← Тараджим

Тараджим · id 19199

سلم الوصول إلى طبقات الفحول

حاجي خليفة

Полный текст (2 344 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.

стр. 2276

الخاتمة في فوائد متفرقة ذكر قطب الدين المكِّي (١) في "الإعلام" (٢) أن أوّل مدرسة بنيت في الدّنيا مدرسة نظام الملك في بغداد، فبلغ علماء ما وراء النهر هذا الخبر فاتخذوا للعلم مأتماً وحزنوا على سقوط حرمته، فسئلوا عن ذلك فقالوا: إن العلم ملكة شريفة فاضلة لا تطلبه إلاّ النفوس الشريفة الفاضلة لجذب الشرف الذاتي والمناسبة الطبيعية ولما جُعل عليه أجرة تطلّبه النفوس الرذلة وتجعله مكسباً وسُلَّماً لحطام الدنيا وتزاحم عليه لا لتحصيل شرف العلم بل لتحصيل المناصب الدنيوية السَّفلة الفانية فيرذل العلم برزالتهم ولا يَشرفون بشرفه. ألا ترى علم الطِبِّ، فإنه مع كونه علماً شريفاً، لما تعاطته أرازل اليهود رزل برزالتهم ولم تشرف أرازل اليهود بشرف علم الطبِّ وهذا حال أكثر طلبة العلم في هذا الزمان الفاسد وشأن طلاب العلوم الآن في هذا السوق الكاسد، فإنك ترى أكثرهم مع دأبه في الطّلب وانكبابه (٣) على فنون العلم والأدب يزداد كل وقت عُجباً وكِبراً، وقلما يتحلى أحد منهم بحلى الأخلاق الحسنة. وما ثمرة كسب العلوم غير التخلق بحسن الأخلاق والعمل بمقتضى طيب الأصول والأعراق. ويروى أنه كان في بلدة سمرقند مدرسة مربعة لها حجرات كثيرة، وكان في كل ضلع منها موضع درس ولكل منها مدرّس معيّن، رئيسهم المولى الفاضل قاضي زاده الرُّومي (٤). وكان من عادتهم أن المدرسين مع طلبتهم يجتمعون عند المولى المذكور فيقرؤون عليه الدرس ثم يذهب المولى المذكور فيدرّس كلّ مدرِّس في موضعه. وكان يحضر الأمير ألوغ بك (٥) في بعض الأحيان درس المولى المذكور. واتفق أن عَزَل الأمير المذكور واحداً من هؤلاء

стр. 2277

المدرسين فترك المولى المذكور الدرس أياماً وظن ألوغ بك أنه وقعت له عارضة مزاجية فذهب إلى عيادته فإذا هو صحيح فسأل عن سبب تركه الدرس فقال: إني خدمت بعضاً من مشايخ الصوفية فأوصاني أن لا أتولّى المناصب الدنيوية إلاّ منصباً لا يُعزل صاحبه عنه، فكنت ظننت أن التدريس كذلك فلما عرفت أنه يعزل صاحبه عنه تركته فاعتذر الأمير عن فعله وتضرَّع إليه في قبول التدريس وأعاد المدرس إلى مقامه وحلف أن لا يعزل بعد ذلك مدرّساً أصلاً فقبل المولى المذكور التدريس على ما نقله صاحب "الشقائق" (١). فانظر كيف [كان] شأن العلم والعلماء وتدبّر ... فيما نقل من اجتهاد السَّلف وعلوّ هممهم وتقاعد الخلف عن اللحوق إليهم حتى تكون من الفائزين. روي أن الشيخ جمال الدين الأقسرائي (٢) كان مدرساً بمدرسة مشهورة بالمدرسة المسلسلة في بلاد قرامان وقد شرط بانيها أن لا يدرس فيها إلا من حفظ "الصِّحاح" للجوهري وقد فَتّشوا عمن يحفظ "الصِّحاح" في تلك الدِّيار فوجدوا أربعة من حفّاظه [ ... ] فرجّحوه لفضله عليهم وتأسفوا على قلّة الحفاظ، فاعتبر حال العلم من أين إلى أين. والأولى بالاعتبار: ما نقله أئمة الحديث، منهم: الإمام ابن الأثير، فإنه ذكر في أول "جامع الأصول" (٣) أن علم الحديث لما كان من أصول الفروض وجب الاعتناء بضبطه وحفظه ولذلك يَسَّرَ الله تعالى أولئك الأفاضل فتناقلوه كابراً عن كابر فما زال هذا العلم من عهد الرسول ﵇ أشرفَ العلوم وأجلها لدى الصحابة والتَّابعين وتابعيهم خلفاً بعد سلف، لا يشرف بينهم أحد بعد حفظ كتاب الله إلا بقدر ما يحفظ منه، فتوفرت الرَّغبات فيه حتى لقد كان أحدهم يرحل المراحل ويجوب البلاد شرقاً وغرباً في طلب حديث واحد ليسمعه من راويه، فمنهم من يكون الباعث له على الرحلة طلب ذلك الحديث لذاته ومنهم من يقرن بتلك الرغبة سماعه من ذلك الراوي بعينه إما لثقته وصدقه [في نقله] وإما لعلو إسناده. وكان اعتمادهم أولاً على الحفظ والضبط في القلوب [والخواطر] غير ملتفتين إلى ما يكتبونه، محافظة على هذا العلم كحفظهم كتاب الله . فلما انتشر الإسلام وقلّ الضبط، احتاجوا إلى تدوين الحديث وتقييده بالكتابة فانتهى الأمر إلى زمن جماعة من الأئمة، مثل عبد الملك بن جُريج (٤) ومالك بن أنس، وغيرهما فدوّنوا الحديث، حتى قيل: إن أول كتاب صنّف في الإسلام "كتاب ابن جُرَيج" وقيل: "موطأ مالك" وقيل: إن

стр. 2278

أؤل من صنّف وبوّب الرَّبيع بن صُبيح (١) بالبصرة. ثم انتشر جمع الحديث وتدوينه في الأجزاء والكتب إلى زمن الإمامين البخاري ومسلم فدوّنا كتابيهما في الصحيح ثم ازداد انتشار هذا النوع من التصنيف إلى أن انقرض ذلك العصر عن جماعة من الأئمة، قد جمعوا وألّفوا مثل الترمذي وأبي داود والنسائي وغيرهم فكان ذلك العصر كأنه خلاصة العصور في تحصيل هذا العلم وإليه المنتهى. ثم نقص الطلب وقلَّ الحرص وكذلك كل نوع من أنواع العلوم والصنائع والدول وغيرها فإنه يبتدئ قليلاً قليلاً ولا يزال ينمي (٢) ويزيد إلى أن يصل إلى غاية هي منتهاه ثم يعود. وكأنّ غاية هذا العلم انتهت إلى البخاري ومسلم ثم نزل وتقاصر إلى زماننا هذا وسيزداد تقاصراً. انتهى وقد نقل الإمام شمس الدين محمد بن الجزري (٣) هذه بتغيير يسير في كتابه المسمى بـ"تذكرة العالم" ثم قال: ولقد اجتمع في مجلس إملاء يزيد بن هرون (٤) ببغداد [ما] نيّف عن ثلاثة آلاف [كاتب يحمل كل منهم] محبرة يكتبون الحديث. وكان يحضر مجلس أبي مسلم الكَجّي (٥) بالبصرة للإملاء أربعون ألف محبرة خارجاً عمن يحضر لغير الاستملاء. يبلّغهم عنه المستملون فيكتبون بواسطة المستملي منه. قال السَّمْعَاني في ترجمة القاضي أبي عبد الله بن المحاملي (٦): كان يحضر مجلس إملائه عشرة آلاف رجل، وذكر في ترجمة أبي محمد عبد الله بن محمد الحارثي الكلاباذي الحنفي (٧) أنه كان من أعلام الأئمة بما وراء النهر، ولما أملى "مناقب أبي حنيفة" كان يستملي عليه أربعمائة مستملي، ومات سنة ٣٤٠. وانتهت هذه العزيمة إلى أواخر الثلثمائة ثم نزلت إليهم وتقاصر العزم إلى بُعيد الستمائة فضعف شأنه وقلّ أعوانه. وفي هذا الوقت قال الصَّغَاني (٨): في أول "مشارقه" ما قال وبكى واستبكى، لذهاب هذا العلم ولم يكن آل إلى ما آل فإنه كان إذ ذاك بما وراء النهر وسائر بلاد

стр. 2279

خراسان من أئمة الحديث جماعات ومن المشايخ المسندين خلق انفردوا بعوالي الروايات، سوى من بشيراز وأصبهان وديار بكر وأذربيجان فقلّ أن يخلو بلد من محدّث أو مُسْنِدٍ. وكان إذ ذاك محدِّثو بلاد مصر والشام يرحلون إلى هذه الأقطار ويأخذون عالي الحديث في هذه الأمصار وكان آخر من رحل منها إلى خراسان من المحدِّثين الحافظ أبو القاسم علي بن عساكر الدمشقي (١)، مات برحلته سنة ست عشرة وستمائة ومدينة السلام بغداد محطّ رحال أهل الإسناد بها من حُفَّاظ الحديث من عليه المعوّل والاعتماد حتى قدّر الله ما قدّر بالبوار على أيدي التتار بهذه الدِّيار وبقي بالشام صُبَابَةٌ (٢) وبديار مصر ذُنابةٌ (٣) فكانا في القرن السابع وصدراً من الثامن أوفر البلاد حظاً من هذا العلم وأكثرها نصيباً. قام فيهما من الحُفَّاظ من هو في هذا العلم آية ومن المحدِّثين المسندين من جمع [بين] كثرة السماع وعلق الرواية: • كالإمام أبي عمرو بن الصلاح (٤)، • والحافظ ضياء الدين المقدسي (٥)، • والحافظ سيف الدين أحمد بن المجد (٦)، • والحافظ أبي العباس الجوهري (٧)، وأضرابهم. قال: وأدركت في هذا العلم ثلاثة: • حفاظ أعلام انتهى إليهم هذا العلم في بلاد الشام، أوّلهم الإمام الكبير محمد بن رافع (٨)، • وثانيهم حافظ الإسلام ومؤرخ الأنام أبو الفداء إسمعيل [بن عمر] بن كثير (٩)، • وثالثهم خاتمة الحُفَّاظ أبو بكر محمد بن المحبِّ (١٠)، وبعد من ذَكرتُ أُغلق على هذا العلم الباب وانقطع دونهم الطلب وتقطعت الأسباب انتهى.

