وَلَا يَجُوزُ غَرْسُ شَجَرَةٍ في الْمَسْجِدِ،
ــ
بمَصْلَحَتِه. قال: وإنْ عُلِمَ أنَّ رَيعَه يفْضُلُ عنه دائمًا، وجَب صَرْفُه، ولا يجوزُ لغيرِ النَّاظِرِ صَرْفُ الفاضِلِ. انتهى. وقال في «الفائقِ»: وما فضَل مِن حُصُرِ المَسْجِدِ أو زَيتِه، ساغ صَرْفُه إلى مَسْجِدٍ آخَرَ، والصَّدَقَة به على جِيرانِه. نصَّ عليه. وعنه، على الفُقَراءِ. وحكَى القاضي في صَرْفِه ومَنْعِه رِوايتَين. وكذا الفاضِلُ مِن جميعِ رَيعِه، يُصْرَفُ في مَسْجِدٍ آخَرَ. ذكَرَه القاضي في «المُجَردِ». قال القاضي أبو الحُسَينِ: وهو أصحُّ.
فائدة: قال الحارِثِيُّ: فَضْلَةُ غَلَّةِ المَوْقوفِ على مُعَيَّنٍ، يتَعيَّنُ إرْصادُها. ذكَرَه القاضي أبو الحُسَينِ. قال الحارِثِيُّ: وإنَّما يتَأَتَّى فيما إذا كان الصَّرْفُ مُقَدَّرًا. وهو واضِحٌ.
قوله: ولا يجوزُ غَرْسُ شَجَرَةٍ في المَسْجِدِ. هذا المذهبُ، نصَّ عليه، وعليه جماهِيرُ الأصحابِ، وقطَع به كثيرٌ منهم؛ منهم صاحِبُ «الهِدايَةِ»،
стр. 7912
فَإِنْ كَانَتْ مَغْرُوسَةً فِيهِ، جَازَ الْأَكْلُ مِنْهَا. وَقَال أَبُو الْخَطَّابِ،
ــ
و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبوكِ الذَّهَبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الفائقِ»، وغيرِهم. وقدَّمه في «المُسْتَوْعِبِ»، و «الفُروعِ»، و «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»، وغيرِهم. وذكَر في «الإرْشادِ»، و «المُبْهِجِ»، أنَّه يُكْرَهُ. قال في «الرِّعايَةِ الصُّغْرَى»: إنْ غُرِستْ بعدَ وَقْفِه، قُلِعَتْ، إنْ ضَيَّقَتْ مَوْضِعَ الصلاةِ. قال في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»: ويحْرُمُ غرْسُها مُطْلَقًا. وقيل: إنْ ضيِّقَتْ، حَرُمَ، وإِلَّا كُرِهَ. فعلى المذهبِ، تُقْلَعُ. نصَّ عليه. وجزَم به في «الفُروعِ» وغيرِه. وقال في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»: وإنْ غُرِستْ بعدَ وَقْفِه، قُلِعَتْ. وقيل: إنْ ضيَّقَتْ مَوْضِعَ الصَّلاةِ، وإلَّا فلا. وتقدَّم كلامُه في «الرِّعايَةِ الصُّغْرَى». وعلى المذهبِ أيضًا، يكونُ ثَمَرُها لمَساكِينِ أهْلِ المَسْجِدِ. قال في «الإرْشادِ»: قال الحارِثِيُّ: وهو المذهبُ. قال: والأقْرَبُ حِلُّه لغيرِهم مِنَ المَساكِينِ أيضًا. وقال كثير بِنَ الأصحابِ: هي (١) لمالِكِ الأرْضِ المَغْرُوسِ بها غَصْبًا. انتهى.
قوله: فإنْ كانتْ مَغْرُوسَةً فيه، جازَ الأَكْلُ منها. يعْنِي، إذا كانتْ مغْروسَةً قبلَ بِنائِه، أو وْقَفَها معه. فإذا وقَفَها معه، وعيَّنَ مَصْرِفَها، عُمِلَ به، وإنْ لم يُعَيِّنْ مَصْرِفَها، كان حُكْمُها حُكمَ الوَقْفِ المُنْقَطِعِ. قدَّمه في «الفُروعِ». وقال المُصَنِّفُ هنا: جازَ الأَكْلُ منها. وهذا منْصوصُ أحمدَ، في رِوايَةِ أبي طالِبٍ. وقدَّمه
стр. 7913
رَحِمَهُ اللهُ: إِذَا لَمْ تَكُنْ بِالْمَسْجِدِ حَاجَةٌ إِلَى ثَمَنِهَا، فَإِنِ احْتَاجَ صُرِفَ ذَلِكَ في عِمَارَتِهِ.
ــ
في «المُسْتَوْعِبِ»، و «الرِّعايَةِ الصغْرَى»، و «الحاوي الصغِيرِ». وقال في «الهِدايَةِ»، بعدَ أنْ قدَّم المَنْصوصَ: وعندِي أنَّ هذه الرِّوايَةَ مَحْمولَةٌ على ما إذا لم يَكُنْ بالمَسْجِدِ حاجَةٌ إلى ثَمَنِ ذلك؛ لأَنّ الجِيرانَ يَعْمُرونه ويَكْسُونه. وقطَع بما حمَلَه عليه أبو الخَطابِ في «المُذْهَبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الفائقِ». واعْلَمْ أنَّ جماعَةً مِنَ الأصحابِ قالوا: يُصْرَفُ في مَصالِحِه، وإنِ اسْتُغْنِيَ عنها،
стр. 7914
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فلجارِه أَكْلُ ثَمَرِه. نصَّ عليه. وجزَم به في «الفائقِ» وغيرِه. وقال جماعَةٌ: إذا اسْتَغْنَى عنها المَسْجِدُ، فلجارِه ولغيرِه الأَكْلُ منها. وقيل: يجوزُ الأَكْلُ للجارِ الفَقيرِ. وقيل: يجوزُ للفَقيرِ مُطْلَقًا. قدَّمه في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»، فقال: وثَمَرُها لفُقَراءِ الدَّرْبِ. وتقدَّم في آخِرِ الاعْتِكافِ، هل يجوزُ البَيعُ والشِّراءُ في المَسْجِدِ أو يحْرُمُ؟ وهل يصِحُّ أو لا؟
فائدة: يحْرُمُ حَفْرُ بِئْرٍ في المَسْجِدِ، فإنْ فُعِلَ، طُمَّ. نصَّ عليه في رِوايَةِ المَرُّوذِيِّ. وقدَّمه في «الفُروعِ». وقال في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى» في إحْياءِ المَواتِ. لم يَكْرَهْ أحمدُ حفْرَها فيه. ثم قال: قلتُ: بلَى، إنْ كُرِهَ الوُضوءُ فيه. انتهى. وقال الحارِثِيُّ، في الغَصْبِ: وإنْ حفَر بِئْرًا في المَسْجِدِ للمَصْلحَةِ العامَّةِ، فعليه ضَمانُ ما تَلِفَ بها؛ لأنَّه مَمْنوعٌ منه؛ إذِ المَنْفَعَةُ مُسْتَحَقَّة للصَّلاةِ، فتَعْطلُها عُدْوان. ونصَّ على المَنْعِ مِن رِوايَةِ المَرُّوذِيِّ. ويَحْتَمِلُ أنَّه كالحَفْرِ في السَّابِلَةِ؛ لاشْتِراكِ المُسْلِمِين في كلٍّ منهما، فالحَفْرُ في إحْداهما كالحَفْرِ في الأُخرَى، فتَجْرِي فيه رِوايَةُ ابنِ ثَوابٍ، بعدَمِ الضَّمانِ. انتهى.
