. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أحدُها، أن لا يكونَ دَخَل بواحدةٍ منهما، فله أن يَعْقِدَ على إحداهما في الخالِ بعدَ فِراقِ الأُخْرَى. الثاني، إذا دَخَل بإحدَاهما، فإن أرادَ نِكاحَها فارَقَ التي لم يُصِبْها بطَلْقَةٍ، ثم تَرَك المُصابَةَ حتى تَنْقَضِيَ عِدَّتُها، ثم نَكَحَها؛ لأنَّنا لا نَأْمَنُ أن تكونَ هي الثانيةَ، فيكونَ قد أصابَها في نِكاحٍ فاسِدٍ، فلهذا اعْتَبَرْنا انْقِضاءَ عِدَّتِها. ويَحْتَمِلُ جَوازُ العَقْدِ عليها في الحالِ؛ لأنَّ النَّسَبَ لاحِقٌ به، فلا يُصانُ ذلك عن مائِه. فإن أحَبَّ نِكاحَ الأُخْرَى، فارَقَ المُصابَةَ بطَلْقَةٍ، ثم انْتَظَرَها حتى تَنْقَضِيَ عِدَّتُها، ثم تَزَوَّجَ أُخْتَها. القسمُ الثالثُ، إذا دَخَل بهما، فليس له نِكاحُ واحدةٍ منهما حتى يُفارِقَ الأخْرَى، وتَنْقَضِيَ عَدَّتُها مِن حِينِ فُرْقَتِها، وتَنْقَضِيَ عِدَّةُ الأُخْرَى مِن حِينَ أصابَها. وإن وَلَدَتْ منه (١) إحْدَاهما، أو هما جميعًا، فالنَّسَبُ [لاحِقٌ به] (٢)، لأنَّه إمَّا مِن نِكاحٍ صحيحٍ أو نِكاحٍ فاسدٍ، وكلاهما يَلْحَقُ النَّسَبُ فيه. وإن لم يُرِدْ نِكاحَ واحدةٍ منهما، فَارَقَهُما بِطَلْقَةٍ طَلْقةٍ.
فصل: فأمَّا المَهْرُ، فإن لم يَدْخُلْ بواحدةٍ منهما، فلإحْدَاهما نِصْفُ المَهْرِ، ولا نَعْلَمُ مَن يَسْتَحِقَّه منهما، فيَصْطَلِحان عليه، فإن لم يَفْعَلَا، أُقْرِعَ بينَهما، فكانَ لمَن خَرَجَتْ قُرْعَتها مع يَمِينِها. وقال أبو بكرٍ:
стр. 9837
وَإنِ اشْتَرى أُخْتَ امْرَأَتِهِ، أوْ عَمَّتَهَا، أوْ خَالتَهَا، صَحَّ، وَلَمْ يَحِلَّ
ــ
اخْتِياري أن يَسْقُطَ المَهْرُ إذا كان مُجْبَرًا على الطَّلاقِ قبلَ الدُّخُولِ. وإن دَخَل بواحدةٍ منهما أُقْرِعَ بينَهما، فإن وَقَعَتْ لغيرِ المُصابَةِ، فلها نِصْفُ المَهْرِ، وللمُصابةِ مَهْرُ المِثْلِ بما اسْتَحَلَّ مِن فَرْجِها، وإن وَقَعَتْ على المُصابةِ، فلا شيءَ للأُخرَى، وللمُصابَةِ المُسَمَّى جَمِيعُه. وإن أصابَهُما معًا (١)، فلإِحْدَاهما المُسَمَّى، وللأُخْرَى مَهْرُ المِثْلِ، يُقْرَعُ بينَهما فيه إن قُلْنا: الواجِبُ في النِّكاحِ الفاسِدِ مَهْرُ المِثْلِ. وإن قُلْنا بوُجُوبِ المُسَمَّى فيه، وَجَب ههُنا لكلِّ واحدةٍ (٢) منهما.
فصل: قال أحمدُ: إذا تَزَوَّجَ امرأةً، ثم تَزَوَّجَ أُخْتَها، ودَخَل بها (٣)، اعْتَزَلَ زَوْجَتَه حتى تَنْقَضِيَ عِدَّة الثَّانيةِ. إنَّما كان كذلك؛ لأنَّه لو أرادَ العَقْدَ على أُخْتِها في الحالِ، لم يَجُزْ له حتى تَنْقَضِيَ عِدَّةُ المَوْطُوءَةِ، فكذلك (٤) لا يَجُوزُ له وَطْءُ امرأتِه حتى تَنْقَضِيَ عِدَّةُ أخْتِها التي أصابَها.
٣١٤٤ - مسألة: (وإنِ اشْتَرَى أُخْتَ امرأتِه، أو عَمَّتَها، أو خالتَها، صَحَّ) لأنَّ الشِّراءَ يُرادُ للاسْتِمْتاعِ ولغيرِه، ولذلك (٥) صَحَّ
стр. 9838
لَهُ وَطْؤُهَا حَتَّى يُطَلِّقَ امْرأته وَتَنْقَضِيَ عِدَّتهَا، وَإنِ اشْتَرَاهُنَّ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ، صَحَّ،
ــ
شِراءُ مَن لا تَحِلُّ له، كالمَجُوسِيَّةِ وأُخْتِه مِن الرَّضاعِ (ولا يَحِلُّ له وَطْؤُها حتى يُطَلِّقَ امرأتَه وتَنْقَضِيَ عِدَّتُها) لِئَلَّا يكونَ جامعًا بينَهما في الفِراشِ، أو جامعًا ماءَه في رَحِمِ أُخْتَين، وذلك لا يَحِلُّ؛ لِما رُوِيَ عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: «مَنْ كَانَ يُومِنُ بِاللهِ وَاليَوْم الآخَرِ، فَلَا يَجْمَعْ مَاءَهُ في رَحِمِ أُخْتَينَ» (١).
٣١٤٥ - مسألة: (وإنِ اشْتَراهُنَّ في عَقْدٍ واحِدٍ، صَحَّ) لما ذَكَرْنا، ولا نَعْلَمُ خِلافًا في ذلك. ولو اشْتَرَى جارِيَة ووَطِئَها، حَلَّ له شِراءُ أُخْتِها وعَمَّتِها وخالتِها، وقد ذَكَرْناه. كما يَحِلُّ (٢) له شِراءُ المُعْتَدَّةِ والمُزَوَّجَةِ، مع أنَّها لا تَحِلُّ له.
٣١٤٦ - مسألة: وله وَطْءُ إحْدَاهُما؛ لأنَّ الأُخْرَى لم تَصِرْ فِرَاشًا . وهذا قولُ أكْثَرِ أهلِ العلمِ. وقال الحكمُ، وحَمّادٌ: لا يَقْرَبُ واحِدَةً منهما. ورُوِيَ ذلك عن النَّخَعِيِّ. وذَكَرَه أبو الخطابِ مذهبًا لأحمدَ. ولَنا،
стр. 9839
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أنَّه لم يَجْمَعْ بينَهما في الفِراشِ، فلم يَحْرُمْ (١)، كما لو كان في مِلْكِه إحْدَاهما وحْدَها.
فصل: وليس له الجَمْعُ بينَ الأُخْتَين مِن إمائِه في الوَطْءِ. نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايةِ الجماعةِ. وكَرِهَه عمرُ، وعثمانُ، وعليٌّ، وعمارٌ، وابنُ عمرَ، وابنُ مسعودٍ. ومِمَّن قال بتَحْرِيمِه؛ [عبدُ اللهِ بنُ عُتْبَةَ] (٢)، وجابرُ بنُ زيدٍ، وطاوُسٌ، ومالكٌ، والأوْزاعِيُّ، وأبو حنيفةَ، والشافعيُّ. ورُوِيَ عن ابنِ عباسٍ أنَّه قال: أحلَّتْهُما آيَةٌ، وحَرَّمَتْهُما آيةٌ، ولم أكُنْ لأفْعَلَه. ورُوِيَ ذلك عن عليٍّ أيضًا (٣). يُريدُ بالمُحَرِّمَةِ قولَه تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَينَ الْأُخْتَينِ﴾. وبالمُحَلِّلَةِ قولَه تعالى: ﴿إلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُهُمْ﴾ (٤). وروَى ابنُ منصورٍ عن أحمدَ، وسأله عن الجَمْعِ بينَ الأُخْتَين المَمْلُوكَتَين، أحَرامٌ هو؟ قال: لا [أقولُ حَرامٌ، ولكنْ يُنْهَى عنه. وظاهرُ هذا أنَّه مَكْرُوهٌ غيرُ مُحَرَّمٍ. وقال داودُ، وأهلُ الظاهرِ: لا] (٥) يَحْرُمُ. اسْتِدْلالًا بالآيةِ المُحَلِّلةِ؛ لأنَّ حُكْمَ الحَرائرِ في الوَطْءِ مُخالِفٌ لحُكْمِ الإِماءِ، ولهذا تَحْرُمُ الزيادةُ على أرْبَعٍ في الحَرائرِ، وتُباحُ في الإِمَاءِ بغيرِ حَصْرٍ. والمذهبُ تَحْرِيمُه؛ للآيةِ المُحَرِّمَةِ، فإنَّه يُرِيدُ بها الوَطْءَ والعَقْدَ جميعًا، بدليلِ أنَّ سائرَ المَذْكوراتِ
стр. 9840
فَإِنْ وَطِيء إِحدَاهُمَا، لَمْ تَحِلَّ لَهُ الأخْرَى حَتَّى يُحَرِّمَ عَلَى نَفْسِهِ الأولَى بِإِخْرَاجٍ عَنْ مِلْكِهِ أَوْ تَزْويجٍ، وَيَعلَمَ أنها لَيسَتْ بِحَامِل.
