. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الخَطَّابِ في «الهِدايَةِ». قال المُصَنِّفُ في «المُغْنِي»، و «الكافِي»، والشَّارِحُ: وقال القاضي، وأبو الخَطَّابِ: ليس هذا الذَّرْعُ المذْكُورُ على سَبيلِ التَّحْديدِ، بل حَرِيمُها، على الحقيقَةِ، ما تَحْتاجُ إليه مِن ترْقِيَةِ مائِها منها؛ فإنْ كان بدُولابٍ، فقَدْرُ مَدارِ الثَّوْرِ أو غيرِه، وإنْ كان بسانِيَةٍ، فقَدْرُ طُولِ البِئْرِ، وإنْ كان يَسْتَقِي منها بيَدِه، فبِقَدْرِ ما يحْتاجُ إليه الواقِفُ عندَها. وهو روايَةٌ عن أحمدَ. وقيل: إنْ كان قَدْرُ الحاجةِ أكْثَرَ، فهو حَرِيمُها، وإنْ كان التَّحْديدُ المذكورُ أكْثَرَ، فهو حَرِيمُها. ذكَرَه القاضي في «الأَحْكامِ السُّلْطانِيَّةِ». واخْتارَه القاضي أبو الحُسَينِ، وأبو الحَسَنِ بنُ بكْروسٍ. وعندَ أبِي محمدٍ الجَوْزِيِّ، إنْ حفَرَها
стр. 7527
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
في مَواتٍ، فحَرِيمُها خَمْسَةٌ وعِشْرون ذِراعًا مِن كلِّ جانبٍ، وإنْ كانت كبيرةً، فخَمْسون ذِراعًا.
فائدة: البِئْرُ العادِيَّةُ، بتَشْديدِ الياءِ؛ وهي القَدِيمَةُ. نقَلَه ابنُ مَنْصُورٍ، منْسُوبَةً إلى عادٍ، ولم يُرِدْ عادًا بعَينِها، لكن لمَّا كانت عادٌ في الزَّمَنِ الأوَّلِ، وكانتْ لها آبارٌ في الأَرْضِ، نُسِبَ إليها كلُّ قديمٍ. وعندَ الشَّيخِ تَقِيِّ الدّينِ، العادِيَّةُ؛ هي التي أُعِيدَتْ. ونقَل حَرْبٌ وغيرُه، العادِيَّةُ؛ هي التي لم تَزُلْ، وأنَّه ليس لأحَدٍ دُخولُه؛ لأنَّه قد ملَكَه.
فوائد؛ منها، حريمُ العَينِ خَمْسُمِائَةِ ذِراعٍ. نصَّ عليه مِن روايةِ غيرِ واحِدٍ. وقاله القاضي في «الأَحْكامِ السُّلْطانِيَّةِ»، وابنُه أبو الحُسَينِ، وابنُ بكْروسٍ، وصاحبُ «التَّلْخيصِ»، وغيرُهم. قاله الحارِثِيُّ. وقدَّمه في «الرِّعايتَين»، و «الفُروعِ»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الفائقِ»، وغيرِهم. وقيل: قَدْرُ
стр. 7528
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الحاجَةِ، ولو كان ألْفَ ذِراعٍ. اخْتارَه القاضي في «المُجَرَّدِ»، وأبو الخَطَّابِ، والمُصَنِّفُ في «الكافِي»، وغيرُهم. قال في «الفُروعِ»: اخْتارَه جماعةٌ. ومنها، حَرِيمُ النَّهْرِ مِن جانِبَيه، ما يحْتاجُ إليه لطَرْحِ كِرايَتِه، وطَرِيقٌ شَاويَّة، وما يسْتَضِرُّ صاحِبُه بتمَلُّكِه عليه، وإنْ كَثُرَ (١). قال في «الرِّعايَةِ»: وإنْ كان بجَنْبِه مُسَنَّاةٌ لغيرِه، ارْتفَقَ في ذلك ضَرورَةً، وله عمَلُ أحْجارِ طَحْنٍ على النَّهْرِ، ونحوه، ومَوْضِعِ غَرْسٍ، وزَرْعٍ، ونحوهما. انتهى. وقال في «الرِّعايَةِ الصُّغْرَى»: ومَن حفَر عَينًا، ملَك حرِيمَها خَمْسَمِائَةِ ذِراعٍ. وقيل: بل قَدْرُ الحاجَةِ. قلتُ: وكذا النَّهْرُ. وقيل: بل ما يحْتاجُه لتَنْظيفِه. انتهى. ومنها، حريمُ القَناةِ، والمذهبُ أنَّه كحَريمِ العَينِ خَمْسُمِائَةِ ذِراعٍ. قاله الحارِثِيُّ، وقال: واعْتَبرَه القاضي في «الأَحْكامِ السُّلْطانِيَّةِ» بحريمِ النَّهْرِ. ومنها، حريمُ الشَّجَرِ قَدْرُ مَدِّ أغْصانِها. قاله المُصَنِّفُ وغيرُه. ومنها، حريمُ الأرْضِ التي للزَّرْعِ، ما
стр. 7529
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يحْتاجُه في سَقْيِها، ورَبْطِ دَوابِّها، وطَرْحِ سَبَخِها، وغيرِ ذلك. وحريمُ الدَّارِ مِن مَواتٍ حوْلَها، مَطْرَحُ التُّرابِ، والكُناسَةِ والثَّلجِ، وماءِ المِيزابِ، والمَمَرِّ إلى البابِ. ولا حريمَ لدارٍ مَحْفوفَةٍ بمِلْكِ الغيرِ. ويتَصَرَّفُ كلُّ واحدٍ في مِلْكِه، ويَنْتَفِعُ به، على ما جرَتِ العادَةُ عُرْفًا، فإنْ تعَدَّى، مُنِعَ.