فائدة: قال في «الفُروعِ»: وإنْ بنَى أو غرَس ناظِرٌ في وَقْفٍ، توَجَّهَ أنَّه له، إنْ أشْهَدَ، وإلَّا للوَقْفِ، ويتَوَجَّهُ في أجْنَبِيٍّ بنَى أو غرَس، أنَّه للوَقْفِ بنِيَّتِه. قال الشَّيخُ تَقِي الدِّينِ، ﵀: يَدُ الواقِفِ ثابِتَةٌ على المُتَّصِلِ به، ما لم تَأْتِ حُجَّةٌ تدْفَعُ مُوجِبها؛ كمَعْرِفَةِ كَوْنِ الغارِسِ غرَسَه بمالِه بحُكْمِ إجارةٍ؛ أو إعارَةٍ أو غَصْبٍ. ويَدُ المُسْتَأْجِر على المَنْفَعَةِ، فليس له دَعْوَى البِناءِ بلا حُجَّةٍ، ويَدُ أهْلِ العَرْصَةِ المُشْتَرَكَةِ ثابِتَةٌ على ما فيها بحُكْمِ الاشْتِراكِ، إلَّا مع بَيِّنَةٍ باخْتِصاصِه ببِناءٍ، ونحوه.
стр. 7915
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى
١٤١٦ هـ - ١٩٩٥ م
المكتب: ٤ ش ترعة الزمر- المهندسين - جيزة
تليفون: ٣٤٥٢٥٧٩ - فاكس: ٣٤٥١٧٥٦
المطبعة: ٢، ٦ ش عبد الفتاح الطويل
أرض اللواء - تليفون: ٣٤٥٢٩٦٣
ص. ب: ٦٣ إمبابة
стр. 7916
يوزع على نفقة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود خدمة للعلم وطلابه
أجزل الله مثوبته .. ووفقه لمرضاته
стр. 7917
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
بَابُ الْهِبَةِ وَالْعَطِيَّةِ
وَهِيَ تَمْلِيكٌ فِي حَيَاتِهِ بِغَيرِ عِوَضٍ.
ــ
بابُ الهِبَةِ والعَطِيَّةِ
قوله: وهي تمْلِيكٌ في حَياتِه بغيرِ عِوَضٍ. هذا المذهبُ مُطْلَقًا، وعليه الأصحابُ. وقيل: الهِبَةُ تقْتَضِي عِوَضًا. وقيل: مع عُرْفٍ. فلو أعْطاه ليُعاوضَه، أو ليَقْضِيَ له به حاجَةً، فلم يَفِ، فكالشَّرْطِ. واخْتارَه الشيخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
стр. 7918
فَإِنْ شَرَطَ فِيهَا عِوَضًا مَعْلُومًا، صَارَتْ بَيعًا. وَعَنْهُ، يَغْلِبُ فِيهَا حُكْمُ الْهِبَةِ.
ــ
قوله: فإنْ شرَط فيها عِوَضًا مَعْلُومًا، صارَتْ بَيعًا. حُكْمُها حُكْمُ البَيعِ في ثُبوتِ الخِيارِ، والشُّفْعَةِ، وغيرِهما. هذا المذهبُ. قال الحارِثِيُّ: قاله القاضي وأصحابُه. وليس مَنْصوصًا عنه، ولا عن مُتَقَدِّمِي أصحابِه. وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه. وصحَّحه في «الخُلاصَةِ»، و «تَجْريدِ العِنايَةِ». وقدَّمه في «الشَّرْحِ»، و «الفُروعِ»، و «الرعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «النَّظْمِ»، و «المُذْهَبِ»، و «الهِدايَةِ». وقيل: هي بَيعٌ مع التَّقابُضِ. وعنه، يُغَلَّبُ فيها حُكْمُ الهِبَةِ. ذكَرَها أبو الخَطَّابِ. وقال الحارِثِيُّ:
стр. 7919
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
هذا المذهبُ، وهو الصحيحُ، وهو مَتِين جدًّا. وقال عنِ الأولِ: هو ضَعيفٌ جِدًّا. انتهى. قال القاضي: ليستْ بَيعًا، وإنَّما الهِبَةُ تارَةً تكونُ تبَرُّعًا، وتارَةً تكونُ بعِوَضٍ، وكذلك العِتْقُ، ولا يخْرُجان عن مَوْضوعِهما. قال في «الفُروعِ»:
стр. 7920
وَإِنْ شَرَطَ ثَوَابًا مَجْهُولًا، لَمْ تَصِحَّ. وَعَنْهُ، أَنَّهُ قَال: يُرْضِيهِ بِشيْءٍ. فَعَلَى هَذَا، أنْ لَمْ يَرْضَ فَلَهُ الرُّجُوعُ فِيهَا، أَوْ فِي عِوَضِهَا إِنْ كَانَتْ تَالِفَةً.
ــ
وإنْ شرَطَه، وكان معلُومًا، صحَّتْ، كالعارِيَّةِ. وقيل: بقِيمَتِها بَيعًا. وعنه، هِبَةً. انتهى.
تنبيه: أفادَنا المُصَنِّفُ، ﵀، صِحَّةَ شَرْطِ العِوَضِ فيها. وهو صحيحٌ، وهو المذهبُ. وقيل: لا تصِحُّ مُطْلَقًا.
قوله: وإنْ شرَط ثَوابًا مَجْهُولًا، لم تصِحَّ. [يعْنِي الهبَةَ] (١). وهو المذهبُ،
стр. 7921
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وعنيه أكثرُ الأصحابِ؛ منهم القاضي، وابن عَقِيلٍ، والمُصَنِّفُ. قال في «الخُلاصَةِ»: لم يصِحَّ في الأصحِّ. قال ابنُ مُنَجَّى في «شَرْحِه»: هذا المذهبُ. وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه. وقدَّمه في «الفُروعِ»، و «الشَّرْحِ»، و «النَّظْمِ»، وغيرِهم. وعنه، أنَّه قال: يُرْضِيه بشيءٍ. فيصِحُّ. وذكَرَ ما الشَّيخُ
стр. 7922
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تَقِيُّ الدِّينِ ظاهِرَ المذهبِ. قال الحارِثِيُّ: هذا المذهبُ، نصَّ عليه مِن رِوايَةِ ابنِ الحَكَمِ، وإسْماعِيلَ بنِ سعيدٍ، وإليه ميلُ أبِي الخَطَّابِ. وصحَّح هذه الرِّوايَةَ في «الرِّعايَةِ الصُّغْرَى»، فقال؛ فإنْ شرَطَه مَجْهولًا، صحَّتْ في الأصحِّ. قال في «الكُبْرَى»: وهو أوْلَى. فعلى هذه الرِّوايَةِ، يُرْضِيه، فإنْ لم يرْضَ، فله الرُّجوعُ فيها، فيرُدُّها (١) بزِيادَةٍ ونقْص. نصَّ عليه. فإنْ تَلِفَتْ، فقِيمَتُها يومَ التَّلَفِ. وهذا البِناءُ على هذه الروايَةِ هو الصَّحيحُ. صحَّحه المُصَنِّفُ وغيرُه. وقيل: يُرْضِيه بقِيمَةِ ما وهَبَه. وأطْلَقهما في «المُذْهَبِ». قال الحارِثِيُّ: ويحْتَمِلُ وَجْهًا بالبِناءِ، وهو ما يُعَدُّ ثَوابًا لمثْلِه عادةً.
