← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 19188

الشرح الكبير على المقنع - ت التركي

ابن أبي عمر

Полный текст (15 006 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

فَإذَا بَلَغَ الْحَيعَلَةَ الْتَفَتَ يَمِينًا وَشِمَالًا وَلم يَسْتَدِرْ، ــ وإن مشَى في أذانِه، لم يَبْطُلْ به (١)؛ لأنَّ الخُطبةَ لا تَبْطُلُ به، وهي آكَدُ منه، ولأنه لا يُخِلُّ بالإعلامِ المَقْصُودِ مِن الأذانِ. وسُئِل أحمدُ عن الرجلِ، يُؤذِّنُ وهو يَمشِي؟ قال: نعم، أمرُ الأذانِ عِنْدِي سَهْل. وسُئِل عن المؤذنِ يَمشِي وهو يقيمُ؟ فقال: يُعجِبُنِي أن يَفْرُغَ ثم يمشِي. وقال في رِوايِة حَرب، في المُسافِرِ: أحَب إليَّ أن يُؤذِّنَ ووَجْهُه إلى القِبْلَةِ، وأرجُو أن يُجْزيء. ٢٦٩ - مسألة: (فإذا بَلَغ الحيعَلَةَ الْتَفَتَ يَمِينًا وَشِمالًا، ولم يَستَدِرْ) الحَيعَلَةُ قَولُه: حَيَّ على الصلاةِ، حي على الفَلاحِ. ويُسْتحَبُّ للمُؤذنِ أن يَلْتَفِتَ يَمِينًا إذا قال: حَيَّ على الصلاةِ. ويَسارًا إذا قال: حَى

стр. 947

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ على الفلاحِ. ولا يزِيلُ قدَمَيه. وهذا ظاهِرُ كلام الخِرَقي. وهو قولُ النخعِي، والثوْرِي، والأوْزاعِي، وأبي حنيفةَ وصَاحِبَيه، والشافعي؛ لِما روَى أبو جُحَيفَةَ، قال: رَأيتُ بِلالًا يُؤذِّنُ، فجَعَلْتُ أتتَبَّعُ فاه ههُنا وههُنا، يَقُولُ يَمِينًا وشِمالًا، يقولُ: حَي على الصلاةِ، حَي على الفَلاحِ. مُتفَق عليه (١). وفي لفظٍ قال: أتيتُ رسولَ اللهِ ﷺ وهو في قُبَّةٍ حَمراءَ مِن أدَم، فخرَجَ بلالٌ فأذَّنَ، فلَمّا بَلَغ؛ حَيَّ على الصلاةِ حَيَّ على الفَلاحِ، لَوَّى عُنُقَه يَمِينًا وشِمالًا، ولم يَستدِر. رَواه أبو داودَ (٢). وذَكَر أصحابُنا، عن أحمدَ في مَن أذَّنَ في المَنارَةِ روايَتَين، إحداهما، لا يَدُورُ؛ للخَبَرِ، وكما لو كان على وَجْهِ الأرض. والثانية، يَدُورُ، لأنَّه لا يَحصُلُ بدونِه، وتحصِيل (٣) المَقْصُودِ مع الإخْلالِ بالأدَبِ أوْلَى مِن العَكْس. وهذا قول إسحاقَ.

стр. 948

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: ويُسْتَحَب رَفْعُ الصوْتِ بالأذان لأنه أبلَغُ في الإعلام، وأعظَمُ للأجْرِ؛ لِما ذَكَرنا في خَبَرِ أبي سعيدٍ (١)، ولا يُجْهِدُ نَفْسَه زِيادَةً على طاقَتِه؛ كيلا يُضِرَّ بنَفْسِه، ويَنْقَطِعَ صَوْتُه. قال القاضي: ويَرفَعُ نَظَرَه إلى السَّماءِ؛ لأن فيه حَقِيقَةَ التوْحِيدِ، ومتى أذّن لعامَّةِ النّاس جَهر بجَمِيع الأذانِ، ولا يَجْهرُ بالبَعضِ ويُخافِتُ بالبَعض؛ لأَنه يُخِلُّ بمَقْصُودِ الأذانِ، وإن أذَّن لنَفْسِه، أو لجَماعَةٍ خاصةٍ حاضِرِينَ، فلَه أن يُخافِتَ ويَجْهرَ، وأن يَجْهرَ بالبعض ويُخافِتَ بالبعض، إلَّا أن يكونَ في غيرِ وَقتِ الأذانِ، فلا يَجْهرُ بشيءٍ مِنه؛ لئلا يَغُرَّ الناس.

стр. 949

وَيَجْعَلَ إصبَعَيهِ في أُذُنَيهِ، ــ ٢٧٠ - مسألة: (ويَجعَلَ إصبَعَيه في أُذُنَيْه) وذلك مُسْتَحب، وهو المَشْهُورُ عن أحمدَ، وعليه العَمَلُ عندَ أهلِ العلمِ. كذلك قال الترمِذِي؛ لِما روَى أبو جُحَيفَةَ، أن بِلالًا وَضَع إصبَعَيه في أذُنيه. رَواه الإمامُ أحمدُ، والترمِذي (١)، وقال: حديث حسن صحيح. وعن سعدٍ القَرَظِ (٢)، أن رسولَ الله ﷺ أمَرَ بِلالا أن يَجْعَلَ إصبَعَيه في أذُنَيه، وقال: «إنهُ أرفَعُ لِصَوْتِكَ». رَواه ابنُ ماجَه (٣). وقال الخِرَقي: يَجْعَل أصابعَه (٤) مَضْمُومَةً على أذُنَيه. رَواه أبو طالب عن أحمدَ، أنه قال: أحَبُّ إلى أن يَجْعَلَ يَدَيه على أذنيه، على حديثِ أبي مَحذُورَةَ. واحتَج لذلك

стр. 950

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ القاضي بما روَى أبو حَفْصٍ، بإسْنادِه عن ابنِ عُمَرَ، ﵄، أنّه كان إذا بَعَث مُؤذنًا يقُولُ له: اضْمُم أصابِعَك مع كَفَّيك، واجْعَلْها مَضْمُومَةً على أذُنيك. وبما روَى الإمامُ أحمدُ، عن أبي مَحذُورَةَ، أنَّه كان يَضُمُّ أصابِعَه. والأولُ أصَحُّ؛ لصِحَّةِ الحديثِ وشُهْرَتِه، وعَمَلِ أهلِ العلمِ به، وأيَّهما فَعَل فحَسَنٌ، وإن تَرَك الكل فلا بأسَ.

стр. 951

وَيتَوَلَّاهُمَا مَعًا، ــ ٢٧١ - مسألة: (ويَتَوَلَّاهما معًا) يُسْتَحبُّ أن يَتَوَلَّى الإقامَةَ مَن يَتَوَلَّى الأذانَ. وهو قولُ الشافعي. وقال أبو حنيفةَ، ومالك: لا فَرقَ بينَه وبينَ غيرِه؛ لِما روَى أبو داودَ (١)، في حديثِ عبدِ الله بنِ زَيدٍ، حينَ رَأى الأذانَ، فقال له النبي ﷺ : «ألْقِهِ عَلَى بلَالٍ؛ فَإنهُ أنْدَى صَوتا مِنْكَ» فَألْقاهُ عليه، فأذَّنَ بِلال، فقال عبدُ الله: أنا رَأيتُه، وأنا كُنْتُ أرِيدُه. قال ماله: «أقم أنْتَ». ولأنه يَحصُلُ المَقْصُودُ منه، أشْبَه ما لو تَوَلاهُما معًا. ولَنا، قولُ النبي ﷺ في حديثِ زِيادِ بنِ الحارِثِ الصُّدائِي: «إن أخَا صُدَاءَ (٢) أذَّنَ، وَمَنْ أذَّنَ فَهُوَ يقيمُ» (٣). ولأَنهما ذِكْران يتَقَدَّمان الصلاةَ، فيُسَنُّ أن يتَوَلاهما واحِدٌ، كالخُطبتَين، وما ذكَرُوه يَدُل على الجَوازِ، وهذا على الاسْتحبابِ. فصل: فإن سُبِق المؤذنُ بالأذانِ، فأراد المؤذِّن أن يُقِيمَ، فقال أحمدُ: لو أعادَ الأذانَ كما صَنَع أبو مَحذُورَةَ. فرَوَى عبدُ العزيزِ بنُ

