعيِّ. وإن لم يُعَيِّنْ بذلك واحدةً بعَينِها أو مات قبلَ التَّعْيِينِ، أُخْرِجَتْ بالقُرْعَةِ. وكذلك إن طَلَّقَ واحدةً مِن نسائِه بعَينِها وأُنْسِيَها فماتَتْ، أُخْرِجَتْ بالقُرعَةِ، فمَن تَقَعُ علَيها القرعَةُ فلا مِيراثَ لها. رُوِيَ ذلك عن عليٍّ، ﵁. وهو قولُ أبي ثورٍ. وروَى عطاءٌ عن ابنِ عباس، أنَّ رجلًا سألَه فقال: إنَّ لي ثَلاثَ نِسْوةٍ، وإنِّي طَلَّقْتُ إحْداهُنَّ فبتَتُّ طَلاقَها. فقال ابنُ عباسٍ: إن كنتَ نَويتَ واحدةً بعَينِها ثم أُنْسِيتَها فقد اشْتَرَكْنَ في الطلاقِ، وإن لم تكُنْ واحدةً بعَينِها طَلِّقْ أَيَتهنَّ شِئْتَ. وقال الشافعيُّ. وأهلُ العراقِ: يُرْجَعُ إلى تَعْيينِه في المسائِل كُلِّها. فإن وَطِئَ إحْداهُنَّ كان تَعْيِينًا لها بالنِّكاحِ، في قولِ أهلِ العراقِ،
стр. 8938
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وبعضِ أصحابِ الشافعيِّ. وقال الشافِعيُّ: لا يكونُ تَعْيينًا. فإن مات قبلَ أن تَتَبَيَّنَ، فالميراثُ بينَهُنَّ كُلِّهنَّ في قولِ أهلِ العراقِ. وقال مالكٌ: يَطْلُقْنَ كُلُّهُنَّ، ولا ميراثَ لهُنَّ. وقال الشافعيُّ: يُوقَفُ مِيراثُهنَّ، وإن كان الطَّلاقُ قبلَ الدُّخولِ دُفِعَ إلى كلِّ واحدةٍ نِصْفُ مهرٍ، وَوُقِفَ الباقي مِن مُهورِهنَّ. وقال داودُ: يَبْطُلُ حُكْمُ طلَاقِهِنَّ؛ لموْضِعِ الجَهالةِ، ولكُلِّ واحدةٍ مهرٌ كاملٌ، والميراثُ بَينَهُنَّ. وإن مِتْنَ قبلَه طَلُقَتِ الأخيرَةُ، في قولِ أهلِ العراقِ. وقال الشافعيُّ: يُرْجَعُ إلى تعْيينِه. على ما ذكرنا. ولَنا، قولُ عليٍّ (١)، ﵁، ولا يُعارِضُه قولُ ابنِ عباسٍ؛ لأنَّ ابنَ عباس يَعْتَرِفُ لعليٍّ بتَقْديمِ قولِه؛ فإنَّه قال: إذا ثَبَت لنا عن عليٍّ قولٌ لم نَعْدُه إلى غيرِه. وقال: ما عِلْمِي إلى عِلْمِ عليٍّ إلَّا كالقَرارةِ إلى الْمُثْعَنْجَرِ (٢). ولأنَّه إزالةُ مِلْكٍ عن الآدَمِيِّ، فتُسْتَعْمَلُ فيه القُرْعَةُ عندَ الاشْتِباهِ، كالعِتْقِ، وقد ثَبَت هذا في العِتْقِ بخَبَرِ عِمْرانَ بنِ حُصَينٍ (٣). ولأنَّ الحُقوقَ تَساوتْ على وجهٍ تَعَذَّرَ تَعْيِينُ المسْتَحِقِّ فيه مِن غير قُرْعةٍ، فيَنْبَغِي أن تُسْتَعْملَ فيه القُرْعةُ، كالسَّفَرِ والقِسْمةِ بينَ
стр. 8939
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
النِّساءِ. فأمَّا قَسْمُ الميراثِ بينَ الجميعِ، ففيه دَفْعٌ إلى إحْداهُنَّ ما لا تَسْتَحِقُّه، وتَنْقِيصُ بعضِهنَّ حَقًّا يَقينًا، والوَقْفُ إلى غيرِ غايةٍ تَضْييعٌ لحُقُوقِهِنَّ، وحِرْمانُ الجميعِ مَنْعُ الحَقِّ عن صاحِبه يقينًا.
فصل: ولو كان له امْرأتان، فطَلَّقَ إحْداهُما، [ثم ماتت إحداهما، ثم مات] (١)، أُقْرِعَ بَينَهما، فمن وقَعَتْ عليها قُرْعَةُ الطَّلاقِ لم يَرِثْها إن كانتِ الميِّتةَ، ولم تَرِثْه إن كانتِ الأُخْرَى. وفي قولِ أهلِ العراقِ، يَرِثُ الأُولَى ولا تَرِثُه الأُخْرى. وللشافعيِّ قولان، أحدُهما، يُرْجَعُ إلى تَعْيين الوارثِ، فإن قال: طَلَّقَ الميِّتَةَ. لم يَرِثْها ووَرِثَتْه الحيَّةُ، وإن قال: طَلَّقَ الحيَّةَ. حَلَف علَى ذلك وأخَذَ مِيراثَ الميِّتَةِ ولم تُوَرَّثِ الحيَّةُ. والقولُ الثاني، يُوقَفُ مِن مالِ الميِّتَةِ ميراثُ الزوجِ ومِن مالِ الزوجِ ميراثُ الحيَّةِ. وإن كان له امرأتان قد دَخَل بإحْداهُما دُونَ الأُخْرَى، فطَلَّقَ إحْداهُما لا بعَينِها، فمَن خَرَجَتْ لَها القُرْعَةُ فلها حُكْمُ الطَّلاقِ وللأُخْرَى حُكمُ الزوجيَّةِ. وقال أهلُ العراقِ: للمَدْخُولِ بها ثَلاثةُ أرباعَ الميراثِ إن مات في عِدَّتِها، وللأُخْرَى رُبْعُه؛ لأنَّ للمَدْخولِ بها نِصْفَه بيَقِينٍ، والنِّصفُ الآخَرُ يَتَداعَيانِه، فيكونُ بَينَهما. وفي قولِ الشافِعيِّ، النِّصفُ للمَدْخولِ بها والباقي مَوقوفٌ. وإن كانتا مَدْخولًا بهما، فقال في مَرضِه: أرَدْتُ هذه. ثم مات في عِدَّتِها، لم يُقْبَلْ قولُه، لأنَّ الإِقْرارَ بالطَّلاقِ في المرضِ كالطَّلاقِ فيه. وهذا قولُ أبي حنيفةَ، وأبي يوسفَ. وقال زُفَرُ: يُقْبَلُ
стр. 8940
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قولُه، والميراثُ للأُخْرَى. وهو قياسُ قولِ الشافِعيِّ. ولو كان للمَريض امرأةٌ أُخْرى سِوَى هاتَين فلها نِصْفُ الميراثِ وللاثْنَتَين نِصفُه. وعندَ الشافعيِّ، يُوقفُ نِصْفُه.