فائدتان؛ إحْداهما، قال في «المُغْنِي» (١)، ومَن تابَعه: إنْ سبَق إلى شجَرٍ مُباحٍ؛ كالزَّيتُونِ، والخَرُّوبِ، فَسَقاه وأصْلَحَه، فهو أحقُّ به، كالمُتحَجِّرِ الشَّارِعِ في الإِحْياءِ، فإنْ طَعِمَه، ملَكَه، وحَرِيمُه تَهَيُّؤُه لما يُرادُ منه. الثَّانيةُ، لو أذِنَ لغيرِه في عمَلِه في مَعْدِنِه، والخارِجُ له، بغيرِ عِوَضٍ، صحَّ؛ لقَوْلِ أحمدَ: بِعْه بكذَا، فما زادَ فلك. وقال المَجْدُ: فيه نظَرٌ؛ لكَوْنِه هِبَةَ مَجْهولٍ. ولو قال: على أنْ يُعْطِيَهم ألْفًا ممَّا لَقِيَ، أو مُناصَفَةً، والبَقِيَّةُ له. فنقَلَ حَرْبٌ، أنَّه لم يُرَخِّصْ فيه. ولو قال: على أنَّ ما رزَق اللهُ بينَنا. فوَجْهانِ. وأطْلَقَهما في «الفُروعِ»، و «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»؛ أحدُهما، يصِحُّ (٢). قدَّمه ابنُ رَزِينٍ في «شَرْحِه». قال الحارِثِيُّ: أظْهَرُهما الصِّحَّةُ. قال القاضي: هو قِياسُ المذهبِ. ولم يُورِدْ سِواه، وذكَر فيه نصَّ أحمدَ، إذا قال: صُفَّ لي هذا الزَّرْعَ، على أنَّ لك ثُلُثَه، أو رُبْعَه. أنَّه يصِحُّ. انتهى. والوَجْهُ الثَّاني، لا يصِحُّ (٣).
وَمَنْ تَحَجَّرَ مَوَاتًا لَمْ يَمْلِكْهُ، وَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، وَوَارِثُهُ بَعْدَهُ، وَمَنْ يَنْقُلُهُ إِلَيهِ، وَلَيسَ لَهُ بَيعُهُ. وَقِيلَ: لَهُ ذَلِكَ.
ــ
قوله: ومَن تَحَجَّرَ مَواتًا، لم يَمْلِكْه. هذا الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ. نصَّ عليه. قال الحارِثِيُّ: المَشْهورُ عن أحمدَ، عدَمُ الاسْتِقْلالِ. انتهى. وعليه الأصحابُ.
стр. 7532
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قال الحارِثِيُّ: وعن أحمدَ رِوايةٌ بإفادَةِ (١) المِلْكِ. وهو الصَّحيحُ. انتهى.
قوله (٢): وهو أحقُّ به، ووارِثُه بعدَه ومَن ينَقُلُه إليه. بلا نِزاعٍ.
وقوله: وليس له بَيعُه. هو المذهبُ، وعليه الأصحابُ. وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه. وقدَّمه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ الحارِثِيِّ»، و «ابنِ مُنَجَّى»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ»، وغيرِهم. وقيل: يجوزُ له بيعُه. وهو احْتِمالٌ لأبِي الخَطَّابِ. وأطْلَقَهما في «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ».
تنبيه: قال الحارِثِيُّ عن القَوْلِ الذي حَكاه المُصَنِّفُ: قد يُرادُ به إفادَةُ التَّحَجُّرِ للمِلْكِ، وقد يُرادُ به الجَوازُ مع عدَمِ المِلْكِ، وهو ظاهِرُ إيرادِ الكِتابِ، وإيرادِ أبِي الخَطَّابِ، في كِتابِه. قال: والتَّجْويزُ مع عدَمِ المِلْكِ مُشْكِلٌ جِدًّا. وهو كما قال.
стр. 7533
فَإِنْ لَمْ يُتِمَّ إِحْيَاءَهُ، قِيلَ لَهُ: إِمَّا أَنْ تُحْيِيَهُ أَوْ تَتْرُكَهُ.
ــ
فائدة: تحَجُّرُ المَواتِ؛ هو الشُّروعُ في إحْيائِه، مثلَ أنْ يُديرَ حَوْلَ الأرْضِ تُرابًا أو أحْجارًا، أو يُحيطَها بجِدارٍ صغيرٍ، أو يحْفرَ بِئْرًا لم يصِلْ إلى مائِها. نقلَه حَرْبٌ، وقاله الأصحابُ. أو يَسْقِيَ شَجَرًا مُباحًا، ويُصْلِحَه، ولم يَرْكَبْه، فإنْ رَكِبَه، مَلَكَه، كما تقدَّم. وملَك حَرِيمَه، وكذا لو أُقْطِعَ (١) مَواتًا، لم يملِكْه، على ما يأْتِي في كلامِ المُصَنِّفِ.
قوله: فإنْ لم يتِمَّ إحْياؤُه. يعْنِي (٢)، وطالتِ المُدَّةُ، كما صرَّح به القاضي، وابنُ عَقِيلٍ، والمُصَنِّفُ في «المُغْنِي»، وغيرُهم، قيل له: إمَّا أنْ تُحْيِيَه أو تَتْرُكَه. فإنْ طلَب الإِمْهال، أُمْهِلَ الشَّهْرَين والثَّلاثَةَ. وهكذا قال في «المُسْتَوْعِبِ»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»، و «الفُروعِ». وقال في «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الفائقِ»: ويُمْهَلُ شَهْرَين. وقيل: ثلاثَةً. وقال في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «الخُلاصَةِ»،
стр. 7534
فَإِنْ طَلَبَ الْإِمْهَال، أُمْهِلَ الشَّهْرَينِ، وَالثَّلَاثَةَ، فَإِنْ أَحْيَاهُ غَيرُهُ فَهَلْ يَمْلِكُهُ؟ عَلَى وَجْهَينِ.
ــ
و «المُغْنِي»، و «التَّلْخيصِ»، وجماعَةٌ: أُمْهِلَ الشَّهْرَ والشَّهْرَين. قال الحارِثِيُّ: عليه المُعْظَمُ. وقال في «الوَجيزِ»: ويُمْهَلُ مدَّةً قرِيبَةً بسُؤالِه. انتهى. قلتُ: فلعَلَّ ذلك يرْجِعُ إلى اجْتِهادِ الحاكمِ. ثمَّ وَجَدْتُ الحارِثِيَّ قال: وتقْدِيرُ مُدَّةِ الإِمْهالِ يرْجِعُ إلى رأْي الإِمامِ، مِنَ الشَّهْرِ والشَّهْرَين والثَّلاثَةِ، بحسَبِ الحالِ. قال: والثَّلاثَةُ انْفرَدَ بها المُصَنِّفُ هنا. وكأنَّه ما راجَعَ «المُسْتَوْعِبَ»، و «الشَّرْح».
