← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 19188

الشرح الكبير على المقنع - ت التركي

ابن أبي عمر

Полный текст (15 006 стр.). Показаны 9591–9630 · переход к 9596.

стр. 9591

المقنع وَيَجُوزُ النَّظَرُ إِلَى الْغُلَامِ لِغَيرِ شَهْوَةٍ. ــ ٣٠٦٨ - مسألة: (ويَجُوزُ النَّظرُ إلى الغُلامِ لغَيرِ شَهْوَةٍ) فأمَّا النَّظرُ إليه لشَهْوَةٍ فلا يُباحُ؛ لأنَّها تَدْعُو إلى الفِتْنَةِ، وقد ذَكَرْنا ذلك.

стр. 9592

وَلَا يَجُوزُ النَّظَرُ إِلَى أَحدٍ مِمَّنْ ذَكَرْنَا لِشَهْوَةٍ. ــ ٣٠٦٩ - مسألة: (ولا يَجُوزُ النَّظَرُ إلى أحَدٍ مِمَّنْ ذَكَرْنا لشَهْوَةٍ) لِما ذَكَرْنا مِن خَوْفِ الفِتْنَةِ. ومَعْنَى الشَّهْوَةِ، أنَّه يَتَلَذَّذُ بالنَّظَرِ إليه. واللهُ أعلمُ.

стр. 9593

وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الزَّوْجَينِ النَّظَرُ إِلَى جَمِيعِ بَدَنِ الْآخَرِ وَلَمْسُهُ، وَكَذَلِكَ السَّيِّدُ مَعَ أمَتِهِ. ــ ٣٠٧٠ - مسألة: (ولكلِّ واحِدٍ مِن الزَّوْجَين النَّظرُ إلى جَمِيعِ بَدَنِ الآخَرِ وَلَمْسُه، وكذلك السَّيِّدُ مع أمَتِه) لما روَى بَهْزُ بنُ حَكيمٍ، قال: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، عَوْراتُنا ما نَأْتِي منها وما نَذَرُ (١)؟ قال: «احْفَظْ عَوْرَتَكَ إلَّا مِنْ زَوْجَتِكَ أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ». رَواه التِّرْمِذِيُّ (٢)، وقال: حديث حسنٌ. ولا فَرْقَ بينَ الفَرْجِ وغيرِه؛ لعُمُومِ الحديثِ، ولأنَّ الفَرْجَ يُباحُ الاسْتِمْتاعُ به، فجازَ النَّظرُ إليه ولَمْسُه، كبَقِيَّةِ البَدَنِ. وقيل: يُكْرَهُ النَّظرُ إلى الفَرْجِ؛ لقولِ عائشةَ: ما رَأيتُ فَرْجَ رسولِ اللهِ ﷺ قَطُّ. رَواه ابنُ ماجَه (٣). وفي لفظٍ قالت: ما رَأْيتُه مِن رسولِ اللهِ

стр. 9594

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ﷺ ، ولا رآهُ منِّي. قال أحمدُ في رِوايَةِ جَعْفَرِ بنِ محمدٍ، في المرأةِ تَقْعُدُ بينَ يَدَيْ زَوْجِها وفي بَيتِها مَكْشُوفَةً، في ثِيابٍ رقاقٍ: فلا بَأْسَ به. قلتُ: تَخْرُجُ مِن الدَّارِ إلى بيتٍ مَكْشُوفَةَ الرأسِ، وليس في الدَّارِ إلَّا هي وزوجُها؟ فرَخَّصَ في ذلك. فصل: وحُكْمُ السَّيِّدِ حُكْمُ الزَّوجِ فيها ذَكَرْنا، وسَواءٌ في ذلك سُرِّيَّته وغيرُها؛ لأنَّه يُباحُ له الاسْتِمتاعُ بجَمِيعِ بَدَنِها، فأُبِيحَ له النَّظَرُ إليه، فأمَّا إن زَوَّجَ أمَتَه، حَرُمَ عليه الاسْتِمْتاعُ بها والنَّظرُ منها إلى ما بينَ السُّرَّةِ

стр. 9595

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والرُّكبَةِ؛ لما روَى عَمرُو بنُ شُعَيب، عن أبيهِ، عن جَدِّهِ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «إذَا زَوَّجَ أحَدُكُمْ خَادِمَه (١) [عَبْدَهُ أو أَجيرَهُ] (٢)، فَلَا يَنْظُرْ إِلَى مَا دُونَ السُّرَّةِ وَفَوْقَ الرُّكْبَةِ، فَإِنَّهُ عَوْرَةٌ». رَواه أبو داودَ (٣). ومَفْهُومُه إباحَةُ النَّظَرِ إلى ما عَداه. وأمَّا تَحْرِيمُ الاسْتِمتاعِ بها، فلا خِلافَ فيه، فإنَّها قد صارَتْ مُباحَةً للزَّوجِ، ولا تَحِلُّ امْرأةٌ لرَجُلَين. فإن وَطِئَها، أثِمَ، وعليه التَّعْزِيرُ؛ لأنَّه فِعْلٌ مُحَرَّمٌ. فإن أوْلَدَها، فقال أحمدُ: لا يَلْحَقُه نسَبُه؛ لأنَّها فِراشٌ لغيرِه، فلم يَلْحَقْه وَلَدُها، كالأَجْنَبِيَّةِ. قلتُ: وقد ذَكَر في بابِ حُكْمِ أمَّهاتِ الأولادِ (٤)، أنَّه يَلْحَقُه النَّسَبُ؛ لأنَّه وَطْءٌ سَقَط فيه الحَدُّ لشُبْهَةِ المِلْكِ، أشْبَهَ وَطْءَ الجارِيَةِ المرْهُونَةِ. واللهُ أعلمُ.

стр. 9596

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: فأمَّا نَظَرُ الرجُلِ إلى الأجْنَبِيَّةِ مِن غيرِ سَبَبٍ، فيَحْرُمُ عليه النظرُ إلى جَميعِها، في ظاهِرِ كلامِ أحمدَ، فإنَّه قال: لا يَأْكُلُ مع مُطَلَّقَتِه، هو أجنَبِيٌّ لا يَحِلُّ له أن يَنْظُرَ إليها، كيف يَأْكلُ معها يَنْظُرُ إلى كَفِّها! لا يَحِلُّ له ذلك. وقال القاضِي: يَحْرُمُ عليه النَّظرُ إلى ما عَدا الوَجْهَ والكَفَّين؛ لأنَّه عَوْرَةٌ، ويُباحُ له النَّظرُ إليهما مع الكَراهَةِ إذا أمِنَ الفِتْنَةَ ونَظَر بغيرِ شَهْوَةٍ. وهذا مذهبُ الشافعيِّ؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾. قال ابنُ عباسٍ: الوَجْهَ والكَفَّينِ. ورَوَتْ عائشةُ أنَّ أسماءَ بنتَ أبي بكرِ دَخَلَتْ على رسولِ الله ﷺ في ثيابٍ رِقاقٍ، فأعْرَضَ عنها، وقال: «يا أسْمَاءُ، إنَّ المَرْأةَ إذَا بَلَغَتِ الْمَحِيضَ لَمْ تَصْلُحْ أنْ يُرَى مِنْهَا إلَّا هَذَا وهَذَا». وأشارَ إلى وَجْهِه وكَفَّيه. رَواه أبو بكرٍ، وغيرُه (١). ولأنَّه ليس بعَوْرَةٍ، فلم يَحْرُمِ النَّظرُ إليه مِن غيرِ رِيبَةٍ،

стр. 9597

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كوجْهِ الرجلِ. ولَنا، قولُ الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ (١). وقولُ النبيِّ ﷺ : «إِذَا كَانَ لإِحْدَاكُنَّ مُكَاتَبٌ فمَلَكَ مَا يُؤدِّي، فَلْتَحْتَجِبْ مِنْهُ» (٢). وكان الفَضْلُ بنُ عباسٍ رَدِيفَ رسولِ اللهِ ﷺ ، فجاءَتْه الخَثْعَمِيَّةُ تَستَفْتِيهِ، [فجَعَل يَنْظُرُ إليها] (٣) وتَنْظُرُ إليه، فصَرَفَ رسولُ اللهِ ﷺ وَجْهَه عنها (٤). وعن جَرِيرِ بنِ عبدِ اللهِ، قال: سَألتُ رسولَ اللهِ ﷺ عن نَظرَ الفَجْأَة، فأمَرَنِي أن أصْرِفَ بَصَرِي. حديث صحيحٌ. وعن عليٍّ، ﵁، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «لَا تُتْبعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ، فَإِنَّمَا لَكَ الأُولَى، وَلَيسَتْ لك الآخِرَةُ». رَواهما أبو داودَ (٥). وفي إباحَةِ (٦) النَّظرَ إلى المَرأةِ إذا أرادَ تَزَوُّجَهَا (٧) دليلٌ على التَّحريمِ عندَ عَدَمِ ذلك، إذ لو كان مُباحًا على

