Полный текст (240 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
وَهَذَا بِعَيْنِه دَلِيل لما يَقُوله الْغَزالِيّ: بِأَن الْمُبَالغَة لَا تسوغ إِلَّا فِي أَمر غلب وَأما إِذا جَاءَهُ مرّة وَقَالَ: إِنِّي جئْتُك مائَة مرّة فَهَذَا لَا مُبَالغَة فِيهِ، وَإِنَّمَا هُوَ مَحْض كذب فاتضح تَفْصِيل الْغَزالِيّ، وَأَن كَلَام النَّوَوِيّ عقبه دَلِيل لَهُ وَأَن إِطْلَاق الْجلَال كَرَاهَة الْمُبَالغَة لَيْسَ فِي مَحَله فَتَأمل ذَلِك فَإِنَّهُ مُهِمّ. وَأما الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة وَالثَّلَاثُونَ: إِلَى قَوْله: أنسيت، فَهُوَ صَحِيح لكنه قيَّد فِي (الْأَذْكَار) كَرَاهَة ذَلِك حَال الْخطْبَة بِمَا إِذا كَانَ يسمع الْخَطِيب، أَي وَيفهم مَا يَقُول، كَمَا هُوَ ظَاهر، وَبِه صرح أَصْحَابنَا حَيْثُ قَالُوا: يسن لمن لَا يسمع الْخطْبَة الِاشْتِغَال بِالْقِرَاءَةِ وَالذكر، أمَّا بَقِيَّة الْمسَائِل فواضحة إِلَّا الْأَخِيرَة أَعنِي كَرَاهَة الْكَلَام حَال الْأَذَان، حَيْثُ لم يمْنَع استماعه وَلَا الْإِجَابَة الْمَطْلُوبَة مِنْهُ، وَالظَّاهِر أَن مُرَاد الْقَائِل بِالْكَرَاهَةِ خلاف الأولى والأكمل، وَهُوَ الإصغاء إِلَيْهِ لِأَنَّهُ يحمل على تذكر ظُهُور الْإِسْلَام، وإتمام النِّعْمَة بِهِ علينا، وَأما مَا عدا هَذِه فقد ذكر النَّوَوِيّ من أدلته أَشْيَاء مِنْهَا: مَا روى الشَّيْخَانِ: (لَا يَقُولَن أحدكُم نسَيتُ آيَة كَذَا وَكَذَا بل أُنسى) ورويا أَيْضا (بئس مَا لأَحَدهم أَن يَقُول نسيت آيَة كَيْت وَكَيْت بل أُنسى) . ورويا أَيْضا أَنه ﷺ سمع رجلا يقْرَأ فَقَالَ: ﵀ لقد أذكرني آيَة كنت أسقطتها) وَفِي رِوَايَة صَحِيحَة (أنسيتها) . وروى البُخَارِيّ أَنه ﷺ : (لَا تسبوا الْأَمْوَات فَإِنَّهُم قد أفضوا إِلَى مَا قدمُوا) . وَفِي خبر ضَعِيف: (اذْكروا محَاسِن مَوتْاكم وكُفوا عَن مساويهم) قَالَ الْعلمَاء: يحرم سبُّ ميت مُسلم لم يكن مُعْلنا بِفِسْقِهِ، وَأما الْكَافِر وَالْمُسلم الْمُعْلن بِفِسْقِهِ أَو بدعته، فَفِيهِ خلاف للسلف لتعارض النُّصُوص فَهُوَ كالنهي الْمَذْكُور. وسبه ﷺ لنَحْو عَمْرو بن لحي وَإِقْرَاره لمن أثنوا شرا على جَنَازَة مرت بِهِ وَالأَصَح جَوَاز ذكر مساوىء الْكفَّار وَكَذَا نَحْو معلن بِفِسْقِهِ أَو مُبْتَدع إِذا كَانَ فِيهِ مصلحَة للتحذير من شرهم وَإِلَّا لم يجز. ورويا أَيْضا: (مَا عَابَ رَسُول الله ﷺ طَعَاما قطّ فَإِن اشْتَهاه أَكله وَإِن كَرِهه تَركه) وَفِي رِوَايَة لمُسلم: (وَإِن لم يشته سكتْ) . وروى أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه (أَن رجلا سَأَلَ النَّبِي ﷺ إنَّ من الطَّعَام طَعَاما أتحرَّج مِنْهُ؟ قَالَ: لَا يَتَخلَّجنَّ أَي بِمُهْملَة أَو مُعْجمَة فلام فجيم فِي صدرك شَيْء) أَي لَا تقع فِي رِيبَة مِنْهُ، وأصل الحلج بِالْمُهْمَلَةِ الْحَرَكَة (ضَارعت بِهِ فِيهِ النَّصَارَى) أَي شابهتهم فِي تَركهم الطَّعَام بِمُجَرَّد التخيل الْفَاسِد، وَيجوز أَن يَقُول لَا أشتهي هَذَا أَو مَا اعْتدت أكله أَو نَحْو ذَلِك لحَاجَة. روى الشَّيْخَانِ: (أَن الضَّب شُوِي وقدّم إِلَى رَسُول الله ﷺ فَعِنْدَ مَا هوى بِيَدِهِ إِلَيْهِ أعلموه فَرفع يَده الشَّرِيفَة، فَقيل أحرام هُوَ؟ فَقَالَ: لَا، وَلَكِن لم يكن بِأَرْض قومِي فأجدني أعافه) وَالْأَصْل فِي مدح الْآكِل مَا يَأْكُل مِنْهُ خبر مُسلم: (أَنه ﷺ سَأَلَ أَهله الأُدْم؟ فَقَالُوا: مَا عندنَا إِلَّا خلُّ، فَدَعَا بِهِ وَجعل يَأْكُل مِنْهُ وَيَقُول: نعم الأُدْم الْخلّ نِعْم الأُدْم الْخلّ) . وروى ابْن السّني (أَنه ﷺ رأى رجلا مَعَه غُلَام، فَقَالَ للغلام: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: أبي، فَقَالَ ﷺ لَا تمش أَمَامه وَلَا تستبّ لَهُ أَي لَا تفعل فعلا قبيحاً تتعرض بِهِ لسبِّه إياك وَلَا تجْلِس قَبْله، وَلَا تَدْعُه باسمه) وَذكر بعض السّلف الْمُتَّفق على صَلَاحه أَنه قَالَ: (من العقوق أَن تسمي أَبَاك باسمه، وَأَن تمشي أَمَامه فِي طَرِيق) . وروى البُخَارِيّ عَن عَليّ ﵁ قَالَ: (حَدِّثُوا النَّاس بِمَا يَعرفون أتُحِبِّون أَن يُكذَّب الله وَرَسُوله) . وروى الشَّيْخَانِ أَنه ﷺ قَالَ لِمعَاذ حِين طول الصَّلَاة بِالْجَمَاعَة: (أفتَّان أَنْت يَا معَاذ) . وروى مُسلم أَنه ﷺ قَالَ: (لَا تُسميَّنّ غلامك يساراً، وَلَا رباحاً، وَلَا نَجحاً، وَلَا أَفْلح، فَإنَّك تَقول أثمّ هُوَ فَلَا يكون فَيَقُول لَا) الحَدِيث. وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد (النَّهْي عَن تَسْمِيَته بركَة) ومسائل السَّلَام الْمَذْكُورَة مبسوطة فِي كتب الْفِقْه بأدلتها فَلَا نطيل بذكرها. وَالله أعلم بِالصَّوَابِ.
٨٩ - وَسُئِلَ نفع الله بِعُلُومِهِ: عَن شخص اعْتقد أَنه رأى ربه تَعَالَى فِي الدُّنْيَا؛ وَأَن الرُّؤْيَا وَقعت مِنْهُ فِي الدُّنْيَا بِالْعينِ فِي الْيَقَظَة فَهَل يجوز ذَلِك؟ كَمَا قَالَ جمَاعَة. إِن الْمُخْتَار جَوَاز رُؤْيَته فِي الدُّنْيَا فِي الْيَقَظَة بِالْعينِ وَفِي الْمَنَام بِالْقَلْبِ، وإنْ لم يَقع ذَلِك على الْمُخْتَار؛ فَذَلِك يَقْتَضِي حلا لغير نَبينَا ﷺ على مَا فِيهِ. أَي فِي الْوُقُوع لَهُ ﵊ من الْكَلَام: أَي الِاخْتِلَاف الْكثير الشهير، أَو يحرم ذَلِك عَلَيْهِ لِأَنَّهُ إِذا لم يَقع إِلَّا للنَّبِي ﷺ على مَا فِيهِ فَكيف يَقع لغيره، أَو يكْفُر باعتقاده ذَلِك كَمَا قَالَه الكواشي فِي تَفْسِير سُورَة النَّجْم حَيْثُ قَالَ بعد أَن ذكر الْخلاف فِي أَنه وَقع ذَلِك أَي الرُّؤْيَة بِالْعينِ فِي الْيَقَظَة: فمعْتقِد رُؤْيَته تَعَالَى هُنَا بِالْعينِ غير مُسلم، فَهَل كَلَامه فِي ذَلِك مُقَرر أَولا؟ فَأجَاب بقوله: الْكَلَام هُنَا فِي مقامين. الأول: فِي إمكانها
стр. 107
عقلا، وَالَّذِي عَلَيْهِ أهل السّنة أَنَّهَا مُمكنَة عقلا وَشرعا فِي الدُّنْيَا، وَاسْتَدَلُّوا لذَلِك بِأُمُور عقلية وَأُمُور نقلية، لَكِن أدلتهم الْعَقْلِيَّة لَا تَخْلُو من دَخَل وخفاء، فالمعوَّل عَلَيْهِ فِي إمكانها إِنَّمَا هُوَ الْأَدِلَّة النقلية. فَمِنْهَا أَن مُوسَى صلى الله على نَبينَا وَعَلِيهِ وَسلم قد سَأَلَهَا بقوله: ﴿قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَاهَا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الْأَعْرَاف: ١٤٠] فَلَو لم تكن الرُّؤْيَة مُمكنَة جَائِزَة الْوُقُوع فِي الْخَارِج لَكَانَ طلب مُوسَى لَهَا جَهْلاً مِنْهُ بِمَا يجوز على الله وَمَا لَا يجوز، أَو سفهاً أَو عَبَثَاً أَو طلبا للمُحال، والأنبياء صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ منزهون عَن كل فَرْدٍ فَرْدٍ من ذَلِك إِجْمَاعًا بل مَنْ جوَّز وَاحِدًا من هَذِه على واحدٍ مِنْهُم فَهُوَ كَافِر مراق الدَّم، وَأَيْضًا فَالله تَعَالَى قد علق الرُّؤْيَة باستقرار الْجَبَل وَهُوَ أَمر مُمكن فِي نَفسه، فَوَجَبَ كَون الْمُعَلق بِهِ كَذَلِك إذْ الْمحَال لَا يُعلق بممكن أصلا، وَأول المعتزلةُ الْآيَة بتأويلات تخَالف ظَاهرهَا حَتَّى يخرجوها عَنهُ إِلَى مَا يُوَافق اعْتِقَادهم الْفَاسِد، أَنَّهَا من قسم الْمحَال الْعقلِيّ الَّذِي لَا يُمكن وُقُوعه فِي الدُّنْيَا كالآخرة، وَمحل بسطها وردهَا كتب التَّفْسِير وَالْأُصُول. الثَّانِي: فِي وُقُوعهَا وَهَذَا غير الأول كَمَا هُوَ وَاضح، لَكِن وَقع فِي كَلَام السَّائِل نفع الله بِهِ مَا يَقْتَضِي اتحادهما وَهُوَ قَوْله: فَهَل يجوز ذَلِك كَمَا قَالَه جمَاعَة إِلَخ؟ إذْ الَّذِي قَالَه أُولَئِكَ إِنَّمَا هُوَ الْجَوَاز بِمَعْنى الْإِمْكَان الْعقلِيّ والشرعي، وَالَّذِي سَأَلَ عَنهُ إِنَّمَا هُوَ الْوُقُوع وشتان مَا بَين المقامين كَمَا تقرر، وَمِمَّا يُوضحهُ أَن بحراً من زئبق يُنْبت الْأَجْسَام الجامدة والنامية والحساسة والمتحركة بالإرادة مُمكن الْوُجُود عقلا، لكنْ لم يَقع ذَلِك وَلم يبرز إِلَى حيّز هَذَا الْوُجُود، فَكَذَلِك الرُّؤْيَة وَإِن كَانَت مُمكنَة عقلا وَشرعا عِنْد أهل السّنة لكنَّها لم تقع فِي هَذِه الدَّار لغير نَبينَا ﷺ ، وَكَذَا لَهُ على قَول عَلَيْهِ بعض الصَّحَابَة ﵃ لكنَّ جُمْهُور أهل السّنة على وُقُوعهَا لَهُ ﷺ لَيْلَة الْمِعْرَاج بِالْعينِ. إِذا تقرر ذَلِك عُلِم مِنْهُ أَنه لَا يجوز لأحد أَن يدعى أَنه رأى الله بِعَين رَأسه وَمن زعم ذَلِك فَهُوَ كَافِر مراق الدَّم، كَمَا صرح بِهِ من أَئِمَّتنَا صَاحب الْأَنْوَار وَنَقله عَنهُ جمَاعَة وأقروه. وَحَاصِل عِبَارَته: أنَّ مَنْ قَالَ إِنَّه يرى الله عَياناً فِي الدُّنْيَا ويكلمه شفاهاً فَهُوَ كَافِر، وَلما نقلت عَنهُ ذَلِك فِي كتابي (الْإِعْلَام بِمَا يقطع الْإِسْلَام) وَهُوَ كتاب نَفِيس لم يتْرك من المكفرات الْمُتَّفق عَلَيْهَا والمختلف فِيهَا شَيْئا إِلَّا أَحْصَاهُ. قلت: وَالْوَجْه أَنه لَا يشْتَرط فِي كفر من زعم أَنه يرى الله عَياناً فِي الدُّنْيَا ويكلمه شَفاها اجْتِمَاع هذَيْن خلافًا لما توهمه عبارَة (الْأَنْوَار) بل يكْفُر زاعم أَحدهَا انْتهى، وَسَيَأْتِي فِي الْآيَات وَالْأَحَادِيث مَا يدل لذَلِك لَكِن يتَعَيَّن حمله على عَالم أَو جَاهِل مقصر بجهله، وَقد ضم إِلَى زَعمه الرُّؤْيَة بِعَيْنِه، زعْمهُ اعْتِقَاد وجود جسم ولازمه من الْحُدُوث، أَو مَا يستلزمه كالصورةَ واللون وَنَحْوهمَا فَهَذَا هُوَ الَّذِي يتَّجه الحكم بكُفْره، لِأَنَّهُ حينئذٍ لم يعْتَقد قدم الْحق وَلَا كَمَاله تَعَالَى الله عَن ذَلِك علوّاً كَبِيرا. وَأما من اعْتقد رُؤْيَة عين منزهة عَن انضمام ذَلِك إِلَيْهَا فَلَا يظْهر الحكم بِكُفْرِهِ بِمُجَرَّد ذَلِك، لِأَن الْمَنْقُول الْمُعْتَمد عندنَا عدم كُفْر الجهوية والمجسمة إِلَّا إِن اعتقدوا الْحُدُوث أَو مَا يستلزمه، وَلَا نظر إِلَى لَازم مَذْهَبهم لِأَن الْأَصَح فِي الْأُصُول أَن لَازم الْمَذْهَب لَيْسَ بِمذهب، لجَوَاز أَن يعْتَقد الْمَلْزُوم دون اللَّازِم، ومنْ ثمَّ قُلْنَا: لَو صرح باعتقاد لَازم الجسمية كَانَ كَافِرًا، وَقَالَ الْأَذْرَعِيّ وَغَيره: الْمَشْهُور عدم تَكْفِير المجسمة، وَإِن قَالُوا جسم كالأجسام أَي لأَنهم مَعَ ذَلِك قد لَا يَعْتَقِدُونَ لَوَازِم الْأَجْسَام. وَإِذا تقرر هَذَا فِي الجهوية والمجسمة فَكَذَا يُقَال بِهِ فِي زاعم رُؤْيَة الْعين.
فَإِن قلت: الْفرق بَينهمَا وَاضح فَإِن تينك الْفرْقَتَيْنِ قد ورد فِي الْكتاب وَالسّنة مَا يَصح بقولهمَا لَوْلَا مَا امتنَّ الله بِهِ على الْأمة من توفيق سلفها وَخَلفهَا إِلَى صرف تِلْكَ النُّصُوص عَن ظواهرها، وَإِنَّمَا الْخلاف بَين السّلف وَالْخلف فِي التَّأْوِيل التفصيلي، فالسلف يرجحون أَوْلَوِيَّة الْإِمْسَاك عَنهُ لعدم احتياجهم إِلَيْهِ لصلاح زمنهم، وَالْخلف يُرجِّحون أولويته، بل وجوب الْخَوْض فِيهِ لفساد زمنهم وَكَثْرَة مبتدعته، وَقُوَّة شوكتهم وتمويه شبههم. وَأما زاعم الرُّؤْيَة بِالْعينِ فقد ورد من الْأَدِلَّة القطعية مَا يشدد النكير على سائلها واقترن بِهِ مَا يقوى استنكار ذَلِك واستعظامه كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَىالَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىانَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ﴾ [الْبَقَرَة: ٥٥] وَقَوله تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِّنَ السَّمَآءِ فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَىاأَكْبَرَ مِن ذالِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهِ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾ [النِّسَاء: ١٥٣] وَقَوله : ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَىارَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُواْ فِى أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوّاً كَبِيراً﴾ [الْفرْقَان: ٢١] وَصَحَّ فِي مُسلم أَنه ﷺ قَالَ:
стр. 108
(وَاعْلَمُوا أَنكُمْ لن تروا ربكُم حَتَّى تَمُوتُوا) وحينئذٍ فَيَنْبَغِي كفر زاعم الرُّؤْيَة بِالْعينِ فِي الدُّنْيَا مُطلقًا بِخِلَاف المجسمة. قلت: بعد أَن قرّر الْأَئِمَّة وعلماء الْأمة وحفاظ الْملَّة تِلْكَ الْآيَات وَالْأَحَادِيث وصرفوها عَن ظواهرها كَمَا تقرّر لم يبْق لأحد عذر فِي اعْتِقَاد ظواهرها، فَمن فعل ذَلِك فَقيل يكفر مُطلقًا، وَقيل إنْ قَالَ جسم كالأجسام كفر وَإِلَّا فَلَا، وَعَلِيهِ جرى النَّوَوِيّ ﵀ فِي مَوضِع، وَقيل لَا يكفر مُطلقًا وَهُوَ الْمَشْهُور من مَذْهَبنَا مَا لم يَضُمَّ لذَلِك اعْتِقَاد بعض تِلْكَ اللوازم كَمَا مَرَّ، وحينئذٍ فَيَنْبَغِي أَن يجرى نَظِير هَذَا الْخلاف كُله فِي مدعى الرُّؤْيَة بِالْعينِ، فَيكون الْأَصَح عدم كفره، إِلَّا إِن ضمَّ لذَلِك اعْتِقَاد حُدُوث أَو مَا يُؤَدِّي مؤاده، لِأَن ملحظ التَّكْفِير وَعَدَمه فِي المجسمة وَنَحْوهم لَيْسَ الْعذر وَعَدَمه، لِأَن الْكَلَام فِي الْعَالم وَإِنَّمَا الملحظ اعْتِقَاد النَّقْص وملزومه، وَلَا شكّ أَن هذَيْن يجريان فِي زاعم الرُّؤْيَة بِالْعينِ فِي دَار الدُّنْيَا فَكَمَا جرى ذَلِك الْخلاف كَذَلِك يجْرِي هُنَا، إذْ لَا فَارق يعْتد هُنَا بِهِ كَيفَ وَالْإِمَام الرباني المترجم بشيخ الْكل فِي الْكل أَبُو الْقَاسِم الْقشيرِي رَحمَه الله تَعَالَى يجْزم بِأَنَّهُ لَا يجوز وُقُوعهَا فِي الدُّنْيَا لأحد غير نَبينَا ﷺ وَلَا على وَجه الْكَرَامَة وَادّعى أَن الْأمة اجتمعتْ على ذَلِك، فَإِذا أَجمعُوا على امْتنَاع وُقُوعهَا كَانَ زاعمه لنَفسِهِ مُخَالفا للْإِجْمَاع مُدعيًا مَا قد يَتَرَتَّب عَلَيْهِ نقص، فَمن ثمَّ قَالُوا بِكُفْرِهِ وقيدته بِمَا مر. فَإِن قلت: حكى عَن الْأَشْعَرِيّ قَول بوقوعها فَكيف الْإِجْمَاع حينئذٍ؟ قلت: إِن صَحَّ الْإِجْمَاع فَوَاضِح أَنه لَا ينظر إِلَيْهِ وأنَّ قَائِله إِنَّمَا قَالَه لظَنّه أَن لَا إِجْمَاع، وَإِن لم يَصح كَانَ هَذَا القَوْل فِي غَايَة الشذوذ وَلَا ينظر إِلَيْهِ أَيْضا، وَلَا يمْنَع وجوده التَّكْفِير لزاعم مَا قَدمته بِشَرْطِهِ.
٩٠ - وَسُئِلَ نفع الله بِهِ: عَن حكم الموالد والأذكار الَّتِي يَفْعَلهَا كثير من النَّاس فِي هَذَا الزَّمَان هَل هِيَ سنة أم فَضِيلَة أم بِدعَة؟ فَإِن قُلْتُمْ إِنَّهَا فَضِيلَة فَهَل ورد فِي فَضلهَا أثر عَن السّلف أَو شَيْء من الْأَخْبَار، وَهل الِاجْتِمَاع للبدعة الْمُبَاح جَائِز أم لَا؟ وَهل إِذا كَانَ يحصل بِسَبَبِهَا أَو سَبَب صَلَاة التَّرَاوِيح اخْتِلَاط واجتماع بَين النِّسَاء وَالرِّجَال وَيحصل مَعَ ذَلِك مؤانسة ومحادثة ومعاطاة غير مرضية شرعا، وَقَاعِدَة الشَّرْع مهما رُجحتْ الْمفْسدَة حَرُمتْ الْمصلحَة، وَصَلَاة التَّرَاوِيح سنة، وَيحصل بِسَبَبِهَا هَذِه الْأَسْبَاب الْمَذْكُورَة فَهَل يمْنَع النَّاس من فعلهَا أم لَا يضر ذَلِك؟ فَأجَاب بقوله: الموالد والأذكار الَّتِي تفعل عندنَا أَكْثَرهَا مُشْتَمل على خير، كصدقة، وَذكر، وَصَلَاة وَسَلام على رَسُول الله ﷺ ومدحه، وعَلى شرّ بل شرور لَو لم يكن مِنْهَا إِلَّا رُؤْيَة النِّسَاء للرِّجَال الْأَجَانِب، وَبَعضهَا لَيْسَ فِيهَا شرّ لكنه قَلِيل نَادِر، وَلَا شكّ أَن الْقسم الأول مَمْنُوع للقاعدة الْمَشْهُورَة المقررة أنَّ دَرْء الْمَفَاسِد مقدَّم على جلب الْمصَالح، فَمن عَلِم وُقُوع شَيْء من الشرّ فِيمَا يَفْعَله من ذَلِك فَهُوَ عَاص آثم، وبفرض أَنه عمل فِي ذَلِك خيرا، فَرُبمَا خَيْرُهُ لَا يُسَاوِي شَرَّه أَلا ترى أَن الشَّارِع ﷺ اكْتفى من الْخَيْر بِمَا تيَسّر وفَطَم عَن جَمِيع أَنْوَاع الشَّرّ حَيْثُ قَالَ: (إِذا أَمرتكُم بِأَمْر فَأتوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُم، وَإِذا نَهيتكم عَن شَيْء فَاجْتَنبُوهُ) فَتَأَمّله تعلم مَا قَرّرته من أَن الشرَّ وَإِن قلّ لَا يُرَّخصُ فِي شَيْء مِنْهُ، وَالْخَيْر يكْتَفى مِنْهُ بِمَا تيَسّر. وَالْقسم الثَّانِي سنَّة تشمله الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي الْأَذْكَار الْمَخْصُوصَة والعامة. كَقَوْلِه ﷺ : (لَا يقْعد قوم يذكرُونَ الله تَعَالَى إِلَّا حفَّتهم الملائكةُ، وغَشِيَتْهُم الرَّحْمَة، وَنزلت عَلَيْهِم السكينَة، وَذكرهمْ الله تَعَالَى فِيمَن عِنْده) رَوَاهُ مُسلم. وروى أَيْضا أَنه ﷺ قَالَ لقوم جَلَسُوا يذكرُونَ الله تَعَالَى ويحمدونه على أَن هدَاهُم لِلْإِسْلَامِ (أَتَانِي جِبْرِيل ﵊ فَأَخْبرنِي أَن الله تَعَالَى يُباهي بكم الْمَلَائِكَة) وَفِي الْحَدِيثين أوضح دَلِيل على فضل الِاجْتِمَاع على الْخَيْر وَالْجُلُوس لَهُ، وَأَن الجالسين على خَيْر كَذَلِك، يُباهي الله بهم الْمَلَائِكَة، وتنزل عَلَيْهِم السكينَة وتغشاهم الرَّحْمَة، وَيذكرهُمْ الله تَعَالَى بالثناء عَلَيْهِم بَين الْمَلَائِكَة فأيّ فَضَائِل أجل من هَذِه؟
وَقَول السَّائِل نفع الله بِهِ: وَهل الِاجْتِمَاع للبدع الْمُبَاحَة جَائِز؟ جَوَابه: نعم جَائِز. قَالَ الْعِزّ بن عبد السَّلَام رَحمَه الله تَعَالَى: الْبِدْعَة فعل مَا لم يعْهَد فِي عهد النبيّ ﷺ ، وتنقسم إِلَى خَمْسَة أَحْكَام يَعْنِي الْوُجُوب وَالنَّدْب الخ، وَطَرِيق معرفَة ذَلِك أَن تعرض البِدعة على قَوَاعِد الشَّرْع فَأَي حكم دخلت فِيهِ فَهِيَ مِنْهُ، فَمن الْبدع الْوَاجِبَة تعلم النَّحْو الَّذِي يفهم بِهِ الْقُرْآن وَالسّنة، وَمن الْبدع الْمُحرمَة مَذْهَب نَحْو الْقَدَرِيَّة، وَمن الْبدع المندوبة إِحْدَاث نَحْو الْمدَارِس والاجتماع لصَلَاة التَّرَاوِيح، وَمن الْبدع الْمُبَاحَة المصافحة بعد الصَّلَاة وَمن الْبدع الْمَكْرُوهَة زَخْرفة الْمَسَاجِد والمصاحف أَي بِغَيْر الذَّهَب
стр. 109
وَإِلَّا فَهِيَ مُحرمَة، وَفِي الحَدِيث (كل بدْعة ضَلَالَة وكل ضَلَالَة فِي النَّار) وَهُوَ مَحْمُول على الْمُحرمَة لَا غير، وَحَيْثُ حصل فِي ذَلِك الِاجْتِمَاع لذكر، أَو صَلَاة التَّرَاوِيح أَو نَحْوهَا محرم، وَجب على كل ذِي قدرَة النَّهْي عَن ذَلِك وعَلى غَيره الِامْتِنَاع من حُضُور ذَلِك وَإِلَّا صَار شَرِيكا لَهُم، وَمن ثمَّ صرح الشَّيْخَانِ بِأَن من الْمعاصِي الْجُلُوس مَعَ الْفُسَّاق إيناساً لَهُم.
٩١ - وَسُئِلَ نفع الله بِهِ: هَل سيدنَا رَسُول الله ﷺ يفضل الرُّسُل خُصُوصا فَهَل يفضلهم عُمُوما أم لَا، وَهل الْولَايَة الْمَخْصُوصَة فِي مرتبَة النبوّة أَولا، وَهل ولَايَة النَّبِي ﷺ أَفْضَل من نبوّته أم نبوّته أفضل أم الرتْبتان متساويتان أم كَيفَ الْحَال، وَهل كَانَ نَبينَا مُحَمَّد ﷺ متعبداً بشرع أحد من الْأَنْبِيَاء قبل الْبعْثَة وَبعدهَا أم لَا، وَهل أرسل إِلَى الْخلق كَافَّة حَتَّى إِلَى الْمَلَائِكَة كَمَا نقل ذَلِك بَعضهم، أم إِلَى الثقلَيْن فَقَط، وَهل الْأَفْضَلِيَّة بَين الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة قَطْعِيَّة أم اجتهادية، إذْ لَا شَاهد من الْعقل يقطع بأفضلية بعض الْأَئِمَّة على الْبَعْض، وَالْأَخْبَار الْوَارِدَة فِي فضائلهم متعارضة، وَهل الْإِنْسَان الْكَامِل الَّذِي كمل لَهُ الْإِيمَان بِاللَّه قبل الْبعْثَة يدْخل الْجنَّة أم لَا، وَأَيْضًا هَل الْقَائِل بِأَن العَبْد خَالق لأفعاله مُشْرك أم لَا، وَهل يجوّز الْعقل إثابة الْكَافِر وعقوبة الْمُؤمن أم لَا؟ فَأجَاب بقوله: لَا يخفى على من لَهُ أدنى ممارسة بتأمل الْكتاب وَالسّنة أَن نَبينَا مُحَمَّدًا ﷺ يفضل جَمِيع الْأَنْبِيَاء وَالْمُرْسلِينَ خُصُوصا وعموماً لقَوْله تَعَالَى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىابَعْضٍ مِّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ اللَّهُ﴾ [الْبَقَرَة: ٢٥٣] أَي مُوسَى ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ أَي مُحَمَّدًا ﷺ رَفعه الله تَعَالَى على سَائِر الْأَنْبِيَاء وَالْمُرْسلِينَ من ثَلَاثَة أوجه: بالمعراج بِذَاتِهِ، وبالسيادة على جَمِيع الْبشر، وبالمعجزات الَّتِي لَا تحصر وَلَا تفنى، وَكفى بِالْقُرْآنِ معْجزَة بَاقِيَة مستمرة إِلَى قرب قيام السَّاعَة، وَفِيه من المعجزات والفضائل لنبينا ﷺ على غَيره مَا لَا يُحْصى. قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وَفِي هَذَا الْإِبْهَام من تفخيم فَضله وإعلاء قدره مَا لَا يخفى لما فِيهِ من الشَّهَادَة على أَنه الْعلم الَّذِي لَا يَشْتَبِه والمتميز الَّذِي لَا يلْتَبِس، وَمن هَذِه الْآيَة وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَىابَعْضٍ﴾ [الْإِسْرَاء: ٥٥] رد الْعلمَاء على الْمُعْتَزلَة قبحهم الله تَعَالَى فِي قَوْلهم: إِنَّه لَا فضل لبَعض الْأَنْبِيَاء على بعض، وَالنَّهْي فِي أَحَادِيث عَن التَّفْضِيل بَين الْأَنْبِيَاء مَحْمُول عِنْد الْعلمَاء على تَفْضِيل يُؤَدِّي إِلَى تنقيص بَعضهم، وَمن زعم أَن آدم أفضل لحقِّ الأبوَّة، فَإِن أَرَادَ أنَّ فَضْله من حَيْثُ كَونه أَبَا لَا مِنْ حَيْثُ النبوّة والمعجزات والخصائص، فَلهُ وَجه، وَإِلَّا فَلَا وَجه لما زَعمه مَعَ خبر التِّرْمِذِيّ. أَنه ﷺ قَالَ: (أَنا سيد ولد آدم يَوْم الْقِيَامَة وَلَا فَخْر، وَبِيَدِي لِوَاء الْحَمد وَلَا فَخْر، وَمَا من نبيّ آدم فمنّ سواهُ إِلَّا تَحت لِوَائِي يَوْم الْقِيَامَة) فَبين ﷺ بقوله: (آدم فَمن سواهُ) أَنه أفضل الكلّ، وَقَوله: (ولد آدم) للتأديب مَعَ الْأُبُوَّة، وَقَوله: (وَلَا فَخْر) المُرَاد بِهِ وَلَا فَخر أعظم من هَذَا، أَو لَا أَقُول ذَلِك على جِهَة الْفَخر بل على جِهَة الْإِخْبَار بالواقع، وَقَوله (يَوْم الْقِيَامَة) خصّه بِالذكر لِأَنَّهُ يظْهر لَهُ ﷺ فِيهِ من السؤدد والتمييز على سَائِر الْأَنْبِيَاء مَا لَا يظْهر لغيره، لَا سِيمَا الْمقَام الْمَحْمُود الَّذِي يؤتاه ذَلِك الْيَوْم، وَهُوَ الشَّفَاعَة الْعُظْمَى فِي فصل الْقَضَاء حِين يذهب النَّاس إِلَى أولى الْعَزْم، نوح وَإِبْرَاهِيم ومُوسَى وَعِيسَى، فكُلُّ يذكر لنَفسِهِ شَيْئا وَيَقُول: نَفسِي نَفسِي إِلَّا نَبينَا ﷺ فَإِنَّهُ يَقُول: (أَنا لَهَا أَنا لَهَا) الحَدِيث. وَفِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ مَرْفُوعا عِنْد البُخَارِيّ (أَنا سيد النَّاس يَوْم الْقِيَامَة) وَهَذَا صَرِيح فِي أفضليته ﷺ على آدم وعَلى جَمِيع أَوْلَاده من الْأَنْبِيَاء وَالْمُرْسلِينَ، وَفِي حَدِيث عِنْد الْبَيْهَقِيّ (أَنا سيد الْعَالمين) وهم الْإِنْس وَالْجِنّ وَالْمَلَائِكَة فَفِيهِ التَّصْرِيح بِأَنَّهُ أفضل الْخلق كلهم. وَيُؤَيِّدهُ حَدِيث مُسلم الْآتِي (وأرسلتُ إِلَى الْخلق كافَّة) وَمن شَأْن الرَّسُول أَن يكون أفضل من الْمُرْسل إِلَيْهِم، وَاسْتدلَّ الْفَخر الرَّازِيّ على أفضليته ﷺ على سَائِر الْأَنْبِيَاء بقوله تَعَالَى بعد ذكرهم ﴿أُوْلَائِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الْأَنْعَام: ٩٠] وَذَلِكَ لِأَنَّهُ تَعَالَى وَصفهم بالأوصاف الحميدة ثمَّ أَمر نبيه ﷺ أَن يَقْتَدِي بجميعهم فَيكون إِتْيَانه بذلك وَاجِبا وَإِلَّا كَانَ تَارِكًا لمقْتَضى الْأَمر، وَإِذا أَتَى بِجَمِيعِ مَا تلبسوا بِهِ من الْخِصَال الحميدة فقد اجْتمع فِيهِ مَا كَانَ مفرقاً فيهم فَيكون أفضل مِنْهُم، وَاحْتج السعد التَّفْتَازَانِيّ بقوله تَعَالَى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمرَان: ١١٠] قَالَ: لِأَنَّهُ لَا شكّ أَن الْخَيْرِيَّة للْأمة إِنَّمَا هُوَ بِحَسب كمالهم فِي الدّين وَذَلِكَ تَابع لكَمَال نَبِيّهم الَّذِي يتبعونه: أَي فلولا أَنه خير الْأَنْبِيَاء لم تكن أمته خير الْأُمَم، وَقد ثَبت بِنَصّ الْآيَة أَنهم خير الْأُمَم فَيكون نَبِيّهم خير
стр. 110
الْأَنْبِيَاء لما علمت مَا بَينهمَا من الْمُلَازمَة الظَّاهِرَة. وَقَول السَّائِل نفع الله بِهِ: وَهل الْولَايَة الْمَخْصُوصَة فِي مرتبَة النُّبُوَّة؟ كَلَام مُجْمل يحْتَاج لبَيَان فَإِن أَرَادَ بِالْولَايَةِ الْمَخْصُوصَة ولايات الْأَوْلِيَاء غير الْأَنْبِيَاء فَالصَّوَاب أَنه لَا يُمكن شرعا أَن وليا يصل لدرجة نبيّ، وَمن اعْتقد ذَلِك فَهُوَ كَافِر مراق الدَّم إِلَّا أَن يَتُوب، وَإِن أَرَادَ أَن السَّبَب الَّذِي اقْتضى أفضليته ﷺ أفضل من مُطلق النبوّة فَهَذَا لَا يحْتَاج إِلَيْهِ، لأَنا قد علمنَا مِمَّا تقرر وَغَيره أَن نَبينَا ﷺ أفضل من سَائِر الْأَنْبِيَاء فِي كل وصف من أَوْصَاف الْكَمَال، وَمن ثمَّ خَاطب الله تَعَالَى الْأَنْبِيَاء بِأَسْمَائِهِمْ وَلم يخاطبه إِلَّا بِنَحْوِ ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِىُّ حَسْبُكَ ياأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِى الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُواءَامَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هًّادُواْ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍءَاخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَاذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَ احْذَرُواْ وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُوْلَائِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِى الدُّنْيَا خِزْىٌ وَلَهُمْ فِى الأٌّخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ياأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ياأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ وَأوجب الله تَعَالَى عَلَيْهِم إِن بعث وهم أَحيَاء أَن يُؤمنُوا بِهِ ويتبعوه وينصروه كَمَا قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَآءَاتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ﴾ [آل عمرَان: ٨١] الْآيَة، وَوَقع لِابْنِ عبد السَّلَام ﵀ فِيهَا مَا لَا يَنْبَغِي فاجتنبه. وَقَول السَّائِل: وَهل ولَايَة النَّبِي الخ، كَأَن مُرَاده بِهَذَا أَيْضا الْمَسْأَلَة الْمَشْهُورَة عَن ابْن عبد السَّلَام وَهِي قَوْله: إِن نبوّة النَّبِي أفضل من رسَالَته لِأَن النبوّة هِيَ الطّرف الْمُتَعَلّق بِالْحَقِّ والرسالة هِيَ الطّرف الْمُتَعَلّق بالخلق، وَمَا تعلق بِالْحَقِّ أفضل مِمَّا تعلق بالخلق وَهُوَ ضَعِيف جدا، وَمن ثمَّ ضعَّفه غير وَاحِد من الْمُتَأَخِّرين، وَبَيَان ضَعْفِه أَن الرسَالَة لَيْسَ لَهَا طرف من جِهَة الْخلق فَقَط بل لَهَا طرفان لِأَن الرَّسُول هُوَ الْمبلغ عَن الله تَعَالَى الْأَحْكَام للنَّاس فَهُوَ متلقِّ من جِهَة الْحق ومُلْق على الْخلق، فَكَانَت رسَالَته الَّتِي تأهل بهَا إِلَى الْخلَافَة عَن الله تَعَالَى أَفْضَل من مُجَرّد نُبوَّته لِأَنَّهُ لم يتأهل بهَا إِلَى الْمرتبَة الْعلية، وَالْكَلَام فِي نبوة الرَّسُول ورسالته، أما الرَّسُول فَهُوَ أفضل من النَّبِي إِجْمَاعًا، وَحمل بَعضهم النَّهْي عَن التَّفْضِيل بَين الْأَنْبِيَاء السَّابِق على النَّهْي عَن التَّفْضِيل بَينهم فِي ذَات النُّبُوَّة والرسالة فَإِنَّهُم فِي ذَلِك على حد سَوَاء لَا تفاضل بَينهم، وَإِنَّمَا التَّفَاضُل فِي زِيَادَة الْأَحْوَال وخصوص الكرامات والرتب، فذات النُّبُوَّة لَا تفاضل فِيهَا، وَإِنَّمَا التَّفَاضُل فِي أُمُور زَائِدَة عَلَيْهَا، وَمن ثمَّ كَانَ مُبْهما.