تنبيه: فائدَةُ الإِمْهالِ انْقِطاعُ الحَقِّ بمُضِيِّ المُدَّةِ على التَّرْكِ. قال في «المُغْنِي» (١): وإنْ لم يكُنْ له عُذْرٌ في التَّرْكِ، قيلَ له: إمَّا أنْ تَعْمُرَ، وإمَّا أنْ ترْفَعَ يدَك. فإنْ لم يَعْمُرْها، كان لغيرِه عِمارَتُها. قال الحارِثِيُّ: وهذا يقْتَضِي أنَّ ما تقدَّمَ مِن الإِمْهالِ مَخْصوصٌ بحالةِ العُذْرِ، أو الاعتذارِ، أمَّا إنْ عُلِمَ انْتِفاءُ العُذْرِ، فلا مُهْلَةَ. قال: ويَنْبَغِي تقْيِيدُ الحالِ بوُجودِ مُتَشَوِّفٍ إلى الإِحْياءِ، أمَّا مع عدَمِه، فلا اعْتِراضَ، سوى تَرْكٍ لعُذْرٍ أوْ لا. انتهى.
قوله: فإنْ أحْياه غيرُه، فهل يمْلِكُه؟ على وَجْهَين. يعْنِي، لو بادَر غيرُه في
стр. 7535
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مُدَّةِ الإِمْهالِ، وأحْياه. وأطْلَقَهما في «الهِدايَةِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصةِ»، و «الكافِي»، و «المُغْنِي»، و «التَّلْخيصِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»، و «الحارِثِيِّ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ»، و «القواعِدِ الفِقْهِيَّةِ»؛ أحدُهما، لا يَمْلِكُه. صحَّحه في «المُذْهَبِ»،
стр. 7536
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
و «النَّظْمِ»، و «التَّصْحيحِ». وجزَم به في «الوَجيزِ». والوَجْهُ الثَّاني، يَمْلِكُه. اخْتارَه القاضي، وابنُ عَقِيلٍ. قال الناظِمُ: وهو بعيدٌ.
[فائدتان؛ الأُولَى] (١)، لو أحْياه غيرُه قبلَ ضَرْبِ مُدَّةِ المُهْلَةِ، لم يَمْلِكْه. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. قدَّمه في «الفُروعِ»، وهو ظاهِرُ كلامِ كثيرٍ مِنَ الأصحابِ. وقيل: يَمْلِكُه. قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: حُكْمُ الإِحياءِ قبلَ ضَرْبِ مُدَّةِ المُهْلَةِ حُكْمُ الإِحْياءِ في مُدَّةِ المُهْلَةِ، على ما (٢) تقدَّم. ويَحْتَمِلُه كلامُ المُصَنِّفِ. وأمَّا إذا أحْياه الغيرُ بعدَ انْقِضاءِ مُدَّةِ (٢) المُهْلَةِ، فإنَّه يَمْلِكُه، لا أعلمُ فيه خِلافًا، وتقدَّم ذلك. الثَّانيةُ (٣)، قال في «الفُروعِ»، بعدَ أنْ ذكَر الخِلافَ المُتَقَدِّمَ: ويَتَوَجَّهُ مِثْلُه في نُزولِه عن وَظِيفَةٍ لزَيدٍ، هل يتَقَرَّرُ غيرُه فيها؟ وقال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، في مَن نزَل عن وَظِيفَةِ الإِمامَةِ: لا يتَعَيَّنُ المَنْزولُ له، [ويُوَلِّي مَن إليه الولايَةُ، مَن يَسْتَحِقُّ التَّوْلِيَةَ شَرْعًا. وقال ابنُ أبِي المَجْدِ: لا يصِحُّ تَوْلِيَةُ غيرِ المَنْزُولِ له] (٤)، فإنْ لم يُقَرِّرْه الحاكِمُ، وإلَّا فالوَظِيفَةُ باقيَةٌ للنَّازِلِ. انتهى. قلتُ:
стр. 7537
فَصْلٌ: وَلِلْإِمَامِ إِقْطَاعُ مَوَاتٍ لِمَنْ يُحْيِيهِ، وَلَا يَمْلِكُهُ بِالْإِقْطَاعِ، بَلْ يَصِيرُ كَالْمُتَحَجِّرِ الشَّارِعِ فِي الْإِحْيَاءِ.
ــ
[وقريبٌ منه ما قاله المُصَنِّفُ، وتَبِعَه الشَّارِحُ وغيرُه، فيما إذا آثَرَ شَخْصًا بمَكانِه، فليس لأحَدٍ أنْ يَسْبِقَه إليه؛ لأنَّه قامَ مَقامَ الجالِسِ في اسْتِحْقاقِ مَكانِه، أشْبَهَ مَا لو تحَجَّرَ مَواتًا، ثمَّ آثَرَ به غيرَه. وقال ابنُ عَقِيلٍ: يجوزُ؛ لأنَّ القائِمَ أسْقَطَ حقَّه بالقِيامِ، فبَقِيَ على الأصْلِ، فكان السَّابِقُ إليه أحقَّ به، كمَن وسَّعَ لرَجُلٍ في طريقٍ، فمَرَّ غيرُه، والصَّحيحُ الأَوَّلُ. ويُفارِقُ التَّوْسِعَةَ في الطَّريقِ؛ لأنَّها جُعِلَتْ للمُرورِ فيها، كمَنِ انْتقَلَ مِن مَكانٍ فيها لم يَبْقَ له حقٌّ حتى يُؤْثِرَ به، والمَسْجِدُ جُعِلَ للإِقامَةِ فيه، ولذلك لا يَسْقُطُ حقُّ المُنْتَقِلِ منه إذا انْتقَلَ لحاجَةٍ، وهذا إنَّما انْتقَلَ مُؤْثِرًا لغيرِه، فأَشْبَهَ النَّائِبَ الذي بعَثَه إنْسانٌ ليَجْلِسَ في مَوْضِعٍ يَحْفَظُه له. انتهى. قلتُ] (١): الذي يتَعَيَّنُ، ما قاله الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، إلَّا إذا كان المَنْزولُ له أهْلًا، ويُوجَدُ [غيرُه أهلًا] (٢)، فإنَّ المَنْزولَ له أحَقُّ، مع أنَّ هذا لا يَأْباه كلامُ الشَّيخِ تَقِيِّ الدِّينِ.