فصل: ولو كان له أرْبَعُ نِسْوَةٍ، فطَلَّقَ إحْداهُنَّ غيرَ مُعَيَّنَةٍ، ثم نَكَحَ خامسةً بعدَ انقضاءِ عِدَّتِها، ثم مات ولم يُبَيِّنْ، فللخامسةِ رُبْعُ المِيراثِ والمَهْرُ، ويُقْرَعُ بينَ الأرْبَعِ. وقال أهلُ العراقِ: لهُنَّ ثلاثةُ أرْباعِ الميراثِ بَينهنَّ، وإن كُنَّ غيرَ مدخولٍ بهِنَّ فلهُنَّ ثلاثةُ مهورٍ ونِصْفٌ. وفي قولِ الشافعيِّ، يُوقَفُ ثلاتةُ أرباعِ الميراثِ ومهرٌ ونِصفٌ بينَ الأرْبَعِ، فإن جاءت واحدة تَطْلُبُ مِيراثَها لم تُعْطَ شيئًا. وإن طَلَبَه اثْنتانِ دُفِعَ إليهما رُبْعُ الميراثِ، وإن طلبَه ثلاث دُفِعَ إليهنَّ نِصْفُه، وإن طلبَه الأرْبَعُ دُفِعَ إليهنَّ. ولو قال بعد نِكاحِ الخامسةِ: إحْداكُنَّ طَالِقٌ. فعلَى قولِهم، للخامسةِ رُبْعُ المِيراثِ؛ لأنَّها شَرِيكةُ ثلاثٍ، وباقِيه بينَ الأرْبَعِ كالأُولَى، وللخامسةِ سَبْعةُ أثمانِ مَهْرٍ؛ لأنَّ الطَّلاقَ نَقَصَها وثَلاثًا (١) معها نِصْفَ مَهْرٍ، ويَبْقَى للأربعِ ثلاثةُ مُهورٍ وثُمْنٌ بَينَهنَّ، في قولِ أهلِ العراقِ. فإن تَزَوَّجَ بعدَ ذلك سادِسةً فلها رُبْعُ الميراثِ ومَهْرٌ كامِلٌ، وللخامِسَةِ رُبْعُ ما بَقِيَ وسَبْعَةُ أثْمانِ مَهْرٍ، وللأرْبَعِ رُبْعُ ما بَقِيَ وثلاثةُ مُهُورٍ وثُمْنٌ، ويكونُ الرُّبْعُ مَقْسومًا على أرْبَعَةٍ وسِتِّينَ. فإن قال بعدَ ذلك: إحداكُنَّ طَالِقٌ. لم يَخْتَلِفِ الميراثُ، ولكنْ تَخْتَلِفُ المهُورُ، فللسَّادسةِ سَبْعةُ أثْمانِ
стр. 8941
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مَهْرٍ، وللخامسةِ خَمْسةٌ وعشرون جزءًا مِن اثنين وثلاثينَ جزءًا مِن مَهْرٍ، ويَبْقَى للأربعِ مَهْران وسبعةٌ وعشرون جزءًا مِن مَهْرٍ. وعندَ الشافعيِّ يُوقَفُ رُبْعُ الميراثِ بينَ السِّتِّ وربْعٌ آخرُ بينَ الخمسِ وباقِيه بينَ الأرْبعِ، ويُوقَفُ نِصفُ مَهْرٍ بينَ السِّتِّ ونصفٌ بيتَ الخَمْسِ ونصفٌ بينَ الأرْبعِ، ويُدْفَعُ إلى كلِّ واحدةٍ نِصفٌ (١).
فصل في الاشْتِراكِ في الطُّهْرِ: إذا وَطِئَ رجلان امرأةً في طُهْرٍ واحدٍ وَطْأً يَلْحَق النَّسَبُ مِن مثْلِه، فأتتْ بوَلَدٍ يُمْكِنُ أن يكُونَ منهما، كأن يَطأَ الشريكان جارِيَتَهُما المشْتَرَكَةَ، أو يَطَأَ الإِنسانُ جارِيتَه ثم يَبِيعَها قبلَ أن يَسْتَبْرِئَها فيَطَأَها المُشْتَرِي قبلَ اسْتِبْرائِها، أو يَطأها رجلان بشُبْهَةٍ، أو يُطَلِّقَ رجلٌ امرأتَه فيَتَزَوَّجَها رجلٌ في عِدَّتِها ويَطأها، أو يَطَأَ إنسانٌ جارِيَةَ آخَرَ أو امَرأتَه بشُبْهةٍ في الطُّهْرِ الذي وَطِئَها سيِّدُها أو زوجُها فيه ثم تَأْتِي بوَلَدٍ يُمْكِنُ أن يكونَ مِنْهُما، فإنَّه يُرَى القافةَ معهما. وهذا قولُ عطاءٍ، ومالكٍ، واللَّيثِ، والأوْزَاعِيِّ، والشافعيِّ، ([وأبي ثورٍ] (٢). فإن ألْحَقَتْه بأحدِهما لَحِقَ به، وإن نَفَتْه عن أحدِهما لَحِقَ الآخرَ. وسواءٌ ادَّعَياه أو لم يَدَّعِياه، أو ادَّعاه أحدُهما وأنْكَره الآخَرُ. وإن ألحقَتْه القافةُ بهما، لَحِقَ بهما وَكان ابْنَهُما. وهذا قولُ الأوْزاعِيِّ، والثَّوْرِيِّ، وأبي ثَوْرٍ. ورَواه بعضُ أصحابِ مالكٍ عنه، وعن مالكٍ:
стр. 8942
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لا يُرَى ولدُ الحُرَّةِ للقافةِ، بل يكونُ لصاحبِ الفِراشِ الصَّحِيحِ دُونَ الوَاطِئِ بشُبْهةٍ. وقال الشافِعيُّ: لا يُلْحَقُ بأكثرَ مِن واحدٍ، وَإن ألحقَتْه القافةُ بأكَثرَ مِن واحدٍ كان بمَنْزِلَةِ ما لم يُوجَدْ قافةٌ. ومتى لم يُوجَدْ قافةٌ أو أُشْكِلَ عليها أو اخْتَلَفَ القائفان في نَسَبِه، فقال أبو بكرٍ: يَضِيعُ نَسَبُه، ولا حُكْمَ لاخْتيارِه، ويَبْقَى على الجَهالةِ أبدًا. وهو قولُ مالكٍ. وقال ابنُ حامدٍ: يُتْركُ حتى يَبْلُغَ فيَنْتَسِبَ إلى أحدِهما. وهو قولُ الشافِعيِّ (١) الجديدُ. وقال في القديم: يُتْرَكُ حتى يُمَيِّزَ -وذلك لسَبْعٍ أو ثَمانٍ- فيَنْتَسِبَ إلى أحدِهما، ونفَقَتُه عليهما إلى أن يَنْتَسِبَ إلى أحدِهما، فيَرْجِعُ الآخرُ عليه بما أنْفَقَ.
وإذا ادَّعَى اللَّقيطَ اثنانِ أُرِيَ القافةَ معهما. وإن مات الولدُ المُدَّعَى في هذه المواضِعِ قبلَ أن يُرَى القافةَ، وله ولدٌ، أُرِيَ ولدُه القافةَ مع المُدَّعِينَ. ولو مات الرجلانِ أُرِيَ القافةَ مع عَصَبَتِهما. فإنِ ادَّعاه أكثرُ مِن اثْنَين فألحقَتْه القافةُ بهم، لَحِقَ. ونصَّ أحمدُ على أنَّه يُلْحَقُ بثلاثةٍ، ومُقْتَضَى هذا أنَّه يُلْحَقُ بهم وإن كَثُرُوا. وقال القاضي: لا يُلْحَقُ بأكثرَ مِن ثلاثةٍ. وهو قولُ محمدِ بنِ الحسنِ. ورُوِيَ عن (٢) أبي يوسفَ. وقال ابنُ حامدٍ: لا يُلْحَقُ بأكْثَرَ مِن اثْنَين. ورُوِيَ أيضًا عن أبي يوسفَ. وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه، وشَرِيكٌ، ويحيى بنُ آدمَ: لا حُكْمَ للقافةِ،
стр. 8943
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بل إذا سَبَق أحدُهما بالدَّعْوَى فهو ابنُه، فإنِ ادَّعَياه معًا فهو ابْنُهما. وكذلك إن كَثُرَ الواطِئُونَ وادَّعَوْه معًا فإنَّه يكونُ لهم حميعًا. ورُوِيَ أيضًا (١) عن عليٍّ، ﵁، أنَّه قَضَى في ذلك بالقُرْعَةِ مع اليَمينِ. وبه قال ابنُ أبي لَيلَى، وإسحاقُ. وعن أحمدَ نحوُه إذا عُدِمَت القافةُ. وقد ذَكَرْنا أكثرَ هذه المسائلِ مَشْرُوحَةً مَدْلُولًا عليها في بابِ اللَّقِيطِ، والغَرَضُ ههُنا ذِكْرُ مِيراثِ المُدَّعَى والتَّوْرِيثِ منه، وبيانُ مسائلِه.
