وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَاهِدٌ مِنْ شُهُودِ الْفَرْعِ. وَقَالَ أبو عَبْدِ الله ابْنُ بَطَّةَ: لَا تَثْبُتُ حَتَّى يَشْهَدَ أرْبَعَة؛ عَلَى كُلِّ شَاهِدِ أصْلٍ شَاهِدَا فَرْعٍ.
ــ
الفَرْعِ. وهذا المذهبُ. قال الإِمامُ أحمدُ، ﵀: لم يَزَلِ النَّاسُ على هذا. قال الزَّرْكَشىُّ: هذا المذهبُ المَنْصوصُ. وجزَم به فى «الوَجِيزِ»، و «المُنَوِّرِ»، و «مُنْتَخَبِ الأدَمِىِّ»، وغيرِهم. واخْتارَه ابنُ عَبْدُوسٍ وغيرُه. وقدَّمه فى «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الكافِى»، و «المُغْنِى»، و «المُحَرَّرِ»، و «الشَّرْحِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم. وثُبوتُ شهادَةِ شاهِدٍ على شاهدٍ مِن مُفْرَداتِ المذهبِ.
وقال أبو عَبْدِ الله ابنُ بَطَّةَ: لا تَثْبُتُ حتى يَشْهَدَ أرْبعَةٌ؛ على كلِّ شاهدِ أصْلٍ
стр. 14002
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
شاهِدَا فَرْع. وحكَاه فى «الخُلاصَةِ» رِوايةً. وعنه، يكْفِى شاهِدان يشْهَدان على كلِّ واحدٍ منهما. وهو تخْريج فى «المُحَررِ» وغيرِه. وقطَع به ابنُ هُبَيْرَةَ عنِ الِإمامِ أحمدَ، ﵀. وهو ظاهرُ ما ذكَره فى «المُغْنِى»، و «الكافِى» عن ابنِ بَطَةَ. وعنه، يكْفِى شَهادَةُ رجُل على اثْنَيْن. ذكَرَه القاضى وغيرُه؛ لأنَّه خَبَرٌ. وذكَرَ الخَلَّالُ جَوازَ شَهادَةِ امْرأة على شهادَةِ امْرأةٍ. وسأله حَرْبٌ عن شَهادَةِ امْرَأتَيْن على شَهادَةِ امْرَأتَيْن. قال: يجوزُ. ذكَرَه فى «الفُروعِ» فى البابِ الذى قبلَ هذا.
وَلَا مَدْخَلَ لِلنِّسَاءِ فِى شَهَادَةِ الْفَرْعِ. وَعَنْهُ، لَهُنَّ مَدْخَل.
ــ
قوله: ولا مَدْخَلَ للنِّساءِ فى شهادَةِ الفَرْعِ. ومفْهومُه، أنَّ لهُنَّ مدْخَلًا فى شَهادَةِ الأصْلِ. واعلمْ أنَّ فى المسْألَةِ رِواياتٍ؛ إحْداهُنَّ، صرِيحُ المُصَنِّفِ ومفْهومُه، وهو أنَّه لا مدْخلَ لهُنَّ فى شَهادَةِ الفَرْعِ، ولهُنَّ مدْخَلٌ فى شَهادَةِ
стр. 14005
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الأصْلِ. قال فى «المُحَرَّرِ»، و «الحاوِى»: وهو الأصحُّ. قال الزَّرْكَشِىُّ: هذا الأشْهَرُ. وجزَم به فى «الوَجِيزِ» وغيرِه. وهى طرِيقَتُه فى «الكافِى» وغيرِه. وقال فى «التَّرْغيبِ» وغيرِه: المَشْهورُ أنَّه لا مدْخلَ لهُنَّ فى الأصْلِ، وفى الفَرْعِ رِوايَتَانِ. والرِّوايةُ الثَّانيةُ، لا مدْخلَ لهُنَّ فى الأصْلِ ولا فى الفَرْعِ. نصَرَه القاضى فى «التَّعْليقِ» وأصحابُه. وقدَّمه فى «المُحَرَّرِ»، و «الحاوِى». وهو مِن
стр. 14006
فَيَشْهَدُ رَجُلَانِ عَلَى رَجُلٍ وَامْرَأتيْنِ، أو رَجُلٌ وَامْرَأتانِ عَلَى رَجُلٍ وَامْرَأَتيْنَ.
