. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
«الفائقِ». وقيل: يجوزُ للحاجَةِ. وصاحِبُ «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ (١)»، إنَّما حَكَوا الرِّوايتَين في الحاجَةِ. وأطْلَقَ القَوْلَين في «الفُروعِ»، وأطْلَقَهما ابنُ عَقِيل في حَفْرِ بِئْرٍ، أو إجْراءِ نَهْر أو قَناةٍ. نقَل أبو الصَّقْرِ، إذا أساحَ عَينًا تحتَ أرْض، فانْتَهَى حَفْرُه إلى أرْض لرَجُل أو دارٍ، فليس له مَنْعُه مِن ظَهْرِ الأرْضِ ولا بَطها، إذا لم يَكُنْ عليه مَضَرَّة. الثَّانيةُ، لو كانتِ الأرْضُ في يَدِه بإجارَةٍ، جازَ للمُسْتَأجِرِ أنْ يُصالِحَ على إجْراءِ الماءِ فيها في ساقِيَةٍ مَحْفُورَةٍ، مُدَّةً (٣)
стр. 6127
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لا تُجاوزُ مُدَّةَ الإجارَةِ. وإنْ لم تَكُنِ السَّاقِيَةُ مَحْفُورَةً، لم تَجُزِ المُصالحَةُ على ذلك. وكذا (١) حُكْمُ المُسْتَعِيرِ. ولا يصِح منهما (٢) الصلْحُ على إجْراءِ ماءِ المَطَرِ على سَطْح. وفيه على أرْض، بلا ضَرَرٍ، احْتِمالان. وأطْلَقَهما في «الفُروعِ»، و «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ» و «الحاوي الكَبِيرِ». قلتُ: الصَّوابُ عدَمُ
стр. 6128
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الجَوازِ. ثم رأيتُ ابنَ رَزِين في «شَرْحِه» قدَّمه. وإنْ كانتِ الأرْضُ التي في يَدِه وَقْفًا، فقال القاضي، وابنُ عَقِيل: هو كالمُسْتَأجِرِ (١). وجزَم به في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى». وهو ظاهِرُ ما قدمه في «الفُروعِ»، وقدَّمه ابنُ رَزِين في «شَرْحِه». وقال المُصَنفُ: يجوزُ له حَفْرُ السَّاقِيَةِ (٢)؛ لأنَّ الأرْضَ له، وله التصَرُّفُ فيها كيف شاءَ، ما لم ينْقُلِ المِلْكَ فيها إلى غيرِه، بخِلافِ المُسْتَأجِرِ. قال في «الفُروعِ»: فدَلَّ أنَّ البابَ، والخَوْخةَ، والكُوةَ، ونحوَ ذلك، لا يجوزُ فِعْلُه (٣) في دارٍ مُؤجَرَةٍ، وفي مَوْقُوفَةٍ الخِلافُ، [أو يجوزُ] (٤) قوْلًا واحدًا. وهو أوْلَى؛ لأن تَعْلِيلَ الشَّيخِ -يعْنِي به المُصَنفَ- لو لم يَكُنْ مُسلَّمًا (٥) لم يُفِدْ، وظاهِرُه لا تُعْتَبرُ المَصْلَحَةُ وإذْنُ الحاكِمِ، بل عدَمُ الضرَرِ، وأنَّ إذنه يُعْتَبرُ لدفْعِ الخِلافِ. ويأتِي كلامُ ابنِ عَقِيل في الوَقْفِ، وفيه أذنه فيه لمَصْلَحَةِ المأذُونِ المُمْتازِ (٦) بأمْرٍ شَرْعِيٍّ، فلمَصْلَحةِ المَوْقوفِ أو المَوْقوفِ عليه أوْلَى. وهو مَعْنَى نَصِّه في تجْدِيدِه
стр. 6129
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لمَصْلَحَةٍ (١). وذكَرَه الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ عن أكثرِ الفُقَهاءِ في تَغْيِيرِ صِفَاتِ الوَقْفِ لمَصْلَحَةٍ كالحاكُورةِ، وعَمِلَه حُكامُ الشَّامِ، حتى صاحِبُ «الشرْحِ»، في الجامِعِ المُظَفرِيِّ. وقد زادَ عمرُ وعثمانُ، ﵄، في مَسْجِدِ النَّبِيِّ، ﷺ ، وغيَّرا بِناءَه، ثم عمرُ بنُ عَبْدِ العِزيزِ وزادَ فيه أبْوابًا، ثم المَهْدِيُّ، ثم المَأمُونُ. الثالثةُ، لو صالحَ رَجُلًا على أنْ يَسْقِيَ أرْضَه مِن نَهْرِ الرجُلِ يَوْمًا أو يَوْمَين، أو مِن عَينه، وقدَّرَه بشيء يُعْلَمُ به، لم يَجُزْ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ؛ لأن الماءَ ليس بمَمْلُوكٍ، ولا يجوزُ بَيعُه، فلا يجوزُ الصُّلْحُ عليه. اخْتارَه القاضي. وقدَّمه في «الفُروعِ». وقيل: يجوزُ. وهو احْتِمالٌ في «المُغْنِي»، و «الشرْحِ»، ومالا إليه. قلتُ: وهو الصوابُ، وعَمَلُ النَّاسِ عليه قدِيمًا
стр. 6130
وَيَجُوزُ أنْ يَشتَرِيَ مَمَرًّا في دَارٍ، وَمَوْضِعًا في حَائِطِهِ يَفْتَحُهُ بَابًا، وَبُقْعَةً يَحْفِرُهَا بِئْرًا، وَعُلْوَ بَيتٍ يَبْنِي عَلَيهِ بُنْيَانًا مَوْصُوفًا. فَإِنْ كَانَ الْبَيتُ غَيرَ مَبْنِيٍّ، لَمْ يَجُزْ في أَحَدِ الْوَجْهَينِ.
وَفِي الْآخَرِ، يَجُوزُ إِذَا وُصِفَ الْعُلْوُ وَالسُّفْلُ.
ــ
وحَدِيثًا. الرابعةُ، إذا صالحَه على سَهْم مِنَ العَينِ، أو النَّهْرِ؛ كالثُّلُثِ، والرُّبْعِ، ونحوهما، جازَ، وكان بَيعًا (١) للقَرارِ، والماءُ تابعٌ له. جزَم به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ» و «الفُروعِ»، وغيرِهم.