стр. 952

وَيقيمَ فِي مَوْضِعِ أذَانِهِ، إلَّا أنْ يَشُقَّ عَلَيهِ. ــ رُفَيعٍ (١)، قال: رأيتُ رجلًا أذَّنَ قبلَ أبي مَحذُورَةَ، قال: فجاء أبو مَحذُورَةَ، فأذنَ، ثم أقامَ. أخْرَجَه الأثْرَمُ. فإن أقام بغيرِ إعادَةٍ، فلا بَأسَ. وبه قال مالكٌ، والشافعي، وأصحابُ الرَّأي، لِما ذَكَرنا مِن حديثِ عبدِ اللهِ بنِ زيدٍ. ٢٧٢ - مسألة: (و) يُستحَب للمُؤذنِ أن (يقيمَ في مَوْضِع أذانِه، إلَا أن يَشُقَّ عليه) يَعنِي يقيمُ الصلاةَ في المَوْضِع الذي يُؤذن فيه. كذلك رُوِيَ عن أحمدَ، قال: أحَب إلى أن يقِيمَ في مَكانِه، ولم يَبْلُغْنِي فيه شيءٌ إلَا حديثُ بِلال: «لَا تَسْبِقْنِي بآمِينَ» (٢)،. يَعنِي لو كان يُقِيمُ في المسجدِ، لَما خاف أن يَسْبِقَه بالتَّأمِينِ؛ لأنَّ النبي ﷺ إنما كان يُكَبِّر بعدَ فَراغِ بِلالٍ مِن الإقامَةِ، ولأن الإقامَةَ شُرِعَتْ للإعلامِ، بدَلِيلِ قولِ ابنِ عُمرَ: كُنّا إذا سمعنا الإقامَةَ تَوَضَّأنا ثم خَرَجْنا إلى الصلاةِ (٣). فيَنْبَغِي أن تكُونَ في مَوْضع الأذانِ؛ لكَوْنِه أْبلَغ في الإعلامِ، فأمّا إن شق عليه

стр. 953

وَلَا يَصِحُّ الأذَانُ إلَّا مُرَتبًا مُتَوَالِيًا، فَإنْ نَكَّسَهُ أوْ فَرَّقَ بَيْنَهُ بِسُكُوتٍ طَوِيلٍ، أوْ كَلَامٍ كَثِيرٍ، أوْ محَرَّم، لَمْ يُعتَدَّ بِهِ. ــ ذلك، بحيث يُؤذنُ (١) في المنارَةِ أو [في مكانٍ] (٢) بَعِيدٍ مِن المسجدِ، فيُقِيمُ في غيرِ مَوْضِعِه؛ لئلا يَفُوتهَ بعضُ الصلاةِ. فصل: ولا يُقِيمُ إلّا بإذْنِ الإِمامِ، فإنَّ بلالًا كان يَسْتَأذِنُ النبيَّ ﷺ ، وفى حديثِ زيادِ بنِ الحارثِ الصُّدائِيِّ، أنَّه قال: فجَعلْتُ أقولُ للنبيِّ ﷺ : أقِيمُ أقِيمُ (٣)؟ وروَى أبو حَفْص، بإسنادِه، عن عليٍّ، قال: المُؤذَّنُ أملَكُ بالأذانِ، والإمامُ أملَكُ بالإقامَةِ. ورَواه البَيهقِيُّ (٤)، قال: وقد رُوِىَ عن أبى هُرَيْرَةَ مَرفُوعًا، وليس بمَحفوظٍ. ٢٧٣ - مسألة: (ولا يَصِحُّ الأذانُ إلّا مُرَتبًا مُوالِيًا، فإن نَكَّسَه، أو فَرَّق بينَه بسُكُوت طَوِيل، أو كلام كَثِير، أو مُحَرم، لم يُعتَدَّ به) وجُملَةُ ذلك، أن مِن شَرطِ صِحَّةِ الأذانِ أن يكُونَ مُرَتبًا تُوالِيًا؛ لأنَّه لا يُعلَمُ أنه أذان بدُونِهما، ولأنَّه شُرِع في الأصلِ كذلك، وعَلَمَه النبيُّ ﷺ أبا مَحْذُورَةَ مُرَتبًا، فإن نكَّسَه، لم يَصِحَّ؛ لِما ذَكَرنا.

стр. 954

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: ولا يُسْتَحَبُّ أن يَتَكَلَّمَ في أَثْناءِ الأذانِ، وكَرِهه طائِفَة مِن أهلِ العلمِ؛ منهم النَّخَعيُّ، وابنُ سِيرِينَ. قال الأوْزاعِيُّ: لم نَعلَم أحدًا يُقْتَدَى به فَعَل ذلك. ورَخَّصَ فيه الحسنُ، وعَطاء، وعُروَةُ، وسُلَيْمانُ بنُ صُرَدٍ (١). فإن لم يَطُلِ الكلامُ جاز، وإن طال الكلامُ بَطل الأذانُ؛ لإِخْلالِه بالمُوالاةِ المُشْتَرَطَةِ فيه. وكذلك لو سَكَت سُكُوتًا طَوِيلًا، أو تام نَوْمًا طويلًا، أو أغْمِىَ عليه طويلًا (٢)، أو أصابَه جُنُون يَقْطَعُ المُوالاةَ، بَطل أذانُه؛ لِما ذَكَرْنا. وإن كان يَسِيرا مُحَرَّمًا [كالسَّبِّ ونَحوِه] (٣)، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يَبْطُلُ؛ لأنَّه لا يُخِلُّ بالمَقْصُودِ، أشْبَة المُباحَ. والثاني، يَبْطُلُ الأذانُ؛ لأنَّه فَعَل فيه (٤) مُحَرمًا، أشبهَ الرِّدَّةَ. فإن ارتدَّ في أثْناءِ الأذانِ، بَطُلُ؛ لقَوْلِه تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ (٥). وإن ارتَدَّ بعدَه، فقال القاضى: يَبْطُلُ، قِياسًا على الطهارة. قال شَيْخنا (٦): والصحيحُ أنه لا يَبْطُلُ، لأنَّها

стр. 955

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وُجِدَتْ بعدَ فَراغِه، وانْقِضاءِ حُكْمِه، فأشْبَهَ سائِرَ العِباداتِ. فأمَّا الطهارةُ فحُكْمُها باقٍ؛ بدَلِيلِ أنها تَبْطُلُ بمُبْطِلاِتِها، فأمَّا الإقامَةُ فلا يَنْبَغِى أن يَتَكَلَّمَ فيها؛ لأنه يُستحَبُّ حَدرُها. قال أبو داودَ: قلتُ لأحمدَ: الرجل يَتَكَلَّمُ في أذانِه؟ قال: نعم. فقِيلَ له: يَتَكلمُ في الإقامَةِ؟ قال: لا. وقد رُوِىَ عن الزُّهْرِي، أنه إذا تَكلَّم في الإقامَةِ أعادَها. وأكثرُ أهلِ العلمَ على أنه

стр. 956

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يُجزِئُه قِياساً على الأذانِ. وليس للرجلِ أنْ يَبْنىَ علىْ أذانِ غيرِهْ؛ لأنَّها عِبادَةْ بَدَنِيَّة، فلا تَصِحُّ مِن شَخْصَيْن، كالصلاةِ. فأمّا الكلامُ بينَ الأذانِ والإقامَةِ فجائِز، وكذلك بعدَ الإقامَةِ قبلَ الدُّخُولِ في الصلاةِ؛ لأنَّه روِى عُمر، أنَّه كان يُكَلِّم الرَّجُلَ بعدَ ما تُقامُ (١) الصلاةُ. والله أعلمُ.