٢٨٦٩ - مسألة: إذا أُلْحِقَ باثْنَين، فمات وتَرَك أُمًّا حرةً، فلها الثُّلُثُ، والباقي لهما. وإن كان لِكُلِّ واحدٍ منهما ابنٌ سواه، أو لأحدِهما ابنان، فلأمِّه السُّدْسُ. وإن مات أحدُ الأبوين، وله ابنٌ آخَرُ، فمالُه بينَهما نِصْفَين، فإن مات الغُلامُ بعدَ ذلك، فلأُمِّهِ السُّدْسُ والباقي للباقي (٢) مِن أبويه، ولا شيءَ لإِخوتِه؛ لأنَّهما مَحْجوبان بالأبِ الباقي. فإن مات الغُلامُ وتَرَك ابنًا، فللباقي مِن الأبوين السُّدْسُ، والباقي لابنِه. وإن مات قبلَ أبَويهِ وتَرَك ابنًا، فلهما جميعًا السُّدْسُ، والباقي لابنِه. فإن كان لكُلِّ واحدٍ منهما أبوان، ثم ماتا، ثم ماتَ الغُلامُ، وله جَدَّةٌ أمُّ أُمٍّ وابنٌ، فلأُمِّ أُمِّه نِصفُ السُّدْسِ، ولأُمِّي المُدَّعِيَين نِصفُه، كأنَّهما جَدَّةٌ واحدةٌ، وللجَدَّين السُّدْسُ، والباقي للابنِ، فإن لم يكنِ ابنٌ، فللجَدَّين الثُّلُثُ؛ لأنَّهما بمنزِلةِ جَدٍّ واحدٍ، والباقي للأخَوَين. وعندَ أبي حنيفةَ، الباقي كُلُّه للجَدَّين؛ لأنَّ الجَدَّ يُسْقِطُ الإِخْوَةَ. وإن كان المُدَّعِيان أخَوَين،
стр. 8944
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والمُدَّعَى جارِيَةً، فماتا وخَلَّفا أباهما، فلها مِن مالِ كلِّ واحدٍ نِصْفُه، والباقي للأَب. فإن مات الأبُ بعدَ ذلك فلها النِّصْفُ؛ لأنَّها بنتُ ابنٍ. وحَكَى الخَبْرِيُّ عن أحمدَ، وزُفَرَ، وابنِ أبي زائدةَ (١)، أنَّ لها الثُّلُثَين؛ لأنَّها بنتُ ابْنَيه (٢)، فلها ميراثُ بنْتَي ابنٍ. وإن كان المُدَّعِي ابنًا، فمات أَبَواهُ، ولأحدِهما بنتٌ، ثم مات أبوهُما، فمِيراثُه بينَ الغلامِ والبنتِ على ثلاثةٍ. وعلى القولِ الآخَرِ، على خمسةٍ؛ لأنَّ الغلامَ يضْرِبُ بنَصيبِ ابْنَي ابْنٍ. فإن كان لكلِّ واحدٍ منهما بنتٌ، فللغُلامِ مِنِ مالِ كلِّ واحدٍ منهما ثُلُثاه، وله مِن مالِ جَدِّه نِصْفُه. وعلى القولِ الآخرِ، له ثُلُثاه، ولهما سُدْساه. وإن كان المُدَّعِيان رَجُلًا وعَمَّه (٣)، والمُدَّعَى جارِيةً، فماتا وخَلَّفَا أبَوَيهما، ثم مات أبو الأصْغَرِ، فلها النِّصْفُ والباقي لأبي العَمِّ؛ لأنَّه أبوه. وإذا مات أبو العَمِّ، فلها النِّصْفُ مِن مالِه أيضًا. وعلى القولِ الآخَرِ، لها الثُّلُثان؛ لأنَّها بنْتُ ابنٍ وبنتُ ابنِ ابنٍ. وإن كان المُدَّعِي رجلًا وابنَه، فمات الابنُ، فلها نِصْفُ مالِه. وإذا مات الأبُ فلها النِّصفُ أيضًا. وعلى القولِ الآخرِ، لها الثُّلُثان. وقال أبو حنيفةَ: إذا تَداعَى الأبُ وابنُه، قُدِّمَ الأبُ، ولم يكنْ للابنِ شيءٌ. وإن مات الأبُ أولًا، فمالُه بَينَ ابنِه (٤)
стр. 8945
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وبَينَها (١) على ثلاثةٍ، وتَأْخُذُ نِصْفَ مالِ الأصْغَرِ؛ لكونِها بنتَه، وباقيَه (٢) لكونِها أخْتَه. وفي كُلِّ ذلك إذا لم يَثْبُتْ نَسَبُ المُدَّعَى وُقِفً نَصِيبُه، ودُفِعَ إلى كُلِّ وارثٍ اليَقِينُ، ووُقِفَ الباقي حتى يَثْبُتَ نَسَبُه أو يصْطَلِحُوا.
فصل: وإذا كان المُدَّعُون ثلاثةً، فمات أحَدُهم وتَرَك ابنًا وألْفًا، ثم مات الثاني وتَرَك ابنًا وألْفَين، ثم مات الثالثُ وتَرَك ابنًا وعشرين ألْفًا، ثم مات الغُلامُ وترك أرْبَعةَ آلافٍ وأُمَّا حرةً، وقد ألْحَقَتْه القافةُ بهم، فقد تَرَك خمسةَ عَشَرَ ألْفًا وخَمْسَمائةٍ، فالأُمِّه سُدْسُها، والباقي بينَ إخْوتِه الثَّلاثةِ أثْلاثًا. وإن كان مَوْتُهم قبلَ ثُبُوتِ نَسَبِه، دُفِعَ إلى الأُمِّ ثُلُثُ تَرِكَتِه، وهو ألْفٌ وخَمْسُمائةٍ؛ لأنَّ أدْنَى الأحْوالِ أن يكونَ ابنَ صاحبِ الألْفِ، فيَرِثُ منه خَمْسَمائةٍ، وقد كان وُقِفَ له مِن مالِ كُلِّ واحدٍ مِن المُدَّعِين (٣) نِصْفُ مالِه، فيُرَدُّ إلى ابنِ صاحبِ الألْفِ وابنِ صاحبِ الألْفَين ما وُقِفَ مِن مالِ أبَوَيهما؛ لأنَّه إن لم يكنْ أخًا لهما فذلك لهما مِن مالِ أبوَيهِما، وإن كان أخًا أحدِهما، فهو يَسْتَحِقُّ ذلك وأكثرَ منه بإرْثِه منه، ويُرَدُّ على ابنَ الثالثِ تِسْعَةُ آلافٍ وثُلُثُ ألفٍ، ويَبْقَى ثُلُثا ألفٍ مَوْقُوفَةً بينَه وبينَ الأُمِّ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أن يكونَ أخاه (٤)، فيكونُ قد مات عن أربعةَ
стр. 8946
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عشَرَ ألفًا؛ لأُمِّه ثُلُثُها، ويَبْقَى مِن مالِ الابن ألفان وخَمْسُمائةٍ مَوْقوفةٌ يَدَّعِيها ابنُ صاحبِ الألْفِ كلَّها، ويَدَّعِي منها ابنُ صاحبِ الألْفَين ألْفَين وثُلُثًا، فيكونُ ذلك موقوفًا بينَهما وبينَ الأُمِّ، وسُدْسُ الألْفِ بينَ الأُمِّ وابنِ صاحبِ الألْفِ. فإنِ ادَّعَى أخَوان ابنًا ولهما أبٌ، فمات أحَدُهما وخَلَّفَ بنتًا، ثم مات الآخَرُ قبلَ ثُبوتِ نَسَبِ المُدَّعَى، وُقِفَ مِن مالِ الأوَّلِ خَمْسةُ أتْساعِه، منها تُسْعان بينَ الغلامِ والبنتِ، وثلاثةُ أتْساعٍ بينَه وبينَ الأب، ويُوقَفُ مِن مالِ الثاني خمسةُ أسْداس بينَه وبينَ الأبِ، فإن مات الأَبُ بعدَهما وخَلَّفَ بنتًا، فلها نصفُ مالِه ونصف ما وَرِثَه عن ابنَتِه، والباقي بينَ الغلامِ وبنتِ الابنِ؛ لأنَّه ابنُ ابنِه بيَقينٍ، ويُدْفَعُ إلى كُلِّ واحدٍ منهم مِن الموْقوفِ اليقينُ، فتُقَدِّرُه مَرَّةً ابنَ صاحبِ البنتِ، ومرةً ابنَ الآخرِ، وتَنْظُرُ ما لَه مِن كلِّ واحدٍ منهم في الحالين فتُعْطِيه أقَلَّهما، فللغُلامِ في حالٍ كُلُّ المَوْقوفِ مِن مالِ الثاني وخُمْسُ المَوْقُوفِ مِن مالِ الأوَّلِ، وفي حالٍ كُلُّ الموقوفِ مِن مالِ الأوَّلِ وثُلُثُ المَوْقوفِ مِن مالِ (١) الثاني، فله أُقلُّهما، ولبنتِ الميِّتِ الأوَّلِ في حالٍ النِّصْفُ مِن مالِ أبيها، وفي حالٍ السُّدْسُ مِن مالِ عمِّها، ولبنتِ الأبِ في حالٍ نِصْفُ المَوْقوفِ مِن مالِ الثاني، وفي حالٍ ثلاثةُ أعْشارٍ مِن مالِ الأولِ، فتَدْفَعُ إليها أقَلَّهما، ويَبْقَى باقي التَّرِكةِ مَوْقوفًا بَينَهم حتى يصْطَلِحُوا عليه. ومِنَ الناسِ مِن يَقْسِمُه بينَهم على حَسَبِ الدَّعاوَى. فإنِ اخْتَلَفَتْ أجْناسُ التَّركةِ، ولم يَصِرْ بعضُها
стр. 8947
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قِصاصًا عن بعض، قُوِّمَتْ وعُمِلَ في قِيمَتِها ما بَيَّنَّا في الدراهمِ إن تَراضَوْا بذلك، أو يَبِيعُ الحاكِمُ عليهم ليَصِيرَ الحقُّ كُلُّه مِن جنْس واحدٍ؛ لما فيه مِن الصَّلاحِ لهم، ويُوقَفُ الفَضْلُ المشكوَكُ فيه على الصُّلْحِ.