وَقَول السَّائِل: هَل كَانَ نَبينَا ﷺ متعبداً الخ. جَوَابه: أَن الْعلمَاء اخْتلفُوا هَل كَانَ ﷺ قبل بعثته متعبداً بشرع من قبله أَو لَا؟ فَقَالَ الْجُمْهُور: لم يكن متعبداً بِشَيْء. وَاحْتَجُّوا بِأَن ذَلِك لَو وَقع لنقل وَلما أمكن كتمه وَلَا سَتْره فِي الْعَادة وَلَا افتخر بِهِ أهل تِلْكَ الشَّرِيعَة ﷺ عَلَيْهِ، وَاحْتَجُّوا بِهِ بِأَن ذَلِك لَو وَقع لنقل وَلما أمكن كتمه وَلَا ستره فِي الْعَادة وَلَا افتخر بِهِ أهل تِلْكَ الشَّرِيعَة ﷺ وَاحْتَجُّوا بِهِ عَلَيْهِ، فَلَمَّا لم يَقع شَيْء مِنْ ذَلِك، علمنَا أَنه لم يكن متعبِّداً بشرع نبيِّ قبله، وَذهب طَائِفَة إِلَى امْتنَاع ذَلِك عقلا قَالُوا: لِأَنَّهُ يبعد أَن يكون متبوعاً وَقد عرف تَابعا. وَذهب آخَرُونَ إِلَى الْوَقْف فِي أمره ﷺ وَترك قطع الحكم عَلَيْهِ بِشَيْء فِي ذَلِك لِأَنَّهُ لَا قَاطع من الْجَانِبَيْنِ، وَإِلَى هَذَا ذهب إِمَام الْحَرَمَيْنِ. وَقَالَ آخَرُونَ: كَانَ عَاملا بشرع من قبله. ثمَّ اخْتلفُوا فَوقف بَعضهم عَن التَّعْيِين واحْجم وجسر عَلَيْهِ بَعضهم. ثمَّ اخْتلف المعينون فَقيل نوح وَقيل إِبْرَاهِيم وَقيل مُوسَى وَقيل عِيسَى وَقيل آدم، فَهَذِهِ جملَة الْمذَاهب فِي هَذِه الْمَسْأَلَة وأظهرها الأول وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور، وأبعدها مَذْهَب المعينين إذْ لَو كَانَ شَيْء لنقل كَمَا مر.
وَلَا حجَّة لمن زعم أَن عِيسَى آخر الْأَنْبِيَاء ﷺ فلزمتْ شريعتُه ﷺ مَنْ جَاءَ بعده، لِأَنَّهُ لم يثبت عُمُوم دَعْوَة عِيسَى، بل الصَّحِيح أَنه لم يكن لنَبِيّ دَعْوَة عَامَّة إِلَّا لنبينا ﷺ ، وَمن ثمَّ لم يُرْسل للجن غَيره ﷺ ، وإيمان الْجِنّ بِالتَّوْرَاةِ كَمَا يدل عَلَيْهِ أَوَاخِر سُورَة الْأَحْقَاف كَانَ تَبَرعا كَإِيمَانِ بعض الْعَرَب من قُرَيْش وَغَيرهم بالإنجيل، إذْ لم يثبت أنَّ مُوسَى أُرسل لغير بني إِسْرَائِيل والقبط وَلَا أنَّ عِيسَى أُرسل لغير بني إِسْرَائِيل، وَزعم بعض من لَا تَحْقِيق عِنْده وَلَا اطلَاع على حقائق الْكتاب وَالسّنة، أنَّ نَبينَا ﷺ كَانَ على شَرِيعَة إِبْرَاهِيم ﷺ وَلَيْسَ لَهُ شرع مُنْفَرد بِهِ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُود من بعثته إحْيَاء شرع إِبْرَاهِيم تمسكاً بِظَاهِر قَوْله تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النَّحْل: ١٢٣] وَهَذَا القَوْل أَي أَن الشَّرِيعَة شَرِيعَة إِبْرَاهِيم بالغلط بل بالخُراف أشبه، ومِنْ ثمَّ قَالُوا: إِن مثله لَا يصدر إِلَّا من سخيف الْعقل كثيف الطَّبْع، وَإِنَّمَا المُرَاد بِهَذِهِ الْآيَة الِاتِّبَاع فِي التَّوْحِيد الْخَاص بمقام الخُلة الَّذِي هُوَ مقَام إِبْرَاهِيم الْمشَار إِلَيْهِ بِصِيغَة ﴿حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ والمتسبب عَن تفويضه الْمُطلق لما أَن ألْقى فِي النَّار وَجَاء إِلَيْهِ جِبْرِيل ﵉ قَائِلا لَهُ (أَلَك حَاجَة؟ قَالَ أما إِلَيْك فَلَا) ، فوصل غَايَة من التَّفْوِيض لم يصل إِلَيْهَا أحد قبله وَلَا بعده إِلَّا نَبينَا مُحَمَّد ﷺ ، فَإِنَّهُ وصل إِلَيْهَا وارتقى عَنْهَا
стр. 111
بغايات لَا يعلمهَا إِلَّا خالقه وبارئه المنْعِم عَلَيْهِ بِمَا لم يؤته لغيره، ومِنْ ثُمَّ يَقُول إِبْرَاهِيم عِنْد مَجِيء النَّاس إِلَيْهِ فِي ذَلِك الْموقف الْعَظِيم للشفاعة الْعُظْمَى فِي فصل الْقَضَاء قائلين لَهُ إِن الله اصطفاك بالخُلَّة إِنَّمَا كنتُ خَلِيلًا من وَرَاء وَرَاء) فأعلمهم أَنه وَإِن كَانَ خَلِيلًا لكنه مُتَأَخّر الرُّتْبَة عَن غير المنحصر فِي نَبينَا ﷺ ، وَنَظِير تِلْكَ الْآيَة السَّابِقَة ﴿أُوْلَائِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ فَالْمُرَاد الْأَمر بالاقتداء فِي التَّوْحِيد وَمَا يَلِيق بِهِ من المقامات الْعلية الَّتِي ترجع إِلَى الْأُصُول لَا إِلَى الْفُرُوع إذْ كَانَ مِنْهُم من لَيْسَ رَسُولا أصلا كيوسف صلى الله على نَبينَا وَعَلِيهِ وَسلم على قَول، وَالْبَاقُونَ كَانَت فروع شرائعهم مُخْتَلفَة فاستحال حمل الْأَمر على الِاقْتِدَاء بهم على ذَلِك، لَا يُقَال التَّوْحِيد إِنَّمَا ينشأ عَن الْأَدِلَّة القطعية فَكيف يَتَأَتَّى الِاتِّبَاع فِيهِ، لأَنا قد أَشَرنَا إِلَى رد ذَلِك بقولنَا وَمَا يَلِيق بِهِ من المقامات الْعلية الخ. وَمِنْهَا كَيْفيَّة الدَّعْوَى إِلَى التَّوْحِيد وَهُوَ أَن يَدْعُو إِلَيْهِ بطرِيق الرفْق والسهولة وإيراد الْأَدِلَّة الْوَاضِحَة الظَّاهِرَة الْمرة بعد الْمرة على أَنْوَاع مترتبة متمايزة تَأْخُذ بِالْقَلْبِ وتدهش اللب، كَمَا هُوَ الطَّرِيق المألوفة فِي الْقُرْآن، وَقَالَ شيخ الْإِسْلَام السراج البُلْقِينِيّ فِي (شرح البُخَارِيّ) : وَلم يَجِيء فِي الْأَحَادِيث الَّتِي وقفنا عَلَيْهَا كَيْفيَّة تعبده ﷺ قبل الْبعْثَة، لَكِن روى ابْن إِسْحَاق وَغَيره: (أَنه ﷺ كَانَ يخرج إِلَى حراء فِي كل عَام شهرا من السّنة يتنسَّك فِيهِ) وَكَانَ من نُسك قُرَيْش فِي الْجَاهِلِيَّة أَن يُطْعم الرجل مَنْ جَاءَهُ من الْمَسَاكِين حَتَّى إِذا انْصَرف من بَيته لم يدْخل بَيته حَتَّى يطوف بِالْكَعْبَةِ، وَحمل بَعضهم التَّعَبُّد على التفكر، قَالَ: وَعِنْدِي أَن هَذَا التَّعَبُّد يشْتَمل على أَنْوَاع: وَهِي الاعتزال عَن النَّاس كَمَا صنع إِبْرَاهِيم صلى الله على نَبينَا وَعَلِيهِ وَسلم باعتزال قومه والانقطاع إِلَى الله تَعَالَى، (فإنَّ انْتِظَار الْفرج عبَادَة) كَمَا رَوَاهُ عَليّ بن أبي طَالب كرم الله وجْهَه مَرْفُوعا، وينضم إِلَى ذَلِك التفكر، وَمن ثمَّ قَالَ بَعضهم: كَانَت عِبَادَته ﷺ فِي حراء التفكر.
وَقَول السَّائِل نفع الله بِهِ: وَهل أرسل إِلَى الْخلق كَافَّة الخ. جَوَابه: أَنه كثر استفتاء النَّاس لي عَن ذَلِك وَكثر الْكَلَام مني فِيهِ مَبْسُوطا ومختصراً، وخلاصة الْمُعْتَمد فِي ذَلِك أَن فِي إرْسَاله ﷺ إِلَى الْمَلَائِكَة قَوْلَيْنِ للْعُلَمَاء، وَالَّذِي رَجحه شيخ الْإِسْلَام التقى السُّبْكِيّ وجماعته من محققي الْمُتَأَخِّرين، وردوا مَا وَقع فِي تَفْسِير الرَّازِيّ مِمَّا قَالَه بِخِلَاف ذَلِك وأطالوا فِي ردِّه، وردَّ مَا وَقع للبيهقي والحليمي مِمَّا يُخَالف ذَلِك أَنه أرسل إِلَيْهِم، وَيدل لَهُ ظَاهر قَوْله تَعَالَى: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً﴾ [الْفرْقَان: ١] وهم الْإِنْس وَالْجِنّ وَالْمَلَائِكَة، وَمن زعم أَنه ﷺ أرسل إِلَى بعض الْمَلَائِكَة دون بعض، فقد تحكم من غير دَلِيل، كَمَا أنَّ من ادّعى خُرُوج الْمَلَائِكَة كلهم من الْآيَة يعجز عَن دَلِيل يدل على ذَلِك، وَلَا يُنَافِي ذَلِك الْإِنْذَار الَّذِي هُوَ التخويف بِالْعَذَابِ لأَنهم وإنْ كَانُوا معصومين إِلَّا أَن المُرَاد بِالْإِرْسَال تكليفهم بِالْإِيمَان بِهِ، وَالِاعْتِرَاف بسؤْدُدِه ورِفْعته والخضوع لَهُ، وعدُّهم من أَتْبَاعه زِيَادَة فِي شرفه، وكل هَذَا لَا يُنَافِي عصمتهم، ثمَّ ذَلِك الْإِنْذَار إِمَّا وَقع كُله فِي لَيْلَة الْإِسْرَاء، أَو بعضُه فِيهَا، وَبَعضه فِي غَيرهَا، وَلَا يلْزم من الْإِنْذَار والرسالة إِلَيْهِم فِي شَيْء خَاص أَن يكون بالشريعة كلهَا، وَفِي قَول شَاذ: أَن الْمَلَائِكَة من الْجِنّ وَأَنَّهُمْ مؤمنو الْجِنّ السماوية، فَإِذا ركب هَذَا مَعَ القَوْل الَّذِي أجمع عَلَيْهِ الْمُسلمُونَ وَهُوَ عُمُوم رسَالَته ﷺ للجن لزم عُمُوم الرسَالَة للْمَلَائكَة كَذَا قيل، وَهَذَا لَا يحْتَاج إِلَيْهِ، وَكفى بِالْأَخْذِ بِظَاهِر الْآيَة دَلِيلا لَا سِيمَا وَخبر مُسلم الَّذِي لَا نزاع فِي صِحَّته صَرِيح فِي ذَلِك، وَهُوَ قَوْله ﷺ ، (وَأرْسلت إِلَى الْخلق كَافَّة) ، فَتَأمل قَوْله: (الْخلق) وَقَوله: (كَافَّة) وَمن ثمَّ أَخذ من هَذَا شيخ الْإِسْلَام الْجمال الْبَارِزِيّ أَنه ﷺ أُرسل إِلَى جَمِيع الْمَخْلُوقَات حَتَّى الجمادات، بِأَن ركَّب فِيهَا فَهْم وعَقْل مَخْصُوص حَتَّى عرفَتْه وَآمَنت بِهِ، وَاعْتَرَفت بفضْله وَقد أخبر عَنْهَا ﷺ بِالشَّهَادَةِ للمؤذن وَنَحْوه فِي قَوْله: (فَإِنَّهُ لَا يسمع مدى صَوْتَ المؤذِّن شَجَر وَلَا حجَر وَلَا شَيْء إِلَّا شهد لَهُ يَوْم الْقِيَامَة) وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَاذَا الْقُرْءَانَ عَلَىاجَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الْحَشْر: ٢١] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ﴾ [الْإِسْرَاء: ٤٤] فَإِذا كَانَت هَذِه الجمادات لَهَا هَذِه الإدراكات لم يستنكر مَا قَالَه الْبَارِزِيّ لَا سِيمَا وَحَدِيث مُسلم مُصَرح بِهِ كَمَا علمت. فَإِن قلت: فسر الْجُمْهُور الْعَالمين فِي الْآيَة بالجن وَالْإِنْس. قلت: لَا يلْزم من ذَلِك خُرُوج الْمَلَائِكَة عَن مُطلق الْإِرْسَال بل عَن الْإِرْسَال إِلَى الْجِنّ وَالْإِنْس المتضمن للتكليف بِسَائِر فروع الشَّرِيعَة، وللتكليف بِكُل مَا فِيهِ
стр. 112
كلفة، والمستلزم لإباء الْمُرْسل إِلَيْهِم إِلَّا بعصام نواميس المعجزات والتخويف والتهديد فتخصيص الْعَالمين بالجن والأنس لذَلِك فَحسب. وَالْحَاصِل أَنه لَا قَاطع من أحد الْجَانِبَيْنِ، وَأَن كلا من الْقَوْلَيْنِ إِنَّمَا هُوَ أَمر ظَنِّي بِحَسب مَا دلّ عَلَيْهِ ظَاهر اسْتندَ إِلَيْهِ كل من الْقَائِلين بِأحد ذَيْنك الْقَوْلَيْنِ.
وَقَول السَّائِل: وَهل الْأَفْضَلِيَّة بَين الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة الخ؟ جَوَابه: أَن أَفضَلِيَّة أبي بكر ﵁ على الثَّلَاثَة ثمَّ عمر على الِاثْنَيْنِ مجمع عَلَيْهِ عِنْد أهل السّنة لَا خلاف بَينهم فِي ذَلِك، وَالْإِجْمَاع يُفِيد الْقطع، وَأما أَفضَلِيَّة عُثْمَان على عليّ ﵄ فظنية، لِأَن بعض أكَابِر أهل السّنة كسفيان الثَّوْريّ فضَّل عليا على عُثْمَان وَمَا وَقع فِيهِ خلاف بَين أهل السّنة ظَنِّي، وَأما الْأَحَادِيث فِي ذَلِك فمتعارضة جدا بل عليّ كرم الله وَجهه ورد فِيهِ من الْأَحَادِيث المشْعِرة بفَضْله مَا لم يرد فِي الثَّلَاثَة. وَأجَاب عَنهُ بعض الْأَئِمَّة بِأَن سَبَب ذَلِك أَنه عَاشَ إِلَى زمن الْفِتَن، وَكَثُرت أعداؤه، وقدحُهم فِيهِ وحطُّهم عَلَيْهِ، وغَمْصُهم لحقه بباطلهم، فبادر حفاظ الصَّحَابَة رضوَان الله عَلَيْهِم، وأخرجوا مَا عِنْدهم فِي حَقه، ردْعاً لأولئك الفسقة المارقين والخوارج المخذولين، وَأما بَقِيَّة الثَّلَاثَة فَلم يَقع لَهُم مَا يَدْعُو النَّاس إِلَى الْإِتْيَان بِمثل ذَلِك الِاسْتِيعَاب.
وَقَوله: وَهل الْإِنْسَان الخ؟ جَوَابه: أَن الْأَصَح نعم، بل الْأَصَح فِي أهل الفترة، وهم مِنْ لم يُرْسل إِلَيْهِم رَسُول أَنهم فِي الْجنَّة عملا بقوله تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىانَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الْإِسْرَاء: ١٥] وَحمل على مَنْ قَبْل البِعثة، وَزعم قَائِله أَن كلَّ من لم يُؤمن بعد بَعثه آدم أَو نوحْ بِنَاء على أَن أول الرُّسُل آدم أَو نوح، فَهُوَ فِي النَّار زَعْمٌ مخالفٌ لظَاهِر الْآيَة فَلَا يعول عَلَيْهِ. وَقَوله: وَهل الْقَائِل بِخلق الخ؟ جَوَابه: أَن الْقَائِل بالخلق الْحَقِيقِيّ لغير الله فِي شَيْء من الْأَشْيَاء كَافِر مراق الدَّم، كَمَا هُوَ جَلي، وَالْقَائِل بِخلق العَبْد لأفعاله بِالْمَعْنَى الَّذِي يَقُوله الْمُعْتَزلَة مُبْتَدع ضَّال فَاسق، وَأما إِسْلَامه فَفِيهِ خلاف وَالأَصَح أَنه مُسلم. وَقَوله: وَهل يجوّز الْعقل الخ؟ جَوَابه: نعم يجوز الْعقل ذَلِك فِي الْمُؤمنِينَ، بل ذَلِك مِمَّا يتَعَيَّن علينا اعْتِقَاده، لِأَن الله ﵎ لَا يجب عَلَيْهِ شَيْء لأحد من عباده وأنبيائه وَرُسُله مُطلقًا لقَوْله تَعَالَى: ﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِى الأٌّرْضِ جَمِيعاً﴾ [الْمَائِدَة: ١٧] وَإِنَّمَا إثابةُ الطائع مِنْ مَحْض فَضله تَعَالَى، وَيجوز أَن يُعَاقِبهُ، لكنَّه لَا يَقع بِمُقْتَضى وَعْدِه، وَأَنه لَا يخلف الميعاد، وعقاب العَاصِي مِنْ مَحْض عَدْله، وَيجوز أَن يخلفه، لِأَن خلف الإيعاد من سَعةِ الفَضْل وَالْكَرم، بِخِلَاف إخلاف الْوَعْد، وَقد أشارت الْآيَة إِلَى ذَلِك فَإِنَّهَا إِنَّمَا نصَّت على أَنه تَعَالَى لَا يخلف الميعاد، وَهُوَ لَا يكون إِلَّا فِي الْخَيْر، فاقتضتْ أَنه يخلف الإيعاد الَّذِي لَا يكون لَا فِي مُقَابلَة ذَلِك، وَأما الْكَافِر فَبعد أَن يعلم قَوْله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النِّسَاء: ٤٨] فَلَا يجوّز الْعقل ذَلِك فِيهِ، ومِنْ ثمَّ أَجمعُوا على كفر من قَالَ: إِن الله يثيب الْكَافِر.
٩٢ - وَسُئِلَ نفع الله بِهِ عَن قَوْله ﷺ : (يُقَال لصَاحب الْقُرْآن يَوْم الْقِيَامَة اقْرَأ وارق ورتِّل كَمَا كنت ترتل فِي الدُّنْيَا، فَإِن منزلتك عِنْد آخر آيَة) مَنْ الْمَخْصُوص بِهَذِهِ الْفَضِيلَة هَل هم من يحفظ الْقُرْآن فِي الدُّنْيَا عَن ظهر قلبه وَمَات كَذَلِك، أم يَسْتَوِي فِيهِ هُوَ وَمن يقْرَأ فِي الْمُصحف، وَعَن قَول صَاحب (العُباب) : وَورد أَن الْمَلَائِكَة لم يُعْطوا فَضِيلَة حفظ الْقُرْآن فهم حريصون على استماعه من الْإِنْس، وَسَبقه إِلَى ذَلِك ابْن الصّلاح، وَالْقَصْد تَبْيِين الطَّرِيق الَّتِي ورد مِنْهَا هَل هُوَ حَدِيث نبويّ أَو غير ذَلِك؟ فَأجَاب ﵁ بقوله: الْخَبَر الْمَذْكُور خاصّ بِمن يحفظه عَن ظهر قلب لَا بِمن يقْرَأ فِي الْمُصحف لِأَن مُجَرّد الْقِرَاءَة فِي الْخط لَا يخْتَلف النَّاس فِيهَا، وَلَا يتفاوتون قلَّة وَكَثْرَة، وَإِنَّمَا الَّذِي يتفاوتون فِيهِ كَذَلِك هُوَ الْحِفْظ عَن ظهر قلب، فَلهَذَا تفاوتت مَنَازِلهمْ فِي الْجنَّة بِحَسب تفَاوت حفظهم، وَمِمَّا يُؤَيّد ذَلِك أَيْضا، أنَّ حفظ الْقُرْآن عَن ظهر قلب فرض كِفَايَة على الْأمة، وَمُجَرَّد الْقِرَاءَة فِي الْمُصحف من غير حفظ لَا يسْقط بهَا الطّلب فَلَيْسَ لَهَا كَبِير فضل كفضل الْحِفْظ، فتعيَّن أَنه أَعنِي الْحِفْظ عَن ظهر قلب هُوَ المُرَاد فِي الْخَبَر، وَهَذَا ظَاهر من لفظ الْخَبَر بِأَدْنَى تَأمل، وَقَول الْمَلَائِكَة لَهُ (اقْرَأ وارق) صَرِيح فِي حفظه عَن ظهر قلب كَمَا لَا يخفى، وَقَول ابْن الصّلاح، وَقد ورد أَن الْمَلَائِكَة لم يُعْطوا فَضِيلَة قِرَاءَة الْقُرْآن فهم حريصون الخ، فَأَما كَونهم لم يُعْطوا ذَلِك فَكَأَنَّهُ أَخذه من أَحَادِيث تُشِير إِلَيْهِ، لَكِن اعْتَرَضَهُ غير وَاحِد وَسَاقُوا من الْقُرْآن وَالسّنة مَا يُعَارضهُ، وَمن ثمَّ صرح غير وَاحِد بِخِلَافِهِ، لكنني فِي (شرح الْعباب) أجبتُ عَمَّا أوردوه عَلَيْهِ، وَأما حرصهم على استماعه من الْإِنْس فَهُوَ صَرِيح الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة.
٩٣ - وَسُئِلَ نفع الله بِهِ، عَمَّا صورته: ذكر الْأَئِمَّة
стр. 113
رَضِي الله عَنْهُم أَنه يكره إِفْرَاد الصَّلَاة على النَّبِي ﷺ عَن السَّلَام وَعَكسه، قَالَ بَعضهم: لَكِن لَيْسَ المُرَاد بِالْجمعِ بَينهمَا أَن يَكُونَا مقرونين، بل أنْ لَا يَخْلُو الْكَلَام أَو الْمجْلس عَنْهُمَا، كَمَا فِي التَّشَهُّد فَهَل هُوَ كَذَلِك؟ فَإِن قُلْتُمْ نعم، فَهَل ذَلِك فِي غير الْمَخْصُوص أما هُوَ كَقَوْلِه ﷺ : (مَنْ قَالَ يَوْم الْجُمُعَة ثَمَانِينَ مرّة اللَّهُمَّ صلِّ على مُحَمَّد عَبدك وَنَبِيك وَرَسُولك النَّبِي الْأُمِّي غفر الله لَهُ ذنُوب ثَمَانِينَ سنة) الخ فَلَا كَرَاهَة فِيهِ للنَّص عَلَيْهِ فَهَل هُوَ كَذَلِك أم لَا؟ . فَأجَاب بقوله رَحمَه الله تَعَالَى: إِنِّي لما نقلتُ تِلْكَ الْمقَالة فِي (شرح الْعباب) تعقَّبتُها وَعبارَته، وقيَّد بعض فُقَهَاء الْيمن كَرَاهَة الْإِفْرَاد بِمَا إِذا لم يجمعهما مجْلِس أَو كتاب. قَالَ: وَإِلَّا فَلَا إِفْرَاد انْتهى، وَهُوَ غير بعيد وَإِن كَانَ ظَاهر كَلَام غَيره قد يُنَازع فِيهِ انْتَهَت، ووِجْهة تِلْكَ الْمُنَازعَة أَن النَّوَوِيّ ﵀ لما نقل عَن الْعلمَاء كَرَاهَة الْإِفْرَاد اعْتَرَضُوهُ بِأَن ذَلِك وَقع فِي أَمَاكِن كَثِيرَة من (الْأُم) وَغَيرهَا، وَأجِيب عَنهُ بأنَّ من أفردها من الْعلمَاء إِمَّا جمع بِلِسَانِهِ أَو ترك السَّلَام ذهولاً، ووجَّه رد كَلَام ذَلِك الْفَقِيه بِالنِّسْبَةِ لقَوْله، أَو كتاب، أَو تِلْكَ الْكتب فِيهَا الصَّلَاة مَعَ السَّلَام، وَمَعَ ذَلِك جعلُوا خلوها فِي بعض الْمَوَاضِع عَنْهُمَا وارداً، فَلَو اكْتفى فِي الْجَمِيع بِوُجُودِهِ أَحدهمَا فِي أول الْكتاب وَوُجُود الآخر فِي آخِره مثلا، لما ورد ذَلِك، فَعلمنَا أنَّ كَلَام المستشكِّين والمجيبين رادُّ لقَوْل ذَلِك الْفَقِيه أوْ كتاب، وَأَيْضًا فَإِنَّمَا يتمشى مَا بحثَه ذَلِك الْفَقِيه، بِنَاء على أنَّ الْإِفْرَاد يكره خطا حَتَّى يرد الْجمع فِي أول الْكتاب، وَهُوَ مَا جرى عَلَيْهِ الزين الْعِرَاقِيّ وَجزم بِهِ غَيره تبعا لَهُ، لكني نظرتُ فِيهِ فِي الشَّرْح الْمَذْكُور واستدللتُ لهَذَا النّظر بِالْجَوَابِ السَّابِق الَّذِي قَالَه بعض الْمُحَقِّقين: إنّ منْ أفردَ جمع بَينهمَا بِلِسَانِهِ، إذْ هَذَا صَرِيح فِي أَنه لَا يكره الْإِفْرَاد خطا، وَإِلَّا لم يتأت ذَلِك الْجَواب، وعَلى أَنه لَا كَرَاهَة خطا فَلَا يَصح ذَلِك التَّقْيِيد بِمَا لم يجمعهما كتاب، وَأما التَّقْيِيد بِمَا لم يجمعهما مجْلِس فَهُوَ مُتَّجه، لكنْ يتَعَيَّن تَقْيِيد ذَلِك بِمَا إِذا لم يطلّ الْفَصْل عرفا، بِحَيْثُ يَنْقَطِع نِسْبَة أَحدهمَا عَن الآخر وَإِلَّا لم يُفِد اتِّحَاد الْمجْلس حينئذٍ، وَقَول الْأَئِمَّة: إِنَّمَا أفْردَت الصَّلَاة فِي التَّشَهُّد اكْتِفَاء بِالسَّلَامِ الَّذِي فِيهِ ظَاهر فِي اعْتِبَار الْقرب الَّذِي ذكرته، وَيُؤْخَذ من قَوْلهم هَذَا أَن كَرَاهَة الْإِفْرَاد حَاصِلَة فِيمَا ورد فِيهِ الْإِفْرَاد أَيْضا كَالصَّلَاةِ الَّتِي فِي السُّؤَال لِأَن النَّبِي ﷺ علمهمْ كَيْفيَّة الصَّلَاة مُفْردَة عَن السَّلَام، وَمَعَ ذَلِك احْتَاجَ الْأَئِمَّة للجواب عَن ذَلِك بِأَن السَّلَام سبق فِي التَّشَهُّد، فَلَو كَانَ مُجَرّد وُرُود الْإِفْرَاد مَانِعا لكراهته لم يحتاجوا للجواب الْمَذْكُور، فَلَمَّا احتاجوا إِلَيْهِ علمنَا أَن ذَلِك الْوُرُود غير كَاف. فَإِن قلت: ذكرُوا فِيمَا إِذا حلف ليصلين أفْضَل الصَّلَاة أَنه يَبِرُّ بِصَلَاة التَّشَهُّد كَذَا، على الْخلاف فِيهَا وَلم يذكرُوا فِي وَاحِدَة لفظ السَّلَام؟ قلت: هَذَا لَا يُنَافِي مَا نَحن فِيهِ، لِأَن الْمَكْرُوه هُوَ الْإِفْرَاد لَا نفس الصَّلَاة، وإنْ أفردت، وَنَظِيره مَا حَرَّره بعض الْمُحَقِّقين فِي كَرَاهَة الإيتار بِرَكْعَة، أَن المُرَاد كَرَاهَة الِاقْتِصَار عَلَيْهِ لَا نفس الصَّلَاة، بل هِيَ مَعَ ذَلِك من الْوتر الَّذِي هُوَ أفضل الرَّوَاتِب. فَإِن قلت: قَالَ الْحَافِظ السخاوي فِي كِتَابه (البديع) اسْتدلَّ بِحَدِيث كَعْب بن عجْرَة وَغَيره على أَن إِفْرَاد الصَّلَاة عَن السَّلَام لَا يكره، وَكَذَا الْعَكْس لِأَن تَعْلِيم التَّسْلِيم تقدم على تَعْلِيم الصَّلَاة فأفردوا التَّسْلِيم مُدَّة فِي التَّشَهُّد قبل الصَّلَاة عَلَيْهِ، وَقد صرح النَّوَوِيّ ﵀ فِي (الْأَذْكَار) وغيرُه بِالْكَرَاهَةِ وَاسْتدلَّ بورود الْأَمر بهما مَعًا فِي الْآيَة. قَالَ: وَالظَّاهِر أَن مَحل ذَلِك فِيمَا لم يرد الِاقْتِصَار على الصَّلَاة فِيهِ، على أَن شَيخنَا: أَي الْحَافِظ ابْن حجر توقف فِي إِطْلَاق الْكَرَاهَة انْتهى. قلت: أما التَّوَقُّف فِي ذَلِك فَغير مسموع مَعَ كَون النَّوَوِيّ نقل الْكَرَاهَة عَن الْعلمَاء، وَأما التَّقْيِيد الَّذِي ذكره السخاوي بقوله: وَالظَّاهِر الخ. فغفلة كَمَا علم مِمَّا مر، من كَون الْأَئِمَّة أجابوا عَن الْإِفْرَاد فِي حَدِيث كَعْب بن عُجْرة وَغَيره بِأَن السَّلَام تقدم فِي التَّشَهُّد إذْ هَذَا تَصْرِيح مِنْهُم بِعُمُوم الْكَرَاهَة لما ورد فِيهِ الْإِفْرَاد أَيْضا وَأما الِاسْتِدْلَال بِأَن تَعْلِيم التَّسْلِيم تقدم قبل تَعْلِيم الصَّلَاة فأفردوا التَّسْلِيم مُدَّة فِي التَّشَهُّد، يُجَاب عَنهُ بِأَن الَّذِي قَالَه الْعلمَاء من كَرَاهَة الْإِفْرَاد إِنَّمَا هُوَ بعد اسْتِقْرَار الحكم، وَأما تَعْلِيم السَّلَام قبل الصَّلَاة فَلَا يدل على عدم كَرَاهَة الْإِفْرَاد، لِأَن تَأَخّر تَعْلِيم الصَّلَاة عَن السَّلَام كَانَ قبل مشروعيتها فِي الصَّلَاة، لتوقف الْخطاب بهَا فِيهَا على علم الْكَيْفِيَّة، فَقبل عِلْمِهم بكيفيتها لم يخاطبوا بهَا فِيهَا، فالإفراد لذَلِك فَحسب، وَحَيْثُ كَانَ الْإِفْرَاد فِي التَّشَهُّد قبل مَشْرُوعِيَّة الصَّلَاة فِيهِ انْتَفَى الِاسْتِدْلَال بذلك الْإِفْرَاد على عدم الْكَرَاهَة على
стр. 114
أَن الْجَواب الَّذِي أجابوا بِهِ عَن إِفْرَاد نَحْو الشَّافِعِي يُجَاب بِهِ عَن إِفْرَاد الروَاة. وَالْحَاصِل أَن قَول الْعلمَاء بِالْكَرَاهَةِ إِجْمَاع مِنْهُم عَلَيْهَا، وَالْإِجْمَاع لَا يُدْفع وَلَا يخصَّص بالأمور المحتملة فَلْيتَأَمَّل ذَلِك فَإِنَّهُ مهمّ.