ــ
مُفْرَداتِ المذهبِ. والرِّوايةُ الثَّالثةُ (١)، لهُنَّ مدْخل فيهما. وهو المذهبُ. اخْتارَه المُصَنِّفُ، وابنُ عَبْدُوسٍ فى «تَذْكِرَتِه» وقدَّمه فى «الرِّعايتَيْن»، و «الفُروعِ». وتقدَّم ما ذكَرَه الخَلالُ قريبًا. قال فى «النُّكَتِ»: وقيَّد (٢) جماعة هذه الرِّوايةَ فيما تُقْبَلُ فيه شهادَتُهُنَّ مع الرِّجالِ أو مُنْفَرِداتٍ. وحَكاه فى «الرِّعايةِ» قوْلًا، قال (٣): وليسَ كذلك.
قوله: فيَشْهَدُ رَجُلانِ على رَجُلٍ وامْرَأتيْن. يعْنِى على الرِّوايةِ الأُولَى
стр. 14007
وَفَالَ الْقَاضِى: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ عَلَى رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ.
ــ
والأخيرةِ. وهو الصَّحيحُ. وجزَم به فى «الفُروعِ» وغيرِه فيهما.
قوله: أو رَجُلٌ وامْرَأتان على رَجُلٍ وامْرَأتَيْن. وعلى رَجُلَيْن أيضًا. يعْنى على الرِّوايةِ الأخيرَةِ. وهو صحيحٌ. وقال فى «التَّرْغيبِ»: الشَّهادَةُ على رجُلٍ وامْرَأتَيْن كالشَّهادَةِ على ثلاثَةٍ؛ لتَعَدُّدِهم.
فائدتان؛ إحْداهما، لا يَجِبُ على الفُروعِ تعْدِيلُ أصُولِهم، ولو عدَّلُوهم، قبِلَ، ويُعْتبَرُ تعْيِينُهم لهم.
الثَّانيةُ، لو شَهِدَ شاهِدَا فَرْع على أصْلٍ، وتَعَذرتِ (١) الشَّهادَةُ على الآخَرِ، حَلَفَ واسْتَحَقَّ. ذكَرَه فى «التَّبْصِرَةِ». واقْتصَرَ عليه فى «الفُروعِ».
وقال القاضى: لا تجوز شَهادةُ رجُلَيْن على رجُلٍ وامْرَأتيْن. نصَّ عليه. قال
стр. 14008
نَصَّ عَلَيْهِ احْمَدُ. قَالَ أبو الْخَطَّابِ: وَفِى هَذِهِ الرِّوَايَةِ سَهْوٌ مِنْ نَاقِلِهَا.
وَلَا يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ أنْ يَحْكُمَ بِشَهَادَةِ شَاهِدَىِ الْفَرْعِ، حَتَّى تَثْبُتَ عِنْدَهُ عَدَالتهُمَا، وَعَدَالَةُ شَاهِدَىِ الْأصْلِ.