فصل: ولو ادَّعَى اثنان غلامًا، فألْحقَتْه القافةُ بهما، ثم مات أحدُهما وتَرَك ألفًا وعمًّا وبنتًا، ثم مات الآخَرُ وتَرَك ألْفَين وابنَ ابنٍ، ثم مات الغلامُ وتَرَك ثلاثةَ آلافٍ وأمًّا، كان للبنتِ مِن تَرِكةِ أبيها ثُلُثُها، وللغلامِ ثُلُثاها، وتَرِكةُ الثانِي كلُّها له، لأنَّه ابنُه، فهو أحَقُّ مِن ابنِ الابنِ، ثم مات الغلامُ عن خمسةِ آلافٍ وثُلُثَيْ ألفٍ، فلأُمِّه ثلثُ ذلك، ولأُخْتِه نِصْفُه، وباقِيه لابنِ الابنِ؛ لأنَّه ابنُ أخِيه، ولا شيءَ للعَمِّ. وإن لم يَثْبُتْ نَسَبُه، فلابنِه الأوَّلِ ثُلُثُ الألفِ، ويُوقَفُ ثُلُثاها وجَمِيعُ تَرِكةِ الثاني. فإذا مات الغلامُ، فلأُمِّه مِن تَرِكَتِه ألفٌ وتُسْعَا ألفٍ؛ لأنَّ أقلَّ أحوالِه أن يكونَ ابنَ الأوَّلِ، فيكونَ قد مات عن ثلاثةِ آلافٍ وثُلُثَيْ ألفٍ، ويُرَدُّ المَوْقُوفُ مِن مالِ أبي البِنْتِ على البنتِ والعَمِّ، فيَصْطَلِحانِ عليه؛ لأنه لهما إمَّا عن صاحبِهما أو الغُلامِ، ويُرَدُّ المَوْقُوفُ مِن مالِ الثاني إلى ابنِ ابنِه؛ لأنَّه له إمَّا عن جَدِّه وإمَّا عن عَمِّه، وتُعْطىَ الأُمُّ مِن تَرِكةِ الغلامِ ألفًا وتُسْعَىْ ألفٍ؛ لأنَّها أقلُّ ما لَها، ويَبْقَى ألْفٌ وسَبْعَةُ أتْسَاعِ ألْفٍ، تَدَّعِي منها الأُمُّ أرْبعةَ أتْساعِ ألفٍ، تَمامَ ثُلُثِ خَمْسةِ آلافٍ، ويَدَّعِي منها ابنُ الابْنِ ألفًا وثُلُثًا، تمامَ ثُلُثَيْ خَمْسةِ آلافٍ، وتَدَّعِي البنتُ والعَمُّ جميعَ الباقي، فيكونُ ذلك موقوفًا بَينَهم حتى يَصْطَلِحُوا.
стр. 8948
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولو كان المولودُ في يَدَيِ امْرأتَين وادَّعَتاه معًا، أُرِيَ القافةَ معهما، فإن ألْحَقَتْه بإحداهُما لَحِقَ بها ووَرِثَها، ووَرِثَتْه في إحدى الرِّواياتِ. وإن ألحقتْه بهما، أو نَفَتْه عنهما، لم يُلْحَقْ بواحدةٍ منهما. وإن قامت لكلِّ واحدةٍ منهما بَيِّنَةٌ، تَعارَضَتا، ولم تُسْمَع بَيِّنتُهما. وبه قال أبو يوسفَ، واللُّؤْلُؤِيُّ. وقال أبو حنيفةَ: يَثْبُتُ نسَبُه منهما، ويَرِثاه ميراثَ أُمٍّ واحدةٍ، كما يُلْحَقُ برَجُلَين. ولَنا، أنَّ إحدى البَيِّنتَين كاذبةٌ يَقِينًا، فلم تُسْمَعْ، كما لو عُلِمَتْ، ومِن ضَرُرورةِ رَدِّها رَدُّهما؛ لعَدَمِ العلم بعَينِهْا، ولأنَّ هذا مُحالٌ، فلم يثْبُتْ ببَيِّنَةٍ ولا غيرِها، كما لو كان الولدُ أكبرَ منهما.
ولو أنَّ امرأةً معها صَبِيٌّ ادَّعاه رَجُلانِ، كلُّ واحدٍ يَزْعُمُ أنَّه ابنُه منها وهي زوجتُه، فكَذَّبَتْهُما، لم يَلْحَقْهُما، وإن صَدَّقَتْ أحَدَهُما، لَحِقَه، كما لو كان بالغًا فادَّعَياه فصَدَّقَ أحَدَهُما. ولو أنَّ صَبِيًّا مع امرأةٍ، فقال زَوْجُها: هو ابنِي مِن غيرِكِ. فقالت: بل هو ابنِي منكَ. لَحِقَهُما جميعا. وقد ذكرنا لَحاقَ النَّسَبِ في هذه المسائلِ والاخْتِلافَ فيه، وإنَّما ذكرناه ههُنا لأجْلِ الميراثِ؛ لأنَّه مبْنِيٌّ عليه. واللهُ أعلمُ.
стр. 8949
بَابُ الإقْرَارِ بِمُشَارِكٍ في الْمِيرَاثِ
إِذَا أَقَرَّ الْوَرَثَةُ كُلُّهُمْ بِوَارِثٍ لِلْمَيِّتِ فَصَدَّقَهُمْ، أوْ كَانَ صَغِيرًا، ثَبَتَ نَسَبُهُ وَإرْثُهُ، سَواءٌ كَانُوا جَمَاعَةً أَوْ وَاحِدًا.
ــ
بابُ الإِقْرارِ بمُشارِكٍ في الميراثِ
(إذا أقَرَّ الورثةُ كُلُّهمْ بوارِثٍ فصَدَّقَهم، أو كان صغيرًا) أو مجنونًا (ثَبَت نَسَبُه وإرْثُه، سواءٌ كان الوَرَثَةُ جماعةً أو واحدًا) ذكرًا أو أُنْثَى. وبهذا قال الشافعيُّ، وأبو يوسفَ، وحَكاهُ عن أبي حنيفةَ، لأنَّ الوارثَ يقومُ مَقامَ الميِّتِ في مِيراثِه ودُيونِه، والدُّيونِ التي عليه، وبَيِّناتِه، ودَعاويه، والأيمانِ التي له وعليه، كذلك في النَّسبِ. وقد رَوَتْ عائشةُ، أنَّ سعدَ بنَ أبي وقاصٍ اخْتَصَمَ هو وعبدُ بنُ زَمْعَةَ في ابنِ أمَةِ زمْعَةَ، فقال سعدٌ: أوْصانِي أخي عُتْبَةُ إذا قَدِمْتُ مكةَ أن أنْظُرَ إلى ابنِ أَمَةِ (١) زمعةَ وأقْبِضَه، فإنَّه ابنُه. فقال عبدُ بنُ زَمْعَةَ: أخِي وابنُ وليدةِ أبي، وُلِدَ على فراشِه.
стр. 8950
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فقال رسولُ اللهِ ﷺ : «هوَ لكَ يا عبدُ بنَ زَمْعَةَ، الولَدُ للفِراشِ، وللعاهِرِ الحَجَرُ». فقضى به لعبدِ بنِ زَمْعَةَ، وقال: «احْتَجِبي مِنْه يا سَوْدَةُ» (١). والمشهورُ عن أبي حنيفةَ، أنَّه لا يَثْبُتُ إلَّا بإقرارِ رجلينِ، أو رجل وامرأتين. وقال مالكٌ: لا يَثْبُتُ إلَّا بإقرارِ اثنين؛ لأنَّه يَحْمِلُ النَّسَبَ على غيرِه، فاعْتُبرَ فيه العددُ، كالشَّهادَةِ. والمشهورُ عن أبي يوسفَ، أنَّه لا يَثْبُتُ النَّسَبُ إلَّا باثنين، ذكرين كانا أو أُنْثَيَين، عَدْلَين أو غَيرِ عَدْلَين. ولَنا، أنَّه حقٌّ يَثْبُتُ بالإِقْرارِ، فلم يُعْتَبَرْ فيه العددُ، كالدَّينِ. ولأنَّه قولٌ لا تُعْتَبَرُ فيه العَدالةُ، فلا يُعْتَبَرُ فيه العددُ، كإقرارِ الموْرُوثِ، واعتبارُه بالشهادةِ لا يَصِحُّ؛ لأنَّه لا يُعْتَبَرُ فيه اللفظُ ولا العدالةُ، ويَبْطُلُ بالإِقرارِ بالدَّينَ.