ــ
في الآيةِ يحرُمُ وَطْؤهُنَّ والعقدُ عليهنَّ، وآيةُ الحِلِّ مَخْصُوصَةٌ بالمُحَرَّماتِ جميعِهِنَّ، وهذه منهُنَّ، ولأنَّها امرأةٌ صارت فِراشًا، فحَرُمَتْ أُخْتُها، كالزَّوْجَةِ.
٣١٤٧ - مسألة: (فإنْ وَطِيء إحدَاهُما، فليس له وَطْءُ الأخْرَى حتى يُحَرِّمَ المَوْطوءَةَ على نَفْسِه بإخْرَاج عن مِلْكِه أو تَزْويج) هذا قولُ علي، وابنِ عمرَ، والحسنِ، والأوْزاعِيِّ، وإسحاقَ، والشافعي. فإن رَهنَها، لم تَحِلَّ له أخْتُها؛ لأنَّ مَنْعَه مِن وَطْئِها لحقِّ المُرتَهِنِ لا لتَحرِيمِها، ولهذا يَحِلُّ له بإذْنِ المرتَهِنِ فيه، ولأنَّه يَقْدِرُ على فَكِّها متى شاءَ واسْتِرجاعِها إليه. وقال قتادةُ: إنِ اسْتَبْرَأها، حَلَّتْ له أخْتُها؛ لأنَّه قد زال فِراشُه، ولهذا لو أتَتْ بوَلَدٍ، فنَفَاه بدَعوَى الاسْتِبْراءِ انْتَفَى، فأشْبَه ما لو زَوَّجَها. ولَنا، قولُ علي، وابنِ عمرَ، ولأنَّه لم يَزُلْ مِلْكُه عنها، ولا حِلُّها له، فأشْبَه ما لو وُطِئَتْ بشُبْةٍ فاسْتَبْرَأها مِن ذلك الوَطْءِ، ولأنّ
стр. 9841
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ذلك لا يَمنَعُه وَطْأها، فلا يَأمَن (١) عَوْدَه إليها، فيكونُ ذلك (٢) ذَرِيعَةً إلى الجَمعِ بينَهما. كان حَرَّمَ إحدَاهما [على نَفْسِه، لم تُبَحِ الأخْرَى؛ لأنَّ هذا لا يُحَرِّمُها، إنَّما هو يَمِينٌ يُكَفَّرُ، ولو كان يُحَرِّمُها إلَّا أنَّه لعارِض، متى شاء أزاله بالكَفّارَةِ، فهو كالحَيضِ والنِّفاسِ والإِحرامِ والصيامِ. فإن كاتَبَ إحداهما] (٣)، فظاهِرُ كلام الخِرَقِيِّ أنَّه لا تَحِل له الأخْرَى، وهو مُقْتَصى كلام شيخِنا في الكَتابِ المشرُوحِ. وقال أصحابُ الشافعيِّ: تَحِل له الأخرَى؛ لأنَّها حَرُمَتْ عليه بسَبَبٍ لا يَقْدِرُ على رَفْعِه، فأشْبَه التَّزْويجَ. ولَنا، أنَّه [بسَبِيل مِن اسْتِباحَتِها] (٤) بما لا يَقِفُ على غيرِهما (٥).
стр. 9842
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وإذا أخْرَجَها مِن مِلْكِه، لم تَحِلَّ له أخْتُها حتى يَسْتَبْرئ المُخْرَجَةَ ويَعلَمَ براءَتَها مِن الحَملِ (١). فإن كانت حامِلًا منه، لم تَحِلَّ له أخْتُها حتى تَضَعَ حَملَها، لأنَّه يكونُ جامِعًا ماءَه (٢) في رَحِمِ أخْتَين، فهو بمَنْزِلَة نِكاحِ الأخت في عِدة أخْتِها.
стр. 9843
فَإِنْ عَادَتْ إِلَى مِلْكِهِ، لَمْ يُصِبْ وَاحِدَةً مِنْهُمَا حَتَّى يُحَرِّمَ
ــ
٣١٤٨ - مسألة: (فإن عادَتْ إلى مِلْكِه، لم يَطَأ واحِدَةً منهما حتى
стр. 9844
الأخْرَى. وَعَنْهُ، لَيسَ بِحَرَام، وَلَكِنْ يُنْهى عَنْهُ.
ــ
يُحَرِّمَ الأخْرَى) متى زال مِلْكُه عن المَوْطُوءَةِ زَوالًا أحَلَّ له أخْتَها، فوَطِئَها، ثم عادت الأولَى إلى مِلْكِه، فليس له وَطْءُ إحدَاهما حتى يُحَرِّمَ الأخْرَى بإخْراج عن مِلْكِه أو تزويج. نَصَّ عليه أحمدُ (١). وقال أصحابُ الشافعيّ: لا تَحرُمُ عليه واحدةٌ منهما؛ لأنَّ الأولَى لم تَبْقَ فِراشًا، فأشْبَه ما لو وَطِئ أمَةً ثم اشْتَرَى أخْتَها. ولَنا، أنَّ هذه صارت فِراشًا، وقد رَجَعَتْ إليه التي كانت فِرَاشًا، فحَرُمَتْ كلُّ واحدةٍ منهما بكَوْنِ أخْتِها فِرَاشًا، كما لو انْفَرَدَتْ به. فأمَّا إذا وطيء أمَةً ثم اشْتَرَى أُخْتَها، فإنَّ المُشْتَرَاةَ لم تَكُنْ فِراشًا له، لكنْ هي مُحَرَّمَة عليه باسْتِفْرَاشِ أخْتِها. ولو أخْرَج المَوْطوءَةَ عن مِلْكِه، ثم عادت إليه قبلَ وَطْء أخْتِها، فهي حَلَالٌ له (٢)، وأخْتُها مُحَرَّمَة عليه؛ لأنَّ أخْتَها فِراشُه. (و) قد رُوِيَ (عن أحمدَ) أنَّ الجَمعَ بينَ الأخْتَين في الوَطْءِ بمِلْكِ اليَمِينِ، (لا يحرُمُ، بل يُنْهى عنه) فيكونُ مَكْرُوهًا، وقد ذَكرناه. والمذهبُ أنَّ ذلك حَرامٌ. واللهُ أعلمُ.