٩٤ - وَسُئِلَ نفع الله بِعُلُومِهِ: عَن الْجمع بَين الرِّوَايَات فِي حَدِيث قَول سُلَيْمَان صلى الله على نَبينَا وَعَلِيهِ وَسلم (لأطوفنّ اللَّيْلَة على سبعين امْرَأَة) الحَدِيث؟ فَأجَاب بقوله: مُحَصل الرِّوَايَات فِي ذَلِك سِتُّونَ وَسَبْعُونَ وتسع وَسَبْعُونَ وَتسْعُونَ وَمِائَة، وَجمع بَينهمَا بِأَن السِّتين كنّ حرائر وَمَا زَاد عَلَيْهِم كن سراري أَو بِالْعَكْسِ، أَو السّبْعين للْمُبَالَغَة وَالتسْعين وَإِنَّمَا كنّ دون الْمِائَة وَفَوق السّبْعين، فَمن قَالَ تسعين ألغى الْكسر، وَمن قَالَ مائَة جبره وَفِيه نظر. فَفِي رِوَايَة ابْن عَسَاكِر عَن أبي هُرَيْرَة ﵁: (أَنه كَانَ لَهُ أَرْبَعمِائَة امْرَأَة وسِتمِائَة سَرِيَّة فَقَالَ يَوْمًا لأطوفن اللَّيْلَة على ألف امْرَأَة) الحَدِيث، فَالْأولى الْجمع بِأَنَّهُ قَالَ ذَلِك مَرَّات مُتعَدِّدَة اقْتصر فِي كل مِنْهَا على من كنّ مَعَه حينئذٍ، وَلَا يبعد أَنه قَالَ ذَلِك متكرراً وَنسي قَول إِن شَاءَ الله تَعَالَى فَلَا يلدْن لَهُ من ذكر.
٩٥ - وَسُئِلَ نفع الله بِعُلُومِهِ: مَا الْأَفْضَل لَا إِلَه إِلَّا الله أَو الْحَمد لله رب الْعَالمين؟ فَأجَاب بقوله: ظَاهر كَلَام الْأَئِمَّة وصريحه أَن الأول أفضل، وَاسْتدلَّ لَهُ بِخَبَر. (أفضل الذّكر لَا إِلَه إِلَّا الله وَأفضل الدُّعَاء الْحَمد لله) دلّ بمنطوقه على أنّ كلا من الْكَلِمَتَيْنِ أفضل نَوعه وبمفهومه على أَن الأولى أفضل لِأَن نوع الذّكر أفضل من نوع الدُّعَاء، وبالخبر الضَّعِيف (التَّوْحِيد ثمن الْجنَّة وَالْحَمْد ثمن كل نعْمَة) لِأَن الْجنَّة أفضل من جَمِيع النعم الدُّنْيَوِيَّة فَيكون ثمنهَا أفضل. فَإِن قلت: ورد (أَن لَا إِلَه إِلَّا الله بِعشر حَسَنَات وَالْحَمْد لله بِثَلَاثِينَ حَسَنَة) . قلت: قد يكون فِي الْمَفْضُول مزية لَيست فِي الْفَاضِل. فَإِن قلت: مَحل ذَلِك فِي غير زِيَادَة الثَّوَاب وَأما هِيَ فصريحة فِي التَّفْضِيل؟ قلت: إِنَّمَا تكون صَرِيحَة إِن صَحَّ سندها من غير معَارض.
٩٦ - وَسُئِلَ نفع الله بِهِ: (أول مَا خلق الله الْقَلَم) هَل ورد؟ فَأجَاب: نعم ورد بل صَحَّ من طرق، وَفِي رِوَايَة (أَن الله خلق الْعَرْش فَاسْتَوَى عَلَيْهِ أَي اسْتِوَاء يَلِيق بِجلَال ذَاته ثمَّ خلق الْقَلَم فَأمره أَن يجْرِي بِإِذْنِهِ، فَقَالَ: يَا رب بِمَ أجْرى؟ قَالَ: بِمَا أَنا خَالق وكائن فِي خلقي من قطر أَو نَبَات أَو نفس أَو أثر أَو رزق أَو أجل فَجرى الْقَلَم بِمَا هُوَ كَائِن إِلَى يَوْم الْقِيَامَة) ورجالها ثِقَات إِلَّا الضَّحَّاك بن مُزَاحم فوثقه ابْن حبَان وَقَالَ: لم يسمع من ابْن عَبَّاس وَضَعفه جمَاعَة: وَجَاء عَن ابْن عَبَّاس ﵄ مَوْقُوفا عَلَيْهِ وَأَن أول شَيْء خلقه الله الْقَلَم فَأمره أَن يكْتب كل شَيْء. وَرِجَاله ثِقَات، وَفِي رِوَايَة لِابْنِ عَسَاكِر مَرْفُوعَة: (إِن أول شَيْء خلقه الله الْقَلَم ثمَّ خلق النُّون وَهِي الدواة ثمَّ قَالَ لَهُ: اكْتُبْ مَا يكون أَو مَا هُوَ كَائِن) الحَدِيث. وروى ابْن جرير أَنه ﷺ قَالَ: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ [الْقَلَم: ١] قَالَ لوح من نور وقلم من نور يجْرِي بِمَا هُوَ كَائِن إِلَى يَوْم الْقِيَامَة.
٩٧ - وَسُئِلَ ﵁ عَن الْأَحَادِيث الشائعة: (لآيَة من كتاب الله خير من مُحَمَّد وَآل مُحَمَّد، وأحبوا الْبَنِينَ فَإِن الْبَنَات يُحبِّبن فِي أَنْفسهنَّ، وَأَنا جدُّ كل تَقِيّ. من جلس فَوق عَالم بِغَيْر إِذْنه فَكَأَنَّمَا جلس على الْمُصحف. من بشَّ فِي وَجه ذِمِّي فَكَأَنَّمَا لكزني فِي جَنْبي، اطلع ﷺ لَيْلَة الْمِعْرَاج على النَّار فَرَأى فِيهَا رجلا عَلَيْهِ حلل خُضْر وَيروح عَلَيْهِ بمراوح، فَقَالَ يَا جِبْرِيل من هَذَا؟ قَالَ حَاتِم الطَّائِي، إِن شَجَرَة كَانَت فِي بُسْتَان فَقطعت نِصْفَيْنِ فَجعل مِنْهَا نصف فِي الْقبْلَة وَالْآخر فِي مرحاض، فَشَكا إِلَى ربه فَأوحى إِلَيْهِ إِن لم تَنْتَهِ لأجعلنك فِي مجْلِس قَاض لَا يعرف الشَّرْع إيش هُوَ مَا الَّذِي يخفى، قَالَ مَا لَا يكون إِن آدم والطبقة الأولى من أَوْلَاده كَانُوا سِتِّينَ ذِرَاعا وَالثَّانيَِة أَرْبَعِينَ وَالثَّالِثَة عشْرين وَالرَّابِعَة سَبْعَة أَذْرع) . فَأجَاب بقوله: قَالَ الْحَافِظ الْجلَال السُّيُوطِيّ فِي الأول: لم أَقف عَلَيْهِ، وَفِي الثَّانِي: هَذَا لَا يعرف وَلم أَقف عَلَيْهِ فِي شَيْء من كتب الحَدِيث، وَفِي الثَّالِث: لَا أعرفهُ، وَفِي الرَّابِع وَالْخَامِس: لَا أصل لَهما، وَفِي السَّادِس وَالسَّابِع وَالثَّامِن: بَاطِلَة، وَفِي التَّاسِع: هَذَا الْعدَد الْمَخْصُوص فِي (الطَّبَقَات) لم يرد، وَإِنَّمَا ورد (أَن طول آدم سِتُّونَ ذِرَاعا وَإِن من بعده تناقص وَلم يزل النَّاس يتناقصون) . ٩٨ وَسُئِلَ: ﵁ عَن حَدِيث: (الْخلق عِيَال الله وأحبهم إِلَيْهِ أنفعهم لِعِيَالِهِ) هَل ورد؟ فَأجَاب: نعم ورد من طرق كَثِيرَة، لَكِنَّهَا ضَعِيفَة، وَلَفظ بَعْضهَا (الْخلق كلهم عِيَال الله وَتَحْت كنفه فَأحب الْخلق إِلَى الله من أحسن لِعِيَالِهِ وَأبْغض الْخلق إِلَى الله من ضيَّق على عِيَاله) .
٩٩ - وَسُئِلَ نفع الله بِهِ: عَن حَدِيث: (كَمَا
стр. 115
تَكُونُوا يول عَلَيْكُم) من رَوَاهُ. فَأجَاب: رَوَاهُ ابْن جَمِيع فِي (مُعْجَمه) ، وَذكر ابْن الْأَنْبَارِي أَن الرِّوَايَة: (كَمَا تَكُونُوا) بِحَذْف النُّون. ١٠٠ وَسُئِلَ نفع الله بِهِ: عَن حَدِيث: (إِن نَبيا من الْأَنْبِيَاء شكا الضعْف فَأمره الله بِأَكْل الْبيض) هَل ورد؟ فَأجَاب: نعم، ورد عِنْد الْبَيْهَقِيّ لكنه ضَعِيف جدا.
١٠١ - وَسُئِلَ نفع الله بِهِ: هَل لبس النَّبِي ﷺ السَّرَاوِيل؟ فَأجَاب بقوله: قَالَ السُّبْكِيّ فِي فَتَاوِيهِ: إِنَّه ﷺ اشْتَرَاهُ وَمَا لبسه ثمَّ صَار حسنا للستر. ١٠٢ وَسُئِلَ ﵁: هَل ورد أَنه ﷺ لبس السَّرَاوِيل؟ فَأجَاب بقوله: فال السُّبْكِيّ: اشْتَرَاهُ ﷺ وَلم يلْبسهُ، وَنَقله التقيّ الشمني فِي (حَاشِيَة الشِّفَاء) عَن غَيره أَيْضا حَيْثُ قَالَ: قَالُوا لم يثبت أَنه ﷺ لبس السَّرَاوِيل وَلكنه اشْتَرَاهَا وَلم يلبسهَا، وَفِي (الْمهْدي) لِابْنِ قيم الجوزية أَنه لبسهَا، قَالُوا: وَهُوَ سبق قلم انْتهى. لَكِن روى أَبُو يعلى فِي (مُسْنده) وَالطَّبَرَانِيّ فِي (مُعْجَمه) الْأَوْسَط بِسَنَد ضَعِيف عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: (دخلت يَوْمًا السُّوق مَعَ رَسُول الله ﷺ فَجَلَسَ إِلَى البزازين فَاشْترى سَرَاوِيل بأَرْبعَة دَرَاهِم، وَكَانَ لأهل السُّوق وزان فَقَالَ لَهُ ﷺ : اتزن وأرجح، وَأخذ رَسُول الله ﷺ السَّرَاوِيل، فذهبتُ لأحمله عَنهُ فَقَالَ: صَاحب الشَّيْء أَحَق بشيئه أَن يحملهُ إِلَّا أَن يكون ضَعِيفا يعجز عَنهُ فيعينه أَخُوهُ الْمُسلم. قلت: يَا رَسُول الله وَإنَّك لتلبس السَّرَاوِيل؟ قَالَ: أجلْ فِي الْحَضَر وَالسّفر وبالليل وَالنَّهَار، فَإِنِّي أمرتُ بالستر فَلم أجد شَيْئا أستر مِنْهُ) . ١٠٣ وَسُئِلَ نفع الله بِهِ: عَن المُرَاد بأخوات هود فِي حَدِيث (شيبتني هود وَأَخَوَاتهَا) ؟ فَأجَاب بقوله: المُرَاد بِهن (الْوَاقِعَة والمرسلات وعمّ والتكوير) رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَالْحَاكِم، وَالطَّبَرَانِيّ (والحاقة) وَابْن مرْدَوَيْه (وَهل أَتَاك) وَابْن سعد (وَالْقَارِعَة وَسَأَلَ سَائل واقتربت السَّاعَة) . ١٠٤ وَسُئِلَ نفع الله بِهِ، بِمَا لَفظه: أَخذ ابْن حبَان من حَدِيث: (إِنِّي أَبيت عِنْد رَبِّي يطعمني ويسقيني) بطلَان. حَدِيث: (أَنه ﷺ كَانَ يضع الْحجر على بَطْنه من الْجُوع) لِأَنَّهُ إِذا أطْعم وَسَقَى مَعَ المواصلة فَكيف يتْرك جائعاً مَعَ عدمهَا. قَالَ: وَالصَّوَاب أَنه الحجز بالزاي وَهُوَ طرف الْإِزَار فتصحف بالراء صَحِيح أم لَا؟ فَأجَاب بقوله: لَيْسَ مَا قَالَه بِصَحِيح إذْ لَا مُنَافَاة بَين الْحَدِيثين، وَأي جَامع بَين حَالَة الْوِصَال وَحَالَة غَيرهَا حَتَّى يسْتَدلّ بِتِلْكَ على هَذِه إِذْ للصَّائِم تكرمات على غَيره، وَلَا مَانع من حُصُول الْجُوع لَهُ فِي بعض الأحيان على قَضِيَّة الِابْتِلَاء الَّذِي يحصل للأنبياء تَعْظِيمًا لَهُم. كَمَا قَالَ فِي الحَدِيث الآخر: (أجوع يَوْمًا وَأَشْبع يَوْمًا) وكما قَالَ جَابر فِي حَدِيثه لامْرَأَته: سَمِعت صَوت رَسُول الله ﷺ ضَعِيفا أعرف فِيهِ الْجُوع.
١٠٥ - وَسُئِلَ نفع الله بِهِ: هَل يجوز قِرَاءَة سيرة البكرى؟ فَأجَاب بقوله: لَا يجوز قرَاءَتهَا لِأَن غالبها بَاطِل وَكذب، وَقد اخْتَلَط فَحرم الْكل حَيْثُ لَا مُمَيّز.
١٠٦ - وَسُئِلَ ﵁: هَل ورد (لَو كَانَ بعدِي نبيّ لَكَانَ عمر بن الْخطاب) ؟ فَأجَاب بقوله: نعم، رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَالطَّبَرَانِيّ. ١٠٧ وَسُئِلَ ﵁: هَل ورد (أَن الْأَحْجَار سلمت عَلَيْهِ ﷺ حَتَّى البلور، وَأَنَّهَا إِذا سَمِعت الصَّلَاة عَلَيْهِ تصلي عَلَيْهِ. وَأَن من كتب اسْمه الشريف فِي رق بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ تصلي عَلَيْهِ تِلْكَ الأحرف) . فَأجَاب بقوله: الأول ثَبت من طرق صَحِيحَة بِخِلَاف مَا ذكر فِي البلور وَمَا بعده مِمَّا ذكر فَإِنَّهُ لم يرد فِيهِ شَيْء. نعم ورد: (أَن مَنْ صلى عَلَيْهِ ﷺ فِي كتاب لم تزل الْمَلَائِكَة تصلي عَلَيْهِ أَي على الْمُصَلِّي مَا دَامَ اسْمه الشريف فِي ذَلِك الْكتاب) .
١٠٨ - وَسُئِلَ ﵁ بِمَا لَفظه: مَا الْجمع بَين خبر (خلق الْأَرْوَاح قبل الْأَجْسَام بألفي عَام) وَقَالَ ابْن عَبَّاس ﵄: بأَرْبعَة آلَاف سنة، وَخلق الأرزاق قبل الْأَرْوَاح بأَرْبعَة آلَاف سنة. فَأجَاب بقوله: مَا ذكر عَن ابْن عَبَّاس ﵄ بَاطِل لَا أصل لَهُ، وَالْأول ضَعِيف جدا فَلَا يعوّل عَلَيْهِ، نعم صَحَّ (أَن الله قدر الْمَقَادِير قبل أَن يخلق السَّمَوَات وَالْأَرْض بِخَمْسِينَ ألف سنة) وَذَلِكَ شَامِل للأرزاق. ١٠٩ وَسُئِلَ نفع الله بِهِ: عَن بحيراً المبشر بِهِ ﷺ هَل كَانَ ذَلِك قبل الْبعْثَة وَهل مَاتَ مُسلما؟ فَأجَاب بقول: نعم كَانَ قبل الْبعْثَة بدهر طَوِيل؛ فَفِي (طَبَقَات ابْن سعد) و (دَلَائِل أبي نعيم) : أَن سنه ﷺ كَانَ إِذْ ذَاك اثْنَتَيْ عشرَة سنة. وَفِي رِوَايَة لِابْنِ مَنْدَه: وسنه عشرُون سنة. وَفِي (الْإِصَابَة) مَا أَدْرِي هَل أدْرك الْبعْثَة أم لَا؟ وَقد ذكره ابْن مَنْدَه وَأَبُو نعيم فِي الصَّحَابَة، وَبِالْجُمْلَةِ فقد مَاتَ على دين حق وَهُوَ إِن لم يكن أدْرك الْبعْثَة فقد أدْرك دين النَّصْرَانِيَّة قبل نسخه بالبعثة المحمدية.
١١٠ - وَسُئِلَ نفع الله بِهِ: وَهل ورد (أَنه ﷺ شمتته الْمَلَائِكَة عِنْد وِلَادَته لعطاسه حينئذٍ) . فَأجَاب بقوله: الْوَارِد فِي ذَلِك حَدِيث أبي نعيم عَن الشِّفَاء أم عبد الرَّحْمَن بن عَوْف ﵄ (أَنه
стр. 116
صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لما ولد وَقع على يَدهَا فاستهلّ فَسمِعت قَائِلا يَقُول: رَحِمك الله أَو رَحِمك رَبك) الحَدِيث، والاستهلال صياح الْمَوْلُود أول مَا يُولد، فَإِن أُرِيد بِهِ هناالعطاس فمحتمل، وَحمل الْقَائِل الْمَذْكُور على الْملك ظَاهر. ١١١ وَسُئِلَ نفع الله بِهِ: هَل ورد (الْحمى بريد الْمَوْت) مَعَ أَن كل حمى لَيست كَذَلِك. فَأجَاب بقوله: الحَدِيث ضَعِيف: أَي رَسُوله الَّذِي يتقدمه كَمَا يتَقَدَّم الرائد قومه، وَلَا يُنَافِي ذَلِك عدم استلزامها لَهُ، لِأَن الْأَمْرَاض كلهَا من حَيْثُ هِيَ مُقَدمَات للْمَوْت ومنذرات بِهِ، وَإِن أفضتْ إِلَى سَلامَة جعلهَا الله تذكرة لِابْنِ آدم يتَذَكَّر بهَا الْمَوْت. ١١٢ وَسُئِلَ نفع الله بِهِ: عَن لُذْعة النَّار الَّتِي قد تكون شِفَاء كَمَا فِي الحَدِيث بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة والغين كَذَلِك أَو بِالْمُهْمَلَةِ أَو الْمُعْجَمَة. فَأجَاب بقوله: هِيَ بِمُعْجَمَة فمهملة الْخَفِيف من حرق النَّار لَا بِمُهْملَة فمعجمة كَمَا ينْطق بهَا الْعَوام. ١١٣ وَسُئِلَ نفع الله بِهِ: عَن حَدِيث (زَينُوا مجالسكم بِالصَّلَاةِ عليّ فَإِن صَلَاتكُمْ تبلغني وَتعرض عليّ) هَل ورد؟ فَأجَاب بقوله: هُوَ حَدِيث ضَعِيف لَكِن بِلَفْظ (فَإِن صَلَاتكُمْ عليّ نور لكم يَوْم الْقِيَامَة) ، وَأما (فَإِن صَلَاتكُمْ تعرض عليّ أَو تبلغني) فقطعة من حَدِيث آخر ثَابت قوي.
١١٤ - وَسُئِلَ نفع الله بِهِ: هَل ورد فِي الْغَزل شَيْء؟ فَأجَاب بقوله: أخرج ابْن عَسَاكِر عَن زِيَاد بن عبد الله الْقرشِي قَالَ: دخلت على هِنْد بنت الْمُهلب بن أبي صفرَة وَهِي امْرَأَة الْحجَّاج بن يُوسُف فَرَأَيْت فِي يَدهَا مغزلاً تغزل بِهِ فَقلت أتغزلين وَأَنت امْرَأَة أَمِير. قَالَت: سَمِعت أبي يَقُول: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (أَطْوَلكُنَّ طَاقَة أعظمكن أجرا وَهُوَ يطرد الشَّيْطَان وَيذْهب بِحَدِيث النَّفس) . وَأخرج أَيْضا بِسَنَد فِيهِ مَتْرُوك حَدِيث (عمل الْأَبْرَار من الرِّجَال الخِياطة، وَعمل الْأَبْرَار من النِّسَاء الْغَزل) . وَأخرج أَيْضا عَن الزياد بن أبي السكن قَالَ: دخلت على أم سَلمَة وبيدها مغزل تغزل بِهِ فَقلت: كلما أَتَيْتُك وجدتُ فِي يدك مِغْزلاً. فَقَالَت: إِنَّه يطرد الشَّيْطَان وَيذْهب بِحَدِيث النَّفس، وَإنَّهُ بَلغنِي أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: (إِن أعظمكن أجرا أَطْوَلكُنَّ طَاقَة) . وروى: (زَينُوا مجَالِس نِسَائِكُم بالمغزل) وَفِي سَنَده من هُوَ مَتْرُوك الحَدِيث كَذَّاب. ١١٥ وَسُئِلَ نفع الله بِعُلُومِهِ: لم رَجَعَ ﷺ الْقَهْقَرَى فِي قَضيته مَعَ عَمه حَمْزَة ﵁ لما دخل عَلَيْهِ فَوَجَدَهُ سَكرَان. فَأجَاب بقوله: كَانَ حَمْزَة ﵁ ثَمِلاً قبل تَحْرِيم الْخمر، فخشى إِن ولاه ظَهره الشريف أَن يثب عَلَيْهِ، أَو قصد أَن يلحظ مِنْهُ مَا يصنعه بعد، أَو كَانَ هَذَا قبل النَّهْي عَن الارتجاع الْقَهْقَرَى، أَو كنى الرَّاوِي بذلك عَن الرُّجُوع للبيت لَا بِالظّهْرِ، كَذَا قيل وَهُوَ بعيد. ١١٦ وَسُئِلَ ﵁: عَن حَدِيث (اللَّهُمَّ من أحببته أقلل مَاله وَولده) من رَوَاهُ؟ فَأجَاب بقوله: أخرجه ابْن مَاجَه فِي (سنَنه) وَالطَّبَرَانِيّ وَلَفظه: (اللَّهُمَّ من آمن بِي وصدقني وَعلم أَن مَا جِئْت بِهِ هُوَ الْحق من عنْدك فأقلل مَاله وَولده وحبب إِلَيْهِ لقاءك وَعجل لَهُ الْقَضَاء، وَمن لم يُؤمن بِي وَلم يصدقني وَلم يعلم أَن مَا جِئْت بِهِ هُوَ الْحق من عنْدك فَأكْثر مَاله وَولده وأطل عمره) وَسَنَده صَحِيح إِلَّا أَن رَاوِيه اخْتلف فِي صحبته. وَأخرج سعيد بن مَنْصُور (اللَّهُمَّ من أبغضني وعصاني فَأكْثر لَهُ من المَال وَالْولد، اللَّهُمَّ من أَحبَّنِي وأطاعني فارزقه الكفاف، اللَّهُمَّ ارْزُقْ آل مُحَمَّد الكفاف اللَّهُمَّ رزق يَوْم بِيَوْم) .
١١٧ - وَسُئِلَ نفع الله بِهِ بِمَا لَفظه: (من لم يكن عِنْده صَدَقَة فليلعن الْيَهُود) هَل ورد؟ فَأجَاب بقوله: نعم، رَوَاهُ السلَفِي والديلمي وَابْن عديّ. ١١٨ وَسُئِلَ ﵁: مَا معنى حَدِيث (حَياتِي خير لكم وموتي خير لكم) ؟ فَأجَاب بقوله: الْإِشْكَال إِنَّمَا يَأْتِي على تَقْدِير خير أفعل تَفْضِيل وَلَيْسَ كَذَلِك، وَإِنَّمَا هِيَ للتفضيل لَا للأفضلية نَحْو: ﴿أَفَمَن يُلْقَىافِى النَّارِ خَيْرٌ﴾ [فصلت: ٤٠] ، ﴿خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً﴾ [الْفرْقَان: ٢٤] فَفِي كل من حَيَاته وَمَوته ﷺ خير إِلَّا أَن أَحدهمَا أخير من الآخر، وَخير يُرَاد بهَا كل من الْأَمريْنِ، فَإِن أُرِيد بهَا مُجَرّد التَّفْضِيل فضدها الشَّرّ وَلَا حذف فِيهَا وتأنيثها خيرة وَجَمعهَا خيرات وَهِي الفاضلات من كل شَيْء، وَإِن أُرِيد بهَا الْأَفْضَلِيَّة وصلت بِمن وَكَانَ أَصْلهَا أخير حذفت همزتها تَخْفِيفًا ويقابلها شَرّ الَّتِي أَصْلهَا أشر، وَلَا تؤنث وَلَا تثنى وَلَا تجمع.
١١٩ - وَسُئِلَ نفع الله بِهِ: عَن كِتَابَة الحافظين بِمَاذَا؟ فَأجَاب بقوله: ورد أَن مِدَادهمَا الرِّيق، وأقلامهما أَلْسِنَة الْخلق، وَلم يرد تعْيين البطاقة الَّتِي يكتبان فِيهَا.
١٢٠ - وَسُئِلَ ﵁: عَن الشمع هَل كَانَ مَوْجُودا فِي حَيَاته ﷺ ؟ فَأجَاب بقوله: قَالَ الْحَافِظ السُّيُوطِيّ: إِنَّه كَانَ مَوْجُودا قبل الْبعْثَة كَمَا ذكره العسكري فِي الْأَوَائِل: أَن أول من أوقد لَهُ الشمع جذيمة بن مَالك الأبرش، بل ورد فِي حَدِيث (إِنَّه أوقد للنَّبِي ﷺ عِنْد دَفنه عبد الله ذَا البجادين) .
١٢١ - وَسُئِلَ نفع الله بِعُلُومِهِ: هَل تَمُوت الْحور والولدان وزبانية النَّار؟
стр. 117
فَأجَاب بقوله: لَا يموتون، وهم مِمَّن دخل فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلَّا من شَاءَ الله﴾ وَأما الْمَلَائِكَة فيموتون بالنصوص وَالْإِجْمَاع، ويتولى قبض أَرْوَاحهم ملك الْمَوْت، وَيَمُوت ملك الْمَوْت بِلَا ملك الْمَوْت.
١٢٣ - وَسُئِلَ ﵁: هَل ورد فِي حَدِيث (الطَّاعُون وخز إخْوَانكُمْ) وَهل استعاذ ﷺ ، مِنْهُ وَهل ورد (مَا أَنه لَا يؤلف تَحت الأَرْض) ؟ فَأجَاب بقوله: الْمَحْفُوظ (وخز أعدائكم) وَلم يرد إخْوَانكُمْ كَمَا قَالَه الْحفاظ، وَلم ترد استعاذته ﷺ مِنْهُ بل دَعَا بِهِ وَطَلَبه لأمته فِي حَدِيث أبي يعلى. وَأخرج أَحْمد عَن معَاذ (إِن الطَّاعُون شَهَادَة وَرَحْمَة ودعوة نَبِيكُم) قَالَ أَبُو قلَابَة: فَعرفت الشَّهَادَة وَلم أدر مَا دَعْوَة نَبِيكُم حَتَّى أُنبئت أَن رَسُول الله ﷺ بَيْنَمَا هُوَ (ذَات لَيْلَة يُصَلِّي إذْ قَالَ فِي دُعَائِهِ: فحُمَّى إذنْ أَو طاعوناً ثَلَاث مَرَّات، فَلَمَّا أصبح قَالَ لَهُ إِنْسَان من أَهله: يَا رَسُول الله قد سَمِعتك اللَّيْلَة تَدْعُو بِدُعَاء. قَالَ: وسمعته؟ قَالَ: نعم، قَالَ: إِنِّي سألتُ رَبِّي أَن لَا يُهلك أمتِي بِسنة فَأَعْطَانِيهَا، وسألتُهُ أَن لَا يُسلّط عَلَيْهِم عدوا غَيرهم فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلته أَن لَا يُلْبسَهم شيعًا وَلَا يُذِيق بَعضهم بَأْس بعض فَأبى عليَّ فقلتُ: فحُمَّى إذنْ أَو طاعوناً ثَلَاث مَرَّات) . وَأخرج أَحْمد وَغَيره حَدِيث: (اللَّهُمَّ اجْعل فَنَاء أمتِي قَتْلاً فِي سَبِيلك بالطَعن والطاعون) .