ــ
أبو الخَطَّاب: وفى هذه الرِّوايةِ سَهْوٌ مِن ناقِيها. قال فى «الهِدايةِ»: وقال شيْخُنا: لا يجوزُ؛ لأنَّ الإمامَ أحمدَ، ﵀، قال فى رِوايةِ حَرْبٍ: لا تجوزُ شَهادةُ رجُلٍ على شَهادَةِ امْرَأةٍ. قال: وهذه الرِّوايةُ إنْ صحَّتْ عن حَرْبٍ، فهى سَهْوٌ منه، فإنَّا إذا قُلْنا: شَهادَةُ امْرَأةٍ على شَهادَةِ امْرَأةٍ تُقْبَلُ. فأوْلَى أنْ تُقْبَلَ شَهادةُ رجُلٍ على شَهادَتِهما؛ فإنَّ شَهادَةَ الرَّجُلِ أقْوَى بكلِّ حالٍ؛ ولأنَّ فى هذه الرِّوايةِ أنَّه قال: أقْبَلُ شَهادةَ رجُلٍ على شهادةِ رجُلَيْن. وهذا مما لا وَجْهَ له؛ فإنَّ رجُلًا واحدًا لو كان أصْلًا، فشَهِدَ فى القَتْلِ العَمْدِ، ومعه ألْفُ امْرَأةٍ، لا تُقْبَلُ هذه الشَّهادَةُ، فإذا شَهِدَ بها وحدَه وهو فَرْعٌ، يُقْبَلُ ويُحْكَمُ بها! هذا مُحالٌ، ولو ثَبَتَ أنَّ الإِمامَ أحمدَ، ﵀، قال ذلك، فيَحْتَمِلُ أنُّه أرادَ، لا تُقْبَلُ شَهادَةُ الرَّجُلِ حتى يَنْضَمَّ معه غيرُه، فيُخَرَّجُ مِن هذه، أنَّه لا يكْفِى شَهادَةُ واحدٍ على واحدٍ, كما يقولُ أكثرُ الفُقَهاءِ. انتهى.
وَإنْ رَجَعَ شُهُودُ الْعِتْقِ، غَرِمُوا الْقِيمَةَ.
ــ
شُهُودُ العِتْقِ، غَرِمُوا القِيمَةَ. بلا نِزاعٍ نَعْلَمُه. لكِنَّه مُقَيَّدٌ بما إذا لم يُصَدِّقْهم المَشْهودُ له. وهو واضِحٌ. وأما المُزَكُّونَ، فإنَّهم لا يَضْمَنُونَ شيئًا.
تنبيه: مَحَلُّ الضَّمانِ إذا لم يُصَدِّقْه المَشْهودُ له، فإنْ صدَّقَ الرَّاجِعِينَ، لم
стр. 14015
وَإنْ رَجَعَ شُهُودُ الطَّلاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ، غَرِمُوا نِصْفَ الْمُسَمَّى، وَإنْ كَانَ بَعْدَهُ، لَم يَغْرَمُوا شَيْئًا.
ــ
يضْمَنِ الشُّهودُ شيئًا (١). ويُسْتَثْنَى مِنَ الضَّمانِ، لو شَهِدَا بدَيْن، فأبْرَأ منه مُسْتَحِقُّه، ثم رَجَعَا، فإنهما لا يغْرَمانِ شيئًا للمَشْهُود عليه. ذكَرَه المُصَنِّفُ فى «المُغْنِى» فى كتابِ الصَّداقِ، فى مسْألةِ تنْصِيفِ الصداقِ بعدَ هِبَتِها للزَّوْجِ. قال: ولو قَبَضَه المَشْهودُ له، ثم وَهَبَه المَشْهُودَ عليه، ثم رَجَعَا، غَرِمَا. انتهى.
قوله: وإنْ رَجَعَ شُهُودُ الطَّلاقِ قبْلَ الدُّخُولِ، غَرِمُوا نِصْفَ المُسَمَّى -أو بدَلَه، بلا نِزاع- وإنْ كان بعدَهُ، لم يَغْرَمُوا شَيْئًا. وهو الصَّحيحُ مِن المذهبِ. قال فى «تَجْرِيدِ العِنايةِ»: لم يَغْرَمُوا شيئًا فى الأشْهَرِ. قال فى «النُّكَتِ»: هذا هو الرَّاجِحُ فى المذهبِ. وجزَم به فى «الوَجِيزِ»، و «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»،
стр. 14016
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
و «الخُلاصَةِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»، و «مُنْتَخَبِ الأدَمِىِّ»، وغيرِهم. واخْتارَه القاضى وغيرُه. وصحَّحه فى «النَّظْمِ» وغيرِه. وقدَّمه فى «المُغْنِى»، و «المُحَرَّرِ»، و «الشَّرْحِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم. وعنه، يَغْرَمُونَ كلَّ المَهْرِ. وذكَر الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ، ﵀، يَغْرَمُون مَهْرَ المِثْلِ. قلتُ: الصَّوابُ أنَّهم يَغْرَمُونَ. قال فى
стр. 14017
وإنْ رَجَعَ شُهُودُ القِصَاصِ أوِ الْحَدِّ قَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ، لَمْ يُسْتَوْفَ، وإنْ كَانَ بَعْدَهُ، وَقَالُوا: أخْطَأْنَا. فَعَلَيْهِمْ دِيَةُ مَا تَلِفَ، وَيَتَقَسَّطُ الْغُرْمُ عَلَى عَدَدِهِمْ، فَإن رَجَعَ أحَدُهُمْ وَحْدَهُ، غَرِمَ بِقِسْطِهِ.
