وَمَا حَمَاهُ النبِي ﷺ فَلَيسَ لِأحَدٍ نَقْضُهُ.
ــ
قوله: وما حَماه النبي، ﷺ ، فليس لأحَدٍ نَقْضُه. بلا نِزاع. وسواء كان النبي ﷺ (١)، حَماه لنَفْسِه أو لغيرِه، وهذا مع (٥) بَقاءِ الحاجَةِ إليه، ومَن أحْيا
стр. 7565
وَمَا حَمَاهُ غَيرُهُ مِنَ الْأئِمَّةِ فَهَلْ يَجُوزُ نَقْضُهُ؟ عَلَى وَجْهَينِ.
ــ
منه شبيئًا، لم يَمْلِكْه، لكِنْ لو زالتِ الحاجَةُ إليه، فهل يجوز نقْضُه؟ فيه وَجْهان؛ أحدُهما، لا يجوزُ. وهو الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، وهو ظاهرُ كلامِ كثير مِنَ الأصحابِ. وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه. وصححه المُصَنفُ، والشارِح، وصاحِبُ «الفائقِ». وقيل: يجوزُ نقْضُه. والحالةُ هذه.
قوله: وما حَماه غيرُه مِنَ الأئمةِ، فهل يجوزُ نَقْضُه؟ على وَجْهَين. وأطْلَقَهما في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصةِ»، و «المُغْني»، و «التَّلْخيصِ»، و «الشَّرْحِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»؛ أحدُهما، يجوزُ نقْضُه. وهو الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ. صحَّحه في «التصْحيحِ»، و «الفائقِ». واخْتارَه ابنُ عَبْدُوس في تَذْكِرَتِه. وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه. وقدمه في «المُحَرَّرِ»، و «الفُروعِ». والوَجْهُ الثاني، لا يجوزُ نقْضُه. فعلى هذا الوَجْهِ، يَمْلِكُه مُحْيِيه. على الصحيحِ. صحَّحه في
стр. 7566
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
«الفائق». وجزَم به في «الكافِي». [قال الشارِحُ: وهو أوْلَى] (١). وقيل: لا يمْلِكُه. وأطْلَقَهما [في «المُغنِي»، و «المُحَرَّرِ»] (١)، و «الفُروعِ»، و «الرِّعايَةِ». قال في «الفُروعِ»: ويتَوجهُ في بَعْضِ الإطْلاقاتِ الخِلافُ ونقَل حَرْبٌ، القَطائعُ جائزة، وأنْكَرَ شدِيدًا قوْلَ مالك: لا بأسَ بقَطائعِ الأمَراءِ. وقال: يزعُمُ أنَّه لا بأسَ بقطائِعِهم. وقال في رِوايَةِ يَعْقُوبَ: قَطائِعُ الشامِ، والجَزيرَةِ، مِنَ المَكْروهَةِ، كانت لبَني أمَيَّةَ، فأخذَها هؤلاءِ. ونقَل محمدُ بنُ داود (٢)، ما أدْري ما هذه القَطائِعُ؟ يُخْرِجُونَها ممَّن شاءوا. قال أبو بَكْر: لأنه يَمْلِكُها مَن أقطعها، فكيف تخرُجُ منه؟
стр. 7567
بَابُ الجَعَالةِ
ــ
بابُ الجَعالةِ
стр. 7568
وَهِيَ أنْ يَقولَ: مَنْ رَد عَبْدِي، أوْ لُقَطَتِي، أوْ بَنَى لِيَ هَذَا الْحَائطَ، فَلَهُ كَذَا.
ــ
فائدة: قولُه، وهي أنْ يقولَ: مَن رَد عَبْدِي، أو لُقَطَتِي، أو بنَى لي هذا الحائطَ، فله كذا. قال في «الرعايَةِ»: وهي أنْ يجْعَلَ زَيدٌ شيئًا مَعْلومًا لمَن يعْمَلُ له عَمَلًا مَعْلومًا، أو مَجْهولًا مُدةً مَجْهولَةً. قال الحارِثِي: وهي في اصْطِلاح الفُقَهاءِ، جَعْلُ الشيءِ مِن المالِ لمَن يفْعَلُ أمْرَ كذا. قال: وهذا أعَمُّ مما قال المُصَنفُ؛ لتَناوُلِه الفاعِلَ المُبْهَمَ والمُعَيَّن، وما قال لا يتَناوَلُ المُعَيَّنَ. انتهى. قلتُ: لكِنه يدْخُلُ بطَريق أوْلَى.
تنبيه: قولُه: مَن ردَّ عَبْدِي. يقْتَضِي صحَّةَ العَقْدِ في ردِّ الآبِقِ. وسيأتِي آخِرَ البابِ، أن لرَدِّ الآبِقِ جُعْلًا مُقَارًا بالشرْعِ. فالمُستفادُ إذَنْ بالعَقْدِ، ما زادَ على
стр. 7569
فَمَنْ فَعَلَهُ بَعْدَ أنْ بَلَغَهُ الْجُعْلُ اسْتَحَقهُ.