стр. 9598

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الإِطْلاقِ، فما وَجْهُ التَّخْصيصِ لهذا الحالِ؟ وأمَّا حديثُ أسْماءَ -إن صَحَّ- فيَحْتَمِلُ أنَّه كان قبلَ نُزُولِ الحِجابِ، فيُحْمَلُ عليه. فصل: فأمَّا العَجُوزُ التي لا تُشْتَهَى، فلا بَأْسَ بِالنَّظَرِ إلى ما يَظْهَرُ منها غالبًا؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾ (١). الآية. قال ابنُ عباسٍ في قولِه تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ (٢) ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ (٣). فنَسَخَ واستَثْنَى مِن ذلك: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾. الآية. وفي مَعْنَى ذلك الشَّوْهاءُ التي لا تُشْتَهَى. فصل: والأَمَةُ يُباحُ النَّظَرُ مِنها إلى ما يَظْهَرُ غالبًا؛ كالوَجْهِ، والرَّأْسِ، واليَدَين، والسَّاقَين؛ لأنَّ عُمَرَ، ﵁، رَأى أَمَةً مُتَكَمِّمَةً، فضَرَبَها بالدِّرَّةِ، وقال: يا لَكاعِ تَشَبَّهِينَ بالحَرائِرِ! وروَى أبو حَفْصٍ بإسْنادِه، أنَّ عُمَرَ كان لا يَدَعُ أَمَةً تَقَنَّعُ في خِلافَتِه، وقال: إنَّما القِناعُ للحَرائِرِ (٤). ولو كان نَظَرُ ذلك منها محَرَّمًا لم يَمْنَعْ مِن سَتْرِه، بل أَمَرَ به. وقد روَى أنَسٌ أنَّ النبيَّ ﷺ لمَّا أخَذَ صَفِيَّةَ قال الناسُ: أجَعَلَها أُمَّ

стр. 9599

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ المُؤمِنِينَ أَمْ أُمَّ وَلَدٍ؟ فقالوا: إن حَجَبَها فهي أُمُّ المؤمنينَ، وإن لم يَحْجُبْها فهىِ أُمُّ وَلَدٍ. فلمّا رَكِبَ وَطَّأَ لها خَلْفَه، ومَدَّ الحِجابَ بينَه وبينَ الناسِ. مُتَّفقٌ عليه (١). وهذا دليلٌ عَلى أنَّ عَدَمَ حَجْبِ الإِماءِ كان مُسْتَفيضًا بينَهما مَشْهُورًا، وأنَّ الحَجْبَ لغيرِهِنَّ كان مَعْلُومًا. وقال أصحابُ الشافعيِّ: يُباحُ النَّظَرُ منها إلى ما ليس بعَوْرَةٍ، وهو ما فوقَ السُّرَّةِ وتحتَ الرُّكْبَةِ. وسَوَّى [بعضُ أصحاب الشافعيِّ] (٢) بينَ الحُرَّةِ والأَمَةِ؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾. الآية. ولأنَّ العِلَّةَ في تَحْرِيمِ النَّظَرِ الخوفُ مِن الفِتْنَةِ، والفِتْنَةُ المَخُوفَةُ يَسْتَوي فيها الحُرَّةُ والأمَةُ، فإنَّ الحُرِّيَّةَ أمْرٌ (٣) لا يؤَثِّرُ في الأمْرِ الطَّبِيعِيِّ. وقد ذَكَرْنا ما يَدُلُّ على التَّخْصِيصِ ويُوجِبُ الفَرْقَ بينَهما، وإن إيَفتَرِقا فيما ذَكَرُوه، افْتَرَقا في الحُرْمَةِ ومَشَقَّةِ السَّترِ (٤)، لكن إن كانتِ الأمَةُ (٥) جميلةً، يُخافُ الفِتْنَةُ

стр. 9600

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بها، حَرُمَ النَّظَرُ إليها، كما يَحْرُمُ إلى الغُلامِ الذي تُخْشَى (١) الفِتْنَةُ بالنَّظَرِ إليه. قال أحمدُ في الأَمَةِ إذا كانت جميلةً: تُنَقَّبُ، ولا يُنْظَرُ إلى المَمْلُوكَةِ، كم مِن نَظْرَةٍ قد ألْقَتْ في قَلْبِ صاحِبِها البَلابِلَ (٢). فصل: والطِّفْلَةُ التي لا تَصْلُحُ للنِّكاحِ لا بَأْسَ بالنَّظَرِ إليها. قال أحمدُ في رِوايَةِ الأثْرَمِ، في الرجلِ يَأْخُذُ الصَّغِيرَةَ فيَضَعُها في حِجْرِه ويُقَبِّلُها: فإن كان يَجِدُ شَهْوَةً، فلا، وإن كان لغيرِ شَهْوَةٍ، فلا بَأْسَ. وقد روَى أبو بكرٍ، بإسنادِه عن عُمَرَ بنِ حفص المَدِينيِّ، أنَّ الزُّبَيرَ بنَ العوَّامِ أرْسَلَ بابْنَةٍ له إلى عمرَ بنِ الخطابِ مع مَوْلاةٍ له، فأخَذَها عمرُ بيَدِه، ٧ وقال: ابنةُ أبي عبدِ اللهِ. فتَحَرَّكَتِ الأجْراسُ مِن رِجلِها، فأخَذَها عمرُ فقَطَعَها، وقال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «مَعَ كُل جَرَسٍ شَيطَانٌ» (٣). فأمَّا إذا بَلَغَتْ حَدًّا يَصْلُحُ لِلنِّكاحِ، [كابْنَةِ تِسْعٍ] (٤)، فإنَّ عَوْرَتَها مُخالِفَةٌ لعَوْرَةِ البالِغَةِ، بدليلِ قولِه ﵊: «لَا يَقْبَلُ اللهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إلا بِخِمَارٍ» (٥). يدُلُّ على صِحَّةِ صلاةِ مَن لم تَحِضْ مَكشُوفَةَ الرَّأْسِ (٦)، فيَحْتَمِلُ أن يكونَ حُكْمُها حكمَ ذَواتِ المَحارِمِ، كقَوْلِنا في الغُلامِ المُراهِقِ مع النِّساءِ. وقد روَى أبو بكرٍ، عن ابنِ

стр. 9601

فَصْلٌ: وَلَا يَجُوزُ التَّصْرِيحُ بِخِطْبَةِ الْمُعْتَدَّةِ، وَلَا التَّعْرِيضُ بِخِطْبَةِ الرَّجْعِيَّةِ. ــ جُرَيجٍ، قال: قالت عائشةُ: دَخَلَتْ عليَّ ابنةُ أخِي، فدَخَل عليَّ النَّبِيُّ ﷺ فأعْرَضَ، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، إنَّها ابنةُ أخِي وجارِيَةٌ. فقال: «إذَا عَرَكَتِ (١) المَرْأةُ لَمْ يَجُزْ لَهَا أنْ تُظْهِرَ إلَّا وَجْهَهَا وَمَا دُونَ هَذَا». وقَبَض على ذِراعِ نَفْسِه، فتَرَكَ بينَ قَبْضَتِه وبينَ الكَفِّ مثلَ قَبْضَةٍ أُخْرَى أو نحوَها (٢). احتجَّ أحمدُ بهذا الحديثِ. وتَخْصِيصُ الحائِضِ بهذا التحديدِ دَلِيل على إباحَةِ أكثرَ مِن ذلك في حَقِّ غيرِها. ٣٠٧١ - مسألة؛ قال الشيخُ، ﵁: (وَلَا يَجُوزُ التَّصْرِيحُ بخِطْبَةِ المُعْتَدَّةِ، ولا التَّعْرِيضُ بخِطْبَةِ الرَّجْعِيَّةِ) أمَّا التَّصْرِيحُ بخِطْبَةِ المُعْتَدَّةِ، فلا يَجُوزُ؛ لأنَّ قولَ اللهِ تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ (٣). دَلِيلٌ على تَحْرِيمِ. التَّصْرِيحِ؛ لأنَّ التَّصْرِيحَ لا يَحْتَمِلُ غيرَ النِّكاحِ، فلا يُؤْمَنُ أن يَحْمِلَها الحِرْصُ عليه على الإِخبارِ بانقِضاءِ عِدَّتِها قبلَ انْقِضائِها، والتَّعْريضُ بخِلافِه.