قوله: وللإِمامِ إقْطاعُ مَواتٍ لمَن يُحْيِيه، ولا يَمْلِكُه بالإِقْطاعِ، بل يكونُ
стр. 7538
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كالمُتَحَجِّرِ الشَّارِعِ في الإِحْياءِ. وهذا المذهبُ، وعليه الأصحابُ. قال الحارِثِيُّ: وقال مالِكٌ: يَثْبُتُ المِلْكُ بنَفْسِ الإِقْطاعِ؛ يَبِيعُ، ويَهَبُ، ويتَصَرَّفُ، ويُورَثُ عنه. قال: وهو الصَّحيحُ؛ إعْمالًا لحقيقَةِ الإِقْطاعِ؛ وهو التَّمْلِيكُ.
وَلَهُ إِقْطَاعُ الْجُلُوسِ فِي الطُّرُقِ الوَاسِعَةِ وَرِحَابِ الْمَسْجِدِ، مَا لَمْ يُضَيِّقْ عَلَى النَّاسِ. وَلَا يَمْلِكُ ذَلِكَ بِالْإِحْيَاءِ، وَيَكُونُ الْمُقْطَعُ أَحَقَّ بِالْجُلُوسِ فِيهَا.
ــ
قوله: وله إقْطاعُ الجُلُوسِ في الطُّرُقِ الواسِعَةِ ورِحابِ المَسْجِدِ، ما لم يُضَيِّقْ على النَّاسِ. فيحْرُمُ. ولا تُمْلَكُ بالإِحْيَاءِ. بلا نِزاعٍ. ويكونُ المُقْطَعُ أحَقَّ بالجُلُوسِ فيها. ما لم يَعُدْ فيه الإِمامُ.
تنبيه: تَجْويزُ المُصَنِّفِ إقْطاعَ الجُلوسِ برِحابِ المَسْجِدِ، اخْتِيارٌ منه؛ لكَوْنِها ليست مَسْجِدًا؛ لامْتِناعِ ذلك في المَسْجِدِ، واخْتِيارُ الخِرَقِيِّ، والمَجْدِ، قاله الحارِثِيُّ. وتقدَّم، هل رَجْبَةُ المَسْجِدِ مِنَ المَسْجِدِ، أوْ لا؟ في بابِ الاعْتِكافِ.
стр. 7541
فَإِنْ لَمْ يُقْطِعْهَا، فَلِمَنْ سَبَقَ إِلَيهَا الْجُلُوسُ فِيهَا، وَيَكُونُ أَحَقَّ بِهَا مَا لَمْ يَنْقُلْ قُمَاشَهُ عَنْهَا.
ــ
قوله: فإنْ لم يُقْطِعْها، فلمَن سبَق إليها الجُلوسُ فيها، ويكونُ أحَقَّ بها، ما لم يَنْقُلْ قُماشَه عنها. هذا المذهبُ. أعْنِي، أنَّها مِنَ المَرافِقِ، وأنَّ له الجُلوسَ فيها ما بَقِيَ قُماشُه. قال في «الفُروعِ»: ومع عدَمِ إقْطاعٍ، للسَّابقِ الجُلوسُ، على
стр. 7542
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الأصحِّ، ما بَقِيَ قُماشُه. وجزَم به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الوَجيزِ»، و «الرِّعايَةِ»، وغيرِهم. وعنه، ليس له ذلك. وعنه، له ذلك إلى اللَّيلِ. قال الحارِثِيُّ: ونقَل القاضي في «الأحْكامِ السُّلْطانِيَّةِ»، رِوايَةً بالمَنْعِ مِنَ الجُلوسِ في الطُّرُقِ الواسِعَةِ؛ للتَّعامُلِ فيها، فلا تكونُ مِنَ المَرافِقِ. قال:
стр. 7543
فَإِنَ أَطَال الْجُلُوسَ فِيهَا، فَهَلْ يُزَالُ؟ عَلَى وَجْهَينِ.
ــ
والأوَّلُ أصحُّ.
تنبيه: ظاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ، أنَّه لا يفْتَقِرُ في الجُلوسِ في هذه الأمْكِنَةِ إلى إذْنِ الإِمامِ في ذلك. وهو صحيحٌ، وهو المذهبُ، وهو ظاهِرُ كلامِ أكثرِ الأصحابِ. قال في «القواعِدِ»: هذا قَوْلُ الأكثرِ. قال الحارِثِيُّ: هذا المذهبُ. وقيل: يفْتَقِرُ إلى إذْنٍ. وهو رِوايَة حَكاها في «الأحْكامِ السُّلْطانِيَّةِ». ذكَرَه في «القاعِدَةِ الثَّامِنَةِ والثَّمانِين»، وأطْلَقَهما في «الفُروعِ».
فائدتان؛ إحْداهما، لو أجْلَسَ غُلامَه أو أجْنَبِيًّا، ليَجْلِسَ هو إذا عادَ إليه، فهو كما لو ترَك المَتاعَ فيه؛ لاسْتِمْرارِ يَدِه بمَن هو في جِهَتِه. ولو آثَرَ به رجُلًا، فهل للغيرِ السَّبْقُ إليه؟ فيه وَجْهان؛ أحدُهما، لا. اخْتارَه المُصَنِّفُ. والثَّانِي، نعم. قال الحارِثِيُّ: وهو أظْهَرُ. قلتُ: وهو الصَّوابُ. وتُشْبِهُ هذه المَسْأَلَةُ ما ذكَرْنا في آخرِ بابِ الجُمُعَةِ، لو آثَرَ بمَكانِه شخْصًا، فسبَقَه غيرُه إليه (١). على ما تقدَّم هناك. الثَّانيةُ، له أنْ يُظلِّلَ على نفْسِه بما لا ضرَرَ فيه، مِن بارِيَةٍ وكِساءٍ، ونحوه، وليس له أنْ يَبْنِيَ دَكَّةً ولا غيرَها.
قوله: فإنْ أطال الجُلوسَ فيها، فهل يُزالُ؟ على وَجْهَين. وأطْلَقَهما في «المُذْهَبِ»، و «الكافِي»، و «المُغْنِي»، و «المُحَرَّرِ»، و «الشَّرْحِ»،
стр. 7544
فَإِنْ سَبَقَ اثْنَانِ أُقْرِعَ بَينَهُمَا، وَقِيلَ: يُقَدِّمُ الإِمَامُ مَنْ يَرَى مِنْهُمَا.