١٢٣ - وَسُئِلَ ﵁: عَن الدرَّة الفاخرة هَل هِيَ مَوْضُوعَة على الْغَزالِيّ، وَمَا فِيهَا من أَن الشَّيَاطِين يأْتونَ المحتضر على صفة أَبَوَيْهِ فِي زِيِّ يهود ونصارى، حَتَّى يعرضُوا عَلَيْهِ كل مِلَّة ليُضِّلوه وَهل يحضر جِبْرِيل الْمُؤمن عِنْد مَوته؟ فَأجَاب بقوله: لَيست مَوْضُوعَة عَلَيْهِ فقد نَسَبهَا إِلَيْهِ الأكابر. نعم النّسخ الْمَوْجُودَة مِنْهَا الْآن مُشْتَمِلَة على أَلْفَاظ ركيكة، وَأَشْيَاء غير مُسْتَقِيمَة الْإِعْرَاب، وَالظَّاهِر أَن ذَلِك من تَغْيِير النساخ لِكَثْرَة تداول أَيدي الْعَوام عَلَيْهَا، وَقد نقل الْحَافِظ ابْن حجر عَنْهَا مَا لَيْسَ فِيهَا الْآن فَدلَّ على تحريفها. قَالَ الْحَافِظ السُّيُوطِيّ: لم يرد ذَلِك بل مَا يقرب مِنْهُ وَهُوَ حَدِيث أبي نعيم: (أحْضرُّوا مَوْتَاكُم ولقنِّوهم لَا إِلَه إِلَّا الله وبشرِّوهم بِالْجنَّةِ، فَإِن الْحَلِيم من الرِّجَال وَالنِّسَاء يَتَحيَّر عِنْد ذَلِك المَصْرع، وَإِن الشَّيْطَان أقْرَبُ مَا يكون من ابْن آدم عِنْد ذَلِك المَصْرَع) . وَفِي مُرْسل جيد الْإِسْنَاد (وَأقرب مَا يكون عدوّ الله من الْإِنْسَان سَاعَة طُلُوع روحه) . وَأخرج الطَّبَرَانِيّ عَن مَيْمُونَة بنت سعد قَالَت: (قلت: يَا رَسُول الله أَيَنَامُ الْجنب؟ قَالَ: مَا أحب أَن ينَام الْجنب حَتَّى يتَوَضَّأ إِنِّي أَخَاف أَن يتوفى فَلَا يحضرهُ جِبْرِيل) فَدلَّ هَذَا الحَدِيث بمفهومه على أَن جِبْرِيل ﵊ يحضر الْمَوْتَى، وعَلى أَن الْجَنَابَة مَانِعَة لحضوره دون الْحَدث الْأَصْغَر، وَفِي حَدِيث ضَعِيف جدا (أَن جِبْرِيل قَالَ للنَّبِي ﷺ قبيل وَفَاته: هَذَا آخر وطأتي فِي الأَرْض) وَلَو صَحَّ لم يُعَارض نُزُوله بعد لِأَن الْمَنْفِيّ نُزُوله بِالْوَحْي، فقد صحت الْأَحَادِيث أَنه ينزل لَيْلَة الْقدر، وعَلى أَنه ينزل على عِيسَى صلى الله على نَبينَا وَعَلِيهِ وَسلم بِهِ كَمَا اقْتَضَاهُ ظَاهر خبر مُسلم. ١٢٤ وَسُئِلَ نفع الله بِعُلُومِهِ: عَن الْجمع بَين قَوْله ﷺ : (اللَّهُمَّ إِنِّي اتَّخِذُ عنْدك عهدا لَا تُخْلِفْينه فَإِنَّمَا أَنا بشر فأيَّ الْمُؤمنِينَ آذيته أَو سَببْته أَو لعنْتُهُ أَو جَلَدْتُه فاجعلها لَهُ صَلَاة وَزَكَاة وقُربة تقربه بهَا إِلَيْك يَوْم الْقِيَامَة) . وَصَحَّ (أَنه ﷺ دفع إِلَى حَفْصَة رجلا وَقَالَ: احْتَفِظِي بِهِ، فغفلتْ عَنهُ وَمضى فَقَالَ لَهَا ﷺ : قطع الله يدك ففزعتْ، فَقَالَ: إِنِّي سَأَلت رَبِّي ﵎ أَيّمَا إِنْسَان من أمتِي دَعَوْت الله عَلَيْهِ أَن يَجْعَلهَا لَهُ مغْفرَة) وَبَين قَوْله: (اللَّهُمَّ مَنْ وليَ من أَمر أمتِي شَيْئا فشَقَّ عَلَيْهِم فاشْقُق اللَّهُمَّ عَلَيْهِ) فَإِنَّهُ بِالنّظرِ للحديثين الْأَوَّلين دُعَاء لَهُ لَا عَلَيْهِ فينافي المُرَاد؟ فَأجَاب بقوله: لَا مُنَافَاة لِأَن الْأَوَّلين فِي الدُّعَاء بِغَيْر سَبَب والأخير دُعَاء بِسَبَب. وَأَيْضًا فالأولان فِي دُعَاء على معِين والأخير على مُبْهم، وَقد صرح ابْن القَاضِي وَإِمَام الْحَرَمَيْنِ بِأَن مِنْ خَصَائِصه ﷺ أَنه يجوز لَهُ الدُّعَاء على من شَاءَ بِغَيْر سَبَب، وَيكون فِيهِ من الْفَوَائِد مَا أَشَارَ إِلَيْهِ فِي الْحَدِيثين الْأَوَّلين. ١٢٥ وَسُئِلَ نفع الله بِهِ: عَن حَدِيث (أذيبوا طَعَامكُمْ بِذكر الله وَالصَّلَاة، وَلَا تناموا عَلَيْهِ تَغْفل قلوبُكم) من رَوَاهُ؟ فَأجَاب بقوله: رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) وَابْن السّني. ١٢٦ وَسُئِلَ نفع الله بِعُلُومِهِ: عَن معنى قَول الشَّيْخ نجم الدّين الْكَبِير: إنَّ الذّكر يقْطع لُقيمات الْحَرَام؟ فَأجَاب بقوله: هُوَ مَحْمُول على لقيمات يسيرَة كَمَا أَفَادَهُ التصغير يأكلها الْإِنْسَان فِي وَقت غَلَبَة الْحَرَام على أهل الدُّنْيَا، كَمَا فِي زَمَاننَا هَذَا فَإِن ذَلِك يُباح لَهُ شرعا، وَقد قَالَ ابْن عبد السَّلَام وَغَيره: لَو عمَّ الْحَرَام الدُّنْيَا جَازَ للْمُسلمِ
стр. 118
أَن يَأْكُل مِنْهُ قَدْر الْقُوت، كَمَا يُبَاح للمضطَّر أكل الْميتَة، وَفِي مَعْنَاهُ قيل: لَو كَانَت الدُّنْيَا دَمًا عَبِيطاً لَكَانَ قوت الْمُؤمن مِنْهَا حَلَالا، وَمَعَ إِبَاحَته شرعا لَا يَخْلُو عَن إظلامه للقلب فالذكر ينوره بمحو تِلْكَ الظُلْمة كَمَا أَن الدَّوَاء يذهب الأخلاط المتولدة من الْغذَاء المذموم ويقطعها ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] .
١٢٧ - وَسُئِلَ نفع الله بِهِ بِمَا لَفظه: روى الْبَيْهَقِيّ عَن أبي الضُّحَى عَن ابْن عَبَّاس ﵄ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأٌّرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأٌّمْرُ بَيْنَهُنَّ لِّتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَىْءٍ عِلْمَا﴾ [الطَّلَاق: ١٢] قَالَ: سبع أَرضين فِي كل أَرض نبيّ كنبيكم وآدَم كآدمكم ونوح كنوحكم وَإِبْرَاهِيم كإبراهيمكم وَعِيسَى كعيساكم ثمَّ صحّح سَنَده إِلَّا أَن أَبَا الضُّحَى تفرد بِهِ عَن ابْن عَبَّاس. وحينئذٍ فَهَل هَؤُلَاءِ إنس أَو غَيرهم متعبد بِمثل مَا شرع لمثله ومقارن لَهُ فِي زَمَنه؟ فَأجَاب بقوله: صَححهُ الْحَاكِم أَيْضا، لَكِن ذكر الْبَيْهَقِيّ فِي الشّعب أَنه شَاذ الْمَتْن بالمرة. قَالَ الْحَافِظ السُّيُوطِيّ: وَهَذَا الْكَلَام فِي غَايَة الْحسن فَإِنَّهُ لَا يلْزم من صِحَة الْإِسْنَاد صِحَة الْمَتْن لاحْتِمَال صِحَة الْإِسْنَاد وَيكون فِي الْمَتْن شذوذ أَو عِلّة تمنع صِحَّته، وَإِذا تبين ضعف الحَدِيث أغْنى ذَلِك عَن تَأْوِيله لِأَن مثل هَذَا الْمقَام لَا تقبل فِيهِ الْأَحَادِيث الضعيفة، وَيُمكن أَن يؤول على أَن المُرَاد بهم النّذر الَّذين كَانُوا يبلغون الْجِنّ عَن أَنْبيَاء الْبشر، وَلَا يبعد أَن يُسمى كل مِنْهُم باسم النَّبِي الَّذِي بلغ عَنهُ وَالله أعلم.
١٢٨ - وَسُئِلَ نفع الله بِعُلُومِهِ، بِمَا لَفظه: أصلح الله السَّادة الْأَعْلَام القائمين بشريعة سيد الْأَنَام صلى الله عَلَيْهِ وعَلى آله الْكِرَام نفعنا الله بهم وبسلفهم، وبمشايخهم على الدَّوَام آمين يَا رب الْعَالمين: مَا الْحِكْمَة فِي خُصُوصِيَّة الشّرف من ذُرِّيَّة سيدنَا عليّ وَفَاطِمَة ﵄ دون سَائِر بَنَات النَّبِي ﷺ ؟ أجيبونا جَوَابا شافياً مُفِيدا مَبْسُوطا يَسْتَفِيد مِنْهُ البليد، ويتملى مِنْهُ المستفيد، وَلكم على الله جزيل الثَّوَاب وَحسن المآب لَا عدمكم الْمُسلمُونَ، وَمِمَّا يتَعَلَّق بِهَذَا السُّؤَال إِذا ادَّعى مدَّع أَنه من بعض فروع هَذِه الشَّجَرَة، وَأَنه من العَتَرة المطهَّرة، وَلَيْسَت لَهُ قَرَائِن تدل على ذَلِك وَلَا دَلِيل يدل على مَا هُنَالك، وَمعنى الْقَرَائِن الْمَذْكُورَة لُزُوم الْآدَاب المرضِيَّة والأخلاق النَّبَوِيَّة والأعراض الزكية وَالصِّفَات المحمدية والتخلق بِكُل خُلُق حسنٍ، والتحلي بِكُل فعل جميل مدى الزَّمن، والتحببُّ إِلَى جَمِيع الْخلق بِمَا أمكن، فَهَذِهِ الصِّفَات المحمودة فِي جَمِيع العَتْرة الطاهرة مَوْجُودَة فَإِذا لم يُوجد شَيْء من هَذِه الصِّفَات وَمَا ظهر إِلَّا غَيرهَا من العُكُوسات، وَالْوُقُوف مَعَ التُرَّهات، والوقوع فِي أَعْرَاض أهل الْعلم وَحَملَة الْقُرْآن، والخوض فِيمَا لَا يجوز لكل إِنْسَان، والمُعاندة لكل سالك، والحسد الْمُؤَدِّي بِصَاحِبِهِ إِلَى المهالك، وَالسَّعْي بالْكلَام المزور بَين الأحباب فِي الله بِمَا لَا يكون وَلَا يتَصَوَّر، وَغير ذَلِك مِمَّا لَيْسَ يُمكن ذكره وَلَا يحصر، فَهَل يصدق الْمَذْكُور وَهَذِه صِفَاته، أم كَيفَ تتَصَوَّر هَذِه النِّسْبَة، وَقد ظَهرت مخالفاته وَهل تسلم لَهُ هَذِه الدَّعْوَى، وَلم يقم لَهَا سَنَد ضَعِيف وَلَا قوي؟ فبينوا لنا الْجَواب أعانكم الله على الْبر وَالتَّقوى فإنَّ هَذِه الْبلوى فِي هَذَا الزَّمن قد عمَّت قُطْرُ الْيمن، وخبط فِيهَا النَّاس خَبْط عَشْواء، واتَّبعوا فِيهَا الْأَهْوَاء وَلكم من الله الْكَرِيم جزيل ثَوَابه الْعَظِيم وحُسْن مآبه الجسيم، ووابل عطائه العميم إِنَّه جواد كريم غَفُور رَحِيم؟ . فَأجَاب بقوله: الْحِكْمَة فِي ذَلِك وَالله أعلم مَا اخْتصّت بِهِ فَاطِمَة رضوَان الله عَلَيْهَا من المزايا الْكَثِيرَة على أخواتها: مِنْهَا مَا ورد أَن الله زَوجهَا لعَلي كرم الله وَجهه فِي السَّمَاء قبل أَن يَتَزَوَّجهَا فِي الأَرْض. وَمِنْهَا: تمييزها عليهنّ بِأَنَّهَا سيدة نسَاء أهل الْجنَّة. وَمِنْهَا: تمييزها عليهنّ بتسميتها بالزهراء إِمَّا لعدم كَونهَا لَا تحيض من غير عِلَّة فَكَانَت كنساء الْجنَّة، وإمَّا كَونهَا على ألوان نسَاء الْجنَّة أَو لغير ذَلِك، فَهَذِهِ الْمَذْكُورَات وَنَحْوهمَا مِمَّا امتازت بِهِ من الْفَضَائِل لَا يبعد أَن تكون هِيَ الْحِكْمَة فِي بَقَاء نسلها فِي الْعَالم أَمْناً لَهُ من عُمُوم الْفِتَن والمحن، كَمَا أخبر الصَّادِق المصدوق ﷺ بذلك بِأَنَّهُم فِي ذَلِك كالقرآن بقوله: (إِنِّي تَارك فِيكُم الثقلَيْن كتاب الله وعَتْرتي لن تَضِلُّوا مَا استمسكتم بهما أبدا) وَأما الشّرف الناشىء عَمَّا فيهم من الْبضْعَة الْكَرِيمَة فَلَا يخْتَص بأولاد فَاطِمَة، فقد صرح الْمُحَقِّقُونَ بِأَنَّهُ لَو عَاشَ نسل زَيْنَب من أبي الْعَاصِ، أَو رقية وَأم كُلْثُوم من عُثْمَان ﵃ لَكَانَ لَهما من الشّرف والسيادة مَا لنسل فَاطِمَة ﵂. ثمَّ إِذا تقرر ذَلِك فمنْ عُلمتْ نسبته إِلَى آل الْبَيْت النَّبَوِيّ والسر الْعلوِي لَا يُخرجهُ عَن ذَلِك عَظِيم جِنَايَته وَلَا عدم ديانته وصيانته، ومِنْ ثمَّ قَالَ بعض الْمُحَقِّقين: مَا مِثَال الشريف الزَّانِي أَو الشَّارِب أَو السَّارِق مثلا إِذا أَقَمْنَا عَلَيْهِ الْحَد إِلَّا كأمير أَو سُلْطَان تلطَّختْ رِجْلَاهُ بقذر فَغسله عَنْهُمَا بَعْضُ
стр. 119
خَدَمتِهِ، وَلَقَد برّ فِي هَذَا الْمِثَال وحقق، وليتأمل قَول النَّاس فِي أمثالهم: الْوَلَد الْعَاق لَا يحرم الْمِيرَاث، نعم الْكفْر إنْ فرض وُقُوعه لأحد من أهل الْبَيْت وَالْعِيَاذ بِاللَّه، هُوَ الَّذِي يقطع النِسْبة بَين مَنْ وَقع مِنْهُ وَبَين شرفه ﷺ ، وَإِنَّمَا قلتُ إنْ فُرِض لأنني أكاد أَن أَجْزم أنَّ حَقِيقَة الكُفْر لَا تقع مِمَّن عُلِم اتِّصَال نسبه الصَّحِيح بِتِلْكَ الْبضْعَة الْكَرِيمَة حاشاهم الله من ذَلِك، وَقد أحَال بَعضهم وُقُوع نَحْو الزِّنَا أَو اللواط مِمَّن عُلِم شرفُهُ فَمَا ظَنك بالْكفْر، هَذَا كُله فِيمَن عُلِم شرفُهُ كَمَا تقرر، وأمَّا مَنْ يُشك فِي شرفه فإنْ ثَبت نسبه بِوَجْه شَرْعِي وَجب على كل أحد تَعْظِيمه بِمَا فِيهِ من الشّرف وَالْإِنْكَار على مَا فِيهِ من الْخلال الَّتِي تُنْكر شرعا، لما تقرَّر أَنه لَا يلْزم من الشّرف عدم الْفسق، وإنْ لم يثبتْ نسبُه شَرْعاً، وادَّعَاه وَلم يعلم كَذِبُه تعيَّن التَّوَقُّف عَن تَكْذِيبه، لِأَن النَّاس مأمونون على أنسابهم فليسلَّم لَهُ حَاله، وَلَا يَنْبَغِي للْإنْسَان أَن يتحسَّى سُماً وَهُوَ قَادر على السَّلامَة، وَإِذا كَانَ المنسوبون لرجل صَالح يتوقاهم النَّاس ويعظمونهم لأجل ذَلِك، فَمَا بالك بالمنسوبين إِلَى سيدِّ الْخلق كلهم ﷺ وَشرف وكرم، وحَشَرَنا فِي زُمْرة محبيه ومحيي آله وَأَصْحَابه آمين.
١٢٩ - وَسُئِلَ نفع الله بِهِ: هَل تنام الْمَلَائِكَة؟ فَأجَاب بقوله: ظَاهر قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الْأَنْبِيَاء: ٢٠] أَنهم لَا ينامون بِالْفِعْلِ / وَقد أخرج ابْن عَسَاكِر أَنه ﷺ قَالَ: (إِن الْمَلَائِكَة قَالُوا: ربنَّا خلقْتنا وخلقتَ بني آدم فجعلتهم يَأْكُلُون الطَّعَام وَيَشْرَبُونَ الشَّرَاب، وَيلبسُونَ الثِّيَاب، ويأتون النِّسَاء، ويركبون الدَّوَابّ، وينامون ويستريحون، وَلم تجْعَل لنا من ذَلِك شَيْئا فَاجْعَلْ اللَّهُمَّ لَهُم الدُّنْيَا وَلنَا الْآخِرَة؟ فَقَالَ : لَا أجعَل مَنْ خلقت بيَدي ونفختُ فِيهِ من روحي كمن قلت لَهُ كُنْ فَكَانَ، وَهَذَا الحَدِيث من الْأَدِلَّة الصَّرِيحَة على تَفْضِيل جنس الْبشر على جنس الْملك كَمَا هُوَ مَذْهَب أهل السّنة. ١٣٠ وَسُئِلَ نفع الله بِهِ: هَل ورد (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك بِنور وَجهك الَّذِي أشرقت بِهِ السَّمَوَات وَالْأَرْض أَن تجعلني فِي حْرزك وحفظك وجوارك وَتَحْت كَنَفِك) . فَأجَاب بقوله: أخرجه الطَّبَرَانِيّ عَن ابْن عَبَّاس ﵄ مَوْقُوفا عَلَيْهِ. ١٣١ وَسُئِلَ نفع الله بِهِ: هَل يدْفع الذّكر البلاءُ كالصدقة؟ فَأجَاب بقوله: نعم: كَمَا صرحت بِهِ الْأَحَادِيث الَّتِي لَا تحصى فِي أذكار مَخْصُوصَة، من قَالَهَا عصم من الْبلَاء وَمن الشَّيْطَان وَمن الضَّرَر وَمن السم وَمن لدغة الْعَقْرَب وَمن أَن يُصِيبهُ شَيْء يكرههُ كَمَا فِي (أذكار) النَّوَوِيّ ﵀ وَغَيره.
وَصَحَّ فِي (لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه أَنَّهَا تدفع سبعين بَابا من الضّر أدناها الْفقر) وَفِي رِوَايَة: (أدناها الْهم) وَصَحَّ: (لَا يرد الْقدر إِلَّا الدُّعَاء) (الدُّعَاء ينفع مِمَّا نزل وَمَا لم ينزل وَإِن الْبلَاء لينزل فيتلقاه الدُّعَاء فيعتلجان إِلَى يَوْم الْقِيَامَة) . وَأخرج أَبُو دَاوُد وَغَيره أَنه ﷺ قَالَ: (من لزم الاسْتِغْفَار جعل الله لَهُ من كل همّ فرجا وَمن كل ضيق مخرجا ورزقه من حَيْثُ لَا يحْتَسب) . ١٣٢ وَسُئِلَ نفع الله بِهِ: عَن حَدِيث (من قَالَ أَنا عَالم فَهُوَ جَاهِل) من رَوَاهُ؟ فَأجَاب بقوله: هَذَا إِنَّمَا يعرف على ضعف فِي سَنَده من كَلَام بعض صغَار التَّابِعين وَهُوَ يحيى بن كثير وَرَفعه إِلَى النَّبِي ﷺ . قَالَ الْحفاظ: وَهَمْ على أَن رافعه لم يجْزم بِرَفْعِهِ وعَلى أَنه ضَعِيف مختلط فَلَا حجَّة فِي حَدِيثه كَمَا بَينه الْحفاظ وأطالوا القَوْل فِيهِ، فَحَدِيثه هَذَا فِي حكم الْمَوْضُوع غير أَنه لم يتَعَمَّد وَضعه وَإِنَّمَا كَانَ غَلطا.
وَالْحَاصِل أَن الْمَوْضُوع إِمَّا أَن يتَعَمَّد وَهُوَ شَأْن الْكَاذِبين وَإِمَّا لغير تعمد وَهَذَا شَأْن المتهمين والمضطربين فِي الحَدِيث كَمَا حكم الْحفاظ بِالْوَضْعِ على حَدِيث فِي (سنَن ابْن مَاجَه) وَهُوَ (من كثرت صلَاته بِاللَّيْلِ حسن وجْهه بِالنَّهَارِ) فَإِنَّهُم أطبقوا على أَنه مَوْضُوع، وَقد ثَبت عَن كثير من الصَّحَابَة وَمن لَا يُحْصى مِمَّن بعدهمْ قَول كل مِنْهُم أَنا عَالم وَمَا كَانُوا ليقعوا فِي شَيْء ذمه النَّبِي ﷺ ، وأبلغ من ذَلِك قَول نَبِي الله يُوسُف ﵇: ﴿قَالَ اجْعَلْنِى عَلَىاخَزَآئِنِ الأٌّرْضِ إِنِّى حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يُوسُف: ٥٥] كَمَا حَكَاهُ الله عَنهُ.
١٣٣ - وَسُئِلَ فسح الله فِي مدَّته: عَن أولادزينب بنت فَاطِمَة الزهراء من ابْن عَمها عبد الله بن جَعْفَر ﵃ موجودون بِكَثْرَة، فَهَل يثبت لَهُم حكم أَوْلَاد أخويها الْحسن وَالْحُسَيْن ﵄، وَمَا الْفرق مَعَ أَن من خصوصياته ﷺ أَن أَوْلَاد بَنَاته ينسبون إِلَيْهِ؟ فَأجَاب بقوله: من الْوَاضِح أَن يثبت لَهُم حكمهم من كَونهم من الْآل وَأهل الْبَيْت وَمن ذُريَّته ﷺ وَأَوْلَاده إِجْمَاعًا، وَمَعَ ذَلِك لَا ينسبون إِلَيْهِ أخذا من فرق الْفُقَهَاء بَين ولد الرجل وَمن ينْسب إِلَيْهِ فِي نَحْو وقفتُ على أَوْلَادِي فَيدْخل ولد الْبِنْت لِأَنَّهُ يُسمى ولدا، وَنَحْو وقفتُ على من ينْسب إليّ فَلَا يدْخل لِأَنَّهُ لَا ينْسب لجده بل ينْسب لِأَبِيهِ، وَالَّذِي ذَكرُوهُ أَن من خَصَائِصه صلى
стр. 120
الله عَلَيْهِ وَسلم أَن أَوْلَاد بَنَاته ينسبون إِلَيْهِ وَلم يذكرُوا بذلك فِي أَوْلَاد بَنَات بَنَاته، فالخصوصية للطبقة الْعليا فَقَط فأولاد فَاطِمَة الْأَرْبَع أم كُلْثُوم زَوْجَة عمر ولدتْ مِنْهُ زيدا ورقية، ثمَّ تزوجتْ بعده ولد عَمها ابْن جَعْفَر، فَولدت لَهُ ثَلَاثَة عون فمحمد فعبد الله وَلم يلد لأحد مِنْهُم، وَزَيْنَب الَّتِي الْكَلَام فِيهَا وَالْحسن وَالْحُسَيْن فَهَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَة ينسبون إِلَيْهِ ﷺ ، وَأَوْلَاد الْحسن وَالْحُسَيْن ينسبون إِلَيْهِمَا فينسبون إِلَيْهِ بِخِلَاف أَوْلَاد زَيْنَب وَأم كُلْثُوم فَإِنَّهُم إِنَّمَا ينسبون إِلَى أبويهما عمر وَعبد الله لَا إِلَى الْأُم وَلَا إِلَى جدهما عملا بقاعدة الشَّرْع إِن الْوَلَد يتْبع أَبَاهُ فِي النّسَب لَا أمه، وَإِنَّمَا خرج أَوْلَاد فَاطِمَة وَحدهَا خُصُوصِيَّة لَهُم وَذَلِكَ مَقْصُور على ذُرِّيَّة الْحسن وَالْحُسَيْن كَمَا يدل لَهُ حَدِيث الْحَاكِم (لكل بني أم عَصَبة إِلَّا ابْني فَاطِمَة فَأَنا وليهما وعصبتهما) فَخص الانتساب والتعصيب بهما دون أختيهما، وَلِهَذَا جرى الْخلف كالسلف على أَن ابْن الشَّرِيفَة من غير شرِيف غير شرِيف، وَلَو عمَّتْ الخصوصية أَن ابْن كل شريفة شرِيف تحرم عَلَيْهِ الصَّدَقَة وَلَيْسَ كَذَلِك، وَلَا يخْتَص ذَلِك بالْحسنِ وَالْحُسَيْن إِلَّا لانحصار الْأَمر فيهمَا وَإِلَّا لَو فُرض إِدْخَال زَيْنَب، وأعقبتْ ذكرا كَانَ مثلهَا وَإِن لم يكن أَبوهُ شريفاً هاشمياً لِأَن الشّرف لم يَأْتِ إِلَيْهِمَا إِلَّا من جِهَته ﷺ لَا غَيره. وَاعْلَم أَن اسْم الشريف كَانَ يُطلق فِي الصَّدْر الأول على من كَانَ من أهل الْبَيْت وَلَو عباسِّياً أَو عقيلياً، وَمِنْه قَول المؤرخين: الشريف العباسي، الشريف الزَّيْنَبِي؛ فَلَمَّا ولى الفاطميون بِمصْر قصروا الشّرف على ذُرِّيَّة الْحسن وَالْحُسَيْن فَقَط وَاسْتمرّ ذَلِك إِلَى الْآن.
وَأما الْعَلامَة الخضراء فَلَا أصل لَهَا وَإِنَّمَا حدثت سنة ثَلَاث وَسبعين وَسَبْعمائة بِأَمْر الْملك شعْبَان بن حسن، وَقَالَ فِيهَا الشُّعَرَاء مَا يطول ذكره، وَمِنْه قَول ابْن جَابر الأندلسي شَارِح الألفية الْمَشْهُور بالأعمى والبصير: جعلُوا لأبناء الرَّسُول عَلامَة إِن الْعَلامَة شَأْن مَنْ لم يُشْهر نور النبؤّة فِي وسيم وُجُوههم يُغني الشريف على الطّراز الْأَخْضَر فَإِذا كَانَت حَادِثَة فَلَا يُؤمر بهَا الشريف وَلَا يُنْهى عَنْهَا غَيره على مَا قَالَه الْجلَال السُّيُوطِيّ. قَالَ: لِأَن النَّاس مضبوطون بأنسابهم وَلَيْسَ الْعَلامَة مِمَّا ورد بهَا الشَّرْع فَيَنْبَغِي إِبَاحَة وَضعهَا أقْصَى مَا فِي الْبَاب أَنه حدث التَّمْيِيز بهَا لهَؤُلَاء وَقد يسْتَأْنس لَهَا بقوله تَعَالَى: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذالِكَ أَدْنَىاأَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ [الْأَحْزَاب: ٥٩] وَقد اسْتدلَّ بهَا بعض الْعلمَاء على تَخْصِيص أهل الْعلم بلباس يختصون بِهِ من تَطْوِيل الأكمام وإدارة الطيلسان وَنَحْو ذَلِك ليعرفوا فيبجَّلوا تكريماً للْعلم، وَهَذَا وَجه حسن انْتهى.
وَلَا يدْخل غير ذُرِّيَّة الْحسن وَالْحُسَيْن فِي الْوَقْف على الْأَشْرَاف وَالْوَصِيَّة لَهُم، لِأَن الْوَقْف وَالْوَصِيَّة منوطان بعرف الْبَلَد وَعرف مصر وَنَحْوهَا اختصاصهم بذرية الْحسن وَالْحُسَيْن لَا غير.
١٣٤ - وَسُئِلَ نفع الله بِهِ: عَن حَدِيث (مَنْ تبسَّم فِي وَجه غَرِيب ضحك الله فِي وَجهه يَوْم الْقِيَامَة) من رَوَاهُ؟ فَأجَاب بقوله: رَوَاهُ الديلمي. وروى أَيْضا: (الْغَرِيب إِذا مرض حِين ينظر عَن يَمِينه وَعَن شِمَاله وَعَن أَمَامه وَعَن خَلفه فَلَا يرى أحدا غفر الله لَهُ مَا تقدم من ذَنبه) وَرَوَاهُ ابْن النجار، وَأخرجه الطَّبَرَانِيّ بِزِيَادَة (أَن لَهُ بِكُل نفس تنفس يمحو الله عَنهُ ألفي ألف سَيِّئَة وَيكْتب لَهُ ألفي ألف حَسَنَة) لَكِن فِي سَنَده مَتْرُوك.
١٣٥ - وَسُئِلَ نفع الله بِعُلُومِهِ: إِن الْإِسْلَام بدا غَرِيبا وَسَيَعُودُ كَمَا بدا غَرِيبا أَلا لَا غُرْبة على مُؤمن، مَا مَاتَ مُؤمن فِي غربَة غَابَتْ عَنهُ فِيهَا بوَاكِيهِ إِلَّا بَكت عَلَيْهِ السَّمَاء وَالْأَرْض ثمَّ قَرَأَ رَسُول الله ﷺ : ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَآءُ وَالأٌّرْضُ﴾ [الدُّخان: ٢٩] وَأعْرض، ثمَّ قَالَ: إنَّهُمَا لَا يَبْكِيَانِ على كَافِر) من رَوَاهُ؟ فَأجَاب بقوله: رَوَاهُ ابْن جرير، وَابْن أبي الدُّنْيَا.
١٣٦ - وَسُئِلَ ﵁: عَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَنه قَالَ: التوكؤ على الْعَصَا من أَخْلَاق الْأَنْبِيَاء، وَكَانَ النَّبِي ﷺ يتَوَكَّأ عَلَيْهِمَا. من رَوَاهُ؟ فَأجَاب بقوله: رَوَاهُ ابْن عدي. وروى الديلمي بِسَنَدِهِ حَدِيث (حَمْلُ الْعَصَا عَلامَة الْمُؤمن وسُنَّة الْأَنْبِيَاء) وروى أَيْضا حَدِيث: (كَانَت الْأَنْبِيَاء يفتخرون بهَا تواضعاً لله . وَأخرج الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ بِسَنَد ضَعِيف حَدِيث (إنْ أَنا اتخذ الْعَصَا فقد اتخذها أبي إِبْرَاهِيم) . وَأخرج ابْن مَاجَه: (خرج إِلَيْنَا رَسُول الله ﷺ وَهُوَ متوكىء على عَصَاهُ) .
١٣٧ - وَسُئِلَ نفع الله بِهِ: عَن حَدِيث (لَيْسَ خَيركُمْ من ترك الدُّنْيَا للآخرة وَلَا الْآخِرَة للدنيا وَلَكِن خَيركُمْ من أَخذ من هَذِه لهَذِهِ) من رَوَاهُ؟ فَأجَاب بقوله: رَوَاهُ ابْن عَسَاكِر والديلمي بِلَفْظ (لَيْسَ بِخَيْرِكُمْ من ترك دُنْيَاهُ لآخرته وَلَا آخرته لدنياه حَتَّى يُصِيب مِنْهُمَا جَمِيعًا فَإِن الدُّنْيَا بَلَاغ إِلَى الْآخِرَة وَلَا
стр. 121
تَكُونُوا كلا على النَّاس) وَأخرجه الْخَطِيب فِي (تَارِيخه) ، والديلمي من وَجه آخر وَأَبُو نعيم فِي (الْحِلْية) .
١٣٨ - وَسُئِلَ نفع الله بِهِ: عَن حَدِيث (من مَاتَ من أمتِي وَهُوَ يعْمل عمل قوم لوط نَقله الله تَعَالَى إِلَيْهِم حَتَّى يحشره مَعَهم) من رَوَاهُ؟ فَأجَاب بقوله: رَوَاهُ الْخَطِيب فِي (تَارِيخه) وَفِيه رجل مُنكر الحَدِيث، لَكِن لَهُ شَاهد أخرجه ابْن عَسَاكِر عَن وَكِيع قَالَ: سمعنَا فِي حَدِيث (مَنْ مَاتَ وَهُوَ يعْمل عَمَل قوم لُوط سَار بِهِ قَبْره حَتَّى يصير مَعَهم ويُحْشَر يَوْم الْقِيَامَة مَعَهم) . ١٣٩ وَسُئِلَ نفع الله بِهِ: عَن حَدِيث: (يمسخ اللُّوطي فِي قَبره خنزيراً) من رَوَاهُ؟ فَأجَاب بقوله: رَوَاهُ أَبُو الْفَتْح الْأَزْدِيّ فِي كتاب (الضُّعَفَاء) وَابْن الْجَوْزِيّ من طَرِيق بِسَنَد واه. ١٤٠ وَسُئِلَ ﵁: عَن حَدِيث: (أَطْعمنِي جِبْرِيل الهريسة أَشد بهَا ظَهْري لقِيَام اللَّيْل) من رَوَاهُ؟ فَأجَاب بقوله: رَوَاهُ ابْن السّني وَأَبُو نعيم والخطيب بِسَنَد فِيهِ كَذَّاب، وَمن ثمَّ أخرجه ابْن الْجَوْزِيّ فِي (الموضوعات) .
١٤١ - وَسُئِلَ عَفا الله عَنهُ: عَن حَدِيث (نِعْمَ الطَّعَام الزَّبِيب يشدُّ العصب ويُذْهب الوَصَبْ ويطفىء الْغَضَب وَيذْهب بالبلغم ويصفي اللَّوْن ويُطيِّب النكهة) من رَوَاهُ؟ فَأجَاب بقوله: أخرجه ابْن السّني وَأَبُو نعيم وَابْن حبَان فِي (الضُّعَفَاء) والخطيب وَفِي سَنَده مَتْرُوك. قَالَ ابْن حبَان: لَا أَدْرِي البلية مِنْهُ أَو من أَبِيه أَو من جده؟ .