فصل في شروطِ الإِقْرارِ بالنَّسَبِ: لا يَخْلو إمَّا أن يُقِرَّ على نفسِه خاصَّةً، أو عليه وعلى غيرِه، فإن أقَرَّ على نفسِه، مثلَ أن يُقِرَّ بولدٍ، اعْتُبِرَ في ثُبوتِ نسبِهِ أربعةُ شروطٍ؛ أحدُها، أن يكونَ المُقَرُّ به مجهولَ النَّسبِ، فإن كان معروفَ النَّسبِ لم يصِحَّ؛ لأنَّه يَقْطَعُ نَسَبَه الثابتَ مِن غيرِه،
стр. 8951
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقد لَعَن النبيُّ ﷺ مَن انْتَسبَ إلَى غيرِ أبيه (١). والثاني، أن لا يُنازِعَه فيه منازِعٌ؛ لأنَّه إذا نازَعَه فيه غيرُه تَعارَضا، فلم يكنْ إلحاقُه بأحدِهما أوْلَى مِن الآخرِ. الثالثُ، أن يُمْكِنَ صِدْقُه، بأن يكونَ المُقَرُّ به يَحْتَمِلُ أن يُولَدَ لمِثْلِه. الرابعُ، أن يكونَ مِمَّن لا قولَ له، كالصغيرِ والمجنونِ، أو يُصَدِّقَ المُقِرَّ إن كان ذا قولٍ، وهو المُكَلَّفُ، فإن كان غيرَ مُكَلَّفٍ لم يُعْتَبَرْ تصْدِيقُه. فإن كَبِرَ وعَقَل فأنْكَرَ، لم يُسْمَعْ إنكارُه؛ لأنَّ نَسَبَه ثَبَت، وجَرَى مَجْرَى مَن ادَّعَى مِلْكَ عبدٍ صَغيرٍ في يدِه وثَبَت بذلك مِلْكُه فلما كبِر جَحَد ذلك. ولو طَلَب إحْلافَه على ذلك لم يُسْتَحْلَفْ؛ لأنَّ الأبَ لو عاد فجَحَدَ النَّسبَ لم يُقْبَلْ منه. وإنِ اعْتَرَفَ إنسانٌ بأنَّ هذا أبوهُ، فهو كاعتِرافِه بأنَّه ابنُه.
فأمَّا إن كان إقرارًا عليه وعلى غيرِه، كإقرارِه بأخٍ، اعْتُبِرَ معَ الشروطِ
стр. 8952
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الأرْبَعَةِ شرْطٌ خامسٌ، وهو كونُ المُقِرِّ جميعَ الورَثَةِ، فإن كان المُقِرُّ زوجًا أو زوجةً ولا وارِثَ معهما، لم يَثْبُتِ النَّسبُ بإقرارِهما، لأنَّ المُقِرَّ لا يَرِثُ المال كُلَّه، فإنِ اعْتَرفَ به الإِمامُ معه، ثَبَت النَّسبُ، لأنَّه قائِمٌ مَقامَ المسلمين في مُشارَكَةِ الوارِثِ (١). وإن كان الوارِثُ أمًّا أو بنتًا أو أختًا أو ذا فرضٍ يَرِثُ جميعَ المالِ بالفرض والرَّدِّ، ثَبَت النَّسبُ بقولِه، كالابنِ؛ لأنَّه يَرِثُ المال كُلَّه. وعندَ الشافعيِّ، لا يَثْبُتُ بقولِه نَسَبٌ؛ لأنَّه لا يَرَى الردَّ، ويَجْعَلُ الباقيَ لبَيتِ المالِ. ولهم فيما إذا وافَقَ الإمامُ في الإِقْرارِ وجهان. وهذا مِن فُرُوعِ الردِّ، وقد ذكرناه.
فإن كانت بنتٌ وأُخْتٌ، أو أخْتٌ وزوجٌ، ثَبَتَ النَّسبُ بقَوْلِهما، لأنَّهما يأْخُذان المال كُلَّه. وإذا أقَرَّ بابنِ ابنِه وابنُهُ ميِّتٌ، اعْتُبِرَتْ فيه الشروطُ التي تعْتَبَرُ في الإِقرارِ بالأخِ. وكذلك إنْ أقَرَّ بعَمٍّ وهو ابنُ جَدِّه، فعلى ما ذكرناه.
فصل: وإن كان أحدُ الوَلَدَين غيرَ وارِثٍ، لكونِه رَقيقًا أو مخالفًا لدين مَوْرُوثِه أو قاتِلًا، فلا عِبْرَةَ به، ويَثْبُتُ النَّسبُ بقولِ الآخَرِ وَحْدَه، لأنَّه يَحوزُ جَميعَ الميراثِ. ثم إن كان المُقَرُّ به يَرِثُ شاركَ المُقِرَّ في الميراثِ، وإن لم يكنْ وارِثًا لوجودِ مانعٍ فيه ثَبَت نَسَبُه ولم يَرِثْ، وسواءٌ كان المُقِرُّ مسلمًا أو كافرًا.
стр. 8953
وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُقَرُّ بِهِ يَحْجُبُ الْمُقِرَّ أَوْ لَا يَحْجُبُهُ، كَأَخٍ يُقِرُّ بِابْنٍ لِلْمَيِّتِ.
ــ
٢٨٧٠ - مسألة: (وسواءٌ كان المُقَرُّ به يَحْجُبُ المُقِرَّ أو لا يَحْجُبُه، كأخٍ يُقِرُّ بابن للميِّتِ) أو ابنِ ابنٍ يُقِرُّ بابنٍ للمَيِّتِ، أو أخٍ مِن أبٍ يُقِرُّ بأخٍ مِن أبوين، فإنَّه يَثْبُتُ نَسَبُه بذلك ويَرِثُ، ويَسْقُطُ المُقِرُّ. هذا اختيارُ ابنِ حامدٍ، والقاضي، وابنِ سُرَيجٍ (١). وقال أكثرُ أصحابِ الشافعيِّ: يَثْبُتُ نَسَبُ المُقَرِّ به ولا يَرِثُ، لأنَّ تورِيثَه يُفْضِي إلى إسْقاطِ توريثِه، فسَقَطَ، لأنَّه لو وَرِثَ لخَرَجَ المُقِرُّ عن كونِه وارِثًا، فيَبْطُلُ إقْرارُه ويَسْقُطُ نَسَبُ المُقَرِّ به وتورِيثُه، فيُؤَدِّي توريثُه إلى إسْقاطِ تورِيثِه، فأثْبَتْنا النَّسَبَ دُونَ الميراثِ. ولَنا، أنَّه ابنٌ ثابتُ النَّسبِ، لم يوجَدْ في حقِّه مانِعٌ مِن الإِرْثِ، فيدْخُلُ في عموم قولِه تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَينِ﴾ (٢). أو فيَرِثُ كما لو ثَبَت نَسَبُه ببَيِّنَةٍ، ولأنَّ ثُبوتَ النسبِ سبَبٌ للميراثِ، فلا يجوزُ قَطْعُ حُكْمِه عنه، ولا تَورِيثُ محجوبٍ به مع وجودِه وسلامتِه مِن الموانِعِ. وما
стр. 8954
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
احتَجُّوا به لا يصِحُّ؛ لأنَّا إنَّما نعتَبِرُ كونَ المُقِرِّ وارثًا على تقديرِ عدمِ المُقَرِّ به، وخُروجُه عن الميراثِ بالإِقرارِ لا يمنعُ صِحَّتَه، بدليلِ أنَّ الابنَ إذا أقَرَّ بأخٍ، فإنَّه يَرِثُ مع كونِه يَخْرُجُ بإقْرارِه عن أن يكونَ جَميعَ الوَرثةِ. فإن قِيلَ: إنَّما يُقْبَل إقْرارُه إذا صَدَّقَه المُقَرُّ به، فصار إقرارًا مِن جَميعِ الورَثِة، وإن كان المُقَرُّ به طفلًا أو مجنونًا لم يُعْتَبَرْ قولُه، فقد أقَرَّ كُلُّ مَن يُعْتَبَرُ قولُه. قُلْنا: ومِثْلُه ههُنا، فإنَّه إن كان المُقَرُّ به كبيرًا فلا بُدَّ مِن تَصْدِيقِه، فقد أقَرَّ به كُلُّ مَن يُعْتَبَرُ إقرارُه، وإن كان صغيرًا غيرَ مُعْتَبَرِ القولِ لم يثْبُتِ النَّسبُ بقولِ الآخَرِ، كما لو كانا (١) اثْنَين أحدُهما صغيرٌ فأقَرَّ البالِغُ بأخٍ آخَرَ، لم يُقْبَلْ، ولم يقولوا: [به، و] (٢) لا تُعْتَبَرُ موافَقَتُه. كذا ها هنا. ولأنَّه لو كان في يدِ إنسانٍ عبدٌ محْكومٌ له بمِلْكِه، فأقَرَّ به لغيرِه، ثَبَت للمُقَرِّ له وإن كان المُقِرُّ يخرُجُ بالإِقرارِ عن كونِه مالِكًا، كذا ها هنا.