ــ
و «الفائقِ»، و «الفُروعِ»؛ أحدُهما، لا يُزالُ. صحَّحه في «التَّصْحيحِ»، و «النَّظْمِ». وجزَم به في «الوَجيزِ»، وهو ظاهِرُ ما جزَم به في «المُنَوِّرِ». قال الحارِثِيُّ: [وهذا الَّلائِقُ بأُصولِ الأصحابِ؛ حيث قالوا بالإِقْطاعِ. والوجهُ الثَّاني، يُزالُ. قال الحارِثِيُّ] (١): هذا أظْهَرُهما عندَهم. قال في «الخُلاصَةِ»، و «الرِّعايَةِ الصُّغْرَى»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»: مُنِعَ في أصحِّ الوَجْهَين. قال في «القَواعِدِ»: وهو ظاهِرُ كلامِ أحمدَ، في رِوايَةِ حَرْبٍ. وقدَّمه في «الهِدايَةِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «التَّلْخِيصِ»، و «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»، و «شَرْحِ ابنِ رَزِينٍ».
قوله: فإنْ سبَق (٢) اثْنان، أُقْرِعَ بينَهما. هذا المذهبُ بلا رَيبٍ، وجزَم به في
стр. 7545
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
«الخُلاصَةِ»، و «الوَجيزِ»، و «المُنَوِّرِ»، وغيرِهم. وقدَّمه في [«الهِدايَةِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ»، و «شَرْحِ الحارِثِيِّ»] (١)، و «القَواعِدِ الفِقْهِيَّةِ»، و «تَجْرِيدِ العِنايَةِ»، وغيرِهم. قال الحارِثِيُّ: هذا المذهبُ. وقيل: يُقَدِّمُ الإِمامُ مَن يَرَى منهما. وهو وَجْهٌ حَكاه القاضي فمَن بعدَه. وأطْلَقَهما في «التَّلْخيصِ»، و «المُذْهَبِ»، و «الشَّرْحِ». وكذا الحُكْمُ لو اسْتَبَقا إلى مَوْضِعٍ في رِباطِ مَسْبَلٍ أو خانٍ، أو اسْتَبقَ فَقِيهان إلى مَدْرَسَةٍ، أو صُوفِيَّان إلى خانِقاهٍ (٢). ذكَرَه الحارِثِيُّ، وتَبِعَه في «القواعِدِ»، وقال: هذا يتَوَجَّهُ على أحَدِ الاحْتِمالين اللَّذَين (٣) ذكَرَهما في المدارِسِ والخَوانِقِ المُخْتَصَّةِ (٤) بوَصْفٍ مُعَيَّنٍ؛ لأنَّه لا يتَوقَّفُ الاسْتِحْقاقُ فيهما على تَنْزِيلِ ناظِرٍ. فأما على الوَجْهِ الآخَرِ؛ وهو توَقُّفُ الاسْتِحْقاقِ على تَنْزِيلِه، فليس إلَّا تَرْجيحُه له بنَوْعٍ مِنَ التَّرْجِيحاتِ. وقد يُقالُ: إنَّه يُرَجَّحُ (٥) بالقُرْعَةِ مع التَّساوي. انتهى.
стр. 7546
وَمَنْ سَبَقَ إِلَى مَعْدِنٍ فَهُوَ أَحَقُّ بِمَا يَنَالُ مِنْهُ. وَهَلْ يُمْنَعُ إِذَا طَال مُقَامُهُ؟ عَلَى وَجْهَينِ.
ــ
قوله: ومَن سبَق إلى مَعْدِنٍ، فهو أحَقُّ بما يَنالُ منه. هذا المذهبُ. جزَم به في «الرِّعايَةِ الصُّغْرَى»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الوَجيزِ». وقدَّمه في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى». وقيل: مَن أخَذ مِن مَعْدِنٍ فوقَ حاجَتِه، مُنِعَ منه. ذكَرَه في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى». قال في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»: فإنْ أخذَ قَدْرَ حاجَتِه، وأرادَ الإِقامَةَ فيه، بحيثُ يَمْنَعُ غيرَه، مُنِعَ مِن ذلك.
قوله: وهل يُمْنَعُ إذا طال مُقامُه؟ - يعْنِي الآخِذَ - على وَجْهَين. وأطْلَقَهما في «المُغْنِي»، و «المُحَرَّرِ»، و «الشَّرْحِ»، و «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»،
стр. 7547
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
و «الفُروعِ»، و «الفائقِ»؛ أحدُهما، لا يُمْنَعُ. وهو الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ. قال في «المُسْتَوْعِبِ»، و «التَّلْخيصِ»: والصَّحيحُ أنَّه لا يُمْنَعُ ما دامَ آخِذًا. قال الحارِثِيُّ: أصَحُّهما لا يُمْنَعُ. وصحَّحه في «التَّصْحيحِ». وجزَم به في «الوَجيزِ». والوَجْهُ الثَّاني، يُمْنَعُ. وقدَّمه في «الهِدايَةِ»، و «الرِّعايَةِ الصُّغْرَى»، و «الحاوي» (١). وقيل: يُمْنَعُ مع ضِيقِ المَكانِ. قال الحارِثِيُّ: قطَع به ابنُ عَقِيلٍ.
فائدة: لو اسْتَبَق اثْنانِ فأكْثَرُ إلى مَعْدِنٍ مُباحٍ، وَضاقَ المَكانُ عن أخْذِهم جُمْلَةً واحِدةً، فالصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّه يُقْرَعُ بينَهم. قال في «الرِّعايَةِ الصُّغْرَى»: وإنْ سبَق إليه اثنْان معًا، وضاقَ بهما، اقْتَرَعا. وقدَّمه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ الحارِثِيِّ»، و «الفُروعِ»، و «القَواعِدِ الفِقْهِيَّةِ». وقيل: يُقَدِّمُ الإِمامُ منَ شاءَ. وهو احْتِمالٌ في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ». وقيل: بالقِسْمَةِ. قال في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»: وذكَر القاضي وَجْهًا رابِعًا، وهو أنَّ الإِمامَ يَنْصِبُ مَن يَأْخُذُ ويقْسِمُ بينَهما. وقال القاضي
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَحطَبٍ، وثَمَرٍ، وما يَنْتَبذُه النَّاسُ، رغْبَةً عنه، فهو أحَقُ به. وكذا لو سبَق إلى ما ضاعَ مِن النَّاسِ ممَّا لا تَتْبَعُه الهِمَّةُ، وكذا اللَّقيطُ، وما يسْقُطُ مِنَ الثَّلْجِ والمَنِّ، وسائِرِ المُباحاتِ، فهو أحقُّ به. وهذا بلا نِزاعٍ.