فائدة: لو ادَّعَى شَرْطَ العِوَضِ، فأنْكَر المُتَّهِبُ، أو قال: وَهَبْتَنِي هذا. قال: بل بِعْتُكه. ففي أيِّهما يُقْبَلُ قوْلُه وَجْهان. وأطْلَقهما في «الفُروعِ»، و «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»، أحدُهما، يُقْبَلُ قولُ المُتَّهِبِ. وجزَم به في «الكافِي»، في المَسْأَلَةِ الأولَى. وقدَّمه الحارِثِيُّ، وصحَّحَه، وقال: حكاه في «الكافِي»، وغيرُ واحدٍ. والوَجْهُ الثَّاني، القَوْلُ قولُ الواهِب. وأطْلَقهما في «التَّلْخيصِ»، في المَسْالةِ الأولَى.
стр. 7923
وَتَحْصُلُ الْهِبَةُ بِمَا يَتَعَارَفُهُ النَّاسُ هِبَةً، مِنَ الإيجَابِ وَالْقَبُولِ وَالْمُعَاطَاةِ الْمُقْتَرِنَةِ بِمَا يَدُلُّ عَلَيهَا.
ــ
قوله: وتحْصُلُ الهِبَةُ بما يتعارَفُه النَّاسُ هِبَةً؛ مِنَ الإِيجابِ والقَبُولِ، والمُعاطاةِ المُقْتَرِنَةِ بما يدُلُّ عليها. هذا المذهبُ. اخْتارَه ابنُ عَقِيلٍ، والمَجْدُ في «شَرْحِ الهِدايَةِ»، وغيرُهما، حتى إنَّ ابنَ عَقِيلٍ وغيرَه صحَّحُوا الهِبَةَ بالمُعاطاةِ، ولم يذْكُروا فيها الخِلافَ الذي في بَيعِ المُعاطاةِ. وجزَم به في «المُحَرَّرِ»، و «الوَجيزِ»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «المُنَوِّرِ»، وغيرِهم. وقدَّمه في «الشَّرْحِ»، و «الحارِثِيِّ»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ»، و «النَّظْمِ»،
стр. 7924
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وغيرِهم. قال في «التَّلْخيصِ»: وهل يقُومُ الفِعْلُ مَقامَ اللفْظِ؟ يُخَرَّجُ على الرِّوايَةِ في البيعِ بالمُعاطاةِ، وأوْلَى بالصِّحَّةِ. قال في «الحاوي الصَّغِيرِ»: وتنْعَقِدُ بالمُعاطاةِ. وفي «المُسْتَوْعِبِ»، و «المُغْني»، في الصَّداقِ: لا تصِحُّ إلا بلَفْظِ الهِبَةِ، والعَفْو، والتَّمْليكِ. وقال في «الرعايَةِ الكُبْرَى»: وفي العَفْو وَجْهان. وقال في «المُذْهَبِ»، و «مَسْبوكِ الذَّهَبِ»: وألْفاظُها، وَهبْتُ، وأعْطتُ، وَملَّكْتُ. والقَبُولُ؛ قَبِلْتُ، أو تَملَّكْتُ، أو اتَّهَبْتُ. فإنْ لم يَكُنْ إيجابٌ ولا قَبُولٌ، بل إعْطاءٌ وأخْذٌ، كانتْ هَدِيَّةً، أو صدَقَةَ تطَوُّعٍ على مِقْدارِ العُرْفِ. انتهى. وقال في «الانْتِصارِ»، في غِذاءِ المَساكِينِ في الظِّهارِ: أطْعَمْتُكه كوهَبْتُكه. وذكَر القاضي في «المُجَرَّدِ»، وأبو الخَطَّابِ، وأبو الفَرَجِ الشِّيرازِيُّ، أن الهِبَةَ والعَطيَّةَ لا بدَّ فيهما مِنَ الإيجابِ والقَبُولِ، ولا تصِحُّ بدوُنِه، سواءٌ وُجِدَ القَبْضُ أو لم يُوْجَدْ. قاله المُصَنِّفُ وغيرُه. قال في «الفائقِ»: وهو ضَعيف. وقدَّم في «الرِّعايتَين»، أنّه لا يصِحُّ بالمُعاطاةِ. وتقدَّم التَّنبِيهُ على هذه المَسْأَلَةِ في كتابِ البَيعِ.
стр. 7925
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فائدتان؛ إحْداهما، لو تَراخَى القَبُولُ عنِ الإيجابِ، صحَّ، ما داما في المَجْلِسِ، ولم يتَشاغَلا بما يقْطَعُه. قاله في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»، و «الفائقِ». وقال في «الصُّغْرَى»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»: وتنْعَقِدُ بالإيجابِ والقَبُولِ عُرْفًا. وقال الزَّرْكَشِيُّ: لو تقدَّم القَبُولُ على الإيجابِ، ففي صِحَّةِ الهِبَةِ رِوايَتان. انتهى. قلتُ: هي مُشابِهَة للبَيعِ، فيَأْتِي هنا ما في البَيعِ على ما تقدَّم. ثم وَجَدْتُ الحارِثِيَّ صرَّح بذلك، ولم يحْكِ فيه خِلافًا. الثانيةُ، يصِح أنْ يهَبَه شيئًا، ويَسْتَثْنِيَ نفعَه مُدَّةً معْلومَةً. وبذلك أجابَ المُصَنِّفٌ، واقْتَصرَ عليه في «القاعِدَةِ الثَّانيةِ والثَّلاثِين».
стр. 7926
وَتَلْزَمُ بِالْقَبْض. وَعَنْهُ، تَلْزَمُ فِي غَيرِ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ بِمُجَرَّدِ الْهِبَةِ.
ــ
قوله: وتلْزَمُ بالقَبْضِ. يعْنِي، ولا تلْزَمُ قبلَه. وهذا إحْدَى الرِّوايتَين، وهو المذهبُ مُطْلَقًا. جزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه. واخْتارَه ابنُ عَبْدُوسٍ في «تَذْكِرَتِه»، والقاضي. [قال ابنُ مُنَجَّى، في «شَرْحِه»: هذا أصحُّ] (١). وقدَّمه في «المُحَرَّرِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «النَّظْمِ»، و «الحارِثِيِّ»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ». قال
стр. 7927
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
في «الكُبْرَى»: تلْزَمُ الهِبَةُ، وتُمْلَكُ بالقَبْضِ، إنِ اعْتُبِرَ. وهو المذهبُ عندَ ابنِ أبِي مُوسى وغيرِه. وعنه، تَلْزَمُ في غيرِ المَكِيلِ والمَوْزونِ، بمُجَرَّدِ الهِبَةِ. قال الشَّارِحُ: وعلى قياسِ ذلك، المَعْدودُ والمَذْرُوعُ. قال في «الفُروعِ»: [وعنه، تَلْزَمُ في مُتَمَيِّزٍ بالعقْدِ] (١). اخْتارَه الأكْثَرُ. قال في
стр. 7928
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
«الفائقِ»، و «الحارِثِيِّ»: اخْتارَه القاضي وأصحابُه. قال ابنُ عَقِيلٍ: هذا المذهبُ. قال الزَّرْكَشِيُّ: لا يفْتَقِرُ المُعَيَّنُ إلى القَبْضِ، عندَ القاضي وعامَّةِ أصحابِه. وقدَّمه في «المُغْنِي»، وابنُ رَزِينٍ في «شَرْحِه». وأطْلَقهما في «الكافِي»، و «الشَّرْحِ»، و «التَّلْخيصِ»، و «الهِدايَةِ»، و «المُسْتَوْعِبِ». وعنه (١)، لا تلزَمُ إلَّا بإذْنِ الواهِبِ في القَبْضِ.