ــ
المُقَدرِ المَشْروعِ. فوجودُ الجَعالةِ يُوجِبُ أكثرَ الأمْرَين مِنَ المُقَدرِ والمَشْروطِ، قاله الحارِثِي. [وظاهِرُ كلامِ الأكثرِ، أنه لا يسْتَحِقُّ إلَّا ما شرَطَه له، وإنْ كان أقل مِن دِينار، وهو ظاهِرُ ما قدمه في «الفُروعِ»] (١).
فائدة: الجعالةُ نَوْعُ إجارَةٍ؛ لوُقوعِ العِوَضِ في مُقابلَةِ مَنْفَعَة، وإنما تُمَيَّزُ بكَوْنِ الفاعِلِ لا يلْتَزِمُ الفِعْلَ، وبكَوْنِ العَقْدِ قد يقَعُ مُبْهَمًا لا مع مُعَيَّن، ويجوزُ في الجَعالةِ الجَمْعُ بينَ تَقْديرِ المُدَّةِ والعَمَلِ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. وقيل: لا. كالإجارَةِ. وتقدَّم ذلك في الإجارَةِ أيضًا.
قوله: فمَن فعَلَه بعدَ أنْ بلَغه الجُعْلُ، اسْتَحَقَّه. بلا نِزاع. فإنْ كانوا جماعَة، فهو بينَهم بالسَّويَّةِ. وإنْ بلَغه في أثْنائِه، اسْتَحَقَّ بالقِسْطِ. فإنْ تَلِفَ الجُعْلُ، كان له مِثْلُه إنْ كان مِثْلِيًّا، وإلَّا قِيمَتُه. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. وقال في «التبصِرَةِ»: إذا عيَّن عِوَضًا، ملَكَه بفَراغِ العَمَلِ، فلو تَلِفَ، فله أجْرَةُ المِثْلَ.
فائدة: لو ردَّه مِن نِصْف الطَّريقِ المُعَينةِ، أو قال: مَن ردَّ عبْدَيَّ. فردَّ أحدَهما، فله نِصفُ الجُعْلِ، [وإنْ ردَّه مِن ثُلُثِ الطَّريقِ، اسْتَحَقَّ الثلُثَ، ومِن ثُلُثَي الطريقِ، اسْتَحَقَّ الثُّلُثَين. فيسْتَحِق، إذا رده مِن أقْرَبَ مِنَ المَوْضِعِ الذي عَيَّنه، بالقِسْطِ] (٢)، وإنْ رده مِن مَسافَة أبعَدَ مِن المُعَينةِ، فله المُسَمَّى لا غيرُ. ذكَرَه في «التَّلْخيصِ»، وتَبِعَه في «الرعايَةِ» وغيرِه، واقتصرَ عليه في «الفُروعِ».
وإنِ اخْتَلَفَا فِي أصْلِ الْجُعْلِ، أوْ قَدْرِهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْجاعِلَ.
ــ
قوله: وإنِ اخْتَلَفا في أصْلِ الجُعْلِ أو قَدْرِه، فالقَوْلُ قَوْلُ الجاعِلِ. هذا المذهبُ في قَدْرِه، وعليه جمهورُ الأصحابِ. قال القاضي: هذا قِياسُ المذهبِ. وجزَم به في «الوَجِيزِ» وغيرِه. وقدمه في «المُغْنِي»، و «الشرْحِ»، و «شَرْحِ الحارِثِي»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم. وقيل: يتَحالفان في قَدْرِ الجُعْلِ؛ قِياسا على اخْتِلافِ الأجيرِ والمُسْتَأجِرِ في قَدْرِ الأجْرَةِ. وهو احْتِمال للقاضي، وتَبِعَه مَن بعدَه على ذلك، وهو تخْريجٌ في «الرعايَةِ». فعليه (١)، يُفْسَخُ العَقْدُ، وتجِبُ أجْرَةُ المِثْلِ.