стр. 9845
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: فإن وَطِئ أمَتَيه الأخْتَين (١) معًا، فوَطْءُ الثَّانيةِ مُحَرَّمٌ، ولا حَدَّ فيه؛ لأنَّها مِلْكُه، ولأنَّ (٢) في حِلِّها اخْتِلافًا، وله سَبِيلٌ إلى اسْتِباحَتِها، بخِلافِ أخْتِه مِن الرَّضاعِ المَملُوكَةِ له. ولا يحِل له وَطْءُ واحدةٍ منهما (٣) حتى يُحَرِّمَ الأخرَى ويَسْتَبْرِئَها. وقال القاضي، وأصحابُ الشافعيِّ: الأولَى باقِيَةٌ على الحِلِّ؛ لأنَّ الوَطْءَ الحَرامَ لا يُحَرِّمُ الحَلال. إلَّا أنَّ القاضيَ قال: لا يَطَؤها حتى يَسْتَبْرِيء الثانيةَ. ولَنا، أنَّ الثانيةَ قد صارتْ فِراشًا له، يَلْحَقُه نسَبُ وَلَدِها، فحَرُمَتْ عليه أخْتُها، كما لو وَطِئَها ابْتِدَاءً. وقولُهم: إنَّ الحَرامَ لا يُحَرِّمُ الحلال. ليس بخبر صحيحٍ، وهو مَتْرُوكٌ بما لو وَطِئ الأولَى في حَيضٍ أو نِفَاسٍ أو إحرامٍ، فإنَّ أختَها تَحرُمُ عليه، وتَحرُمُ عليه أمُّها وابْنَتُها على التأبيدِ، وكذلك لو وَطِئ بشُبْهةٍ في هذه الحالِ. ولو وَطِئ امرأتَه، حَرُمَتْ عَليه ابْنَتُها، سَواء وَطِئَها حَرامًا أو حَلالًا.
стр. 9846
وَإنْ وَطِئ أمَتَهُ ثُمَّ تَزَوَّجَ أخْتها، لَمْ يَصِحَّ عِنْدَ أَبِي بَكْرِ. وَظَاهِرُ
ــ
فصل: وحُكْمُ المُباشَرَةِ مِن الإِمَاءِ فيما دُونَ الفَرجِ، والنَّظرَ إلى الفَرجِ لشَهْوةٍ، فيما يَرجِعُ إلى تَحرِيمِ الأُخْتِ، كحُكْمِه في تَحرِيمِ الرَّبِيبَةِ. والصحيحُ أنَّها لا تُحَرِّمُ، لأنَّ الحِلَّ ثابِت بقولِه تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ﴾ (١). ومُخالفَةُ ذلك إنَّما تَثْبُتُ بقولِه تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَينَ الْأُخْتَينِ﴾. والمُرادُ به الجَمعُ في العَقْدِ أو الوَطْءِ، ولم يُوجَدْ واحدٌ منهما، ولا ما في مَعناهما.
٣١٤٩ - مسألة: (وإن وَطِئ أمَتَه ثم تَزَوَّجَ أخْتَها، لم يَصِحَّ عندَ أبي بكر) وقد سُئِلَ أحمدُ عن هذا، فقال: لا يَجْمَعُ بينَ الأُخْتَين الأمَتَين. فيَحتَمِلُ أنَّه أرادَ أنَّ النِّكاحَ لا يَصِحُّ. وهو إحدَى الرِّواياتِ (٢) عن مالكٍ. قال القاضي: هو ظاهرُ كلام أحمدَ؛ لأنَّ النِّكاحَ تَصِيرُ به المرأةُ فِراشًا،
стр. 9847
كَلامِ أحمَدَ، ﵁، أنَّهُ يَصِحُّ، وَلَا يَطَؤها حَتَّى يُحَرِّمَ
ــ
فلم يَجُزْ أن تَردَ على فِراشِ الأخْتِ، كالوَطْءِ، ولأنَّه فِعل في الأخْتِ (١) يُنافِي إباحَةَ أختِها المُفْتَرَشَةِ (٢)، فلم يَجُزْ، كالوَطْءِ (وظاهرُ كلامِ أحمدَ، أنَّه يَصِحُّ) ذَكَرَه أبو الخطابِ (ولا يَطَؤها حتىِ يُحَرِّمَ المَوْطُوءَة) وهو مذهبُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّه سَبَبٌ يُسْتَباحُ به الوَطْءُ، فجازَ أن يَردَ على وَطْءِ الأخْتِ (٢)، وَلَا يُبِيح كالشِّرَاءِ. وقال الشافعيُّ: يَصِحُّ النِّكاحُ، وتَحِلُّ له المَنْكُوحَةُ، وتَحرُمُ أخْتُها؛ لأنَّ النِّكاحَ أقْوَى مِن الوَطءِ بمِلْكِ اليَمِينِ، فإذا اجْتَمَعَا وَجَب تقديمُ الأقْوَى. ووَجْهُ الأولَى ما ذَكَرناه، ولأنَّ وَطْءَ مَملُوكَتِه مَعنى يُحَرِّمُ أخْتَها لعِلَّةِ الجمعِ، فمَنَعَ صِحَّةَ
стр. 9848
الْمَوْطُوءَةَ، فَإِنْ عَادَتْ إِلَى مِلْكِهِ، لَمْ يَطأ وَاحِدَةً مِنْهُمَا حَتَّى يُحَرِّمَ الأخرَى.
ــ
النِّكاحِ، كالزَّوْجِيَّةِ (١)، ويُفارِقُ الشِّراءَ، فإنَّه لا يَنْحَصِرُ في الوَطْءِ، ولهذا صَحَّ شِراءُ الأُخْتَين ومَن لا تَحِلّ له. وقولُهم: النِّكاحُ أقْوَى مِن الوَطْءِ. ممنوعٌ. وإن سُلِّمَ، فالوَطْءُ أسْبَقُ، فيُقَدَّمُ ويمنَعُ صِحَّةَ ما يَطْرأ عليه مِمَّا يُنافِيه، كالعِدَّةِ تمنَعُ ابْتِداء نِكاحِ الأُخْتِ، وكذلك وَطْءُ الأمَةِ، يُحَرِّمُ نِكاحَ ابْنَتِها وأمِّها، ولأنَّ هذا بمَنْزِلَةِ نِكاحِ الأُخْتِ في عِدَّةِ أخْتِها، لكَوْنِه لم يَسْتَبْرِيء (٢) المَوْطُوءَةَ (فإن عادَتْ إلى مِلْكِه، لم يَطأ واحدةً منهما حتى يُحَرِّمَ الأخْرَى) إذا قُلْنا بصِحَّةِ. النِّكاحِ؛ لأنَّ الأولَى عادت إلى الفِراشِ، فاجْتمَعَا فيه، فلم [تُبَح له] (٣) واحدةٌ منهما قبلَ إخْراجِ الأخْرَى عن الفِراش.
стр. 9849
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: فإن زَوَّجَ الأمةَ المَوْطُوءَةَ أو أخْرَجَها عن مِلْكِه، فله نِكاحُ أُخْتِها، فإن عادتِ الأمَةُ إلى مِلْكِه، فالزَّوْجِيَّةُ بحالِها، وحِلّها باقٍ؛ لأنَّ النِّكاحَ صحيحٌ، وهو أقْوَى، ولا تَحِلّ له (١) الأَمَةُ. وعنه، أنَّه يَنْبَغِي أن تَحرُمَ إحداهما؛ لأنَّ أمَتَه التي كانت فراشًا قد عادت إليه، في المنكوحةُ مُسْتَفْرَشَةٌ، فأشْبَه أمَتَيه اللتين (٢) وطئ إحداهما بعدَ تَزْويجِ الأخرَى، ثم طَلَّقَ (٣) الزوجُ اُّخْتَها. فإن تَزَوّجَ امرأةً ثم اشْتَرَى أخْتَها، صَحَّ الشِّراءُ، ولم تَحِلَّ له؛ لأنَّ النِّكاحَ كالوَطْءِ، فأشْبَه ما لو وَطِئ أمَتَه ثم اشْتَرَى أخْتَها، فإن وَطِئ أمَتَه (٤) حَرُمَتَا عليه حتى يَسْتَبْرِئ الأمَةَ، ثم تَحِلّ له زَوْجَتُه دونَ أمَتِه؛ لأنَّ النِّكاحَ أقْوَى وأسْبَقُ، وإنَّما وَجَب الاسْتِبْرَاءُ لِئَلَّا يكونَ جامِعًا ماءَه في رَحِمِ أخْتَين. ويحتَمِلُ أن تَحرُمَا عليه جميعًا حتى يُحَرِّمَ إحداهما، كالأمَتَين. وحُكْمُ عَمَّةِ المرأةِ وخالتِها، كأخْتِها في تَحرِيمِ الجمعِ بينَهما في الوَطْءِ، والتَّفْصيلُ [فيها كالتفصيلِ] (٥) في الأخْتَيَن، على ما ذُكِرَ.