стр. 7929
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تنبيهان؛ أحدُهما، ظاهِرُ كلامِ المُصَنفِ، صِحَّةُ الهِبَةِ بمُجَرَّدِ العَقْدِ. وهو المذهبُ، وعليه جماهِيرُ الأصحابِ، وقطَع به كثير منهم. وظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ وطائفَةٍ، أنَّ ما يُكالُ ويُوزَنُ لا يصِحُّ إلَّا مَقْبوضًا. قال الخِرَقِيُّ: ولا تصِحُّ الهِبَةُ والصَّدقَةُ، فيما يُكالُ ويُوزَنُ، إلَّا بقَبْضِه. قال في «الانْتِصارِ»، في البَيعِ بالصفَةِ: القَبْضُ رُكْنٌ في غيرِ المُتَعَيِّنِ، لا ينبَرِمُ العَقْدُ بدُونِه. نقَلَه الزَّرْكَشِيُّ، وصحَّحه الحارِثِيُّ. ويأْتِي كلامُ ابنِ عَقِيلٍ قَرِيبًا. الثَّاني، قوْلُه في المَكِيلِ والمَوْزونِ: لا تَلْزَمُ فيه إلَّا بالقَبْضِ. مَحْمولٌ على عُمومِه في كلِّ ما يُكالُ ويُوزَن. قال الشَّارِحُ، والمُصَنِّفُ: وخصَّه أصحابُنا المُتأَخِّرون بما ليس بمُتَعَيِّنٍ فيه؛ كقَفِيرٍ مِن صُبْرَةٍ، ورَطْلٍ مِن دَنٍ (١). قال: وقد ذكَرْنا ذلك في البَيعِ، ورَجَّحْنا العُمومَ. قال في «الفُروعِ»: وعنه، تَلْزَمُ في مُتَمَيِّزٍ بالعَقْدِ. قال الزَّرْكَشِيُّ: هِبَةُ غيرِ المُتَعيِّنِ؛ كقَفِيرٍ مِن صُبْرَةٍ، ورَطْل مِن زُبْرَةٍ، تفْتَقِرُ إلى القَبْضَ، بلا نِزاعٍ.
стр. 7930
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فائدة: تُمْلَكُ الهِبَةُ بالعَقْدِ أيضًا. قاله المُصَنفُ، ومَن تابعَه. ونقَلَه في «التَّلْخيصِ». وقدَّمه في «الفائقِ». وقاله أبو الخَطَّابِ في «انْتِصارِه»، في مَوْضِع. قال في «القاعِدَةِ التَّاسِعَةِ والأرْبَعِين»: قاله كثير مِنَ الأصحابِ؛ منهم أبو الخَطَّابِ في «انْتِصارِه»، وصاحِبُ «المُغْنِي»، و «التَّلْخيصِ»، وغيرُهم. وقيل: يتَوَقَّفُ المِلْكُ على القَبْضِ. [وقدَّمه في «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «النَّظْمِ». وجزَم به في «المُحَرَّرِ»] (١). قال في «الكافِي»: لا يثْبُتُ المِلْكُ للمَوهوبِ له في المَكِيلِ والمَوْزونِ إلَّا بقَبْضِه، وفيما عَداهما رِوايتان. وقال في «شَرْحِ الهِدايَةِ»: مذهبُنا أنَّ المِلْكَ في المَوْهوبِ لا يثْبُتُ بدُونِ القَبْضِ. وفرَّع عليه، إذا د خَل وَقْتُ الغُروبِ مِن ليلَةِ الفِطْرِ، والعَبْدُ مَوْهوبٌ لم يُقْبَضْ، ثم قُبِضَ، وقُلْنا: يُعْتَبرُ في هِبَتِه القَبْضُ. ففِطْرَتُه على الواهِبِ. وكذا صرَّح ابنُ عَقِيلٍ أنَّ القَبْضَ رُكْن مِن أرْكانِ الهِبَةِ، كالإيجاب في غيرِها، وكلامُ الخِرَقِيِّ يدُلُّ عليه أيضًا. [قال ذلك في «القاعِدَةِ التَّاسِعَةِ والأَرْبَعِين»] (٢). وقيل:
стр. 7931
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يقَعُ المِلْكُ مُراعًى؛ فإنْ وُجِدَ القَبْضُ، تبَيَّنَّا أنه كان للمَوْهوبِ بقَبُولِه، وإلَّا فهو للواهِبِ. وحُكِيَ عن ابنِ حامِدٍ، وفرَّع عليه حُكْمَ الفِطْرَةِ. قال ذلك في «القاعِدَةِ التَّاسِعَةِ والأرْبَعين». وأطْلَقهما في «الفُروعِ»، وهما رِوايَتان في «الانْتِصارِ»، في نَقْلِ المِلْكِ بعَقْدٍ فاسِدٍ. قال في «الفُروعِ»: وعليهما يُخَرَّجُ النَّماءُ. وذكَر جماعَةٌ، إنِ اتَّصَلَ القَبْضُ، فعلى المذهبِ، يجوزُ التَّصَرُفُ فيه قبلَ القَبْضِ، نصَّ عليه، والنَّماءُ للمُتَّهِبِ. وعلى القولِ الثَّاني، النَّماءُ للواهِبِ قبلَ القَبْضِ.
стр. 7932
وَلَا يَصِحُّ الْقَبْضُ إلا بِإِذْنِ الْوَاهِبِ، إلا مَا كَانَ فِي يَدِ الْمُتَّهِبِ، فَيَكْفِي مُضِيُّ زَمَن يَتَأَتَّى فيهِ قَبْضُهُ. وَعَنْهُ، لَا يَصِحُّ حَتَّى يَأْذَنَ فِي الْقَبْضَ.
ــ
قوله: ولا يصِحُّ القَبْضُ إلَّا بإذْنِ الواهِبِ. يعْنِي، إذا قُلْنا: إنَّ الهِبَةَ لا تلْزَمُ
стр. 7933
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إلَّا بالقَبْضِ. وهدا المذهبُ بشَرْطِه الآتِي، وعليه الأصحابُ، وقطَعُوا به. وقال في «التَّرْغِيبِ»: وفي صِحَّةِ قَبْضِه بدُونِ إذْنِه رِوايَتان، والإذْنُ لا يتَوَقَّفُ على اللَّفْظِ، بلِ المُناوَلَةُ والتَّخْلِيَةُ إذْن. وظاهِرُ كلامِ القاضي اعْتِبارُ اللَّفْظِ فيه. قاله الحارِثِيُّ. [وعنه، يصِحُّ القَبْضُ بغيرِ إذْنِه. قدّمه في «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»] (١).
قوله: إلَّا ما كان في يَدِ المُتَّهِبِ، فيَكْفِي مُضِيُّ زَمَن يتَأتَّى قَبْضُه فيه. هذا إحْدَى الرِّواياتِ. اخْتارَه القاضي، وأبو الخَطَّابِ، والسَّامَرِّيُّ. وجزَم به في «الوَجيزِ»، و «التَّلْخيصِ». قال ابنُ مُنَجَّى في «شَرْحِه»: هذا المذهبُ.