стр. 2280

ومما يعجبك إكثارهم في الرواية عن الشيوخ والمشهورون بكثرة الرواية في الأصحاب ستة أبو هريرة وابن عباس وابن عمر وعائشة وجابر بن عبد الله ومالك بن أنس رضوان الله عليهم أجمعين. ذكر الحافظ العراقي في شرحه لـ"الألفية" أنه قد وصف بالإكثار من الشيوخ: • سفيان الثوري (١)، • وأبو داود الطيالسي (٢)، • ويونس بن محمد المؤدِّب (٣)، • ومحمد بن يونس الكُديمي (٤)، • وابن مَنْدَة (٥)، • والقاسم بن داود البغدادي (٦)، يقال: إنه كتب عن ستة آلاف شيخ انتهى. وهو من أصحاب الألوف الذين يكتبون عن ألف فما فوقها، منهم الطَّبراني (٧)، فإنه كتب من ألف شيخ أو أكثر، • وأبو الفِتيان (٨) الذي بلغ [عدد] شيوخه إلى ثلاثة آلاف وسبعمائة شيخ، • وعبد الله بن المبارك (٩)، روى عن ألف ومائة شيخ، • والوليد بن بكر الغَمْري لقي في رحلته أكثر من ألف شيخ [وشيخة]، • ولأبي القاسم بن عساكر (١٠) ألف وثلثمائة وثمانون شيخاً، • ولأبي سعد بن السمعاني (١١) سبعة آلاف شيخ،

стр. 2281

وذكر ابن خلِّكان في ترجمة ابن السَّمْعَاني (١) أن الشيخ أبا سعد السمان كان له نحو من أربعة آلاف شيخ وهذا شيء لم يبلغه أحد، • وللدِّمياطي (٢)، ألف وثلثمائة شيخ، أو مائتين وخمسين بعد الألف في قولٍ، • ولعمر بن الحاجب (٣)، ألف ومائة وثمانون شيخاً، • ولابن النَّجَّار البغدادي (٤)، ثلاثة آلاف شيخ، • ولأبي صالح المؤذِّن (٥)، ألف شيخ، • والحاكم (٦) سمع من قريب من ألفي شيخ، • ولابن مَنْدَة (٧) ألف وسبعمائة شيخ، • ولابن عدي (٨) [أما] يزيد على ألف شيخ، • وابن حِبَّان (٩) كتب عن أكثر من ألفي شيخ، • والبخاري (١٠) كتب عن أكثر من ألف شيخ، وقال محمد بن يونس الكُدَيْمي (١١): كتبت عن ألف ومائة وستة وثمانين نفساً من البصريين، وهو كَذَّاب وَضَّاع، • ولأحمد بن جعفر (١٢) أكثر .... شيخ، • ولإسحق القَرَّاب (١٣) أكثر من ألف ومائتي شيخ، • وروي أن أشياخ قُطب الدين عبد الكريم الحلبي (١٤) تبلغ الألف،

стр. 2282

والشرف عبد المؤمن الدِّمياطي (١) يشتمل "معجم شيوخه" على نحو ألف شيخ، • والحافظ علم الدين البرزالي (٢) يشتمل "معجم شيوخه" على نحو ألفي شيخ، • والحافظ شمس الدين الذهبي (٣) يشتمل "معجم شيوخه" على ألف ومائتي شيخ. وأما أصحاب المئات فإنهم لا يحصون كثرةً، وأعظمهم: • الحافظ الكبير محمد بن رافع (٤)، فإنه جمع "معجماً" لنفسه بلغ نحو ثمانمئة شيخ. وذكر السبكي أن ابن الأنباري (٥) كان يحفظ في كل جمعة عشرة آلاف ورقة، وكذا الواحدي (٦)، وكان محفوظُ ابن جرير (٧) ثمانين بعيراً، ونقل أنه لما أحرقت خزانة كتب المدرسة النظامية ببغداد حزن (٨) على ذلك فقالوا له: لا تحزن فإن بنا من يملي لنا من حِفْظِه جميعَ ما احترقت، فقال: من هو؟ فقالوا: ابن الصَّباغ (٩)، فأملى من حفظه جميع ما احترق. ذكره الشعراني. فائدة: أكثر الصحابة حديثاً: • أبو هريرة، • ثم ابن عمر، • وابن العباس، • وجابر بن عبد الله، • وأنس، • وعائشة ﵃. روى عن أبي هريرة نحو من ثمانمائة رجل أو أكثر من الصحابة [والتابعين]. (١٠)

стр. 2283

والمكثرون: منهم (١) في الفُتيا عائشة، • عمر بن الخطاب، • ابنه عبد الله، • علي بن أبي طالب، • عبد الله بن العباس، • عبد الله ابن مسعود، • زيد بن ثابت، فهذه سبعة فقط، يمكن أن يجمع [من] فتيا كل واحد منهم سِفرٌ ضخم، وقد جمع أبو بكر محمد بن موسى بن يعقوب بن أمير المؤمنين المأمون (٢) فتيا عبد الله بن العباس في عشرين مجلّداً. والمتوسطون منهم: • أُمُّ سلمة، • أنس بن مالك، • أبو سعيد الخدري، • أبو هريرة، • عثمان بن عَفَّان، • عبد الله بن عمرو بن العاص، • عبد الله بن الزبير، • أبو موسى الأشعري، • سعد بن أبي وقاص، • سلمان الفارسي، • جابر بن عبد الله، • معاذ بن جبل، • أبو بكر الصِّدِّيق، ﵃، فهؤلاء يمكن أن يجمع من فتيا كل منهم جزء صغير، ويضاف إليهم: • طلحة، • والزُّبير، • وعبد الرحمن بن عوف،

стр. 2284

وعِمْرَان بن الحُصين، • وأبو بكرةٌ، • وعُبَادة بن الصَّامت، • ومعاوية بن أبي سفيان. والباقون ﵃ معلول في الفتيا (١). وجمع الشيخ تقي الدين السُّبكي جزءًا في فتاوى أبي هريرة. فائدة: لا تعرف أربعة من الصحابة متوالدون أدركوا النبي ﷺ إلا عبد الله بن أسماء بنت أبي بكر بن أبي قُحافة، وإلا أبو عتيق بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن أبي قحافة. فائدة: قال الإمام أحمد: أفضل التابعين سعيد بن المسيب (٢)، وقال أبو عبد الله بن حنيف: أهل المدينة يقولون: أفضل التَّابعين سعيد بن المسيب وأهل الكوفة أُويس، و [أهل] البصرة الحسن. وقال ابن أبي داود: سيدتا التَّابعيات حفصة بنت سيرين، وعمرة بنت عبد الرحمن، وتليهما أم الدرداء. فائدة تاريخية: قال في "الهداية" في الجنائز، قال الذي يضعه في لحده: بسم الله وعلى مِلَّة رسول الله. كذا قال ﵇ حين وضع أبا دُجانة (٣) في القبر. وقال (٤) في "المبسوط ": صحّ أن النبي ﵇ أخذ أبا دُجانة من قبل القبْلَة. انتهى. وهذا غلط لأن أبا دُجانة كان حياً بعد رسول الله ﷺ واستشهد باليمامة في خلافة أبي بكر الصدِّيق ﵁. ذكره صاحب "الجواهر المضية" (٥). وذكر في ترجمة محمد بن الفضل الكَمَاري (٦) أنه سافر إلى بعض البلاد فوجد قاضي خان يتكلم فوق المنبر وبين يديه العلماء وهم يكتبون ما يملي عليهم، فذكر قاضي خان مسألة خلافية بين أبي يوسف، ومحمد، فعكس قول أبي يوسف فجعله عن محمد وقول محمد جعله عن أبيِ يوسف فقال له أبو بكر: أعكس وإلا يرد على قول أبي يوسف كذا وكذا ويرد

стр. 2285

على قول محمد كذا وكذا وذكر عدة مسائل، فنزل قاضي خان (١) عن المنبر واعتنقه وقال له: يا سيدي لعلك تكون محمد بن الفضل الكَمَاري، قال: نعم. قال: أنت أحق بهذا المجلس، مني. وهذا لا يصح لأن الكَمَاري مات سنة إحدى وثمانين وثلثمائة، وقاضي خان مات سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة، وإن كان الكَمَاري أعلى شأناً منه، لأنه في طبقة مشايخ القدوري. فائدة: ذكر الذهبي في "ميزان الاعتدال" في ترجمة الحافظ أبي نُعيم الأصبهاني (٢) أنه تكلّم في ابن مَنْدَة، قال: لا أقبل [كلام] كل منهما في الآخر، بل هما عندي مقبولان (٣) لا أعلم لهما ديناً أكبر من روايتهما الموضوعات ساكِتَيْن. وعن محمد بن طاهر المقدسي أنه كان يقول: أسجن الله عين أبي نُعيم يتكلم في أبي عبد الله بن مَنْدَة وقد أجمع الناس على إمامته وسكت عن لاحق وقد أجمع الناس على أنه كذّاب. قال الذهبي: كلام الأقران بعضهم في بعض لا يعبأ به ولا سيما إذا لاح لك أنه لعداوة، أو لمذهب أو لحسد، ماينجو منه إلا من عصمه الله وما علمت أنّ عصراً من الأعصار سلم أهله من ذلك سوى الأنبياء والصِّدِّيقين ولو سُئلت لسردت في ذلك كرارشى. انتهى في أحوال المذاهب: ذكروا أن مذهب أبي حنيفة [كان] أظهر المذاهب بالمغرب إلى أن حمل المعزّ الفاطمي الناس على مذهب مالك. وذكر في "طبقات الحنفية" أن القاضي أبا الفضل إسماعيل بن اليسع الكندي الكوفي (٤) من أصحاب أبي حنيفة، كان في المائة الثانية، ولي قضاء مصر بعد ابن لَهيعة، سنة أربع وستين ومائة أنه هو أول من أدخل مذهب أبي حنيفة بمصر وكانوا لا يعرفونه. وكان قد تعصب بعضُ أصحاب إمام على بعضٍ آخر كالخطيب البغدادي (٥)، وله هذيانات في حق الإمام أبي حنيفة

стр. 2286

وأصحابه في "تاريخ بغداد" حتى إن بعض الأفاضل صنّف في الردّ عليه كتاباً سمّاه "السّهم المصيب في كبد الخطيب" (١). وقال الشافعي: اللّيث بن سعد (٢)، أفقه من مالك (٣) إلا أن أصحابه لم يقوموا به. ذكره تقي الدين. وقال ياقوت في "معجم البلدان" (٤): اتفق أنني أجتزت بالرَّيِّ في سنة ٦١٧ فرأيت حيطان خرابها قائمة ومنابرها باقية فسألت رجلاً من عقلائها عن السبب فقال: أما السبب فضعيف ولكن الله إذا أراد أمراً بلغه. كان أهل البلد ثلاث طوائف: شافعية وهم الأقل وحنفية وهم الأكثر وشيعة وهم السواد الأعظم فوقعت العصبية بين السُّنَّة والشيعة فتضافر (٥) عليهم الحنفية والشافعية وتطاولت بينهم الحروب حتى لم يتركوا من الشيعة من يُعرف وكان نصف أهلها شيعة فلما أفنوهم وقعت العصبية بين الحنفية والشافعية ووقعت بينهم حروب، كان الظفر في جميعها للشافعية مع قلة عددهم وكان أهل الرُّستاق وهم حنفية يجيئون إلى البلد بالسلاح فلم يغنهم ذلك شيئاً حتى أفنوهم فهذه المحال الخراب التي ترى هي محال الشيعة والحنفية وبقيت محلة الشافعية وهي أصغر محال الرَّي. ولم يبق من الشيعة والحنفية إلا من يخفي مذهبه. انتهى. واعلم أن الأمة المحمدية في جميع بلاد الإسلام في أثناء القرن الثاني [كان] لا يخرج أحد منها إذا كان غير مجتهد عن أن يكون مقلدأ لأحد من المجتهدين في الفقه، والأئمة كلهم على هدي من الله تعالى خلافاً لمن حمله التعصب والجهل على القدح في بعضهم. وقد أفضى ببعض مقلديهم الهوى والحمية الجاهلية إلى ترجيح مذهب إمامه وإطلاق لسانه في غيره بغير أدب ولا خوف من الله فانتصر [على] بعض من خالفه وردَّ عليه وأطلق لسانه فيه وتعدّى إلى إمامه وزعم أن ذلك من باب المقابلة ولو عرض كلام كل منهما على إمامه الذي قلّده لَزَجَرَه وهجره وتبرأ منه وأيّ اختلاف وتفرق أشد من هذا! وقد قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (٦).