١٤٢ - وَسُئِلَ نفع الله بِهِ وبعلومه: عَن حَدِيث (مَا للنفساء عِنْدِي شِفَاء مثل الرطب، وَلَا للْمَرِيض مثل الْعَسَل) من أخرجه؟ فَأجَاب بقوله: أخرجه أَبُو نعيم بِسَنَد فِيهِ مَتْرُوك. ١٤٣ وَسُئِلَ نفع الله بِهِ: عَن حَدِيث (أطعموا نساءكم فِي نفاسهن التَّمْر فإنَّ من كَانَ طعامها فِي نفَاسهَا التَّمْر كَانَ وَلَدهَا حَلِيمًا) من رَوَاهُ؟ فَأجَاب بقوله: رَوَاهُ ابْن عبد الله بن مُنْذر بِسَنَد فِيهِ كَذَّاب، وَمن ثمَّ أوردهُ ابْن الْجَوْزِيّ فِي (الموضوعات) . ١٤٤ وَسُئِلَ نفع الله بِهِ: عَن حَدِيث (أطعموا حَبَالاكم اللبان فَإِن يكن فِي بَطنهَا ذكر يكن ذكي الْقلب وَإِن تكن أثنى حسن خلقهَا وتعظم عجيزتها) من أخرجه؟ فَأجَاب بقوله: أخرجه أَبُو نعيم فِي الطِّبّ.
١٤٥ - وَسُئِلَ نفع الله بِهِ: عَن حَدِيث أبي طَلْحَة (دخلت على النَّبِي ﷺ وَفِي يَده سفرجلة، فَرمى بهَا إليّ وَقَالَ: دونكها أَبَا مُحَمَّد فَإِنَّهَا تجمُّ الْفُؤَاد) وَفِي لفظ: (إِنَّهَا تشدُّ الْقلب وتطيب النَّفس وَتذهب بطخاء الْبدن) من أخرجه؟ فَأجَاب بقوله: أخرجه الطَّبَرَانِيّ وَالْحَاكِم وَأَبُو نعيم. وَأخرج ابْن السّني وَأَبُو نعيم: (أهديت لَهُ ﷺ سفرجلة من الطَّائِف فَأكلهَا وَقَالَ: كلوه فَإِنَّهُ يجلو عَن الْفُؤَاد وَيذْهب طخَّاء الصَّدْر) وَفِي رِوَايَة (فَإِنَّهُ على الرِّيق يذهب وغر الصَّدْر) . ١٤٦ وَسُئِلَ نفع الله بِهِ: عَن الحَدِيث فِي المخضوبُ (أَنه لَا يُسئل لِأَن نور الْإِسْلَام عَلَيْهِ) مَن رَوَاهُ؟ فَأجَاب بقوله: هُوَ مَوْضُوع. ١٤٧ وَسُئِلَ نفع الله بِهِ: عَن حَدِيث (إِن الرجل ليَكُون من أهل الصَّلَاة وَالصِّيَام وَلَا يَجْزِي إِلَّا على قدر عقله) من رَوَاهُ؟ فَأجَاب بقوله: رَوَاهُ جمَاعَة بِسَنَد ضَعِيف.
١٤٨ - وَسُئِلَ نفع الله بِهِ: عَن حَدِيث (من قَطعَ سِدْرَة صَوبَ الله رَأسه فِي النَّار) من رَوَاهُ؟ فَأجَاب بقوله: رَوَاهُ كَثِيرُونَ وَصَححهُ الضياء فِي (المختارة) ، وَفِي رِوَايَة: يصب عَلَيْهِ الْعَذَاب وَفِي أُخْرَى يصوب رَأسه فِي النَّار وَفِي أُخْرَى من قطع (يصَّبُ عَلَيْهِ الْعَذَاب صبا) وَفِي أُخْرَى (أخْرج فأذِّنْ فِي النَّاس من الله لَا مِنْ رَسُوله لعن الله قَاطع السِدْرَ) وَفِي رِوَايَة: (أَن ذَلِك كَانَ فِي مَرضه ﷺ الَّذِي مَاتَ فِيهِ) وَالْأَحَادِيث فِي ذَلِك كَثِيرَة وَهِي مؤولة عِنْد الْعلمَاء لإجماعهم على جَوَاز قطعه. قَالَ بعض السّلف: محلهَا سِدْر الْحرم، وَقَالَ أَبُو دَاوُد فِي قطع سِدْرَة فِي فلاة يستظل بهَا ابْن السَّبِيل والبهائم عَبَثا وظلماً بِغَيْر حق لَهُ فِيهَا، وَيُؤَيِّدهُ أَن الشَّافِعِي ﵁ سُئِلَ عَن قطعه فَقَالَ: لَا بَأْس بِهِ، وَأَن عُرْوَة بن الزبير رَاوِي الحَدِيث كَانَ يقطعهُ من أرضه، وَحمله آخَرُونَ على سدر يَتِيم أَو نَحوه مِمَّا قُطع ظُلْماً أَو عُدْواناً وَرجح التَّأْوِيل الأوّل أَعنِي حمله على سدر الْحرم بِأَنَّهُ وَقع فِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ.
١٤٩ - وَسُئِلَ نفع الله بِهِ: عَن جيب قَمِيص النَّبِي ﷺ : أَي طوقه كَانَ على أَي كَيْفيَّة هَل هُوَ على صورته الْمُعْتَادَة بِمصْر وَنَحْوهَا أَو على كَتفيهِ كَمَا يَفْعَله المغاربة، وَرجح بِأَنَّهُ السّنة، وَالْأول شعار الْيَهُود. فَأجَاب بقوله: الَّذِي صرح بِهِ فِي (فتح الْبَارِي) وَتَبعهُ الْجلَال السُّيُوطِيّ هُوَ الأول. فَإِن البُخَارِيّ قَالَ: بَاب جيب الْقَمِيص من عِنْد الصَّدْر وَغَيره، وَأورد فِيهِ حَدِيث الجيبين فِي مثل الْمُتَصَدّق والبخيل، وَفِيه يَقُول بِأُصْبُعِهِ هَكَذَا فِي جيبه. قَالَ فِي (فتح الْبَارِي) : الظَّاهِر أَنه كَانَ لابس قَمِيص وَكَانَ فِي طوقه فَتْحة فِي صَدره. قَالَ: بل اسْتدلَّ بِهِ ابْن بطال على أَن الجيب فِي ثِيَاب السّلف كَانَ
стр. 122
عِنْد الصَّدْر. قَالَ: وَمَوْضِع الدّلَالَة مِنْهُ أَن الْبَخِيل إِذا أَرَادَ أَن يخرج يَده أمسكتْ فِي الْموضع الَّذِي ضَاقَ عَلَيْهَا وَهُوَ الثدي والتراقي، وَذَلِكَ فِي الصَّدْر قَالَ: فَبَان أنَّ جَيْبه كَانَ فِي صَدره لِأَنَّهُ لَو كَانَ فِي غَيره لم تضطر يَدَاهُ إِلَى ثديه وتراقيه. قَالَ الْحَافِظ ابْن حجر: وَفِي حَدِيث قُرَّة بن إِيَاس وَسَنَده صَحِيح لما بَايع ﷺ قَالَ: (فأدخلت يَدي فِي جيب قَمِيصه فمسست الْخَاتم، مَا يَقْتَضِي أَن جيبه كَانَ فِي صَدره لِأَن فِي أول الحَدِيث أَنه رَآهُ مُطلق الْقَمِيص أَو غير مزرور انْتهى. وَفِي حَدِيث الطَّبَرَانِيّ: (أَنه نظر رَسُول الله ﷺ فَإِذا إزَاره محلولة، فزرَّها ﷺ بِيَدِهِ ثمَّ قَالَ: اجمعْ عطفْيَّ ردائك على نَحْرك) . وَأخرج ابْن أبي حَاتِم فِي (تَفْسِيره) عَن سعيد بن جُبَير فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىاجُيُوبِهِنَّ﴾ [النُّور: ٣١] يَعْنِي على النَّحْر والصدر فَلَا يرى مِنْهُ شَيْء، وَهَذَانِ يدلان على مَا مر أَيْضا. وَيدل لَهُ أَيْضا الحَدِيث الصَّحِيح عَن سَلمَة بن الْأَكْوَع قَالَ: (يَا رَسُول الله إِنِّي رجل أصيد أفأصلي فِي الْقَمِيص الْوَاحِد. قَالَ: نعم، وأزْرِّرْه وَلَو بشَوْكة) وَزعم أَن ذَلِك شعار الْيَهُود لَيْسَ فِي مَحَله، وَقد قَالَ الْجلَال السُّيُوطِيّ: لم أَقف فِي كَلَام أحد من الْعلمَاء على ذَلِك. ١٥٠ وَسُئِلَ ﵁: عَن حَدِيث (يَا عَليّ سَأَلت الله أَن يقدمك فَأبى إِلَّا أَبَا بكر) من رَوَاهُ؟ فَأجَاب بقوله: رَوَاهُ جمَاعَة بِسَنَد ضَعِيف.
١٥١ - وَسُئِلَ نفع الله بِهِ: عَن حَدِيث (مر رجل فَقَالُوا هَذَا مَجْنُون، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : الْمَجْنُون الْمُقِيم على مَعْصِيَته وَلَكِن قُولُوا مصاب) من أخرجه؟ فَأجَاب بقوله: أخرجه عَامر فِي (فَوَائده) ، وَأَبُو بكر الشَّافِعِي فِي (الغيلانيات) . ١٥٢ وَسُئِلَ ﵁: عَن حَدِيث (إِن الله يُوكل بآكل الْخلّ ملكَيْنِ يستغفران لَهُ حَتَّى يفرغ) من أخرجه؟ فَأجَاب بقوله: أخرجه ابْن عَسَاكِر والديلمي وَفِيه مُدَلّس.
١٥٣ - وَسُئِلَ نفع الله بِعُلُومِهِ: بِمَا لَفظه (اسْتَوْصُوا بالمعز خيرا فَإِنَّهَا مَال رَقِيق وَهُوَ فِي الْجنَّة، وَأحب المَال إِلَى الله الضَّأْن، وَعَلَيْكُم بالبياض فَإِن الله خلق الْجنَّة بَيْضَاء فليلبسه خياركم وكفنوا فِيهِ مَوْتَاكُم، وَإِن دم الشَّاة الْبَيْضَاء أعظم عِنْد الله من دم السَّوْدَاء) من رَوَاهُ؟ فَأجَاب بقوله: رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ.
١٥٤ - وَسُئِلَ نفع الله بِهِ: عَن حَدِيث (من عمل فِي فرقة بَين امْرَأَة وَزوجهَا كَانَ فِي غضب الله ولعنته فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، وَكَانَ حَقًا على الله أَن يضْربهُ بصخرة من نَار جَهَنَّم إِلَّا أَن يَتُوب) من رَوَاهُ؟ فَأجَاب بقوله: رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي (الْإِفْرَاد) .
١٥٥ - وَسُئِلَ نفع الله بِهِ: عَن حَدِيث (أَنا مَدِينَة الْعلم وعليّ بَابهَا) من رَوَاهُ؟ فَأجَاب بقوله: رَوَاهُ جمَاعَة، وَصَححهُ الْحَاكِم، وَحسنه الحافظان العلائي وَابْن حجر.
١٥٦ - وَسُئِلَ نفع الله بِهِ: عَن حَدِيث (إِن الله لينْظر كل يَوْم إِلَى الْغَرِيب ألف نظرة. وَحَدِيث: (ارحموا الْيَتَامَى وأكرموا الغرباء فَإِنِّي كنت فِي الصغر يَتِيما وَفِي الْكبر غَرِيبا) . وَحَدِيث: (مَسْأَلَة النَّاس من الْفَوَاحِش) وَحَدِيث (اللَّهُمَّ لَا تحوجني إِلَى أحد من خلقك) . وَحَدِيث: (من خرج فِي سفر وَمَعَهُ عَصا أَمنه الله من كل سبع ضار إِلَخ، وَمن بلغ أَرْبَعِينَ سنة عدّ لَهُ ذَلِك من الْكبر وَالْعجب) . وَحَدِيث: (يُؤْتى يَوْم الْقِيَامَة بأطفال لَيْسَ لَهُم رُؤُوس، فَيَقُول الله تَعَالَى لَهُم: مَنْ أَنْتُم؟ فَيَقُولُونَ: نَحن المظلومون، فَيَقُول: مَنْ ظلمكم؟ فَيَقُولُونَ: آبَاؤُنَا كَانُوا يأْتونَ الذكران من الْعَالمين فألقونا فِي الأدَبَّار، فَيَقُول الله: سوقوهم إِلَى النَّار، واكتبوا على جباههم آيسين من رَحْمَة الله) . وَحَدِيث: (من مَشى فِي تَزْوِيج امْرَأَة حَلَالا يجمع بَينهمَا رزقه الله تَعَالَى امْرَأَة من الْحور الْعين) الحَدِيث بِطُولِهِ. وَحَدِيث: (إِذا غسلت الْمَرْأَة ثِيَاب زَوجهَا كتب الله لَهَا ألفي حَسَنَة، وَغفر لَهَا ألفي سَيِّئَة، واستغفر لَهَا كلّ شَيْء طلعت عَلَيْهِ الشَّمْس، وَرفع لَهَا ألفي دَرَجَة. وَقَالَت عَائِشَة ﵂: ضِرْس مِغرل الْمَرْأَة يعدل التَّكْبِير فِي سَبِيل الله وَالتَّكْبِير فِي سَبِيل الله أثقل من السَّمَوَات وَالْأَرْض، وَأَيّمَا امْرَأَة كَسَتْ زَوجهَا مِنْ غَزْلها كَانَ لَهَا بِكُل سدى ولُحْمة مائَة ألف حَسَنَة) . وَحَدِيث: (من اشْترى لِعِيَالِهِ شَيْئا ثمَّ حمله بِيَدِهِ إِلَيْهِم حطَّ الله عَنهُ ذَنْب سبعين سنة) . وَحَدِيث: (مَنْ فرَّح أثنى فَكَأَنَّمَا بَكَى من خشيَة الله) وَحَدِيث: (الْبَيْت الَّذِي فِيهِ الْبَنَات ينزل فِيهِ كلّ يَوْم اثْنَتَا عَشْرة رَحْمَة من السَّمَاء وَلَا تقطع زِيَارَة الْمَلَائِكَة من ذَلِك الْبَيْت يَكْتُبُونَ لأبويها كلّ يَوْم وَلَيْلَة عبَادَة سنة) . وَحَدِيث: (عَلَيْكُم بِأَكْل التلس فَإِنَّهُ يقطع عرق الجذام أَلا وَهُوَ التِّين) . وَحَدِيث: (سَأَلَ رَسُول الله ﷺ إِبْلِيس عَن ضجيعه فَقَالَ السَّكْرَان، وَعَن جَليسه فَقَالَ: الَّذِي يُؤَخر الصَّلَاة عَن وَقتهَا، وَعَن ضَيْفه فَقَالَ السَّارِق: وَعَن أنيسه فَقَالَ الشَّاعِر إِلَخ) . وَحَدِيث جِبْرِيل: (إِن الله لما خلق آدم وَأدْخل الرّوح فِي جسده أَمرنِي أَن آخد تفاحة فأعصرها
стр. 123
فِي حلقه فعصرتها فخلقك الله يَا مُحَمَّد من القطرة الأولى وَمن الثَّانِيَة أَبَا بكر إِلَخ) . وَحَدِيث: (أول مَنْ جَذع من الشَيْب إِبْرَاهِيم حِين رَآهُ فِي عَارضه فَقَالَ: (يَا رب مَا هده الشَوْهة الَّتِي شَوَّهْت خَلِيلك: فَأوحى الله تَعَالَى إِلَيْهِ: هَذَا سربال الْوَقار وَنور الْإِسْلَام، وَعِزَّتِي وَجَلَالِي مَا ألبسته أحدا من خلقي يشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا أَنا وحْدي لَا شريك لي إِلَّا استحييت مِنْهُ يَوْم الْقِيَامَة أَن أنصب لَهُ ميزاناً، وأنْشُرَ لَهُ ديواناً وأعذبه بالنَّار، فَقَالَ: يَا رب زِدْني وقاراً فَأصْبح وَرَأسه مثل الغمامة الْبَيْضَاء) وَحَدِيث: (اختَضِبوا فإنَّ الْمَلَائِكَة يتسبشرون بخضاب الْمُؤمن) . وَحَدِيث: (مَنْ أمرَّ المُشْط على حَاجِبه عوفي من الوباء) . وَحَدِيث: (عَلَيْكُم بالمُشْط فَإِنَّهُ يذهب الْفقر، وَمن سَرَّح لحيته حِين يصبح كَانَ لَهُ أَمَانًا حَتَّى يُمْسِي لِأَن اللِّحْيَة زَيْنُ الرِّجَال وحمال الْوَجْه) . وَحَدِيث: (لكل شَيْء آلَة وَآلَة الْمُؤمن الْعقل وَلكُل شَيْء دعامة، ودعامة الْمُؤمن الْعقل، وَلكُل قوم غَايَة وَغَايَة الْعباد الْعقل إِلَخ) . وَحَدِيث: (مَنْ أكل اليقطين بالعدس رَقَّ قلبه) . وَحَدِيث: (إِن لله مَدِينَة تَحت الْعَرْش مِنْ مِسْك أذْفر على بَابهَا ملك يُنادي كلّ يَوْم أَلا مَنْ زار عَالما فقد زار الرب وَمن زار الرب فَلهُ الْجنَّة) . وَحَدِيث: (مَنْ أحبَّ أَن ينظر إِلَى عُتَقَاء الله من النَّار فَلْينْظر إِلَى المتعلمين إِلَخ) . وَحَدِيث: (مَنْ خَاضَ فِي الْعلم يَوْم الْجُمُعَة فَكَأَنَّمَا أعتق سبعين ألف رَقَبَة وكأنما تصدق بِأَلف دِينَار وكأنما حجَّ أَرْبَعِينَ ألف حجَّة) . وَحَدِيث الْعَبَّاس: (أَنه أحْدق النّظر إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ: هَل من حَاجَة؟ فَقَالَ: لما أرضَعْتك حليمةُ وَأَنت ابْن أَرْبَعِينَ يَوْمًا رَأَيْتُك تخاطب الْقَمَر، ويخاطبك بلغَة لم أفهمها) الحَدِيث بِطُولِهِ، وَأَحَادِيث الْورْد الْأَحْمَر. وَحَدِيث: (كلّ شَيْء أخرجته الأَرْض فِيهِ شِفَاء وداء إِلَّا الْأرز فَإِنَّهُ شِفَاء لَا دَاء فِيهِ) . وَحَدِيث: (مَا صبّ الله فِي صَدْرِي شَيْئا إِلَّا صببته فِي صدر أبي بكر) . وَحَدِيث: (أطْعَم ﷺ أَصْحَابه لُقْمة لُقْمة وَقَالَ سيد الْقَوْم خادمهم) . وَحَدِيث: (رَأَيْت حَمْزَة وجعفر بن أبي طَالب فِي الْمَنَام وَكَانَ بَين أَيْدِيهِمَا طبق فِيهِ نَبَق كالزبرجد إِلَخ) . وَحَدِيث: (مروره ﷺ بعزرائيل، وَقَوله: (إِن الله وكلني بِقَبض أَرْوَاح الْخلق مَا خلا روحك وروح ابْن عمك عليّ) . وَحَدِيث: (ألْقى طَائِر لوزة خضراء مَكْتُوبًا عَلَيْهَا بالأصفر لَا إِلَه إِلَّا الله مُحَمَّد رَسُول الله ﷺ نصرته بعليّ) . وَحَدِيث: (يَا عليّ تختم بالعقيق الْأَحْمَر فَإِنَّهُ جبل أقرَّ لله بالوحدانية ولي بالنبوَّة وَلَك بِالْوَصِيَّةِ ولأولادك بِالْإِمَامَةِ ولمحبك بِالْجنَّةِ) . وَحَدِيث: (نزُول جِبْرِيل بطبق تفاح وَأَنه ﷺ فرَّقه على أَصْحَابه ومكتوب على كلّ اسْم مَنْ يُعْطى لَهُ) . وَحَدِيث: (تَزْوِيج عليّ بفاطمة ﵄ بكيفيات من اجْتِمَاع الْمَلَائِكَة ونثر طُوبَى عَلَيْهِم الدرَّ والياقوت وتزخرف الْجنان وتزين الْحور ونزول الْمَلَائِكَة ورقص الْحور وغناء الطُّيُور) . فَأجَاب بقوله: هَذِه الْأَحَادِيث كلهَا كذب مَوْضُوعَة لَا يحمل رِوَايَة شَيْء مِنْهَا إِلَّا لبَيَان أَنَّهَا كذب مفترى على النَّبِي ﷺ كَمَا أَفَادَ ذَلِك الْحَافِظ السُّيُوطِيّ شكر الله سَعْيه.
١٥٧ - وَسُئِلَ ﵁: هَل جَاءَ أَن الزامر يَأْتِي يَوْم الْقِيَامَة بمزماره، وَأَن السَّكْرَان يَأْتِي بقدحه، وَأَن الْمُؤَذّن يَأْتِي يُؤذن، وَهَكَذَا كل من مَاتَ على شَيْء يَأْتِي عَلَيْهِ؟ فَأجَاب بقوله: نعم ورد مَا يَقْتَضِي ذَلِك، وَورد التَّصْرِيح بِهِ بأفراد مِنْهُ وَنَصّ عَلَيْهِ الْعلمَاء. وَأخرج مُسلم: (يبْعَث كل عبد على مَا مَاتَ عَلَيْهِ) . وَالْبَيْهَقِيّ: (من مَاتَ على مرتبَة من هَذِه الْمَرَاتِب بعث عَلَيْهَا يَوْم الْقِيَامَة) وَعَلِيهِ حمل الْعلمَاء خبر (يبْعَث الْمَيِّت فِي ثِيَابه الَّتِي مَاتَ فِيهَا) أَي فِي أَعماله الَّتِي يَمُوت عَلَيْهَا من خير أَو شَرّ، وَصَحَّ (إِن الْمَجْرُوح فِي سَبِيل الله يَأْتِي يَوْم الْقِيَامَة وجرحه يَشْغُب دَمًا) . (وإنَّ المَيِّتَ مُحْرِماً يُبْعث ملبياً) . وَورد بِسَنَد ضَعِيف لَكِن لَهُ شَوَاهِد (أَن المُلبِّين والمؤذنين يخرجُون من قُبُورهم يُؤذن الْمُؤَذّن ويلبي الملبي) . وَبِسَنَد واهٍ: (من فَارق الدُّنْيَا وَهُوَ سَكرَان دخل الْقَبْر سَكرَان وَبعث من قَبره سَكرَان) وَفِي (كشف عُلُوم الْآخِرَة) للغزالي: يبْعَث السَّكْرَان سَكرَان يَوْم الْقِيَامَة، والزامر زامراً، وشارب الْخمر والكوز مُعَلّق فِي عُنُقه، وكل أحد على الْحَال الَّذِي صده فِي الدُّنْيَا عَن سَبِيل الله. قَالَ الْحَافِظ السُّيُوطِيّ بعد ذكره جَمِيع مَا مر: وَفِي هَذَا الْكَلَام إِشَارَة إِلَى تَخْصِيص الحَدِيث السَّابِق بِأَن الْحَالة الَّتِي يَأْتِي عَلَيْهَا فِي الْآخِرَة مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا المُرَاد بهَا حَالَة الطَّاعَة أَو الْمعْصِيَة بِخِلَاف الْمُبَاحَات فَلَا يَأْتِي النجار بآلته وَالْبناء وَنَحْو ذَلِك إِلَّا إِن استعملوها فِيمَا لَا يجوز شرعا، وَالله أعلم.
١٥٨ - وَسُئِلَ نفع الله بِهِ: مَا معنى حَدِيث الطَّبَرَانِيّ عَن أم سَلمَة ﵂: (قلت: يَا رَسُول الله أَخْبرنِي عَن قَول الله تَعَالَى: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ [الْوَاقِعَة: ٢٢] ؟ قَالَ: حور بيض
стр. 124
ضخام الْعُيُون شفر الْحَوْرَاء بِمَنْزِلَة جنَاح النسْر) . فَأجَاب بقوله: الشفر بِالْفَاءِ مُضَاف للحوراء وَهُوَ هَدْب الْعين مشبَّه بجناح النسْر فِي الطول الْمُنَاسب ذَلِك لضخامة الْعُيُون. وَيُؤَيِّدهُ رِوَايَة ابْن أبي الدُّنْيَا (شِفْر الْمَرْأَة من الْحور الْعين أَطولُ من جَنَاح النِسر) وصحف ذَلِك بَعضهم فَقَالَ: إِنَّه بِالْقَافِ والحوراء بِالرَّفْع وَزعم أَنه اسْتِعَارَة يَعْنِي أَن الْحَوْرَاء بِمَنْزِلَة جنَاح النسْر فِي السرعة والطيران والخفة، وَهُوَ مَعَ كَونه تصحيفاً لَا يللائم الْمقَام.
١٥٩ - وَسُئِلَ نفع الله بِهِ: مَا معنى (ذبح الْمَوْت إِذا اسْتَقر أهل الْجنَّة فِي الْجنَّة وَأهل النَّار فِي النَّار) مَعَ أَنه عرض عندنَا أَو عدم مَحْض عِنْد الْمُعْتَزلَة وَعَلَيْهِمَا فَهُوَ لَا يُمكن أَن يكون جسماً؟ فَأجَاب بقوله: نظر لذَلِك طَائِفَة ضعفاء الْعُقُول فأنكروا لأَجله الحَدِيث، وَأجَاب الْمُحَقِّقُونَ عَن ذَلِك بِأَن هَذَا من بَاب التَّمْثِيل البليغ، وَبِأَنَّهُ يجوز أَن يخلق الله تَعَالَى هَذَا الْجِسْم ثمَّ يُذْبح ثمَّ يَجْعَل مِثَالا لِأَن الْمَوْت لَا يطْرَأ على أهل الْجنَّة. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: يجوز أَن يخلق الله كَبْشًا يُسَمِّيه الْمَوْت ويلقي فِي قُلُوب الْفَرِيقَيْنِ أَن هَذَا الْمَوْت يكون ذبحه دَلِيلا على الخلود فِي الدَّاريْنِ. وَقَالَ غَيره: لَا مَانع أَن ينشىء الله من الْأَعْرَاض أجساماً يَجْعَلهَا مادّة لَهَا. كَمَا ثَبت فِي حَدِيث مُسلم (إِن الْبَقَرَة وَآل عمرَان تجيئان كَأَنَّهُمَا غمامتان) وَنَحْو ذَلِك من الْأَحَادِيث، وَالله أعلم.
١٦٠ - وَسُئِلَ نفع الله بِهِ: عَن معنى: (فَرح أهل الْجنَّة بِذبح الْمَوْت) مَعَ علمهمْ من أَنْبِيَائهمْ وكتبهم أَنهم لَا يموتون؟ فَأجَاب بقوله: ورد فِي بعض طرق الحَدِيث عِنْد ابْن حبَان أَنهم يطلعون خَائِفين أَن يخرجُوا من مكانهم الَّذِي هم فِيهِ، وَفسّر بِأَنَّهُ خوف توهم لَا يسْتَقرّ، وَلَا يُنَافِي ذَلِك تقدم علمهمْ بِأَنَّهُ لَا موت فِي الْآخِرَة لِأَن التوهمات تطرأ على المعلومات ثمَّ لَا تَسْتَقِر فَكَانَ بذلك فَرَحهمْ. وَأجِيب أَيْضا بِأَن عين الْيَقِين أقوى من علم الْيَقِين فمشاهدتهم ذبح الْمَوْت أقوى وَأَشد فِي إنتفائه من تقدم علمهمْ إِذْ العيان أقوى من الْخَبَر.
١٦١ - وَسُئِلَ نفع الله بِعُلُومِهِ: عَن معمر المغربي ورتن الْهِنْدِيّ المدعيين أَنَّهُمَا من الصَّحَابَة هَل لذَلِك صِحَة؟ فَأجَاب بقوله: لَا صِحَة لذَلِك كَمَا بَينته أَئِمَّة الحَدِيث مِنْهُم الذَّهَبِيّ فِي الْمِيزَان وَشَيخ الْإِسْلَام الْحَافِظ ابْن حجر فِي (الْإِصَابَة) وَأفْتى بِهِ غير مرّة، وَقد ذكر أهل الحَدِيث وَغَيرهم أَن مَنْ ادّعى الصُّحْبَة بعد مضيّ مائَة سنة من وَفَاته ﷺ فَهُوَ كَاذِب، وَإِن آخر الصَّحَابَة موتاكما فِي مُسلم وَاتفقَ عَلَيْهِ الْعلمَاء أَبُو الطُّفَيْل مَاتَ سنة عشرَة وَمِائَة من الْهِجْرَة.
١٦٢ - وَسُئِلَ نفع الله بِهِ وبعلومه: عَمَّا وَقع فِي (تَهْذِيب النَّوَوِيّ) : وَأما مَا رُوِيَ عَن بعض الْمُتَقَدِّمين لَو عَاشَ إِبْرَاهِيم لَكَانَ نَبيا فَبَاطِل، وجسارة على الْكَلَام على المغيبات، ومجازفة وهجوم على عَظِيم فَهَل مَا قَالَه صَحِيح؟ فَأجَاب بقوله ﵀: قد تعجب مِنْهُ شيخ الْإِسْلَام فِي (الْإِصَابَة) وَقَالَ: إِنَّه ورد عَن ثَلَاث من الصَّحَابَة وَلَا يظنّ بالصحابي أَنه هجم على مثل هَذَا بظنه، وَبَين الْحَافِظ السُّيُوطِيّ أَنه صَحَّ عَن أنس ﵁ (أَنه سُئل النَّبِي ﷺ عَن ابْنه إِبْرَاهِيم قَالَ: لَا أَدْرِي رَحْمَة الله على إِبْرَاهِيم لَو عَاشَ لَكَانَ صديقا نَبيا) . وَفِي رِوَايَة عَن أنس أَنه رفع ذَلِك إِلَى النَّبِي ﷺ . وَرَوَاهُ ابْن مَنْدَه وَالْبَيْهَقِيّ عَن ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي ﷺ . وَرَوَاهُ ابْن عَسَاكِر عَن جَابر عَن النَّبِي ﷺ . وَأخرج أَيْضا وَقَالَ فِيهِ من لَيْسَ بِالْقَوِيّ عَن عَليّ بن أبي طَالب: (لما توفى إِبْرَاهِيم أرسل النَّبِي ﷺ إِلَى أمه مَارِيَة فَجَاءَتْهُ وغسَّلته وكفَّنته وَخرج بِهِ وَخرج النَّاس مَعَه فدفنه، وَأدْخل ﷺ يَده فِي قَبره فَقَالَ: أما وَالله إِنَّه لنَبِيّ ابْن نَبِي وَبكى وَبكى الْمُسلمُونَ حوله حَتَّى ارْتَفع الصَّوْت، ثمَّ قَالَ ﷺ : تَدْمَع الْعين ويحزن الْقلب وَلَا نقُول مَا يُغضب الرب وَإِنَّا عَلَيْك يَا إِبْرَاهِيم لَمَحْزُونُونَ) . وروى أَبُو دَاوُد: (أَنه مَاتَ وعمره ثَمَانِيَة عشر شهرا فَلم يصل عَلَيْهِ ﷺ صَححهُ ابْن حزم. قَالَ الزَّرْكَشِيّ: اعتل من سلَّم ترك الصَّلَاة عَلَيْهِ بعلل: مِنْهَا: أَنه اسْتغنى بفضيلة أَبِيه عَن الصَّلَاة كَمَا اسْتغنى الشَّهِيد بفضيلة الشَّهَادَة، وَمِنْهَا: أَنه لَا يُصَلِّي نبيّ على نَبِي، وَقد جَاءَ (لَو عَاشَ لَكَانَ نَبينَا) انْتهى. وَلَا بعد فِي إِثْبَات النُّبُوَّة لَهُ مَعَ صغره لِأَنَّهُ كعيسى الْقَائِل يَوْم ولد: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأٌّرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً﴾ [مَرْيَم: ٩٠] . وكيحيى الَّذِي قَالَ تَعَالَى فِيهِ: ﴿فَخَرَجَ عَلَىاقَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَىاإِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُواْ بُكْرَةً وَعَشِيّاً﴾ [مَرْيَم: ١١] قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: نبىء وعمره ثَلَاث سِنِين وَاحْتِمَال نزُول جِبْرِيل بِوَحْي لعيسى أَو يحيى يجْرِي فِي إِبْرَاهِيم، ويرجحه أَنه ﷺ صوَّمه يَوْم عَاشُورَاء وعمره ثَمَانِيَة أشهر. وَذكر السُّبْكِيّ فِي حَدِيث: (كنت نَبيا وآدَم بَين الرّوح والجسد) إِن الْإِشَارَة بذلك إِلَى روحه لِأَن الْأَرْوَاح خلقت قبل الأجساد أَو إِلَى حَقِيقَته والحقائق تقْصُر عقولنا عَن مَعْرفَتهَا،
стр. 125
ثمَّ إِن تِلْكَ الْحَقَائِق يُؤتي الله كلَّ حَقِيقَة مِنْهَا مَا يَشَاء فِي الْوَقْت الَّذِي يَشَاء، فحقيقة النَّبِي ﷺ قد تكون مِنْ قَبْل خلق آدم آتاها الله ذَلِك بِأَن يكون خلقهَا الله مهيئة لَهُ وأفاضه عَلَيْهَا من ذَلِك الْوَقْت فَصَارَ نَبيا اه. وَبِه يُعلم تَحْقِيق نبوّة سيدنَا إِبْرَاهِيم فِي حَال صغره.