وقوله: وإن سبَق إليه اثْنان، قُسِمَ بينَهما. هذا المذهبُ. قال في «الفُروعِ»: وهو الأصحُّ. واخْتارَه ابنُ عَبْدُوسٍ في «تَذْكِرَتِه». وجزَم به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الوَجيزِ»، وغيرِهم. قال في «القواعِدِ الفِقْهِيَّةِ»: فأمَّا إنْ وقَعَتْ أيدِيهما على المُباحِ، فهو بينَهما بغيرِ خِلافٍ، وإنْ كان في كلامِ بعضِ الأصحابِ ما يُوهِمُ خِلافَ ذلك، فليس بشيءٍ. وقدَّمه في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى». وقيل: يَقْتَرِعان. وقدَّمه في «الفُروعِ». وقيل: يُقَدِّمُ الإِمامُ أيَّهما شاءَ. وقال الحارِثِيُّ: ثمَّ إنَّ أبا الخَطَّابِ في كِتابِه، قيَّد اقْتِسامَهما بما إذا كان الأخْذُ للتِّجارَةِ. ثمَّ قال: وإنْ كان للحاجَةِ، احْتَمَلَ ذلك أيضًا، واحْتَمَلَ أنْ يُقْرَعَ بينَهما. واحْتَمَلَ أنْ يُقَدِّمَ الإِمامُ مَن يرَى منهما. وتابعَه عليه السَّامَرِّيُّ، وصاحِبُ «التَّلْخِيصِ»، وغيرُهما. وهذا عندِي غلَطٌ، فإنَّ المُباحَ إذا اتَّصَلَ به الأخْذُ، اسْتقَرَّ المِلْكُ عليه، ولا بُدَّ؛ لوُجودِ السَّبَبِ المُقيَّدِ له، مع أنَّ القُرْعَةَ لم تَرِدْ في هذا النَّوْعِ، ولا في (١) شيءٍ منه. وكيف يخْتَصُّ به أحدُهما مع قِيامِ السَّبَبِ بكلِّ واحدٍ منهما؟ نعم قد يجْرِي ما قال فيما إذا ازْدَحَما عليه ليَأْخُذاه. ثمَّ قال: والصَّوابُ ما اقْتَصَر عليه المُصَنِّفُ، مِنَ الاقْتِسامِ مع عدَمِ الفَرْقِ بينَ التِّجارَةِ، والحاجَةِ. انتهى.
تنبيه: فعلى المذهبِ، قال الحارِثِيُّ: إنَّما يتَأتَّي هذا في المُنْضَبِطِ الدَّاخِلِ تحتَ
стр. 7550
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
اليَدِ؛ كالصَّيْدِ، والسَّمَكِ، والُّلْؤلُؤِ، والمَرْجانِ، والمَنْبُوذِ. أمَّا ما لا ينْضَبِطُ، كالشَّعْراءِ (١)، وثَمَرِ الجَبَلِ، فالمِلْكُ فيه مقْصورٌ على القَدْرِ المَأْخوذِ، قلَّ أو كَثُرَ. انتهى.
فائدة: وكذا الحُكْمُ في السَّبْقِ إلى الطَّرِيقِ. قاله في «الفُروعِ» وغيرِه. وقال الأدَمِيُّ البَغْدادِيُّ بالقِسْمَةِ هنا.
فائدتان؛ إحْداهما، لو ترَك دابَّتَه بفَلاةٍ، أو مَهْلَكَةٍ؛ ليَأْسِه منها، أو عَجْزِه عن عَلْفِها، مَلَكَها آخِذُها. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. نصَّ عليه مِن رِوايةِ صالِحٍ، وابنِ مَنْصُورٍ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ. وقطَع به في «المُحَرَّرِ» وغيرِه. وقدَّمه في «الفُروعِ»، و «شَرْحِ الحارِثِيِّ» وغيرِهما. وهو مِن مُفْرَداتِ المذهبِ. وقيل: لا يَمْلِكُها. وهَو وَجْهٌ، خرَّجه ابنُ أبِي مُوسى، كالرَّقيقِ، وتَرْكِ المَتاعِ عَجْزًا، بلا نِزاعٍ فيهما. ويرْجِعُ بالنَّفَقَةِ على الرَّقيقِ، وأُجْرَةِ حَمْلِ المَتاعِ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. نصَّ عليه، وعليه أكثرُ الأصحابِ. وقيل: لا يرْجِعُ. وهو وَجْهٌ ذكَرَه القاضي؛ أخْذًا مِنَ انْتِفاءِ الأخْذِ في اللُّقَطَةِ. وهو رِوايَةٌ في العَبْدِ، ذكَرَها أبو بَكْرٍ. الثَّانيةُ، لو ألْقَى مَتاعَه في البَحْرِ خَوْفَ الغرَقِ، فقال الحارِثِيُّ: نصُّ أحمدَ في المَتاعِ يقْتَضِي أنَّ ما يُلْقِيه رُكابُ السَّفينَةِ مَخافَةَ الغَرقِ باقٍ على مِلْكِهم. انتهى. وهو أحد الوَجْهَين. وقيل: يَمْلِكُه آخِذُه. قدَّمه في «الفائقِ». وهو احْتِمالٌ في «المُغْنِي». وصحَّحه في «النَّظْمِ». وقدَّمه في «الرِّعايتَين»، وذكَرَه في آخِرِ اللُّقَطَةِ. وأطْلَقَهما في «الفُروعِ»، و «الحاوي الصَّغِيرِ». فعلى الوَجْهِ الأوَّلِ، لآخِذِه الأُجْرَةُ، على
стр. 7551
وَإِذَا كَانَ الْمَاءُ فِي نَهْرٍ غَيرِ مَمْلُوكٍ؛ كَمِيَاهِ الْأَمْطَارِ، فَلِمَنْ فِي أَعْلَاهُ أَنْ يَسْقِيَ وَيَحْبِسَ الْمَاءَ حَتَّى يَصِلَ إِلَى كَعْبِهِ، ثُمَّ يُرْسِلَ إِلَى مَنْ يَلِيهِ.
ــ
الصَّحيحِ. وقيل: لا أُجْرَةَ له.