стр. 2287

واعلم ان اختلاف المذاهب في هذه الملّة رحمة كثيرة وله سِرٌّ لطيف مستنبط من حديث ورد فيه (١). وكان اختلاف الأمم السّالفة عذابا وهلاكاً فعرف أنه في هذه الملّة خصيصة فاضلة لها. ذكره بعض المنصفين ممن كَتَبَ المناقب. وروي أن أبا الحسن الأشعري (٢) كان قد أخذ عن الجُبّائي (٣) وتبعه في الاعتزال وأقام سنين إلى أن شرح الله صدره بإتباع الحقّ ثم رجع وصنّف كتباً على مذهب أهل السُّنة ودفعها إلى الناس (٤)، وكان صاحب نظر وإقدام، وكان الجُبَّائي صاحب قلم وتصنيف، إلا أنه لم يكن قوياً في المناظرة. قال أبو سهل الصعلوكي (٥): حضرنا مع أبي الحسن مجلس علويّ بالبصرة فناظر المعتزلة وكانوا كثيراً فأتى على الكل فهزمهم، كلما انقطع واحد تقارب الآخر حتى انقطعوا عن آخرهم فعدنا في المجلس الثاني فما عاد منهم أحد، فقال بين يدي العلوي: ياغلام أكتب على الباب فَرّوا. وقال الإمام أبو بكر الصيَّرفي (٦): كانت المعتزلة قد رفعوا رؤسهم حتى أظهر الله الأشعري، فحجرهم عن اجتماع اللمم. قال الأستاد أبو إسحق الإسفرايني (٧): كنت في جنب الشيخ أبي الحسن البَاهِلّي (٨) كقطرة في جنب البحر وسمعت البَاهلِيّ يقول: كنت في جنب الأشعري، كقطرة في جنب البحر. وقال القاضي أبو بكر (٩): أفضل أحوالي أن أفهم كلام أبي الحسن. وقيل: إنه سأل أبا علي الجُبّائي عن ثلاثة إخوة: مؤمن تقي، وكافر، وصبيّ، ماتوا، ماحالهم؟ قال: المؤمن في الجنّة والكافر في النّار والصغير من أهل السلامة. فقال: إن أراد الصغير أن يرقى إلى درجة التّقي

стр. 2288

هل يؤذن له؟ قال: لا، يقال له: إن أخاك إنما نال هذه الدرجة بطاعاته وليس لك مثلها. قال فإن قال: التقصير ليس مني، فلو أحييتني كنت أطعتك؟ قال يقول: كنت أعلم أنك لو بقيت لعصيت ولعوقبت فراعيت مصلحتك. قال: فلو قال الكافر: يا ربّ علمت حاله كما علمت حالي: فهلاّ راعيت مصلحتي مثله؟ فانقطع الجُبّائي. وكانت الحنفية غالب أهل دار السلام بغداد التي فاقت سائر البلاد، بل كادت تفوق ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ (١)، وقد كان بها من العلماء والزُّهَّاد والعُبَّاد والخلفاء والوزراء والمساجد والمدارس ما لا عينٌ رأت، ولا أُذنٌ سمعت. وقد ثبت عن ثقةٍ أنه رأى مجلدة احترق بعض أوراقها ومكتوب على ظهرها إن هذه المجلدة [هي] الخامسة والعشرون بعد المائة من فهرس كتب المستنصرية فإذا كان [هذا] مقدار فهرس الكتب التي في مدرسة واحدة، فكيف يكون مقدار الكتب التي في المدينة. وقد تواترت الأخبار بأن تلك المدينة وما فيها صار إلى حالة العدم (٢). وذكر بعض المؤرخين أنهم (٣) كانوا يحرقون الكتب ويغرقونها ويرمونها في الخنادق ويجعلونها كالجسور للمرور والعبور. وكان أيضاً منها بما وراء النهر ما لا يدخل تحت الحصر مما حال بيننا وبينه بُعْدُ المراحلِ وانقطاعِ القوافلِ وتداول الفتن، وضاعت الكتب واندرست الآثار ونُسيت الأخبار وأُصيب الإسلام وأهله فإنا لله وإنا إليه راجعون. وذكر السُّبكي (٤) في ترجمة أبي زُرعة محمد بن عثمان الثقفي، قاضي دمشق أنه هو الذي أدخل مذهب الشافعي إليها، وكان يهب لمن يحفظ "مختصر المزني" مائة دينار. وكان قبل ذلك على قضاء مصر لأحمد بن طولون (٥) وذُكِر أن الشافعية كان مدار أمرهم على إمامين من المتأخرين، وهما النَّووي (٦) والرافعي (٧)، حتى قال أبو أُمامة محمد بن علي ابن النَّقَّاش المصري (٨): الناس اليوم رافعية لا شافعية، ونووية لا نبوية كما في "نحاة السُّيوطي" (٩).

стр. 2289

وذكر في "الشقائق" (١) أن السيد الشريف بعدما قرأ "شرح المطالع" ست عشرة مرة، قال في نفسه: لا بد لي من أن أقرأه (٢) على مُصَنِّفه فذهب إليه [وهو بهراة] والتمس منه أن يقرأ عليه "شرح المطالع"، وكان الشارح عند ذلك شيخاً هرماً وقد بلغ مائة وعشرين وسقط حاجباه على عينيه من الكبر فرفع حاجبيه ونظر إليه فإذا هو في سنّ الشباب فقال: أنت شاب وأنا شيخ ضعيف لا أقدر [على] الدرس لك فاذهب إلى مبارك شاه وهو يقرئك كما سمع مني وهو مدرس بمصر، فذهب السيد من هَرَاة إلى مصر ومعه كتاب الشارح إليه فلما قرأ هو كتابه قَبَّله وقال: نعم إلا أنه ليس لك درس مستقل وليس لك قراءة (٣) ولا إذن لك في التكلم بل تقنع بمجرد السماع فرضي الشريف. وكان بيت مبارك شاه متصلاً بالمدرسة فخرج ليلةً إلى صحن المدرسة يدور فيها، إذ قد سمع في حجرة الشريف يقول: قال الشارح: كذا، وقال الأستاذ: كذا، وأنا أقول كذا، وقرر كلمات لطيفة أعجب بها (٤) مبارك شاه حتى رقص من شدة طربه فأذن للشريف أن يقرأ ويتكلم، وسَوَّد الشريف "حاشية شرح المطالع" هناك. فائدة: الحنفية يقولون في مسائل الخلاف: وهو قول عمر الصغير، يريدون به عمر بن عبد العزيز الخليفة. فائدة: ثلاثة إخوة ولدوا في سنة واحدة وقتلوا في سنة واحدة وأسنانهم اثنتان وأربعون سنة، هم: • يزيد (٥)، • وزياد (٦)، • ومدرك (٧)، بنو المُهَلَّب بن أبي صُفْرة. فائدة: الحَمَّادان: • حَمَّاد بن زيد بن درهم (٨)، • وحَمَّاد بن سلمة بن دينار (٩) وفَضْلُ بن سَلَمة على ابن زيد كفضل الدينار على الدرهم.

стр. 2290

والصَّاحبان [هما]: • أبو يوسف (١)، • ومحمد (٢). والعُمَرَان [هما]: • أبو بكر (٣)، • وعمر (٤) ﵃-ا، وقيل عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز (٥). والرَّبيعان [هما]: • الربيع بن سليمان المرادي (٦)، • والربيع بن سليمان المودِّب من أئمة مذهب الشافعي. وصاحباه السُّفيانان [هما]: • سفيان الثوري (٧)، • وسفيان بن عُيينة (٨). فائدة: بقية بن الوليد (٩) تكلّموا فيه (١٠)، وقد روى له مسلم (١١). وقال مسهر: بقية ليست أحاديثه نقية فكن منه على تقية. فائدة: مسدّد بن مُسَرْهَد بن مُسربل بن مغربل بن مُرعْبَل بن أَرندل بن برندل بن غَرَنْدل بن ماسك بن مُسْتَورد الأزدي (١٢) من شيوخ البخاري ومسلم. قال أحمد بن عبد الله: كان أبو نُعيم يسألني عنه فأخبره فيقول: يا أحمد هذه رُقْيَةُ العقرب (١٣).

стр. 2291

فائدة: كان الزَّين العراقي (١) والسِّرَاج البلقيني (٢) والسِّرَاج ابن المُلقّن (٣) أعجوبة العصر على رأس القرن الثامن، الأول في معرفة الحديث وفنونه، والثاني في التوسع في معرفة مذهب الشافعي، والثالث في كثرة التصانيف، وقدّر أن كل واحد من الثلاثة ولد قبل الآخر بسنة ومات قبله بسنة، فأولهم ابن الملّقن ولد سنة ئلاث وعشرين وسبعمائة ومات سنة أربع وثمانمائة. فائدة: ثلاثة من أهل البصرة من الأصحاب رزق كل منهم مائة ولد: • أنس بن مالك (٤)، • وأبو بَكْرَة نُفَيع بن الحارث (٥)، • وخليفة السعدي (٦)، وذكر ابن الجوزي: • جعفر بن سليمان الهاشمي، • وعبد الله بن عمير الليثي، • وعبد الرحمن بن يحيى بن خاقان. فائدة: قال ابن بُرْهَان في "الأوسط" (٧): اختلف أصحابنا وأصحاب أبي حنيفة في المزني وابن سُريج، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن، فقيل مجتهدون مطلقاً، وقيل في المذهبين. وقال إمام الحرمين: أرى لكل (٨) اختيار للمُزني تخريجاً. فإنه لا يخالف أصول الشافعي، لا كأبي يوسف ومحمد، فإنهما يخالفان صاحبهما. وقال الرافعي بـ"مفرداته": المُزني لا يعدّ من المذهب إن لم يخرجها على أصل الشافعي في الفقه والمذهب.