١٦٣ - وَسُئِلَ نفع الله بِعُلُومِهِ: هَل سمع الْحسن الْبَصْرِيّ من كَلَام عَليّ كرم الله وَجهه حَتَّى يتم للسادة الصُّوفِيَّة سَنَد خرقتهم وتلقينهم الذّكر الْمَرْوِيّ عَنهُ عَن عليّ كرّم الله وَجهه؟ فَأجَاب بقوله: اخْتلف النَّاس فِيهِ فَأنكرهُ الْأَكْثَرُونَ وأثبته جمَاعَة. قَالَ الْحَافِظ السُّيُوطِيّ: وَهُوَ الرَّاجِح عِنْدِي كالحافظ ضِيَاء الدّين الْمَقْدِسِي فِي (المختارة) ، والحافظ شيخ الْإِسْلَام ابْن حجر فِي أَطْرَاف (المختارة) لوجوه: الأول: أَن الْمُثبت مقدم على النَّافِي. الثَّانِي: أَنه ولد لِسنتَيْنِ بَقِيَتَا من خلَافَة عمر وميَّز لسبع وَأمر بِالصَّلَاةِ فَكَانَ يحضر الْجَمَاعَة وَيُصلي خلف عُثْمَان إِلَى أَن قتل، وَعلي إذْ ذَاك بِالْمَدِينَةِ يحضر الْجَمَاعَة كل فرض، وَلم يخرج مِنْهَا إِلَّا بعد قتل عُثْمَان، وسِنُّ الْحسن إِذْ ذَاك أَربع عشْرة سنة، فَكيف يُنْكر سَمَاعه مِنْهُ مَعَ ذَلِك وَهُوَ يجْتَمع مَعَه كل يَوْم بِالْمَسْجِدِ خمس مَرَّات مُدَّة سبع سِنِين، ومِنْ ثُمَّ قَالَ عَليّ بن الْمَدِينِيّ: رأى الْحسن عليا بِالْمَدِينَةِ وَهُوَ غُلَام، وَزِيَادَة على ذَلِك أَن عليا كَانَ يزور أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ ومنهنّ أم سَلمَة وَالْحسن فِي بَيتهَا هُوَ وَأمه حبر إذْ هِيَ مولاة لَهَا، وَكَانَت أم سَلمَة ﵂ تخرجه إِلَى الصَّحَابَة يباركون عَلَيْهِ، وأخرجته إِلَى عمر ﵁ فَدَعَا لَهُ: اللَّهُمَّ فقهه فِي الدّين وَعلمه وحببه إِلَى النَّاس ذكره الْمزي وأسنده العسكري. وَقد أورد الْمزي فِي (التَّهْذِيب) من طَرِيق أبي نعيم أَنه سُئِلَ عَن قَوْله: قَالَ رَسُول الله ﷺ وَلم يُدْرِكهُ، فَقَالَ: كل شَيْء قلته فِيهِ فَهُوَ عَن عليّ غير أَنِّي فِي زمَان لَا أَسْتَطِيع أَن أذكر عليا: أَي زمَان الْحجَّاج، ثمَّ ذكر الْحَافِظ أَحَادِيث كَثِيرَة وَقعت لَهُ من رِوَايَة الْحسن عَن عليّ كرم الله وَجهه، وَفِي بَعْضهَا وَرِجَاله ثِقَات قَول الْحسن سَمِعت عليا يَقُول: قَالَ رَسُول الله ﷺ (مثل أمتِي مثل الْمَطَر) الحَدِيث.
١٦٤ - وَسُئِلَ نفع الله بِهِ: هَل ورد (أَنه ﷺ لما حفر الخَنْدَق ظَهرت صَخْرَة عجزوا عَن كسرهَا فضربها ﷺ ثَلَاث ضربات فَلَانَتْ وتفتتَّتْ، وَأَن سيدنَا إِبْرَاهِيم أثرت قدماه فِي مقَامه الْمَوْجُود الْآن) ؟ فَأجَاب بقوله: الأول ورد من طرق صَحِيحَة، وَالثَّانِي صَحَّ عَن ابْن سَلام مَوْقُوفا عَلَيْهِ. ١٦٥ وَسُئِلَ نفع الله بِهِ وَرَضي عَنهُ: هَل ورد (أَنه ﷺ لِأَن لَهُ الصخر وأثرت قدماه فِيهِ وَأَنه كَانَ إِذا مَشى على التُّرَاب لَا يُؤثر قدمه الشريف فِيهِ، وَأَنه لما صعد صَخْرة بَيت الْمُقَدّس لَيْلَة الْمِعْرَاج اضْطَرَبَتْ تَحْتَهُ ولانت فأمسكتها الْمَلَائِكَة، وَأَن الْأَثر الْمَوْجُود الْآن بهَا أثر قدمه ﷺ ، وَأَنه لم يُعْط نَبِي معْجزَة إِلَّا وَقد أعْطى نَبينَا ﷺ مثلهَا أَو وَاحِد من أمته، وَأَنه لما جَاءَ إِلَى بَيت أبي بكر بِمَكَّة ووقف ينتظره ألصق مِنْكبه ومِرْفقَه بِالْحَائِطِ فغاص الْمرْفق فِي الْحجر وَأثر فِيهِ) ؟ وَبِه سمي الزقاف بِمَكَّة زقاق الْمرْفق وَأَن الصخر لَان لَهُ وَأثر قدمه فِيهِ. فَأجَاب بقوله: قَالَ الْحَافِظ السُّيُوطِيّ: لما سُئِلَ عَن ذَلِك كُله قَالَ: لم أَقف لَهُ على أصل وَلَا سَنَد وَلَا رَأَيْت من خرّجه فِي كتب الحَدِيث انْتهى. نعم صَحَّ أَنه ﷺ قَالَ: (إِنِّي لأعرف حجرا كَانَ يسلم عليّ بِمَكَّة) وَقد تطابق السّلف كالخلف على أَنه الْحجر البارز الْآن بالزقاق الْمَذْكُور. وَالتَّحْقِيق أَنه لم يُعْط نَبِي معْجزَة إِلَّا أعْطى نَبينَا مُحَمَّد ﷺ مثلهَا أَو أعظم مِنْهَا.
١٦٦ - وَسُئِلَ نفع الله بِهِ بِمَا لَفظه: اخْتلف الْعلمَاء هَل يُطلق الْإِسْلَام على سَائِر الْملَل السَّابِقَة حِين حَقِيقَتهَا أَو يخْتَص بِهَذِهِ الْأمة فَمَا الرَّاجِح فِي ذَلِك؟ فَأجَاب بقوله: رجَّح ابْن الصّلاح الأول، وَسَيَأْتِي مَا يُصَرح بِهِ من لفظ الْقُرْآن، وَرجح غَيره الثَّانِي وَهُوَ أَنه لَا يُوصف بِهِ أحد من الْأُمَم السَّابِقَة سوى الْأَنْبِيَاء فَقَط، وشُرِّفتْ هَذِه الْأمة بِأَن وصفتْ بِمَا يُوصف بِهِ الْأَنْبِيَاء تَشْرِيفًا لَهَا وتكريماً، وَاسْتدلَّ الْحَافِظ السُّيُوطِيّ على رُجْحَان الثَّانِي بِأُمُور مبسوطة حَاصِل الأمثل مِنْهَا أُمُور: مِنْهَا: قَوْله تَعَالَى: ﴿هُوَ سَمَّاكُم الْمُسلمين﴾ وَاخْتلف فِي ضمير هُوَ هَل هُوَ لله أَو لإِبْرَاهِيم على قَوْلَيْنِ، وَقَوله: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ﴾ [الْحَج: ٧٨] لَو لم يكن خَاصّا بهم كَالَّذي ذكر قبله لم يكن لتخصيصه بِالذكر، وَلَا لاقترانه بِمَا قبله معنى وَهَذَا هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ السّلف من الْأَئِمَّة. فقد صَحَّ عَن ابْن زيد أحد أَئِمَّة السّلف فِي (التَّفْسِير) وَمن أَتبَاع التَّابِعين أَنه قَالَ: لم يذكر الله بِالْإِسْلَامِ غير هَذِه الْأمة، وَلم يسمع بِأمة ذُكِرتْ بِالْإِسْلَامِ غَيرهَا. وَأخرج ابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عَبَّاس ﵄ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ﴾ [الْحَج: ٧٨] قَالَ الله :
стр. 126
﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ﴾ [الْحَج: ٧٨] وَأَخْرَجَا عَن مُجَاهِد وَقَتَادَة مثله. وَأخرجه عبد بن حميد وَابْن الْمُنْذر عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَأخرجه ابْن أبي حَاتِم عَن مقَاتل بن حبَان. وَحَاصِل هَذِه الْآثَار عَن هَؤُلَاءِ الَّذين هم أَئِمَّة الدّين وَالسَّلَف الْمُفَسّرين من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وأتباعهم أَن الله سمى هَذِه الْأمة مُسلمين فِي أمِّ الْكتاب وَهُوَ اللَّوْح الْمَحْفُوظ، وَفِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَسَائِر كتبه الْمنزلَة وَفِي الْقُرْآن، وَأَنه اختصهم بِهَذَا الِاسْم من دون سَائِر الْأُمَم، وَيصِح رُجُوع ضمير هُوَ لإِبْرَاهِيم كَمَا قَالَه ابْن أبي زيد لقَوْله: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [الْبَقَرَة: ١٢٨] دَعَا بذلك لنَفسِهِ ولولده وهما نبيان ثمَّ دَعَا لأمة من ذُريَّته وَهِي هَذِه الْأمة وَلِهَذَا عقبه ب ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [الْبَقَرَة: ١٢٩] إِلَخ وَهُوَ نَبينَا إِجْمَاعًا فَأجَاب الله دعاءه بالأمرين يبْعَث مُحَمَّد ﷺ مِنْهُم وبتسميتهم مُسلمين، وَلِهَذَا أَشَارَ تَعَالَى إِلَى أَن إِبْرَاهِيم هُوَ السَّبَب فِي ذَلِك بقوله: ﴿مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الْحَج: ٧٨] وَمِنْهَا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلَامَ دِيناً﴾ [الْمَائِدَة: ٣] هُوَ ظَاهر فِي الِاخْتِصَاص بهم لِأَن تَقْدِيمه يستلزمه، ويفيد أَنه لم يرضه لغَيرهم كَمَا يَقْتَضِيهِ كَلَام أهل الْبَيَان. وَمِنْهَا: مَا فِي حَدِيث إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه وَابْن أبي شيبَة: (أَنه ﷺ قَالَ ليهودي حلف وَالله مَا اصْطفى الله مُحَمَّدًا على الْبشر: بل يَا يَهُودِيّ آدم صفّى الله وَإِبْرَاهِيم خَلِيل الله ومُوسَى نجى الله وَعِيسَى روح الله وَأَنا حبيب الله، بل يَا يَهُودِيّ تسمي الله باسمين سمى بهما أمتِي هُوَ السَّلَام وسمى بهَا أمتِي الْمُسلمين) الحَدِيث، وَهُوَ صَرِيح فِي اخْتِصَاص أمته بِوَصْف الْإِسْلَام وَإِلَّا لقَالَ الْيَهُودِيّ وَنحن أَيْضا كَذَلِك. وَفِي حَدِيث النَّسَائِيّ وَغَيره (من دَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّة فَإِنَّهُ من خبء جَهَنَّم، قَالَ رجل: يَا رَسُول الله وَإِن صَامَ وَصلى؟ قَالَ: نعم، فَادعوا بدعوة الله الَّتِي سَمَّاكُم بهَا الْمُسلمين، وَالْمُؤمنِينَ عباد الله) .
وَأخرج أَبُو نعيم وَغَيره عَن وهب قَالَ: أوحى الله إِلَى شُعَيْب إِنِّي باعث نَبيا أُمِّيا مولده بِمَكَّة إِلَى أَن قَالَ وَالْإِسْلَام مِلَّته وَأحمد اسْمه، وَلَا يُعَارض ذَلِك قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٥ ٣٦] لما مر أَن وصف الْإِسْلَام يُطلق على الْأَنْبِيَاء أَيْضا وَالْبَيْت الْمَذْكُور بَيت لوط صلى الله على نَبينَا وَعَلِيهِ وَسلم وَلم يكن فِيهِ مُسلم إِلَّا هُوَ وَبنَاته فَأطلق عَلَيْهِ أَصَالَة وعليهنّ تَغْلِيبًا أَو تبعا تَشْرِيفًا لَهُم، إِذْ قد يخْتَص أَوْلَاد الْأَنْبِيَاء بأَشْيَاء لَا يشاركهم فِيهَا بَقِيَّة الْأُمَم، كَمَا اخْتصَّ سيدنَا إِبْرَاهِيم ابْن نَبينَا ﷺ بِأَنَّهُ لَو عَاشَ كَانَ نَبيا، وكما اخْتصّت فَاطِمَة بِأَنَّهَا لَا يتَزَوَّج عَلَيْهَا وبأنها تمكث فِي الْمَسْجِد مَعَ الْحيض والجنابة وَكَذَلِكَ أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ، وَكَذَا عليّ وَالْحسن وَالْحُسَيْن ﵃ اختصوا بِجَوَاز الْمكْث فِي الْمَسْجِد مَعَ الْجَنَابَة كل ذَلِك تبع لَهُ ﷺ ، وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى عَن أَوْلَاد يَعْقُوب: ﴿وَوَصَّىابِهَآ إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِىَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىالَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [الْبَقَرَة: ١٣٢] إِمَّا على سَبِيل التّبعِيَّة إِن لم يَكُونُوا أَنْبيَاء وَإِلَّا فَوَاضِح، وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالَ مُوسَىاياقَوْمِ إِن كُنتُمْ ءامَنْتُمْ بِ اللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِن كُنْتُم مُّسْلِمِينَ﴾ [يُونُس: ٨٤] إِمَّا أَن يحمل على التغليب فَإِن فيهم هَارُون ويوشع وهما نبيان فأدرج بَقِيَّة الْقَوْم فِي الْوَصْف تَغْلِيبًا، أَو يحمل على أَن المُرَاد إِن كُنْتُم منقادين لي فِيمَا آمركُم بِهِ، وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَوَصَّىابِهَآ إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِىَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىالَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [الْبَقَرَة: ١٣٢] فَهُوَ من قَول إِبْرَاهِيم لِبَنِيهِ وَيَعْقُوب لِبَنِيهِ وَفِي بني كل الْأَنْبِيَاء فَوَقع تَغْلِيبًا وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْءَامِنُواْ بِى وَبِرَسُولِى قَالُواءَامَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ [الْمَائِدَة: ١١١] فَإِن الحواريين فيهم الْأَنْبِيَاء الثَّلَاثَة المذكورون فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَّثَلاً أَصْحَابَ القَرْيَةِ إِذْ جَآءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس: ١٣] الْآيَة، نَص الْعلمَاء على أَنهم من حوارِي عِيسَى وَأحد قولي الْعلمَاء أَن الثَّلَاثَة أَنْبيَاء ويرشحه ذكر الوحى إِلَيْهِم، وَلَا يُؤَيّد القَوْل الْمَرْجُوح آيَة: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الِدِينِ مَا وَصَّىابِهِ نُوحاً﴾ [الشورى: ١٣] إِلَخ، خلافًا لمن وهم فِيهِ لِأَن المُرَاد اسْتِوَاء الشَّرَائِع كلهَا فِي أصل التَّوْحِيد، وَلَيْسَ الْإِسْلَام اسْما للتوحيد فَقَط بل لمجموع الشَّرِيعَة بفروعها وأعمالها، على أَن مَحل النزاع إِنَّمَا هُوَ فِي أَمر لَفْظِي هُوَ أَن تِلْكَ الشَّرَائِع هَل تسمى إسلاماً أَو لَا؟ وَالرَّاجِح لَا، بِنَاء على أنَّ الْإِطْلَاق يتَوَقَّف على الْوُرُود، وَلم يرد فِي شَيْء من الشَّرَائِع تَسْمِيَته إسلاماً من غير تَغْلِيب أَو تَبَعِيَّة لنَبِيّ، فَلَا يُطلق عَلَيْهِ كَمَا لَا يُطلق على شَيْء من الْكتب أَنه قُرْآن، وَلَا على شَيْء من أَوَاخِر آي الْقُرْآن أَنه سَجَع بل فواصل وقوفاً مَعَ مَا ورد كَمَا قَالَ النَّوَوِيّ. لَا يُقَال فِي حق النَّبِي ﷺ وَإِن كَانَ عَزِيزًا جَلِيلًا، وعَلى الرَّاجِح فَوجه الِاخْتِصَاص بِهَذَا الِاسْم هُوَ أَن الْإِسْلَام اسْم للشريعة الْمُشْتَملَة على فواضل الْعِبَادَات المختصة بِهَذِهِ الْأمة من الصَّلَوَات الْخمس وَصَوْم رَمَضَان وَالْغسْل من الْجَنَابَة وَالْجهَاد وَنَحْوهَا كَمَا أَفَادَهُ
стр. 127
حَدِيث جِبْرِيل قَالَ: (الْإِسْلَام أَن تشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله، وتقيم الصَّلَاة الْمَكْتُوبَة، وتأتى الزَّكَاة الْمَفْرُوضَة، وتصوم رَمَضَان، وتحج الْبَيْت) وَفِي رِوَايَة: (وتغتسل من الْجَنَابَة) وَذَلِكَ خَاص بِهَذِهِ الْأمة كَمَا تقرر لم يكْتب على غَيرهَا من الْأُمَم، وَإِنَّمَا كتب على الْأَنْبِيَاء فَقَط كَمَا جَاءَ فِي أثر وهب (وأعطيتهم من النَّوَافِل مثل مَا أَعْطَيْت الْأَنْبِيَاء، وافترضت عَلَيْهِم الْفَرَائِض الَّتِي افترضت على الْأَنْبِيَاء وَالرسل) فَلذَلِك سميت هَذِه الْأمة مُسلمين كَمَا سمى بذلك الْأَنْبِيَاء والمرسلون وَلم يسم غَيرهَا من الْأُمَم. وَيُؤَيّد هَذَا الْمَعْنى حَدِيث أبي يعلى: (الْإِسْلَام ثَمَانِيَة أسْهم: شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله، وَالصَّلَاة، وَالزَّكَاة، وَالْحج وَالْجهَاد، وَصَوْم رَمَضَان، وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر) . وَأخرج الْحَاكِم عَن ابْن عَبَّاس ﵄: (سِهَام الْإِسْلَام ثَلَاثُونَ سَهْما لم يُتمهَا إِلَّا إِبْرَاهِيم وَمُحَمّد صلى الله عَلَيْهِمَا وَسلم) . [تَنْبِيه] : قَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذِينَءَاتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ وَإِذَا يُتْلَىاعَلَيْهِمْ قَالُواءَامَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّنَآ إنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ [الْقَصَص: ٥٢، ٥٣] ظَاهر فِي الدّلَالَة للمرجوح. وَأجَاب عَنهُ الْجلَال السُّيُوطِيّ بِمَا فِيهِ تكلّف وَضعف، وَمِنْه أَن الْوَصْف فِي مُسلمين اسْم فَاعل مُرَاد بِهِ الِاسْتِقْبَال كَمَا هُوَ حَقِيقَة فِيهِ لَا الْحَال وَلَا الْمَاضِي الَّذِي هُوَ مجَاز والتمسك بِالْحَقِيقَةِ هُوَ الأَصْل. وَتَقْدِير الْآيَة: إِنَّا كُنَّا من قبل مَجِيئه عازمين على الْإِسْلَام بِهِ إِذا جَاءَ لما كُنَّا نجده فِي كتبنَا من نَعته وَوَصفه، ويرشحه أَن السِّيَاق يرشد إِلَى أَن قصدهم الْإِخْبَار بحقية الْقُرْآن وَأَنَّهُمْ كَانُوا على قصد الْإِسْلَام بِهِ إِذا جَاءَ بِهِ النَّبِي ﷺ لما كَانَ عِنْدهم من صِفَاته وَظهر لَهُم من قرب زَمَانه واقتراب بعثته، وَلَيْسَ قصدهم الثَّنَاء على أنفسهم فِي حد ذاتهم بِأَنَّهُم كَانُوا بِصفة الْإِسْلَام أَولا فَإِن ذَلِك ينبو عَنهُ الْمقَام.
١٦٧ - وَسُئِلَ نفع الله بِهِ: مَا الْأَفْضَل الْعقل أم الْعلم الْحَادِث؟ فَأجَاب بقوله ﵁: اخْتلف الْعلمَاء فِي ذَلِك. وَالرَّاجِح عِنْد أَكْثَرهم تَفْضِيل الْعلم، لِأَن الْبَارِي تَعَالَى يُوصف بِالْعلمِ الْقَدِيم وَلَا يُوصف بِالْعقلِ أصلا وَمَا كَانَ من جنس مَا وصف بِهِ أفضل، وَمِمَّا يدل لفضل الْعلم أَيْضا أَن مُتَعَلّقه أشرف، وَأَنه ورد بل صَحَّ فِي فَضله أَحَادِيث لَا تحصى، وَلم يرد فِي فضل الْعقل حَدِيث بل كل مَا روى فِيهِ مَوْضُوع وَكذب. وَقَالَ بعض الْمُحَقِّقين: الْعلم أفضل بِاعْتِبَار أَنه أقرب إِلَى الْإِفْضَاء إِلَى معرفَة الله وَصِفَاته، وَالْعقل أفضل بِاعْتِبَار أَنه منبع للْعلم وأصل لَهُ. وَحَاصِله أَن فَضِيلَة الْعلم بِالذَّاتِ وفضيلة الْعقل بالوسيلة إِلَى الْعلم.
١٦٨ - وَسُئِلَ نفع الله بِهِ: كم عدد الْأَنْبِيَاء وَالرسل؟ فَأجَاب بقوله: روى الطَّبَرَانِيّ بِسَنَد رِجَاله رجال الصَّحِيح (أَن رجلا قَالَ: يَا رَسُول الله أنبيّ آدم قَالَ نعم. قَالَ كم بنيه وَبَين نوح؟ قَالَ عشرَة قُرُون. قَالَ كم بَين نوح وَإِبْرَاهِيم؟ قَالَ عشرَة قُرُون. قَالَ يَا رَسُول الله كم كَانَت الرُّسُل؟ قَالَ ثلثمِائة وَخَمْسَة عشر) . وَأخرج ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) وَالْحَاكِم عَن أبي ذَر (قلت يَا رَسُول الله كم الْأَنْبِيَاء؟ قَالَ: مائَة ألف نَبِي وَأَرْبَعَة وَعِشْرُونَ ألفا. قلت: يَا رَسُول الله كم الرُّسُل مِنْهُم؟ قَالَ ثلثمِائة وَثَلَاثَة عشر جَمُّ غفير) وَلَا يُنَافِي ذَلِك قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِىَ بِئَايَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَآءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِىَ بِ الْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [غَافِر: ٧٨] لِأَن هَذَا إِخْبَار عَمَّن قصّ عَلَيْهِ أَو أَنه قصّ عَلَيْهِ الْكل بعد نزُول تِلْكَ الْآيَة، وَبِه يُجَاب أَيْضا عَن التخالف بَين الرِّوَايَتَيْنِ فَيحمل أَنه قصّ عَلَيْهِ أَولا ثلثمِائة وَثَلَاثَة عشر ثمَّ ثَانِيًا ثلثمِائة وَخَمْسَة عشر، فَأخْبر عَن كل بِحَسب مَا قصّ عَلَيْهِ وَقت الْإِخْبَار بِهِ.
١٦٩ - وَسُئِلَ نفع الله بِهِ: مَا الْمُعْتَمد فِي الْخضر هَل هُوَ نَبِي حيّ وَكَذَا إلْيَاس؟ فَأجَاب بقوله: الْمُعْتَمد حياتهما ونبوتهما، وأنهما خصا بذلك فِي الأَرْض كَمَا خص إِدْرِيس وَعِيسَى صلى الله عَلَيْهِمَا وَسلم ببقائهما حيين فِي السَّمَاء.
١٧٠ - وَسُئِلَ نفع الله بِهِ: كم بَين مُوسَى وَعِيسَى، وَبَين عِيسَى وَنَبِينَا مُحَمَّد ﷺ ؟ فَأجَاب بقوله: الأول ألف وبضع وَتِسْعمِائَة سنة، وَالثَّانِي نَحْو سِتّمائَة سنة على الْأَشْهر.
١٧١ - وَسُئِلَ نفع الله بِهِ: عَن نزُول عِيسَى صلى الله على نَبينَا وَعَلِيهِ وَسلم، أيحكم بشريعتنا أَو بشريعة أُخْرَى؟ . فَأجَاب بقوله: الَّذِي نَص عَلَيْهِ الْعلمَاء، بل أَجمعُوا عَلَيْهِ أَنه يحكم بشريعة مُحَمَّد ﷺ وعَلى مِلَّته. وَفِي رِوَايَة سندها جيد (مُصدقا بِمُحَمد وعَلى مِلَّته إِمَامًا مهدِّياً وَحكما عدلا) . وَفِي رِوَايَة لِابْنِ عَسَاكِر (فَيصَلي الصَّلَوَات ويُجمِّع الْجمع) ومجموع الْخمس وَصَلَاة الْجُمُعَة لم يكن فِي غير هَذِه الْملَّة. ١٧٢ وَسُئِلَ نفع الله بِهِ بِمَا لَفظه: أَجمعُوا على أَن عِيسَى يحكم بشريعتنا فَمَا كَيْفيَّة حكمه بذلك بِمذهب أحد من الْمُجْتَهدين أم بِاجْتِهَاد؟ فَأجَاب بقوله: عِيسَى ﷺ منزه عَن أَن يُقلِّد غَيره من بَقِيَّة الْمُجْتَهدين بل هُوَ أولى بِالِاجْتِهَادِ ثمَّ عِلْمُه بِأَحْكَام شرعنا إمَّا بعلمها من الْقُرْآن فَقَط، إذْ لم يفرط فِيهِ من شَيْء وَإِنَّمَا
стр. 128
احتجنا إِلَى غَيره لقصورنا، وَقد كَانَت أَحْكَام نَبينَا كلهَا مَأْخُوذَة من الْقُرْآن، وَمن ثمَّ قَالَ الشَّافِعِي ﵁: كل مَا حكم بِهِ النَّبِي ﷺ فَهُوَ مِمَّا فهمه من الْقُرْآن، فَلَا يبعد أَن عِيسَى ﷺ يكون كَذَلِك أَو بِرِوَايَة السّنة عَن نَبينَا ﷺ فَإِنَّهُ اجْتمع بِهِ فِي حَيَاته مَرَّات وَمن ثمَّ عُدَّ من الصَّحَابَة. أخرج ابْن عدي عَن أنس ﵁ (بَينا نَحن مَعَ رَسُول الله ﷺ إِذْ رَأينَا بُرْداً ويداً فَقُلْنَا يَا رَسُول الله مَا هَذَا الْبرد الَّذِي رَأينَا وَالْيَد؟ قَالَ: قد رَأَيْتُمُوهُ؟ قُلْنَا نعم. قَالَ: ذَلِك عِيسَى بن مَرْيَم سلم عليَّ) . وَفِي رِوَايَة ابْن عَسَاكِر عَنهُ (كنت أَطُوف مَعَ النَّبِي ﷺ حول الْكَعْبَة إِذْ رَأَيْته صَافح شَيْئا وَلم أره قُلْنَا يَا رَسُول الله رَأَيْنَاك صافحت شَيْئا وَلَا نرَاهُ، قَالَ: ذَلِك أخي عِيسَى بن مَرْيَم انتظرته حَتَّى قضى طَوَافه فَسلمت عَلَيْهِ) وحينئذٍ فَلَا مَانع أَنه حينئذٍ تلقى عَن النَّبِي ﷺ أَحْكَام شَرِيعَته الْمُخَالفَة لشريعة الْإِنْجِيل لعلمه أَنه سينزل وَأَنه يحْتَاج لذَلِك فَأَخذهَا مِنْهُ بِلَا وَاسِطَة. وَفِي حَدِيث ابْن عَسَاكِر (أَلا إِن ابْن مَرْيَم لَيْسَ بيني وَبَينه نَبِي وَلَا رَسُول أَلا إِنَّه خليفتي فِي أمتِي من بعدِي) وَقد صرح السُّبْكِيّ بِأَنَّهُ يحكم بشريعة نَبينَا ﷺ بِالْقُرْآنِ وَالسّنة إِمَّا بِكَوْنِهِ يتلقاها من نَبينَا ﷺ شفاها بعد نُزُوله مِنْ قَبره، وَيُؤَيِّدهُ حَدِيث أبي يعلى (وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لينزلنّ عِيسَى بن مَرْيَم ثمَّ لَئِن قَامَ على قَبْرِي وَقَالَ يَا مُحَمَّد لأجُيبنَّه) وَإِمَّا بِكَوْنِهِ تَعَالَى أوحاها إِلَيْهِ فِي كِتَابه الْإِنْجِيل أَو غَيره، لِأَن جَمِيع الْأَنْبِيَاء كَانُوا يعلمُونَ فِي زمانهم بِجَمِيعِ شرائع مَنْ قَبْلهم ومَنْ بَعْدَهم بِالْوَحْي من الله على لِسَان جِبْرِيل ﵊ وبالتنبيه على ذَلِك فِي كتبهمْ الْمنزلَة عَلَيْهِم كَمَا دلّ على ذَلِك أَحَادِيث وآثار، وَلَا بعد فِيمَا يفهم من هَذَا أَن جَمِيع مَا فِي الْقُرْآن مُضمَّن فِي الْكتب السَّابِقَة لقَوْله تَعَالَى: ﴿مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [الْبَقَرَة: ٩٧] أَي كتب من قبله ﴿إِنَّ هَاذَا لَفِى الصُّحُفِ الاٍّولَى صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ [الْأَعْلَى: ١٨، ١٩] ﴿وَإِنَّهُ لَفِى زُبُرِ الأٌّوَّلِينَ﴾ [الشُّعَرَاء: ١٩٦] أَي كتبهمْ.
وَقد أَخذ أَبُو حنيفَة ﵁ قَوْله بِجَوَاز قِرَاءَة الْقُرْآن بِغَيْر الْعَرَبيَّة من هَذِه الْآيَة قَالَ: لِأَن الْقُرْآن مضمن فِي الْكتب السَّابِقَة وَهِي بِغَيْر الْعَرَبيَّة. ١٧٣ وَسُئِلَ نفع الله بِهِ: عَمَّن روى حَدِيث (يُوشك أَن يمْلَأ الله أَيْدِيكُم من الْعَجم فَيَأْكُلُونَ فِيكُم) ؟ ، فَأجَاب: بقوله رَوَاهُ أَحْمد وَالْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ.
١٧٤ - وَسُئِلَ نفع الله بِهِ: هَل ثَبت أَن عِيسَى ﷺ بعد نُزُوله يَأْتِيهِ الْوَحْي؟ فَأجَاب بقوله: نعم بِوَحْي إِلَيْهِ وَحي حَقِيقِيّ كَمَا فِي حَدِيث مُسلم وَغَيره عَن النواس بن سمْعَان؛ وَفِي رِوَايَة صَحِيحَة (فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِك إذْ أوحى إِلَيْهِ يَا عِيسَى إِنِّي قد أخرجت عباداً لي لَا يَد لأحد بقتالهم حوَّل عبَادي إِلَى الطّور) وَذَلِكَ الْوَحْي على لِسَان جِبْرِيل إِذْ هُوَ السفير بَين الله وأنبيائه لَا يعرف ذَلِك لغيره وَعِيسَى نَبِي كريم بَاقٍ على نبوته ورسالته، لَا كَمَا زَعمه مَنْ لَا يعتدَّ بِهِ أَنه وَاحِد من هَذِه الْأمة، لِأَن كَونه وَاحِدًا مِنْهُم يحكم بشريعتهم لَا يُنَافِي بَقَاءَهُ على نبوته ورسالته.
وَخبر (لَا وَحي بعدِي) بَاطِل، نعم إِنَّمَا يتلَقَّى جِبْرِيل الْوَحْي عَن الله بِوَاسِطَة إسْرَافيل كَمَا دلّت عَلَيْهِ الْأَحَادِيث، وَمَا اشْتهر أَن جِبْرِيل ﵇ لَا ينزل إِلَى الأَرْض بعد موت النَّبِي ﷺ فَهُوَ لَا أصل لَهُ. وَيَردهُ خبر الطَّبَرَانِيّ (مَا أحب أَن يرقد الجُنب حَتَّى يتَوَضَّأ فَإِنِّي أَخَاف أَن يتوفى وَمَا يحضرهُ جِبْرِيل) فَدلَّ على أَن جِبْرِيل ينزل إِلَى الأَرْض ويحضر موت كل مُؤمن توفاه الله وَهُوَ على طَهَارَة. وَفِي حَدِيث الطَّبَرَانِيّ وَغَيره (أَن مِيكَائِيل ﵇ يمْنَع الدَّجَّال مَكَّة، وَجِبْرِيل ﵇ يمنعهُ من الْمَدِينَة) وَلَا يُنَافِي مَا تقرر أَن جِبْرِيل ﵇ هُوَ السفير نزُول إسْرَافيل على نَبينَا ﷺ ، فقد صَحَّ عَن الشّعبِيّ أَنه قَالَ: أنزلت عَلَيْهِ النبوّة وَهُوَ ابْن أَرْبَعِينَ سنة، فقرن بنبوّته إسْرَافيل ثَلَاث سِنِين لِأَن هَذَا أثر مُرْسل أَو معضل فَلَا يُنَافِي الثَّابِت فِي أَحَادِيث الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا أَن صَاحب الْوَحْي هُوَ جِبْرِيل، على أَن المُرَاد بالسفير المرصد لذَلِك، فَلَا يُنَافِي ذَلِك مَجِيء غَيره من الْمَلَائِكَة إِلَى النَّبِي ﷺ فِي بعض الْأَخْبَار، إِذْ كم من ملك غير إسْرَافيل جَاءَ إِلَى النَّبِي ﷺ فِي قضايا مُتعَدِّدَة كَمَا هُوَ فِي كثير من الْأَحَادِيث. وَمِمَّا يُنَازع فِي أثر الشّعبِيّ قَول جمَاعَة من الْعلمَاء فِي خبر مُسلم وَغَيره (بَيْنَمَا رَسُول الله ﷺ جَالس وَعِنْده جِبْرِيل إِذْ سمع نقيضاً من السَّمَاء من فَوق فَرفع جِبْرِيل بَصَره إِلَى السَّمَاء فَقَالَ يَا مُحَمَّد هَذَا ملك قد نزل لم ينزل إِلَى الأَرْض قطّ. قَالَ: فَأتى النَّبِي ﷺ فَسلم عَلَيْهِ) الحَدِيث أَن هَذَا الْملك إسْرَافيل. وَأخرج الطَّبَرَانِيّ حَدِيث: (لقد هَبَط عليّ ملك من السَّمَاء مَا هَبَط
стр. 129
على نَبِي قبلي وَلَا يهْبط على أحد بعدِي وَهُوَ إسْرَافيل، فَقَالَ أَنا رَسُول رَبك إِلَيْك أَمرنِي أَن أخيرك إِن شِئْت نَبيا عبدا وَإِن شِئْت نَبيا ملكا) الحَدِيث، وَهَذَا كَالَّذي قبله بعد ابْتِدَاء الْوَحْي بسنين كَمَا يعرف من سَائِر طرق الْأَحَادِيث، وهما ظاهران فِي أَن إسْرَافيل لم ينزل إِلَيْهِ قبل ذَلِك، فَكيف يَصح قَول الشّعبِيّ إِنَّه إتاه فِي ابْتِدَاء الْوَحْي.