стр. 7578
وَمَنْ عَمِلَ لِغَيرِهِ عَمَلًا بِغَيرِ جُعْل، فَلَا شَيْءَ لَهُ، إلا فِي رَدِّ الآبِقِ،
ــ
تنبيه: قال الحارِثِي في «شَرْحِه»، في قوْلِ المُصَنِّفِ: فالقَوْلُ قَوْلُ الجاعِلِ: تجَوُّز منه؛ فإنه ليس بجاعِل فيما إذا اخْتَلَفا في أصْلِ الجَعالةِ. انتهى. قلتُ: [إنما حُكِمَ] (١) بكَوْنِه جاعِلًا في المَسْألتَين في الجُمْلَةِ. أما في اخْتِلافِهم في قَدْرِ الجُعْلِ، فهو جاعِلٌ بلا رَيبٍ. وأما في اخْتِلافِهم في أصْلِ الجُعْلِ، فليس بجاعِل بالنِّسْبَةِ إلى نَفْسِه، وهو جاعِل بالنِّسْبَةِ إلى زَعْمِ غَرِيمِه. فعلى الأولِ، يكونُ مِن بابِ إطْلاقِ اللفْظِ المُتَواطئ إذا أرِيدَ به بعضُ مَحالِّه، وهو كثير شائع في كَلامِهم، على ما تقدم في كتابِ الطهارَةِ.
فائدة: وكذا الحُكْمُ لو اخْتَلَفا في قَدْرِ المَسافَةِ.
تنبيه: ظاهِرُ قَوْلِه: ومَن عَمِلَ لغيرِه عَمَلًا بغيرِ جُعْل، فلا شيءَ له. ولو كان العَمَلُ تخْلِيصَ مَتاعِ غيرِه مِن فَلاةٍ، ولو كان هَلاكُه فيه مُحَققًا، أو قريبًا منه؛ كالبَحْرِ، وفَمِ السَّبُعِ، وهو قَوْلُ القاضي في «المُجَردِ»، وله احْتِمال بذَلك. في غيرِ «المُجَرَّدِ»، وهو ظاهِرُ كلامِ جماعةٍ مِنَ الأصحابِ. والصحيح مِنَ المذهبِ المَنْصُوصِ عن أحمدَ، أنه يَسْتَحِقُّ أُجْرَةَ مِثْلِه في ذلك، بخِلافِ اللُّقَطَةِ، وعليه الأصحابُ. وكذلك لو انْكَسَرتِ السَّفينَةُ، فخَلّصَ قَوْمٌ الأمْوال مِنَ البَحْرِ، فإنه يجِبُ لهم الأجْرَةُ على المُلاكِ. ذكَرَه في «المُغْنِي»،
стр. 7579
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
و «الشرْحِ»، و «شَرْح ابنِ رَزِين»، وغيرِهم. وألْحَقَ القاضي، وابنُ عَقِيل، والمُصَنِّفُ، وجماعة بذلك، العَبْدَ إذا خَلصَه مِن فَلاةٍ مُهْلِكَةٍ. وقدمه في «الفُروعِ» وغيرِه. ذكَرَه في بابِ إحْياءِ المَواتِ. وتقدمَتِ الإشارَةُ إلى ذلك هناك. وحكَى القاضي احْتِمالًا في العَبْدِ، بعَدَمِ الوُجوبِ، كاللقَطَةِ، وأوْرَدَ في «المُجَرَّدِ» على نصِّ أحمدَ، في مَن خلصَ مِن فَمِ السبعِ شاةً، أو خَرُوفًا، أو غيرَهما، أنه لمالِكِه الأولِ، ولا شيءَ للمُخَلِّصِ. وقال المَجْدُ في «مُسَودَتِه»: وعندِي أن كلامَ أحمدَ، على ظاهِرِه في وُجوبِ الأجْرَةِ على تخْليص المَتاعِ مِنَ المَهالِكِ، دُونَ الآدَمِيِّ؛ لأن الآدَمِي أهْل في الجُمْلَةِ لحِفْظِ نَفسِه. قال في «القاعِدَةِ الرابعَةِ والسَّبْعِين» (١): وفيه نظَرٌ، فقد يكونُ صغيرًا أو عاجِزًا، وتخْليصُه أهَم وأوْلَى مِنَ المَتاعِ، وليس في كلامِ أحمدَ تفْرِقة. انتهى.
فائدتان؛ إحْداهما، لو تَلِفَ ما خلَّصَه مِن هَلَكَةٍ، لم يضْمَنْه مُنْقِذُه. على الصحِيحِ مِنَ المذهبِ. وقيل: يضْمَنُه. حَكاه في «التَّلْخيصِ». قال في «القاعِدَةِ الثالثَةِ والأرْبَعِين»: وفيه بُعْد. الثَّانيةُ، متى كان العَمَلُ في مالِ الغيرِ إنْقاذًا له مِنَ التَّلَفِ المُشْرِفِ عليه، كان جائِزًا، كذَبْحِ الحَيوانِ المأكُولِ إذا خِيفَ مَوْتُه. صرَّح به في «المُغْنِي»، و «الشرْحِ»، و «شَرْحِ ابنِ رَزين»، وغيرِهم. واقْتَصَر عليه في آخِرِ «القاعِدَةِ الرَّابِعَةِ والسَّبْعِين»، وقال: ويفيدُ هذا أنه لا يضْمَنُ ما نقَص بذَبْحِه.