стр. 2292

وذكر ابن العديم (١) أن الإمام الكاشاني الحنفي لما قدم دمشق حضر إليه الفقهاء للكلام فقال: لا أتكلم في مسألة فيها خلاف أصحابنا، فعيَّنوا، ولما عيَّنوا جعل كلما ذكروا مسألة، يقول: ذهب إليها من أصحابنا فلان وفلان، فلم يزل كذلك حتى لم يجدوا مسألة فانفضَّ المجلس عَلى ذلك. وحُكي أن المولى خسرو (٢) كتب في تدريسه بمدرسة شاه ملك بأدرنة "حواشيه على المطول" واتفق أن جاء السيد أحمد القريمي (٣) وأرسل "حواشيه" إليه لينظر [فيها]، فكتب هو على حاشية تلك "الحواشي" كلمات يردُّ فيها على المولى خسرو، فصنع المولى خسرو طعاماً ودعا المولى القريمي إلى بيته للضيافة وجمع علماء بلده أيضاً ثم أحضر "حواشيه" وقرر كلمات القِريمي وقرر أجوبته عنه فسلَّم المولى القريمي أجوبته بمحضر من العلماء واعتذر عما فعله. وفي "الشقائق" أن المولى خواجه زاده (٤) تولى تدريس السلطانية مع الفتوى في آخر عمره، وكان لا يكتب إلاّ بعد النظر في الفتاوى، وإذا لم يجد مسألة في الفتاوى يسلك مسلك الرأي، وربما يظهر له وجوه ويرجح واحداً منها ثم وجد المسألة في بعض الكتب ووجد أنه قد ذهب -إلى كل ما لاح من الوجوه- واحد من الأئمة، ووجد ما رجّحه قد قيل فيه: وهو الأصح، وعليه الفتوى. ذكر المؤلّفُ [صاحب "الشقائق] عن والده أنه قال: هذه مرتبة عظيمة وسمعت منه أنه قال: وليس لي فضل على سائر العلماء إلاّ هذا. وذكر السخاوي في "الضوء" (٥) أن العلاّمة ابن الهمَام (٦) لما ولي تدريس الفقه بالقُبَّة المنصورية وهو أول ما ولّي من الوظائف الكبار، عمل أجلاساً بحضور أشياخه البساطي (٧) والبدر الأقصرائي، وقارئ الهداية (٨) وابن حجر (٩)، وخلائق وامتنع من الجلوس صدر المجلس أدباً بعد إلحاح الحاضرين عليه في ذلك، بل جلس مكان القارئ [و] تكلم فيه على

стр. 2293

قوله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ الآية (١)، وقال: الكلام على هذه الآية الكريمة كما يجيء لا كما يجب [و] أبان فيه عن يد طولى وتمكن زائد في العلوم، بحيث أَقَرَّ الحاضرون بسَعَة علمه وأذعنوا له، وبحث فيه مع صاحب "الهداية" وشرع ابن حجر يصف علمه وتفننه، فقال البساطي: دعوه يتكلم ونتلذّذ بمقاله فإنه يقول ما لا نظير له. انتهى. وذكر تقي الدين أن المجد عبد الرحمن بن عمر ابن الصاحب (٢) [كان] فائقاً في عصره. ولما بنى الملك الظاهر مدرسته بمصر رتّبوا مجد الدين لتدريس الحنفية، ولما حضر السلطان المدرسة كان هو بعد لم يأت، فطلبه السلطان فقيل: حتى يقضي ورد الضحى، وكان له أوراد لا يقطعها، ثم جاء وقد تكامل الناس، فقاموا كلهم له، ولم يقم في ذلك المجلس هو لأحد. ولما قدم على قضاء الشام، قدم بزيِّ الوزراء ولم يعبأ بالمنصب. وفي "طبقات النحاة" للسيوطي (٣) أن الشيخ أبا عمر محمد بن عبد الواحد الزاهد المعروف بغُلام ثعلب (٤) كان علاّمة في اللغة، ولسعَة حفظه نسب إلى الكذب. وكان يؤدّب ولد القاضي أبي عمر محمد بن يوسف، فأملى عليه يوماً نحو ثلاثين مسألة في اللغة، وذكر غريبها وختمها ببيتين من الشعر. وحضر ابن دُريد وابن الأنباري (٥) وابن مِقْسَم (٦) عند القاضي، فعرض عليهم تلك المسائل، فما عرفوا منها شيئاً، وأنكروا الشعر فقال لهم القاضي: ما تقولون فيها؟ فقال ابن الأنباري: أنا مشغول بتصنيف "مشكل القرآن" ولا أقول شيئاً. وقال ابن مِقْسَم: أنا مشغول بالقراءات. وقال ابن دُريد: هذه المسائل من مصنوعات أبي عمر، ولا أصل لها في اللغة. فبلغه ذلك، فاجتمع بالقاضي وسأله إحضار دواوين من الشعر أسماهم، فأحضر فلم يزل أبو عمر يخرج كل مسألة ويخرج لها شاهداً حتى استوفاها، وأظهر كتاباً كتب ثعلب على ظهره البيتين كما قال، فبلغ ابن دُريد ذلك، فما ذكره بلفظه حتى مات. ذكر السيوطي في "النحاة" أن المولى الفناري أَقرأ العضد نحو العشرين مرّة، يعني "شرح مختصر ابن الحاجب". وذكر ابن السُّبكي في "الكبرى" أن القاضي البَيْضَاوي لما صُرف عن قضاء شيراز ورحل إلى تبريز، صادف دخوله إليها مجلس درس قد عقد بها لبعض الفضلاء، فجلس في أخريات القوم بحيث لم يعلم به أحد، فذكر المدرِّس نكتةً زعم أن أحداً من الحاضرين لا يقدر على

стр. 2294

جوابها، وطلب من القوم حلها والجواب عنها، فإن لم يقدروا فالحلّ فقط، فإن لم يقدروا فإعادتها، فلما انتهى من ذكرها شرع البيضاوي في الجواب، فقال: لا أسمع حتى أعلم أنك فهمت، فخيره بين إعادتها بلفظها، أو معناها، فبهت المدرّس، وقال: أعدها بلفظها، فأعادها ثم حلّها، وبيَّن أن في ترتيبه إيَّاها خللاً، ثم أجاب عنها وقابلها في الحال بمثلها، ودعا المدرس إلى حلّها فتعذّر عليه ذلك، فأقامه الوزير من مجلسه وأدناه إلى جانبه وسأله، فأخبره أنه البيضاوي، وأنه جاء في تقرير القضاء، فأجاب وخلع عليه في يومه وردّه. انتهى. ذِكْرُ من كثرت تآليفه من المصنِّفين: ذكر ابن رجب (١) في ترجمة الشيخ تقي الدين ابن تيمية من "معجمه" (٢) أن تصانيفه تزيد على ستمائة مجلّد. وقال الذهبي: ومصنّفاته أكثر من مائتي مجلد بعضها تمَّ وبعضها لم يبيّض، استوعبها الصفدي في "الوافي بالوفيات" (٣). وذكر السيوطي في ترجمة الحسن [بن أحمد] بن عبد الله ابن البنَّا (٤) أنه صنّف في الفنون مائة وخمسين تصنيفاً (٥). ومنهم: • الشيخ محيي الدين ابن عَربي (٦)، • والإمام الغزالي، قيل إن له نحو خمسمائة مصنَّف (٧)، يروى أنه اجتمع في خزائن كتب الشيخ أبي إسحق الشِّيرازي (٨) نحو أربعمائة مؤلَّف من مؤلفات الغزالي. كذا في "مفتاح السعادة" (٩)، وقد وصلتُ إلى نحو مائة منها،

стр. 2295

• والإمام فخر الدين الرَّازي (١)، • والسِّراج أبو حفص عمر بن علي ابن المُلَقَّن (٢)، وكان يقول: إنها بلغت ثلاث مئة تصنيف (٣)، مائة منها "جمع الجوامع" وحده وهو في الفروع. قال ابن حجر: وكان يكتب في كل فن سواء أتقنه أم لم يتقنه. كذا في "ضوء السخاوي"، • والحافظ ابن حجر العسقلاني (٤)، • وجلال الدين السيوطي (٥)، • والشيخ عبد الوهاب الشعراني (٦)، • وأبو الفرج ابن الجوزي (٧)، • جابر بن حَيَّان الصوفي (٨) قال الجلدكي (٩) في "الشعر الثاني" من البرهان في "شرح السبعة" في شرح " [نهاية] الطلب في غاية الأرب" في ترجمة الحكيم الفاضل: وقد جمع عندنا من تصانيفه ثلاثة آلاف وثلاث وثلاثمائة كتاب (١٠)، وشمس الدين ابن كمال باشا (١١)،

стр. 2296

• ومحيي الدين محمد بن سليمان الكافيجي (١)، ذكر السخاوي في "الضوء" (٢) أن تصانيفه زادت على المائة وأكثرها صغير، • وابن شاهين المحدّث (٣)، ذكر الشعراني أنه صنَّف ثلثمائة وثلثين مؤلفا، منها "تفسير القرآن" في ألف مجلّد ومنها "المسند" في ألف وستمائة مجلّد (٤)، • ومجد الدين محمد الفيروزابادي (٥)، له في اللغة نحو خمسين مصنفاً، وفي غيرها إلى مائة تقريباً، • والشيخ أبو الحسن الأشعري (٦)، حكى السبكي والسيوطي أنه لما احترقت النظامية ببغداد حرق له "تفسير" فيها [يقع في] ستمائة مجلد، • والشيخ أبو يوسف عبد السلام بن محمد القزويني (٧) كان من عظماء المعتزلة، له "تفسير" في ثلثمائة مجلد، سبعة منها في الفاتحة، مات سنة ٤٨٥، • والشيخ تاج الدين علي بن أنجب ابن السَّاعي البغدادي (٨) المتوفى سنة ٦٧٤، أورد لها الكازروني في ترجمته ما يزيد على مائة وستين مصنفاً منها "شرح المقامات" خمسة وعشرون مجلداً و"التاريخ الكبير" يزيد على ثلاثين مجلداً، • وكان الشيخ جمال الدين محمد بن سليمان ابن النَّقيب المقدسي الحنفي (٩) المتوفى سنة ٦٩٨، جمع "تفسيراً" حافلاً، فيه خمسون مصنّفاً، وذكر فيه أسباب النزول والقراءات والإعراب واللغات والحقائق مع علم الباطن، قيل: إنه في ثمانين مجلداً، وقيل: في تسعة وتسعين، منه نسخة في "جامع الحاكم" بالقاهرة، • والشيخ علاء الدين مُغلْطَاي بن قليج (١٠)، قال تقي الدين: وتصانيفه أكثر من مائة،

стр. 2297

• والشيخ أبو الرِّيحان محمد بن أحمد البِيْزوني (١)، قال ياقوت: وتصانيفه في الرياضيات والحكمة والنجوم كثيرة تفوت الحصر، رأيت فهرسها في وقف الجامع بمرو في ستين ورقة بخط مكتز، • والشيخ العلاَّمة عز الدين محمد بن أبي بكر ابن جَمَاعة (٢) الجامع لأشتات العلوم. كان أعجوبة زمانه وليس له في التأليف حظّ مع كثرة مؤلفاته التي جاوزت الألف. كذا قاله السيوطي في "النحاة" (٣). ومنهم الشيخ الفقيه أبو محمد علي بن أحمد ابن حزم (٤) الذي ذكر القاضي صاعد عن ابنه الفضل أن مبلغ تواليفه في الفنون نحو أربعمائة مجلد (٥)، يشتمل على قريب من ثمانين ألف ورقة، قال: وهذا شيء ما علمناه لأحد ممن كان في دولة الإسلام قبله، إلا لأبي جعفر محمد بن جرير الطَّبري (٦) فإنه أكثر أهل الإسلام تصنيفا، ذكر أبو محمد الفَرْغَاني (٧) في "ذيل التاريخ" له أن قوماً من تلاميذ أبي جعفر حصّلوا (٨) أيام حياته مذ بلغ الحلم إلى أن توفي سنة ٣١٠، وهو ٨٦ سنة ثم قسموا عليها أوراق مصنَّفاته فصار منها لكل يوم أربع عشرة ورقة وهذا لا يتهيأ لمخلوق. كذا في "التعريف بطبقات الأمم". ومن الغرائب ما ذكره السخاوي في "الضوء اللامع" من أمر إسمعيل بن يحيى الشَّطرنجي (٩) وقال: ولّد في الشطرنج أشياء مستحسنة. ورأيت منه أمراً بديعاً غريباً وهو أنه إذا ذُكر له كلام يسابق لبيان عَدَّ حروفه عند تمامه فلا يخرم، وأمره في ذلك وراء العقل حتى في الكلام الكثير. ومن النَّوادر اللطيفة ورود أبي نصر الفارابي (١٠) إلى دمشق على سيف الدولة، وهو إذ ذاك سلطانها، قيل: إنه لما دخل عليه وهو بزيّ الأتراك -وكان ذلك زيّه دائماً- فوقف فقال له