стр. 9602

وَيَجُوزُ فِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ وَالْبَائِنِ. بِطَلَاقٍ ثَلَاثٍ. وَهَلْ يَجُوزُ فِي عِدَّةِ الْبَائِنِ بِغَيرِ الثَّلَاثِ؟ عَلَى وَجْهَين. ــ ٣٠٧٢ - مسألة: فَأمَّا الرَّجْعِيَّةُ، فلا يَجُوزُ لأَحَدٍ التَّعْرِيضُ بخِطْبَتِها ولا التَّصْرِيحُ ؛ لأنَّهَا في حُكْمِ الزَّوْجَاتِ، فهي كالتي في صُلْبِ نِكَاحِهِ. ٣٠٧٣ - مسألة: (وَيَجُوزُ في عِدَّةِ الْوَفَاةِ، و) في (البائنِ بطَلاقٍ ثَلَاثٍ) المُعْتَدَّاتُ على ثلاثةِ أضْرُبٍ؛ الرَّجْعِيَّةُ (١)، وحُكْمُها حُكْمُ مَن هي في صُلْبِ النِّكاحِ، وقد ذَكَرْناها. الثاني، المُعْتَدَّةُ مِن وَفاةٍ، أو طَلاقٍ ثلاثٍ، أو فسْخٍ لتَحْرِيمِها على زَوْجِها، كالفَسْخِ برَضاعٍ أو لِعانٍ، ونحوه ممَّا لا تَحِلُّ بعدَه لزَوْجِها، فهذه يَجُوزُ التَّعْرِيضُ بخِطْبَتِها؛ للآيةِ، ولما رَوَتْ فاطِمَةُ بنتُ قَيسٍ، أنَّ النبيَّ ﷺ قال لها لمَّا طَلَّقَها زَوْجُها ثَلاثًا: «إِذَا حَلَلْتِ فَآذِنِيني». وفي لفظٍ: «لَاتَسْبِقِيني بنَفْسِكِ» (٢). وهذا تَعْرِيضٌ بخِطْبَتِها في عِدَّتِها. ٣٠٧٤ - مسألة: (وهل يَجُوزُ في عِدَّةِ البَائِنِ بغيرِ الثَّلَاثِ؟ على

стр. 9603

وَالتَّعْرِيضُ نَحْوَ قَوْلِهِ: إِنِّي فِي مِثْلِكِ لَرَاغِبٌ. وَ: لَا تَفُوتِيني بِنَفْسِكِ. ــ وَجْهَين) هذا الضَّربُ الثالِثُ، كالمُخْتَلِعَةِ (١)، والبائِنِ بفَسْخٍ، لعَيبٍ أو إعْسارٍ أو نحوه، فلزَوْجِها التَّصْرِيحُ بخِطْبَتِها والتَّعْرِيضُ؛ لأنَّه مُباحٌ له نِكاحُها في عِدَّتِها، فهي كغيرِ المُعْتَدَّةِ. وهل يجُوزُ لغيرِه التَّعْرِيضُ بخِطْبتِها؟ فيه وَجْهان. وللشافعيِّ فيه قولان؛ أحدُهما، يَجُوزُ؛ لعُمُوم الآيةِ، ولأنَّها بائِنٌ، فأشْبَهَتِ المُطَلَّقَةَ ثلاثًا. والثاني، لا يَجُوزُ؛ لأنَّ الزَّوْجَ يَمْلِكُ أن يَسْتَبِيحَها، فهي كالرَّجْعِيَّةِ. والمرأةُ في الجَوابِ كالرجلِ في الخِطْبَةِ فيما (٢) يَحِلُّ ويَحْرُمُ؛ لأنَّ الخِطْبَةَ للعَقْدِ، فلا يَخْتَلِفان في حِلِّهِ وحُرْمَتِه. ٣٠٧٥ - مسألة: (وَالتَّعْرِيضُ قولُه: إنِّي فِي مِثْلِكِ لَراغِبٌ. و:

стр. 9604

وَتُجِيبُهُ: مَا يُرْغَبُ عَنْكَ. وَ: إِنْ قُضِيَ شَيْءٌ كَانَ. وَنَحْوُهُمَا. ــ لا تَفُوتِينِي بنَفْسِكِ) و: ما أحْوَجَنِي إلى مِثْلِكِ. وقال الزُّهْرِيُّ: أنتِ مَرْغوبٌ فيك. و: أنتِ جَمِيلَةٌ. و: إذا حَلَلْتِ فآذِنِينِي. ونحوُ ذلك. قال مجاهِدٌ: مات رجلٌ، وكانتِ امرأتُه تَتْبَعُ (١) الجِنازَةَ، فقال لها رجلٌ: لا تَسْبِقينا بنفسِك. فقالتْ: سَبَقَكَ غيرُك. ٣٠٧٦ - مسألة: (وتُجيبُه) المرأةُ: (ما يُرْغَبُ عنك. و: إن قُضِيَ شيءٌ كان) وما أشْبَهَه. فصل: فأمَّا التَّصْرِيحُ فهو اللفظُ الذي لا يَحْتَمِلُ غيرَ النِّكاحِ، نحوَ قولِه: زَوِّجيني نَفْسَكِ. و: إذا انْقَضَتْ عِدّتُكِ تَزَوَّجْتُكِ. ويَحْتَمِلُ أنَّ هذا مَعْنَى قولِه تعالى: ﴿لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ (٢). فإنَّ النِّكاحَ يُسَمَّى سِرًّا، قال الشاعرُ (٣): فلَنْ تَطْلُبوا سِرَّها للغِنَى ... ولنْ تُسلِمُوها لإِزْهادِها (٤) وقال الشافعيّ: السِّرُّ: الجِماعُ. وأنشَد لامْرِئِ القَيسِ (٥): أَلَا زَعَمَتْ بَسْبَاسَةُ القَوْمِ أنَّنِي ... كَبِرْتُ وأن لا يُحْسِنَ السِّرَّ أمْثَالِي

стр. 9605

وَلَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَن يَخْطُبَ عَلَى خِطْبَةِ أَخيهِ إِنْ أُجِيبَ، وَإنْ رُدَّ، حَلَّ، وَإنْ لَمْ يَعْلَمِ الْحَال فَعَلَى وَجْهَينِ. ــ ومُواعَدَةُ السِّرِّ أن يقولَ: عندِي جِماعٌ يُرْضِيكِ. [ونحوُه قولُه: رُبَّ جِماعٍ يُرْضيكِ] (١). فنُهِيَ عنه لِما فيه مِن الهُجْرِ والفُحْشِ والدَّناءَةِ والسُّخْفِ. فصل: فإن صَرَّحَ بالخِطْبَةِ، أو عَرَّضَ في مَوْضِعٍ يَحْرُمُ التَّعْرِيضُ، ثم تَزَوَّجَها بعدَ حِلِّها، صَحَّ نِكاحُه. وقال مالِكٌ: يُطَلِّقُها تَطْلِيقَةً، ثم يَتَزَوَّجُها. ولا يَصِحُّ هذا؛ لأنَّ هذا المُحَرَّمَ لم يُقارِنِ (٢) العَقْدَ، فلم يُؤثِّرْ فيه، كما في النِّكاحِ الثانِي، أو كما لو رَآها مُتَجَرِّدَةً ثم تَزَوَّجَها. ٣٠٧٧ - مسألة: (ولا يَجُوزُ للرجلِ أن يَخْطُبَ على خِطْبَةِ أخِيه إن أُجِيبَ، وإن رُدَّ، حَلَّ، وَإن لم يَعْلَمِ الحَال فعلى وَجْهَين) الخطْبَةُ بالكَسْرِ: خِطْبَةُ الرجلِ المرأةَ ليَتَزَوَّجَها. وبالضَّمَ: حَمْدُ اللهِ والتَّشَهُّدُ. ولا يَخْلُو حالُ المَخْطُوبَةِ مِن ثَلاثةِ أقْسام:

стр. 9606

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أحَدُها، أن تَسْكُنَ إلى الخاطِبِ لها، فتُجِيبَه، أو تَأذَنَ لوَلِيِّها في إجابَتِه، فهذه يَحْرُمُ على غيرِه خِطْبَتُها؛ لما روَى ابنُ عُمرَ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «لَا يَخْطُبُ أحدُكُمْ عَلَى خِطْبَةِ أخيهِ». وعن أبي هُريرةَ عن النبيِّ ﷺ قال: «لَا يَخْطُبُ احدُكُمْ عَلَى خِطْبَةِ أخِيهِ، حَتَّى يَنْكِحَ أو يَتْرُكَ». مُتَّفَق عليهما (١). ولأنَّ في ذلك إفسادًا على الخاطِبِ الأوَّل، وإيقاعَ العَداوَةِ بينَ الناسِ، ولا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا بينَ أهلِ العِلْمِ، إلَّا أنَّ قَومًا حَمَلُوا النَّهْيَ على الكَراهَةِ، والأوَّلُ أوْلَى.

стр. 9607

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ القسمُ الثاني، أن تَرُدَّه أو (١) لا تَرْكَنَ إليه، فيجوزُ خِطبَتُها؛ لما رَوَتْ فاطِمَةُ بِنتُ قَيس أنها أتَتِ النبيَّ ﷺ ، فذَكَرَتْ أنَّ مُعاويَةَ وأبا جَهْم خَطَباها، فقال النبيُّ ﷺ : «أمَّا مُعاويَةُ فَصُعْلُوكٌ لَا مَال له، وَأمَّا أبو جَهْم فَلَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ، انْكِحِي أسَامَةَ بنَ زَيدٍ». مُتَّفَقٌ عليه (٢). فخَطَبَها النبي ﷺ بعدَ إخبارِها إيَّاه بخِطْبَةِ مُعاويَةَ وأبي جَهْم لها. ولأنَّ تَحْرِيمَ خِطْبَتِها على هذا الوَجْهِ إضرارٌ بها؛ فإنَّه لا يَشاءُ أحَدٌ أن يَمْنَعَ المراة النِّكاحَ (١) إلَّا مَنَعَها بخِطْبَتِه إيَّاها. وكذلك لو عَرَّضَ لها في عِدَّتِها بالخِطْبَةِ فقال: لا تَفُوتِيني بنَفْسِكِ. وأشْبَاه هذا، لم تَحْرُمْ خِطْبَتُها؛ لأنَّ في قِصَّةِ فاطمةَ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «لَا تَفُوتِينَا بِنَفْسِكِ».

стр. 9608

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولم يُنْكرْ (١) خِطْبَةَ أبي جَهْم ومُعاويَةَ لها. وذَكَر ابنُ عبدِ البَرِّ (٢) أنَّ ابنَ وَهْبٍ روَى بإسنادِه عن الحارِثِ بنِ سعدِ بنِ أبي ذُبابٍ (٣)، أنَّ عمرَ بنَ الخطَّابِ خَطَب امرأةً على جَريرِ بنِ عبدِ اللهِ، وعلى مَرْوانَ بنِ الحَكَمِ، وعلى عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، فدَخَلَ على المرأةِ وهي جالِسَةٌ في بيتها، فقال عمرُ: إنَّ جَرِيرَ بنَ عبدِ اللهِ خَطَب، وهو سَيِّدُ أهلِ المشرِقِ، ومروانَ يَخطُبُ، وهو سَيِّدُ شَبابِ قُرَيش، وعبد الله بِنَ عُمرَ، وهو مَن قد عَلِمْتم، وعمرَ بنَ الخطابِ. فكَشَفَتِ المراة السِّتْرَ، فقالت: أجادٌّ أميرُ المؤمنينَ؟ فقال: نعم. فقالت: قد أنْكحْتُ أميرَ المؤمنينَ، فأنْكحُوه. فهذا عمرُ قد خَطَب على واحدٍ بعدَ واحدٍ، قبلَ أن يَعْلَمَ ما تقولُ المرأةُ في الأوَّلِ.

стр. 9609

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ القسمُ الثالثُ: أن يُوجَدَ مِن المرأةِ ما يَدُلُّ على الرِّضَا والسُّكُونِ، تَعْرِيضًا لا تَصْريحًا، كقولِها: ما أنْتَ إلَّا رِضًا. و: ما عَنْكَ رَغْبَةٌ. فهذا في حُكْمِ الأوَّلِ، لا يَحِلُّ لغيرِه خِطْبَتُها. هذا ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ، وظاهِرُ كلامِ أحمدَ، فإنَّه قال: إذا رَكَن بعضُهم إلى بعضٍ، فلا يَحِلّ لأحدٍ أن يَخْطُبَ. والرُّكُونُ يُسْتدلُّ عليه بالتَّعْرِيضِ تارَةً، وبالتَّصريح أخْرَى. وقال القاضي: ظاهِرُ كلامِ أحمدَ إباحَةُ خِطْبَتِها. وهو مذهبُ الشافعي في الجديدِ؛ لحديثِ فاطمةَ، حيثُ خَطَبَها النبيُّ ﷺ . وزَعَموا أنَّ الظاهِرَ مِن كلامِها رُكُونُها إلى أحَدِهِما. واسْتَدَلَّ القاضي بخِطْبَتِه لها قبلَ سُوالِها هل وُجِد منها ما دلَّ على الرِّضَا أو لا. ولَنا، عُمُومُ قولِه ﵊: «لا يَخْطُبُ أحَدُكُمْ عَلَى خِطْبَةِ أخيهِ». ولأنَّه وُجِد منها (١) ما دَلَّ على الرِّضَا، فحَرُمَتْ خِطْبَتُها، كما لو صَرَّحَتْ بذلك. وأمّا حديثُ فاطمةَ، فلا حُجَّةَ لهم فيه، فإنَّ فيه ما يَدُلَّ على أنَّها لم تَرْكَنْ إلى واحِدٍ منهما مِن وَجهَينَ؛ أحَدُهما، أنَّ النبيَّ ﷺ

стр. 9610

وَالتَّعْويلُ فِي الرَّدِّ وَالإجَابَةِ إنْ لَمْ تَكُنْ مُجْبَرَةً عَلَيهَا، وَإنْ كَانَتْ ــ قد كان قال لها: «لَا تَسْبِقِيني بِنَفْسِكِ». وفي رِوايَةٍ: «إِذَا حَلَلْتِ فَآذِنِيني». فلم تَكُنْ لتَفْتَاتَ بالإِجابَةِ قبلَ إذنِه. الثاني، أنَّها ذَكَرَتْ ذلك لرسولِ اللهِ ﷺ كالمُسْتَشِيرَةِ له فيهما أو في العُدُولِ عنهما، وليس في الاسْتِشارَةِ دَلِيلٌ على تَرْجِيحِ (١) أحدِ الأمرَين، ولا مَيلٍ إلى أحَدِهِما، على أنَّها إنَّما ذَكَرَتْ ذلك لرسولِ اللهِ ﷺ لتَرْجِعَ إلى قولِه ورَأيه، وقد أشارَ عليها بتَركِهِما، لما ذَكَر مِن عَيْبهما، فجَرَى ذلك مَجْرَى رَدِّهَا لهما، وتَصْرِيحِها بمَنْعِهِما. ومِن وَجْهٍ آَخَرَ، وهو أنَّ النبيَّ ﷺ قد سَبَقَهُما بخِطْبَتِها تَعْرِيضًا (٢) بقولِه لها ما ذَكَرْنا، فكانت خِطْبَتُه لها مَبْنِيَّةً على الخِطْبَةِ السَّابقةِ، بخِلافِ ما نحن فيه. فإن لم يَعْلَمِ الحال فعلى وَجْهَين؛ أحَدُهما، لا يَجُوزُ، لعُمومِ النَّهْي. والثاني، يَجُوزُ، لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ الإجابَةِ المُحَرِّمَةِ. ٣٠٧٨ - مسألة: (والتَّعْويلُ فِي الرَّدِّ والإِجابةِ عليها إن لم تَكُنْ