стр. 957

ولَا يَجُوزُ إلَّا بَعدَ دُخُولِ الْوَقْتِ، إلَّا الْفَجْرَ، فَإنَّهُ يُؤذنُ لَها بعدَ نِصفِ اللَّيْلِ. ــ ٢٧٤ - مسألة: (ولا يَصِحُّ إلّا بعدَ دُخُولِ الوَقْتِ، إلَاّ الفَجْرَ، فإنه يُؤذنُ لها بعدَ نِصفِ الليْلِ) أما الأذانُ لغيرِ الفَجْرِ قبلَ الوَقْتِ، فلا يُجْزِىُّ، بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَع أهلُ العلم على أن مِن السنةِ أن يُؤذن للصلَواتِ بعدَ دُخولِ وَقْتِها، إلَّا الفَجْرَ. ولأنَ الأذانَ شُرِعَ للإعلامِ بالوَقْتِ، فلا يُشْرَعُ قبلَ الوقتِ؛ لعَدَمِ حُصُولِ المَقْصُودِ.

стр. 958

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: وأمّا الفَجْرُ، فيشْرَعُ لها الأذان قبلَ الوَقْتِ. وهو قولُ مالكٍ، والأوْزاعِى، والشافعىَّ، وإسحاقَ. وقال الثَّوْرِى، وأبو حنيفةَ، ومحمد: لا يَجُوزُ؛ لِما روَى ابنُ عُمَرَ، أن بِلالًا أذَّن قبلَ طُلُوعِ الفَجْرِ فأمَره النبيُّ أن يَرجِعَ فيُنادِىَ: «ألَا إنَّ العَبْدَ نَامَ». فرَجعَ فنادَى: ألا إن العَبْدَ نامَ. وعن بِلالٍ أن رسولَ اللهِ ﷺ قال له: «لَا تُؤْذِّن حَتَّى يَسْتَبِين لَكَ الْفَجْرُ هكَذَا». ومَدَّ يَدَيْه عَرضًا. رَواهُما أبو داود (١). وقال طائِفَة مِن أهلِ الحديثِ: إذا كان له مُؤذِّنان، يُؤذنُ أحَدُهُما قبلَ طُلُوعِ الفَجْرِ والآخَرُ بعدَه، فلا بَأسَ وإلَّا فلا؛ لأنّ الأذانَ قبلَ طُلُوعِ (٢) الفَجْرِ يُفَوِّتُ المَقْصُودَ مِن الإعلامِ بالوَقْتِ، فلم يَجُزْ، كبَقِيةِ الصَّلَواتِ، فأمّا إذا كان له مُؤذِّنان يَحصُلُ إعلامُ الوقتِ بأحَدِهما كما كان للنبىِّ ﷺ ، جاز. ولَنا، قَوْلُ النبى ﷺ : «إنَّ بِلَالًا يُؤذنُ بِلَيْلٍ، فَكلُوا وَاشربُوا حَتَّى

стр. 959

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يُؤذِّنَ ابْنُ أمِّ مَكتُومٍ». مُتَّفَقٌ عليه (١). وهذا يَدُلُّ على دَوامِ ذلك منه، وقد أقَره النبي ﷺ عليه، ولم يَنْهه، فدَلَّ على جَوازِه. وروَى زيادُ بنُ الحارِثِ الصُّدائِىُّ، قال: لَما كان أذانُ الصبحِ أمَرَنِى النبي ﷺ فأذنْتُ، فجَعلْتُ أقولُ: أُقِيمُ، أُقِيمُ يا رسولَ الله؟ فجَعَلَ يَنْظُرُ إلى ناحِيَةِ المَشْرِقِ، فيقولُ: «لَا». حتى إذا طَلَع الفَجْرُ نَزَل، فبَرَزَ، ثم انْصَرَف إليَّ وقد تَلاحَقَ أصحابُه، فتَوَضأ، فأراد بِلال أن يقيمُ، فقال النبي ﷺ : «إن أخَا صُدَاءَ قَدْ أذَّنَ، وَمَنْ أذَّنَ فَهُوَ يُقِيمُ». قال: فأقمتُ. رَواه أبو داودَ،

стр. 960

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والترمِذِى (١). وهذا قد أمَرَه النبي ﷺ بالأذانِ قبلَ طُلُوعِ الفَجْرِ، وهو حُجَّة على مَن قال: إنَّما يَجُوزُ ذلك إذا كانَ معه مُؤذِّنان. فإن زِيادًا أذَّنَ وَحدَه، و (٢) حديثُ ابنِ عُمَرَ الذى احتَجُّوا به، لم يَروه كذلك إلّا [حمادُ بنُ سلمة. رَواه حمادُ بنُ زيدٍ] (٣) والدَّراوَردِيُّ (٤)، فقالا: كان مُؤذِّنٌ لعُمَرَ، يُقالُ له: مسعود. وقال (٥): هذا أصَح. وقال الترمِذِى (٦) في هذا الحديثِ: إنَّه غيرُ مَحفُوظٍ. وكذلك قال على (٧) ابنُ المَدِيني. والحديثُ الآخَرُ، قال ابنُ عبدِ البَرِّ (٨): لا تَقُومُ بمِثْلِهِ حجّة؛ لضَعفِه وانْقِطاعِه. وإنما اخْتَصَّتِ الفَجْرُ بذلك دُونَ سائِرِ الصَّلَواتِ؛ لأنه وَقْتُ النوْمِ، ليَتَأهَّبَ النّاسُ للخُرُوجِ إلى الصلاةِ، ويَنْتَبِهُوا، ولا يُوجَدُ ذلك في غيرِها، وقد رُوِىَ في بعض الأحاديِث: «إنَّ بِلَالًا يؤذنُ بِلَيْل؛ لِيَنْتَبِهَ نائِمُكم وَيرجِعَ قَائِمُكُم». رَواه أبو داود (٩). ولا يَنْبَغِى أن يَتَقَدَّمَ على

стр. 961

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الوَقْتِ كثيرًا، إذا كان المَعْنَى فيه ما ذَكَرنا. وقد رُوِى أن بِلالًا كان بينَ أذانِه وأذانِ ابنِ أم مَكتُوم أن ينْزِلَ بهذا ويَصعَدَ هذا (١). وقال بَعضُ أصحابِنا: ويَجُوزُ أن يُؤذن لها بعدَ نِصفِ اللَّيْلِ. وهو مذهبُ الشافعى؛ لأنَّ بذلك يَخْرُجُ وَقْتُ العِشاءِ المُخْتارُ، ويدخُلُ وقتُ الدَّفْع مِن مُزْدَلِفَةَ، ورَمىِ جَمرَةِ العَقَبَةِ، وطَوافِ الزِّيارَةِ. وروَى الأثْرَمُ، قال: كان مُؤذِّنُ دِمَشْقَ يُؤذن لصلاةِ الصبحِ في السَّحَرِ بقَدرِ ما يَسِيرُ الرّاكِبُ سِتَّةَ أمْيالٍ، فلا يُنْكِرُ ذلك مَكْحُولْ ولا يقولُ شيئًا. فصل: ويُستحَبُّ أن لا يُؤذِّنَ قبلَ الفَجْرِ، إلَّا أن يكُونَ معه مُؤذن آخَرُ يُؤذنُ إذا أصبَحَ، كِبلالٍ وابنِ أمِّ مَكْتُومٍ، ولأنَّه إذا لم يَكُنْ كذلك، لم يَحصُلِ الإِعلامُ بالوَقْتِ المَقْصُودِ بالأذانِ. ويَنْبَغِى لمَن يُؤذنُ قبلَ الوقتِ أن يَجْعَلَ أذانَه في وَقْت واحِدٍ في الليالِى كلِّها؛ ليَعرِفَ الناسُ ذلك مِن عادَتِه، فلا يَغْتَرُّوا بأذانِه، ولا يُؤذِّنُ في الوَقْتِ تارةً وقبلَه أُخْرَى، فيَلْتَبِس على النّاس، ويَغْتَرون به، فربما صَلى بعضُ مَن سَمِعَه الصُّبحَ قبلَ وَقْتِها، ويَمْتَنِعُ مِن سَحُورِه، والمُتَنَفِّلُ مِن تَنَفلِه إذا لم يَعلم حالَه، ومَن عَلِم حالَه لا يَسْتَفِيدُ بأذانِه، لتَرَدُّدِه بينَ الاحتِمالَيْن. فصل: نَصَّ أحمدُ على أنه يكْرهُ الأذانُ للفَجْرِ في رمضانَ قبلَ وَقْتِها؛ لئلَّا يَغْتَرَّ النّاسُ به، فيَتْرُكُوا سَحُورَهُم. والصَّحِيحُ أنَّه لا يُكْرهُ في حَقِّ مَن عُرِفَتْ عادَتُه في الأَذانِ بالليْلِ؛ لِما ذَكَرْنا مِن حديثِ بلال، ولقَوْلِه