ــ
«النُّكَتِ»: وهذه الرِّوايةُ تدُلُّ على أن المُسَمى لا يَتَقَرًرُ بالدخولِ، فيَرْجِعُ الزَّوْجُ على مَنْ فوتَ عليه نِكاحَها برَضاعٍ أو غيرِه.
قوله: وإنْ رجَع شُهُودُ القِصَاصِ أوِ الحَدِّ قبلَ الاسْتِيفاءِ، لم يُسْتَوْفَ. وهذا
стр. 14018
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الصَّحيحُ مِن المذهبِ. وجزَم به فى «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»، و «الوَجِيزِ»، و «المُنَوِّرِ»، و «مُنْتَخَبِ الأدَمِىِّ»، و «تَذْكِرَةِ ابنِ عَبْدُوسٍ»، وغيرِهم. قال فى «النُّكَتِ»: هذا المشْهورُ. وقطَع به غيرُ واحدٍ. وقدَّمه فى «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ». وصحَّحه فى «الفُروعِ»، وغيرِهم. وقيل: يُسْتَوْفَى إنْ كان لآدَمِيٍّ، كما لو طَرَأَ فِسْقُهم. وقال فى «الرِّعايةِ الصُّغرى»، و «الحاوِى الصَّغيرِ»:
فَعَلَى مَنْ شَهِدَ بِالإِحْصَانِ ثُلُثَا الدِّيَةِ، عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ. وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِى، يَلْزَمُهُمْ ثَلَاَثةُ أَرْبَاعِهَا.
ــ
وغيرِهم. وقدَّمه فى «المُحَرَّرِ»، و «الفُروعِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى الصَّغيرِ»، وغيرِهم. قال النَّاظِمُ: تَساوَوْا فى الضَّمانِ فى الأَقْوَى.
وفى -الوَجْهِ- الآخَرِ، على شُهودِ الزِّنَى النِّصْفُ، وعَلَى شُهُودِ الإِحْصَانِ النِّصْفُ. وأَطْلَقَهماَ ابنُ مُنَجَّى فى «شَرْحِه»، و «الكافِى»، و «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ».
وقيل: لا يَضْمَنُ شُهودُ الإِحْصانِ شيئًا؛ لأنَّهم شُهودٌ بالشَّرْطِ لا بالسَّبَبِ المُوجِبِ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
صحيحٌ. وقد عَلِمْتَ المذهبَ منهما.
فوائد؛ منها، لو شَهِدَ قومٌ بتَعْليقِ عِتْقٍ، أو طَلاقٍ، وقَوْمٌ بوُجودِ شَرْطِه، ثم رَجَعَ الكُلُّ، فالغُرْمُ على عدَدِهم. على الصَّحيحِ مِن المذهبِ. وقيل: تَغْرَمُ كلُّ جِهَةٍ النِّصْفَ. وقيل: يَغْرَمُ شُهودُ التَّعْليقِ الكُلَّ.