стр. 9611

مُجْبَرَةً، فَعَلَى الوَلِيِّ. ــ مُجْبَرَةً، وإن كانت مُجْبَرَةً، فعلى الوَلِيِّ) أمَّا إذا لم تَكُنْ مُجْبَرَةً؛ فلأنَّها أحَقُّ بنَفْسِها مِن وَلِيِّها، فإن أجابَ هو، وَرغِبَتْ عن النِّكاحِ، كان الأمْرُ أمرَها. فإن أجابَ وَلِيُّها فرَضِيَتْ، فهو كإجابَتِها، وإن سَخِطَتْ فلا حُكْمَ لإِجابَتِه؛ لأنَّ الحَقَّ لها. ولو أجابَ الوَلِيُّ في حَقِّ المُجْبَرَةِ، فكَرِهَتِ المُجابَ واخْتارَتْ غيرَه، سَقَط حُكْمُ إجابَةِ وَلِيِّها؛ لكَوْنِ اختِيارِها مُقَدَّمًا على اخْتِيارِه. وإن كَرِهَتْه ولم تَخْتَرْ سِواه، فيَنْبَغِي أن يَسْقُطَ حُكْمُ الإِجابَةِ أيضًا؛ لأنَّه قد أُمِرَ باسْتِثمارِها، فلا يَنْبَغِي له أن يُكْرِهَها على مَن (١) لا تَرْضاه. وإن أجابَتْ ثم رَجَعَتْ عن الإِجابَةِ وسَخِطَتْه، زال حُكْمُ الإِجابَةِ؛ لأنَّ لها الرُّجُوعَ. وكذلك إذا رَجَع الوَلِيّ المُجْبِرُ عن الإِجابةِ، زال حُكْمُها؛ لأنَّ له النَّظَرَ في أمْرِ مُوَلِّيَته، ما لم يَقَعِ العَقْدُ. وإن لم تَرْجِعْ هي ولا وَلِيُّها، لكنْ تَرَكَ الخاطِبُ الخِطْبَةَ، أو (٢) أذِنَ فيها، جازت خِطْبَتُها؛ لما رُوِيَ في حديثِ ابنِ عمرَ، عن النبيِّ ﷺ ، أنَّه نَهَى أن يَخْطُبَ الرجلُ على خِطْبَةِ أخِيه، حتى يَأذَنَ أو يَتْرُكَ. رَواه البخاريُّ (٣).

стр. 9612

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: وخِطْبَةُ الرجلِ على خِطبةِ أخيه (١) في مَوْضِعِ النَّهْي مُحَرَّمَة. قال أحمدُ: لا يَحِلُّ لأحَدٍ أن يَخْطُبَ في هذه الحالِ. وقال أبو حَفْص العُكْبَرِيُّ: هي مَكْرُوهَةٌ غيرُ مُحَرَّمَةٍ، وهذا نَهْيُ تَأدِيبٍ. ولَنا، ظاهِرُ النَّهْي، فإنَّ مُقْتَضاه التَّحْرِيمُ، ولأنَّه نَهْيٌ عن الإِضْرارِ بالآدَمِيِّ المَعْصُومِ، فكان على التَّحْرِيمِ، كالنَّهْي عنِ أكْلِ مالِه. فإن فَعَل فنِكاحُه صحيحٌ. نصَّ عليه أحمدُ فقال: لا يُفرَّقُ بينَهما. وهذا مذهبُ الشافعيِّ. ورُوِيَ عن مالكٍ، وداودَ، أنَّه لا يَصِحُّ. وهو قياسُ قولِ أبي بكر؛ لأنَّه قال في البَيعِ على بَيعِ أخِيه: هو باطِل. وهذا في مَعْناه؛ لأنَّه نِكاحٌ مَنْهِيٌّ عنه، فكان باطِلًا، كنِكاحِ الشِّغارِ. ولَنا، أنَّ المُحَرَّمَ لم يُقارِنِ العَقْدَ، فلم يُؤثِّرْ، كما لو صَرَّحَ بالخِطْبَةِ في العِدَّةِ. فصل: ولا يُكْرَهُ للوَلِيِّ الرُّجُوعُ عن الإجابَةِ (٢) إذا رَأَى المَصْلَحَةَ لها في ذلك؛ لأنَّ الحَقَّ لها، وهو نائِب عنها في النَّظرَ لها، فلم يُكْرَهْ له الرُّجُوعُ إذا رَأى المَصْلَحَةَ، كما لو ساوَمَ في بَيعِ دارها، ثم رَأى المَصْلَحَةَ لها (٣) في تَرْكِها. ولا يُكْرَهُ لها أيضًا الرُّجُوعُ إذا كرِهَتِ الخاطِبَ؛ لأنَّه

стр. 9613

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عَقْدُ عُصر يَدُومُ الضَّرَرُ فيه، فكان لها الاحْتِياطُ لنَفْسِها، والنَّظرُ في خِطْبَتِها. وإن رَجَعا عن ذلك لغيرِ غَرَض، كُرِهَ؛ لما فيه مِن إخْلافِ الوَعْدِ والرُّجُوعِ عن القولِ، ولم يَحْرُمْ؛ لأنَّ الحَقَّ بعدُ لم يَلْزَمْهما (١)، كمَن ساوَمَ بسِلْعَتِه، ثم بدا له أن لا يَبِيعَها. فصل: فإن كان الخاطِبُ الأوَّلُ ذِمِّيًّا، لم تَحْرُمِ الخِطْبَةُ على خِطْبَتِه. نصَّ عليه أحمدُ، فقال: «لا يَخْطُبُ على خِطْبَةِ أخِيه، ولا يُساومُ على سَوْمِ أخيه». إنَّما هو للمُسْلِمينَ، ولو خَطَب على خِطْبَةِ يَهُودِي أو نَصْرانِيٍّ، أو سام على سَوْمِهما، لم يَكُنْ داخلًا في ذلك؛ لأنَّهم ليسوا بإخْوَةٍ للمُسْلمِينَ. وقال ابنُ عبدِ البَرِّ: لا يَجُوزُ أيضًا؛ لأنَّ هذا خَرَجَ مَخْرَجَ (٢) الغالِبِ، لا لتَخْصيص المُسْلِمِ به. ولَنا، أنَّ لَفْظَ النَّهْي خاصٌّ في المسْلمينَ، وإلْحاقُ غيرِه به إنَّما يَصِحُّ إذا كان مثلَه، وليس الذِّمِّي كالمُسْلِم، ولا حُرْمَتُه كحُرْمَتِه، ولذلك لم تَجِبْ إجابَتُهم في دَعْوةِ الوَلِيمَةِ ونحوها. وقولُه: خَرَج مَخْرَجَ (٢) الغالِبِ. قُلْنا: متى كان في المَخْصُوصِ بالذِّكْرِ (٣) مَعْنًى يصْلُحُ أن يُعْتَبَرَ في الحُكْمِ، لم يَجُزْ حَذْفُه ولا تَعْدِيَةُ الحُكْمِ بدُونِه، والأخُوَّةُ الإسلامِيَّةُ لها تَأثِيرٌ في وُجُوبِ الاحْتِرامَ، وزِيادَةِ الاحْتِياطِ في رِعايَةِ حُقُوقِه، وحِفْظِ قَلْبِه، واسْتِيفاءِ (٤) مَوَدَّتِه، فلا يَجُوزُ حَذْفُ ذلك.