стр. 8955
وَإنْ أقَرَّ بَعْضُهُمْ لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ، إلا أَنْ يَشْهَدَ مِنْهُمْ عَدْلَانِ أنَّهُ وُلِدَ عَلىَ فِرَاشِهِ، أوْ أنَّ الْمَيِّتَ أقَرَّ بِهِ.
ــ
٢٨٧١ - مسألة: (وإن أقَرَّ بعضُهُم لم يَثْبُتْ نسبُه، إلَّا أن يشهدَ منهم عَدْلان أنَّه وُلِدَ على فراشِه، أو أنَّ الميِّتَ أقَرَّ به) وجملتُه، أنَّه إذا أقَرَّ أحدُ الوارِثين بوارثٍ مشاركٍ لهم في الميراثِ، لم يَثْبُتِ النَّسبُ بالإِجماعِ؛ لأنَّ النَّسبَ لا يَتَبَعَّضُ، فلا يُمْكِنُ إثْباتُه في حقِّ المُقِرِّ دُونَ المنكِرِ، ولا إثباتُه في حقِّهما؛ لأنَّ أحدَهما مُنْكِرٌ، فلا يُقْبل إقرارُ غيره عليه، ولم تُوجَدْ شَهادَةٌ يثبُتُ بها النَّسبُ ولو كان المُقِرُّ عَدْلَينِ؛ لأنَّه إقرارٌ مِن بعضِ
стр. 8956
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الورثةِ. وقال أبو حنيفةَ: يثْبْتُ إذا كانا عَدْلَين؛ لأنَّهما بَيَنةٌ، فهو كما لو شَهِدا به. ولَنا، أنَّه إقْرارٌ مِن بَعضِ الوَرَثَةِ، فلم يثْبُتْ به النَّسبُ، كالواحِدِ. وفارَقَ الشَّهادَةَ؛ لأنَّه يُعْتَبَرُ فيها العدالةُ والذكوريةُ، والإِقرارُ بخلافِه. فأمَّا إن شَهِدَ به عَدْلان، أو شَهِدا أنَّه وُلِدَ على فراشِه، أو أنَّ الميِّتَ أقَرَّ به، ثَبَت النَّسبُ وشارَكَهم في الإِرثِ؛ لأنَّهما لو شَهِدا على غيرِ مورُوثِهما قُبِلَ، فكذلك إذا شَهِدا عليه.
стр. 8957
وَعَلَى الْمُقِرِّ أنْ يَدْفَعَ إِلَيهِ فَضْلَ مَا في يَدِهِ عَنْ مِيرَاثِهِ. فَإِذَا أقَرَّ أَحَدُ الابْنَينِ بِأَخٍ فَلَهُ ثُلُثُ مَا في يَدِهِ، وَإنْ أقَرَّ بِأُخْتٍ فَلَهَا خُمْسُ مَا في يَدِهِ.
ــ
٢٨٧٢ - مسألة: (وعلى المُقِرِّ أن يدفَعَ إليه فَضْلَ ما في يدِه عن مِيراثِه) إذا أقَرَّ بعضُ الورثَةِ ولم يَثْبُتْ نَسَبُه، لَزِمَ المُقِرَّ أن يدْفَعَ إليه فَضْلَ ما في يدِه، كمَن خَلَّفَ وَلَدَينِ فأقَرَّ أحدُهما بأخٍ، فله ثُلُثُ ما في يدِه، وإن أقَرَّ بأُخْتٍ، دَفَع إليها خُمْسَ ما في يدِه عن ميراثِه. هذا قولُ مالكٍ، والأوْزَاعِيِّ، والثَّوْرِيِّ، وابنِ أبي لَيلَى، والحسنِ بنِ صالحٍ، وشَرِيكٍ، ويحيى بنِ آدمَ، ووَكيع، وإسحاقَ، وأبي عُبَيدٍ، وأبي ثَوْرٍ، وأهلِ البصرةِ. وقال النَّخَعِيُّ، وحمادٌ، وأبو حنيفةَ وأصحابُه: يُقاسِمُه ما في يدِه؛ لأنَّه يقُولُ: أنا وأنت سواءٌ في ميراثِ أبِينا. وكأنَّ ما أخَذَه
стр. 8958
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المُنْكِرُ تَلِف أو غُصِبَ، فيَسْتَوى فيما بَقِي. وقال الشافعيُّ، وداودُ: لا يلزَمُه في الظاهِرِ دفْعُ شيءٍ إليه، وهل يلزَمُه فيما بينَه وبينَ اللهِ تعالى؟ على قولَين؛ أصَحُّهما، لا يَلْزَمُه؛ لأنَّه لا يَرِثُ مَن لا يثْبُتُ نَسَبُه. وإذا قلنا: يلزَمُه. ففي قدْرِه وَجْهان (١). ولَنا على الشافعيِّ، أنَّه أقَرَّ بحقٍّ لمُدَّعِيه يمكِنُ صِدْقُه فيه، ويدُ المُقِرِّ عليه وهو متمَكِّنٌ مِن دَفْعِه إليه، فلزِمَه ذلك، كما لو أقَرَّ له بمُعَيَّنٍ، ولأنَّه إذا عَلِمَ أنَّ هذا أخوه وله ثُلُثُ الترِكَةِ، وتَيَقَّنَ اسْتِحْقاقَه لها، وفي يدِه بعضُه وصاحبُه يَطْلُبُه، لَزِمَه دفعُه إليه وحَرُمَ عليه منْعُه منه، كما في سائِرِ المواضِعِ، وعَدَمُ ثُبُوتِ نَسَبِه في الظَّاهِرِ لا يمنْعُ وجوبَ دفْعِه إليه، كما لو غَصَبَه شيئًا ولم تَقُمْ بَيِّنةٌ بغصْبه. ولَنا على أبي حنيفةَ، أنَّه أقَرَّ له بالفاضِلِ عن ميراثِه، فلم يلزَمْه أكثرُ ممَّا أقَرَّ به، كما لو أقَرَّ له بشيءٍ مُعَيَّنٍ، ولأنَّه حقٌّ تعلَّقَ بمحَلٍّ مُشْتَرَكٍ بإقْرارِ أحدِ الشَّرِيكَين، فلم يَلْزَمْه أكثرُ مِن قِسْطِه، كما لو أقَرَّ أحدُ الشَّريكَين بجنايَةٍ على العبْدِ. ولأنَّ التركَةَ بَينَهم أثْلاثًا، فلا يستَحِقُّ ممَّا في يدِه إلَّا الثُّلُثَ، كما لو ثَبَت نَسَبُه ببَيِّنةٍ. ولأنَّه إقرارٌ يتعَلَّقُ بحصَّتِه وحصَّةِ أخيه، فلا يلزَمُه أكثرُ مما يخصُّه، كالإِقْرارِ بالوَصِيَّةِ، وكإقْرارِ أحدِ الشَّريكَين على مالِ الشَّرِكَةِ بدَينٍ. ولأنَّه لو شَهِدَ معه أجْنَبِيٌّ بالنَّسبِ ثَبَت، ولو لَزِمَه أكثرُ مِن حصَّتِه لم تُقْبَلْ شهادتُه؛ لأنَّه يَجُرُّ بها نفْعًا إلى نَفْسِه، لكونِه يُسْقِطُ بعضَ ما يُسْتَحَقُّ عليه.