قوله: ويجوزُ أنْ يَشْتَرِيَ مَمَرًّا في دارٍ، ومَوْضِعًا في حائِطِه يَفْتَحُه بابًا، وبُقْعَةً
стр. 6131
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يَحْفِرُها بئْرًا، وعُلْوَ بَيتٍ يَبْنِي عليه بُنْيانًا مَوْصُوفًا. بلا نِزاع. وقال المُصَنِّفُ، ومَن تَبِعَه، في وَضْعِ خَشَبٍ أو بِناءٍ: يجوزُ إجارَةً، مُدَّةً معْلُومَةً، ويجوزُ صُلْحًا أبدًا.
قوله: فإنْ كانَ البَيتُ غيرَ مَبْنِي، لم يَجُزْ في أحدِ الوَجْهَين. وأطْلَقَهما في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»؛ أحدُهما، يجوزُ، أي يصِح، إذا وصَف العُلْوَ والسفْلَ. وهو الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ. قال في «الفُروعِ»: والأصحُّ، يصِحُّ إذا كان مَعْلُومًا. وجزَم به في «الهِدايَةِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الوَجيزِ»، و «الحاوي الكَبِيرِ»، وابنُ عَبْدُوس في «تَذْكِرَتِه»، وغيرُهم. وصحَّحه في «التَّصْحيحِ»، و «الرِّعايَةِ»، وغيرِهما. والوَجْهُ الثَّاني، لا يجوزُ، أي لا يصِحُّ. قاله القاضي. وتقدَّم التنبِيهُ على ذلك كلِّه في كتابِ البَيعِ، في الشَّرْطِ الثَّالثِ، فإنّه داخِل في كلامِه هناك على وَجْهِ العُمومِ، وهنا مُصَرَّحٌ به. وبعضُ الأصحابِ ذكَر المَسْألةَ هناك، وبعضُهم ذكَرَها هنا، وبعضُهم عبَّر بالصُّلْحِ عن ذلك، وهو كالبَيعِ هنا. فالنَّقْلُ فيها مِنَ المَكانَين.
تنبيه: حيثُ صحَّحْنا ذلك، فمتى زال، فله إعادَتُه مُطْلَقًا، ويَرْجِعُ بأجْرَةِ مُدَّةِ زَوالِه عنه. وفي الصُّلْح، على زَوالِهْ، وعدَمِ عَوْدِه.
فائدة: حُكْمُ المُصالحَةِ في ذلك كله، حُكْمُ البَيعِ. لكِنْ قال في «الفُنُونِ»: فإذا فرَغَتِ المُدَّةُ يَحْتَمِلُ أنَّه ليس لرَبِّ الجِدارِ مُطالبَته بقَلْعِ خَشَبه. قال: وهو الأشْبَهُ كإعارَتِه لذلك؛ لما فيه مِنَ الخُروجِ عن حُكْمِ العُرْفِ؛ لأنَّ العُرْفَ وضَعَها
стр. 6132
وَإنْ حَصَلَ في هَوَائِهِ أغْصَانُ شَجَرَةِ غَيرِهِ، فَطَالبَهُ بِإِزَالتِهَا، لَزِمَهُ. فَإنْ أبَى، فَلَهُ قَطْعُهَا.
ــ
للأبَدِ، فهو كإعارَةِ الأرْضِ للدفْنِ. ثم إمَّا أنْ يَتْرُكَه بعدَ المُدَّةِ بحُكْمِ العُرْفِ بأجْرَةِ مِثْلِه إلى حينِ نَفادِ الخَشَبِ؛ لأنَّه العُرْفُ فيه، كالزَّرْعِ إلى حَصادِه؛ للعُرْفِ فيه، أو يُجَدِّدَ إجارةً بأجْرَةِ المِثْلِ؛ وهي المُسْتَحَقةُ بالدوامِ بلا عَقْدٍ.
قوله: وإنْ حصَل في هوائِه أغْصَانُ شَجَرَةِ غيرِه، فطالبَه بإزالتِها, لَزِمَه. فإنْ أبى، فله قَطْعُها. قال الأصحاب: له إزالتها بلا حُكْم حاكِم. قال في «الوَجيزِ»: فإنْ أبى، لَواه، إنْ أمْكَنَ، وإلَّا فله قَطْعُه. وكذا قال غيرُه. وقيلَ لأحمدَ: يَقْطعه هو؟ قال: لا، يقُولُ لصاحِبِه حتى يقْطَعَ.
فائدة: إذا حصَل في مِلْكِه أو هَوائِه أغْصانُ شَجَرَةٍ، لَزِمَ المَالِكَ إزالته إذا طالبَه بذلك. بلا نِزاعٍ، لكِنْ لو امْتَنعَ مِن إزالتِه، فهل يُجْبَرُ عليه، ويضْمَنُ ما تَلِفَ به؟ فيه وَجْهان. وأطْلَقَهما في «الفُروعِ»، و «الفائقِ»، و «النَّظْمِ»؛ أحدُهما، لا يُجْبَرُ، ولا يَضْمَنُ ما تَلِفَ به. وهو الصحيحُ. قدَّمه في «المُغْنِي»، و «الشرْحِ»، و «شَرْحِ ابنِ رَزِين»، في عدَمِ الإجْبارِ. والثاني، يُجْبَرُ على
стр. 6133
فَإِنْ صَالحَهُ عَنْ ذَلِكَ بِعِوَض، لَمْ يَجُزْ.
ــ
إزالتِه، ويَضْمَنُ ما تَلِفَ به. [وهو احْتِمال] (١) في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ». وقال ابنُ رَزِين: ويَضْمَنُ ما تَلِفَ به، إنْ أُمِرَ بإزالتِه فلم يَفْعَلْ. وكذا قال في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ».
قوله: وإنْ صالحَه عن ذلك بعِوَضٍ، لم يَجُزْ. وهو أحَدُ الوُجوهِ. جزَم به في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبوكِ الذَّهَبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «نهايَةِ ابنِ رَزِين». وقدَّمه في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى». وقيل: يجوزُ. قال المُصَنفُ في «المُغْنِي»: اللائقُ بمذهبِنا صِحَّتُه. واخْتارَه ابنُ حامِدٍ، وابنُ عَقِيلٍ.