стр. 9614

وَيُسْتَحَبُّ عَقْدُ النِّكَاحِ مَسَاءَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ. وَأنْ يُخْطَبَ قَبْلَ الْعَقْدِ بِخُطْبَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ. ــ ٣٠٧٩ - مسألة: (ويُسْتَحَبُّ عَقْدُ النِّكاحِ مساءَ يَوْمِ الجُمُعَةِ) لأنَّ جَماعَةً مِن السَّلَفِ اسْتَحَبُّوا ذلك؛ منهم ضَمْرَةُ بنُ حَبِيبٍ، وراشِدُ بنُ سَعْدٍ (١)، وحَبِيبُ بنُ عُتْبَةَ (٢). ولأنَّه يومٌ شَرِيف ويومُ عيدٍ، وفيه خُلِقَ آدمُ ﵇ (٣). والمساءُ به (٤) أوْلَى؛ فإنَّ أبا حَفْص روَى بإسنادِه، عن أبي هُرَيرَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «مَسُّوا بِالإمْلَاكِ، فَإِنَّهُ أعظَمُ لِلْبَرَكَةِ» (٥). ولأنَّه أقْرَبُ إلى مَقْصُودِه، وأقلُّ لانتظارِه. ٣٠٨٠ - مسألة: (و) يُسْتَحَبُّ (أنْ يَخطُبَ قَبْلَ العَقْدِ بخُطْبَةِ ابن مسعودٍ) خُطْبَةُ العاقِدِ أو غيرِه قبلَ الإِيجابِ والقَبولِ مُسْتَحَبَّة، ثم يكون

стр. 9615

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ العقدُ بعدَ ذلك، لقولِ النبي ﷺ : «كُلُّ أمْر ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِالْحَمْدِ للهِ، فَهُوَ أقطَعُ» (١). وقال: «كُلُّ خُطْبَةٍ لَيسَ فِيهَا شَهَادَةٌ، فَهِيَ كالْيَدِ الْجَذْمَاءِ» (٢). رَواهما ابنُ المُنْذِرِ. ويُجْزِئُ مِن ذلك أن يَحْمَدَ اللهَ تعالى، ويَتَشَهَّدَ، ويُصَلِّيَ على النبيِّ ﷺ . ويُسْتَحَبُّ أن يَخْطُبَ بخُطْبَةِ ابنِ مسعودٍ، التي قال: عَلَّمَنا رسولُ اللهِ ﷺ التَّشَهُّدَ في إلصلاةِ والتَّشَهُّدَ في الحاجَةِ، قال: التَّشَهُّدُ: [في الحاجَةِ. أنِ] (٣) الحمدُ للهِ نَحْمَدُه، ونَستَعينُه، ونَعُوذُ باللهِ مِن شُرُورِ أنْفُسِنا، مَن يَهْدِه اللهُ فَلَا مُضِلَّ له، ومَن يُضلِلْ فلا هادِيَ له، وأشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلَّا الله، وأشْهَدُ أنَّ محمدًا عَبْدُه ورسولُه، ويَقرَأ ثَلاثَ آيات: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيكُمْ رَقِيبًا﴾ ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾. الآية. رَواه

стр. 9616

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أبو داودَ، والتِّرمِذِيّ (١)، وقال: حديث حسن. قال الخَلَّالُ: ثنا أبو سليمانَ (٢) إمامُ طَرَسُوسَ، قال: كان أحمدُ بنُ حنبل إذا حَضَر عَقْدَ نِكاحٍ فلم يُخْطَبْ فيه (٣) بخُطْبَةِ ابنِ مَسْعودٍ، قامَ (٤) وتَركَهم. وهذا كان مِن أبي عبدِ اللهِ على طَريقِ المُبالغَةِ في اسْتِحْبابِهَا، لا على الإِيجابِ لها؛ فإنَّ حَرْبَ بنَ إسماعيلَ قال: قُلْتُ لأحمدَ: فيَجِبُ أن تكونَ خُطْبَةُ النِّكاحِ مثلَ قولِ ابنِ مسعودٍ؛ فوَسَّعَ في ذلك. وقد رُوِيَ عن ابنِ عُمَرَ، أنَّه كان إذا دُعِيَ لتَزْويجٍ، قال: لَا تَفْضُضُوا (٥) علينا النَّاسَ، الحمدُ للهِ، وصلَّى اللهُ على محمدٍ، إنَّ فُلانًا يَخْطُبُ إليكم، فإن أنْكَحْتُمُوه فالحَمدُ للهِ، وإن رَدَدْتُمُوه فسُبْحانَ الله (٦). والمُسْتَحَبُّ خُطبة واحِدَة (٧) يَخْطُبُها

стр. 9617

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الوَلِيُّ أو الزَّوجُ أو غيرُهما. وقال الشافعيُّ: المَسْنُونُ خُطْبَتان. هذه التي ذَكَرْناها في أوَّلِه، وخُطْبَةٌ مِن الزَّوجِ قبلَ قَبُولِه. والمَنقولُ عن النبيِّ ﷺ ، وعن السَّلَفِ، خُطْبَة واحِدَةٌ، وهو أوْلَى ما اتُّبعَ. فصل: وليستِ الخُطبَةُ واجِبَةً عندَ أحَدٍ مِن أهلِ العِلمِ فيما عَلِمْنَا (١) إلَّا داودَ، فإنَّه أوْجَبَها، لما ذَكَرْناه. ولَنا، أنَّ رجلًا قال للنبيِّ ﷺ : زَوِّجْنِيها. فقال رسولُ اللهِ ﷺ : «زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ». مُتَّفَقٌ عليه (٢). ولم يَذْكُرْ خُطْبَةً. وخُطِبَ إلى ابنِ عمرَ مَوْلاةٌ له، فما زادَ على أن قال: قد أنْكَحْتُك على ما أمَرَ اللهُ، على إمْساكٍ بمَعْرُوفٍ، أو تَسْرِيحٍ بإحسانٍ (٣). وقال جَعْفَرُ بنُ محمدٍ عن أبِيه: إن كان الحُسَينُ ليزَوجُ بعضَ بَناتِ الحَسَنِ وهو (٤) يَتَعَرَّقُ العَرْقَ (٥). رَواهُما ابنُ المنذرِ. وروَى أبو داودَ (٦) بإسْنادِه، عن رجلٍ مِن بني

стр. 9618

وَأنْ يُقَال لِلْمُتَزَوِّجِ: بَارَكَ اللهُ لَكُمَا وَعَلَيكُمَا، وَجَمَعَ بَينَكُمَا فِي خَيرٍ وَعَافِيَةٍ. ــ سُلَيمٍ، قال خَطَبْتُ إلى رسول اللهِ ﷺ أُمامَةَ بنتَ عبدِ المُطَّلِبِ، فأنْكَحَنِي مِن غيرِ أن يَتَشَهَّدَ. ولأَنَّه عَقْدُ مُعَارضَةٍ، فلم تَجِبْ فيه الخُطْبَةُ كالبَيعِ، وما اسْتَدَلُّوا به يَدُلُّ على عَدَمِ الكَمال بدونِ الخُطْبَةِ، لا على الوُجُوبِ. ٣٠٨١ - مسألة؛ (و) يُسْتَحَبُّ (أن يُقَال للمُتَزَوِّجِ: بارَكَ اللهُ لكما، وعليكما، وجَمَع بينَكما في خَير وعافِيَةٍ) وقد رُوِيَ أنَّ النبيَّ ﷺ رَأى على عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ أثَرَ (١) صُفْرَةٍ، فقال: «مَا هَذَا؟». قال: إنِّي تَزَوَّجْتُ على وَزْنِ نَواةٍ مِن ذَهَبٍ (٢) قلل: «بَارَكَ اللهُ لَكَ، أوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ». مُتَّفقٌ عليه (٣). قال بعضُ أهلِ العلمِ: وَزْنُ

стр. 9619

وَإذَا زُفَّتْ إِلَيهِ، قَال: اللَّهُمَّ إِنِّي أسْألكَ خَيرَهَا وَخَيرَ مَا جَبَلْتَهَا عَلَيهِ، وَأعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا جَبَلْتَهَا عَلَيهِ. ــ نَواةٍ خَمْسَةُ دَراهِمَ، وذلك ثَلاثةُ مَثاقِيلَ ونِصفٌ مِن الذَّهَبِ. وقال المُبَرِّدُ: الصَّوابُ عندَ أهلِ العَرَبِيَّةِ أن يُقال: على (١) نَواةٍ. فحَسْبُ؛ فإنَّ النَّواةَ عندَهم اسْمٌ لخَمْسَةِ دَراهِمَ، كما أنَّ الأوقِيَّةَ أرْبَعون دِرْهَمًا، والنَّشَّ عِشْرُونَ. ٣٠٨٢ - مسألة: (ويقُولُ إذا زُفَّتْ إليه: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألكَ خَيرَها وخَيرَ ما جَبَلْتَها عليه، وأعُوذُ بك مِن شَرِّها وشَرِّ ما جَبَلْتَها عليه) لما روَى صالحُ بنُ أحمدَ، في «مَسائلِه»، عن أبيه، ثنا داودُ، عن أبي نَضْرَةَ، عن أبي سعيدٍ (٢) مَوْلَى أبي أسَيدٍ، قال: تَزَوَّجَ (٣)، فحَضَرَه عبدُ الله بنُ مَسعودٍ، وأبو ذَرٍّ، وحُذَيفَةُ، وغيرُهم مِن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ ، فحَضَرَتِ الصلاةُ، فقَدَّمُوه وهو مَمْلُوكٌ، فصَلَّى بهم، ثم قالوا