стр. 2298

سيف الدولة: اجلس، فقال: حيث أنا أو حيث أنت؟ فقال: حيث أنت، فتخطى رقاب الناس حتى انتهى إلى مَسند سيف الدولة وزاحمه فيه حتى أخرجه عنه، وكان على رأس سيف الدولة مماليك، وله معهم لسان خاص يسارّهم (١) به، فقال لهم بذلك اللسان: هذا الشيخ قد أساء الأدب وإني مُسَائله عن أشياء إن لم يعرفها أخرقوا به، فقال له أبو نصر: أيها الأمير، اصبر فإن الأمور بعواقبها، فعجب سيف الدولة منه وعظم عنده وأخذ يتكلم مع العلماء الحاضرين في كل فَنٍّ، فلا يزال كلامه يعلو وكلامهم يسفل، حتى صمت الكُلُّ وبقي يتكلم وحده ثم أخذوا يكتبون ما يقوله، فصرفهم سيف الدولة وخلا به فقال له: هل لك في أن تأكل؟ فقال: لا، فقال: فهل لك في أن تشرب (٢)، فقال: لا فقال: فهل (٣) تسمع؟ قال: نعم فأمر سيف الدولة بإحضار القِيَان فحضر كل ماهر في الصنعة بأنواع الملاهي، فخطَّأ الجميع، فقال [له] سيف الدولة: وهل تحسن [في] هذه الصنعة؟ فقال: نعم، ثم أخرج من وسطه خريطة ففتحها وأخرج منها عيداناً وركّبها ثم لعب بها فضحك [منها كل] من في المجلس، ثم فكّها وركّبها تركيباً آخر وضرب بها، فبكى كل من [كان] في المجلس، ثم فكها وغَيَّر تركيبها وحركها، فنام كل من [كان] في المجلس، حتى البَوَّاب فتركهم نياماً وخرج. وفي "طبقات النحاة" (٤) أن أبا بكر محمد بن علي الشهير بمبرمان (٥) النحوي كان ضنيناً بالأخذ عنه لا يقرئ "كتاب سيبويه" إلا بمائة دينار فقصده أبو هاشم الجُبَّائي فقال له: قد عرفت الرسم؟ فقال: نعم، لكن أسألك النَّظرة، وأحمل إليك شيئاً يساوي أضعاف المئة فتدعه عندك إلى أن يجيئني مال لي ببغداد، فأحمل إليك ما تريد واسترجع ما عندك، فتمنّع قليلاً ثم أجابه فمضى أبو هاشم إلى زِنْفِيلَجَةٍ (٦) حسنةٍ محلاّة فملأها حجارة وقفلها وختمها وحملها حتى وضعها بين يديه. فلما رأى منظرها وثقلها لم يشك في حقيقة ما ذكره، فوضعها [عنده] وأخذ عليه فما مضى مدة حتى ختم الكتاب فقال له: أحمل مالي قِبَلك فقال: أنفِذ معي غلامك حتى أدفع إليه فأنفذه [معه] فجاء إلى منزله وكتب إليه رقعةً فِيها: قد تعذَّر عليَّ حضوُر المال وقد أَبَحْتُكَ (٧) التصرف في الزِّنفِيلجة وهذا خطِّي حُجَّة بذلك وخرج أبو هاشم

стр. 2299

لوقته إلى البصرة فلما وقف مَبْرمان على الرُّقعة، استدعي بها، ففتحها فإذا فيها حجارة فقال: لاَحَيَّاهُ الله، احتال عليّ بما لم يتم لغيره قطّ. وحكى غُنْجَار (١) في "تاريخ بخاري" قال: كان يحيى بن عبد الغفار الكَشِّي مريضاً، فعاده عبد بن حُميد (٢) فقال: لا أبقاني الله بعدك فماتا جميعاً، مات يحيى وعبد في اليوم الثاني فجأة، ورفعت جنازتهما في يوم واحد. ذِكْرُ المعمرين من الحفاظ ذكروا أن أبا طاهر السِّلَفي (٣)، لما مات سنة ٥٧٦ وقد جاوز المائة، قرئ عليه تلك الليلة الحديث إلى أن غربت الشمس وهو يرد على القارئ التصحيف الخفي وحدَّثَ وهو ابن سبع عشرة سنة وقد مكث نيفاً وثمانين سنة يُسْمَعُ عليه وهذه مَزيَّةٌ ما حصلت لأحد. قالوا أربعة من الحُفَّاظ تعاصروا، قال: • أبو الفضل محمد بن طاهر الدارقطني (٤) ببغداد، • وعبد الغني (٥) بمصر، • وأبو عبد الله بن مَنْدَة (٦) بأصبهان، • وأبو عبد الله الحاكم (٧) بنيسابور، أما الدارقطني فأعلمهم بالعلل، وأما عبد الغني فأعلمهم بالأنساب وأما ابن مَنْدَة فأكثرهم حديثاً، مع معرفة تامة. وأما الحاكم فأحسنهم تصنيفاً. وأربعة آخرون متقاربون: • أبو القاسم علي بن عساكر (٨) بالشام، • والسِّلَفي (٩) بالإسكندرية،

стр. 2300

• وابن ناصر (١) ببغداد، • وأبو العلاء العطّار (٢) بهمدان. وأما ابن السَّمْعَاني (٣) ففي مرو من بلاد خراسان. ذكره السبكي في ترجمة ابن عساكر. أذكياء الشبان والمشايخ ومناقبهم: ذكر صاحب "الشقائق" في ترجمة خضر بك (٤) أنه جاء من بلاد العرب في أوائل عصر السلطان محمد خان الفاتح رجلٌ كثير الاطلاع على العلوم الغريبة، واجتمع مع علماء الروم عنده فسألهم عن مسائل من العلوم الغريبة التي لم يكن لهم اطلاع عليها. فانقطع [الكُلّ] وعجزوا عن الجواب واضطرب السلطان محمد خان اضطراباً شديداً وحصل له عار عظيم فطلب رجلاً (٥) من أهل العلم له اطلاع على العلوم الغريبة فذُكر (٦) عنده خضر بك- وكان شاباً سِنّه في عشر الثلاثين، وكان زيّه على زيّ العسكر فأحضروه عند السلطان مع الرجل المذكور فضحك الرجل مستحقراً له لشبابه وزيّه، وقال المولى خضر بك: هات ما عندك فأورد الرجل عليه أسئلةً من علوم شتى. وكان المذكور عارفاً بجميعها فأجاب عن أسئلته بأحسن الأجوبة ثم سأله عن مسائل في ستة عشر فَنَّاً، لم يطلع عليه ذلك الرجل حتى انقطع الرجل وأُفحم. فطرب لذلك السلطان محمد خان حتى قام وقعد لشدّة طربه وأثنى على المولى المذكور ثناءً جميلاً. انتهى. قيل [إن] الرجل [هو] عبد الرحمن البِسطامي (٧)، وإن القصة وقعت في زمن السلطان مراد خان. وذكر تقي الدين في ترجمة الصَّاحب (٨) أن المنازي الشاعر المشهور قدم يوماً على أبي العلاء المَعَرِّي (٩)، قائد زمام البلاغة بالشام فوجده جالساً والناس يقرؤون عليه فأنشده أحد [هذين] المقطوعين له فقال له وهو لا يعرفه: أنت أشعر من بالشام ثم مضى على ذلك عدة سنوات فيما يقال ثم اجتمع به في العراق وهو متصدّر في الجامع للإقراء فأنشده المقطوع

стр. 2301

الآخر فلما فرغ [من إنشاده] قال له: ومن بالعراق، وعَدَّت هذه من فضائل أبي العلاء ومن أكبر الدلائل على قوة حفظه وفهمه حيث عطف جملةً على جملةٍ تخلّل بينهما [فيما يقال] عدة سنوات وهو لا ينظر قائلهما ولا يعرفه بالأخبار بل عرف أن قائل [الشِّعر] الأول هو قائل الثاني بقوة الذكاء. وولي يحيى بن أكثم (١) قضاء البصرة وهو شاب لإحدى وعشرين سنة فاستزرى به مشايخ البصرة واستصغروه فقالوا: كم سِنُ القاضي، فقال: سن عَتَّاب بن أسيد (٢) حين ولاه رسول الله ﷺ على مكّة. وفي رواية قال: أنا أكبر من عَتَّاب بن أُسيد الذي وجَّه به النبي ﵇ قاضياً على أهل مكة يوم الفتح، وأنا اكبر من معاذ بن جبل (٣) الذي وجَّه به النبي ﵇ قاضياً على أهل اليمن، وأنا أكبر من كعب بن سُورٍ (٤) الذي وجَّه به عمر بن الخطاب ﵁ قاضياً على أهل البصرة. ذكر من كان محققاً في الأدب مع فضله في علوم الأوائل: ذكر الشيخ أبو حَيَّان التّوحيدي (٥) في كتاب "تقريظ الجاحظ" عن السِّيرافي أنه قال: والذي اعتقده في جميع من تقدم وتأخر لو أجمع الثقلان على مدح الجاحظ (٦) وأبي حنيفة الدينوري (٧) وأبي زيد أحمد بن سهل البلخي (٨) ونشر فضائلهم وعلمهم ومصنَّفاتهم مدى الدنيا، لما ألَّفوا آخر ما يستحقه كل واحد منهم. وأما أبو زيد، فإنه لم يتقدم له شبيه ولا يُظَنُّ أنه يوجد له نظير في مستأنف الدَّهر، ومن تصفح كلامه علم أنه خزانة بحر العلوم وأنه حبر جمع بين الحكمة والشريعة. لطائف العلماء: ذكر في "هامش الشقائق" بخط المولى لطفي بكزاده، أن المولى خضر بك وهو خضر بك بن جلال بن نصر الدين (٩) كان من أحفاد خواجه نصر الدين (١٠)، ولذلك ينسب إلى البلاهة كجدّه. [و] روي أن السلطان محمد خان ذهب إلى بعض أسفاره وخرج المولى المذكور معه لإرساله ولزمه .... فنزل عن فرسه ولم يوجد عنده من يخدمه فربطه

стр. 2302

بطبل وضعه صاحبه وذهب فتحرك من حركة الفرس فنفر الفرس عنه وفرّ فحصل صوت عظيم حتى التفت السلطان إليه وضحك. وله قصيدة مطلعها: لقد زاد الهوى في البعد بيني. أرسلها إلى السلطان محمد خان فعرضها على المولى الكوراني فاعترض عليه بأن (زاد) لازم لا يتعدّى فأمره السلطان أن يكتب على ظهر القصيدة وأرسله إليه طالباً للجواب فكتب تحت الاعتراض مجيباً قوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ (١). ولما سمع [ذلك] تلميذه المولى محمد بن الحاج حسن قال: لو كتبتم قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ (٢) لكان حسناً أيضاً فاستحسنه. ونقل في هامش "الشقائق" أن المولى حاج حسن زاده قد مرض فجيئ بطبيب وفتش (٣) عن سِنِّه، فقال: أنا في سنِّ الستين لكن اصْنَعْ دواء التسعين للاحتياط فضحك الحاضرون. وفي "الشقائق" أن المولى أم ولد (٤) كان رجلاً صالحاً سليم الفطرة لا يهتدي إلى مدرسته بلا دليل. نقل المصنف عن والده أنه قال: كنا نقرأ يوما عند المولى علاء الدين العربي في إحدى الثمان فقام المولى في أثناء الدرس فنظرنا فإذا المولى المذكور قد دخل موضع الدرس، ولما عرف أنه غَيّر مدرسته رجع فضحك المولى العربي (٥) وقال: لم يوجد دليل المولى عنده، فاشتبهت عليه مدرسته. روي أن السلطان محمد خان خرج من قسطنطينية لأجل الجهاد والعلماء معه والطبول تضرب خلفه. قال بعض العلماء: مالحكمة في أمر المؤمنين بالإيمان في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (٦) فقال السلطان محمد خان للمولى المذكور: أيها العجمي بَيِّن الحكمة فيه. قال: يجيب عنها هذه الطُّبول. فقال: ما هو؟ قال: الطبول تقول: دم دم، والمراد بقوله تعالى: ﴿آمَنُوا﴾ دوموا على الإيمان فأُعجب السلطان محمد خان بهذا الكلام.