стр. 962

وَيُسْتَحَبُّ أنْ يَجْلِسَ بَعدَ أذَانِ الْمَغْرِبِ جَلْسَةً خَفِيفَةً، ثُمَّ يقيمَ. ــ ﷺ : «لَا يَمنَعنكُم مِنْ سَحُورِكُم أذَانُ بِلَالٍ؛ فَإنَّهُ يُؤذِّنُ بِلَيْلٍ، لِيَنْتَبِهَ نَائِمُكُم وَيَرجِعَ قَائِمُكُم». رَواه أبو داودَ (١). ويُسْتَحَبُّ أن يُؤذنَ في أوَّلِ الوَقتِ؛ ليَتَأهَبَ النّاسُ للصلاةِ، وقد روَى جابِرُ بنُ سَمُرَةَ، قال: كان بِلالٌ لا يُؤخِّرُ (٢) الأذانَ عن الوَقتِ، ورُبَّما أخَّرَ الإقامَةَ شيئًا. رَواه ابن ماجه (٣). وفى رِواية: كان بِلال يُؤذِّنُ إذا مالَتِ الشمسُ، لا يَخْرِمُ (٤). ٢٧٥ - مسألة: (ويُسْتَحَبُّ أن يَجْلِسَ بعدَ أَذانِ المَغرِبِ جَلْسَةً خَفِيفَةً، ثم يُقيمَ) لِما روَى تَمّامٌ (٥) في فَوائِده، بإسْنادِه، عن أبى

стр. 963

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ هُرَيْرَةَ، عن النبىِّ ﷺ أنَّه قال: «جُلُوِسُ الْمُؤذِّنِ بَيْنَ الأذَانِ وَالْإقَامَةِ في الْمَغْرِبِ سُنَّةٌ» (١). وحُكِى عن أبى حنيفةَ والشافعىِّ، أنَّه لا يُسَنُّ. ولَنا، ما ذَكَرْنا مِن الحديثِ، وقد روَى عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ (٢)، بإسْنادِه، عن أبَىٍّ بنِ كَعْبٍ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : «يَا بِلَالُ، اجْعَلْ بَيْنَ أَذانِكَ وَإقَامَتِكَ نَفَسًا، يَفْرُغُ الْآكِلُ مِنْ طَعَامِهِ فِى مَهَلٍ، وَيَقضِى الْمُتَوَضِّئُ (٣) حاجَتَهُ فِى مَهَلٍ». ولأنَّ الأذانَ شُرِع للإعْلامِ، فيُسَنُّ تَأْخِيرُ الإقامَةِ؛ ليُدْرِكَ النّاسُ الصلاةَ في المَغْربِ كسائِرِ الصَّلَواتِ.

стр. 964

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يَفْصِلَ بينَ الأذانِ والإقامَةِ بقَدْر الوُضُوءِ وصلاةِ رَكْعَتَيْن؛ لِما ذَكَرْنا مِن الحديثِ، ولِما روَى جابرٌ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال لبِلالٍ: «اجْعَلْ بَيْنَ أذَانِكَ وَإقَامَتِكَ قَدْرَ مَا يَفْرُغُ الْآكِلُ مِنْ أكْلِهِ، وَالشَّارِبُ مِنْ شُرْبِهِ، وَالْمُعْتَصِرُ (١) إذَا دَخَلَ لِقَضَاءِ حَاجَتِهِ». رَواه أبو داودَ، والتِّرمِذِىُّ (٢). فصل: قال إسحاقُ بنُ مَنْصُورٍ: رَأيْتُ أحمدَ خَرَج عندَ المَغْرِبِ، فحِينَ انْتَهَى إلى مَوْضِعِ الصَّفِّ أخَذَ المُؤَذِّنُ في الإِقامَةِ، فجَلَسَ. قال أحمدُ: يَقْعُدُ الرجلُ مِقْدارَ الرَّكْعَتَيْن إذا أذَّنَ المَغْرِبُ. قِيل: مِن أين؟ قال: مِن حديثِ أنَسٍ وغيرِه: كان أصحابُ رسولِ الله ﷺ إذا أذَّنَ المُؤَذِّنُ ابْتَدَرُوا السَّوارِىَ وَصَلَّوْا رَكْعَتَيْن (٣). وروَى الخَلّالُ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبى لَيْلَى، أنَّ النبىَّ ﷺ جاءَ وبِلالٌ في الإقامةِ، فقَعَدُ.

стр. 965

وَمَنْ جَمَعَ بَيْنَ صَلَاتَيْنِ، أوْ قَضَى فَوَائِتَ، أَذَّنَ وَأقَامَ لِلْأُولَى، ثُمَّ أقَامَ لِكُلِّ صَلَاةٍ بَعْدَهَا. ــ ٢٧٦ - مسألة: (ومَن جَمَع بينَ صَلَاتَيْن، أو قَضَى فَوائِتَ، أذَّنَ وأقام للأُولَى، ثُمُّ أقَامَ لكلِّ صلاةٍ بعدَها) متى جَمَع بينَ صَلاتَيْن، أذَّنَ وأقام للأُولَى، ثُمَّ أقَامَ للثانِيَةِ، سَواءٌ كان الجَمْعُ في وَقْتِ الأُولَى أو الثانيةِ؛ لما روَى جابِرٌ، أن النبىَّ ﷺ جَمَع بينَ الظُّهْرِ والعَصْرِ بعَرَفَةَ، وبينَ المَغْرِبِ والعِشاءِ بمُزْدَلِفَةَ، بأذانٍ وإقامَتَيْن. رَواه مسلمٌ (١). وعن ابنِ عُمَرَ، قال: جَمَع رسولُ الله ﷺ بينَ المَغْرِبِ والعِشاء بجَمْعٍ، كلُّ واحِدَةٍ

стр. 966

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ منهما بإقامَةٍ. رَواه البُخارىُّ (١). إلَاّ أنَّه إذا جَمَع في وَقتِ الأُولَى، كان الأذانُ لها آكَدَ؛ لأنَّها مَفْعُولَةٌ في وَقْتِها، أشْبَهَ ما لو لم يَجْمَعْ، وإن كان في وَقْتِ الثانيةِ، فلم يُؤَذِّنْ، أو جَمَع بَيْنَهما بإقامَةٍ واحِدَةٍ، فلا بَأْسَ؛ لِما روَى ابنُ عُمَرَ، قال: جَمَع رسول الله ﷺ بينَ المَغْرِبِ والعِشاءِ بجَمْعٍ، صَلَّى المَغْرِبَ ثلاثًا والعِشاءَ رَكْعَتَيْن، بإقامَةٍ واحِدَةٍ. رَواه مسلمٌ (٢). ولأنَّ الأُولَى مَفْعُولَةٌ في غيرِ وَقْتِها، فهى كالفَائِتَةِ، والثَّانِيَةَ مَسْبُوقَةٌ بصلاةٍ، فلم يُشْرَعْ لها الأذان، كالثانيةِ مِن الفَوائِتِ. وقال مالِكٌ: يُؤذِّنُ للأُولَى والثّانِيَةِ، ويُقِيمُ؛ لأنَّ الثانيةَ منهما صلاةٌ يُشْرَعُ لها الأذانُ لو لم تُجْمَعْ، فكذلك إذا جُمِعَتْ (٣)، وهو مُخالِفٌ لِما ذَكَرْنا مِن الأحاديثِ الصَّحِيحَةِ.