стр. 7934
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وعنه، ما كان في يَدِ المُتَّهِبِ يَلْزَمُ بالعَقْدِ. وهو المذهبُ. قال الشارِحُ: هذا الصَّحيحُ، إنْ شاءَ اللهُ تعالى. وقدمه في «المُحَرّرِ»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ»، و «النظْمِ»، وابنُ رَزِينٍ في «شَرْحِه». قال في «الرِّعايتَين»: وهو أوْلَى. وكذا قال الحارِثِي. وعنه، لا يصِحُّ القَبْضُ حتى يأْذَنَ فيه أيضًا، ويَمْضِيَ زمَن يتَأتَّى قبْضُه فيه. جزَم به في «الخُلاصَةِ». واخْتارَه القاضي أيضًا. وقدَّمه في «الرِّعايةِ الصُّغْرَى»، و «الحاوي الصَّغِيرِ». قال في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»: ومَنِ اتَّهَبَ شيئًا في يَدِه، يُعْتَبَرُ قبْضُه، فقَبِلَه، اعْتُبِرَ إذْنُ الواهِب فيه على الأشهَرِ، ثم مُضِيُّ زَمنٍ يُمْكِنُ قَبْضُه فيه ليَمْلِكَه. وقيل: يُعْتَبَرُ مُضِي الزمنِ دُونَ إذْنِه. وأطْلَقَ الأولَى والثالِثَةَ في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، وأطْلَقَ الثانِيَةَ والثَّالِثَةَ في «الكافِي».
стр. 7935
وَإنْ مَاتَ الْوَاهِبُ، قَامَ وَارِثُهُ مَقَامَهُ فِي الإذْنِ وَالرُّجُوعِ.
ــ
تنبيه: الاسْتِثْناءُ الثَّاني في كلامِ المُصَنِّفِ، مِن قوْلِه: وتَلْزَمُ بالقَبْضِ. لا مِن قوْلِه: ولا يصِحُّ القَبْضُ إلا بإذْنِ الواهِبِ.
فائدتان؛ إحْداهما، صِفَةُ القَبْضِ هنا، كقَبْضِ المَبِيعِ. وعلى القَوْلِ بأنَّه لابُدَّ مِن مُضِيِّ مُدَّةٍ يتأتى قبْضُه فيها؛ فإن كان مَنْقولًا، فبمُضِيِّ مدَّةِ نقلِه فيها. وإنْ كان مَكِيلًا أو مَوْزونًا، فبمُضِيِّ مدَّةٍ يُمْكِنُ اكْتِيالُه واتِّزانُه فيها. وإنْ كان غيرَ منْقُولٍ، فبمُضِيِّ مُدَّةِ التخْلِيَةِ. وإن كان غائبًا، لم يَصِرْ مقْبوضًا حتى يُوافِيَه، هو أو وَكِيلُه، ثم تَمْضِيَ مُدة يُمْكِنُ قبْضُه فيها. وقد تقَّدم نَظيرُ ذلك في الرَّهْنِ. الثَّانيةُ، له أنْ يرْجِعَ في الإِذْنِ قبلَ القَبْضِ، وله أنْ يرْجِعَ في نَفْسِ الهِبَةِ قبلَ القَبْضِ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ فيهما. وقيل: لا يصِحُّ الرُّجوعُ فيهما.
قوله: وإنْ ماتَ الواهِبُ، قامَ وارِثُه مَقامَه في الإذْنِ والرُّجوعِ. هذا المذهبُ. جزَم به في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الوَجيزِ»، وغيرِهم. واخْتارَه صاحِبُ «التَّلْخيصِ» وغيرُه. وقدَّمه في «المُحَرَّرِ»،
стр. 7936
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
و «الرعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم. وقال القاضي في «المُجَرَّدِ»: يبْطُلُ عقْدُ الهِبَةِ. جزَم به في «الفُصولِ». وقدَّمه في «المُغْنِي» (١)، و «الشَّرْحِ»، و «النظْمِ»، و «الفائقِ». قال في «القاعِدَةِ الرَّابعَةِ والأرْبَعِين بعدَ المِائَةِ»: وهو المَنْصوصُ في رِوايَةِ ابنِ مَنْصُورٍ، واخْتِيارُ ابنِ أبي مُوسى، وقاله القاضي، وابنُ عَقِيلٍ في الهِبَةِ، في الصِّحَّةِ، وأمَّا في المَرَضِ، إذا ماتَ قبلَ إقْباضِها، فجعَلا الورَثَةَ بالخِيارِ؛ لشَبَهِها بالوَصِيَّةِ.
انتهى.
فائدة: لو وهَب الغائبُ هِبَةً، وأنْفَذها مع رَسولِ المَوْهوبِ له، أو وَكِيلِه، ثم ماتَ الواهِبُ أو المَوْهوبُ له قبلَ وُصولِها، لَزِمَ حُكْمُها، وكانتْ للمَوْهوبِ له، لأنَّ قبْضَ الرسُولِ والوَكِيلِ كقَبْضِه. وإنْ أنْفَذها الواهِبُ مع رَسُولِ نفسِه، ثم ماتَ قبلَ وُصُولِها إلى المَوْهوبِ له، أو ماتَ المَوْهوبُ له، بطَلَتْ، وكانتْ للواهِبِ ولوَرَثَتِه، لعدَمِ القَبْضِ. وكذلك الحُكْمُ في الهَدِيةِ. نصَّ على ذلك.
تنبيه: أفادَنا المُصَنِّفُ، رَحِمَه الله تعالى، بقَوْلِه: قامَ وارِثُه مَقامَه. أنَّ إذْنَ الواهِبِ يبْطُلُ بمَوْتِه. وهو صحيحٌ، وكذلك يبطُلُ إذنه بمَوْتِ المُتَّهِبِ.