стр. 8959
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فعلى هذا، إذا خَلَّف اثْنَين فأقَرَّ أحدُهما بأخٍ، فللمُقَرِّ له ثُلُثُ ما في يدِ المُقِرِّ، وهو سُدْسُ المالِ؛ لأنَّه يقُولُ: نحنُ ثلاثةٌ، لكُلِّ واحدٍ منَّا الثُّلُثُ، وفي يَدِي النِّصْفُ، ففضَل في يَدِي لك السُّدْسُ. فيدْفَعُه إليه، وهو ثُلُثُ ما في يَدِه. وفي قولِ أبي حنيفةَ، يدْفَعُ إليه نِصْفَ ما في يَدِه، وهو الرُّبْعُ. وإن أقَرَّ بأختٍ، دفَعَ إليها خُمْسَ ما في يدِه؛ لأنَّه يقولُ: نحن أخَوان وأختٌ، فلكِ الخُمْسُ مِن جميعِ المالِ، وهو خُمْسُ ما في يدِي وخُمْسُ ما في يدِ أخي. فيدْفَعُ إليها خُمْسَ ما في يدِه. وفي قولِهم، يدْفَعُ إليها ثُلُثَ ما في يدِه. وفارق ما إذا غُصِبَ بعضُ التَّرِكَةِ وهما اثنان؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما يَسْتَحِقُّ النِّصْفَ مِن كلِّ جُزْءٍ مِن التَّرِكَةِ، وههنا يَسْتَحِقُّ الثُّلُثَ، فافترقا.
فصل: إذا خَلَّفَ ابنًا واحدًا فأقَرَّ بأخٍ مِن أبيه، دَفَع إليه نِصْفَ ما في يدِه. في قولِ الجميعِ. فإن أقَرَّ بعدَه بآخَرَ، فاتَّفقا عليه، دَفَعا إليه ثُلُثَ ما في أيدِيهما. في قولِهم جميعًا. فإن أنْكَرَ المُقَرُّ به ثانيًا المُقَرَّ به أولًا، لم يثْبُتْ نَسَبُه. قال القاضي: هذا مَثَلٌ للعامَّةِ، تقولُ (١): أدْخِلْنِي أُخْرِجْكَ. وليس له أن يأخُذَ أكثَرَ مِن ثُلُثِ ما في أيدِيهما (٢)؛ لأنَّه لم يُقِرَّ بأكثرَ منه. وقال الشافعيُّ: يلْزَمُ المُقِرَّ أن يَغْرَمَ له نصف التَّرِكَةِ؛ لأنَّه أتْلَفه عليه بإقْرارِه الأوَّلِ. قال شيخُنا (٣): ويَحْتَمِلُ أن لا
стр. 8960
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يَبْطُلَ نسَبُ الأوَّلِ؛ لأنَّه ثَبَت بقولِ مَن هو كلُّ الورَثَةِ حال الإِقْرارِ. وإن لم يُصدِّقِ المُقَرُّ به الأوَّلُ بالثاني، لم يثْبُتْ نَسَبُه، ويَدْفَعُ إليه المُقِرُّ ثُلُثَ ما بَقِيَ في يدِه؛ لأنَّه الفضلُ الذي في يدِه. ويَحْتَمِلُ أن يَلْزَمَه (١) ثُلُثُ جميعِ المالِ؛ لأنَّه فَوَّته عليه بدَفعِ النِّصْفِ إلى الأوَّلِ، وهو يُقِرُّ أنَّه لا يستَحِقُّ إلَّا الثُّلُثَ. وسواءٌ دفَعه إليه بحُكْمِ حاكم أو بغيرِ حُكْمِه؛ لأنَّ إقرارَه عِلَّةُ حُكمِ الحاكمِ. وسواءٌ عَلِم بالحالِ عندَ إقرارِه بالأوَّلِ أو لم يَعْلَمْ؛ لأنَّ العَمْدَ والخطَأ واحدٌ في ضَمانِ ما يَتْلَفُ. وحُكِيَ نحوُ هذا عن شَرِيكٍ. ويَحْتَمِلُ أنَّه إن عَلِمَ بالثانِي حينَ إقْرارِه (٢) بالأوَّلِ، وعلم أنَّه إذا أقَرَّ به بعدَ الأوَّلِ لا يُقْبَلُ، ضَمِنَ؛ لأنَّه فَوَّتَ حقَّ غيرِه بتَفْرِيطِه، وإن لم يَعْلَمْ لم يَضْمَنْ؛ لأنَّه يَجِبُ (٣) عليه الإِقْرارُ بالأوَّلِ إذا عَلِمَه، ولا يُحْوجُه إلى حاكم، ومَن فَعَل الواجِبَ فقد أحْسَنَ وليس بخائن، فلا يَضْمَنُ. وقِيلَ: هذا قياسُ قولِ الشافعيِّ. وقال أبو حنيفةَ: إن كان الدفْعُ بحُكْمِ حاكم دَفَعَ إلى الثاني نِصْفَ ما بَقِيَ في يدِه؛ لأنَّ حُكْمَ الحاكِم كالأخْذِ منه كَرْهًا، وإن دفعَه بغيرِ حاكم دَفَع إلى الثاني ثُلُثَ جميعِ المالِ؛ لأنَّه دفَعَ إلى الأوَّلِ ما ليس له تبرُّعًا. ولَنا على الأوَّلِ، أنَّه أقَرَّ بما يَجِبُ عليه الإِقرارُ به فلم يَضْمَنْ ما تَلِف به، كما لو قَطَع الإمامُ يدَ السَّارِقِ فسرَى إلى
стр. 8961
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِ الْمُقِرِّ فَضْلٌ، فَلَا شَيْءَ لِلْمُقَرِّ بِهِ. فَإِذَا خَلَّفَ أخًا مِنْ أبٍ وَأَخًا مِنْ أمٍّ، فَأقرَّا بِأخٍ مِنْ أبوَينِ، ثَبَتَ نَسَبُهُ وَأخَذَ مَا فِي يَدِ الْأَخِ مِنَ الأبِ. وإنْ أقرَّ بِهِ الْأَخُ مِنَ الْأَبِ وَحْدَهُ، أَخَذَ مَا فِي يَدِهِ، وَلَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ. وَإنْ أقرَّ بِهِ الأخُ مِنَ الأمِّ وَحْدَهُ أوْ أَقَرَّ بِأخٍ سِوَاهُ، فَلَا شَيْءَ لَهُ.
ــ
نفسِه. وإن أقَرَّ بعدَهما بثالثٍ فصَدَّقاه ثَبت نسبُه، وأخَذَ رُبْعَ ما في يدِ كلِّ واحدٍ منهم، إذا كان مع كلِّ واحدٍ ثُلُثُ المالِ، وإن كذَّباه لم يثْبُت نَسبُه، وأخَذَ رُبْعَ ما في يدِ المُقِرِّ به. وفي ضمانِه له ما زاد التفصيلُ في التي قبلَها. وعلى مِثْلِ قولِنا قال ابنُ أبي لَيلَى، وأهلُ المدينةِ، وبعضُ أهلِ البَصْرةِ.
٢٨٧٣ - مسألة: (فإن لم يكنْ في يدِ المُقِرِّ فَضْلٌ، فلا شيءَ للمُقَرِّ به) لأنَّه لم يُقِرَّ له بشيءٍ (فإذا خَلَّف أخًا مِن أبٍ وأخًا مِن أُمٍّ، فأقَرّا بأخٍ مِن أبوَين، ثَبَت نَسَبُه) لأن كلَّ الورثَةِ أقَرُّوا به (ويأخذُ) جَميعَ (ما في يدِ الأخِ مِن الأبِ) لأنَّه يُسْقِطه في الميراثِ (وإن أقَرَّ به الأخُ مِن الأبِ وحدَه، أخذَ ما في يدِه) لِما ذكرنا (ولم يثْبُت نسَبُه) لأنَّ الذي أقَرَّ به لا يَرِثُ المال كلَّه (وإن أقَرَّ به الأخ مِن الأمِّ وحدَه، فلا شيءَ له) لأنَّه
стр. 8962
وَطَرِيقُ الْعَمَلِ أنْ تَضْرِبَ مَسْألةَ الإقْرَارِ فِي مَسْألةِ الإنْكَارِ، وَتَدْفَعَ إِلَى الْمُقِرِّ سَهْمَهُ مِنْ مَسْألةِ الإقْرَارِ فِي مَسْألةِ الإنْكَارِ، وَإلَى المُنْكِرِ سَهْمَهُ مِنْ مَسْألةِ الإِنكَارِ فِي مَسْألةِ الإِقرَارِ، وَمَا فضَل
ــ
ليس في يدِه فَضْلٌ يُقِرُّ له به. وكذا إن أقَرَّ بأخٍ آخرَ مِن أُمِّه، لذلك. فأمَّا إن أقَرَّ بأخَوَين مِن ألمٍّ، فإنه يَدْفَعُ إليهِما ثُلُثَ ما في يدِه؛ لأن في يدِه السُّدْسَ، فبإقْرارِه اعْتَرَفَ أنَّه لا يستَحِقُّ مِن الميراثِ إلَّا التُّسْعَ، فيَبْقَى في يدِه نِصْفُ التُّسْعِ، وهو ثُلُثُ ما في يدِه. وقال أبو حنيفة في ثَلاثَةِ إخْوَةٍ مُفْتَرِقين: إذا أقَرَّ الأخُ مِن الأمِّ بأخٍ من أُمٍّ، فله نِصْفُ ما في يدِه، وإن أقَرَّ بأخٍ من أبوَين، فللمُقَرِّ به خمسةُ أسْباعِ ما في يدِه. وعلى قولِنا، لا يأخُذُ منه شيئًا؛ لأنَّه لا فَضْلَ في يدِه.