стр. 967

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: فأمّا قَضاءُ الفَوائِتِ، فإن كانتِ الفائِتَةُ واحِدَةً أذَّنَ لها وأقام؛ لِما روَى عَمْرُو بنُ أمَيَّةَ الضَّمْرِىُّ، قال: كُنَّا مع رسولِ الله ﷺ في بعضِ أسْفارِه، فنام عن الصُّبْحِ حتى طَلَعَتِ الشَّمْسُ, فاستَيْقَظَ رسولُ اللهِ ﷺ ، فقال: «تَنَحُّوا عَنْ هَذَا الْمَكَانِ». قال: ثم أمَرَ بِلالًا، فأذَّنَ، ثم تَوَضَّئُوا وصَلَّوْا رَكْعَتَىِ الفَجْرِ، ثم أمر بِلالًا فأقام الصلاةَ، فصَلَّى بهم صلاةَ الصُّبْحِ. رَواه أبو داودَ (١). وإن كَثُرَتِ الفَوائِتُ أذَّنَ وأقام للأُولَى، ثم أقام لكلِّ صلاةٍ بعدَها؛ لِما روَى أبو عُبَيْدَةَ، عن أبيه عبدِ الله بِنِ مسعودٍ، أنَّ المُشْيركِين شَغَلُوا رسولَ الله ﷺ عن أرْبَعِ صَلَواتٍ يَوْمَ الخَنْدَقِ، حتى ذَهَب مِن اللَّيْلِ ما شاء الله، فأمَرَ بِلَالًا، فأذَّنَ ثم أقام، فصَلَّى الظهْرَ، ثم أقام، فَصَلَّى العَصْر، ثم أقام، فصَلَّى المَغْرِبَ، ثم أقام، فصَلَّى العِشاءَ. رَواه الإِمامُ أحمدُ، والنَّسائِىُّ، والتِّرْمِذِىُّ (٢)، وقال: حديثُ عبدِ اللهِ ليس بإسْنادِه بَأْسٍ، إلَّا أنَّ أبا عُبَيْدَةَ لم يَسْمَع مِن عبيد اللهِ. وإن لم يُؤذِّنْ فلا بَأْسَ، وهذا في الجماعةِ. فإن كان وَحْدَه، كان اسْتِحْبابُ ذلك أدْنَى في حَقِّه؛ لأنَّ الأذانَ والإقامَةَ للإعْلامِ، ولا حاجَةَ إلى الإعْلامِ

стр. 968

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ هاهُنا، وقد رُوِىَ عن أحمدَ في مَن فاتَتْه صَلَواتٌ فقَضاها، فأذَّن وأقام مَرَّةً واحِدَةً، فسَهلَ في ذلك، ورَآه حَسَنًا. ورُوِىَ ذلك عن الشافعىِّ، وله قَوْلان آخَران؛ أحَدُهما، أنَّه يُقِيمُ ولا يُؤَذِّنُ. وهو قولُ مالكٍ؛ لِما روَى، أبو سعيدٍ، قال: حُبِسْنا يَوْمَ الخَنْدَقِ عن الصلاةِ، حتى كان بعدَ المَغْرِبِ بهَوىٍّ (١) مِن اللَّيْلِ. قال: فدَعا رسولُ اللهِ ﷺ بِلالًا، فأمَرَه فأقام الظهْرَ، فصَلّاها، ثم أمَرَه فأقام العَصْرَ، فصَلّاها (٢). ولأنَّ الأذانَ للإعْلام بالوَقْتِ، وقد فات. والقَوْل الثانى للشافعىِّ: إن رُجِىَ اجْتِماعُ النّاسِ أذَّنَ، وإلَّا فلا؛ لأنَّه لا حاجَةَ إليه. وقال أبو حَنِيفَةَ: يُؤذِّنُ لكلِّ صلاةٍ ويُقِيمُ؛ لأنَّ ما سُنَّ للصلاةِ في أدائِها سُنَّ في قَضائِها، كسائِرِ المَسْنُوناتِ. والأوَّلُ أوْلَى؛ لحديثِ ابنِ مسعودٍ، وهو مُتَضَمِّنٌ للزِّيادَةِ، والزِّيادَةُ مِن الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ، وما قال أبو حنيفةَ مُخالِفٌ لحديثِ ابنِ مسعودٍ وأبى سعيدٍ، ولأنَّ الثّانِيَةَ مِن الفَوائِتِ صلاةٌ قد أُذِّنَ لِما قبلَها، أشْبَهَتِ الثّانِيَةَ مِن المَجْمُوعَتَيْن، وقِياسُهم يَنْتَقِضُ بهذا. والله أعلمُ. فصل: ومَن دَخَل مسجدًا قد صُلِّىَ فيه، فإن شاء أذَّنَ وأقام. نَصَّ عليه؛ لأنَّه رُوِى عن أنَسٍ، أنَّه دَخَل مسجدًا قد صَلَّوْا فيه، فأمَرَ رجلًا

стр. 969

وَهَلْ يُجْزِئُ أَذَانُ الْمُمَيِّزِ لِلْبَالِغِينَ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. ــ فأذَّنَ وأقام، فصَلَّى بهم في جَماعَةٍ. رَواه الأثْرَمُ (١). وإن شاء صَلَّى مِن غيرِ أذانٍ ولا إقامَةٍ، قال عُرْوَةُ: إذا انْتَهَيْتَ إلى مَسْجِدٍ قد صَلَّى فيه ناسٌ أذَّنُوا وأقامُوا، فإنَّ أذانَهم وإقامَتَهم تُجْزِىُّ عَمَّن جاء بعدَهم. وهذا قولُ الحسنِ، والشَّعْبِىِّ، والنَّخَعِىِّ، إلّا أنَّ الحسنَ قال: كان أحَبَّ إليهم أن يُقِيمَ. وإن أذَّنَ أخْفَى ذلك؛ لئلًا يَغُرَّ النّاسَ. فصل: وإن أذَّنَ المُؤَذِّنُ وأقام، لم يُسْتَحَبَّ لسائِرِ النّاسِ أن يُؤَذِّنَ كلُّ إنْسانٍ في نَفْسِه ويُقيمَ، بعدَ فَراغِ المُؤَذِّنِ، لكنْ يقُولُ كما يقولُ المُؤَذِّنُ؛ لأنَّ السُّنَّةَ إنَّما وَرَدَتْ بِهذا. ٢٧٧ - مسألة: (وهل يُجْزِئُ أذانُ المُمَيِّزِ للبالِغِين؟ على رِوايَتَيْن) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ الأذانَ لا يَصِحُّ إلَّا من مُسْلِمٍ عاقِلٍ ذَكَرٍ، فأمَّا الكافِرُ والمَجْنُونُ والطِّفْل، فلا يَصِحُّ أذانُهُم؛ لأنَّهم لَيْسُوا مِن أهلِ العِباداتِ. ولا يُعْتَدُّ بأذانِ المرأةِ؛ لأنَّه لا يُشْرَعُ لها الأذانُ، أشْبَهَتِ المَجْنُونَ، ولأنَّ رَفْعَ صَوْتِها مَنْهِىٌّ عنه، وإذا كان كذلك خَرَج عن كَوْنِه قُرْبَةً، فلم يَصِحَّ،

стр. 970

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كالحِكايَةِ، ولا أذانِ الخُنْثَى المُشْكِلِ؛ لأنَّه لا يُعْلَمُ كَوْنُه رجلًا. وهذا كلُّه مذهبُ الشافعىِّ، ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا. ويَصِحُّ أذانُ العَبْدِ؛ لأنَّ إمامَتَه تَصِحُّ، فأذانُه أوْلَى. وهل يصِحُّ أذانُ الصَّبِىِّ؟ فيه رِوايَتان؛ أولاهُما، صِحَّةُ أذانِه. وهذا قَوْلُ عَطاءٍ، والشَّعْبِىِّ، والشافعىِّ، وابنِ المُنْذِرِ. وذَكَر القاضى أنَّ المُراهِقَ يَصِحُّ أذانُهْ، رِوايَةً واحِدَةً. وقد روَى ابنُ المُنْذِرِ