стр. 7580
فَإِنَّ لَهُ بِالشَّرْعِ دِينَارًا أو اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا.
ــ
تنبيه: مُرادُ المُصَنِّف وغيرِه، بقَوْلِهم: ومَن عَمِلَ لغيرِه عمَلًا بغيرِ جُعْل، فلا شيءَ له. غيرُ المُعَدِّ لأخْذِ الأجْرَةِ. فأما المُعَدُّ لأخْذِها، فله الأجْرَةُ قَطْعًا؛ كالمَلاحِ، والمُكارِي، والحَجَّامِ، والقَصَّارِ، والخَيَّاطِ، والدلالِ، ونحوهم ممن يرْصُدُ نَفْسَه للتكَسُّبِ. بالعَمَلِ، فإذا عَمِلَ، اسْتَحَق أجْرَةَ المِثْلِ. نصَّ عليه. وتقدّم بعضُ ذلك في بابِ الإجارَةَ.
قوله: إلا في رَدِّ الآبِقِ. هذا الصحيحُ مِنَ المذهبِ، وعليه الأصحابُ، ونص عليه. وعنه، لا شيءَ لرادِّه مِن غيرِ جَعالة. اخْتارَه المُصَنِّفُ، وقال: هو ظاهِرُ كلام الخِرَقِيِّ. ونازَعَ الزرْكشِي المُصَنِّف في كوْنِ هذا رِوايَة عن أحمدَ، وأنه ظاهِرُ كَلام الخرَقِي.
قوله: فَإنّ له بالشرْعِ دِينارًا، أو اثْنَي عَشَرَ دِرْهَمًا (١). هذا المذهبُ. قال في «الرِّعايَةِ»، و «شَرْحِ الحارِثِي»، وغيرِهما: وسواء كان يُساويهما أوْ لا، وسواء كان زَوْجًا أو ذا رَحِم في عِيالِ المالِكِ أوْ لا. قال الحارِثِيُّ. وجزَم به في «الوَجيزِ»، وغيرِه. وقدمه في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِب»، و «الخُلاصةِ»، و «المُحَرر»، و «الرِّعايَتَين»، و «الحاوي الصغِيرِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم. وعنه، إنْ ردَّه مِن خارِج
стр. 7581
وَعَنْهُ، إنْ رَدَّهُ مِنْ خَارِجِ الْمِصْرِ فَلَهُ أرْبَعُونَ دِرْهَمًا.
ــ
المِصْرِ، فله أرْبَعُون دِرْهَمًا، قَرُبَتِ المَسافَةُ أو بَعُدَتْ. قال المُصَنِّف، وتَبِعَه الشارِحُ، و «الفائِقِ»: اخْتارَه الخَلالُ. وعنه، ومِنَ المِصْرِ عشَرَة. قال
стр. 7582
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الخَلالُ: اسْتَقَرتْ عليه الرِّوايَةُ. قال القاضي: هذا رِوايَة واحِدة. وجزَم به ابنُ البَنا في «خِصالِه»، وصاحِبُ «عُيونِ المَسائلِ»، وقال: الرِّوايَةُ الصحيحةُ مِن خارِج المِصْرِ، دينار، أو عَشَرةُ دَراهِمَ. قال في «الفائقِ»: ولو ردَّ الآبِقَ، قله، بغيرِ شَرْطٍ، عًشَرةُ دَراهِمَ. وعنه، اثْنا عَشَرَ. وعنه، أرْبَعُون دِرْهمًا مِن خارِج النِصْرِ. قال الزَّرْكَشِي: في «المُغْنِي»، إذا ردَّه مِنَ المِصْرِ دِينار، أو عَشَرَةُ دَراهِمَ، وفي «الكافِي»، دِينار، أو اثْنا عَشَرَ دِرْهَمًا، في رِوايَةٍ، وفي أخْرَى، دينار. وفي «خِلافَي الشريفِ، وأبي الخَطابِ»، و «الجامعِ الصَّغيِرِ»، دِينار، أو اثْنا عَشَرَ دِرْهَمًا في رِوايَةٍ، وفي أخْرَى، عَشَرَةُ دَراهِمَ. انتهى. وتقام كلامُ القاضي، وابنِ البَنَّا، والحَلْوانِيِّ. وقال الحارِثِي: إذا رده مِن داخِلِ المِصْرِ، فله عَشَرَةُ دَراهِمَ، قَوْلًا واحدًا. نص عليه في رِوايَةِ حَرْبٍ. قال: ولا أعْلَمُ نَصًّا بخِلافِه. وفي كتابِ «الرِّاويَتَين» للقاضي، لا تخْتَلِفُ الروايَةُ، إذا جاءَ به مِنَ المِصْرِ، أن له عَشَرةَ دَراهِمَ. وقاله ابنُ أبي مُوسى في
стр. 7583
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
«الإرْشادِ». ونقَلَه أبو بَكْر في «زادِ المُسافِرِ»، و «التنبِيهِ». وقاله القاضي أيضًا في «المُجَردِ»، وابنُ عَقِيل في «الفُصولِ»، ولم يُورِدُوا سِواه. قال: فأما ما (١) في «المُقْنِعِ»، و «الهِدايَةِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الفُروعِ» لأبِي الحُسَينِ، و «الأعْلامِ» لابن بَكْروس، و «المُحَررِ»، وغيرِهم، مِنَ التقْديرِ بالدينارِ أو اثْنَي عَشَرَ، وفي داخِلِ المِصْرِ، كما في خارِجِه، فلا يثْبُتُ.