٢٨٧٤ - مسألة: (وطَرِيقُ العَمَلِ) فيها (أن تَضْرِبَ مسألةَ الإقْرارِ في مسألةِ الإنكارِ، وتَدْفَعَ إلى المُقِرِّ سهمَه مِن مسألةِ الإقرارِ) مضْروبٌ (في مسألةِ الإنْكارِ، وللمُنْكِرِ سهمَه مِن مسألةِ الانْكارِ) مضروبٌ (في مسألةِ الإقرارِ، وما فَضَل فهو للمُقَرِّ به. فلو خَلَّف ابْنَين،
стр. 8963
فَهُوَ لِلْمُقَرِّ بِهِ. فَلَوْ خَلَّفَ ابْنَينِ، فَأقَرَّ أحدُهُمَا بِأخَوَين , فَصَدَّقَهُ أخُوهُ فِي أحَدِهِمَا، ثَبَتَ نَسَبُ الْمُتَّفَقِ عَلَيهِ، فَصَارُوا ثَلَاثَةً، ثُمَّ تَضْرِبُ مَسْألةَ الإقْرَارِ فِي مَسْألةِ الإنْكَارِ تَكُنِ اثْنَيْ عَشَرَ؛ لِلْمُنْكِرِ سهْمٌ مِنَ الإنْكَارِ فِي الإقْرَارِ، أرْبَعَةٌ، وَلِلْمُقِرِّ سهْمٌ مِنَ الإقْرَارِ فِي مَسْألةِ الإنْكَارِ، ثَلَاثةٌ، وَلِلْمُتَّفَقِ عَلَيه إِنْ صَدَّقَ المُقِرَّ مِثْلُ سهْمِهِ، وَإنْ أنْكَرَهُ مِثْلُ سهْمِ الْمُنْكِرِ، وَمَا فَضَلَ لِلْمُخْتَلَفِ فِيهِ، وَهُوَ سَهْمَانِ فِي حَالِ التَّصْدِيقِ وَسَهْمٌ فِي حَالِ الإنْكَارِ. وَقَال أبو الْخَطَّابِ: لَا يَأخُذُ الْمُتَّفَقُ عَلَيهِ مِنَ المُنْكِرِ فِي حَالِ التَّصْدِيقِ إلَّا رُبْعَ مَا فِي يَدِهِ. وَصَحِّحْهَا مِنْ ثَمَانِيَةٍ، لِلْمُنْكِرِ ثَلَاثَةٌ، وَلِلْمُخْتَلَفِ
ــ
فأقَرَّ أحدُهما بأخَوَين، فصدَّقَه أخوه في أحدِهما، ثَبَت نَسَبُ المُتَّفَقِ عليه، فصاروا ثلاثةً، ثم تَضْرِبُ مسألةَ الإِقرارِ في مسألةِ الإنْكارِ تكنِ اثْنَيْ عَشَرَ، للمُنْكِرِ سَهْمٌ مِن الإنكارِ في الإِقرارِ، أربعةٌ، وللمُقِرِّ سَهْمٌ مِن الإِقرارِ في الإِنكارِ، ثلاثةٌ، وللمُتَّفَقِ عليه إن صدَّقَ المُقِرَّ مِثْلُ سهْمِه، وإن أنْكَرَ مِثْلُ سهْمِ المُنْكِرِ، وما فَضَل للمُخْتَلَفِ فيه، وهو سَهْمان في حالِ التصديقِ وسَهْمٌ في حالِ الإِنْكارِ. وقال أبو الخَطّابِ: لا يأخُذُ المُتَّفَقُ عليه مِن المُنْكِرِ في حالِ التصديقِ إلا رُبْعَ ما في يدِه. وصَحَّحَها
стр. 8964
فِيهِ سَهْمٌ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الأخَوَينِ سَهْمَانِ.
ــ
مِن ثمانيةٍ؛ للمُنْكِرِ ثلاثةٌ، وللمُخْتَلَفِ فيه سَهْمٌ، ولكُلِّ واحدٍ مِن الأخَوَين سهمان) إذا خَلَّفَ ابْنَين، فأقَرَّ الأكْبَرُ بأخوين، فصدَّقَه الأصغَر في أحدِهما، ثَبَتَ نَسَبُ المتَّفَقِ عليه، فصاروا ثَلاثة، فمسألةُ الإنْكارِ إذًا مِن ثلاثةٍ، ومسألةُ الإِقرارِ مِن أربعةٍ، فتضْرِبُ إحْداهُما في الأخْرَى تكن اثْنَيْ عَشَرَ؛ للأصغَرِ سَهْمٌ مِن مسألةِ الإنْكارِ في مسألةِ الإِقرارِ، أرْبَعَةٌ، وللأكْبَرِ سَهْمٌ مِن مسألةِ الإِقرارِ في مسألةِ الإِنْكارِ، ثلاثَةٌ، وللمُتَّفَقِ عليه إن أقَرَّ بصاحِبه مِثل سَهْمِ الأكْبَرِ، وإن أنْكَرَ مِثلُ سهمِ الأصْغَرِ. وذكَرَ أبو الخطَّابِ أَنَّ المُتَّفَقَ عليه إن صدَّقَ بِصاحبه لم يَأخُذْ مِن المُنْكِرِ إلَّا رُبْعَ ما في يدِه؛ لأنَّه لا يدَّعِي أكثرَ منه، ويأخذُ هو والمُختلَفُ فيه مِن الأكْبَرِ نِصْفَ ما في يدِه، فتصِحُّ مِن ثمانيةٍ، للمُنْكِرِ ثلاثةُ أثمان، وللمُقِرِّ سهمانِ، وللمُتَّفَقِ عليه سهمانِ، وللآخَرِ سهْمٌ. وذكر ابنُ اللَّبانِ أنَّ هذا
стр. 8965
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قياسُ قولِ مالكٍ، والشافعيِّ. وفي هذا نَظَرٌ؛ لأنَّ المنْكِرَ يُقِرُّ أنَّه لا يَسْتَحِقُّ إلَّا الثُّلُثَ، وقد حضرَ مَن يدَّعِي الزَّيادةَ، فوجَبَ دفْعُها إليه. ونظيرُ هذا ما لو ادَّعَى إنسانٌ دارًا في يدِ رجلٍ، فأقَرَّ بها لغيرِه، فقال المُقَرُّ له: إنَّما هي لهذا المدَّعِي. فإنَّها تُدْفَعُ إليه. وقد رَدَّ الخَبْرِيُّ على ابنِ اللَّبَّانِ هذا القولَ، وقال: على هذا يَبْقَى مع المُنْكِرِ ثلاثةُ أثْمانٍ، وهو لا يدَّعِي إلَّا الثُّلُثَ، وقد حَضَرَ مَن يدَّعِي هذه الزِّيادةَ، ولا مُنازِعَ له فيها، فيجبُ دفْعُها إليه. قال: والصَّحِيحُ أن يَضُمَّ المُتَّفَقُ عليه السُّدْسَ الذي يأخذُه مِن المُقَرِّ به، فيَضُمَّه إلى النِّصْفِ الذي هو بيدِ المُقَرِّ بهما، فيَقْتَسِمانِه أثْلاثًا، فتصِحُّ مِن تِسْعةٍ؛ للمُنْكِرِ ثلاثةٌ، ولكُلِّ واحدٍ مِن الأخَوَين سهمان. وهذا قولُ أبي يوسفَ إذا تَصادَقَا. قال شيخُنا (١): ولا يَسْتَقيمُ هذا على قولِ مَن لا يُلزِمُ المُقِرَّ أكثرَ مِن الفَضْلِ عن ميراثِه؛ لأنَّ المُقَرَّ بهما والمُتَّفَقَ عليه لا ينقُصُ ميراثُه عن الرُّبْعِ، ولم يحصُلْ له على هذا القولِ إلَّا التُّسْعان. وقيل: يَدْفَعُ الأكْبَرُ إليهما نِصْفَ ما في يدِه، ويأخذُ المُتَّفَقُ عليه مِن الأصْغرِ ثُلُثَ ما في يدِه، فيحْصُلُ للأصْغرِ الثُّلُثُ، وللأكْبَرِ الرُّبْعُ، وللمُتَّفَقِ عليه السُّدْسُ والثُّمْنُ، وللمُخْتَلَفِ فيه الثُّمْنُ،