стр. 971

وَهَلْ يُعْتَدُّ بِأذَانِ الْفَاسِق، وَالأذَانِ الْمُلَحَّنِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. ــ بإسْنادِه عن عبدِ اللهِ بنِ أبى بكرِ بنِ أنسٍ، قال: كان عُمُومَتِى يَأْمُرُونَنِى أن أُؤذِّنَ لهم وأنا غُلامٌ لم أحْتَلِمْ، وأنَسُ بنُ مالكٍ شاهِدٌ لم يُنْكرْ ذلك. وهذا مِمّا يَظْهَرُ ولا يَخْفَى، ولم يُنْكَرْ، فكان إجْماعًا، ولأنَّه ذَكَرٌ تَصِحُّ صَلاتُه، فصَحَّ أذانُهُ، كالبالِغَ. والثانيةُ، لا يَصِحُّ؛ لأن الأذانَ شُرِع للإعْلامِ، ولا يَحْصُلُ الإعْلامُ بقَوْلِه؛ لأنَّه لا يُقْبَلُ خَبَرُه ولا رِوايَتُه. ٢٧٨ - مسألة: (وهل [يُعْتَدُّ بأذانِ] (١) الفاسِقِ، والأذانِ المُلَحَّنِ؟ على وَجْهَيْن) ذَكَر أصحابُنا في صِحَّةِ أذانِ الفاسِقِ وَجْهَيْن؛ أحَدُهما، لا يَصِحُّ؛ لِما ذَكَرْنا في الصَّبِىِّ، ولأنَّ النبىَّ ﷺ وَصَفَهُم

стр. 972

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بالأمانَةِ، والفاسِقُ غيرُ أمِين. والثانى، يَصِحُّ؛ لأنَّه ذَكرٌ تَصِحُّ صَلاتُه، فصَحَّ أذانُه، كالعَدْلِ. وهذا قوْلُ الشافعىِّ. وهذا الخِلافُ في مَنْ هو ظاهِرُ الفِسْقِ، فأمّا مَسْتُورُ الحالِ، فيَصِحُّ أذانُه بخيِر خِلافٍ عَلِمْناه. وفى الأذان المُلَحَّنِ وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يَصِحُّ؛ لِما روَى ابنُ عباسٍ، قال: كان للنبىِّ ﷺ مُؤَذِّنٌ يُطَرِّبُ (١)، فقال النبىُّ ﷺ : «إنَّ الْأَذَانَ سَمْحٌ سَهْلٌ، فَإِنْ كَانَ أذَانُكَ سَمْحًا سَهْلًا، وإِلَّا فَلَا تُؤَذِّنْ». رواه الدَارَقطْنِىَ (٢). والثانى، يَصِحُّ. وهو أصَحُّ؛ لأنَّ المَقْصُودَ يَحْصُلُ به، فهو كغيرِ المُلَحَّنِ، والحديث ذَكرَه ابنُ الجَوْزِىِّ في المَوْضُوعاتِ (٣). فصل: ويُكرَهُ اللَّحْنُ في الأذانِ؛ فإنَّه رُبَّما غَيَّر المَعْنَى، فإنَّ مَن نَصَب لامَ «رَسُولُ» أخْرَجَه عن كَوْنِه خبَرًا، ولا يَمُدُّ لَفْظَة «أكْبَرُ»؛ لأنَّه يَجْعَلُ فيها ألِفًا، فيَصِيرُ جَمْعَ «كَبَرٍ» وهو الطَّبْلُ، ولا يُسْقطُ الهاءَ مِن اسْمَ «الله» واسمِ «الصلاةِ»، والحاءَ مِن «الفَلاحِ»؛ لِما روَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «لَا يُؤَذِّنْ لَكُمْ مَنْ يُدْغِمُ الْهَاءَ».

стр. 973

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قُلْنَا: وكيف يَقُولُ؟ قال: «يَقُولُ: أشْهَدُ أَن لَا إلَهَ إلَّا اللَّا (١)، أشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّا». أخْرَجَه الدَارَقُطْنِىُّ في الأفْرادِ. فأمّا إن كان ألْثَغَ لُثْغَةً فاحِشَةً، كُرِهَ أذانُه، وإن كانت لا تَتَفاحَشُ، فلا بَأْسَ، فقد رُوِىَ أنَّ بِلالًا كان يَجْعَلُ الشِّينَ سِينًا. والفَصِيحُ أحْسَنُ وأكْمَلُ. واللهُ أعلمُ.

стр. 974

وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ أنْ يَقُولَ كَمَا يَقُولُ، إلَّا فِى الْحَيْعَلَةِ فَإِنَّهُ يَقُولُ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاللهِ الْعَلِىِّ الْعَظِيمِ. ــ ٢٧٩ - مسألة: (ويُسْتَحَبُّ لمَن سَمِع المُؤَذِّنَ أن يقُولَ كما يقولُ، إلَّا في الحَيْعَلَةِ، فإنَّه يقولُ: لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلَّا بِاللهِ [العَلِىِّ العَظِيمِ]) (١) وهذا مُسْتَحَبٌّ، لا نَعْلَمُ في اسْتِحْبابِه خِلافًا؛ لِما روَى عُمَرُ بنُ الخَطّابِ، رَضِى اللهُ عنه، أنَّ رسول اللهِ ﷺ قال: «إِذَا قَالَ المُؤَذِّنُ: اللهُ أكْبَرُ، اللهُ أكْبَرُ. فَقَالَ أحَدُكُمْ: اللهُ أكْبَرُ، اللهُ أكْبَرُ. ثُمَّ قَالَ: أشْهَدُ أن لَا إلَهَ إلَّا اللهُ. قَالَ: أَشْهَدُ أَن لَا إلهَ إلَّا اللهُ. ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أن مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ. قَالَ: أَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ. ثُمَّ قَال: حَىَّ عَلَى الصَّلَاةِ. قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلا بِاللهِ. ثُمَّ قَالَ: حَىَّ عَلَى الفَلَاحِ. قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاللهِ. ثُمَّ قَالَ: اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ. قَالَ: اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ. قَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللهُ. قَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللهُ. مِنْ قَلْبهِ، دَخَلَ

стр. 975

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْجَنَّةَ». رَواه مسلمٌ (١). قال الأثْرَمُ: هذا مِن الأحادِيثِ الجيادِ. وعن أبى رافِعٍ، أنَّ النبىَّ ﷺ كان إذا سَمِع النِّداءَ، قال مثلَ ما يقُولُ المُؤذِّنُ، فإذا بَلَغ حَىَّ على الصلاةِ، قالَ: «لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاللهِ». رَواه الأثْرَمُ (٢). ويسْتَحَبُّ لمَن سَمِع الإقامَةَ أن يقولَ مِثْلَ ما يقولُ، ويقولَ عندَ كلمةِ الإقامَةِ: أقامَها اللهُ وأدامَها. لِما روَى أبو داودَ (٣) بإسْنادِه، عن بعضِ أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ ، أنَّ بلالًا أخَذَ في الإقامَةِ، فلَمّا أن قال: قد قامَتِ الصلاةُ. قال النبىُّ ﷺ : «أقَامَهَا اللهُ وَأدَامَهَا». وقال في سائِرِ الإقامَةِ كنَحْوِ حديثِ عُمَرَ في الأذانِ.

стр. 976

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: روَى سعدُ بنُ أبى وَقّاصٍ، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: «مَنْ قَالَ حِينَ يسْمَعُ النِّدَاءَ: وأنَا أَشْهَدُ أن لَا إِلَهَ إلَاّ اللهُ، وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدَّا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، رَضِيتُ بِاللهِ رَبًّا، وَبِالْإسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ ﷺ رَسُولًا. غُفِرَ لَهُ ذَنْبُهُ». رَواه مسلمٌ (١). وعن أُمِّ سَلَمَةَ، قالت: عَلَّمَنِى النبىُّ ﷺ أن أقُولَ عندَ أذانِ المَغْرِبِ: «اللَّهُمَّ إنَّ هَذَا إقْبَالُ لَيْلِكَ، وَإدْبَارُ نَهَارِكَ، وَأَصْوَاتُ دُعَاتِكَ، فَاغْفِرْ لِى». رَواه أبو داودَ (٢).