стр. 7584
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وأصْلُ ذلك كلِّه، قوْلُ القاضي في «الجامِعِ الصغِيرِ»: مَن رد آبِقًا، اسْتَحَق دِينارًا، أو اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا، سواء جاءَ به مِنَ المِصرِ أو خارِجِ المِصْرِ، في إحْدَى الرِّواتتَين. والأخْرَى، إنْ جاءَ به مِنَ المِصْرِ، اسْتَحَق عَشَرةَ دَراهِمَ، وإنْ جاءَ به مِن خارِجِ المِصْرِ، اسْتَحَق أرْبَعِين دِرْهَمَا. فمنهم مَن حكَى ذلك كله، ومنهم مَنِ اخْتَص العَشَرَةَ في المِصْرِ؛ بِناءً على أنها معْنَى الدِّينارِ، وأن الدِّينارَ قد يُقَومُ بالعَشَرةِ والاثْنَي عَشَرَ، فيكونُ داخِلًا في الرِّوايَةِ الأولَى (١). قال: وهذا الذي قاله القاضي مِنِ اسْتِحْقاق الدِّينارِ، أو الاثْنَي عَشَرَ في المِصْرِ، لا أصْلَ له في كَلامِ أحمدَ، ألْبَتَّةَ، ولا دَلِيلَ عليه. انتهى كلامُ الحارِثِيِّ. قلتُ: وفيه نظر؛ لأن ناقِلَ هذه الرِّوايَةِ هو (٢) القاضي، وهو الثِّقَةُ الأمِينُ في النقْلِ، بل هو ناقِلُ غالِبِ رِواياتِ المذهبِ، ولا يَلْزَمُ مِن عدَمِ اطِّلاعِ الحارِثِي على هذه الروايَةِ أنْ لا (٢) تكونَ نُقِلَتْ عنِ الإمامِ أحمدَ، خُصوصًا وقد تابَعَه عليها (٣) الأعْلامُ المُحَقِّقُون.
стр. 7585
وَيَأخذ مِنْه مَا أنْفقَ عَلَيهِ فِي قُوتِهِ، وإنْ هَرَبَ مِنْه فِي طَرِيقِهِ.
ــ
تنبيه: دخَل في عُمومِ كلامِ المُصَنِّفِ، لو رده الإمامُ. وهو ظاهِرُ كلامِ كثير مِنَ الأصحابِ، وهو ظاهِرُ ما قدمه في «الفُروعِ». ونقَل حَرب، إنْ ردَّه الإمامُ، فلا شيءَ له. وجَزم به ابنُ رَجَب في «قواعِدِه»، وقال: وذلك (١) لانْتِصابِه للمَصالِح، وله حَق في بَيتِ المالِ على ذلك. وكذا قال الحارِثِي، وقطَع به. وتقدم نَظيرُها في عامِلِ الزَّكاةِ.
قوله: ويأخُذُ مِنه ما أنْفَقَ عليه في قوتِه. هذا المذهبُ، نص عليه، سواء قُلْنا باسْتِحْقاق الجُعْلِ أم لا. جزَم به في «الوَجِيزِ» وغيرِه. وقدَّمه في «الفُروعِ»
стр. 7586
فَإنْ مَاتَ السَّيِّدُ، اسْتُحِقَّ ذَلِك فِي تَرِكَتِهِ.
ــ
وغيرِه. وقال ابنُ رَجَبٍ في «قَواعِدِه»: وجزَم به الأكْثَرون مِن غيرِ خِلافٍ. قال الزَّرْكَشِي: هذا المَشْهُورُ. وخرج المُصَنِّفُ قَوْلًا بأنه لا يرجِعُ. وقيل: لا يرجِعُ إلَّا (١) إذا أنْفَقَ بنِيَّةِ الرُّجوعِ. واخْتارَه في «الرِّعايَةِ». واشْتَرَطَ أبو الخَطَّابِ، والمَجْدُ في «المُحَرَّرِ»، العَجْزَ عنِ اسْتِئْذانِ المالِكِ، وضعَّفَه المُصَنِّفُ، ولا يتَوقفُ الرُّجُوعُ على تَسْلِيمِه، بل لو أبقَ قبلَ ذلك، فله الرُّجُوعُ بما أنْفَقَ عليه. نص عليه في رِوايَةِ عَبْدِ اللهِ، وصرَّح به الأصحابُ.