١٧٥ - وَسُئِلَ نفع الله بِهِ: هَل يمر الْكَافِر على الصِّرَاط؟ فَأجَاب بقوله: فِي أَحَادِيث مَا يَقْتَضِي أَنهم يَمرونَ وَفِي أَحَادِيث مَا يَقْتَضِي خِلَافه، وَجمع بِحمْل الأول على الْمُنَافِقين.
وَقد صرح الْقُرْطُبِيّ بِأَن فِي الْآخِرَة صراطين صِرَاط لعُمُوم الْخلق إِلَّا مَنْ يدْخل الْجنَّة بِغَيْر حِسَاب وَمن يلتقطعهم عُتُق النَّار، وصراط للْمُؤْمِنين خَاصَّة وَبِه يعلم أَن مَنْ يلتقطهم عتق النَّار وهم طوائف مَخْصُوصَة من الْكفَّار لَا يَمرونَ على الصِّرَاط أصلا، وَكَذَلِكَ بعث النَّار الَّذِي يخرج من الْخلق إِلَيْهَا قبل نَصْبّ الصِّرَاط، وهم طوائف من الْكفَّار أَيْضا. قيل: الظَّاهِر أَنه لَا يمر عَلَيْهِ إِلَّا المُنَافِقُونَ وَالْيَهُود وَالنَّصَارَى. فقد ورد فِي الحَدِيث (أَنهم يحملون عَلَيْهِ ثمَّ يسقطون فِي النَّار) ، وَكَذَلِكَ من ينصب لَهُ الْمِيزَان من الْكفَّار وهم طَائِفَة مَخْصُوصَة مِنْهُم يَمرونَ عَلَيْهِ.
١٧٦ - وَسُئِلَ نفع الله بِهِ: هَل يحْشر أحد غير عَار؟ فَأجَاب بقوله: نعم، بعض النَّاس: أَي وهم الشُّهَدَاء يحشرون فِي أكفانهم كَمَا قَالَه الْبَيْهَقِيّ، وَحمل على ذَلِك الحَدِيث الصَّحِيح (يبْعَث الْمَيِّت فِي ثِيَابه الَّتِي يَمُوت فِيهَا) . وَجَاء عَن عمر ومعاذ ﵄ (حسِّنوا أكفان مَوْتَاكُم فَإِن النَّاس يحشرون فِي أكفانهم) ، وَهَذَا مِنْهُمَا لَهُ حكم الْمَرْفُوع. وَأخرج الدينَوَرِي عَن الْحسن (أَن أهل الزّهْد كالشهداء) ، وَهُوَ فِي حكم الْمُرْسل الْمَرْفُوع، وَإِذا ثَبت ذَلِك لهَؤُلَاء فالأنبياء أولى. وَصَحَّ حَدِيث (إِن النَّاس يحشرون يَوْم الْقِيَامَة على ثَلَاثَة أَفْوَاج: فَوْج طاعمين كاسين راكبين، وفوج يَمْشُونَ ويسعون، وفوج تسحبهم الْمَلَائِكَة على وُجُوههم) . ١٧٧ وَسُئِلَ نفع الله بِهِ: هَل يُوزن الْإِيمَان مَعَ الْحَسَنَات؟ فَأجَاب بقوله: حكى الْقُرْطُبِيّ عَن الْحَكِيم التِّرْمِذِيّ أَنه لَا يُوزن لِأَنَّهُ لَا يُقَابل إِذْ لَا يُمكن كَون الْإِنْسَان يجمع إِيمَانًا وَكفرا وَمَا فِي الْأَحَادِيث مِمَّا يَقْتَضِي وَزنه مؤول بِأَن المُرَاد الزِّيَادَة فِيهِ على أَصله الْوَاجِب.
١٧٨ - وَسُئِلَ ﵁: هَل يحْشر الطِّفْل على صورته؟ وَهل يتَزَوَّج من الْحور الْعين؟ وَهل الْولدَان من جنس الْحور؟ فَأجَاب بقوله: الطِّفْل يكون فِي الْحَشْر على خلقته، ثمَّ عِنْد دُخُوله الْجنَّة يزْدَاد فِيهَا حَتَّى يكون كَالْبَالِغِ ثمَّ يتزوّج من نسَاء الدُّنْيَا وَمن الْحور وهنّ والولدان جنس وَاحِد.
١٧٩ - وَسُئِلَ ﵀: عَمَّن روى حَدِيث: (يدْخل أهل الْجنَّة الْجنَّة جردا مردا بيضًا مُكَحَّلِينَ أَبنَاء ثَلَاث وَثَلَاثِينَ على خَلْق آدم سَبْعُونَ ذِرَاعا فِي عرض سَبْعَة) من رَوَاهُ؟ فَأجَاب بقوله: رَوَاهُ أَحْمد وَابْن أبي الدُّنْيَا وَالطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) .
١٨٠ - وَسُئِلَ نفع الله بِهِ، بِمَا لَفظه: مَا معنى قَول التَّاج السُّبْكِيّ فِي (ألغازه) : مَنْ بِاتِّفَاق جَمِيع الْخلق أفضل مِنْ شيخ الصحاب أبي بكر ومِنْ عمر وَمن عليِّ وَمن عُثْمَان وَهُوَ فَتى من أمة الْمُصْطَفى الْمَبْعُوث مِنْ مُضَر مَنْ أبصرتْ فِي دمشق عينُه صنما مصوّراً وَهُوَ منحوت من الْحجر إنْ جَاع يَأْكُل وَإِن يعطش تضلَّع من مَاء زُلالٍ ثمَّ غير مُنْهَمِرٍ مَنْ قَالَ إنَّ الزِّنَا وَالشرب مصلحَة وَلم يقل هُوَ ذَنْب غير مغْتَفر مَنْ قَالَ إنْ نِكَاح الْأُم يقرِّب مِنْ تقوى الْإِلَه مقَالا غير منتكر مَنْ قَالَ سفك دِمَاء الْمُسلمين على الص لاة أوْجَبَه الرَّحِمان فِي الزبر فَأجَاب بقوله ﵀ (من) الأولى وَالثَّانيَِة وَمَا بعْدهَا اسْتِفْهَام نفي أَو إِنْكَار: أَي لم يقل ذَلِك أحد كَذَا حلّه النَّاظِم وَجوز فِيمَن قَالَ (إِن الزِّنَا) أَن مِنْ مُبْتَدأ خَبره غير مغتفر: أَي لَا يغْتَفر لَهُ هَذَا القَوْل، وَفسّر غَيره (الْفَتى) بِعِيسَى وَأبقى (من) على حَالهَا لَكِن بَالغ فِي إِنْكَار تَسْمِيَة عِيسَى فَتى فَلَو عبر بشخص تمّ لَهُ ذَلِك، وَقَوله: (من أَبْصرت) الخ أَرَادَ بِهِ مَا رَوَاهُ الْحَاكِم فِي تَارِيخ نيسابور بِسَنَدِهِ إِلَى أبي عبد الله البوشَنْجي عَن عبد الله بن يزِيد الدِّمَشْقِي عَن عبد الرَّحِمان بن يزِيد بن جَابر قَالَ: رَأَيْت بِبَغْدَاد صنماً مِنْ نُحاس إِذا عَطش نزل فَشرب. قَالَ البوشنجي: رُبمَا تَكَلَّمت الْعلمَاء على قدر فهم الْحَاضِرين تأديباً وامتحاناً فَهَذَا الرجل بن جَابر أحد عُلَمَاء الشَّام، وَمعنى كَلَامه: أَن الصَّنَم لَا يعطش وَلَو عَطش نزل فَشرب فنفى عَنهُ النُّزُول والعطش وَالْحَاصِل أَن الْقَضِيَّة الشّرطِيَّة لَا يلْزم إمكانها.
стр. 130
١٨١ - وَسُئِلَ نفع الله بِهِ: عَن ثَلَاثَة من الْحَيَوَان لم يخرجُوا من فرج أُنْثَى؟ فَأجَاب بقوله: هُوَ آدم وحواء وناقة صَالح.
١٨٢ - وَسُئِلَ نفع الله بِهِ: عَن حَدِيث: (الْخَيْر فِي وَفِي أمتِي إِلَى يَوْم الْقِيَامَة) من رَوَاهُ. فَأجَاب بقوله: لم يرد بِهَذَا اللَّفْظ، وَإِنَّمَا يدل على مَعْنَاهُ الْخَبَر الْمَشْهُور. (لَا تزَال طَائِفَة من أمتِي ظَاهِرين على الحقّ لَا يضرّهم من خالفهم حَتَّى يَأْتِي أَمر الله وهم على ذَلِك) وَفسّر ذَلِك الْأَمر برِيح لينَة يرسلها الله لقبض أَرْوَاح الْمُؤمنِينَ ثمَّ لَا يبْقى على وَجه الأَرْض إِلَّا شرار أَهلهَا فتقوم السَّاعَة عَلَيْهَا. كَمَا فِي حَدِيث: (لَا تقوم السَّاعَة وعَلى وَجه الأَرْض من يَقُول الله الله) .
١٨٣ - وَسُئِلَ نفع الله بِعُلُومِهِ: هَل فِي الْجنَّة من هُوَ بلحية غير آدم؟ فَأجَاب بقوله: لَيْسَ فِيهَا بلحية غَيره، وَحَدِيث (إِن هرون كَذَلِك) مَوْضُوع كَمَا قَالَه الذَّهَبِيّ. وَسُئِلَ نفع الله بِهِ: بِمَا لَفظه: مَا قبل إِن فِي الْجنَّة جمالاً ترعى وتشرب من أنهارها هَل جَاءَ فِيهِ شَيْء لَهُ أصل؟ فَأجَاب بقوله: قَالَ الْحَافِظ السُّيُوطِيّ: لم أر فِي ذَلِك شَيْئا.
١٨٤ - وَسُئِلَ نفع الله بِهِ: أَيّمَا أفضل الْمشرق أَو الْمغرب؟ فَأجَاب: فِيهِ خلاف احْتج الْقَائِلُونَ بتفضيل الْمشرق بِوُجُوه: الأول: أَن الله تَعَالَى لم يذكرهما إِلَّا قدم الْمشرق. الثَّانِي: أَن الضَّوْء أَو مَا يطلع مِنْهُ. الثَّالِث: أَن الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة مِنْهُ. الرَّابِع: أَن فِيهِ الأَرْض الَّتِي بورك فِيهَا بِالنَّصِّ وَهِي أَرض مصر وَالشَّام وَأَرْض الجزيرة، لِأَن النَّاس اتَّفقُوا على أنَّ مِصْر حد مَا بَين الْمشرق وَالْمغْرب، فَمَا كَانَ من مصر إِلَى جِهَة مطلع الشَّمْس فَهُوَ مشرق فَيتَنَاوَل الْحجاز وَالشَّام واليمن وَالْعراق وَمَا بعْدهَا، والمِصْر لُغَة الحدُّ وَلذَا سميت مصر بِمصْر، وَيُزَاد عَلَيْهِ أَن فِيهِ مَكَّة والكعبة وَالْمَسْجِد الْحَرَام وَالْحرم وشعار الْحَج وَالْعمْرَة وَمَا يتَعَلَّق بهما وَالْمَدينَة النَّبَوِيَّة على مُشَرِّفها أفضلُ الصَّلَاة وَالسَّلَام، والقبر المكرم وَالْمَسْجِد وَالْحرم وَمَا بِتِلْكَ الديار من عَظِيم تِلْكَ الْآثَار، وَهَذِه فَضَائِل ومزايا لَا يُوجد فِي الْمغرب نَظِير لوَاحِد مِنْهَا. وَاحْتج المغاربة بِأَن الله تَعَالَى بَدَأَ بِذكر الْمغرب فِي قصَّة ذِي القرنين، ويردُّه توعده فِي هَذِه الْقِصَّة لأهل الْمغرب دون أهل الْمشرق وَبِأَن حَدِيث: (لَا تزَال طَائِفَة من أمتِي ظَاهِرين) فِيهِ رِوَايَة (لَا يزَال أهل الْمغرب ظَاهِرين) وردّ بِأَن الثَّابِت وهم بِالشَّام على أَن الشَّام غربي الْمَدِينَة، وَأَيْضًا أهل الْمغرب لَهُم أهل الدَّلْو الَّتِي يَسْتَقِي بهَا وَأَكْثَرهم بِالْمَدِينَةِ واليمن وَنَحْوهمَا وبظهور الْأَهِلّة مِنْهُ، وردّ بِطُلُوع الشَّمْس من الْمشرق وبأنَّ بَاب التَّوْبَة سعته أَرْبَعُونَ ذِرَاعا ثمَّ إِنَّه يغلق بالمغرب. وَيَردهُ أَن ذَلِك ذمُّ لَهُ حَيْثُ ابْتَدَأَ غلق التَّوْبَة مِنْهُ كَمَا أَن طُلُوع الشَّمْس مِنْهُ ذمُّ لَهُ أَيْضا لِأَن ظُهُور انحلال الشَّرِيعَة بأسرها مِنْهُ وَبِأَن الْمهْدي يظْهر بِهِ. ورد بِأَن الْمَشْهُور ظُهُوره بِمَكَّة الْيمن أَو الْعرَاق وَبِأَن سَائِر الْفِتَن إِنَّمَا تظهر من الْمشرق. وَيَردهُ أَن أعظم مِنْهَا كلهَا فتْنَة طُلُوع الشَّمْس من مغْرِبهَا وغلق بَاب التَّوْبَة اللَّذَان لم يبْق بعدهمَا خير قطّ، بِخِلَاف تِلْكَ الْفِتَن فَإِن معالم الْخَيْر مَوْجُودَة مَعهَا، وَبِأَن الْمَعْرُوف فِي أَكثر الرُّسُل أَنهم بعثوا بالمشرق وَلم يعرف أَن نَبيا بعث من الْمغرب، فاتضح تَفْضِيل الْمشرق وَأَنه لَا غُبَار على ذَلِك، وَالله أعلم.
١٨٥ - وَسُئِلَ نفع الله بِهِ: أَيّمَا أفضل الْأَرْضين السَّبع؟ فَأجَاب بقوله: أَعْلَاهَا كَمَا قَالَه ابْن عَبَّاس ﵄، لِأَنَّهَا مدفن الْأَنْبِيَاء ومهبط الْوَحْي ومستقر بني آدم الْأَفْضَل من غَيرهم.
١٨٦ - وَسُئِلَ نفع الله بِهِ: أَيّمَا أفضل السَّمَاء أَو الأَرْض؟ فَأجَاب بقوله: الْأَصَح عِنْد أَئِمَّتنَا ونقلوه عَن الْأَكْثَرين السَّمَاء لِأَنَّهُ لم يعْص الله فِيهَا، ومعصية إِبْلِيس لم تكن فِيهَا، أَو وَقعت نَادرا فَلم يلْتَفت إِلَيْهَا، وَقيل الأَرْض، وَنقل عَن الْأَكْثَرين أَيْضا لِأَنَّهَا مُسْتَقر الْأَنْبِيَاء ومدفنُهم.
١٨٧ - وَسُئِلَ نفع الله بِهِ: مَا مَحل الفردوس من الْجنَّة؟ فَأجَاب بقوله: فِي حَدِيث الشَّيْخَيْنِ: (إِذا سَأَلْتُم الله فَاسْأَلُوهُ الفردوس فَإِنَّهُ وسط الْجنَّة وَأَعْلَى الْجنَّة، وفوقه عرش الرَّحِمان، وَمِنْه تفجر أَنهَار الْجنَّة) . وَفِي رِوَايَة لِابْنِ أبي حَاتِم حَدِيث الفردوس مَقْصُورَة الرَّحِمان فِيهَا خِيَار الْأَنْهَار وَالْأَشْجَار) وَالله أعلم.
١٨٨ - وَسُئِلَ نفع الله بِهِ: مَا حِكْمَة طمس نور الشَّمْس وَالْقَمَر وإلقائهما فِي جَهَنَّم؟ فَأجَاب بقوله: حكمته كالكسوف والخسوف فِي الدُّنْيَا تقبيح عابديهما بِإِظْهَار عجزهما عَن الدّفع عَن أَنفسهمَا.
١٨٩ - وَسُئِلَ نفع الله بِهِ عَن السوَاد الَّذِي بالقمر؟ فَأجَاب بقوله: قيل إِن عليا كرّم الله وَجهه سُئِلَ عَن ذَلِك فَقَالَ: هُوَ أثر مسح جنَاح جِبْرِيل، لِأَن الله تَعَالَى خلق نور الْقَمَر سبعين جُزْءا كنور الشَّمْس، فمسحه جِبْرِيل بجناحه فمحا مِنْهُ تِسْعَة وَسِتِّينَ جُزْءا حوّلها إِلَى الشَّمْس فَأذْهب مِنْهُ الضَّوْء وَأبقى فِيهِ النُّور، فَذَلِك قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَحَوْنَآءَايَةَ الَّيْلِ وَجَعَلْنَآءَايَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ [الْإِسْرَاء: ١٢] الْآيَة، وَقَالَ بَعضهم: إِنَّه حُرُوف وَهِي (جميل) انْتهى. وَيُؤَيّد الأول مَا أخرجه
стр. 131
الْبَيْهَقِيّ أَن عبد الله بن سَلام سَأَلَ النَّبِي ﷺ عَنهُ، فَقَالَ: (كَانَا شمسين) وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَحَوْنَآءَايَةَ الَّيْلِ [الْإِسْرَاء: ١٢] الْآيَة، فَالَّذِي رَأَيْت هُوَ المحو. وَفِي رِوَايَة بِسَنَد واه بسط ذَلِك بأطول مِمَّا ذكر. وَأخرج عبد الرَّزَّاق أَن مُعَاوِيَة سُئِلَ أَي مَكَان إِذا صليت فِيهِ فظننتُ أَنَّك لم تصل إِلَى قبْلَة؟ وأيُ مَكَان لم تطلع عَلَيْهِ الشَّمْس إِلَّا مرّة؟ وَمَا سَواد الْقَمَر؟ فَأرْسل إِلَى ابْن عَبَّاس ﵄، ففسر لَهُ الأول بِظهْر الْكَعْبَة، وَالثَّانِي بقعر الْبَحْر الَّذِي انْفَلق لمُوسَى صلى الله على نَبينَا وَعَلِيهِ وَسلم، وَالثَّالِث بالمحو.
١٩٠ - وَسُئِلَ نفع الله بِهِ: إِذا غَابَتْ الشَّمْس أَيْن تذْهب؟ فَأجَاب بقوله: فِي حَدِيث البُخَارِيّ (أَنَّهَا تذْهب حَتَّى تسْجد تَحت الْعَرْش) . زَاد النَّسَائِيّ (ثمَّ تستأذن فَيُؤذن لَهَا، ويوشك أَن تستأذن فَلَا يُؤذن لَهَا، وتؤمر بالطلوع من مَحل غُرُوبهَا) وَلَا يُخَالف هَذَا قَوْله تَعَالَى: ﴿تَغْرُبُ فِى عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ [الْكَهْف: ٨٦] لِأَن المُرَاد بِهِ نِهَايَة إِدْرَاك الْبَصَر لَهَا حَال الْغُرُوب، وسجودها تَحت الْعَرْش إِنَّمَا هُوَ بعد الْغُرُوب. وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن ابْن عَبَّاس (إِنَّهَا بِمَنْزِلَة الساقية تجْرِي بِالنَّهَارِ فِي السَّمَاء بفلكها، وَإِذا غربت جرت بِاللَّيْلِ فِي فلكها تَحت الأَرْض حَتَّى تطلع من مشرقها وَكَذَلِكَ الْقَمَر) . وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن عِكْرِمَة أَنَّهَا إِذا غربت دخلت نَهرا تَحت الْعَرْش فتسبِّح رَبهَا حَتَّى إِذا أَصبَحت استعفتْ ربِّها عَن الْخُرُوج. قَالَ: وَلم؟ قالتْ إِنِّي إِذا خرجت عُبِّدتُ مِنْ دُونك، وَقيل يبتلعها حوت، وَقيل تغيب فِي عين حمئة كَمَا فِي الْآيَة، والحَمْأة بِالْهَمْز ذَات الطين الْأسود وقرىء (حامية) بِالْيَاءِ أَي حارة ساخنة، وَقيل تطلع من سَمَاء إِلَى سَمَاء حَتَّى تسْجد تَحت الْعَرْش وَتقول: يَا رب إِن قوما يعصونك، فَيَقُول لَهَا ارجعي من حَيْثُ جِئْت فتنزل من سَمَاء إِلَى سَمَاء حَتَّى تطلع من الْمشرق، وبنزولها إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا يطلع الْفجْر. قَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَغَيره: لَا خلاف أَنَّهَا تغرب عِنْد قوم وتطلع عِنْد قوم آخَرين، وَاللَّيْل يطول عِنْد قوم وَيقصر عِنْد آخَرين إِلَّا عِنْد خطّ الاسْتوَاء فيستويان أبدا، وَفِي بِلَاد بُلغار بموحدة مَضْمُومَة ثمَّ مُعْجمَة لَا تغيب الشَّمْس عِنْدهم إِلَّا بِمِقْدَار مَا بَين الْمغرب وَالْعشَاء ثمَّ تطلع.
١٩١ - وَسُئِلَ نفع الله بِهِ: من أَيْن يخرج الْمهْدي؟ فَأجَاب بقوله: ثَبت فِي أَحَادِيث أَنه يخرج من قبل الْمشرق، وَأَنه يُبَايع لَهُ بِمَكَّة بَين الرُّكْن وَالْمقَام ويسكن بَيت الْمُقَدّس.
١٩٢ - وَسُئِلَ نفع الله بِهِ: أيّ مَحل ينزل بِهِ عِيسَى ﵇؟ فَأجَاب بقوله: الْأَشْهر مَا صَحَّ فِي مُسلم أَنه ينزل عِنْد المنارة الْبَيْضَاء شَرْقي دمشق، وَفِي رِوَايَة بالأردن وَفِي أُخْرَى بعسكر الْمُسلمين، وَلَا تنَافِي لِأَن عَسْكَرهمْ بالأردن ودمشق وَبَيت الْمُقَدّس من ذَلِك.
١٩٣ - وَسُئِلَ ﵁: أَيّمَا أفضل طور سينا أم أحد؟ فَأجَاب بقوله: أحد للْخَبَر الصَّحِيح (أحد يحبنا ونحبه) وود أَنه على بَاب من أَبْوَاب الْجنَّة وَلِأَنَّهُ من جملَة أَرض الْمَدِينَة الَّتِي هِيَ أفضل من الْبِقَاع مُطلقًا أَو بعد مَكَّة.
١٩٤ - وَسُئِلَ نفع الله بِهِ: أَيّمَا أفضل اللَّبن أَو الْعَسَل؟ فَأجَاب بقوله: قَالَ الْجلَال السُّيُوطِيّ: مُقْتَضى الْأَدِلَّة أنَّ اللَّبن أفضل، لِأَن الله تَعَالَى جعله غذَاء للطفل دون غَيره وَأَنه يجزىء عَن الطَّعَام وَالشرَاب وَلَا كَذَلِك الْعَسَل. وَفِي الحَدِيث بِسَنَد حسن (من سقَاهُ الله لَبَنًا فَلْيقل اللَّهُمَّ بَارك لنا فِيهِ وزدنا مِنْهُ) وَأَنه لَيْسَ يَجْزِي عَن الطَّعَام وَالشرَاب غير اللَّبن، وَأَنه لَا يغص بِهِ أحد كَمَا فِي الحَدِيث قَالَ تَعَالَى: ﴿سَآئِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ [النَّحْل: ٦٦] وَأَنه اخْتَارَهُ لَيْلَة الْإِسْرَاء على الْعَسَل وَالْخمر فَقيل لَهُ (هَذِه الْفطْرَة فَأَنت عَلَيْهَا وَأمتك) رَوَاهُ الشَّيْخَانِ. وَفِي الحَدِيث: (أَمَرَ مَنْ أكل غير اللَّبن أَن يَقُول اللَّهُمَّ بَارك لنا فِيهِ وأطعمنا خيرا مِنْهُ. وَأمر من أكل اللَّبن أَن يَقُول اللَّهُمَّ بَارك لنا فِيهِ وزدنا مِنْهُ) وَهُوَ يدل على أَنه خير مِنْهُ.
١٩٥ - وَسُئِلَ نفع الله بِهِ: أَيّمَا أفضل اللَّيْل أم النَّهَار؟ فَأجَاب بقوله: اللَّيْل أفضل لِأَنَّهُ رَاحَة، وَهِي فِي الْجنَّة، وَالنَّهَار تَعَبْ وَهُوَ من النَّار، وَلِأَن لَيْلَة الْقدر خير من ألف شهر وَلم يُوجد نَهَار كَذَلِك، وَلِأَنَّهُ أنزلت سُورَة مُسَمَّاة سُورَة اللَّيْل، وَلِأَنَّهُ مقدم الذّكر على النَّهَار فِي أَكثر الْآيَات، وَأَن خَلْقه سَابق على خلق النَّهَار و (لَا) فِي ﴿وَلَا الَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ [يس: ٤٠] زَائِدَة، وليالي الشَّهْر سَابِقَة على أَيَّامه، وَأَن فِي كل لَيْلَة سَاعَة إِجَابَة بل سَاعَات، وَلَيْسَ شَيْء من ساعاته تكره فِيهِ الصَّلَاة وَفِيه التَّهَجُّد وَالِاسْتِغْفَار بالأسحار، وهما أفضل مِنْ نَفْل النَّهَار واستغفاره، وَوُقُوع الْإِسْرَاء فِيهِ وَكَون ناشئته أشدُّ وَطْأ وأقْوَمِ قِيلاً كَمَا فِي الْآيَة. وَقَالَ أهل الْعلم: فِيهِ تَنْقَطِع الأشغال، وتحتدُّ الأذْهان وَيصِح النّظر وَيُوقف الحكم وتدر الخواطر وتَنْبع مجالي الْقلب. وَقيل: النَّهَار أفضل، والتقديم لَا يدل على الْأَفْضَلِيَّة، فقد قدم الله الْمَوْت على الْحَيَاة، وَالْجِنّ على الْإِنْس، وَالْأَعْمَى والأصم على الْبَصِير والسميع. ويُرَدُّ بِأَن الْغَالِب إِفَادَة التَّقْدِيم الْأَفْضَلِيَّة،
стр. 132
وَتَقْدِيم المفضُول فِي هَذِه الحكم تعرف بِالتَّأَمُّلِ، وَبِأَن النُّور قبل الظلمَة وبأنَّ الشُّعَرَاء مَا زَالُوا يذمُّون اللَّيْل، وَبِه تدبُّ الْهَوَام، وتثور السبَاع، وتنتشر اللُّصُوص، وتتوفر الْمعاصِي، وَشبه بِهِ تَعَالَى وُجُوه أعدائه فَقَالَ ﴿كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِّنَ الَّيْلِ مُظْلِماً﴾ [يُونُس: ٢٧] وَالْفَاسِق يرقب اللَّيْل إِذا أظلم. وَنهى ﷺ عَن جدَاد اللَّيْل وصرامه، وَأمر بغَلْق الْأَبْوَاب وكفِّ الصّبيان لانتشار الشَّيَاطِين فِيهِ، وَالْأَيَّام مُسَمَّاة دون اللَّيْل وَإِنَّمَا تعرف بِالْإِضَافَة للنهار، وَالْأَيَّام الفاضلة كَثِيرَة كَيَوْم الْجُمُعَة، وَيَوْم عَرَفَة، وَيَوْم عَاشُورَاء، وَالْأَيَّام المعلومات والمعدودات، وَلَيْسَ فِي اللَّيَالِي إِلَّا لَيْلَة الْقدر وَلَيْلَة نصف شعْبَان. وَإِذا تَأَمَّلت هَذِه الْحجَج وجدت أَكْثَرهَا لَا يَقْتَضِي تَفْضِيلًا لِأَنَّهَا أُمُور عَادِية لَا شَرْعِيَّة، والشرعي من ذَلِك النَّهْي عَن الصَّوْم والجداد لَيْلًا، وسِرُّه أنَّ فِيهِ منع الْفُقَرَاء، لِأَنَّهُ لخُصُوص اللَّيْل، وانتشار الشَّيَاطِين وَنَحْو السبَاع إِنَّمَا هُوَ لما فِيهِ من الْخُلُو الَّذِي يَقْتَضِي تفضيله لصفاء الْعِبَادَة فِيهِ أَكثر من النَّهَار، وأحْسَنُ مَا يفضل بِهِ النَّهَار أَن فِيهِ الصَّلَاة الْوُسْطَى الَّتِي هِيَ أفضل الصَّلَوَات وَالصَّوْم الَّذِي قَالَ الله فِي حَقه. (كل عمل ابْن آدم لَهُ إِلَّا الصَّوْم فَإِنَّهُ لي وَأَنا أجزى بِهِ) .
١٩٦ - وَسُئِلَ نفع الله بِهِ: كم يُقيم عِيسَى ﵊ بعد نُزُوله؟ فَأجَاب بقوله: يُقيم سبع سِنِين كَمَا صَحَّ فِي حَدِيث مُسلم. وَلَا يُنَافِيهِ حَدِيث الطَّيَالِسِيّ أَنه يُقيم أَرْبَعِينَ سنة. لِأَن المُرَاد مَجْمُوع لبثه فِي الأَرْض قبل الرّفْع وَبعده فَإِنَّهُ رفع وَسنة ثَلَاث وَثَلَاثُونَ سنة.
١٩٧ - وَسُئِلَ نفع الله بِهِ وبعلومه بِمَا لَفظه: مَا مُحَصل كَلَام النَّاس فِي عوج بن عنق، وَمَا حَكَاهُ الْمُفَسِّرُونَ فِيهِ مِمَّا يطول بَسطه ويعظم استقراؤه؟ فَأجَاب بقوله: قَالَ الْحَافِظ الْعِمَاد بن كثير: قصَّة عوج بن عَنَقْ وَجَمِيع مَا يحكونه عَنهُ هذيان لَا أصل لَهُ وَهُوَ من مختلقات زنادقة أهل الْكتاب، وَلم يكن قطّ على عهد نوح وَلم يَسْلم من الْغَرق من الْكفَّار أحد. وَقَالَ ابْن الْقيم: من الْأُمُور الَّتِي يعرف بهَا كَون الحَدِيث مَوْضُوعا أَن يكون مِمَّا تقوم الشواهد الصَّحِيحَة على بُطْلَانه كَحَدِيث عوج بن عنق الطَّوِيل الَّذِي قصد وَاضعه بِهِ الطعْن فِي أَخْبَار الْأَنْبِيَاء، ثمَّ قَالَ بعد ذكر شَيْء مِمَّا حكم من غَرَائِبه: وَلَيْسَ الْعجب من جَرَاءَة هَذَا الكذَّاب على الله إِنَّمَا الْعجب مِمَّن يدْخل هَذَا الحَدِيث فِي كتب الْعلم من تَفْسِير وَغَيره، وَلَا يبين أمره، ثمَّ قَالَ: وَلَا ريب أنَّ هَذَا وَأَمْثَاله مِنْ وضْع زنادقة أهل الْكتاب الَّذين قصدُوا الِاسْتِهْزَاء والسخرية بالرسل وأتباعهم انْتهى. وَأورد فِيهِ ابْن الْمُنْذر عَن ابْن عمر من قصَّته شَيْئا. قَالَ بعض المنصفين: هَذَا مِمَّا يستحي الشَّخْص من نسبته لِابْنِ عمر ﵄ وَذكره عَنهُ، وَمَشى فِي (الْقَامُوس) على شَيْء من أخباره الْمَوْضُوعَة. وَأخرج الطَّبَرَانِيّ وَأَبُو الشَّيْخ وَابْن حبَان فِي كتاب (العظمة) فِيهِ آثاراً. قَالَ الْحفاظ فِي أطولها الْمُشْتَمل على غرائب من أَحْوَاله: إِنَّه بَاطِل كذب. قَالَ الْحَافِظ السُّيُوطِيّ: وَالْأَقْرَب فِي خبر عوج بن عنق أَنه كَانَ من بَقِيَّة عَاد، وَأَنه كَانَ لَهُ طول فِي الْجُمْلَة مائَة ذِرَاع أَو شبه ذَلِك، وَأَن مُوسَى صلى الله على نَبينَا وَعَلِيهِ وَسلم قَتله بعصاه هَذَا هُوَ الْقدر الَّذِي يحْتَمل قبُوله انْتهى.