стр. 7937
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فوائد؛ الأُولَى، لو ماتَ المُتَّهِبُ قبلَ قَبُولِه، بطَل العَقْدُ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. وقيل: لا يبْطُلُ. الثَّانيةُ، يقْبِضُ الأبُ للطِّفْلِ مِن نَفْسِه، بلا نِزاعٍ، ولا يحْتاجُ إلى قَبُولٍ مِن نَفْسِه. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، ويُكْتَفَى بقَوْلِه: وَهَبْتُه، وقَبَضتُه له. وقال القاضي: لابُدَّ في هِبَةِ الوَلَدِ أنْ يقولَ: قَبِلْتُه. وهو مَبْنِيٌّ على اشْتِراطِ القَبُولِ، على ما تقدَّم قَريبًا، والمذهبُ خِلافُه. وقال بعضُ الأصحابِ: يُكْتَفَى بأحَدِ لَفْظين؛ إمَّا أنْ يقولَ: قد قَبِلْتُه. أو: قبَضْتُه. وإنْ وهَب وَلِيٌّ غيرُ الأبِ، فقال أكثرُ الأصحابِ: لا بدَّ أنْ يُوَكِّلَ الواهِبُ مَن يقْبَلُ للصَّبِيِّ، ويقْبِضُ له؛ ليكونَ الإيجابُ مِنَ الوَلِيِّ، والقَبُولُ والقَبْضُ مِن غيرِه، كما في البَيعِ، بخِلافِ الأب؛ فإنَّه يجوزُ أنْ يُوجِبَ ويقْبَلَ ويقْبِضَ. قال المُصَنِّفُ: والصَّحيحُ عندي، أنَّ الأَبَ وغيرَه في هذا سَواءٌ. قال في «الفُروعِ»: وفي قَبْضِ وَلِيٍّ غيرِ الأبِ مِن نَفْسِه، رِوايتا شِرائِه وبَيعِه له مِن نَفْسِه. الثَّالثةُ، لا يصِحُّ قَبْضُ الطِّفْلِ والمَجْنونِ لنَفْسِه ولا قَبُولُه، ووَلِيُّه يقومُ مَقامَه فيهما. فإنْ لم يَكُنْ له أبٌ، فوَصِيُّه، فإنْ لم يَكُنْ، فالحكمُ الأمِينُ، أو مَن يُقِيمُوه مَقامَهم. ولا يقومُ غيرُ هؤلاءِ الثَّلاثَةِ مَقامَهم. وقال المُصَنِّفُ في «المُغْنِي» (١): ويَحْتَمِلُ أنْ يصِحَّ القَبُولُ والقَبْضُ مِن غيرِهم
стр. 7938
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عندَ عدَمِهم. الرَّابعَةُ، لا يصِحُّ مِنَ المُمَيِّزِ قَبْضُ الهِبَةِ ولا قَبُولُها. على الصحيحِ مِنَ المذهبِ، نصَّ عليه، في رِوايَةِ ابنِ مَنْصُورٍ. وقال في «القَواعِدِ الأُصُولِيَّةِ»، تبَعًا للحارِثِيِّ: هذا أشْهَرُ الرِّوايتَين، وعبيه مُعْظَمُ الأصحابِ. وعنه، يصِحُّ قبْضُه وقَبُولُه. اخْتارَه المُصَنِّفُ في «المُغْنِي»، والحارِثِيُّ. وقال في «المُغْنِي» (١): ويَحْتَمِلُ أنْ تقِفَ صِحَّةُ قَبْضِه على إذْنِ وَلِيِّه دُونَ القَبُولِ. وفرَّق بينَهما. وتقدَّم في الحَجْرِ، هل تصِحُّ هِبَتُه؟ والسَّفِيهُ كالمُمَيِّزِ [في ذلك] (٢)، وأوْلَى بالصِّحَّةِ. والوَصِيَّةُ كالهِبَةِ في ذلك. الخامسةُ، قال القاضي في «المُجَردِ»: يُعْتَبرُ لقَبْضِ المُشاعِ إذْنُ الشَّرِيكِ فيه، فيكونُ نِصْفُه مَقْبوضًا تَملُّكًا، ونِصْفُ الشَّرِيكِ أمانَةً بيَدِه. انتهى. وجزَم به في «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الرِّعايتَين». قال في «القاعِدَةِ الثَّالثةِ والأرْبَعِين»: في «المُجَرَّدِ»، و «الفُصولِ»، يكونُ نِصْفُ الشَّرِيكِ وَدِيعَةً عندَه. وقال ابنُ عَقِيلٍ في «الفُنونِ»: يكونُ قَبْضُ نِصْفِ الشَّرِيكِ
стр. 7939
وَإنْ أَبْرأَ الْغَرِيمُ غَرِيمَهُ مِن دَينِهِ، أوْ وَهَبَهُ لَهُ، أو أَحَلَّهُ مِنْهُ، بَرِئَتْ ذِمَّتُهُ، وَإنْ رَدَّ ذلِكَ وَلَمْ يَقْبَلْهُ.
ــ
عارِيَّةً مَضْمونةً. انتهى. قلتُ: لو قيلَ: إنْ جازَ له أنْ يتَصرَّفَ، وتصَرَّفَ، كان عارِيَّةً، وإنْ لم يتَصرَّفْ، فوَدِيعةٌ. لكان مُتَّجِهًا. ثم وجَدْتُه في «القاعِدَةِ الثَّالثةِ والأرْبَعِين» حكَى كلامَه في «الفُنونِ» فقال: قال ابنُ عَقِيلٍ في «فُنونِه»: هو عارِيَّةٌ؛ حيثُ قبَضَه؛ ليَنْتَفِعَ به بلا عِوَضٍ. قال صاحبُ «القَواعِدِ»: وهو صحيحٌ، إنْ كان أذِنَ له في الانْتِفاعِ مجَّانًا، أمَّا إنْ طلَب منه أُجْرَةً، فهي إجارَةٌ، وإنْ لم يأْذَنْ له في الانْتِفاعِ، بل في الحِفْظِ، فوَدِيعَة. انتهى. وفيه نَظَر.
فائدة: لو قال أحدُ الشَّرِيكَين للعَبْدِ المُشْتَرَكِ: أنت حَبِيسٌ على آخِرِنا مَوْتًا. لم يعْتِقْ بمَوْتِ الأوَّلِ منهما، ويكونُ في يَدِ الثَّاني عارِيَّةً، فإذا ماتَ عتَق. ذكَرَه القاضي في «المُجَرَّدِ». وذكَرَه في «القاعِدَةِ الثَّالِثَةِ والأرْبَعِين».
قوله: وإنْ أبرَأ الغَرِيمُ غَرِيمَه مِن دَينه، أو وهَبَه له، أو أحَلَّه منه، بَرِئَتْ ذِمَّتُه -
стр. 7940
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وكَذا إنْ أسْقَطَه عنه، أو ترَكَه له، أو ملَّكَه له، أو تصَدَّقَ به عليه، أو عَفا عنه، بَرِئَتْ ذِمَّتُه- وإنْ رَدَّ ذلك ولم يَقْبَلْه. اعْلمْ أنَّه إذا أبْرأه (١) مِن دَينِه، أو وهَبَه له، أو أحَلَّه منه، ونحوَ ذلك، وكان المُبْرِيء والمُبْرأُ يعْلمان الدَّينَ، صحَّ ذلك، وبَرِئَ، وإنْ ردَّه ولم يقْبَلْه. على الصَّحيح مِنَ المذهبِ، نصَّ عليه، وعليه جماهِيرُ الأصحابِ، وقطَع به كثير منهم. وقيل: يُشْترَطُ القَبُولُ. قال في «الفُروعِ»: وفي «المُغْنِي»: في إبْرائِها له مِنَ المَهْرِ، هل هو إسْقاطٌ، أو تَمْلِيكٌ؟ فيتَوَجَّهُ منه احْتِمال لا يصِحُّ به، وإنْ صحَّ اعْتُبِرَ قبولُه. وفي «المُوَجزِ»، و «الإيضاحِ»: لا تصِحُّ هِبَةٌ في عَينٍ. وقال في «المُغْنِي» (٢): إنْ حلَف لا يهَبُه، فأبْرَأَه، لم يَحْنَثْ؛ لأنَّ الهِبَةَ تَمْلِيكُ عَينٍ. قال الحارِثِيُّ: تصِحُّ بلَفْظِ الهِبَةِ والعَطيَّةِ مع اقْتِضائِهما وُجودَ مُعَيَّنٍ، وهو مُنْتَفٍ؛ لإفْادَتِهما لمَعْنَى الإسْقاطِ هنا. قال: ولهذا لو وهَبَه دَينَه هِبَةً حقِيقَةً، لم يصِحَّ؛ لانْتِفاءِ مَعْنَى الإسْقاطِ، وانْتِفاءِ شَرْطِ الهِبَةِ. ومِن هنا، امْتنَع هِبَتُه لغيرِ مَن هو عليه، وامْتنَع إجْزاؤُه عنِ
стр. 7941
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الزَّكاةِ؛ لانْتِفاء حقِيقَةِ المِلْكِ. انتهى. وقال في «الانْتِصارِ»: إنْ أبْرَأَ مريضٌ مِن دَينِه، وهو كلُّ مالِه، ففي بَراءتِه مِن ثُلُثِه قبلَ دَفْعِ ثُلُثَيه، مَنْعٌ وتَسْليمٌ. انتهى.