فوائد؛ إحْداها، علَفُ الدابَّةِ كالنَّفَقَةِ. الثانيةُ، لو أرادَ اسْتِخْدامَه بَدَلَ النفَقَةِ، ففي جَوازِه رِوايَتان. حَكاهما أبو الفَتْحِ الحَلْوانِي في «الكِفايَةِ»، كالعَبْدِ المَرْهُونِ، وذَكَرَهما في «المُوجَزِ»، و «التبصِرَةِ». والصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنه لا يجوزُ ذلك في العَبْدِ المَرْهونِ، فكذا هنا بطَريق أوْلَى. والله أعلمُ.
стр. 7587
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تنبيه: أفادَنا المُصَنِّف جوازَ أخذِ الآبِقِ لمن وجَدَه. وهو صحيحٌ؛ لأنه لا يُؤْمَنُ عليه أنْ يلْحقَ بدارِ الحَرْبِ ويرْتَد، أو يشْتَغِل بالفَسادِ في البلادِ، بخِلافِ الضوالِّ التي تحْفَظُ نفْسَها. إذا عُلِمَ ذلك، فهو أمانة في يَدِه، إذا أَخَذَه، إنْ تَلِفَ بغيرِ تَفْريطٍ، فلا ضَمانَ عليه، وانْ وجَد صاحِبَه، دفَعَه إليه، إذا اعْتَرف العَبْدُ أنه سيِّدُه، أو أقامَ به بَيِّنةً، فإنْ لم يجِدْ سيِّدَه، دَفَعَه إلى الامامِ أو نائبهِ، فيحْفَظُه لصاحِبِه، أو بيعُه إنْ رأى المَصْلَحَةَ فيه، وليس لواجِدِه بَيعُه، ولا تمَلكُه بعدَ تَعْريفِه؛ لأنه ينْحَفِظُ بنَفْسِه، [فهو كضَوالِّ الإبلِ. ذكَرَه المُصنِّفُ، والشارِحُ. وقوْلُهما: ينْحَفِظُ بنَفْسِه] (١). دَليل على أنهما أرادا الكبيرَ؛ لأن الصغِيرَ لا ينْحَفِظُ بنَفْسِه. ويأتِي في بابِ اللقَطَةِ. فإنْ باعَه الامامُ أو نائبُه لمَصْلَحَةٍ
стр. 7588
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
رآها، فجاءَ سَيِّدُه، فاعْتَرَف أنه كان أعْتَقَه، قُبِلَ قوْلُه. على الصحيع مِنَ المذهبِ. قامه في «المُغْنِي»، و «الشرْحِ»، و «شَرْحِ ابنِ رَزِين». وقيل: لا يقبَلُ. وهو احْتِمالٌ في «المُغْنِي»، و «الشرْحِ». وأطْلَقَهما في «الفُروعِ» و «الحارِثِيِّ»، ذكَرَه في اللقَطَةِ. الثالثةُ، العَبْدُ وغيرُه أمانَة في يَدِه، لا ضَمانَ عليه إلا أن يتَعَدَّى. نص عليه، على ما تقدم. الرابَعةُ، أمُّ الوَلَدِ، والمُدَبرُ، كالقِنِّ فيما تقدم؛ إذا جاءَ بهما إلى السيِّدِ، فإنْ ماتَ قبلَ وُصُولهما إليه، فلا جُعْلَ؛ لأنهما يعْتِقان بالمَوْتِ، فالعَمَلُ لم يتم، بخِلافِ النَّفَقَةِ، فإنه يرْجِعُ بما أنْفَقَ حال الحياةِ. واللهُ أعلمُ بالصوابِ. وتقدم أن المَنْصُوصَ، أنه يسْتَحِقُّ الأجْرَةَ بتَخْليصِ مَتاعِ غيره مِن مَهْلَكَةٍ.
стр. 7589
بَابُ اللُّقَطَةِ
وَهِيَ الْمَالُ الضائِعُ مِنْ رَبهِ.
ــ
بابُ اللُّقَطَةِ
فائدة: قوْلُه: وهي المالُ الضائِعُ مِن رَبه. هو تعْريف لمَعْناها الشرْعِي. وكذا قال غيرُه. قال الحارِثي: وعلى هذا سُؤالان؛ أحدُهما، قد يكونُ المُلْتَقَط غيرَ ضائع؛ كالمَتْروكِ قَصْدًا لأمْر يقْتَضِيه، ومنه المالُ المَدْفونُ، والشيءُ الذي يُتْرَكُ
وَتَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أقْسَامٍ: أحدُهَا، مَا لَا تَتْبَعُهُ الْهِمَّةُ، كَالسَّوْطِ، وَالشِّسْعِ، وَالرَّغِيفِ، فَيُمْلَكُ بِأخْذِهِ بِلَا تَعْرِيفٍ.