ومنها، لو رجَعَ شُهودُ كتابةٍ، غَرِمُوا ما بينَ قِيمَتِه سَلِيمًا ومُكاتَبًا، فإنْ عَتَقَ، غَرِمُوا ما بينَ قِيمَتِه ومالِ الكِتابَةِ. على الصَّحيحِ مِن المذهبِ. وقيل: يَغْرَمُونَ كلَّ قِيمَتِه. وإنْ لم يَعْتِقْ، فلا غُرْمَ.
ومنها، لو رَجَعَ شُهودٌ باسْتِيلادِ أَمَةٍ، فهو كرُجوعِ شُهودِ كِتابَةٍ، فيَضْمَنُونَ
стр. 14028
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
نقْصَ قِيمَتِها. فإنْ عتَقَتْ بالمَوْتِ، فَتَمامُ قِيمَتِها. قال بعْضُهم، فى طرِيقَتِه فى بَيْعِ وَكيلٍ بدُونِ ثَمَنِ مِثْلٍ: لو شَهِدَ بتَأْجيلٍ، وحكَم الحاكِمُ ثم رَجَعُوا، غَرِمَا ما تَفاوَتَ ما بينَ الحالِّ والمُؤَجَّلِ.
стр. 14029
وَإِنْ حَكَمَ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، فَرَجَعَ الشَّاهِدُ، غَرِمَ الْمَالَ كُلَّهُ. وَيَتَخَرَّجُ أَنْ يَغْرَمَ النِّصْفَ.
ــ
قوله: وإنْ حَكَمَ بشاهِدٍ ويَمِينٍ، فرَجَعَ الشَّاهِدُ، غَرِمَ المالَ كُلَّه. هذا الصَّحيحُ مِن المذهبِ. ونصَّ عليه فى رِوايةِ جَماعةٍ. وعليه جماهيرُ الأصحابِ. وقطَع به كثيرٌ منهم. وقدَّمه فى «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الكافِى»، و «المُغْنِى»، و «المُحَرَّرِ»، و «الشَّرْحِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم. وهو مِن مُفْرَداتِ المذهبِ.
ويَتَخَرَّجُ أنْ يَضْمَنَ النِّصْفَ. وهو لأبى الخَطَّابِ فى «الهِدايةِ»، خرَّجه مِن ردِّ اليَمِينِ على المُدَّعِى.
فوائد؛ الأُولَى، يجِبُ تقْديمُ الشَّاهدِ على اليَمِينِ. على الصَّحيحِ مِن المذهبِ. وعليه جماهيرُ الأصحابِ. وقال ابنُ عَقِيلٍ فى «عُمَدِ الأدِلَّةِ»: يجوزُ أنْ
стр. 14030
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يَسْمَعَ يمينَ المُدَّعِى قبلَ الشَّاهدِ فى أحَدِ الاحْتِمالَيْن. وحكَى [ابنُ القَيِّمِ، ﵀] (١)، فى «الطُّرُقِ الحُكْمِيَّةِ» وَجْهَيْن فى ذلك.
الثَّانيةُ، لو رَجَعَ شُهودُ تَزْكِيَةٍ، فحُكْمُهم حكمُ رُجوعِ مَنْ زَكُّوهم.
الثَّالثةُ، لا ضَمانَ برُجوعٍ عن شَهادَةٍ بكَفالَةٍ عن نَفْسٍ، أو بَراءَةٍ منها، أو أنَّها زوْجَتُه، أو أنَّه عفَا عن دَمِ عَمْدٍ؛ لعدَمِ تضَمُّنِه مالًا. وقال فى «المُبْهِجِ»: قال القاضى: وهذا لا يصِحُّ؛ لأنَّ الكَفالَةَ تتَضَمَّنُه بهَرَبِ المَكْفُولِ، والقَوَدُ قد يجِبُ به مال.
стр. 14031
فَإِن بَانَ بَعْدَ الْحُكْمِ أَنَّ الشَّاهِدَيْنِ كَانَا كَافِرَيْنِ، أَوْ فَاسِقَيْنِ،
ــ
الرَّابعةُ، لو شَهِدَ بعدَ الحُكْمِ بمُنافٍ للشَّهادةِ الأُولَى، فكَرُجوعِه وأَوْلَى. قالَه الشَّيْخُ تَقِىٌّ الدِّينِ، ﵀. واقْتَصَرَ عليه فى «الفُروعِ».