стр. 977

وَيَقولَ بَعْدَ فَرَاغِهِ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ، وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ، آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ، وَالدَّرَجَةَ الرَّفِيعَةَ، وَابْعَثْهُ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ الَّذِى وَعَدْتَهُ، إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ. ــ ٢٨٠ - مسألة: (ثم يقُولَ بَعْدَ فَراغِه: اللَّهُمَّ رَبَّ هذه الدَّعْوَةِ التّامَّةِ والصلاةِ القائِمَةِ، آتِ مُحَمَّدًا الوَسِيلَةَ والفَضِيلَةَ [والدَّرَجَةَ الرَّفِيعَةَ] (١)، وابْعَثْه [مَقامًا مَحْمُودًا] (٢) الذى وَعَدْتَه، إنَّك لا تُخْلِفُ المِيعادَ) لِما روَى جابِرٌ قال: قال رسولُ الله ﷺ : «مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ، آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ والْفَضِيلَةَ، وابْعَثْهُ مَقامًا مَحْمُودًا الَّذِى وَعَدْتَهُ. حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِى» رَواه البخارىُّ (٣).

стр. 978

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يُصَلِّىَ على النبىِّ ﷺ ويَدْعُوَ؛ لِما روَى جابِرُ ابنُ عبدِ اللهِ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: «مَنْ قَالَ حِين يُنَادِى المُنَادِى: اللهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ (١) والصَّلَاةِ النَّافِعَةِ، صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَارْضَ عَنْهُ رِضًا لَا سَخَطَ بَعْدَهُ. اسْتَجَابَ اللهُ لَهُ دَعْوَتَهُ». رَواه الإمامُ أحمدُ (٢). وروَى أنَسٌ، قال: قال رسولُ اللهَ ﷺ : «الدعَاءُ لَا يُرَدُّ بيْنَ الأذَانِ وَالْإقَامَةِ». رَواه الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والنَّسائِىُّ، والتَّرْمِذِىُّ (٣)، وقال: حديث حسنٌ. وعن عبدِ اللهِ بنِ عَمْرٍو، أنَّه سَمع النبىَّ ﷺ يقولُ: «إذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤذِّنَ، فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ، ثُمَّ صَلُّوا عَلّىَّ؛ فَإنَّه مَنْ صَلَّى عَلَىَّ صَلَاةً، صَلَى اللهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا، ثُمَّ سَلُوا اللهَ لِىَ الْوَسِيلَةَ، فَإنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِى الْجَنَّةِ لا تَنْبَغِى إلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللهِ، وأرْجُو أنْ أكُونَ أَنَا هُوَ، فَمَنْ سَألَ لِىَ الْوَسِيلَةَ، حَلَّتْ لَهُ (٤) الشَّفَاعَةُ». رَواه مسلمٌ (٥).

стр. 979

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: فإن سَمِع الأذانَ وهو يَقْرأُ، قَطَع القِراءَةَ ليَقُولَ مِثْلَه؛ لأنَّه يَفُوتُ، والقِراءَة لا تَفُوتُ. فإن سَمِعَه وهو يُصَلِّى، لم يَقُلْ كقَوْلِه؛ لِئَلّا يَشْتَغِلَ عن الصلاةِ بما ليس مِنها. وإن قالَها ما عدَا الحَيْعَلَةَ (١) لم تَبْطُلِ الصلاةُ؛ لأنه ذِكْرٌ، وإن قال الدُّعاءَ فِيها، بَطَلَتْ؛ لأنَّه خِطابٌ لآدَمِىٍّ. فصل: ورُوِى عن أحمدَ، أنَّه كان إذا أذَّن، فقال كَلِمَةً مِن الأذانِ، قال مِثْلَها سِرًّا. فظاهِرُه أنَّه رَأى ذلك مُسْتَحَبًّا، ليَكونَ ما يُظْهِره أذانًا، وما يُسِرُّه ذِكْرًا للهِ تِعالى، فيَكُونَ بمَنْزِلَةِ مَن سَمِع الأذانَ. وقد رَواه القاضى عن أحمدَ، أنه قال: اسْتُحِبَّ للمُؤَذِّنِ أيضًا أن يقُولَ مِثْلَ ما يقولُ في خُفْيَةٍ. فصل: قال الأثْرَمُ: سَمِعْتُ أبا عبدِ اللهِ يُسْألُ عن الرجلِ يقُومُ حينَ يَسْمَعُ المُؤَذِّنَ مُبادِرًا، يَرْكَعُ؟ فقال: يُسْتَحَبُّ أن يَكُونَ رُكُوعُه بعدَ ما يَفْرُغُ الُمؤذِّنُ، أو يَقْرُبُ مِن الفَراغِ؛ لأنَّه يُقالُ: إنَّ الشَّيْطانَ يَنْفِرُ حينَ يسْمَعُ الأذان، فلا يَنْبَغِى أن يُبادِرَ للقِيام. وإن دَخَل المسجدَ فسَمِعَ المُؤذِّنَ، اسْتُحِبَّ له انْتِظارُه ليَفْرُغَ، ويقُولُ مثلَ ما يقولُ، ليَجْمَعَ بينَ الفَضِيلَتَيْن. وإن لم يَقُلْ كقَوْلِه وافْتَتَحَ الصلاةَ، فلا بَأسَ. نَصَّ عليه أحمدُ.

стр. 980

[وَالْأذَانُ أَفْضَلُ مِنَ الْإقَامَةِ. وَعَنْهُ، هِىَ أفْضَلُ] (١). ــ فصل: ولا تُسْتَحَبُّ الزِّيادَةُ على مُؤذِّنَيْن، كما رُوِىَ أنَّ النبىَّ ﷺ كان له بِلالٌ، وابنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، إلَّا أن تَدْعُوَ الحاجَةُ، فيَجُوزَ، فإنَّه قد رُوِىَ عن عثمانَ، رَضىَ اللهُ عَنه، أنَّه اتَّخَذَ أرْبَعَةَ مُؤذِّنِين، وإذا كانُوا أكْثَرَ من واحِدٍ، [وكان الواحِدُ] (٢) يُسْمِعُ النَّاسَ، فالْمُسْتَحَبُّ أن يُؤذِّنَ واحِدٌ بعدَ واحِدٍ؛ كما رُوِىَ عن مُؤذِّنِى النبىِّ ﷺ . وإن كان الإعْلامُ لا يَحْصُلُ بواحِدٍ، أذَّنُوا على حَسَبِ الحاجَةِ؛ إما أن يُؤَذِّنَ كلُّ واحِدٍ في ناحِيَةٍ، أو دَفعَةً واحِدَةً في مَوْضِعٍ. واحِدٍ. فصل: ولا يُؤذَّنُ قبلَ المُؤذنِ الرَّاتِبِ، إلّا أن يَتَأخَّرَ، أو يُخافَ فَواتُ وَقْتِ التَّأذِينِ، فيُؤذِّنَ غيرُه، كما رُوِى أنَّ زِيادَ بنَ الحارِثِ أذَّنَ للنبىِّ ﷺ حينَ غاب بِلالٌ (٣)، فأمّا مع حُضُورِه فلا؛ فإنَّ مُؤذنِى النبىِّ ﷺ لم يَكنْ غيرُهم يَسْبِقُهم بالأذانِ.