ــ
قوله: وتنْقَسِمُ ثَلاثةَ أقْسام؛ أحَدُها، ما لا تتْبَعُه الهِمةُ. يَعْنِي، هِمةَ أوْساطِ الناسِ، ولو كثرُ. وهذا المذهبُ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ. وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه. وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه. ومثلَه المُصَنِّفُ بالسوطِ،
стр. 7592
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والشِّسْعِ، والرغِيفِ. ومثلَه في «الإرْشادِ»، و «تَذْكِرَةِ ابنِ عَقِيل»، و «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، وجماعةٌ، بالتمْرَةِ، والكِسْرَةِ، وشسعِ النعْلِ، وما أشْبَهَه. ومثلَه في «المُغْنِي» بالعَصا والحَبْلِ، وما قِيمَتُه كقِيمَةِ ذلك. قال الحارِثي: ما لا تتبعُه الهِمةُ. نص أحمدُ في رِوايَةِ عَبْدِ اللهِ وحَنبل، أنه ما كان مِثْلَ التمْرَةِ، والكِسْرَةِ، والخِرْقَةِ، وما لا خطَر له، فلا بأسَ. وقال في رِوايَةِ ابنِ مَنْصُور: الذي يُعَرفُ مِنَ اللُّقَطَةِ كل شيءٍ، إلا مالا
стр. 7593
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قِيمَةَ له. وسُئِلَ في رِوايَةِ حَرْبٍ، الرجُلُ يُصِيبُ الشِّسْعَ في الطريقِ، أيأخُذُه؟ قال: إذا كان جَيِّدًا مما لا يُطْرَحُ مِثْلُه، فلا يُعْجِبُنِي أنْ يأخُذَه، وإنْ كان رَدِيئًا قد طرَحَه صاحِبُه، فلا بَأسَ. قال الحارِثِي: فكلامُ أحمدَ لا يُوافِقُ ما قال في «المُغْنِي»، ولا شكَّ أن الحَبْلَ، والسَّوْطَ، والرغِيفَ يزِيدُ على التمْرَةِ،
стр. 7594
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والكِسْرَةِ. قال: وسائرُ الأصحابِ على ما قال الإمامُ أحمدُ في ذلك كله، ولا أعْلَمُ أحدًا وافَقَ المُصَنِّفَ، إلا أبا الخَطابِ في الشِّسْعِ فقط. انتهى. قال في «الرِّعايَةِ»: وما قل؛ كتَمْرَةٍ، وخِرْقَةٍ، وشسعِ نَعْل، وكِسْرَةٍ، وقيل: ورَغيفٍ. انتهى. فحكَى في الرغيفِ الخِلافَ. وقيل: هو ما دُونَ نِصابِ السرِقَةِ. قال في «الكافِي»: ويحْتَمِلُ أنْ لا يجِبَ تَعْريفُ ما لا يُقْطَعُ فيه السارِقُ. وقيل: هو ما دُونَ قِيراطٍ؛ مِن عَين أو وَرِق. اخْتارَه أبو الفَرَجِ في «المُبْهِجِ»، ورَدهْ المُصَنفُ. وذكَر القاضي، وابنُ عَقِيل، لا يجِبُ تَعْريف الدَّانِقِ. قال الحارِثِي: والظاهِرُ أنه عنَى دانِقًا مِن ذهَبٍ. وكذا قال صاحِبُ «التلْخيصِ». قال في «الرعايَةِ»: وقيلَ: بل ما فوقَ دانِقِ ذَهَبٍ. وقال أيضًا: وعنه، يُعَرَّفُ الدِّرْهَمُ فأكثرُ.
فائدة: لو وجَد كَنَّاسٌ، أو نَخالٌ، أو مقلشٌ، قِطعًا صِغارًا مُفرَّقَةً، ملكَها بلا تَعْريفٍ، وإنْ كَثُرَتْ.
стр. 7595
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قوله: فيُمْلَكُ بأخْذِه بلا تَعْرِيض. هذا المذهبُ، وعليه الأصحابُ، ونص عليه أحمدُ. وعنه، يلْزَمُه تَعْريفُه. ذكَرَها أبو الحُسَينِ. وقيل: يلْزَمُه تَعْريفُه مُدَّة يظُنُّ طلَبَ رِّبه له. اخْتارَه في «الرِّعايَةِ».