стр. 2303

وفيه أن السلطان الفاتح أمر المدرّسين بالثمان أن يجمعوا بين الكتب الستة من علم اللغة كـ"الصحاح" (١) و"التكملة" (٢) وأمثال ذلك. وكان في ذلك العصر مولى يسمى بشجاع وملقب بأُوصلي (٣)، وهي كلمة رومية ومعناها الحمار الضخم فاجتمع مع المولى لطفي في الحمام فقال له: كيف حالك مع اللغة؟ قال: أضع علامة الشك في كل سطر. فقال المولى لطفي: أنت أَشَكُّ مني وأراد معناه بالتركية (٤)، وله رسالة لطيفة في شأن المولى أوصلي جمع فيها جميع ما يتعلق بالحمار من ضروب الأمثال وغيره بمناسبة اقتضاء الكلام. من نوادر المضحكات: وذكر في هامش "الشقائق" أن المولى ركن الدين ابن زيرك قال في مجلس: ما ارتشيت في مدة قضائي وما كذبت مدة عمري وما عملت عمل قوم لوط فلما سمع ذلك منه وعنده شاب أمرد من غِلمانه، تَبَسَّمَ الشاب وضحك من حضر في مجلسه. وفي "الضوء اللامع" للسخاوي في ترجمة الشيخ سراج الدين عمر بن علي الشهير بقارئ الهداية (٥) أنه كان كثيراً [ما] يتوضأ على الفسقية بالبرقوقية ويضع عمامته إلى جانبه ليمسح على جميع رأسه خروجاً من الخلاف وربما نسي عمامته ويصلي بدونها وربما ذهب بدونها حتى تحمل إليه. انتهى. وذكر النواجي (٦) في "الغيث المنهمر" (٧) أنه رأى شخصاً من أعيان القضاة الشافعية بالدِّيار المصرية أراق دماً بجبل عرفات فقال له: ما هذا؟ فقال: دم تمتع. فقال له: إنه غير مجزئ هنا. قال: ولم؟ قال: لأنه شَرْطُه أن يُذبح في الحرم. فقال-كالمنكر عليه هذا المكان العظيم ليس من الحرم؟ قال: نعم ولا يقدح هذا في شرفه. فقال: إذا لم تكن عرفات من الحرم فما بقي في الدنيا حرم. انتهى. ونحو هذا القاضي قاض آخر تأخر عنه كان يقصر المغرب، وروجع في ذلك فلم يرجع وأصرّ عليه.

стр. 2304

وفي "طبقات تقي الدين" قال أبو زكريا الخطيب التبريزي (١): كنا نقرأ اللغة على الحسن بن الدهَّان (٢) يوماً وليس عليه سراويل وكان شديد الفقر، سيئ الحال، فانكشفت عورته، فقال له بعض من كان يقرأ عليه مُعَيباً: أيها الشيخ قُمُدَّك (٣)، فتجمع ثم انكشف ثانياً فقال له ذلك الرجل: غُرْمُولَك (٤)، فتجمع ثانياً ثم انكشف ثالثة، فقال أيضاً: [يا أيها الشيخ] عُجَارِمَك (٥) فخجل الشيخ، وقال له: أيها المدبّر، ما تعلمتَ من اللغة إلا أسماء هذا المُزْدَرِبك (٦). انتهى. ومنه في ترجمة القاضي أبي القاسم علي بن محمد التَّنُوخي (٧) يحكى أَنَّه كان من جملة القضاة الذين ينادمون الوزير المُهَلّبي ويجتمعون عنده في الأسبوع ليلتين على اطِّراح الحشمة والتبسط في الخلاعة، وهم: ابن قريعة (٨) وابن معروف (٩) والقاضي الكرخي (١٠)، [و] ما منهم إلا أبيض اللحية طويلها. وكذلك كان المهلّبي فإذا تكامل الأُنس وطاب المجلس وأخذ الطرب منهم مأخذه، وَهَبُوا أثواب الوقار للعُقَار (١١) وتقلبوا في أعطاف العيش بين الخفة والطّيش ووضع في يد كل منهم طاسُ من ذهب [فيه ألف مثقال] مملوءاً شراباً [قطربلياً (١٢) أوعكبرياً] فيغمس لحيته فيه بل ينقعها حتى تتشرب أكثره ثم يرش بها بعضهم بعضاً ويرقصون بأجمعهم.

стр. 2305

وعليهم المصبغات ومخانق البرم ويقولون كلما يكثر شربهم: هزهز وإيَّاهم عني السَّرِيّ (١) بقوله: مجالس ترقص القُضاة بها ... إذا انتشوا في مخانق البرمِ وصاحب يخلط المجون لنا ... بشيمة حلوة من الشِّيمِ يخضب بالرَّاح شَيبه عبثاً ... أنامل مثل حمرة العَلَمِ حتى تخال العيون شَيْبَتُه ... بشيبة عثمان ضُرِّجَتْ بدمِ فإذا أصبحوا عادوا لعادتهم في التّرهب والتَّوقر والتحفظ لأبهة القضاء وحشمة المشايخ الكبراء. ذكره الثعالبي في "اليتيمة" (٢). وقد أساء السَّري الرَّفاء في تشبيهه. وفي ترجمة الشرف عوض بن نصر الصُّوفي (٣) نقلاً عن ابن حجر أنه حصل منه يوماً غفلة فقال لبعض الطلبة: لأي معنى قال الزّمخشري في أوّل "المفَصَّل" (٤) الله أحمد وما قال إبراهيم أو موسى فضبطوها عليه، وعمد بعضهم إلى أسئلة من "المفَصَّل" مثل قوله: لمَ قال باب الموصول ولم يقل باب السّبابة ولم قال باب العَلَم ولم يقل باب الصنجق فشرع في تعليل ذلك جميعه فقال: لأن الموصول أسمي وحرفي فهو قسمان، والموصول قطعتان موصولتان وليست السّبابة كذلك. وقال له بعض الطلبة: أنت فيك عيب لأنه ما في القرآن على وزن اسمك ولا تسمى به أحد من أهل العلم فشرع يتتبع "الأجزاء" و"المعاجم"و"المشيخات" و"التواريخ" إلى أن جمع جزءًا سماه "شفاء المرض فيمن يسمى بعوض" وذكر في الخطبة أن في القرآن على وزن اسمه عنب. انتهى. وذكر من نوادر المضحكات أيضاً في ترجمة الحافظ محمد بن زرزور (٥) أنه كان يحضر مناظرات الفقهاء فيكرمونه لكثرة حفظه فحضر يوماً جنازة وحضرها أبو المِنْهَال (٦)، وكان عظيم الجاه، رفيع القدر، فساله عن مسألة فأخطأ، ثم ثانية ثم ثالثة فقام ابن زرزور قائماً على قدميه ثم كَبَّر وصلى عليه كما يصلي على الموتى وقال: أنت أولى بأيُصلى عليك من هذا الميت. وقيل: إنه فعل ذلك بالقاضي سليمان بن عمران.

стр. 2306

وذكر تقي الدين في ترجمة القاضي أبي غانم محمد بن هبة الله ابن العَديم الحلبي (١) وكان أيضاً خطيباً بها وكان يوماً قد صلى بالجامع وخلع نعليه قريب المنبر وكانا جديدين. فلما قضى الصلاة وقام، وجد نعليه العتيقين مكانهما فسأل غلامه عن ذلك فقال: جاء إلينا واحد الساعة وطرق الباب وقال: يقول لكم القاضي: أنفذوا مداسه العتيق إليه فقد سُرق مداسه الجديد فضحك وقال: جزاه الله خيراً فيما فعله، فإنه أخ شفيق وهو في حِلٍّ منه. وفي ترجمة أبي حاتم سهل بن محمد السِّجِسْتَاني (٢) أنه دخل بغداد فَسُئِلَ عن قوله تعالى ﴿قُوا أَنْفُسَكُم﴾ (٣) ما يقال للواحد منه؟ فقال: ق، قال: فالاثنين قال: قيا. قال: فالجمع؟ قال: قو، قال: فاجمع لي الثلاثة، قال: قي، قيا، قوا. قال: وفي ناحية المسجد رجل جالس معه قماش، فقال لواحد: احتفظ بثيابي حتى أجيئ ومضى إلى صاحب الشرطة وقال: إني ظفرت بقوم زنادقة يقولون: القرآن على صياح الدِّيك، فما شعرنا حتى هجم علينا الأعوان والشرطة فأخذونا وأحضرونا مجلس صاحب الشرطة فسألنا فتقدمت إليه وأعلمته بالخبر وقد اجتمع خلق ينظرون ما يكون فَعَنَّفني وعذلني وقال: مثلك يُطلق لسانه عند العامة بمثل هذا وعمد إلى أصحابي فضربهم عشرة عشرة وقال: لا تعود إلى مثل هذا فعاد أبو حاتم إلى البصرة سريعاً ولم يقم ببغداد. ذكره السيوطي في "طبقات النحاهم" (٤). زهد العلماء: نُقل أن الشيخ أبا إسحق الشيرازي (٥) قد استقرَّ إجماع أهل بغداد بعد موت الخليفة (٦) سنة ٤٦٧ على أن يعقد الخلافة من اختاره الشيخ فاختار المقتدي (٧) فصعد المنبر وعقد فقال الخليفة: هل لك من حاجة؟ قال نعم، بلغني أن النبيَّ ﵇ قال: "ما من خليفة إلاّ وله دعوة مُجابة" (٨) وأريد أن تدعو لي فدعا له وأمن الحاضرون فقام وذهب ولم يقبل شيئاً من الدنيا.