стр. 9850
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: ولا بَأسَ أن يَجْمَعَ بينَ مَن كانت زَوْجَةَ رَجُلٍ (١) وابْنَتَه مِن غيرها. هذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ، يَرَوْنَ الجَمعَ بينَ المرأةِ ورَبِيبَتِها في النِّكاحِ. فَعَلَه عبدُ اللهِ بنُ جعفرٍ، وعبدُ اللهِ بنُ صَفْوانَ بنِ أمَيَّةَ (٢). وهو قولُ سائرِ الفقهاءِ، إلا الحسنَ، وعِكْرِمةَ، وابنَ أبي لَيلَى، فإنَّهم كَرِهُوه؛ لأنَّ إحداهما لو كانت ذَكَرًا حَرُمَتْ عليه الأخْرَى، فأشْبَه المرأةَ وعَمَّتَها. ولَنا، قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ (٣). ولأنَّهما لا قَرابَةَ بينَهما، فأشْبَها الأجْنَبِيَتين، ولأنَّ الجمعَ حَرُمَ خوْفًا مِن
стр. 9851
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قَطِيعَةِ الرَّحِمِ القَرِيبةِ بينَ المُتَناسِبَين، ولَا قَرابَةَ بينَ هاتَين، وبهذا يُفارِقُ ما ذَكَرُوه.
فصل: ولو كان لرجل ابنٌ مِن غيرِ زَوْجَتِه، ولها بِنْتٌ مِن غيرِه، أو كان له بِنْتٌ ولها ابنٌ، جاز تزويجُ أحدِهما مِن الآخَرِ في قولِ عامَّةِ الفقهاءِ. وحُكِيَ عن طاوُس كَرَاهِيتُه إذا كان مِمّا وَلَدَتْه المرأةُ بعدَ وَطْءِ الزَّوْجِ لها. وإلأوَّلُ أولَى؛ لعمومِ الآيةِ والمَعنَى الذي ذَكَرناه، فإنَّه ليس بينَهما قَرابَةٌ ولا سَبَبٌ يَقْتَضِي التحريمَ، وكونُه أخًا لأخْتِها، لم يَرِدِ الشّرعُ بأنَّه سَبَبٌ للتّحريمِ، فيَبْقَى على الإِباحَةِ؛ لعمومِ الآيةِ. ومتى وَلَدَتِ المرأةُ مِن ذلك الرجلِ وَلَدًا، صار عَمّا [لوَلَدَ وَلَدَيهما] (١) وخالًا.
فصل: إذا تَزَوَّجَ امرأةً لم تَحرم أمُّها ولا ابْنَتُها على أبِيه ولا ابْنِه، فمتى تَزَوَّجَ امرأةً وزَوَّجَ ابنَه (٢) أمَّها، جازَ؛ لعَدَمِ أسبابِ التَّحرِيمِ، فإذا وُلِدَ لكلِّ واحدٍ منهما (٣) وَلَدٌ، كان وَلَدُ الأبِ عَمَّ وَلَدِ الابنِ (٤)، ووَلَدُ الابنِ خَال وَلَدِ الأبِ. ويُروَى أنَّ رجلًا أتَى عبدَ الملكِ بن مَروانَ، فقال: يا أميرَ المؤمنين، إنِّي تَزَوَّجْتُ امرأةً، وزَوَّجْتُ ابْنِي بأمِّها، فأجِزْنا (٥).
стр. 9852
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فقال عبدُ الملكِ: إن أخْبَرتَنِي بقَرابةِ وَلَدِك مِن وَلَدِ ابنِك (١) أجَزْتُكَ (٢). فقال الرجلُ: يا أميرَ المؤمنين، هذَا العُريانُ بنُ الهيثَمِ الذي وَلَّيتَه قائِمَ سَيفِكَ، إن عَلِم ذلك فلا تُجِزْنِي. فقال العُريانُ: أحدُهما عَمُّ الآخَرِ، والآَخرُ خَالُه.
فصل: إذا تَزَوَّجَ رجلٌ امرأةً، وزَوَّجَ ابنَه بِنْتَها أو أمَّها، فزُفَّتِ امرأةُ كل واحدٍ منهما إلى صاحِبِه، فوَطِئَها، فإنَّ وَطْءَ الأوَّلِ يُوجِبُ عليه مَهْرَ مِثْلِها؛ لأنَّه وَطْءُ شُبْهةٍ، ويُفْسَخُ به نِكاحُها مِن زَوْجِها؛ لأنَّها صارَتْ بالوَطْءِ حَلِيلَةَ أبِيه أو ابنه، ويَسْقُطُ به مَهْرُ الموْطُوءَةِ عن زَوْجِها؛ لأنَّ الفَسْخَ جاء (٣) مِن قِبَلِها بتَمكنِها مِن وَطْئِها، ومُطاوَعَتِها عليه، ولا شيءَ لزَوْجِها على الواطئ؛ لأنَّه لم يَلْزَمه شيءٌ يَرجِعُ به، ولأنَّ المرأةَ مُشارِكةٌ (٤) في إفْسادِ نِكاحِها بالمُطاوَعةِ، فلم يَجِبْ على زَوْجِها شيءٌ، كما لو انْفَرَدَتْ به. ويحتَمِلُ أن يَجِبَ علْيه لزَوْجها نِضفُ مَهْرِ مِثْلِها؛ لأنَّه أفْسَدَ نِكاحَها قبلَ الدخولِ، أشْبَه المرأةَ تُفْسِدُ نِكاحَه بالرَّضاعِ، ويَنْفَسِخُ نِكاحُ الواطِيء أيضًا؛ لأنَّ امرَأتَه صارت أمًّا لمَوطوءتِه أو بِنْتًا لها، ولها نِصف المُسَمَّى. فأما وَطْءُ الثاني، فيُوجِبُ مهرَ المِثْلِ للموطوءةِ خاصَّةً. فإن أشْكَلَ الأوَّلُ، انْفَسَخَ النِّكاحانِ، ولكلِّ واحدةٍ مَهْرُ مِثْلِها على واطِئِها، ولا يَثْبُتُ
стр. 9853
وَلَا يَحِلُّ لِلْحُرِّ أَنْ يَجْمَعَ بَينَ أكثَرَ مِنْ أَربَعٍ، وَلَا لِلْعَبْدِ أنْ يَتَزَوَّجَ أكثَرَ مِنَ اثْنَتَينِ، وَإنْ طَلَّقَ إحدَاهُنَّ، لَمْ يَجُزْ أن يَتَزَوَّجَ أخْرَى حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُها.
ــ
رُجُوعُ أحدِهما على الآخَرِ، ويَجِبُ لامرأةِ كل واحدٍ منهما على الآخرِ نِصف المُسَمَّى، ولا يَسْقُطُ بالشَّكِّ.
٣١٥٠ - مسألة: (ولا يَحِلُّ للحُرِّ أن يَجْمَعَ بينَ أكثرَ مِن أربَعٍ، ولا للعَبْدِ أن يَتَزَوَّجَ أكثرَ مِن اثْنَتَين، فإن طَلَّقَ إحدَاهُنَّ، لم يَتَزَوَّجْ أخرَى حتى تَنْقَضِيَ عِدَّتُها) أجْمَعَ أهلُ العلمِ على أنَّ الحُرَّ لا يَحِلُّ له أن يَجْمَعَ بينَ أكثرَ مِن أربَعِ زوجاتٍ. لا نَعلَمُ أحدًا منهم خالفَ في ذلك، إلَّا شيئًا يُحكَى عن القاسمِ بنِ إبراهيمَ (١)، أنَّه أباحَ تِسْعًا؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿مَثْنَى وَثُلَثَ وَرُبَعَ﴾ (٢). والواوُ للجَمعِ، ولأنَّ النبيَّ ﷺ ماتَ عن تِسْع. وهذا خَرقٌ للإِجْماعِ وتركٌ للسُّنَّةِ، فإنَّ النبيَّ ﷺ قال لغَيلَانَ بنِ سَلَمَةَ، حينَ أسْلَمَ وتَحتَه عَشْرُ نِسْوةٍ: «أمسِكْ أربَعًا وفَارِقْ سَائِرَهُنَّ». وقال نَوْفَلُ بنُ مُعاويةَ: أسْلَمتُ وتَحتِي
стр. 9854
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
خَمسُ نِسْوَةٍ، فقال لي النبي ﷺ : «فَارِقْ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ». رَواهما الشافعيُّ في «مُسْنَدِه» (١). وإذا مُنِعَ مِن اسْتِدامَةِ زِيادَةٍ على أربَعٍ، فالابتِداءُ أوْلَى، والآيةُ أرِيدَ بها التَّخْيِيرُ بينَ اثْنَتَين وثلاثٍ وأربَع، كما قال: ﴿أوْلِي أجْنِحَةٍ مثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ (٢). ولم يُرد أنَّ لكلِّ مَلَكٍ تِسْعَةَ أجْنِحَةٍ، ولو أراد ذلك لقال: تِسْعَة. ولم يَكُنْ للتَّطْويلِ معنًى، ومَن قال غيرَ ذلك فقد جَهِل اللُّغَةَ العربيةَ. وأمَّا النبيُّ ﷺ فمَخْصُوص بذلك، ألا تَرَى أنَّه جَمَع بينَ أكثر مِن تِسْع.