стр. 6134
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وجزَم به في «المُنَوِّرِ». وقدَّمه ابنُ رَزِين في «شَرْحِه». وأطْلَقَهما في «المُغْنِي»، و «المُحَررِ»، و «الشرْحِ»، و «الفُروعِ». وقيل: إنْ صالحَه عن رُطَبِه، لم يَجُزْ، وإنْ كان يابِسًا، جازَ. اخْتارَه القاضي. وجزَم به في «الوَجيزِ»، و «المُسْتَوْعِبِ». وقدَّم في «التَّلْخيصِ»، عدَمَ الجَوازِ في الرَّطْبَةِ؛ لأنها تَتَغيَّر. وأطْلَقَ الوَجْهَين في اليابِسَةِ. وقال في «الرِّعايَةِ الصُّغْرَى»، و «الحاويَيْن»: وإنْ صالحَه عن رَطْبَةٍ، لم يَجُزْ. وقيل: في الصُّلْحِ عن غُصْنِ الشجَرَةِ وَجْهان. انتهيا. وأطْلَقَ الأوْجُهَ الثلاثةَ في «النَّظْمِ»، و «الفائقِ».
стр. 6135
وَإنِ اتَّفَقَا عَلَى أنَّ الثَّمَرَةَ لَهُ أوْ بَينَهُمَا، جَازَ، وَلَمْ يَلْزَمْ.
ــ
واشْتَرطَ القاضي للصِّحةِ، أنْ يكونَ الغُصْنُ مُعْتَمِدًا على نَفْسِ الحائطِ، ومنَع إذا كان في نَفْسِ الهَواءِ؛ لأنه تابعٌ للهَواءِ المُجَرَّدِ. وقال في «التبصِرَةِ»: يجوزُ مع مَعْرِفَةِ قَدْرِ الزِّيادَة بالأذْرُعِ.
قوله: وإنِ اتفَقَا على أن الثَّمَرَةَ له، أو بينَهما، جازَ، ولم يَلْزَمْ. وهو المذهبُ. جزَم به في «الوَجيزِ»، و «تَذْكِرَةِ ابنِ عَبْدُوسٍ»، و «الرِّعايَةِ الصُّغْرَى»، و «الحاويَيْن»، وغيرِهم. وقدَّمه في «الفائقِ». قال في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»: جازَ في الأصَحِّ. وقيل: لا يجوزُ. قال الإمامُ أحمدُ، في جَعْلِ الثمَرَةِ بينَهما: لا أدْرِي. وهما احْتِمالان مُطْلَقان في «المُغْني»، و «الشرْحِ»، وأطْلَقَهما في «الفُروعِ». وقال المُصَنِّفُ: والذي يَقْوَى عندِي، أن ذلك إباحَة، لا صُلْحٌ.
стр. 6136
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فائدتان؛ إحْداهما، حُكْمُ عُروقِ الشَّجَرَةِ في غيرِ أرْضِ مالِكِها، حُكْمُ الأغْصانِ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. جزَم به في «المُغْني»، و «الشَّرْحِ»، و «النظْمِ»، و «الفائقِ»، وغيرِهم. وقدَّمه في «الفُروعِ». وقيل عنه: حُكْمُها حُكْمُ الأغْصانِ إذا حصَل ضَرَرٌ (١)، وإلَّا فلا. الثَّانيةُ، صُلْحُ مَن مال
стр. 6137
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حائطُه، أو زلَق مِن خَشَبِه إلى مِلْكِ غيرِه، كالأغْصانِ. قاله في «الفُروعِ». وقال: وهو ظاهِرُ رِوايَةِ يَعْقُوبَ. وفي «المُبهِجِ» في بابِ الأطْعِمَةِ، ثَمَرَةُ غُصْن في هَواءِ طَرِيقٍ عام، للمُسْلِمِين.
стр. 6138
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْرَعَ إِلَى طَرِيقٍ نَافِذٍ جَنَاحًا، وَلَا سَابَاطًا، وَلَا دكَانًا.
ــ
قوله: ولا يجوزُ أنْ يَشْرَعَ إلى طَرِيقٍ نافِذٍ جَناحًا ولا ساباطًا. وكذا لا يجوزُ. أنْ يُخْرِجَ دَكَّةً. وهذا المذهبُ مُطْلَقًا، نصَّ عليه، في رِوايَةِ أبِي طالِبٍ، وابنِ مَنْصُورٍ، ومُهَنَّا، وغيرِهم. انتهى. وعينه جماهيرُ الأصحابِ، وقطَع به كثيرٌ
стр. 6139
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
منهم. وهو مِن مُفْرَداتِ المذهبِ. وحُكِيَ عن أحمدَ جَوازُه بلا ضَرَرٍ. ذكَرَه الشَيخُ تَقِيُّ الدِّينِ في «شَرْحِ العُمْدَةِ»، واخْتارَه هو، وصاحِبُ «الفائق». فعلى المذهبِ فيهما وفي المِيزابِ -الآتِي حُكْمُه- يَضْمَنُ ما تَلِفَ بهم. ويأتِي ذلك في كلامِ المُصَنِّفِ، في آخرِ بابِ الغصْبِ. وفي سُقُوطِ نِصْفِ الضمانِ، بِناءً على أصْلِه، وَجْهان. وأطْلَقَهما في «الفُروعِ»، و «الرِّعايَةِ»، في بابِ الغَصْبِ. قلتُ: الصَّوابُ ضَمانُ الجميعِ. ثم وَجَدْتُ المُصَنِّفَ، والشارحَ، في كتابِ الغَصْبِ، قالا لمَن قال مِن أصحاب الشَّافِعِي: يَضْمَنُ النِّصْفَ. لأنّه إخْراجٌ في يضْمَنُ به البَعْضَ، فضَمِنَ به الكُل؛ لأنه المَعْهودُ في الضمانِ. وقال الحارِثِيُّ: وقال الأصحابُ: وبأنَّ النِّصْفَ (١) عُدْوانٌ. فأوْجَبَ كلَّ الضَّمانِ. وظاهِرُ ما قالُوا: إنّه يَضْمَنُ الجميعَ.
стр. 6140
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فائدتان؛ إحْداهما، لا يجوزُ إخْراجُ المَيازِيبِ إلى الطريقِ النَّافِذِ، ولا إلى دَرْبٍ غيرِ نافِذٍ إلَّا بإذْنِ أهْلِه. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ. قال في «القَواعِدِ الفِقْهِيَّةِ»: هو كإشْراعِ الأجْنِحَةِ عندَ الأصحابِ. وهو كما قال. وهو مِنَ المُفْرَداتِ. وفي «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ» احْتِمالْ بالجَوازِ، مع انْتِفاءِ الضَّرَرِ. وحُكِيَ رِوايَةً عن أحمدَ، ذكَرَه الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ في «شَرْحِ العُمْدَةِ» , كما تقدَّم. قلتُ: وعليه العَمَلُ في كلِّ عَصْر ومِصْر. قال في «القَواعِدِ الفِقْهِيةِ»: واخْتارَه طائِفَة مِنَ المُتَأخرِين. قال الشيخُ تَقِي الدِّينِ: إخْراجُ المَيازِيبِ إلى الدَّرْبِ، هو السُّنَّةُ. واخْتارَه، وقدَّمه في «النَّظْمِ». فعلى هذا، لا ضَمانَ.