وأمَّا إنْ عَلِمَه المُبْرأ، بفَتْحِ الرّاءِ، أو جَهِلَه، وكان المُبْرِيء، بكَسْرِها، يَجْهَلُه، صحَّ، سواءٌ جَهِلَ قدْرَه، أو وَصْفَه، أو هما. على الصحيحِ مِنَ المذهبِ. جزَم به في «الوَجيزِ». وقدَّمه في «المُحَررِ»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ»، وغيرِهم. وصحَّحَه النَّاظِمُ. قال في «القَواعِدِ»: هذا أشْهَرُ الرِّواياتِ. وعنه، يصِحُّ مع جَهْلِ المُبْرَأ، بفَتْحِ الرَّاءِ، دُونَ عِلْمِه. وأطْلَقَ، فيما إذا عرَفَه المدْيونُ، فيه الرِّوايتَين، في «الرعايتَين»، و «الحاوي الصغِيرِ». وعنه، لا يصِحُّ ولو جهِلاه، إلَّا إذا تعَذَّرَ عِلْمُه. وقال في «المُحَررِ»: ويتَخَرجُ أنْ يصِح بكُلِّ حالٍ، إلَّا إذا عرَفَه المُبْرأُ، وظَنَّ المُبْرِئُ جَهْلَه به، فلا يصِحُّ. انتهى. وعنه، لا تصِحُّ البَراءَةُ مِنَ المَجْهولِ، كالبَراءَةِ مِنَ العَيبِ. ذكَرَها أبو الخَطابِ، وأبو الوَفاءِ، كما لو كتَمَه المُبْرأ؛ خْوفًا مِن أنَّه لو عَلِمَه المُبْرِيء، لم يُبْرِئه. قاله في «الفُروعِ». قال المُصَنِّفُ، والشارِحُ: فأما إنْ كان مَن عليه الحق يعْلَمُه ويكْتُمُه المُسْتَحِقَّ؛ خَوْفًا مِن أنَّه إذا عَلِمَه، لم يسْمَحْ بإبْرائِه منه، فيَنْبَغِي أنْ لا تصِحَّ البرَاءَةُ فيه؛ لأن فيه تغْريرًا بالمُبْرِئ، وقد أمْكَنَ التَّحَرُّزُ منه. انتهيا. وتابَعَهما الحارِثِيُّ، وقال: وظاهِرُ كلامِ أبِي الخَطَّابِ، الصِّحَّةُ مُطْلَقًا. قال: وهذا أقْرَبُ.
стр. 7942
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فوائد؛ الأولَى، مِن صُوَرِ البَراءَةِ مِنَ المَجْهولِ، لو أبْرَأه مِن أحَدِهما، أو أبْرأَه أحدُهما. قاله الحَلْوانِيُّ، والحارِثِيُّ، وقالا: يصِحُّ، ويُؤْخَذُ بالبَيانِ، كطَلاقِه إحْداهما (١)، وعِتْقِه أحَدَهما. قال في «الفُروعِ»: يعْنِي، ثم يُقْرَعُ، على المذهبِ. الثَّانيةُ، قال المُصَنِّفُ وغيرُه: قال أصحابُنا: لو أبْرَأَه مِن مِائَةٍ، وهو يعْتَقِدُ أنْ لا شيءَ عليه، فكانَ له عليه مِائَةٌ، ففي صِحَّةِ البَراءَةِ وَجْهان. صحح النَّاظِمُ أنَّ البَراءَةَ لا تصِحُّ. قال الحارِثِيُّ: وهذا أظْهَرُ. وأطْلَقهما في «الفُروعِ». أصْلُهما، لو باعَ مالًا لمَوْرُوثِه، يعتَقِدُ أنَّه حيٌّ، وكان قد ماتَ وانْتقَلَ مِلْكُه إليه،
стр. 7943
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فهل يصِحُّ البيعُ؟ فيه وَجْهان. وتقدَّم الصَّحيحُ منهما في كتابِ البَيعِ، بعدَ تصَرُّفِ الفُضُولِيِّ، فكذا هنا. وقال القاضي: أصْلُ الوَجْهَين؛ مَن باشَرَ امْرأةً بالطَّلاقِ، يظُنُّها أجْنَبيَّةً، فبانَتْ امْرأَتَه، أو واجَه بالعِتْقِ مَن يعْتَقِدُها حُرَّةً، فبانَتْ أمَتَه. ويأْتِي ذلك في آخَرِ بابِ الشَّكِّ في الطَّلاقِ. الثَّالثةُ، لا تصِحُّ هِبَةُ الدينِ لغيرِ مَن هو في ذِمَّتِه. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. وهو ظاهِرُ كلامِ المُصَنفِ هنا. ويَحْتَمِلُ الصِّحَّة كالأعْيانِ. ذكَرَه المُصَنِّفُ ومَن بعدَه. قال في «الفائقِ»: والمُخْتارُ الصِّحَّةُ. قال الحارِثِيُّ: وهو أصحُّ. وهو المَنْصوصُ في رِوايَةِ حَرْبٍ، فذكَرَه إنِ اتَّصَلَ القَبْضُ به. وتقدم حُكْمُ هِبَةِ دَينِ السَّلَمِ في بابِه مُحَرَّرًا، فليُعاوَدْ. الرابعَةُ، لا تصِحُّ البَراءَةُ بشَرْطٍ. نصَّ عليه، في مَن قال: إنْ مِت، فأنت في حِلٍّ.