الخامسةُ، لو زادَ فى شَهادَتِه أو نقَصَ قبلَ الحُكْمِ، أو أدَّى بعدَ إنْكارِها، قُبل. نصَّ عليهما، كقَوْلِه: لا أعْرِفُ الشَّهادَةَ. وقيل: لا يُقْبَلُ، كبَعدِ الحُكْمِ. وقيل: يُؤْخَذُ بقوْلِه المُتَقَدِّمِ. وإنْ رَجَعَ، لَغَتْ ولا حُكْمَ، ولم يضْمَنْ. وإنْ لم يصَرِّحْ بالرُّجوعِ، بل قال للحاكمِ: تَوَقَّفْ. فتَوَقَّفَ، ثم عادَ إليها، قُبِلَتْ فى أصحِّ الوَجْهَيْن. ففى وُجوبِ إعادَتِها احْتِمالَان. قلتُ: الأَوْلَى عدَمُ الإعادَةِ. وأَطْلَقَهما فى «الفُروعَ».
قوله: وإنْ بَانَ بعدَ الحُكْمِ أنَّ الشَّاهِدَيْن كانَا كافِرَيْن، أو فاسِقَيْن، نُقِضَ -
стр. 14032
نُقِضَ، وَيُرْجَعُ بِالْمَالِ أَوْ بِبَدَلِهِ عَلَى الْمَحْكُومِ لَهُ. وَإِنْ كَانَ الْمَحْكُومُ بِهِ إِتْلَافًا، فَالضَّمَانُ عَلَى المُزَكِّينَ. فَان لَمْ يَكُنْ ثَمَّ تَزْكِيَةٌ، فَعَلَى الْحَاكِمِ. وَعَنْهُ، لَا يُنْقَضُ إِذَا كَانَا فَاسِقَيْنِ.
ــ
الحُكْمُ - ويُرْجَعُ بالمالِ أو ببَدَلِه على المَحْكُومِ له وإنْ كانَ المَحْكُومُ به إتْلَافًا، فالضَّمانُ على المُزَكِّين. فإنْ لم يَكُنْ ثَمَّ تَزْكِيَةٌ، فعلى الحاكِمِ. إذا بانَ بعدَ الحُكْمِ أنَّ الشَّاهِدَيْن كانَا كافِرَيْن، نُقِضَ الحُكْمُ، بلا خِلافٍ. وكذا إنْ كانَا فاسِقَيْن. على الصَّحيحِ مِن المذهبِ. وعليه جماهيرُ الأصحابِ. قال فى «القَواعِدِ»: هذا المشْهورُ. وجزَم به فى «الوَجِيزِ» وغيرِه. وقدَّمه فى «الهِدايةِ»،
стр. 14033
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «نِهايَةِ ابنِ رَزِينٍ»، و «الحاوِى»، و «الفُروعَ»، وغيرِهم.