стр. 9620

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ له: إذا دَخَلْتَ على أهلِكَ فصَلِّ رَكعتَين، ثم خُذْ برَأْسِ أهْلِكَ، فقُلْ: اللَّهم بارِكْ لي في أهْلِي، وبارِكْ لأهْلِي فِيَّ، وارْزُقْهُم مِنِّي، وارْزُقنِي منْهم. ثم شَأنَك وشَنَ أهلِكَ (١). وروَى أبو داودَ (٢) بإسْنادِه عن عَمْرِو بنَ شُعيبٍ، عن أبِيه، عن جَدِّه، عن النبيِّ ﷺ ، أنَّه قال: «إِذَا تَزَوج [أحَدُكُمُ امْرأةً أو] (٣) اشْتَرَى خَادِمًا، فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألكَ خَيرَهَا، وَخَيرَ مَا جَبَلْتَهَا عَلَيهِ، وَأعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا جَبَلْتَهَا عَلَيهِ. وإذَا اشْتَرَى بَعِيرًا، فَلْيَأخُذْ بِذُرْوَةِ سَنَامِهِ، وَلْيَقُلْ مِثْلَ ذَلِكَ».

стр. 9621

بَابُ أَرْكَانِ النِّكَاحِ وَشرُوطِهِ فَأرْكَانُهُ الإيجَابُ وَالقَبُولُ. وَلَا يَنْعَقِدُ الْإيجَابُ إلَّا بِلَفْظِ النِّكَاحِ وَالتَّزْويجِ بِالْعَرَبِيَّةِ لِمَنْ يُحْسِنُهُمَا، أو بِمَعْنَاهُمَا الْخَاصِّ بِكُلِّ لِسَانٍ لِمَنْ لَا يُحْسِنُهُمَا. ــ بابُ أرْكَانِ النِّكَاحِ وَشُرُوطِه (أرْكانُه الإيجابُ والقَبُولُ، فلا يَنْعَقِدُ إلَّا بلَفْظِ النِّكَاحِ والتَّزْويج بالعَرَبيَّةِ لمَن يُحْسِنُهما، أو بمَعناهُما الخاصِّ بكلِّ لسانٍ لمَن لا يُحْسِنُهما) وجُملتُه، أنَّ النِّكاحَ يَنْعَقِدُ بلَفْظِ النكاحِ والتَّزْويجِ، والجَوابِ عنهما إجماعًا، وهما اللَّذانِ وَرَد بهما نصُّ الكتابِ في قولِه سبحانَه: ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ (١). وقولِه: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (٢). وسَواءٌ اتَّفَقا مِن الجانِبَين أو اخْتَلَفا، مثلَ أن يقولَ:

стр. 9622

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ زَوَّجْتُكَ ابنتِي. فيقولَ: قَبِلْتُ هذا النِّكاحَ -أو- هذا التَّزْويجَ. و (١) لا يَنْعَقِدُ بغيرِ هَذَين اللَّفْظَين. وبه قال عطاءٌ، وسعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والزُّهْرِيّ، ورَبِيعَةُ، والشافعيُّ. وقال الثَّوْرِيُّ، والحسنُ بنُ صالحٍ، وأبو حنيفةَ، وأصحابُه، وأبو ثَوْرٍ، وأبو عُبَيدٍ: يَنْعَقِدُ بلفظِ الهِبَةِ والصَّدَقَةِ والبَيعِ والتَّمْلِيكِ. وفي لفظِ الإِجارَةِ عن أبي حنيفةَ رِوايَتان. وقال مالكٌ: يَنْعَقِدُ بذلك إذا ذَكَر المَهْرَ. واحْتَجُّوا بأنَّ النبيَّ ﷺ زَوَّجَ رجلًا امرأةً فقال: «مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ». رَواه البخاريُّ (٢). ولأنَّه لَفْظ يَنْعَقِدُ به تَزْويجُ النبيِّ ﷺ ، فانْعَقَدَ به نِكاحُ

стр. 9623

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أُمَّتِه، كلَفْظِ الإِنْكاحِ والتَّزْويجِ، ولأنَّه أمْكَنَ تَصْحِيحُه بمَجازِه، فوَجَبَ تَصْحيحُه، كإيقاعِ الطَّلاقِ بالكِناياتِ. ولَنا، قولُه تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ إلى قولِه: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١). فذَكَرَ ذلك خالصًا لرسولِ اللهِ ﷺ . ولأنَّه لفظٌ يَنْعَقِدُ به غيرُ النِّكاحِ، فلم يَنْعَقِدْ به النِّكاحُ، كلَفْظِ [الإِجارَةِ و] (٢)

стр. 9624

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الإِباحَةِ والإِحلالِ، [ولأنَّه ليس بصَرِيحٍ النِّكاحِ، فلا يَنْعَقِدُ به، كالذي ذَكَرْنا] (١). وهذا لأنَّ الشَّهادَةَ شرْطٌ في النِّكاحِ، والكِنايَةُ إنَّما تُعْلَمُ (٢) بالنيةِ، ولا يُمْكِنُ الشَّهادَةُ على النيةِ؛ لعَدَمِ اطِّلاعِهم طيها، فيَجِبُ أن لا يَنْعَقِدَ، وبهذا فارَقَ بَقِيَّةَ العُقُودِ والطَّلاقَ. وأمَّا الخَبَرُ، فقد رُوِيَ: «زوَّجْتُكَهَا» و «أنْكَحْتُكَهَا» و

стр. 9625

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ «زَوَّجْنَاكَهَا». مِن طُرُقٍ صحِيحَةٍ، والقِصَّةُ واحِدَةٌ، فالظاهِرُ أنَّ الرَّاويَ روَى بالمعنَى ظَنًّا منه أنَّ مَعْناهما واحِدٌ، فلا يكنُ حُجَّةً، وإن كان النبيّ ﷺ جَمَعَ بينَ الألْفاظِ، فلا حُجَّةَ لهم فيه، لأنَّ النِّكاحَ انْعَقَدَ بأحَدِها (١)، والباقي فَضْلَةٌ.

стр. 9626

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: ومَن قَدَرَ على لَفْظِ النِّكاحِ بالعَرَبِيَّةِ، لم يَصِحَّ عَقْدُه بغيرِها. وهذا أحَدُ أقْوالِ الشافعيِّ. وعندَ أبي حنيفةَ يَنْعَقِدُ؛ لأنَّه أتَى بلَفْظِه الخاصِّ، فانْعَقَدَ به، كما يَنْعَقِدُ بالعَرَبِيَّةِ. ولَنا، أنَّه عَدَل عن لَفْظِ الإِنْكاحِ والتَّزْويج مع القُدْرَةِ عليه، فلم يَصِحَّ، كلَفْظِ الإِحْلالِ، ولأنَّ الشَّهادَةَ شَرْط في النِّكاحِ، وهي واقِعَة على اللَّفْظِ، وغيرُ هذا اللَّفْظِ ليس بمَوْضُوع للنِّكاحِ، وإنَّما يُصْرَفُ إليه بالنيةِ، ولا شَهادَةَ عليها، فيَخْلُو النِّكاحُ عن الشَّهادَةِ. وما قاله أبو حنيفةَ أقْيَسُ، قياسًا على سائِرِ العُقُودِ، وما ذَكَرُوه مِن تَعَذُّرِ (١) الشَّهادَةِ على غيرِ العَرَبِيَّةِ مُلْغًى بما إذا لم يُحْسِنِ العَرَبِيَّةَ. فصل: فأمَّا مَن لا يُحْسِنُ العَرَبِيَّةَ، فيَصِحُّ منه عَقْدُ النِّكاحِ بلِسانِه؛ لأنَّه عاجِزٌ عمِّا سِوَاه، فسَقَطَ عنه، كالأخْرَسِ، ويَحْتاجُ إلى أن يَأتِيَ بمَعْناهما الخاصِّ، بحيث يَشْتَمِلُ على مَعْنَى اللَّفْظِ العَرَبِيِّ.