تنبيه: محَلُّ عدَمِ الجَوازِ والضَّمانِ في الجَناحِ والسَّاباطِ والمَيازِيبِ، إذا لم يَأذَنْ فيه الإمامُ أو نائِبُه. فأما إنْ أذِنَ أحدُهما فيه، جازَ ذلك إنْ لم يَكُنْ فيه ضَرَرٌ، عندَ جماهيرِ الأصحابِ. قال في «الفُروعِ»: وجوَّزَ ذلك الأكثرُ بإذْنِ الإمامِ.
стр. 6141
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقاله في «القَواعِدِ»، عنِ القاضي، والأكثرِ. وجزَم به في «التَّلْخيصِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، وغيرِهم. قال الحارِثِيُّ: جزَم به القاضي في «المُجَرَّدِ»، و «التَّعْلِيقِ الكَبيرِ»، وابنُ عَقِيل في «الفُصولِ». وقيل: لا يجوزُ، ولو أذِنَ فيه. قدَّمه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الفائقِ»، و «الحاويَيْن». وقال الحارِثِيُّ، في بابِ الغَصْبِ: والمذهبُ المَنْصُوصُ، عدَمُ الإباحَةِ مُطْلَقًا، كما تقدَّم في بابِ الصُّلْحِ. انتهى. وقدَّمه في «القاعِدَةِ الثَّامِنَةِ والثمانِين»، وقال: نصَّ عليه في رِوايَةِ أبِي طالب، وابنِ مَنْصُورٍ، ومُهَنَّا، وغيرِهم. وقاله القاضي في «المُجَرَّدِ». قلتُ: بل هو ظاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ. وقال المَجْدُ في «شَرْحِه»، في كتابِ الصَّلاةِ: إنْ كان لا يضُرُّ بالمارَّةِ، جازَ. وهل يَفْتَقِرُ إلى إذْنِ الإِمام؟ على رِوايَتْين. الثَّانيةُ، لم يذْكُرِ الأصحابُ مِقْدارَ طُولِ الجِدارِ الذي يُشْرَعُ عَليه الجَناحُ والمِيزابُ والسَّاباطُ، إذا قُلْنا بالجَوازِ، لكِنْ حيثُ انْتَفَى الضَّرَرُ، جازَ. وقال في «التَّلْخيصِ»،
стр. 6142
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
و «الترْغِيبِ»: يكونُ بحيثُ يُمْكِنُ عُبورُ مَحْمِل. وقدَّمه في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى». واخْتارَه الشيخُ تَقِيُّ الدِّينِ. وقال بعضُ الأصحابِ: يكونُ بحيثُ يُمْكِنُ مُرورُ رُمْحٍ قائِمًا بيَدِ فارِسٍ.
قوله: ولا دُكَّانًا. لا يجوزُ أنْ يشْرَعَ دُكَّانًا في طَرِيقٍ نافِذٍ، سواء أذِنَ فيه الإمامُ، أو لا. على الصَّحيحِ مِنَ المَذهبِ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ. قال في «المُغْنِي»، و «الشَّرْح»، و «الحاوي الكَبِيرِ»: لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا. وقدَّمه في «الفُروعِ». وقيل: حُكْمُه حكمُ الجَناحِ ونحوه. قال في «الفُروعِ»: مع أن الأصحابَ لم يُجَوِّزُوا حَفرَ البِئرِ والبِناءَ في ذلك لنَفسِه، وكأنه لما فيه مِنَ الدَّوامِ. قال: ويتَوَجَّهُ مِن هذا الوَجْهِ، تخْرِيجٌ. يعْنِي، في جَوازِ حَفْرِ البِئْرِ والبِناءِ. وظاهِرُ كلامِه في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»، جَوازُ إخْراجِ الدُّكَّانِ، وإنْ
стр. 6143
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مَنعْناه مِن غيرِه، على المُقدَّمِ؛ فإنَّه قال: وليس لأحَدٍ أنْ يُخْرِجَ إلى دَرْبٍ نافِذٍ مِن مِلْكِه رَوْشَنًا, ولا كذا, ولا كذا. وقيل: ولا دُكَّانًا. ولعَلَّه سَهْوٌ، إنْ لم يَكُنْ في النُّسْخَةِ غلَطٌ.
[تنبيه: ممَّن ذكَر الدُّكَّانَ كالمُصَنِّفِ، واقْتَصرَ عليه، أبو الخَطَّابِ في «الهِدايَةِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، وجَمْعٌ كثير. وممَّنْ ذكَر الدَّكَّةَ، واقْتَصرَ عليها، ولم يذْكُرِ الدكانَ، جماعَةٌ؛ منهم ابنُ حَمْدانَ، في «الرِّعايَةِ الصغْرَى»، وصاحِبُ «الحاوي الصَّغِيرِ». وقد فسَّر ابنُ مُنَجَّى الدُّكَّانَ في كلامِ المُصَنِّفِ بالدكةِ. قال في «المُطْلِعِ»: قال أبو السَّعاداتِ (١): الدكانُ، الدكةُ المَبْنِيةُ للجُلُوسِ عليها. وقال في «البَدْرِ المُنِيرِ»: الدّكَّةُ، المَكانُ المُرْتَفِعُ يُجْلَسُ عليه، وهو المَصْطَبَةُ. وجمَع ابنُ حَمْدانَ، في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى» بينَهما، فقال: وليس لأحَدٍ أنْ يُخْرِجَ إلى طَرِيقٍ نافِذ دَكَّةً. وقيل: ولا دُكَّانًا. انتهى. فغايرَ بينَهما. وقد قال الجَوْهَرِيُّ: الدكانُ؛ الحانُوتُ. انتهى. فهو غِيرُ الدكةِ عندَه. وقال في «البَدْرِ المنيرِ»: والدكانُ يُطْلَقُ على الحانُوتِ، وعلى الدكةِ التي يُقْعَدُ عليها. انتهى. وقال في «القامُوسِ» (٢): الدكةُ بالفَتْحِ، والدكانُ بالضَّمِّ، بِناءٌ يُسْطَحُ أعْلاه للمَقْعَدِ. انتهى] (٣).