فصل: وليس للعَبْدِ أن يَزِيدَ على [أكثر مِن] (٣) اثْنَتَين، ولا خِلافَ في
стр. 9855
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
جَوازِ الجمعِ بينَ اثْنَتَين له، واخْتَلَفُوا في إباحَةِ الأربَعِ له، فمذهبُ أحمدَ أنَّه لا يُباحُ له إلَّا اثْنَتَان. وهذا قولُ عمرَ بنِ الخطابِ، وعلي، وعبدِ الرحمنِ بن عَوْفٍ، ﵃. وبه قال عطاء، والحسنُ، والشعبِي، وقَتادَةُ، والثَّوْرِيُّ، والشافعي، وأصحابُ الرأي. وقال القاسِمُ بنُ محمدٍ، وسالمُ بنُ عبدِ اللهِ، وطاوُسٌ، ومُجاهِدٌ، ومالك، وأبو ثَوْرٍ، وداودُ: له نِكاحُ أربَع؛ لعمومِ الآيةِ، ولأنَّ هذا طَرِيقُه اللَّذَّةُ والشَّهْوَةُ، فساوَى العَبْدُ فيه الحُرَّ، كالمَأكُولِ. ولَنا، أنَّه قولُ مَن سَمَّينَا مِن الصَّحابةِ، ولم يُعرَفْ لهم مُخالِف في عَصرِهِم، فكان إجماعًا. وقد روَى لَيثُ بنُ أبي سُلَيم عن الحَكَمِ بنِ عُتَيبَةَ (١)، قال: أجْمَعَ أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ ، على أنَّ العَبْدَ لا يَنْكِحُ أكثرَ مِن اثْنَتَين (٢). ويُقَوِّى هذا ما (٣) روَى (٤) الإمامُ أحمدُ بإسْنادِه عن محمدِ بنِ سِيرِينَ، أنَّ عمرَ سَألَ
стр. 9856
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الناسَ: كم يَتَزَوَّجُ العَبْدُ؟ فقال عبدُ الرحمنِ بنُ عَوْفٍ: ثِنْتَين، وطَلاقُه ثِنْتَين (١). فدَلَّ هذا على أن ذلك كان بمَحضر مِن الصَّحابةِ وغيرِهم، فلم يُنْكر، وهذا يَخُصُّ عُمُومَ الآيةِ، على أنَّ فيها ما يَدُلُّ على إرادَةِ الأحرارِ، وهو قولُه تعالى: ﴿أوْ مَا مَلَكَتْ أيمَنُكم﴾ (٢). ويُفارِقُ النِّكاحُ المأكُولَ، فإنَّه مَبْنِيٌّ على التَّفْضِيلِ، ولهذا فارَقَ النبي ﷺ فيه أمته، ولأنَّ فيه مِلْكًا، والعَبْدُ يَنْقُصُ في المِلْكِ عن الحُرِّ.
فصل: إذا تَزَوَّجَ الرجلُ امرأةً، حَرُمَتْ عليه أخْتُها وعمَّتُها وخالتُها وبِنْتُ أخيها [وبنتُ أخْتِها تَحرِيمَ جَمع] (٣)، وكذلك إذا تَزَوَّجَ الحُرُّ أربعًا، حَرُمَتِ الخامِسَةُ تَحرِيمَ جمع. وإن تَزَوَّجَ العَبْدُ اثْنَتَين، حَرُمَتِ الثالثةُ تحريمَ جَمع. فإذا طَلَّقَ زَوْجَتَه طَلاقًا رَجْعِيًّا، فالتَّحرِيمُ باقٍ بحالِه في قولِهم جميعًا، وإن كان الطَّلاقُ بائِنًا أو فَسْخًا، فكذلك حتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُها. يروَى ذلك عن علي، وابنِ عباس، وزيدِ بنِ ثابتٍ. وبه قال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، ومُجاهِدٌ، والنَّخَعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، وأصحابُ الرَّأي.
стр. 9857
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقال القاسِمُ بنُ محمدٍ، وعروةُ، وابنُ أبي لَيلَى، ومالكٌ، والشافعيّ، وأبو عُبَيدٍ، وابنُ المُنْذِرِ: له نِكاحُ جميعِ مَن سَمَّينَا في تَحرِيم الجمعِ (١). ورُوِيَ ذلك عن [زيدِ بنِ] (٢) ثابتٍ؛ لأنَّ المُحَرَّمَ الجمعُ بينَهما في النِّكاحِ، بدَلِيلِ قولِه تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيكُم أُمَّهاتُكُم﴾. أي نِكاحُهُنَّ. وقال: ﴿وَأَن تَجْمَعُوا بَينَ الأخْتَينِ﴾. معطوفًا عليه. والبائِنُ ليست في نِكاحِه، ولأنَّها بائِنٌ، فأشْبَهتِ المُطَلَّقَةَ قبلَ الدُّخولِ (٣). ولَنا، قولُ علي، وابنِ عباس، ورُوِيَ عن عَبِيدَةَ السَّلْمانيِّ أنَّه قال (١): ما أجْمَعَتِ الصَّحابَةُ على شيءٍ كإجْماعِهم على أربَع قَبْلَ الظُّهْرِ وأن لا تُنْكَحَ المرأةُ في عِدَّةِ أخْتِها. ورُوِيَ عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: «مَنْ كَانَ يُؤمِنُ بِاللهِ وَاليَوْم الآخِرِ، فَلَا يَجْمَع مَاءَهُ فِي رَحِمِ أُخْتَينِ» (٤). ورُوِيَ عن أبي الزِّنادِ، قال: كان للوليدِ بنِ عبدِ الملكِ أربَعُ نِسْوَةٍ، فطَلَّقَ واحدةً الْبَتَّةَ، وتَزَوَّجَ قبلَ أن تَحِلَّ، فعابَ ذلك كثيرٌ
стр. 9858
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مِن الفُقَهاءِ، وليس كُلُّهُم عابَه (١). قال سعيدُ بنُ منصورٍ: إذا عابَ عليه سعيدُ بنُ المُسَيَّب فَأيُّ شيءٍ بَقِيَ! ولأنَّها مَحبُوسَة عن النِّكاحِ لحقِّه، أشْبَه ما لو كان الطَّلاقُ رَجْعِيًّا (٢)، وفارَقَ المُطَلَّقَةَ قبلَ الدُّخولِ بهذا (٣).
فصل: ولو أسْلَمَ زَوْجُ المجُوسِيَّةِ أو الوَثَنِيَّةِ، أو انْفَسَخَ النِّكاحُ بينَ الزَّوْجَين بخُلْعٍ أو رَضاع، أو فَسْخ بعَيبٍ أو إغسارٍ أو غيرِه، لم يَكُنْ له أنْ يَتَزَوَّجَ أحدًا مِمَّن يَحرُمُ الجمعُ بينَه وبينَ زَوْجَتِه حتى تَنْقَضِيَ عِدَّتُها، سَواء قُلْنا بتعجِيلِ الفرقَةِ أو لم نَقُلْ. فإن أسْلَمَتْ زَوْجَتُه فتَزَوَّجَ أُخْتَها في عِدَّتِها، ثم أسْلَمَا، اخْتارَ منهما واحدَةً، كما لو (٤). تَزَوَّجَهُما معًا، وإن أسْلَمَ بعدَ انْقِضاءِ عِدَّةِ الأولَى، بانتْ، وثَبَت نِكاحُ الثَّانِيةِ.