فوائد؛ منها ما قاله في «التبَّصَرَةِ»: إن الصدَقَةَ بذلك أوْلَى. ومنها، أنَّه لا يلْزَمُه دَفْعُ بَدَلِه، إذا وجَد ربه. على الصَّحيع مِنَ المذهبِ، وقُوةُ كلامِ المُصَنِّفِ هنا تقْتَضِيه؛ لقَوْلِه: فيُمْلَكُ بأخْذِه بلا تَعْريفٍ. وقدَّمه في «الفُروعِ». وقال في «التبصِرَةِ»: يلْزَمُه. قال في «الفُروعِ»: وكلامُهم فيه يحْتَمِلُ وَجْهَين. وقيل لأحمدَ في التَّمْرَةِ تجِدُها، أو يُلْقِيها عُصْفُوز: أيأكُلُها؟ قال: لا. قال: أيطْعِمُها صَبِيًّا، أو يتَصَدقُ بها؟ قال: لا يعْرِضُ لها. نقَلَها أبو طالب وغيرُه، واخْتارَه عَبدُ الوَهابِ الوَرَّاقُ. ومنها: لا يُعَرِّفُ الكَلْبَ إذا وجَدَه، بل ينتفِعُ به، إذا كان مُباحًا. على الصحيح مِنَ المذهبِ. وقيل: يُعَرِّفُ سنَةً. ويأتِي قريبًا.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فوائد؛ منها، الصحيحُ مِنَ المذهبِ، أن الحُمُرَ مما يمْتَنِعُ مِن صِغارِ السِّباعِ. وعليه جماهيرُ الأصحابِ. قال المُصَنِّفُ، والشارِحُ، وغيرُهما: قاله الأصحابُ. قال الحارِثِي: هو قوْلُ القاضي في آخرَين. وجزَم به في «الرِّعايتَين» وغيرِهما. وقدمه في «الفُروعِ»، و «الفائقِ»، وغيرِهما. وألْحَقَ المُصَنِّفُ الحُمُرَ بالشاةِ ونحوها. قال الحارِثِي: وهو أوْلَى. ومنها، قال الحارِثِي: اخْتَلفَ الأصحابُ في الكَلْبِ المُعَلمِ؛ فأدْخَلَه المُصَنِّفُ فيما يمْتَنِعُ التِقاطُه، كما اقْتَضاه
стр. 7598
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ظاهِرُ لَفْظِه هنا، وصَريحُ لَفْظِه في «المُغْنِي»؛ اعْتِبارًا بمَنَعَتِه بنابِه. وجوَّزَ التِقاطَه القاضي وغيرُه، وهو أصحُّ؛ لأنه لا نَصَّ في المَنْعِ، وليس في مَعْنَى المَمْنُوعِ، وفي أخْذِه حِفْظ على مُسْتَحِقِّه، أشْبَهَ الأثْمانَ وأوْلَى، مِن جِهَةِ أنه ليس مالًا، فيكونُ أخَفَّ. وعلى هذا، هل يَنْتَفِعُ به بعدَ حَوْلِ التعْريفِ؟ فيه وَجْهان، وفيهما طَرِيقان؛ أحَدُهما، بِناءُ الخِلافِ على الخِلافِ في تَمَلك الشَّاةِ بعدَ الحَوْلِ. وهي طَريقَةُ القاضي. الآخَرُ، بِناءُ الانْتِفاعِ على التمَلك لما يتمَلَّكُ بعدَ الحَوْلِ، وبِناءُ مَنْعِ الانْتِفاعِ على أنه لا يضْمَنُ لما ضاعَ منه بالقِيمَةِ لو تَلِفَ؛ لانْتِفاءِ كوْنِه مالا، فيُؤدِّي إلى الانْتِفاعِ مجَّانًا، وهو خِلافُ الأصْلِ. انتهى كلامُ الحارِثيِّ. ومنها، يجوزُ للإمامِ ونائبِه أخْذُ ما يمْتَنِعُ مِن صِغارِ السِّباع، وحِفْظُه لرَبِّه، ولا يلْزَمُه تَعْرِيفُه. قاله الأصحابُ. ولا يُكْتَفَى فيها بالصِّفَةِ. قاله المُصَنِّفُ وغيرُه، واقْتَصرَ عليه في «الفُروعِ». ولا يجوزُ لغيرِهما أخْذُ شيء مِن ذلك لحِفْظِه لرَبه. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. وقال المُصَنِّفُ ومَن تَبِعَه: يجوزُ أخْذُها إذا خِيفَ عليها؛ كما لو كانتْ في أرْض مَسْبَعَةٍ، أو قريبًا مِن دارِ الحَرْبِ، أو بمَوْضِع يسْتَحِلُّ أهله أمْوال المُسْلِمين، أو في برِّيَّةٍ لا ماءَ فيها ولا مَرْعَى، ولا ضَمانَ على آخِذِها؛ لأنه إنْقاذ مِنَ الهَلاكِ. قال الحارِثِي: وهو كما قال. وجزَم به في «تَجْريدِ العِنايَةِ».