стр. 2307

وذكر في "الشقائق" أن المولى خضر شاه المنتشوي (١) لما قدم من مصر جعله السلطان مراد خان مدرساً بمدرسة بلاط وعيّن له كل يوم خمسين درهماً فلم يقبل وقال: وزعت خمسة عشر درهماً لمصارفي فإذا زاد عليها يُشَوِّش [وقتي]. وذكر أيضاً أن المولى فخر الدين العَجَمي (٢) صار مفتياً في زمن السلطان مراد خان، وهو أول مفتٍ في الدولة العثمانية، وعُيِّن له كل يوم ثلاثون درهماً. وأراد السلطان أن يزاد عليها فلم يقبل وقال: حقي في بيت المال ما يقوم بكفايتي ولا تحل الزيادة عليه. وأن المولى شمس الدين محمد الفَنَاري (٣) كان مدرساً ببروسا وقاضياً ومفتياً بها وكان صاحب ثروة عظيمة وشوكة. وكان إذا خرج إلى الجامع يوم الجمعة يزدحم الناس على بابه بحيث يمتلئ ما بين بيته وبين الجامع. وكان له من العَبيد والجواري [ما] لا يحصون كثرة ومع هذا كان يلبس ثياباً دنيّة. وكان على رأسه عمامة صغيرة على زيّ المشايخ الصوفيين. وكان يتعلل في ذلك ويقول: إن ثيابي وطعامي من كسب يدي ولا يفي كسبي بأحسن من ذلك. وكان يعمل صنعة القَزَّازية. ذكره صاحب "الشقائق" (٤). وقال في ترجمة المولى خسرو (٥): إنه كان يلبس الثياب الدّنية وعلى رأسه تاج عليه عمامة صغيرة فإذا دخل يوم الجمعة جامع آياصوفية يقوم له من في الجامع كلهم ويطرّقون له إلى المحراب والسلطان محمد خان ينظر من مكانه ويفتخر به ويقول لوزرائه: انظروا هذا أبو حنيفة زمانه. وكان متواضعاً ساكناً وقوراً وكان يخدم في بيت مطالعته بنفسه. وقد كان عهد كذلك مع ما له من العبيد والجواري. وذكر لطفي بكزاده في هامش ترجمة المولى شيخ الإسلام حميد الدين بن أفضل الدين الحسيني (٦)، أنه كان يلبس العباء الأبيض في أكثر الأوقات ويصلي على حصير، قال: حدثني ثقةٌ أنه رآه يصلي الجمعة في جامع السلطان محمد خان على سجادة صغيرة من حصير. وفي ظهره عباء وعلى رأسه عمامة صغيرة لكن الناس لا يأتون بمكان قريب منه لتعظيمهم إيَّاه.

стр. 2308

وفي "طبقات الحنفية" أن أسد بن نوح كان شجاعاً عاقلاً وكان يتولى الخطبة بنفسه. وسأل عن علماء بلخ فَذكر له خلف بن أيوب (١) ووصفوا له زهده وعلمه فركب إلى ناحيته فلما رآه ترجل وقصده فقعد خلف وغطى وجهه فسلّم عليه فأجاب ولم يرفع رأسه، فرفع الأمير أسد رأسه إلى السماء وقال: اللهم إن هذا العبد الصالح يبغضنا فيك ونحن نحبه فيك فركب ومرّ فأخبر بعد ذلك أن خلفاً مرض فعاده فقال: هل لك من حاجة؟ قال: نعم، حاجتي أن لا تعود إليَّ وإِن مت فلا تصلِّ عليَّ وعليك السواد، لإن السواد فيهم كان شعاراً لآل عباس، فلما توفي شهد أسد جنازته راجلاً ثم نزع السواد وصلى عليه فسمع صوتاً بالليل: بتواضعك وإجلالك لخلف ثبتت الدولة في عقبك. وفي "عيون الأنباء" قال جالينوس: إن بقراط لم يجب أحد ملوك الفرس العظيم وهو أردشير، جد دارا فإنه عرض في أيامهم وباء فوجه إلى عامله بمدينة فاوان أن يحمل إلى بقراط مائة قنطار ذهب وتحمله بكرامة عظيمة وإجلال وأن يكون هذا المال تقدمة له ويضمن له إقطاعا بمثلها. وكتب إلى ملك اليونان يستعين به على إخراجه إليه وضمن له مهادنة سبع سنين فلم يجب بقراط إلى الخروج عن بلده إلى الفرس فلما ألح عليه ملك اليونان قال له: لست أبذل الفضيلة بالمال. وكان الشيخ سراج الدين عمر المعروف بقارئ الهداية (٢) يتناول ما يحتاج إليه ويحمله من السوق ومع ذلك لا يزداد إلاّ وقاراً. ولما ولي تدريس الشيخونية أراد أن يتوجه إليها من مسكنه ماشياً فبادر الأشرف وأرسل إليه فرساً وألزمه ركوبها ففعل، لكن أخذ بيده عصا يسوقها بها وكان ينزل عنها برجليه معاً كالحمل وكان يتوضأ من فسقية البرقوقية ويضع عمامته إلى جانبه ليمسح على جميع رأسه خروجاً من الخلاف وربما نسيها وتركها ويصلِّي بلا عمامة، وربما يجيء بعض أصحابه فيأخذها ويلحقه إلى منزله. ذكره تقي الدين نقلاً عن "الضوء اللامع" (٣). ذكر تقي الدين في ترجمة المولى علي بن أمر الله، أنه لما تولى قضاء العسكر بأناطولي وكان لا يقدر على المشي إلا بعسر زائد فقال الوزير محمد باشا للسلطان: إنه لا يقدر على المشي وأراد أن يصرف الأمر عنه إلى غيره لأنه كان منحرفاً عنه، فلم يقبل السلطان قوله، وقال: إن لم يقدر يكتب ما يحتاج إليه من العرض ويدفعه إلى رفيقه قاضي العسكر التالي

стр. 2309

ليعرضه علينا وأذن له في دخول دار السلطنة راكباً وأنه ينزل قريباً من المحل الذي ينزل فيه السلطان ولا ينزل فيه أحد غيره لا وزير ولا صغير وكبير، غير أن المولى المذكور امتنع تواضعاً منه واحترازاً عن الحسد وأقام مدة يسيرة وسافر مع السلطان إلى أدرنة واشتدَّ عليه مرض رجليه فوصف له بعض الأطباء أنه يدهن رجليه بدهن النفط ففعل فما مضى له إلا ساعة حتى سرت حرارته إلى قلبه وانتقل إلى رحمة الله. وفي "طبقات النحاة" أن الشيخ أبا الرِّيحان البيروني (١) لما صنَّف "القانون المسعودي" أجازه السلطان بِحِمْلِ فيلٍ فضة فرده بعذر الاستغناء عنه. انتهى. فضل الملوك والوزراء: كان الوزير إسمعيل بن عَبًّاد (٢) قد سمع الحديث من المشايخ الجياد عوالي الإسناد وعقد له مجلس الإملاء فاحتفل الناس بحضوره فلما خرج إليهم (٣) بزيِّ الفقهاء، أشهد على نفسه بالتوبة والإنابة مما يعانيه من أمور الوزارة وذكر أنه إنما يأكل من حين نشأ إلى يومه من أموال أبيه وجده فاستملى عليه جماعة لكثرة مجلسه بحيث كان له ستة مستملين وكان من جملة من يكتب عنه القاضي عبد الجبار الهمداني (٤) وأضرابه من رؤس الفضلاء. روي أن أمير البصرة محمد بن سليمان (٥) أرسل إلى حَمَّاد بن سَلَمة (٦) رسولاً مع كتاب فيه: أما بعد: فَصَبَّحكَ الله بما صَبَّح به أَوْلِياءه. وقعت مسألة فأتنا نسألك عنها والسلام. فكتب حَمَّاد، أما بعد: فإنا أدركنا العلماء وهم لا يأتون أحداً فإن وقعت مسألة فأتنا وسل عما بدا لك وإن أتيتني فلا تأتني إلا وحدك ولا تأتني بخيلك وَرَجْلِكَ والسلام. فلما وصل كتابه إليه امتثل ودخل [وحده، فسلَّم] وجلس بين يديه وهو جالس على حصير في بيته ليس غيره وغير الجِرَاب (٧) والمَطْهَرة والمُصْحَف. ثم ابتدأ وقال: مالي إذا نظرت [إليك] امتلأت رُعباً؟ فقال

стр. 2310

[له] حَمَّاد: ثبت عن النبي ﵇[أنه] قال: "إن العَالِم إذا أراد بعلمه وجه الله تعالى هابه كل شيئٍ وإذا أراد أن يكنز به الكنوز، هاب من كل شيئ" (١)، ثم سأل ما سأل (٢). ذكره صاحب "نوادر الأخبار". رغبة الملوك للعلم ترغيباً: ذكر ابن خلِّكان (٣) أن الملك المعظم عيسى قد شرط لكل من يحفظ المُفَصَّل (٤) مائة دينار وخِلْعَة، فحفظه لهذا السبب جماعة (٥). وكان أمر الفقهاء أن يجرّدوا له مذهب أبي حنيفة دون صاحبه فجردوه (٦) له في عشرة مجلدات وسماه "التذكره" (٧) وكان لا يفارقه سفراً ولا حضراً ويديم مطالعته. ومن ذلك ما نُقل عن الملك الأشرف إسمعيل بن العباس، صاحب اليمن (٨)، من بني رسول، المتوفى سنة ٨٠٣، وكان عالماً فاضلاً له "تاريخ اليمن " أن القاضي جمال الدين الرِّيمي (٩)، حمل إليه تأليفه المسمى بـ"التفقيه في شرح التنبيه" (١٠) في أربعة وعشرين مجلداً

стр. 2311

بالدُّفِّ والطبلخانات (١) وسارت بين يديه القُضاة والعُلماء وأجازه السلطان عليها اثني عشر ألف دينار وقد ذكره في "تاريخه" كما مَرَّ في ترجمته. ولما مات جمال الدين استقرَّ مكانه صاحب "القاموس" (٢) وأَلَّف له أيضاً كتابأ وأهداه إليه بالطبق فردَّ الطبق مملوءًا بالذهب. وحكى في "الشقائق" (٣) أن السلطان محمد خان لما بنى المدارس الثمانِ وعين واحدةً منها لعلي الطُّوسي وفي بعض الأيام أتى تلك المدرسة وأمر بعض الطلبة أن يُحضر المولى الطُّوسي فحضر فأمره بأن يدرس عنده، وأن يجلس في مكانه المعتاد، فجلس المولى وجلس السلطان محمد خان في ضلعه الأيمن، والوزير محمود باشا معه، فأحضر الطلبة فقرأوا عليه "حواشي شرح العضد" للسيد الشريف فانبسط المولى لحضور السلطان في مجلسه وحَلّ من المشكلات والدقائق ما لا يحصى ونشر من العلوم والمعارف ما لم تسمعه الآذان فطرب السلطان محمد خان حتى يروى أنه قام وقعد من شدة طربه فأمر للمولى المذكور عشرة آلاف درهم وخِلْعَةً سَنية وأعطى كُلاً من طلبته خمسمائة درهم. [و] روي أن المولى القسطلاني كان من الطلبة الحاضرين عنده فأعجبه السلطان وأمر بكونه ملازماً. [و] يروى أنه كتب ملازمته بيده وكان المولى المذكور يفتخر به على أقرانه ثم إن السلطان ذهب والمولى الطُّوسي معه إلى مدرسة المولى عبد الكريم ولم يتجاسر هو أن يدرس عند المولى المذكور فعابه السلطان على ذلك ثم إنه مَرَّ في بعض الأيام على مدرسة المولى خواجه زاده (٤) فتهيأ هو للدرس فسلم عليه السلطان ولم يدخل المدرسة وأوصاه بالاشتغال وذهب وكان دأبه أن يتحمل استغناء العلماء ولم يتوقع منهم شيئاً من التعظيم والتلطيف بحيث كانوا يتكلمون في مجلسه ما لا يمكن تفوهه. ولما جلس السلطان بايزيد وضع مجلساً لمباحثة العلماء و [لما] شرعوا في المباحثة صدر منهم كلمات غير مرضية فتكدر خاطره ولم يلتفت إلى وضع مجلس العلم بعده، فاستمر الأمر [على ما كان] عليه. روي أن المولى خطيب زاده (٥) كثيراً ما [كان] يتفق الغلبة من قِبله في مجلس السلطان محمد خان فحصل له [أي للسلطان] غبطة ومال إلى جانب الاشتغال فسأل عنه: إن اشتغلتُ بالعلم ففي أي مدة أرقى إلى مرتبتك فأجاب بأنه أمر عسير، لا سيما مع مشغلة السلطنة، ولتوقفه على ذكاء شديد، فثقل هذا الكلام عليه [أي على السلطان] فعزله وعلَّل فيه بأن أهل