стр. 6144
وَلَا أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ في مِلْكِ إِنْسَانٍ، وَلَا دَرْبٍ غَيرِ نَافِذٍ إلا بِاذْنِ أهْلِهِ.
ــ
قوله: ولا أنْ يَفْعَلَ ذلك في دَرْبٍ غيرِ نَافِذٍ، إلَّا بإذْنِ أهْلِه. بلا نِزاع. وكذا
стр. 6145
فَإِنْ صَالحَ عَنْ ذَلِكَ بِعِوَضٍ، جَازَ في أحَدِ الْوَجْهَينِ.
ــ
لا يجوزُ أنْ يَفْعَلَ ذلك هَواءِ جارِه إلَّا بإذْنِه.
قوله: فإنْ صالحَ عن ذلك بعِوَض، جازَ، في أحدِ الوَجْهَين. وهو المذهبُ. قال في «الفُروعِ»: ويصِحُّ صُلْحُه عن مَعْلُومِه بعِوَض في الأصحِّ. وصحَّحه في «التَّصْحيحِ»، و «الفائقِ»، و «الرعايتَين»، و «الحاويَيْن». واخْتارَه أبو الخَطَّابِ وغيرُه. وجزَم به في «المُحَرَّرِ»، و «الوَجيزِ»، و «المُنَوِّرِ»، وغيرِهم. وقدَّمه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، وغيرِهما. والوَجْهُ الثَّاني،
стр. 6146
وَإذَا كَانَ ظَهْرُ دَارِهِ في دَرْب غَيرِ نَافِذٍ، فَفَتَحَ فِيهِ بَابًا لِغَيرِ الاسْتِطْرَاقِ، جَازَ. وَيَحْتَمِلُ ألا يَجُوزَ.
ــ
لا يجوزُ. اخْتارَه القاضي، وجزَم به في «نِهايَةِ ابنِ رَزِنٍ»، ورَدَّه المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ. وأطْلَقهما في «المُذْهَبِ»، و «الخُلاصَةِ».
قوله: وإنْ كانَ ظَهْرُ دارِه في دَرْبٍ غيرِ نافِذٍ، ففتَح فيه بابًا لغيرِ الاسْتِطْراقِ،
стр. 6147
وَإنْ فَتَحَهُ للِاسْتِطْرَاقِ، لَمْ يَجُزْ، إلا بِإِذْنِهِمْ في أحَدِ الْوَجْهَين وإنْ صَالحَهُمْ، جَازَ.
ــ
جازَ. وهو المذهبُ، نصّ عليه، وعليه أكثرُ الأصحابِ. ويَحْتَمِلُ أنْ لا يجوزَ إلَّا بإذْنِهم، وهو لابنِ عَقِيل، واخْتارَه بعضُ الأصحابِ.
قوله: وإنْ فتَحَه للاسْتِطْراقِ، لم يَجُزْ، إلَّا بإذْنِهم، في أحَدِ الوَجْهَين. وهو المذهبُ، نصّ عليه، وعليه أكثرُ الأصحابِ. وصححه في «التصْحيحِ» وغيرِه.
стр. 6148
وَلَوْ أنَّ بَابَهُ في آخِرِ الدَّرْبِ، مَلَكَ نَقْلَهُ إِلَى أوَّلِهِ، وَلَمْ يَمْلِكْ نَقْلَهُ إِلَى دَاخِل مِنْهُ في أحَدِ الْوَجْهَينِ.
ــ
وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه. وقدَّمه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم. قال في «الفائقِ»: لم يَجُزْ في أصحِّ الوَجْهَين. والوَجْهُ الثَّاني، يجوزُ بغيرِ إذْنِهم.
قوله: ولو أنَّ بابَه في آخِرِ الدَّرْبِ، ملَك نَقْلَه إلى أوَّلِه. يعْنِي، إذا لم يَحْصُلْ ضَرَر [مِن فَتْحِه مُحاذِيًا لبابِ غيرِه ونحوه] (١). وهو المذهبُ مُطْلَقًا، وعليه جماهيرُ الأصحابِ. وجزَم به في «المُغْنِي»، و «الشرْحِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الوَجيزِ»، و «الفائقِ»، وغيرِهم. وقال في «التَّرْغِيبِ»: وقيل: لا يجوزُ مُحاذِيا لبابِ غيرِه. [فظاهِرُه أنَّه قدم الجَوازَ مُطْلَقًا. وهو ضَعِيف] (١).
стр. 6149
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قوله: ولم يَمْلِكْ نَقْلَه إلى داخِل منه، في أحدِ الوَجْهَين. وهو المذهبُ، نصَّ عليه، وعليه جماهيرُ الأصحابِ. وجزَم به في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الوَجيزِ»، وغيرِهم. وقدَّمه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الفُروعِ»، و «شَرْحِ ابنِ رَزِين»، و «الفائقِ»، وغيرِهم. والوَجْهُ الثاني، يجوزُ. قال في «الحاوي الكَبِيرِ»: اخْتارَه صاحِبُ «المُغْنِي»، لكِنْ لا يفْتَحُه قُبالةَ بابِ غيرِه. نصَّ عليه. وقال ابنُ أبي مُوسى: يجوزُ، إنْ سَدَّ البابَ الأولَ. وهو ظاهِرُ نَقْلِ يَعْقوبَ.
تنبيه: محَل الخِلافِ، إذا لم يأذَنْ له مَن فوقَه. فأمَّا إنْ أذِنُوا، ارْتفَعَ الخِلافُ. على الصَّحيحِ. وقيل: لا بدَّ أيضًا مِن إذنِ مَن هو أسْفَلُ منه. وهو بعيد. وحيثُ قُلْنا بالإذْنِ، وأذِنُوا، فيكُونُ إعارَةً. قال في «الفُروعِ»: ويكونُ إعارَةً في الأشْبَهِ. وكذا قال قبلَه في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى».