стр. 981

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: وإذا أذَّنَ في الوَقَّتِ كُرِه له أن يَخْرُجَ مِن المسجدِ إلَاّ لحاجَةٍ، ثم يَعُودَ؛ لأنَّه رُبَّما احْتِيجَ إلى الإقامَةِ فلا يُوجَدُ. وإن أذَّن قبلَ الوقتِ للفَجْرِ، فلا بَأسَ بذَهابِه؛ لأنَّه لا يُحْتاجُ إلى حُضُورِه قبلَ الوَقتِ: قال أحمدُ، في الرجلِ يُؤذِّنُ في اللَّيْلِ، على غيرِ وُضُوءٍ، فيَدْخُلُ المَنْزِلَ، وَيَدَعُ المَسْجدَ: أرْجُو أن يكُونَ مُوَسَّعًا عليه، ولكن إذا أذَّن وهو مُتَوَضِّئٌ في وَقْتِ الصلاةِ، فلا أرَى له أن يَخْرُجَ مِن المسجدِ حتى يُصَلِّىَ، إلاّ أن يكُونَ لحاجَةٍ. فصل: إذا أذَّن في بَيْتِه، وكان قَريِبًا مِن المسجدِ، فلا بَأْسَ، وإن كان بَعِيدًا كُرِه له ذلك؛ لأنَّ القَرِيبَ مِن المَسجدِ يُسْمَعُ أذانُه عندَ المَسجِدِ، فيَأْتُون إلى المسجدِ، والبَعِيدَ قد يَسْمَعُه مَن لا يَعْرِفُ المسجدَ، فيَغْتَرُّ به

стр. 982

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ويَقْصِدُه، فيَضِيعُ عن المسجدِ، فإنَّه قد رُوِىَ عن أحمدَ، في الذى يُؤَذِّنُ في بَيْتِه، وبينَه وبينَ المسجدِ طَرِيقٌ يسْمِعُ (١) النَّاسَ: أرْجُو أن لا يَكُونُ به بَأْسٌ. وقال، في رِوايَةِ إبراهيمَ الحَرْبِىِّ، في مَن يُؤَذِّنُ في بَيْتِه على سَطْحٍ: معاذَ اللهِ، ما سَمِعْنا أن أحدًا يَفْعَلُ هذا. فحُمِلَ الأوَّلُ على القَرِيبِ، والثانى على البَعِيدِ، وقد رُوِىَ أنَّ بِلالًا كان يُؤَذِّنُ على سَطْحِ امرأةٍ مِن الأنْصارِ. واللهُ أعلمُ. فصولٌ في المَساجِدِ فَصلٌ في فَضْلِ المَساجِدِ وبِنائِها، وغيرِ ذلك: عن عثمانَ بنِ عَفَّانَ، رَضِىَ اللهُ عنه، قال: سَمِعْتُ رسول اللهِ ﷺ : «مَنْ بَنَى مَسْجِدًا» قال بُكَيْرٌ: حَسِبْتُ أنَّه قال: «يَبْتَغِى بِهِ وَجْهَ اللهِ، بَنَى الله له بَيْتًا فِى الْجَنَّةِ». مُتَّفَقٌ عليه (٢). وعن جابِرِ بين عبدِ اللهِ، أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: «مَنْ بَنَى للهِ [مَسْجِدًا، وَلَوْ] (٣) كَمَفحَصِ قَطَاةٍ، أوْ أصْغَرَ، بَنَى اللهُ لَهُ بَيْتًا فِى

стр. 983

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْجَنَّةِ». رَواه ابنُ ماجَه (١). وعن أبى هُرَيْرَةَ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: «أحَبُّ الْبِلَادِ إِلَى اللهِ مَسَاجِدُها، وَأَبغَضُ الْبِلادِ إِلى اللهِ أسْوَاقُهَا». رَواه مسلمٌ (٢). ويُسْتَحَبُّ اتِّخاذُ المَساجِدِ في الدُّورِ، وتَنْظِيفُها [وتَطْيِيبُها؛ لِما رَوَتْ عائشةُ، قالت: أمَرَ رسولُ اللهِ ﷺ ببِاءِ المَساجِدِ في الدُّورِ] (٣)، وأن تُنَظَّفَ وتُطَيَّبَ. رواه الإِمامُ أحمدُ (٤). وعن أنَسِ بنِ مالكٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «عُرِضَتْ عَلَىَّ أْجُورُ أُمَّتِى، حَتَّى القَذَاةُ يُخْرِجُهَا الرَّجُلُ مِنَ الْمَسْجِدِ». رواه أبو داودَ (٥). وعن أبى سعيدٍ الخُدْرِىِّ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ أخْرَجَ أذًى مِنَ الْمَسْجِدِ، بَنَى اللهُ لَهُ بَيْتًا فِى الْجَنَّةِ» (٦). فصل: ويُسْتَحَبُّ تَخْلِيقُ (٧) المسجدِ، وأن يُسْرَجَ فيه؛ لِما رُوِىَ

стр. 984

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عن أنسِ بنِ مالكٍ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ رَأَى نُخامَةً في قِبْلَةِ المسجدِ، فغَضِبَ حتى احْمَرَّ وَجْهُه، فجاءَتْه امرأةٌ مِن الأنْصارِ، فحَكَّتْها وجَعَلَتْ مَكانَها خَلُوقًا، فقال رسولُ اللهِ ﷺ : «مَا أحْسَنَ هَذَا». رَواه النَّسائِىُّ، وابنُ ماجَه (١)، وعن مَيْمُونَةَ مَوْلاةِ رسولِ اللهِ ﷺ أنَّها قالت: يا رسولَ اللهِ، أفْتِنا في بَيْتِ المَقْدِسِ. فقال: «ائْتُوهُ فَصَلُّوا فِيهِ». وكانتِ البِلادُ إذ ذاك حَرْبًا (٢)، قال: «فإنْ لَمْ تَأْتُوهُ وَتُصَلُّوا فِيهِ، فَابعَثُوا بِزَيْتٍ يُسْرَجُ فِى قَنَادِيِلِهِ». رَواه الإِمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، وابنُ ماجَه (٣). وفى رِوايةِ الإِمام أحمدَ «ائْتُوهُ فَصَلُّوا فِيهِ، فإنَّ [صلَاةً فِيهِ كَأَلْفِ] (٤) صلَاةٍ». قالت: أرأيْتَ مَن لم يُطِقْ أن يَتَحَمَّلَ إليه، أو يَأْتِيَه؟ قال: «فَلْيُهْدِ إلَيْهِ زَيْتًا يُسْرجُ فِيهِ، فإن مَنْ أهْدَى لَهُ، كَانَ كَمَنْ صَلَّى فِيهِ». فصلٌ فيما يُباحُ في المَسْجدِ: يُباحُ النَّوْمُ فيه؛ لِما روَى عبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ أنَّه كان يَنامُ، وهو شابٌّ عَزَبٌ لا أهْلَ له في مسجدِ النبىِّ ﷺ . مُتفَقٌ عليه (٥). وكان أهلُ الصُّفَّةِ يَنامُون في المسجدِ. ويُباحُ للمَرِيضِ أن

стр. 985

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يكُونَ في المسجدِ، وأن تكُونَ فيه خَيْمَةٌ. قالت عائشةُ: أُصِيب سعدٌ (١) يومَ الخَنْدَقِ في الأكْحَلِ، فضَرَبَ عليه رسولُ اللهِ ﷺ خَيْمَةً في المسجِدِ؛ يَعُودُه مِن قرِيبٍ. مُتَّفَقٌ عليه (٢). ويُباحُ دُخُولُ البَعِيرِ المسجدَ؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ طاف في حَجَّةِ الوَداعِ على بَعِيرٍ، يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بمِحْجَنٍ (٣). مُتَّفَقٌ عليه (٤). ولا بَأْسَ بالاجْتِماعِ في المسجدِ، والأكْلِ فيه، والاسْتِلْقاءِ فيه؛ لِما روَى أبو واقِدٍ اللَّيْثِيُّ، قال: بَيْنَما رسولُ اللهِ ﷺ في المَسْجِدِ إذ أقْبَلَ ثَلاثَةُ نَفَرٍ، فأقْبَلَ اثْنانِ إلى رسولِ اللهِ ﷺ وذَهَب واحِدٌ، فأمَّا أحَدُهما فرَأى فُرْجَةً، فجَلَسَ، وأمّا الآخَرُ فجَلَسَ خَلْفَهُم، فلمّا فَرَغ رسُولُ اللهِ ﷺ قال: «ألَا أُخْبِرُكُمْ عَنِ الثَّلَاثَةِ؛ أمَّا أحَدُهُمْ فَأَوَى إِلَى اللهِ فَآوَاهُ اللهُ، وَأَمَّا الْآخَرُ
следующие страницы →