وعَنهُ، لا يُنْقَضُ إذا كانا فاسِقَيْن. قالَ فى «القاعِدَةِ السَّادِسَةِ»، وتبِعَه فى «القَواعِدِ الأُصُولِيَّةِ»: رجَّح ابنُ عَقِيلٍ فى «الفُنونِ» عدَمَ النَّقْضِ، وجزَم به القاضى، فى كتابِ الصَّيْدِ مِن «خِلافِه»، والآمِدِىُّ؛ لِئَلَّا يُنْقَضَ الاجْتِهادُ بالاجْتِهادِ. وذكَر ابنُ رَزِينٍ فى «شَرْحِه»، أنَّه الأَظْهَرُ. فعليها، لا ضَمانَ. وفى «المُسْتَوْعِبِ» وغيرِه: يَضْمَنُ الشُّهودُ. وقالَه الشَّارِحُ. وذكَرَ ابنُ الزَّاغُونِىِّ، أنَّه لا يجوزُ له نَقْضُ حُكْمِه بفِسْقِهما، إلَّا بثُبوتِه ببَيِّنَةٍ، إلَّا أنْ يكونَ حَكَمَ بعِلْمِه فى عَدالَتِهما، أو بظاهرِ عَدالَةِ الإِسْلامِ. ونَمْنَعُ ذلك فى المَسْألتَيْن، فى إحْدَى الرِّوايتَيْن، وإنْ جازَ فى الثَّانيةِ، احْتَمَلَ وَجْهَيْن؛ فإنْ وافَقَه المَشْهودُ له على ما ذكَرَ، ردَّ مالًا أخَذَه، ونقَضَ الحُكْمَ بنَفْسِه دُونَ الحاكمِ، وإنْ خالَفَه فيه، غَرِمَ
стр. 14034
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الحاكمُ. انتهى. وأجابَ أبو الخَطَّابِ: إذا بانَ له فِسْقُهما وقْتَ الشَّهادَةِ، أو أنَّهما كانَا كاذِبَيْن، نقَضَ الحُكْمَ الأَوَّلَ، ولم يَجُزْ له تنْفِيذُه. وأجابَ أبو الوَفاءِ: لا يُقْبَلُ قوْلُه بعدَ الحُكْمِ. انتهى. فعلى المذهبِ، يَرْجِعُ بالمالِ أو ببَدَلِه على المَحْكُومِ له،
стр. 14035
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كما قال المُصنِّفُ، ويَرْجِعُ عليه أيضًا ببَدَلِ قَوَدٍ مُسْتَوْفًى، وإنْ كان الحُكْمُ للهِ تِعالَى بإتْلافٍ حِسِّىٍّ، أو بما سَرَى إليه الإِتْلافُ، فالضَّمانُ على المُزَكِّيَيْن (١)، فإنْ لم، يَكُنْ ثَمَّ تَزْكِيَةٌ، فعلى الحاكمِ. كما قال المُصَنِّفُ. وهو المذهبُ. اخْتارَه المُصَنِّفُ وغيرُه. وجزَم به فى «الوَجِيزِ» وغيرِه. وقدَّمه فى «الفُروعِ» وغيرِه. وذكَر القاضى، وصاحِبُ «المُسْتَوْعِبِ»، أنَّ الضَّمانَ على الحاكمِ، ولو كان ثَمَّ مُزَكُّونَ، كما لو كانَ فاسِقًا. وقيل: له تَضْمِينُ أيِّهما شاءَ، والقَرارُ على المُزَكِّينَ (٢). وعندَ أبى الخَطَّابِ، يَضْمَنُه الشُّهودُ. ذكَرَه (٣) فى «خِلافِه الصَّغِيرِ».
стр. 14036
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فائدتان؛ إحداهما، لو بانُوا عَبِيدًا، أو والِدًا، أو ولَدًا، أو عَدُوًّا، فإنْ كان الحاكِمُ الذى حَكَمَ به يَرَى الحُكْمَ به، لم يُنْقَضْ حُكْمُه (١)، وإنْ كان لا يرَى الحُكْمَ به، نقَضَه ولم ينْفُذْ. وهذا المذهبُ. وقال فى «المُحَرَّرِ» وغيرِه: مَنْ
وَإِنْ شَهِدُوا عِنْدَ الْحَاكِمِ بِحَقٍّ، ثُمَّ مَاتُوا، حَكَمَ بِشَهَادَتِهِمْ، إِذَا
ــ
قال: وكذا مُخْتَلَفٌ فيه صادَفَ (١) ما حكَم فيه وجَهِلَه. وتقدَّم كلامُه فى «الإِرْشادِ» فيما إذا حكَم فى مُخْتَلَفٍ فيه بما لا يَراه، مع عِلْمِه أنَّه لا يُنْقَضُ. فى بابِ طريقِ الحُكْمِ وصِفَتِه.
الثَّانيةُ، قولُه: وإنْ شَهِدُوا عندَ الحَاكِمِ بحَقٍّ، ثُمَّ ماتُوا، حكَم بشَهادَتِهِمْ، إذا