стр. 6150
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فوائد؛ إحْداها, لو كان لرَجُلٍ داران؛ ظَهْرُ كلِّ واحِدَةٍ منهما إلى ظَهْرِ الأُخْرَى، وبابُ كلِّ واحِدَةٍ منهما إلى دَرْبٍ غيرِ نافِذٍ، فرفَع الحاجِزَ بينَهما، وجعَلَهما دارًا واحدَةً، جازَ. وإنْ فتَح مِن كلِّ واحِدَةٍ منهما بابًا إلى الأُخْرَى؛ ليَتمَكَّنَ مِنَ التَّطَرُّق مِن كلِّ واحِدَةٍ منهما إلى كلا الدَّارَين، فقال القاضي: لا يجوزُ. وجزَم به في «المُذْهَبِ». وقدَّمه ابنُ رَزِين في «شَرْحِه». قال في «الرِّعايَةِ
стр. 6151
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الكُبْرَى»: لم يَجُزْ في الأصحِّ. قال في «الصُّغْرَى»: جازَ في وَجْهٍ. وقيل: يجوزُ. قال المُصَنِّفُ: والأشْبَهُ الجَوازُ. قلتُ: وهو الصَّوابُ. قال في «النَّظْمِ»: وهو الأقْوَى. وجزَم به في «المُنَوِّرِ». وأطْلَقَهما في «التَّلْخيصِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الحاويَيْن». الثَّانيةُ، الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّ الجارَ يُمْنَعُ مِنَ التَّصَرُّفِ في مِلْكِه بما يَضُرُّ بجارِه؛ كحَفْرٍ كَنِيفٍ إلى جَنْبِ حائطِ جارِه، وبِناءِ حَمَّام إلى جَنْبِ دارِه، يتَأذَّى بذلك، ونصْبِ تنورٍ يتَأذَّى باسْتِدامَةِ دُخانِه، وعمَلِ دُكَّانِ قِصارَةٍ وحِدادَةٍ، يتَأذَّى بكَثْرَةِ دَقِّه، أو رَحًى، أو حَفْرِ بِئْر ينْقَطِعُ به ماءُ بِئْرِ جارِه، [ونحو ذلك. وعليه جماهيرُ الأصحابِ. وجزَم به في] (١)
стр. 6152
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[«المُحَرَّرِ» وغيرِه. وقدَّمه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاويَيْن»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم. فإنْ حفَر بِئْرًا في مِلْكِه، فانْقَطَعَ ماءُ بِئرِ جارِه] (١)، أمِرَ بسَدِّها؛ ليَعُودَ ماءُ البِئْرِ الأولَةِ. على الصَّحيحِ. فإنْ لم يَعُدْ، كُلِّفَ صاحِبُ البِئْرِ الأوَّلَةِ حَفْرَ البِئْرِ التي سُدَّتْ لأجْلِه مِن مالِه. وعنه، لا يُكَلَّفُ سدَّ بِئْرِه، ولو انْقَطَعَ ماءُ بِئْرِ جارِه. قال القاضي: فيُخَرَّجُ في المَسائلِ التي قبلَها؛ مِنَ الحَمَّامِ، والتَّنُّورِ، ودُكَّانِ القِصارَةِ، والحِدادَةِ، ونحوها، رِوايَتان. قال ابنُ رَزِين: عدَمُ المَنْعِ في الجَميعِ أقْيَسُ. وقال في «التَّلْخيصِ»، في بابِ إحْياءِ المَواتِ: يُمْنَعُ مِن ذلك. ثم قال: وفيه رِوايَةٌ أخْرَى، لا يُمْنَعُ مِن ذلك. اخْتارَه أبو بَكْرٍ، ذكَرَه أبو إسْحاقَ في «تَعاليقِه» عنه. وأطْلَقَ الروايتَين في الجَميعِ في «الفائقِ». الثَّالثَةُ، لو ادَّعَى أنَّ بِئْرَه فسَدَتْ مِن خَلاءِ جارِه، أو بالُوعَتِه، طُرِحَ في الخَلاءِ أو البالُوعَةِ نِفْطٌ؛ فإنْ لم يَظْهَرْ طَعْمُ النفْطِ ولا رائِحَتُه في البِئْرِ، عُلِمَ أن فَسادَها بغيرِ ذلك. وإنْ ظهَر طَعْمُه أو رائِحَتُه فيها، كُلِّفَ صاحِبُ الخَلاءِ والبالُوعَةِ نقْلَ ذلك، إنْ لم يُمْكِنْ إصْلاحُها. هذا إذا كانتِ البِئْرُ أقْدَمَ منهما.
стр. 6153
وَلَيسَ لَهُ أَنْ يَفْتَحَ في حَائِطِ جَارِهِ، وَلَا في الْحَائِطِ الْمُشْتَرَكِ رَوْزَنَةً وَلَا طَاقًا، إلَّا بإِذْنِ صَاحِبِه.
ــ
وعلى الرِّوايَةِ الأخْرَى، لا تلْزَمُ مالِكَ الخَلاءِ والبالوعَةِ تَغْيِيرُ ما عَمِلَه في مِلْكِه بحالٍ. قاله في «الحاويَيْن» وغيرِه. الرَّابعةُ، ليس له مَنْعُه مِن تَعْلِيَة دارِه، في ظاهِرِ ما ذكَرَه المُصَنِّفُ في «المُغْنِي»، ولو أفْضَى إلى سَدِّ الفَضاءِ عن جارِه. قاله الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ. وقال في «الفُروعِ»: ويتَوَجَّهُ مِن قَوْلِ أحمدَ: لا ضَرَرَ ولا ضِرارَ. مَنْعُه. قلتُ: وهو الصَّوابُ. وقال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ: ليس له مَنْعُه؛ خوْفًا مِن نَقص أجْرَةِ مِلْكِه، بلا نِزاع. وقد قال في «الفُنُونِ»: من أحْدَثَ في دره دِباغَ الجُلودِ، أو عمَلَ الصَّحْناةِ (١)، يحْتَمِلُ المَنْعَ. وقال ابنُ عَقِيل أيضًا: لا يجوزُ أنْ يُحْدِثَ في مِلْكِه قَناةً تَنِزُّ إلى حِيطانِ النَّاسِ.
قوله: وليس له أنْ يَفْتَحَ في حائطِ جارِه، ولا الحائطِ المُشْتَرَكِ روْزَنَةً، ولا طاقًا، إلَّا بإذْنِ صاحِبِه. يَحْرُمُ عليه التَّصَرُّفُ في ذلك حتى بضَرْبِ وَتَدٍ، ولا يُحْدِثُ سُتْرَةً. قال في «الفُروعِ»: ذكَرَه جماعَةٌ. وحمَل القاضي قَوْلَ أحمدَ: يَلْزَمُ الشَّرِيكَ النَّفَقَةُ مع شَرِيكِه على السُّتْرَةِ. على سُتْرَةٍ قَديمةٍ انْهدَمَتْ. واخْتارَ في «المُستَوْعِبِ» وُجوبَها مُطْلَقًا على نصِّه، فقال: وعندِي، أن السُّتْرَةَ واجِبَة على كلِّ حالٍ، على ما نصَّ عليه مِن وُجوبِها.