فصل: إذا أعتَقَ أمَّ وَلَدِه، أو أمَةً كان يُصِيبُها، فليس له أن يَتَزَوَّجَ أخْتَها حتى يَنْقَضِيَ اسْتِبْراؤها. نصَّ عليه أحمدُ في أمِّ الوَلَدِ. وقال أبو يوسف، ومحمدُ بنُ الحسنِ: يَجُوزُ؛ لأنَّها ليست بزَوْجَةٍ، ولا في عِدَّةٍ مِن نِكاح. ولَنا، أنَّها مُعتَدَّة منه، فلم يَجُزْ له نِكاحُ أخْتِها، كالمُعْتَدَّةِ
стр. 9859
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مِن نِكاح أو وَطْءٍ بشُبْهةٍ، ولأنَّه لا يَأمَنُ أنْ يكونَ ماؤه في رَحِمِها، فيكونَ داخلًا في عُمُومِ مَن جَمَع ماءَه في رَحِمِ أخْتَين، ولا يُمنَعُ مِن نِكاحِ أربَعٍ سِواها. ومَنَعَه زُفَرُ. وهو غَلَط؛ لأنَّ ذلك جائِز قبلَ إعتاقِها، فبعدَه أوْلَى.
فصل: ولا يمنَعُ مِن نِكاحِ أمةٍ في عِدَّةِ حرَّةٍ بائِنٍ. ومَنَعَه أبو حنيفةَ، كما يَحرُمُ عليه أن يَتَزَوَّجَها في صُلْبِ نِكاحِها. ولَنا، أنَّه عادِمٌ للطَّوْلِ، خائِف للعَنَتِ، فأُبِيحَ له نِكاحُها؛ لقولِه تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ (١) الآية. ولا نُسَلِّمُ أنَّه لا يَجُوزُ في صُلْبِ نِكاحِ الحُرَّةِ، بل يَجُوزُ إذا تَحَقَّقَ الشَّرطان.
فصل: وإن زَنَى بامرأةٍ، فليس له أن يَتَزَوَّجَ أخْتَها حتى تَنْقَضِيَ عِدَّتُها، وحُكْمُ العِدَّةِ مِن الزنَى والعِدَّةِ مِن وَطْءِ الشُّبْهةِ حُكْمُ العِدَّةِ مِن النِّكاحِ، على ما نَذْكُرُه إن شاءَ الله تعالى. فإن زَنى بأخْتِ امرأتِه، فقال أحمدُ: يُمسِكُ عن وَطْءِ امرأتِه حتَّى تَحِيضَ ثَلاثَ حِيَض. وعنه، حَيضَةً. ويَحتَمِلُ أن لا تَحرُمَ بذلك أخْتُها ولا أربَعٌ سِواها؛ لأنها ليست مَنْكُوحَةً، ومُجَرَّدُ الوَطْءِ لا يمنَعُ، بدلِيلِ الوَطْءِ في مِلْكِ اليَمِينِ، فإنَّه لا يَمنَعُ أربَعًا سِواها.
فصل: إذا ادَّعَى الزوجُ أنَّ امرأتَه أخْبَرَتْه بانْقِضاءِ عِدَّتِها في (٢) مُدَّةٍ
стр. 9860
فصل: النَّوْعُ الثَّانِي، مُحَرَّمَات لِعَارِضٍ يَزُولُ، فَيَحرُمُ عَلَيهِ نِكَاحُ زَوْجَةِ غَيرِهِ، وَالْمُعتَدَّةُ مِنْهُ، وَالْمُسْتَبْرئة مِنه،
ــ
يَجُوزُ انْقِضاؤها فيها، وكَذَّبَتْه، أبِيحَ له نِكاحُ أخْتِها وأربَعٍ سِواها في الظَّاهِرِ، فأمّا في الباطِنِ، فيَنْبَنِي (١) على صِدقِه في ذلك؛ لأنَّه حَقّ فيما بينَه وبينَ اللهِ تعالى، فيُقْبَلُ قَولُه فيه، ولا يُصَدَّقُ في نَفْي نَفَقَتِها وسُكْناها ونَفْي (٢) النسَبِ؛ لأنَّه حق لها ولوَلَدِها، فلا يُقْبَلُ قولُه فيه. وبه قال الشافعي، وغيرُه. وقال زُفَرُ: لا يُصَدَّقُ في شيءٍ؛ لأنَّه قول واحدٌ لا يُصَدَّقُ في بعضِ حُكْمِه، فلا يُصَدَّقُ في البعضِ الآخَرِ، قِياسًا للبعضِ على البعضِ؛ وذلك لأنَّه لا يُمكِنُ أن يكونَ القولُ الواحدُ صِدقًا كَذِبًا. ولَنا، أنَّه قولٌ يَتَضَمَّنُ إبْطال حقٍّ لغيرِه، وحقًّا له لا ضَرَرَ على غيرِه فيه، فوَجَبَ أن يُصَدَّقَ في أحَدِهما دونَ الآخَرِ، كما لو اشْتَرَى عبدًا ثم أقَرَّ أنَّ البائِعَ كان أعتَقَه، صُدِّقَ في حُرِّيته ولم يُصَدَّقْ في الرُّجوعِ بثَمَنِه. وكذلك لو أقَرَّ أنَّ امرأتَه أخْتُه مِن الرَّضاعِ قبلَ الدُّخولِ، صُدِّقَ (٣) في بَينُونَتِها وتَحرِيمِها عليه، ولم يَسْقُطْ مَهْرُها إذا كَذَّبَتْه.
فصل: قال الشيخُ، ﵀: (النوعُ الثاني، مُحَرَّمَاتٌ لعارِض يَزُول، فيَحرُمُ عليه نِكاحُ زَوْجَةِ غيرِه) بغيرِ خِلافٍ؛ لقولِ اللهِ تعالى:
стр. 9861
وَتحرُمُ الزَّانِيَةُ حَتَّى تَتُوبَ وَتَنْقَضِيَ عِدَّتُها،
ــ
﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إلا مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ﴾ (والمُعتَدَّةُ منه) لقولِه تعالى: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ (١). (و) تَحرُمُ (المُسْتَبْرِئَةُ منه) لذلك، ولأن تَزْويجَها يُفْضِي إلى اخْتِلاطِ المِياهِ واشْتِباهِ الأنْسابِ. وسَواءٌ في ذلك المُعتَدَّةُ مِن وَطْءٍ مُباحٍ أو مُحَرَّم، أو مِن غيرِ وَطْءٍ؛ لأنَّه لا يُؤمَنُ أن تكونَ حامِلًا، فلو أبحنا تَزْويجَها لاخْتَلَطَ نَسَبُ المُتَزَوِّجِ بنَسبِ الوَاطِيء الأوَّلِ. ولا يَجُوزُ نِكاحُ المُرتابَةِ بعدَ العِدَّةِ بالحملِ (٢)؛ ذلك.