قوله: وإذا كان الماءُ في نَهْرٍ غيرِ ممْلُوكٍ؛ كمياهِ الأمْطارِ، فلمَن في أعْلاه أنْ يَسْقِيَ ويَحْبِسَ، حتى يَصِلَ الماءُ إِلى كَعْبِه، ثمَّ يُرْسِلَ إلى مَن يَلِيه. الماءُ إذا كان جارِيًا، وهو غيرُ مَمْلوكٍ، لا يخْلُو؛ إمَّا أنْ يكونَ نَهْرًا عَظِيمًا؛ كالنِّيلِ، والفُراتِ، ودِجْلَةَ، وما أشْبَهَها، أوْ لا، فإنْ كان نَهْرًا عَظيمًا، فهذا لا تَزاحُمَ فيه، ولكُلِّ أحدٍ (١) أنْ يسْقِيَ منه ما شاءَ، متى شاءَ، كيفَ شاءَ، وإنْ كان نَهْرًا صَغيرًا،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
منه، فإنَّه يُبْدَأُ بمَن في أوَّلِ النَّهْرِ، فيَسْقِي ويَحْبِسُ الماءَ حتى يصِلَ إلى كَعْبِه. نصَّ عليه، ثمَّ يُرْسِلُ إلى مَن يَلِيه كذلك. وعلى هذا إلى أنْ تَنْتَهِيَ الأراضِي كلُّها، فإنْ لم يفْضُلْ عنِ الأوَّلِ شيءٌ، أو عنِ الثَّاني، أو مَن يَلِيهم، فلا شيءَ للباقِين. فإنْ كانتْ أرْضُ صاحبِ الأعْلَى مُخْتَلِفَةً؛ منها ما هو مُسْتَعْلٍ، ومنها ما هو مُسْتَفِلٍ، سقَى كلَّ واحِدَةٍ منهما على حِدَتِها. قاله في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»،
стр. 7554
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
و «شَرْحِ الحارِثِيِّ»، وغيرِهم، وقطَعُوا به. وقال في «التَّرْغِيبِ»: إنْ كانتِ الأرْضُ العُلْيا مُسْتَفِلَةً، سدَّها إذا سقَى، حتى يصْعَدَ إلى الثَّاني.
فائدتان؛ إحْداهما، لو اسْتَوَى اثْنان في القُرْبِ مِن أوَّلِ النَّهْرِ، اقْتَسما الماءَ بينَهما. إنْ أمْكَنَ، وإنْ لم يُمْكِنْ، أُقْرِعَ بينَهما، فيُقدَّمُ مَن قرَع، فإنْ كان الماءُ
стр. 7555
فَإِذَا أَرَادَ إِنْسَانٌ إِحْيَاءَ أَرْضٍ بسَقْيِهَا مِنْهُ، جَازَ مَا لَمْ يَضُرَّ بِأَهْلِ الْأَرْضِ الشَّارِبَةِ مِنْهُ.
ــ
لا يفْضُلُ عن أحَدِهما، سقَى مَن تقَعُ له القُرْعَةُ بقَدْرِ حقِّه مِنَ الماءِ، ثمَّ يتْرُكُه للآخَرِ، وليس له أنْ يَسْقِيَ بجميعِ الماءِ؛ لمُساواةِ الآخَرِ له، وإنَّما القُرْعَةُ للتَّقَدُّمِ، بخِلافِ الأعْلَى مع الأسْفَلِ؛ فإنَّه ليس للأسْفَلِ حقٌّ إلَّا في الفاضِلِ عنِ الأَعْلَى. قاله المُصَنِّفُ وغيرُه. وهو واضِحٌ. وإنْ كانتْ أرْضُ أحَدِهما أكثرَ مِن أرْضِ الآخَرِ، قُسِمَ الماءُ بينَهما على قَدْرِ الأرْضِ. الثَّانيةُ، لو احْتاجَ الأعْلَى إلى الشُّرْبِ ثانيًا، قبلَ انْتِهاءِ سَقْي الأراضِي، لم يَكُنْ له ذلك. قدَّمه الحارِثِيُّ، ونصَرَه. وقال القاضي: له ذلك.
قوله: فإنْ أرادَ إنْسانٌ إحْياءَ أرْضٍ، بسَقْيِها منه، جازَ، ما لم يَضُرَّ بأهْلِ
стр. 7556
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الأرْضِ الشارِبَةِ منه. إذا كان لجماعَةٍ رَسْمُ شِرْبٍ مِن نَهْرٍ غيرِ مَمْلوكٍ، أو سَيلٍ، فجاءَ إنْسانٌ ليُحْيِيَ مَواتًا أقْرَبَ إلى رأْسِ النَّهْرِ مِن أرْضِهم، لم يَكُنْ له أنْ يسْقِيَ قبلَهم، على المذهبِ. واخْتارَ الحارِثِيُّ، أنَّ له ذلك، قال: وظاهِرُ الأخْبارِ المُتقَدِّمَةِ وعُمومُها، يدُلُّ على اعْتِبارِ السَّبْقِ إلى أعْلَى النَّهْرِ مُطْلَقًا. قال: وهو الصَّحيحُ. وهل لهم مَنْعُه مِن إحْياءِ ذلك المَواتِ؟ على وَجْهَين. وأطْلَقَهما في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ»؛ أحَدُهما، ليس لهم مَنْعُه مِن ذلك. قال الحارِثِيُّ: وهو أظْهَرُ. وقدَّمه ابنُ رَزينٍ في «شَرْحِه». وجزَم به في «الكافِي». والوَجْهُ الثَّاني، لهم مَنْعُه. قال الحارِثِيُّ: وهو المَفْهومُ مِن إيرادِ الكِتابِ. فعلى الأوَّلِ، لو سَبق إلى مَسِيلِ ماءٍ، أو نَهْرٍ غيرِ مَمْلوكٍ، فأحْيَى في أسْفَلِه مَواتًا، ثمَّ أحْيَا آخَرُ فوْقَه، ثمَّ أحْيَا ثالِثٌ فوقَ الثَّاني، كان للذي أحْيَا أوَّلًا (١) السَّقْيُ أوَّلًا، ثمَّ الثَّاني، ثمَّ الثَّالِثُ، فيُقَدَّمُ السَّبْقُ إلى الإِحْياءِ على السَّبْقِ إلى أوَّلِ النَّهْرِ، وعلى ما اخْتارَه الحارِثِيُّ (٢) ينْعَكِسُ ذلك.