стр. 6154
وَلَيسَ لَهُ وَضْعُ خَشَبِهِ عَلَيهِ إلَّا عِنْدَ الضَّرُورةِ، بِأنْ لَا يُمْكِنَهُ التَّسْقِيفُ إلا بِهِ.
ــ
فائدة: يَلْزَمُ الأعْلَى بِناءُ سُتْرَةٍ تَمْنَعُ مُشارَفَةَ الأسْفَلِ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهب، وعليه جماهيرُ الأصحابِ. ونقَلَه ابنُ مَنْصُورٍ. وجزَم به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «المُحَررِ»، و «الحاويَيْن»، و «الرعايَةِ الصُّغْرَى»، و «تَجْرِيدِ العِنايَةِ»، وغيرِهم. وقدَّمه في «الفُروعِ»، و «الرعايَةِ الكُبْرَى». وهو مِن مُفْرَداتِ المذهبِ. وقيل: يُشارِكُه الأسْفَلُ. وأما إذا تَساوَيا، فإن المُمْتَنِعَ يُلْزَمُ بالمُشارَكَةِ.
قوله: وليس له وَضْعُ خَشَبِه عليه -يعْنِي، على حائطِ جارِه، أو الحائطِ المُشْتَرَكِ- إلَّا عندَ الضرُورَةِ، بأنْ لا يُمْكِنَه التسْقِيفُ إلَّا به. إذا أرادَ أنْ يضَعَ
стр. 6155
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
خشَبَه على جِدارِ جارِه، أو الجِدارِ المُشْتَرَكِ، فلا يَخْلُو؛ إمَّا أنْ يتَضَرَّرَ الحائطُ بذلك، أو لا؛ فإنْ تَضَرَّرَ بذلك، مُنِعَ. بلا نِزاعٍ. وإنْ لم يتَضَرَّرْ، فلا يَخْلُو؛ إما أنْ يكونَ صاحِبُ الخَشَبِ مُسْتَغْنِيًا عن ذلك؛ لإمْكانِه وَضْعُه على غيرِه، أو لا؛ فإنْ كان مُسْتَغْنِيًا عن وَضْعِه، وأرادَ وَضْعَه عليه، مُنِعَ منه. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، نصَّ عليه. قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: عليه أكثرُ الأصحابِ. وقدَّمه
стр. 6156
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
في «الفُروعِ». وصحَّحه في «الرِّعايَةِ» وغيرِها. وجزَم به في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «المُسْتَوْعِبِ» و «الوَجيزِ»، وغيرِهم. وقال ابنُ عَقِيل: يجوزُ. وأطْلَقَ أحمدُ الجَوازَ، وكذا صاحِبُ «المُحَرَّرِ» وغيرُه. وإنْ لم يكُنْ مُسْتَغْنِيًا، ودَعَتِ الضَّرُورَةُ إلى ذلك عندَ الأكثرِ -وفي «المُغْني»، و «الشرْحِ»، ودَعَتِ الحاجَةُ إلى ذلك- فالصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، له وَضْعُه عليه. نصَّ عليه، وعليه جماهيرُ الأصحابِ، وقطَع به كثيرٌ منهم. وهو مِنَ المُفْرَداتِ. فعلى هذا، لا يجوزُ لرَبِّ الجِدارِ مَنْعُه، وإنْ منَعَه، أجْبَرَه الحاكِمُ. وقد نصَّ الإمامُ أحمدُ على عدَمِ اعْتِبارِ إذْنِه في الوَضْعِ، ولو صالحَه عنه بشيءٍ، جازَ. قال في «الرِّعايَةِ»: جازَ في الأصحِّ. انتهى. وقيل: لا يجوزُ له وَضْعُه بغيرِ إذْنِه. وخرَّجَه أبو الخَطابِ مِن رِوايَةِ المَنْعِ مِن وَضْعِه على جِدارِ المَسْجِدِ. وهو قَوْلُ المُصَنِّفِ. وهذا تَنْبِيهٌ على أنَّه لا يَضَعُه على جِدارِ جارِه؛ لأنَّ
стр. 6157
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
له في المَسْجِدِ حقًّا، وحقُّ اللهِ مَبْنِيٌّ على المُساهَلَةِ. وكذا قال في «الهِدايَةِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الحاويَيْن».
فائدة: ذكَر أكثرُ الأصحابِ الضَّرُورَةَ، مِثْلَ أنْ يكونَ للجارِ ثَلاثَةُ جُدُرٍ، وله جِدارٌ واحدٌ (١)؛ منهم القاضي، وابنُ عَقِيلٍ. وجزَم به في «المُسْتَوْعِبِ»، و «الرِّعايَةِ». وقال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: وليس هذا في كلامِ أحمدَ، إنَّما قال في رِوايَةِ أبِي داودَ: لا يَمْنَعُه إذا لم يَكُنْ ضَرَرٌ، وكان الحائطُ يَبْقَى. ولأنَّه قد يَمْتَنِعُ التَّسْقِيفُ على حائطَين، إذا كانا غيرَ مُتَقابِلَين، أو كان البَيتُ واسِعًا يَحْتاجُ أنْ يجعلَ فيه جِسْرًا، ثم يضَعَ الخَشَبَ على ذلك الجِسْرِ. قال المُصَنِّفُ: والأوْلَى اعْتِبارُه بما ذكَرْنا، مِنِ امْتِناعِ التَّسْقيفِ بدُونِه. ولا فَرْقَ فيما ذكَرْنا بينَ البالِغِ واليَتِيمِ والعاقلِ والمَجْنُونِ.
стр. 6158
وعَنْهُ، لَيسَ لَهُ وَضْعُ خَشَبِهِ عَلَى جِدَارِ الْمَسجِدِ. وَهَذَا تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَضَعُ عَلَى جِدَارِ جَارِهِ.