٣١٥١ - مسألة: (وتَحرُمُ الزَّانِيَةُ حتى تتوبَ وتَنْقَضيَ عِدَّتُها) إذا زَنَتِ المرأةُ، لم يَحِلَّ نِكاحُها لمَن (٣) يَعلَمُ ذلك إلَّا بشَرطَين؛ أحَدُهما، انْقِضاءُ عِدَّتِها بوَضْعِ الحملِ [إن حَمَلَتْ] (٤) مِن الزِّنَى، ولا يَحِل نِكاحُها قبلَ الوَضْعِ. وبهذا قال مالكٌ، وأبو يوسفَ. وهو إحدى الرِّوايَتَين عن أبي حنيفةَ. وقال في الأخْرَى: يَحِلُّ نِكاحُها ويَصِحُّ. وهو مذهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّه وَطْءٌ لا يَلْحَقُ به النَّسَبُ، فلم يُحَرِّمِ النِّكاحَ،
стр. 9862
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كما لو لم تَحمِلْ. ولَنا، قولُ النبيِّ ﷺ : «مَنْ كَانَ يُؤمِنُ بِاللهِ وَاليَومِ الآخِرِ، فَلَا يَسْقِي مَاءَهُ. زَرعَ غَيرِهِ» (١). يعني وَطْءَ الحَوامِلِ. وقَول النبيِّ ﷺ : «لا تُوطَأ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ» (٢). حديث صحيحٌ، وهو عام. ورُوِيَ عن سعيدِ بنِ المُسَيَّب، أنَّ رجلًا تَزَوَّجَ امرأةً، فلمَّا أصابَها وَجَدَها حُبْلَى، فرُفِعَ ذلك إلى النبي ﷺ ففَرَّقَ بينَهما، وجَعَل لها الصَّداقَ، وجَلَدَها مائةً. رَواه سعيدٌ (٣). ورَأى النبيُّ ﷺ امرأةً مُجِحًّا (٤) على بابِ فُسْطَاطٍ، فقال: «لَعَلَّهُ يرِيدُ أنْ يلمَّ بِها (٥)؟» قالوا: نعم. قال: «لَقَد همَمتُ أنْ ألْعَنَهُ لَعنَةً تَدخُلُ مَعَه قَبْرَهُ، كَيفَ يَسْتَخْدِمُه وَهُوَ لا يَحِلُّ لَهُ؟ أم كَيفَ يُوَرِّثُهُ وَهُوَ لَا يَحِلُّ لَهُ؟». أخْرَجَه مسلم (٦). ولأنَّها حامِلٌ مِن غيرِه، فحَرُمَ عليه نِكاحُها، كسائرِ
стр. 9863
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الحَوامِلِ. وإذا ثَبَت هذا، لَزِمَتْها العِدَّةُ، وحَرُمَ النِّكاحُ فيها؛ لأنَّها في الأصلِ لمعرِفةِ بَراءَةِ الرَّحِمِ، ولأنَّها قبلَ العِدَّةِ يَحتَمِلُ أن تكونَ حامِلًا، فلم يَصِحَّ نِكاحُها، كالمَوْطُوءَةِ بشُبْهةٍ. وقال أبو حنيفةَ، والشافعي: لا عِدَّةَ عليها؛ لأنَّه وَطْءٌ لا تَصِيرُ به فِراشًا، فأشْبَه وَطْءَ الصَّغِيرِ. ولَنا، ما ذَكَرناه، وإذا لم يَصِحَّ نِكاحُ الحاملِ، فغيرُها أوْلَى؛ لأنَّ وَطْءَ الحاملِ لا يُفْضِي إلى اشْتِباهِ النَّسَبِ، وغيرُها يَحتَمِلُ أن يكُونَ وَلَدُها مِن الأوَّلِ، ويَحتَمِلُ أن يكونَ مِن الثاني، فيُفْضِي إلى اشْتِباه الأنْسابِ، فكان بالتَّحرِيم أوْلَى، ولأنَّه وَطء في القُبُلِ، فأوْجَبَ العِدَّةَ، كوَطْء الشُّبْهةِ، ولا نُسَلِّمُ وَطْءَ الصغيرِ الذي يمكِنُه الوَطْءُ. والشَّرطُ الثاني، أنَّ تتوبَ مِن الزنَى. وبه قال قَتادَةُ، وإسحاق، وأبو عُبَيدٍ. وقال أبو حنيَفةَ، ومالكٌ، والشافعيُّ: لا يُشْتَرَطُ ذلك؛ لِما روِيَ أنَّ عمرَ ضَرَب رجلًا وامرأةً في الزِّنَى، وحَرَص أن يَجْمَعَ بينَهما، فأبَى الرجلُ (١). ورُوِيَ أنَّ رجلًا
стр. 9864
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
سأل ابنَ عباس عن نِكاحِ الزَّانِيَةِ، فقال: يجوزُ، أرَأيتَ لو سَرَقَ مِنْ كَرم، ثم ابْتاعَه، أكان يجوزُ؟ ولَنا، قولُ الله : ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤمِنِينَ﴾ (١). وهي قبلَ التَّوبَةِ في حُكْمِ الزِّنَى، فإذا تابَتْ (٢) زال ذلك؛ لقولِ النبيّ ﷺ : «التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ» (٣). وقولِه: «التَّوْبَةُ تَمْحُو الْحُوبَةَ» (٤). ورُوِيَ أنَّ مَرثَدًا الغَنَويَّ دَخَل مَكَّةَ، فرأى امرأةً فاجرةً يُقال لها: عَنَاق. فَدَعَتْهُ إلى نَفْسِها، فلم يُجِبْها، فلمَّا قَدِم المدينةَ سألَ رسولَ اللهِ ﷺ ، فقال له: أنْكِحُ عَنَاقًا؟ فلم يُجِبْه، فنزلَ قولُه تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ (٥). فدَعاه رسولُ اللهِ ﷺ ، فَتَلا عليه الآيةَ وقال: «لا تَنْكحها» (٦). ولأنَّها إذا كانَتْ مُقِيمَةً على الزِّنَى لم يَأمَنْ أن تُلْحِقَ
стр. 9865
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
به وَلَدًا مِن غيرِه، وتُفْسِدَ فِراشَه. فأمَّا حديثُ عمرَ، فالظاهِرُ أنَّه اسْتَتَابَهما، وحديثُ ابنِ عباسٍ ليس فيه بَيان، ولا تَعَرُّضَ له بمَحَلِّ النِّزاعِ. إذا ثَبَت هذا، فعِدَّةُ الزَّانِيَةِ كعِدَّةِ المُطلَّقةِ؛ لأنَّه اسْتِبْرَاءٌ لحُرَّةٍ، أشْبَه عِدَّةَ المَوْطُوءَةِ بشُبْهةٍ. وحكى ابنُ أبي موسى عن أحمدَ، أنَّها تُسْتَبْرأ بحَيضَةٍ؛ لأنَّه ليس مِن نِكاح ولا شُبْهةِ نِكاح، فأشْبَه اسْتِبْراءَ أمِّ الوَلَدِ إذا عَتَقَتْ. وأمَّا التَّوْبَةُ، فهي الاسْتِغْفارُ والنَّدَمُ والاقْلاعُ عن الذَّنْبِ، كالتَّوْبَةِ مِن سائرِ الذّنُوبِ. ورُوِيَ عن ابنِ عمرَ، أنَّه قِيلَ له: كيف تعرَفُ تَوْبَتُها؟ قال: يُرِيدُها على ذلك، فإن طاوَعَتْه فلم تَتُبْ، وإن أبتْ فقد تَابتْ. فصار أحمدُ إلى قولِ ابنِ عمرَ اتباعًا له. قال شيخُنا (١): والصحيحُ الأولُ، فإنَّه لا ينبغِي لمُسْلم أن يَدعُوَ امرأةً إلى الزِّنَى، ويَطْلُبَه منها، فإنَّ طَلَبَه منها إنَّما يكونُ في خَلْوَةٍ، [ولا تَحِلُّ الخَلْوَةُ] (٢) بأجْنَبِيَّةٍ ولو كان في تَعلِيمِها القرآنَ، فكيف تحِلُّ (٣) في مُراوَدَتِها على الزِّنَى! ثم (٤) لا يَأمَنُ إن أجابَتْه إلى ذلك أن تَعُودَ إلى المَعصِيَةِ، فلا
стр. 9866
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يَحِلُّ التَّعَرُّضُ لمثلِ هذا، ولأنَّ التَّوْبَةَ مِن سائرِ الذُّنُوبِ، في حَقِّ سائرِ الناسِ، بالنِّسْبةِ إلى سائرِ الأحكامِ، على غيرِ هذا الوَجْهِ، [فكذلك هذا] (١).
فصل: وإذا وُجِدَ الشّرطان حَلَّ نِكاحُها للزَّانِي وغيرِه، في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم أبو بكر، وعمرُ، وابْنُه، وابنُ عباس، وجابرٌ، وسعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وعطاء، والحسنُ، والزُّهْرِيّ، والثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وابنُ المُنْذِرِ، وأصحابُ الرَّأي. و (٢) رُوِيَ عن ابنِ مسعودٍ، والبَرَاءِ بنِ عازبٍ، وعائشةَ، أنَّها لا تَحِلُّ للزَّانِي بحالٍ، قالوا: لا يَزَالان زَانِيَين ما اجْتَمَعَا، لعُمُومِ الآيةِ والخَبَرِ (٣). فيَحتَمِلُ أنَّهم أرادُوا بذلك ما كان قبلَ التَّوْبَةِ، أو قبلَ اسْتِبْرائِها، فيكونُ كقَوْلِنا. فأمَّا تَحرِيمُها على الإِطْلاقِ فلا يَصِحُّ؛ لقولِ الله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ (٤). ولأنَّها مُحَلَّلة لغيرِ الزَّانِي، فحَلَّتْ له، كغيرِها.