стр. 2312

المنصب يجب عليه رعاية الأدب ولا يكفيه مجرد العلم، فعزم هو على الذهاب إلى العجم فمنعه أمين الساحل، فأعيد إلى المدرسة. كذا ذكره ابن لطفي بك في "هامش الشقائق". وذكروا في ترجمة أبي معاوية محمد بن خازم الضَّرير (١) أن هرون الرشيد يبجله وشممع منه الحديث. قال أبو معاوية: أكلت مع الرشيد يوماً: ثم صَبً على يديَّ الماء رجل لا أعرفه، ثم قال الرشيد: أتدري من [كان] يَصُبُّ عليك؟ قلت: لا. قال: أنا إجلالاً للعلم. ذكره تقي الدين. ملاقاة السيِّد والسَّعد في مجلس الأمير تيمور: ذكر صاحب "الشقائق" (٢) أن الأمير تيمور لما قدم شيراز أمر بنهبها وإغارتها فسأل بعض من وزرائه الأمان للسيد الشريف فأُعطي الأمان لذلك فنجت بنات أهالي شيراز ونساؤهم في بيت السيد الشريف. ثم إن الوزير المذكور لما أثبت الحقّ على السَّيد التمس منه أن يذهب معه إلى ما وراء النهر فأجابه لذلك. وهذا قوله في خطبة "شرح المفتاح" حتى ابتليت في آخر العمر بالارتحال إلى ما وراء النهر. واجتمع السيد هناك مع العلاَّمة سعد الدين في مجلس الأمير فأمر الأمير بتقديم العلاّمة الشريف على العلامة التفتازاني وقال: لو فرضنا انكما سيان في الفضل فله شرف النَّسب ثم وقع مباحثتهما عنده وكان الحكم بينهما نعمان الدين الخوارزمي المعتزلي فرجَّح هو كلام السيد الشريف على كلام العلامة التفتازاني فاغتم لذلك سعد الدين وحزن حزناً شديداً، فما لبث حتى مات. انتهى. ويقال إن السُّيد رحل إلى سمرقند ليأخذ عنه، فقال له بعض الرؤساء أنت مثله .. فكيف تأخذ عنه؟ ولكن أنا أجمعك في مجلس السلطان فناظره ففعل، وظهر السيد عليه أيضاً لفصاحته وطلاقة لسانه. وكان لسان السيد أفصح من قلمه والتفتازاني بالعكس والأفاضل في التفضيل بينه وبين التفتازاني على قسمين والاكثر في جانب السعد. ويقال: إنه جاء إلى السعد في مرض موته واستعطفه وقَبَّل يده وقال له: أنت شيخي بالمعنى لأني ما استفدت العلم إلاّ من تصانيفك. كذا ذكره السخاوي وغيره. وكان المولى خواجه زاده يقول ما نظرت غير تأليف السيد والسعد بنية الاستفادة منذ كذا ... ثم إن الشيخ شمس الدين محمد بن محمد الجزري (٣) لما ذهب به الأمير تيمور إلى ماوراء النهر اتخذ الأمير هناك وليمةً عظيمةً وكان السيد الجُرجاني مدرّساً في ذلك الوقت

стр. 2313

بسمرقند فعيّن الأمير جانب يمينه للعلماء وقدّم فيه الشيخ الجزري على السيد الشريف، فقالوا له في ذلك فقال: كيف لا أقدم رجلاً عارفاً بالكتاب والسُّنُّة ويشاور فيما أشكل عليه (١) منهما النبي ﵇ بالذات فينحل له (٢). ونقل عن المولى الكُوراني (٣) أن الأمير تيمور أرسل بريداً لمصلحةٍ وقال له: إن احتجت إلى فرس خذ فرس كل من لقيته هان كان [ابني] شاهرخ فتوجه البريد إلى ما أمر به فلقي المولى التفتازاني وهو نازل في موضع، قاعد في خيمته وأفراسه مربوطة قُدامه فأخذ البريد منها فرساً، فأخبر المولى بذلك، فضرب البريد ضرباَّ شَديداً فرجع هو إلى تيمور وأخبره ما فعل المولى فغضب الأمير تيمور غضباً شديداً ثم قال: لو كان هو ابني شاهرخ لقتلته ولكني كيف أقتل رجلاً ما دخلت ببلدة إلا وقد دخلها تصنيفه قبل دخول سيفي. وحُكي أن غياث الدين منصور، اجتمع مع العلاَّمة الدواني في مجلس السلطان يعقوب بتبريز وأراد المولى غياث الدين [أن] يباحث مع الدواني ليفتخر بذلك عند أقرانه وقال الملك للدواني: يريد هذا- مشيراً إلى غياث الدين- أن يتكلم معكم في بعض المباحث (٤). وقال الدواني: يتكلم مع الأصحاب ونحن نتشرف باستماع كلامهم، ولم يتنزل إلى المباحثة معه. ذكره صاحب "الشقائق" في ترجمة حسام الدين التالشي (٥). ونقل عن الشريف الجُرجاني (٦) أنه قال: دخلنا مجلس الأمير تيمور ووقع لي مع مولانا سعد الدين مباحثة فقد اعترضت في الاستعارة التبعية التخيلية فقلت: المنتزع من الأمور لابد أن يكون مركباً ولم يلتفت من الخواجه عبد الكريم أن يجب عني فمنع أن المنتزع مركباً. فقلت: لا يخلو إما أن يكون منتزعاً من واحد أو من كل واحد ومن الكل والأولان محالان لأنه لم يكن منتزعاً في الأمور والثالث مستلزم للمط، فسأل الأمير تيمور عن مولانا نعمان الدين أن الحق مع من؟ فقال: الحق مع الأمير فاضطرب الأمير لان مقصوده [كان] من ذلك المجلس أن يعرف علماء مملكته فقال مولانا نعمان الدين: يمكن أن يقال المنتزع من المركب لا يكون مركبا لأن المنتزع من النصِّ والقياس لا يكون مركباً فقلت: هذا المنتزع

стр. 2314

منتزع من النصِّ وحده والآخر تأكيد فلم يلتفت. وتصدى غيره فما التفت، فتحجج مولانا سعد الدين بتصانيفه فقلت: قد وصل إلينا واحد من ذلك، وقد أخطأت في موضع منه نطلب الكتاب فلما فتحنا وجدنا هذا البيت فقال: أيدهم آخره فقلت خالفت في هذا الموضع صاحب "الكشاف" ولم يلتفت وحرك رأسه فقال واحد من الأكابر: اترك البحث إلى مجلس آخر، فتركنا. قال المولى ابن الجنان رأيت في "تاريخ فارسي" لبعض أهالي هراة أنه لما اجتمع بمجلس تيمور للمناظرة طلب السيد أن لا يتكلم أحد غيرهما. وكان سعد الدين له تلامذة كثر (١) فضلاء فقبل تيمور شرطه وأمر به فلما أمعنا في المناظرة وكان في الاستعارة التمثيلية على ما هو المشهور، لم يصبر مولانا يوسف الأوبهي (٢) وتكلم فقال الفاضل الشريف لتيمور: ما كان هذا أمر الأمير ولا شرط الفقير فغضب تيمور على الأوبهي فأخرجه من المجلس بعنف وإزعاج فلما مضى عليه سويعة ذكر الشيخ سعد الدين فضائل الأوبهي وأثنى عليه فمدحه فرضي عنه وأمر بردّه إلى المجلس بالإكرام. انتهى حكاية وضع الطالب عما يؤول إليه حاله: ذكر صاحب "الشقائق" (٣) في ترجمة الفَنَاري أن المولى المذكور والمولى أحمدي والمولى حاجي باشا كانوا شركاء الدرس عند الشيخ أكمل الدين (٤)، فزاروا يوماً رجلاً من أولياء الله تعالى، فنظر إليهم ذلك الرجل فقال لمولانا أحمدي: إنك سَتُضَيعُّ عمرك (٥) في الشعر. وقال للمولى الفناري: إنك ستجمع بين رئاستي الدنيا والدِّين. وكان كما قال، لأن المولى أحمدي صحب الأمير كرميان واشتغل لأجله بالنظم، والمولى حاجي عرض له مرض فاضطره إلى الاشتغال بالطب والمولى الفناري نال من العلم والفضل غاية الآمال. وذكر في ترجمة حسن باشا (٦) أنه كان شريكاً مع المولى الفناري عند الجمال الأقسرائي فنظر إليهما يوماً في حجرات الطلبة خفيةً فرأى المولى حسن باشا متكئاً ينظر في الكتاب ورأى الفناري جالساً على ركبته يطالع الكتب والحواشي عليها فقال في حقِّ الأول: إنه لا

стр. 2315

يبلغ درجة الفضل. وقال في حق الثاني. إنه يستحصل الفضل ويكون له شأن في العلم، وكان كما قال: هركس كه كند در طلب علم تكاسل ... هركز ندهد دست باو دانش وحكمت (١) وذكر الجَنَدي أن الشيخ أبا بكر المخائي المتوفى سنة خمسمائة كان فقيهًا جليلًا، متى وصله طالب سأله عن حَسَبه ونسبه، فإن وجده ذا أصل لايق أقرأه وأمره بالاجتهاد وإلا صرفه عن الطلب انتهى. كما أن الحكماء لا يُعَلِّمُون الحكمة إلا أولادهم. وذكر صاحب "الشقائق" (٢) في ترجمة خواجه زاده أنه كان والده من التجار، ذا ثروة عظيمة وكان أولاده مرفّهين في اللباس والعَبيد وعيّن للمولى المذكور في شبابه كل يوم درهمًا واحدًا فقط لاشتغاله بالعلم وتَرْك طريقة والده. وفي يوم من الأيام اجتمع والده مع الشيخ العارف بالله ولي شمس الدين من خلفاء السيد البخاري بواسطة فرأى سوء حاله في صف النِّعال وعليه ثياب دنية. ورأى إخوته متجملين فقال لوالده: من هؤلاء؟ فقال: أولادي: ومن هذا؟ قال: هو أيضًا ولدي لكني اسقطته من عيني لتركه طريقتي، فنصح الشيخ له. ولما قام عن المجلس، قال لخواجه زاده: لا تتأثر من سوء الحال فإن الطريق طريقتك ويكون لك شأن عظيم ويقوم إخوانك عندك في مقام الخدم والعبيد. وكان لا يقدر على اشتراء الكتاب ويكتب كتابه على أوراق ضعيفة ثم إنه حَصَّل العلوم واشتهر فبلغ خبره إلى السلطان محمد خان، فدعاه وجعله معلمًا لنفسه وقاضيًا للعسكر ولما سمع والده قام من بروسا إلى أدرنة لزيارته فلما قرب استقبله المولى المذكور وتبعه علماء البلد وأشرافه فلما رأه المولى نزل عن فرسه فتعانقا واعتذر إليه عن تقصيره وقال المولى: إنك لو أعطيتني مالًا لما بلغت إلى هذا الجاه. ثم إنه صنع ضيافة عظيمة وجمع العلماء والأكابر وجلس هو في الصدر ووالده عنده فجلسوا على قدر مراتبهم ولم يكن لإخوانه (٣) الجلوس في المجلس لازدحام الأكابر. فقاموا مقام الخُدَّام. فقال المولى في نفسه: هذا ما ذكر لي الشيخ شمس الدين. انتهى.
следующие страницы →