стр. 7944
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فإنْ ضَمَّ التَّاءَ، فقال: إنْ مِتُّ فأنت في حِلٍّ. فهو وَصِيَّةٌ. وجعَل الإمامُ أحمدُ، رَحِمَه اللهُ تعالى، رَجُلًا في حِلٍّ مِن غِيبَتِه بشَرْطِ أنْ لا يعودَ، وقال: ما أحْسَنَ الشَّرْطَ. فقال في «الفُروعِ»: فيتَوَجَّهُ فيهما رِوايَتان. وأخَذَ صاحِبُ «النَّوادِرِ» مِن شَرْطِه أنْ لا يعودَ، رِوايَةً في صِحةِ الإبراء بشَرْطٍ. وذكَر الحَلْوانِيُّ صِحَّةَ الإبراءِ بشَرْطٍ، واحْتَجَّ بنَصِّه المذكُور هنا أنَّه وَصِيَّةٌ، وأن ابنَ شِهاب، والقاضي قالا: لا يصِحُّ على غيرِ مَوْتِ المُبْرِئ، وأنَّ الأَوَّل أصح؛ لأنَّه إسْقاطٌ. وقدَّم الحارِثِيُّ ما قاله الحَلْوانِيُّ، وقال: إنَّه أصحُّ. الخامسةُ، لا يصِحُّ الإبراءُ مِنَ الدَّينِ قبلَ
стр. 7945
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وُجوبِه. ذكَرَه الأصحابُ، وجزَم جماعةٌ بأنَّه تَمْلِيكَ. ومنَع بعضُهم أنَّه إسْقاطٌ، وأنَّه لا يصِحُّ بلَفْظِ الإسْقاطِ، وإنْ سلَّمْناه، فكأنَّه مَلَّكَه إيَّاه، ثم سقَط. ومنَع أيضًا أنَّه لا يُعْتَبُر قَبُولُه، وإنْ سلَّمْناه؛ فلأنَّه ليس مالًا بالنِّسْبَةِ إلى مَن هو عليه. وقال: العَفْوُ عن دَمِ العَمْدِ تَمْلِيكٌ أيضًا. وفي صحيحِ مُسْلِمٍ (١)، أنَّ أبا اليَسَرِ الصَّحابِيَّ قال لغَريمِه: إذا وَجَدْتَ قَضاءً، فاقْضِ، وإلَّا فأنت في حِلٍّ. وأعْلَمَ به الوَلِيدَ بنَ عُبادَةَ بنِ الصَّامِتِ، وابنَه، وهما تابِعِيَّان، فلم يُنْكِراه. قال في «الفُروعِ»: وهذا مُتّجِهٌ. واخْتارَه شيخُنا. السَّادِسَةُ، لو تَبارَآ، وكان لأحَدِهما على الآخرِ دَين مَكْتوبٌ، فادَّعَى أحدُهما اسْتِثْناءَه بقَلْبِه، ولم يُبْرِئْه منه، قُبِل قوْلُه، ولخَصْمِه تحْلِيفُه. ذكَرَه الشّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ. قال في «الفُروعِ»: وتتَوَجَّهُ الرِّوايَتان في مُخالفَةِ النِّيَّةِ للعامِّ، بأيِّهما يُعْمَلُ. السَّابعةُ، قال القاضي
стр. 7946
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مُحِبُّ الدِّينِ بنُ نَصْر اللهِ، في حَواشِي «الفُروعِ»: الإبراءُ مِنَ المَجْهولِ عندَنا صحيحٌ، لكِنْ هل هو عامٌّ في جَميعِ الحُقوقِ، أو خاصٌّ بالأمْوالِ؟ ظاهِرُ كلامِهم أنَّه عامٌّ. قلتُ: صرح به في «الفُروعِ»، في آخرِ القَذْفِ، وقدَّمه. وقال الشيخُ عَبْدُ القادِرِ، في «الغُنْيَةِ»: لا يكْفِي الاسْتِحْلالُ المُبْهَمُ. ويأْتِي ذلك مُحَرَّرًا هناك.
стр. 7947
وَتَصِحُّ هِبَةُ الْمُشَاعِ،
ــ
قوله: وتصِحُّ هِبَةُ المُشاعِ. هذا المذهبُ المَقْطوعُ به، عندَ الأصحابِ قاطِبَةً. وفي طريقَةِ بعضِ الأصحابِ، ويتَخَرجُ لنا مِن عدَم إِجارَةِ المُشاعِ، أنَّه لا يصِحُّ رَهْنُه ولا هِبَتُه.
стр. 7948
وَكُلِّ مَا يَجُوزُ بَيعُهُ.
ــ
قوله: وكلِّ ما يجوزُ بَيعُه. يعْنِي، تصِحُّ هِبَتُه. وهذا صحيحٌ، ونصَّ عليه. ومَفْهومُه، أنَّ ما لا يجوزُ بَيعُه لا تجوزُ هِبَتُه. وهو المذهبُ. قدَّمه في «الفُروعِ» واخْتارَه القاضي. وقيل: تصِحُّ هِبَةُ ما يُباحُ الانْتِفاعُ به مِنَ النَّجاساتِ. جزَم به الحارِثِيُّ. [وتصِحُّ هِبَةُ] (١) الكَلْبِ. جزَم به في «المُغْني»، و «الكافِي»، و «الشَّرْحِ». واخْتارَه الحارِثِيُّ. قال في «القاعِدَةِ السَّابعَةِ والثمانِين»: وليس بينَ القاضي وصاحِبِ «المُغْنِي» خِلافٌ في الحقيقَةِ؛ لأنَّ نقْلَ اليَدِ في هذه الأعْيانِ جائزٌ، كالوَصِيَّةِ، وقد صرَّح به القاضي في «خِلافِه». انتهى. نقَل حَنْبَل، في مَن أهْدَى إلى رَجُل كَلْبَ صَيدٍ، تَرَى أنْ يُثِيبَ عليه؟ قال: هذا خِلافُ الثمَنِ، هذا عِوَضٌ مِن شيءٍ، فأمَّا الثمَنُ، فلا. وأطلَقَ في الكَلْبِ المُعَلَّمِ وَجْهَين في «الرِّعايَةِ»، و «القَواعِدِ الفِقهِيَّةِ». وقيل: وتصِحُّ أيضًا هِبَةُ جِلْدِ المَيتَةِ. وقال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ: ويظْهَرُ لي صِحَّةُ هِبَةِ الصُّوفِ على الظَّهْرِ، قوْلًا واحِدًا.
стр. 7949
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تنبيه: مفْهومُ كلامِ المُصَنِّفِ أيضًا، أنَّه لا تصِحُّ هِبَةُ أُمِّ الوَلَدِ، إنْ قُلْنا: لا يجوزُ بيعُها. وهو صحيحٌ، وهو المذهبُ. وقيل: يصِحُّ هنا، مع القَوْلِ بعدَمِ صِحَّةِ بَيعِها. وأطْلَقهما في «الرِّعايتَين»، و «الفائقِ». قلتُ: يَنْبَغِي أنْ يُقَيَّدَ القَوْلُ بالصِّحَّةِ؛ بأنْ يكونَ حُكْمُها حُكمَ الإماءِ في الخِدْمَةِ ونحوها، إلى أنْ يموتَ الواهِبُ، فتَعْتِقَ، وتَخرُجَ مِن الهِبَةِ.
стр. 7950
وَلَا تَصِحُّ هِبَةُ الْمَجْهُولِ،
ــ
قوله: ولا تصِح هِبَةُ المَجْهُولِ. اعْلمْ أنَّ الصَّحيحَ مِنَ المذهبِ، أنَّ هِبَةَ المَجْهولِ كالصُّلْحِ عنِ المَجْهولِ، على ما تقدَّم في بابِ الصُّلْحِ عندَ قوْلِه: ويصِحُّ الصُّلْحُ عنِ المَجْهولِ بمَعْلومٍ. وعليه الأصحابُ. [اعْلمْ أنَّ المَوْهوبَ المَجْهولَ؛ تارَةً يتعَذَّرُ عِلْمُه، وتارَة لا يتَعذَّرُ عِلْمُه، فإنْ تعَذَّرَ عِلْمُه، فالصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّ حُكْمَه حُكمُ الصُّلْحِ على المَجْهولِ المُتعَذَّر عِلْمُه، كما تقدَّم. وهو الصِّحَّةُ. قطَع به في «المُحَررِ»، و «النظْمِ»، و «الفُروعِ»، و «المُنَوِّرِ»، وغيرِهم. وهو ظاهِرُ ما جزَم به في «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصغِيرِ». وظاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ وأكثرِ الأصحابِ، أنَّه لا يصِحُّ؛ لإطلاقِهم عدَمَ الصِّحةِ في هِبَةِ] (١)