стр. 9867
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: فإن زَنَتِ امرأةُ رجل، أو زَنَى زَوْجُها، لم يَنْفَسِخِ النِّكاحُ، سَواء كان قبلَ الدُّخولِ أو بعدَه، في قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ؛ منهم عطاءٌ، والنَّخَعِيّ، والثوْرِيّ، والشافعيُّ، وإسْحاقُ، وأصحابُ الرأي. وعن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ، أنَّ المرأةَ إذا زَنَتْ يُفَرَّقُ بينَهما، وليس لها شيءٌ. وكذلك رُوِيَ عن الحسنِ. ورُوِيَ عن علي، ﵁، أنَّه فرَّقَ بينَ رجلٍ وامرأتِه، زَنَى قبلَ أن يَدخُلَ بها (١). واحتُجَّ لهم بأنَه لو قَذَفَها ولاعَنَها بانتْ منه؛ لتَحَقُّقِه الزِّنَى عليها، فدَلَّ على أنَّ الزِّنَى يُبِينها. ولَنا، أنَّ دعواه الزِّنَى عليها لا يُبِينُها، ولو كان النِّكاحُ يَنْفسِخ به لانْفَسَخَ بمُجَرَّدِ دَعواه، كالرَّضاعِ، ولأنَّها معصِيَة لا تُخْرِجُ عن الإِسلام، فأشبَهتِ السَّرِقَةَ، فأمَّا اللِّعانُ فإنَّه يَقْتَضِي الفَسْخَ بدُونِ الزِّنَى، بدَليلِ أَنها إذا لاعَنَتْه
стр. 9868
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فقد قابَلَتْه، فلم يَثْبُتْ زِناها، ولذلك أوْجَبَ النبيُّ ﷺ الحَدَّ على مَن قَذَفَها، والفَسْخُ واقِعٌ، ولكنَّ أحمدَ اسْتَحَبَّ للزَّوْجِ مُفارَقَةَ امرأتِه إذا زَنَتْ، وقال: لا أرَى أن يُمسِكَ مثلَ هذه؛ لأنَّه، لا يُؤمَنُ أن تُفْسِدَ فِراشَه، وتُلْحِقَ به وَلَدًا ليس منه. قال ابنُ المُنْذِرِ: لَعَلَّ مَن كَرِه هذه المرأةَ إنَّما كَرِهها على غيرِ وجْهِ التَّحرِيمِ، فيكون مثلَ قولِ أحمدَ. ولا يَطؤها حتى يَسْتَبْرِئَها بثلاثِ حِيَض؛ لِمَا روَى رُوَيفِعُ بنُ ثابتٍ، قال: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ [يومَ حُنَين: «لَا يَحِلُّ لامرِئ يُومِنُ باللهِ وَاليَوْم الآخِرِ] (١) يَسْقِي مَاءَهُ زَرعَ غَيرِه». يَعنِى إتْيانَ الحَبالى. ولأَنَّها ربَّما تأتِي بوَلَدٍ مِن الزِّنَى فَيُنْسَبُ إليه. والأوْلَى أنَّه يَكْفِي اسْتِبْراؤها (٢) بِحَيضَةٍ واحدَةٍ؛ لأنَّها تكْفِي في اسْتِبْراءِ الإماءِ، وفي أمِّ الوَلَدِ إذا عَتَقَتْ بمَوْتِ سَيِّدِها أو بإعتاقِه، فكَفَى ههُنا، ولأَنَّ المَقْصُودَ مُجَرَّدُ الاسْتِبْراءِ، وقد حَصَل بحَيضَةٍ، فاكْتُفِي بها.
стр. 9869
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: إذا عَلِمَ الرجلُ مِن أمَتِه الفُجُورَ، فقال أحمدُ: لا يَطَؤُها؛ لَعَلَّها (١) تُلْحِقُ به ولدًا ليس منه. قال ابنُ مسعودٍ: أكْرَهُ أن أطَأَ أَمَتِي وقد بَغَتْ (٢). وروَى مالكٌ (٣)، عن يَحْيَى بنِ سعيدٍ، عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، أنَّه كان يَنْهى أن يَطَأَ الرجلُ أمَتَه وفي بَطْنِها ولدٌ جَنِينٌ لغيرِه. قال ابنُ عبدِ البَرِّ (٤): هذا مُجْمَعٌ على تَحْرِيمِه. وكان ابنُ عباسٍ يُرَخِّصُ
стр. 9870
وَمُطَلَّقَتُهُ ثَلَاثًا حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيرَهُ، وَالْمُحْرِمَةُ حَتَّى تَحِلَّ.
ــ
في وَطْءِ الأَمةِ الفاجِرَةِ (١). ورُوِيَ ذلك عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ. ولَعَّلَ مَن كَرِه ذلك كَرِهَه قبلَ الاسْتِبْراءِ، أو (٢) إذا لم يُحَصِّنْها ويَمْنَعْها مِن الفُجُورِ، وَمَن أباحَهُ، أباحَه بعدَهما، فيكونُ القَولان مُتَّفِقَين. والله أعلمُ.
٣١٥٢ - مسألة: (و) تَحْرُمُ (مُطَلَّقَتُه ثَلاثًا حتى تَنْكِحَ زَوْجًا غيرَه) لقولِ الله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيرَهُ﴾ (٣). بعد قولِه: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ (٤). وسنَذْكُرُ هذا في بابِ الرَّجْعَةِ، بأبْسَطَ مِنْ هذا، إن شاء الله تعالى.
٣١٥٣ - مسألة: (و) تَحْرُمُ (المُحْرِمَةُ حتى تَحِلَّ) يَحْرُمُ نِكاحُ المُحْرِمَةِ، ويَحْرُمُ على المُحْرِمِ أن يَعْقِدَ النِّكاحَ في حالِ إحْرامِه، فإن
стр. 9871
وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمَةٍ نِكَاحُ كَافِرٍ بِحَالٍ، وَلَا لِمُسْلِمٍ نِكَاحُ كَافِرَةٍ، إلا حَرَائِرَ أَهْلَ الْكِتَابِ،
ــ
عَقَد أحَدٌ نِكاحًا لمُحْرِم أو على مُحْرِمَةٍ، أو عَقَد المُحْرِمُ نِكاحًا لنفسِه أو لغيرِه، لم يَصِحَّ؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : «لَا يَنْكِحُ المُحْرِمُ، وَلَا يُنْكَحُ، وَلَا يَخْطُبُ». رَواه مسلمٌ (١). وعنه، أنَّ عَقْدَ المُحْرِمِ النِّكاحَ لغيرِه صحيحٌ؛ لأنَّه حَرُمَ عليه، لكَوْنِه مِن دَواعِي الوَطْءِ، ولا يَحْصُلُ ذلك بكونِه وَليًّا. والأَوَّلُ أوْلَى؛ لعُمُومِ الخَبَرِ. وقد ذَكَرْنا هذه المسألةَ في الحَجِّ، وذكرنا الاخْتِلافَ فيها.
٣١٥٤ - مسألة: (ولا يَحِلُّ لمُسْلِمَةٍ نِكاحُ كافِرٍ بحالٍ) لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ (٢). ولقولِه سبحانه: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ﴾ (٣). ولا نَعْلَمُ خِلافًا في ذلك.
٣١٥٥ - مسألة: (ولا) يَحِلُّ (لمُسْلِمٍ نِكاحُ كافِرَةٍ بحالٍ، إلَّا حَرائِرَ أهْلِ الكِتابِ) ليس بينَ أهلِ العلمِ، بحمدِ اللهِ، اخْتِلافٌ في حِلِّ حَرائِرِ (٤) أهلِ الكتابِ للمُسْلِمِ، ومِمَّن رُوِيَ عنه ذلك؛ عمرُ،
стр. 9872
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وعثمانُ، وطلحةُ، وحذيفةُ، وسلمانُ، وجابرٌ، وغيرُهم. قال ابنُ المُنْذِرِ: لا يَصِحُّ عن أحدٍ مِن الأوائِلِ أنَّه حَرَّمَ ذلك. وروَى الخَلَّالُ بإسنادِه، أنَّ حُذيفَةَ، وطلحةَ، والجارودَ بنَ المُعَلَّى، وأُذَينَةَ العَبْدِيَّ، تَزَوَّجوا نساءً مِن أهلِ الكتابِ. وبه قال سائِرُ أهلِ العلمِ، ولم يُنْقَلْ تَحْرِيمُه إلَّا عن الإِمَامِيَّةِ، تَمَسُّكًا بقولِه تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾. و: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾. ولَنا، قولُ الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾. إلى قولِه: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (١). وإجْماعُ الصحابةِ. فأَمَّا قولُه سبحانَه: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾. فرُوِيَ عن ابنِ عباسٍ، أنَّها نُسِخَتْ بالآيةِ التي في سورةِ المائِدَةِ. وكذلك يَنْبَغِي أن يكونَ ذلك في الآيةِ الأُخْرَى؛ لأنَّهُما مُتَقَدِّمتان، والآيَةُ التي في المائِدَةِ مُتأخِّرَةٌ عنهما. وقال آخرون: ليس هذا نَسْخًا، فإنَّ لَفْظَةَ