стр. 7557
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فائدة: لو كانَ الماءُ بنَهْرٍ مَمْلوكٍ، كمَن حفَر نَهْرًا صَغيرًا ساقَ إليه الماءَ مِن نَهْرٍ كبيرٍ، فما حصَل فيه ملَكَه. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. ويَجِئُ على قوْلِنا: إنَّ الماءَ لا يُمْلَكُ. أنَّ حُكْمَ هذا الماءِ في هذا النَّهْرِ، حُكْمُه في نَهْرٍ غيرِ مَمْلوكٍ. قلتُ: وفيه نظَرٌ؛ لأنَّه بدُخولِه في نَهْرِه، كدُخولِه في قَرْيَتِه، وراويَتِه، ومصْنَعِه. وعندَ القاضي ومَن وافقَه، أنَّ الماءَ باقٍ على الإِباحَةِ، كما قبلَ الدُّخولِ، إلَّا أنَّ مالِكَ
стр. 7558
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
النَّهْرِ أحقُّ به. فعلى المذهبِ، لو كان لجماعَةٍ، فهو بينَهم، على حسَبِ العمَلِ والنَّفَقَةِ؛ فإنْ كفَى جَمِيعَهم، فلا كلامَ، وإنْ لم يَكْفِهم وتَراضَوْا على قِسْمَتِه بالمُهايَأَةِ أو غيرِها، جازَ، وإنْ تَشاحُّوا في قِسْمَتِه، قسَمَه الحاكِمُ بينَهم على قَدْرِ أمْلاكِهم؛ فيَأْخُذُ خشبَةً صُلْبَةً، أو حجَرًا مُسْتَوى الطَّرفَين والوَسطِ، فيُوضَعُ على موْضِعٍ مُسْتَوٍ مِنَ الأرْضِ في مَصْدَمِ الماءِ، فيه حزوزٌ، أو ثُقوبٌ مُتَساويةٌ في السَّعَةِ على قَدْرِ حُقوقِهم، يخرُجُ من حَزٍّ أو ثُقْبٍ إلى ساقِيَةٍ مُفْرَدَةٍ لكلِّ واحدٍ منهم، فإذا حصَل في ساقِيَتِه، فله أنْ يسْقِيَ به ما شاءَ مِنَ الأرْضِ، سواءٌ كان لها رَسْمُ شِرْبٍ مِن هذا النَّهْرِ أو لم يَكُنْ، وله أنْ يُعْطِيَه مَن يسْقِي به. هذا الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ. قدَّمه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، ونَصَراه، وقدَّمه أيضًا في «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم، في بابِ القِسْمَةِ. ويَأْتِي بعضُ ذلك مصَرَّحًا به في كلامِ المُصَنِّفِ، في بابِ القِسْمَةِ. وقال القاضي: ليس له سَقْيُ أرْضٍ ليس لها رَسْمُ شِرْبٍ مِن هذا الماءِ. انتهى. ولكُلِّ واحدٍ مِنَ الشُّركاءِ أنْ
стр. 7559
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يتَصرَّفَ في ساقِيَتِه المُخْتَصَّةِ به بما أحبَّ؛ مِن عمَلِ رَحىً عليها، أو دُولابٍ، أو عَبَّارَةٍ؛ وهي خشَبةٌ تُمَدُّ على طريقِ النَّهْرِ، أو قنْطَرَةٍ يعْبُرُ الماءُ فيها، وغيرِ ذلك مِنَ التَّصَرُّفاتِ. فأمَّا النَّهْرُ المُشْتَرَكُ؛ فليس لواحدٍ منهم أنْ يتَصرَّفَ
стр. 7560
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فيه بشيءٍ مِن ذلك. قاله المُصَنِّفُ، وابنُ عَقِيلٍ، والقاضي، والشَّارِحُ، وغيرُهم. وقال القاضي، وابنُ عَقِيلٍ: هل له أنْ ينْصِبَ عبَّارَةً يجْرِي الماءُ فيها
стр. 7561
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مِن مَوْضِعٍ آخَرَ؟ على رِوايتَين. نصَّ عليهما في مَن أرادَ أنْ يُجْرِيَ ماءَه في أرْضِ غيرِه ليَسْقِيَ زَرْعَه، وكان به حاجَةٌ إليه، كل يجوزُ؟ على رِوايتَين. زادَ ابنُ عَقِيلٍ،
стр. 7562
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الأصحُّ المَنْعُ. وكذا قال المُصَنِّفُ. قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: والصَّحيحُ أنَّه لا يجوزُ هنا، ولا يصِحُّ قِياسُ هذا على إجْراءِ الماءِ في أرْضِ غيرِه.
وَمَا حَمَاهُ النبِي ﷺ فَلَيسَ لِأحَدٍ نَقْضُهُ.
ــ
قوله: وما حَماه النبي، ﷺ ، فليس لأحَدٍ نَقْضُه. بلا نِزاع. وسواء كان النبي ﷺ (١)، حَماه لنَفْسِه أو لغيرِه، وهذا مع (٥) بَقاءِ الحاجَةِ إليه، ومَن أحْيا
стр. 7565
وَمَا حَمَاهُ غَيرُهُ مِنَ الْأئِمَّةِ فَهَلْ يَجُوزُ نَقْضُهُ؟ عَلَى وَجْهَينِ.
ــ
منه شبيئًا، لم يَمْلِكْه، لكِنْ لو زالتِ الحاجَةُ إليه، فهل يجوز نقْضُه؟ فيه وَجْهان؛ أحدُهما، لا يجوزُ. وهو الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، وهو ظاهرُ كلامِ كثير مِنَ الأصحابِ. وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه. وصححه المُصَنفُ، والشارِح، وصاحِبُ «الفائقِ». وقيل: يجوزُ نقْضُه. والحالةُ هذه.
قوله: وما حَماه غيرُه مِنَ الأئمةِ، فهل يجوزُ نَقْضُه؟ على وَجْهَين. وأطْلَقَهما في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصةِ»، و «المُغْني»، و «التَّلْخيصِ»، و «الشَّرْحِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»؛ أحدُهما، يجوزُ نقْضُه. وهو الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ. صحَّحه في «التصْحيحِ»، و «الفائقِ». واخْتارَه ابنُ عَبْدُوس في تَذْكِرَتِه. وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه. وقدمه في «المُحَرَّرِ»، و «الفُروعِ». والوَجْهُ الثاني، لا يجوزُ نقْضُه. فعلى هذا الوَجْهِ، يَمْلِكُه مُحْيِيه. على الصحيحِ. صحَّحه في