стр. 9627

فَإِنْ قَدَرَ عَلَى تَعَلُّمِهَا بِالْعَرَبِيَّةِ، لَمْ يَلْزَمْهُ فِي أحدِ الْوَجْهَينِ. وَالْقَبُولُ أنْ يَقُولَ: قَبِلْتُ هَذَا النِّكَاحَ. أوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ فِي حَقِّ مَنْ لَا يُحْسنُ. ــ ٣٠٨٣ - مسألة: (فإن قَدَر على تَعَلُّمِهَا بالعَرَبِيَّةِ، لم يَلْزَمْه) ذلك. وفيه وَجْهٌ ذَكَرَه أبو الخَطَّابِ، أنَّه يَلْزَمُه؛ لأنَّ ما كانتِ العَرَبِيَّة شَرْطًا فيه، لَزِمَه أن يَتَعَلَّمَها مع القُدْرَةِ، كالتَّكْبيرِ (١). ولَنا، أنَّ النِّكاحَ غيرُ واجِبٍ، فلم يَجِبْ تَعَلُّمُ أرْكانِه بالعَرَبِيَّةِ، كالبَيعِ، بخِلافِ التَّكْبيرِ. ٣٠٨٤ - مسألة: (والقَبُولُ أن يَقُولَ: قَبِلْتُ هَذَا النِّكَاحَ. أو ما يَقُومُ مَقامَه في حَقِّ مَن لا يُحْسِنُ) فإن كان أحَدُ المُتَعاقِدَين يُحْسِنُ العَرَبِيَّةَ

стр. 9628

فَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِ: قَبِلْتُ. أوْ قَال الْخَاطِبُ لِلْوَلِيِّ: أَزَوَّجْتَ؟ ــ دُونَ الآخَرِ، أتَى الذي يُحْسِنُ العَرَبِيَّةَ بها، والآخَرُ يَأتِي بلِسانِه. فإن كان أحَدُهما لا يُحْسِنُ لِسانَ الآخَرِ، احْتاجَ أن يَعْلَمَ أنَّ اللَّفْظَةَ التي أتَى بها صاحِبُه لَفْظَةُ الإِنْكاحِ، بأن يُخْبِرَه بذلك ثِقَةٌ يَعْرِفُ اللِّسَانَين جَمِيعًا. فصل: فأمَّا الأخْرَسُ، فإن فُهِمَتْ إشارَتُه، صَحَّ نِكاحُه بها؛ لأنَّه مَعْنًى لا يُسْتَفادُ إلَّا مِن جِهَتِه، فصَحَّ بإشارَتِه، كبَيعِه وطَلاقِه ولِعانِه. وفي كتابةِ (١) القادِرِ على النُّطْقِ وَجْهان، ذَكَرَهما في «المُجَرَّدِ»؛ أولَاهما (٢)، عَدَمُ الصِّحَّةِ للاسْتِغْناءِ عنها. وإن لم تُفْهَمْ إشارَتُه، لم يَصِحَّ منه، كما لا يَصِحُّ غيرُه مِن التَّصرُّفاتِ القَوْلِيَّةِ، ولأنَّ النِّكاحَ عَقْدٌ بينَ شَخْصَين، فلا بُدَّ مِن فَهْمِ كلِّ واحِدٍ منهما ما يَصْدُرُ عن صاحِبِه. ولو فَهِم ذلك صاحِبُه العاقِدُ معه، لم يَصِحَّ حتى يَفْهَمَ الشُّهُودُ أيضًا، لأنَّ الشَّهادَةَ شَرْطٌ، ولا تَصِحُّ على ما لا يُفْهَمُ. قال أحمدُ: لا يُزَوِّجُه وَلِيُّه. يَعْنِي إذا كان بالِغًا؛ لأنَّ الخَرَسَ لا يُوجِبُ الحَجْرَ، كالصَّمَمِ. ٣٠٨٥ - مسألة: (فإنِ اقْتَصَرَ على قَوْلِه: قَبِلْتُ) بأن يَقُولَ الوَلي: زَوَّجْتُكَ ابْنَتِي. فيَقُولَ: قَبِلْتُ. صَحَّ وانْعَقَدَ النِّكاحُ. وقال الشَّافِعِيُّ في أحَدِ قَوْلَيه: لا يَنْعَقِدُ حتى يقولَ: قَبِلْتُ هذا النِّكاحَ. أو: هذا التَّزْويجَ. لأنَّه كِنايَةٌ في النكاحِ يَفْتَقِرُ إلى النيةِ والإِضْمارِ، فلم يَنْعَقِدْ

стр. 9629

قَال: نَعَمْ. وَلِلْمُتَزَوِّجِ: أقبِلْتَ؟ قَال: نَعَمْ. صَحَّ. ذَكَرهَ الْخِرَقِيّ. وَيَحْتَمِلُ أنْ لَا يَصِحَّ. ــ به، كلَفْظِ الهِبَةِ والبَيعِ. ولَنا، أنَّ القَبُولَ صَرِيحٌ في الجَوابِ، فانْعَقَدَ به، كما يَنْعَقِدُ به البَيعُ وسائِرُ العُقُودِ. وقولُهم: يَفْتَقِرُ إلى النيةِ. مَمْنُوعٌ، فإنَّه جَوابٌ لا يَنْصَرِفُ إلَّا إلى المَذْكُورِ. وكذلك (إن قال الخاطِبُ للوَلِيِّ: أزَوَّجْتَ؟ قال: نعم. وللمُتَزَوِّجِ: أقَبِلْتَ؟ قال: نَعَمْ. صَحَّ. ذكره الخرقيُّ. ويَحْتَمِلُ أن لا يَصِحَّ) لأنَّ النِّكاحَ إنَّما يَصِحُّ بلَفظ الإِنْكاحِ والتَّزْويجِ، وما نَطَق الوَلِيُّ بواحِدٍ منهما، ولا نَطَق المُتَزَوِّجُ بالقَبُولِ. وقال الشافعيُّ: لا يَنْعَقِدُ حتى يقولَ معه: زَوَّجْتُكَ ابْنَتِي. ويقولَ الزَّوْجُ: قَبِلْتُ هذا التَّزْويجَ. لأنَّ هَذَين رُكْنَا العَقْدِ، فلا يَنْعَقِدُ بدُونِهما. ولَنا، أنَّ «نعم» جَوابٌ لقَوْلِه: أزَوَّجْتَ (١) -وَقَبِلْتَ؟ والسُّؤالُ يكونُ (٢) مُضْمَرًا في الجَوابِ، مُعادًا فيه، فيَكونُ مَعْنَى «نَعَمْ»

стр. 9630

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مِن الوَلِيِّ: زَوَّجْتُه ابْنَتِي. ومعنى «نَعَمْ» مِن المُتَزَوِّجِ: قَبلْتُ هذا التَّزْويجَ. ولا احْتِمال فيه، فيَجبُ أن يَنْعَقِدَ به؛ ولذلك لمَّا قال اللهُ تعالى: ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ﴾ (١). كان إقْرارًا منهم بوُجْدانِ ذلك أنَّهم وَجَدُوا ما وَعَدَهم رَبُّهم حَقًّا. ولو قِيَل لرجل (٢): لي عليكَ ألْفُ دِرْهَمٍ؟ قال: نعم. كان إقْرارًا صَرِيحًا لا يَفْتَقِرُ إلى نِيَّةٍ، ولا يُرْجَعُ في ذلك إلى تَفْسِيرِه، وبمِثْلِه تُقْطَعُ اليَدُ في السَّرِقَةِ، وهو حَدٌّ يُدْرَأ بالشُّبُهاتِ، فوَجَبَ أن يَنْعَقِدَ به التَّزْويجُ، كما لو لَفَظ بذلك.
следующие страницы →