ــ
تنبيه: ظاهِرُ قوْلِه: وعنه، ليس له وَضْعُ خَشَبِه على جِدارِ المَسْجِدِ. [أنَّ المُقَدَّمَ جَوازُ] (١) وَضْعِه عليه، وهو ظاهِرُ ما قدَّمه في «الحاويَيْن»، وهو إحْدَى الرِّوايتَين أو الوَجْهَين. وهو المذهبُ عندَ ابنِ مُنَجَّى في «شَرْحِه». وجزَم به في «المُنَوِّرِ». وهو احْتِمالٌ في «المُذْهَبِ». والرِّوايَةُ الأُخْرَى، ليس له وَضْعُه على جِدارِ المَسْجِدِ، وإنْ جازَ وَضْعُه على جِدارِ غيرِه. وهي التي ذكَرَها المُصَنِّفُ هنا. واخْتارَها أبو بَكْرٍ، وأبو محمدٍ الجَوْزِيُّ. وصحَّحه في «الرِّعايتَين». وجزَم
стр. 6159
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
به في «الخُلاصَةِ». وقدَّمه في «المُذْهَبِ». وأطْلَقهما في «التَّلْخيصِ»، و «الشرْحِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ»، و «الكافِي».
فوائد؛ إحْداها، لو كان له حقُّ ماءٍ يَجْرِي على سَطْحِ جارِه، لم يَجُزْ له تَعْلِيَةُ سَطْحِه ليَمْنَعَ الماءَ. ذكَرَه ابنُ عَقِيلٍ وغيرُه. وليس له تَعْلِيَتُه لكَثْرَةِ ضَرَرِه. الثَّانيةُ، يجوزُ له الاسْتِنادُ إلى حائطِ جارِه وإسْنادُ قُماشِه إليه. وذكَر في «النِّهايَةِ» في مَنْعِه احْتِمالين. وله الجُلُوسُ (١) في ظِلِّه، ونظَرُه في ضَوْءِ سِراجِه. ونقَل المَرُّوذِيُّ، يَسْتَأْذِنُه، أعْجَبُ إليَّ، فإنْ منَعَه، حاكَمَه. ونقَل جَعْفَرٌ، قيلَ له: أيَضَعُه، ولا يَسْتَأْذِنُه؟ قال: نعم، أيشِ يَسْتَأْذِنُه؟ قال الشيخُ تَقِيُّ الدِّينِ: العَينُ والمَنْفَعَةُ التي لا قِيمَةَ لها عادةً، لا يصِحُّ أنْ يرِدَ عليها عقَدُ بَيعٍ وإجارَةٍ اتِّفاقًا، كمَسْأَلتِنا. الثَّالثةُ، لو ملَك وَضْعَ خَشَبِه على حائطٍ، فزال بسُقوطِه، أو قَلْعِه، أو سُقوطِ
стр. 6160
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الحائطِ، ثم أُعِيدَ، فله إعادَةُ خَشَبِه، إنْ حصَل له ضَرَرٌ بتَرْكِه، ولم يُخْشَ على الحائطِ مِن وَضْعِه عليه، وإنْ خِيفَ سُقوطُ الحائطِ بعدَ وَضْعِه عليه، لَزِمَ إزالتُه. الرَّابعةُ، لو كانَ له وَضْعُ خَشَبِه على جِدارِ غيرِه، لم يَمْلِكْ إجارَتَه، ولا إعارَتَه، ولا يَمْلِكُ أيضًا بَيعَه، ولا المُصالحَةَ عنه للمالِكِ ولا لغيرِه. ولو أرادَ صاحِبُ الحائطِ إعارَتَه أو إجارَتَه، على وَجْهٍ يَمْنَعُ هذا المُسْتَحِقَّ مِن وَضْعِ خَشَبِه، لم يَمْلِكْ ذلك. فيُعايَىَ بها. ولو أرادَ هَدْمَ الحائطِ مِن غيرِ حاجَةٍ، لم يَمْلِكْ ذلك. الخامسةُ، لو أذِنَ صاحِبُ الحائطِ لجارِه في البِناءِ على حائطِه، أو وَضْعِ سُتْرَةٍ عليه، أو وَضعِ خَشَبِه عليه في المَوْضِعِ الذي يَسْتَحِقُّ وَضْعُه، جازَ، وصارَتْ عارِيَّةً لازِمَةً، يأْتِي حُكْمُها في بابِ العارِيَّةِ. وإنْ أذِنَ في ذلك بأُجْرَةٍ، جازَ. سواءٌ كانتْ إجارَةً أو صُلْحًا، على وَضْعِه على التَّأْبِيدِ، ومتى زال فله إعادَتُه (١). ويُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ البِناءِ
وَإِنْ كَانَ بَينَهُمَا حَائِطٌ فَانْهَدَمَ، فَطَالبَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ بِبِنَائِهِ مَعَهُ، أُجْبِرَ عَلَيهِ. وَعَنْهُ، لَا يُجْبَرُ،
ــ
قوله: وإنْ كان بينَهما حائطٌ، فانْهدَمَ، فطالبَ أحَدُهما صاحِبَه ببِنائِه معه، أُجْبِرَ عليه. هذا المذهبُ بلا رَيبٍ. ونصَّ عليه، في رِوايَةِ ابنِ القاسِمِ، وحَرْبٍ، وسِنْدِيٍّ. وعليه جماهيرُ الأصحابِ. قال في «الفُروعِ»: اخْتارَه أصحابُنا. قال ابنُ عَقِيلٍ: عليه أصحابُنا. قال القاضي: هذا أصحُّ. قال (١) في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»: لَزِمَ الآخَرَ على الأصحِّ. قال في «الحاويَيْن»، و «الفائقِ»،
стр. 6165
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وغيرِهم: أُجْبِرَ، في أصحِّ الرِّوايتَين. قال ابنُ رَزِينٍ: اخْتارَه أكثرُ الأشْياخِ. قال في «القَواعِدِ الفِقْهِيَّةِ»: هذا المذهبُ، نصَّ عليه في رِوايَةِ جَماعَةٍ. وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه. وقدَّمه في، «المُحَرَّرِ»، و «الفُروعِ»، و «الرِّعايَةِ الصُّغْرَى»، وغيرِهم. وهو مِنَ المُفْرَداتِ. وعنه، لا يُجْبَرُ. اخْتارَه المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وقالا: هو أقْوَى في النَّظرَ. واخْتارَه أبو محمدٍ الجَوْزِيُّ أيضًا. قال ابنُ رَزِين في «شَرْحِه»: وهو أظْهَرُ، كبِناءِ حائطٍ بينَ مِلْكَيهما (١). فعلى الرِّوايَةِ الثَّانيةِ، قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وغيرُهما: لو بَناه، ثم أرادَ نَقْضَه؛ فإنْ كان