١٩٨ - وَسُئِلَ نفع الله بِهِ وبعلومه: عَن جمَاعَة يصلونَ على النَّبِي ﷺ فِي الْجَامِع الْأَزْهَر وَفِي مَكَّة وَغَيرهمَا لَيْلَة الِاثْنَيْنِ وَالْجُمُعَة، وَمن جملَة صلَاتهم: اللَّهُمَّ صلّ أفضل صَلَاة على أفضل مخلوقاتك سيدنَا مُحَمَّد الخ، فَاعْترضَ عَلَيْهِم بعض المنتسبين للْعلم وشنَّع وَقَالَ: وَلم يدل على ذَلِك دَلِيل فَيتَعَيَّن الْإِمْسَاك عَنهُ فَهَل هُوَ مُصِيب فِي ذَلِك أَو مخطىء؟ فَأجَاب بقوله ﵁: هُوَ مخطىء فِي ذَلِك أَشد الْخَطَأ، وَكَأَنَّهُ سرى إِلَيْهِ ذَلِك من قَول بعض مَنْ لَا علم عِنْده اعتراضاً على قَول بعض المادحين: لولاه مَا كَانَ لَا ملك وَلَا ملك، مثل هَذَا يحْتَاج إِلَى دَلِيل وَلم يرد فِي كتاب وَلَا فِي السّنة مَا يدل عَلَيْهِ انْتهى. وعَلى قَول أشرف الْخلق لَا خَلْق يماثله الَّذِي أخبرنَا بِهِ عَن نَفسه ﷺ : (أَنا سيد ولد آدم) . وَمَسْأَلَة تَفْضِيل صالحي الْبشر على الْمَلَائِكَة أجَاب فِيهَا أَبُو حنيفَة وَغَيره بِلَا أَدْرِي، وَهَذَا هُوَ الْجَواب الصَّحِيح، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِىءَادَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِى الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىاكَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾ [الْإِسْرَاء: ٧٠] وَلم يقل على الْخلق وَرَسُول الله ﷺ من بني آدم وَلَيْسَ ذَلِك مِمَّا كلفنا بمعرفته، والبحث عَنهُ وَالْكَلَام فِيهِ فضُول، والسكوتُ عَنهُ هُوَ الْجَواب انْتهى كَلَام الْمُعْتَرض أَيْضا، وَكَأن ذَاك الْمُعْتَرض الْمَذْكُور فِي السُّؤَال قلَّد هَذَا الْمُعْتَرض، وكل مِنْهُمَا مخطىء مجازف قد صيَّر نَفْسه هدفاً لنصال الْعلمَاء الْمُصِيبَة، وغرضاً لهفوات الشَّيَاطِين المريبة. وَمِمَّا هُوَ وَاضح جليّ فِي بطلَان الِاعْتِرَاض الأول بل وَالثَّانِي لمن تَأمل قَوْله: (لأحب
стр. 133
الْخلق إليّ) . فِي حَدِيث الْحَاكِم الَّذِي صَححهُ أَنه ﷺ قَالَ: (قَالَ آدم يَا رب أَسأَلك بِحَق مُحَمَّد ﷺ لما غفرت لي؟ فَقَالَ الله تَعَالَى: يَا آدم وَكَيف عرفت مُحَمَّدًا وَلم أخلقه؟ قَالَ: يَا رب لما خلقتني بِيَدِك ونفخْتَ فيَّ من روحك رفعتُ رَأْسِي فَرَأَيْت على قَوَائِم الْعَرْش مَكْتُوبًا لَا إِلَه إِلَّا الله مُحَمَّد رَسُول الله، فَعلمت أَنَّك لم تضف إِلَى اسْمك إِلَّا أحبَّ الْخلق إِلَيْك قَالَ الله: يَا آدم إِنَّه لأحبُّ الْخلق إليّ، وإذْ سَأَلتنِي بِحَق مُحَمَّد فقد غَفرْتُ لَك وَلَوْلَا مُحَمَّد مَا غفرت لَك) وَفِي سَنَد واه قَالَ ابْن عدي: فِيهِ أَحَادِيث حسان وَهُوَ مِمَّن احتمله النَّاس وَمِمَّنْ يكْتب حَدِيثه وتضعيف غَيره لَهُ قَلِيل ومجبور. وَمِمَّا صَحَّ عِنْد الْحَاكِم أَيْضا عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ: (أوحى الله تَعَالَى إِلَى عِيسَى ﵇ يَا عِيسَى آمن بِمُحَمد ومُرْ من أدْركهُ من أمتك أَن يُؤمنُوا بِهِ فلولا مُحَمَّد مَا خلقت آدم، وَلَوْلَا مُحَمَّد مَا خلقْتُ الْجنَّة وَالنَّار، وَلَقَد خلقت الْعَرْش على المَاء فاضطرب فَكتبت عَلَيْهِ لَا إِلَه إِلَّا الله مُحَمَّد رَسُول الله فسكن) وَمثل هَذَا لَا يُقَال من قبل الرَّأْي، فَإِذا صَحَّ عَن مثل ابْن عَبَّاس يكون فِي حكم الْمَرْفُوع إِلَى النَّبِي ﷺ كَمَا قرّره أَئِمَّة الْأُصُول والْحَدِيث وَالْفِقْه، وحينئذٍ فَمَا فِي الأول من ضعف لَو سلم لقائله يكون مجبوراً بِهَذَا لِأَن هَذَا وَحده كَاف فِي الحجية فَضمُّ الأول إِلَيْهِ يزِيدهُ قوّة أَي قُوَّة، وَفِي حَدِيث رَوَاهُ صَاحب شِفَاء الصُّدُور وَغَيره (قَالَ الله يَا مُحَمَّد وعزّتي وَجَلَالِي لولاك مَا خلقت أرضي وَلَا سمائي وَلَا رفعتُ هَذِه الخضراء وَلَا بسطتُ هَذِه الغبراء) . وَفِي رِوَايَة (من أَجلك أسطح الْبَطْحَاء وأموج المَاء وَأَرْفَع السَّمَاء وَأَجْعَل الثَّوَاب وَالْعِقَاب وَالْجنَّة وَالنَّار) . وَفِي أُخْرَى ذكرهَا عِيَاض فِي (الشِّفَاء) : (فَقَالَ آدم لما خلقتني بِيَدِك رفَعْتُ رَأْسِي إِلَى الْعَرْش فَإِذا فِيهِ مَكْتُوب لَا إِلَه إِلَّا الله مُحَمَّد رَسُول الله فعلمتُ أَنه لَيْسَ أحد أعظم قدرا عنْدك مِمَّن جعلتَ اسْمه مَعَ اسْمك، فَأوحى الله تَعَالَى إِلَيْهِ وَعِزَّتِي وَجَلَالِي إِنَّه لآخر النَّبِيين من ذرّيتك ولولاه مَا خلقتك) وَبِهَذَا كُله اتَّضَح بطلَان ذَلِك الِاعْتِرَاض، وَأَن قَائِله زلَّ عَن دَرك الصَّوَاب فطغى قلبه وَزَل قدمه.
وَمِمَّا يبطل الِاعْتِرَاض الثَّانِي وَهُوَ أشنع وأقبح من الأول بِكَثِير أَن الْأَدِلَّة الْمُعْتَبرَة قَامَت على تَفْضِيل نَبينَا مُحَمَّد ﷺ على جَمِيع خلق الله الْمَلَائِكَة والنبيين وَغَيرهم وصرّح بذلك الْعلمَاء من الصَّحَابَة وَمن بعدهمْ؛ فَمن الْأَحَادِيث الدَّالَّة على ذَلِك الحَدِيث الَّذِي ذكره الْمُعْتَرض نَفسه إِذْ لَفظه. (أَنا سيد ولد آدم يَوْم الْقِيَامَة وَلَا فَخر وَبِيَدِي لِوَاء الْحَمد وَلَا فَخر وَمَا من نبيّ يومئذٍ آدم فَمن سواهُ إِلَّا تَحت لِوَائِي) فَهُوَ صَرِيح فِي أَفضَلِيَّة نَبينَا على آدم صلى الله عَلَيْهِمَا وَسلم، وفضيلة آدم على الْمَلَائِكَة يصرّح بهَا قَوْله تَعَالَى للْمَلَائكَة: ﴿اسْجُدُواْ لأًّدَمَ﴾ [الْبَقَرَة: ٣٤] وَقَوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىاآدَمَ وَنُوحًا وَءَالَ إِبْرَاهِيمَ وَءَالَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمرَان: ٣٣] وَالْمَلَائِكَة من جملَة الْعَالمين اتِّفَاقًا، وَإِذا ثَبت بالأدلة الصَّحِيحَة أَن نَبينَا أفضل من آدم وَمن سَائِر النَّبِيين كَمَا يصرّح بِهِ قَوْله فِي الحَدِيث الْمَذْكُور: (مَا من نَبِي يومئذٍ آدم فَمن سواهُ إِلَّا تَحت لِوَائِي) وَثَبت بالآيتين المذكورتين أَن النَّبِيين الْمَذْكُورين فيهمَا آدم ونوحاً وَآل إِبْرَاهِيم وَآل عمرَان أفضل من الْمَلَائِكَة ثَبت أَن نَبينَا ﷺ أفضل من الْمَلَائِكَة بل نَبينَا ﷺ من جملَة آل إِبْرَاهِيم فشملته الْآيَة نصا. وَفِي (الصَّحِيحَيْنِ) وَغَيرهمَا أَنه ﷺ قَالَ: (أَنا سيد النَّاس يَوْم الْقِيَامَة) وَمِمَّا يدلّ أَيْضا على أفضليته على جَمِيع الْخلق قَوْله تَعَالَى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الإنشراح: ٤] وَسِيَاق الْآيَة قَاض بِأَن المُرَاد رفع عَظِيم، وَمن ثمَّ فسروه بِأَن المُرَاد بِهِ لَا أذكر إِلَّا وتذكر معي وَبِأَن ذَلِك الرّفْع الْعَظِيم على جَمِيع الْخلق، لِأَنَّهُ لم يذكر الْمَرْفُوع عَلَيْهِم وَالْأَصْل عدم التَّخْصِيص، وَيدل على رفْعَة قَدْره على كل مَخْلُوق قَوْله تَعَالَى: ﴿عَسَىاأَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُودًا﴾ [الْإِسْرَاء: ٧٩] وَفَسرهُ ﷺ فِي الحَدِيث الْحسن بالشفاعة الْعُظْمَى فِي فصل الْقَضَاء لِأَنَّهُ يحمده فِيهِ الْأَولونَ وَالْآخرُونَ ويتقدم فِيهِ على جَمِيع خلق الله تَعَالَى من الْأَنْبِيَاء وَالْمَلَائِكَة، وَمِمَّا يصرِّح بِتِلْكَ الْأَفْضَلِيَّة أَيْضا. قَوْله ﷺ فِي الحَدِيث الْمُتَّفق على صِحَّته: (ثَلَاث من كنّ فِيهِ وجد حلاوة الْإِيمَان: مَنْ كَانَ الله وَرَسُوله أحب إِلَيْهِ مِمَّا سواهُمَا) فَتَأَمّله فَإِنَّهُ وَاضح فِي تِلْكَ الْأَفْضَلِيَّة. وَقَوله ﷺ فِي الحَدِيث الصَّحِيح: (أَنا أول من تَنْشَق عَنهُ الأَرْض فألبس الْحلَّة من حلل الْجنَّة ثمَّ أقوم عَن يَمِين الْعَرْش لَيْسَ أحد من الْمَلَائِكَة يقوم ذَلِك الْمقَام غَيْرِي) وَقَوله: فِي الحَدِيث الْحسن وَلَا نظر لقَوْل التِّرْمِذِيّ فِيهِ إِنَّه غَرِيب أَنه كَمَا بَينه شيخ الْإِسْلَام السراج البُلْقِينِيّ (أَنا حبيب الله وَلَا فَخر، وَأَنا حَامِل لِوَاء الْحَمد يَوْم الْقِيَامَة وَلَا فَخر، وَأَنا أول شَافِع وَأول مشفَّع يَوْم الْقِيَامَة وَلَا فَخر، وَأَنا أول من يُحرك
стр. 134
حلق الْجنَّة فَيفتح الله لي وَمَعِي فُقَرَاء الْمُؤمنِينَ، وَأَنا أكْرم الْأَوَّلين والآخرين وَلَا فَخر) فَقَوله: (لَيْسَ أحد من الْمَلَائِكَة يقوم ذَلِك الْمقَام غَيْرِي) وَقَوله: (وَأَنا أكْرم الْأَوَّلين والآخرين) الشَّامِل للْمَلَائكَة والنبيين وَغَيرهم صريحان فِي أفضليته على سَائِر الْخلق كَمَا هُوَ جليّ. وَسبق أَن قَوْله تَعَالَى فِي قصَّة آدم السَّابِقَة فِي الحَدِيث الصَّحِيح (لأحبّ الْخلق إليّ) صَرِيح فِي ذَلِك أَيْضا، وَيُوَافِقهُ مَا نَقله الإِمَام البُلْقِينِيّ عَن بعض الْمُحدثين وَقَالَ لَا يضرُّ عدم ذكره لسندها لِأَنَّهُ من الْأَئِمَّة الْمُحدثين الَّذين اطلعوا على جملَة من كَثْرَة الْأَحَادِيث على أَنَّهَا إِنَّمَا سيقت شَوَاهِد لما تقرر. فَمن جملَة مَا نَقله ذَلِك الْمُحدث أَنه قَالَ: عَن النَّبِي ﷺ عَن جِبْرِيل عَن الله تَعَالَى أَنه قَالَ لنَبيه ﷺ : (قد مَنَنْتُ عَلَيْك بسبعة أَشْيَاء أَولهَا أَنِّي لم أخلق فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض أكْرم عليّ مِنْك) . وَعنهُ ﷺ قَالَ: (قَالَ لي جِبْرِيل ﵇ أبشر فَإنَّك خَيْرُ خَلْقِهِ وصفوته من الْبشر حباك الله بِمَا لم يَحْبُ بِهِ أحدا من خلقه، لَا ملكا مقرّباً وَلَا نَبيا مُرْسلا، وَلَقَد قرَّبك الرَّحِمان إِلَيْهِ مِنْ قْرْب عَرْشه مَكَانا لم يصل إِلَيْهِ أحد من أهل السَّمَوَات وَلَا من أهل الأَرْض فهناك الله بكرامته وَمَا حباك بِهِ) قَالَ: وَفِي الحَدِيث الْمَعْلُوم: (أَن النبيّ ﷺ تقدم ووقف جِبْرِيل فِي مقَامه وَأَن ملكا آخر تلقى النَّبِي ﷺ وَقَالَ لَهُ تقدم يَا مُحَمَّد فَقلت لَا بل تقدم أَنْت فَقَالَ يَا مُحَمَّد تقدم أَنْت فَأَنت أكْرم على الله مني) . وَفِي حَدِيث سَواد الْمَشْهُور (يَا خير مُرْسَل) وَهُوَ يعم الْمَلَائِكَة؟ لأَنهم رسل الله أَيْضا. وصحّ فِي خبر بحيراء الْمَشْهُور: هَذَا سيد الْمُرْسلين وصحّ عِنْد الْحَاكِم عَن بشر بن شَغَاف قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْد عبد الله بن سَلام فِي الْمَسْجِد يَوْم الْجُمُعَة، فَقَالَ عبد الله بن سَلام: إنَّ أعظم أَيَّام الدُّنْيَا يَوْم الْجُمُعَة، فِيهِ خلق الله آدم وَفِيه تقوم السَّاعَة، وَإِن أكْرم خَلِيقَة الله على الله أَبُو الْقَاسِم ﷺ . قَالَ: قلت رَحِمك الله فَأَيْنَ الْمَلَائِكَة؟ قَالَ: فَنظر إليّ وَضحك وَقَالَ يَا ابْن أخي هَل تَدْرِي مَا الْمَلَائِكَة إِنَّمَا الْمَلَائِكَة خَلْق كخلق السَّمَوَات وَالْأَرْض وخَلْق الرِّيَاح وخَلْق الرِّيَاح وخَلْق السَّحَاب وَخلق الْجبَال وَسَائِر الْخلق الَّتِي لَا يعظُم على الله مِنْهَا شَيْء، وَإِن أكْرم الْخلق على الله أَبُو الْقَاسِم ﷺ وَمثل هَذَا لَا يكون من قبل الرَّأْي فَإِذا صدر من ابْن سَلام وَهُوَ من أكَابِر الصَّحَابَة وَصَحَّ عَنهُ صَار كَأَنَّهُ صَحَّ عَن النَّبِي ﷺ كَمَا مر عَن الْأَئِمَّة، وَلَا نظر إِلَى احْتِمَال أَنه قَالَه عَن التَّوْرَاة لِأَنَّهُ كَانَ من أَحْبَار الْيَهُود لِأَن الحجَّة بِهِ قَائِمَة بِهَذَا الْغَرَض أَيْضا لِأَن ابْن سَلام من أكَابِر الصَّحَابَة ومؤمني أهل الْكتاب، فَإِذا نقل ذَلِك عَن التَّوْرَاة كَانَ الْحجَّة فِيهِ لِأَنَّهُ يعلم مبدلها من غَيره كَمَا صَحَّ عَنهُ فِي قصَّة رجم الزَّانِيَيْنِ وتصديق النَّبِي ﷺ لَهُ بقوله: (إِن ذَلِك فِي التَّوْرَاة) قَالَ البُلْقِينِيّ: وَقد جَاءَ عَن غير وَاحِد من الصَّحَابَة ﵃ ذَلِك وَلَا يعرف خلاف بَين الصَّحَابَة فِي ذَلِك وَلَا بَين التَّابِعين، وَبشر بن شغَاف إِنَّمَا قَالَ فَأَيْنَ الْمَلَائِكَة؟ يستفهم ويَسْتَثْبتْ إِظْهَار مُقْتَضى الْعُمُوم فِي ذَلِك وَلَا نَعْرِف أحدا من الْأَئِمَّة خَالفه فِي أَن النبيّ ﷺ أفضل الْخلق. وَالَّذِي ذكر عَن الْمُعْتَزلَة والباقلاني والحليمي من تَفْضِيل الْمَلَائِكَة العلوية على الْأَنْبِيَاء يُمكن حمله على غير نَبينَا مُحَمَّد ﷺ أَي كَمَا نَقله الْمُتَأَخّرُونَ عَن بعض الأكابر من الْمُتَقَدِّمين واعتمدوه، وَلَا نظر لجراءة الزَّمَخْشَرِيّ وتصريحه فِي سُورَة التكوير بأفضلية جِبْرِيل عَلَيْهِ، وَيُمكن حمل كَلَام الباقلاني والحليمي على تَفْضِيل فِي نوع خَاص كاستمرارهم على التَّسْبِيح وَنَحْوه، وَأما التَّفْضِيل الْمُطلق بِالنِّسْبَةِ إِلَى جَمِيع أَنْوَاع الْعِبَادَات فَإِنَّهُ للأنبياء على غَيرهم ثمَّ لنبينا عَلَيْهِم، وَنَظِير ذَلِك (أقرؤكم أبي) . أَمِين هَذِه الْأمة أَبُو عُبَيْدَة. مَا أقلت الغبراء وَلَا أظلت الخضراء أصدق لهجة من أبي ذَر) . فالتفضيل فِي هَذِه الْأَنْوَاع الْخَاصَّة لَا يُعَارض أَفضَلِيَّة الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة ﵃ فِي سَائِر الْأَنْوَاع على أُولَئِكَ وَغَيرهم. وَأما قَول ذَلِك الْمُعْتَرض: وَمَسْأَلَة تَفْضِيل صالحي الْبشر على الْمَلَائِكَة. أجَاب عَنْهَا أَبُو حنيفَة وَغَيره بِلَا أَدْرِي، فَيُقَال عَلَيْهِ هَذِه رِوَايَة عَنهُ، وَله رِوَايَة أُخْرَى بتفضيل الْأَنْبِيَاء على الْمَلَائِكَة، وَالْمُعْتَمد عِنْد عُلَمَاء الْحَنَفِيَّة أنَّ خواصي بني آدم وهم المُرْسَلُونَ أفضل من جملَة الْمَلَائِكَة، والأنبياء غير الْمُرْسلين أفضل من غير خَواص الْمَلَائِكَة، والخواص من الْمَلَائِكَة أفضل من غير الْمُرْسلين، وعَلى هَذِه الرِّوَايَة فنبينا ﷺ أفضل من الْمَلَائِكَة وَلَا يظنّ بِأبي حنيفَة وَلَا بِغَيْرِهِ من أَئِمَّة الْمُسلمين أَنه يتَوَقَّف فِي تَفْضِيل نَبينَا مُحَمَّد ﷺ على الْمَلَائِكَة، وَقَالَ الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ
стр. 135
فِي كتاب [الرسَالَة] : وَكَانَ خيرته الْمُصْطَفى لوحيه الْمُنْتَخب لرسالته المفضَّل على جَمِيع خلقه بفتْح رَحمته وخَتْم نبوّته وعمّ مَا أرسل بِهِ مُرْسل قَبْله، الْمَرْفُوع ذكره مَعَ ذكره فِي الأولى الشافع المشفع فِي الْأُخْرَى، أفضل خلقه نفسا وأجمعهم لكل خلق رضيه فِي دين وَدُنْيا وَخَيرهمْ نسبا وداراً مُحَمَّد عَبده وَرَسُوله ﷺ وشرِّف وكرم، وعرفنا فضل نعْمَته الْخَاصَّة والعامة والنفع فِي الدُّنْيَا وَالدّين انْتهى. وَمَا صرح بِهِ الشَّافِعِي ﵁ من تَفْضِيل نَبينَا وَسَيِّدنَا مُحَمَّد ﷺ على جَمِيع الْخلق هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْعلمَاء كَافَّة. وَقَول ذَلِك الْمُعْتَرض: إِن القَوْل بِلَا أَدْرِي هُوَ الْجَواب الصَّحِيح: غلط مِنْهُ، بل الْجَواب الصَّحِيح هُوَ مَا عَلَيْهِ الْعلمَاء من تَفْضِيل نَبينَا على جَمِيع الْخلق من الْأَنْبِيَاء وَالْمَلَائِكَة، وتفضيل الْأَنْبِيَاء كلهم على الْمَلَائِكَة كلهم، وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد كرمنا بني آدم﴾ ظَاهر فِي تَفْضِيلهمْ إِلَّا مَا خرج لدَلِيل، وَأما قَوْله تَعَالَى: ﴿وفضلناهم على كثير مِمَّن خلقنَا تَفْضِيلًا﴾ فقد قيل إِن التَّفْضِيل من جِهَة الْغَلَبَة والاستيلاء، وَقيل بالثواب وَالْجَزَاء يَوْم الْقِيَامَة وعَلى هَذَا فَلَا تعرض فِي الْآيَة للْخلاف فِي التَّفْضِيل بَين بني آدم وَالْمَلَائِكَة، وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄: لَيْسَ الْإِنْسَان أفضل من الْملك فَإِن صَحَّ حمل على غير الْأَنْبِيَاء لَا سِيمَا نَبينَا مُحَمَّد ﷺ لما صَحَّ عَنهُ كَمَا مر أَن نَبينَا أفضل الْخلق. وَأما قَول الْمُعْتَرض: لَيْسَ ذَلِك مِمَّا كلفنا بمعرفته: فغلط مِنْهُ، كَيفَ وَهَذِه الْمَسْأَلَة من مسَائِل أصُول الدّين، وَنحن مكلفون بِأَن نعظم نَبينَا ونوقِّره وَأَن نَأْخُذ بالأدلة الَّتِي جَاءَت بِبَيَان مرتبته وقُرْبه من ربه. وَأما قَول ذَلِك الْمُعْتَرض: وَالْكَلَام فِيهِ فضلو: فَفِيهِ جَرَاءَة عَظِيمَة على من تكلم فِي ذَلِك من الصَّحَابَة وعلماء الْأمة بل الْكَلَام فِي ذَلِك مَطْلُوب واعتقاده وَاجِب انْتهى حَاصِل كَلَام البُلْقِينِيّ مَعَ زِيَادَة عَلَيْهِ. وَإِذا تقرر ذَلِك فَمَا أعلن بِهِ المصلون على النَّبِي ﷺ فِي الْمَسَاجِد وَغَيرهَا من تِلْكَ الصَّلَوَات حق وَاضح لَا غُبار عَلَيْهِ، وَلَا اعْتِرَاض يتَطَرَّق إِلَيْهِ، وَمن اعْترض ذَلِك فقد أَصَابَته نزغة اعتزالية أَو مسَّة شيطانية فليتب إِلَى الله ويستغفره ويتنصل مِمَّا وَقع مِنْهُ، فَإِن الْخَوْض فِي ذَلِك رُبمَا جرَّ إِلَى فَسَاد كَبِير لصَاحبه وَالْعِيَاذ بِاللَّه تَعَالَى، وَالله سُبْحَانَهُ الْمُوفق للصَّوَاب تمّ ذَلِك الْجَواب.
١٩٩ - وَسُئِلَ ﵁ وَفسخ فِي مدَّته: مَا معنى ذبح الْمَوْت؟ فَأجَاب بقوله: إِذْ اسْتَقر أهل الْجنَّة فِي الْجنَّة وَأهل النَّار فِي النَّار جعل الله الْمَوْت فِي صُورَة كَبْش ثمَّ يَأْمر بذَبْحه بَين الْجنَّة وَالنَّار زِيَادَة فِي بِشَارَة أهل الْجنَّة وَأَن خلودهم فِيهَا خُلُود بِلَا موت. فَإِن قلت: الْمَوْت معنى فَكيف يكون كَبْشًا يذبح؟ قلت: هَذَا من بَاب تجسم الْمعَانِي: أَي إبرازها فِي صُورَة محسوسة من حَيْثُ تَسْمِيَتهَا بِالشَّاهِدِ ويحتاط بهَا وَنَظِيره وزن الْأَعْمَال بِنَاء على أَنَّهَا هِيَ الموزونة فتجسم فِي صُورَة ثمَّ توزن لِاسْتِحَالَة وَزنهَا بِدُونِ تجسم، وَالله تَعَالَى أعلم.
٢٩٨ - وَسُئِلَ نفع الله بِهِ: عَن الْفرق بَين الشبيه والمثيل والنظير. فَأجَاب بقوله: الثَّلَاثَة متحدة لُغَة. وَأما اصْطِلَاحا فَظَاهر قَول شرح العقائد عَن الأشعرية الْمُمَاثلَة إِنَّمَا تثبت عِنْدهم بالاشتراك فِي جَمِيع الْأَوْصَاف إنَّ المثيل أخصُّها لِأَن الْمُمَاثلَة تَسْتَلْزِم المشابهة وَزِيَادَة، والشبيه أَعم من المثيل وأخص من النظير، والنظير أَعم من الشبيه، إذْ المشابهة لَا تَسْتَلْزِم الممائلة فقد يكون شبه الشَّيْء غير مماثل لَهُ، والنظير قد لَا يكون مشابهاً. وَالْحَاصِل أَن الْمُمَاثلَة تَقْتَضِي الْمُسَاوَاة من كل وَجه، والمشابهة تَقْتَضِي ذَلِك فِي الْأَكْثَر، والمناظرة تَكْفِي فِي وَجه. ٢٩١ وَسُئِلَ نفع الله بِهِ: عَن حَدِيث: (من شهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله وَالْجنَّة حق) هَل الْجنَّة مَنْصُوبَة أَو مَرْفُوعَة. فَأجَاب بقوله: مَنْصُوبَة، وَلَا يَصح الرّفْع لفساد الْمَعْنى هُنَا، إذْ يُخْرجه عَن المُرَاد من دُخُوله فِي الْمَشْهُود بِهِ. ٢٠٢ وَسُئِلَ نفع الله بِهِ: عَن قَول الْفُقَهَاء: وَلَا يُمكن للوارثَ أَخْذُها وَنَحْوه، هَل الْفَاعِل أَخذ أَو الْوَارِث؟ فَأجَاب بقوله: الصَّوَاب الأول للقاعدة المقررة إِذا اشْتبهَ عَلَيْك الْفَاعِل من الْمَفْعُول فردُّ الِاسْم إِلَى الضَّمِير، فَمَا رَجَعَ إِلَى ضمير الْمُتَكَلّم الْمَرْفُوع فَهُوَ الْفَاعِل، وَمَا رَجَعَ إِلَى ضَمِيره الْمَنْصُوب فَهُوَ الْمَفْعُول. قَالَ ابْن هِشَام: تَقول أمكن المسافرَ السَفرُ لِأَنَّك تَقول أمكنني السفرُ، وَلَا تَقول أمكنتُ السفرَ وَمن ذَلِك ﴿أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾ [الْحَدِيد: ٢٠] .
٢٠٣ - وَسُئِلَ نفع الله بِهِ، عَن الْحَمد لله أكمل الْحَمد، بِنصب أكمل أَو جرّه. فَأجَاب بقوله: جوّز الكافيجي الْجَرّ بل ورجَّحه
стр. 136
واستدلَّ لَهُ وَألف فِيهِ، وَعين الْجلَال السُّيُوطِيّ النصب وَأطَال فِي ردّ مَا قَالَه شَيْخه الكافيجي وَهُوَ الْحق، لأنَّ أكمل صفة لمصدر مَحْذُوف تَقْدِيره حمداف أكمل لَا لله كَمَا هُوَ بديهي خلافًا لما زَعمه الشَّيْخ.
٢٠٤ - وَسُئِلَ نفع الله بِهِ: عَن حَدِيث (كَمَا تَكُونُوا يُولى عَلَيْكُم) المرويُّ هَكَذَا فِي (شعب الْإِيمَان) للبيهقي وَغَيره مَا وَجهه؟ فَأجَاب بقوله: إِنَّه على لُغَة من يحذف النُّون دون ناصب وجازم، وَمثله حَدِيث: (لَا تدْخلُوا الْجنَّة حَتَّى تؤمنوا) أَو على رَأْي الْكُوفِيّين الَّذين ينصبون بكما، أَو أَنه من تَغْيِير الروَاة لَكِن هَذَا بعيد جدا. ٢٠٥ وَسُئِلَ نفع الله بِهِ: مَا إِعْرَاب حَدِيث مُسلم (وَالَّذِي نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ لَا يسمع بِي أحدٌ من هَذِه الْأمة يَهُودِيّ أَو نَصْرَانِيّ ثمَّ يَمُوت وَلَا يُؤمن بِالَّذِي أرْسلت بِهِ إِلَّا كَانَ من أَصْحَاب النَّار) وَنَحْو: مَا جَاءَنِي زيد إِلَّا أكرمته. فَأجَاب بقوله: قَالَ فِي (التسهيل) : فِي تَقْرِير هَذِه الْقَاعِدَة الَّتِي من أفرادها هَذَا الحَدِيث ويليها أَي إِلَّا فِي النَّفْي فعل الْمُضَارع بِلَا شَرط وماض مَسْبُوق بِفعل أَو مقرون بقد، وَمثل فِي (شرح التسهيل) للْأولِ بِمثل مَا كَانَ زيدٌ إِلَّا يفعل كَذَا وَمَا زيد إِلَّا يفعل كَذَا وَللثَّانِي ﴿مَا﴾ [الْأَنْعَام: ٥] وَالثَّالِث بقول الشَّاعِر: وَمَا المَجْدُ إِلَّا قد تبين أَنه نِدَاء وَحكم لَا يزَال مؤثِلا قَالَ: وأغْنَى اقتران الْمَاضِي بقد عَن تقدم فعل، لِأَن قَدْ تقرِّبه من الْحَال فَيكون بذلك شَبِيها بالمضارع وَلم يشْتَرط فِي الْمُضَارع شَيْء لشبهه بِالِاسْمِ، لِأَن اقترانه بِالنَّفْيِ يَجْعَل الْكَلَام بِمَعْنى كلما كَانَ، فَكَانَ فِيهِ فعلان كَمَا كَانَ مَعَ كلما؛ فَلَو قلت مَا زيد إِلَّا قَامَ لم يجز، لِأَنَّهُ مِمَّا ذكر والمستثنى لَا يكون إِلَّا اسْما أَو مؤوّلاً بِالِاسْمِ، والماضي المجرّد مِنْ قَدْ بعيد من شَبَه الِاسْم، وأنشُدك بِاللَّه إِلَّا فَعلْتَ فِي معنى النَّفْي كَقَوْلِهِم: شرّ أهر ذَا نَاب: أَي مَا أَسأَلك إِلَّا فعلك انْتهى. وَقَالَ أَبُو الْبَقَاء فِي قَوْله: ﴿مَا يَأْتِيهم من رَسُول إِلَّا كَانُوا الخ﴾ إِن الْجُمْلَة حَال من ضمير الْمَفْعُول فِي (يَأْتِيهم) وَهِي حَال مقدرَة وَيجوز أَن تكون صفة لرَسُول على اللَّفْظ أَو الْموضع انْتهى. فَعلم مِنْهُ تَخْرِيج الحَدِيث على الْوَجْهَيْنِ والأرجح الحالية لِأَن وُقُوع مَا بعد إِلَّا وَصفا لما قبلهَا وَجه ضَعِيف بل لَا يعرف لِبصْري وَلَا كُوفِي، فإنَّ الزَّمَخْشَرِيّ تفرد بذلك، وإنّ مَا أوهم ذَلِك مَحْمُول على الْحَال، وَأَبُو الْبَقَاء تَابع للزمخشري. وَأَيْضًا فالحالية تطرَّد فِي جَمِيع الْأَمْثِلَة، وَالْوَصْف يخْتَص بِمَا إِذا كَانَ الِاسْم السَّابِق نكرَة كالحديث؛ أما نَحْو مَا جَاءَنِي زيد إِلَّا أكرمته فَلَا يُمكن فِيهِ الوصفية فترجَّحَتْ الحالية وَأَنَّهَا مقدرَة كَمَا صرح بِهِ أَبُو الْبَقَاء، وَمَا أوردهُ السَّائِل على ذَلِك من عدم الْمُلَازمَة وَجَوَاز تخلف مُتَعَلق الْإِرَادَة الْحَادِثَة عَنْهَا لَا يقْدَح فِي التَّخْرِيج إذْ لَو صحَّ ذَلِك لم يكن يَصح لنا حَال مقدرَة، وَالْقَوَاعِد الْعَقْلِيَّة لَا تُؤثر فِي الْقَوَاعِد النحوية. على أَن التَّرْتِيب الَّذِي فِي الحَدِيث شرعيّ لَا عاديّ، وَالَّذِي فِيمَا جَاءَنِي زيد إِلَّا أكرمته عادي، وَمثل ذَلِك تُكْتفي بِهِ الْحَال المقدَّرة على أَن مَا ذكره فِي وَجه التَّرْتِيب تَفْسِير معنى، وَمَا ذكره فِي تَقْرِير الْحَال تَفْسِير إِعْرَاب، وهم يفرقون بَين تَفْسِير الْمَعْنى وَتَفْسِير الْإِعْرَاب، وَلَا يلتزمون توافقهما، كَمَا وَقع ذَلِك كثيرا لسيبويه ﵁ والزمخشري وَغَيرهمَا، ثمَّ الْجُمْلَة فِي الحَدِيث لَيست مُسْتَقلَّة حَتَّى يُقَال هَل يرجع الِاسْتِثْنَاء إِلَى كل مِنْهَا أَو إِلَى بَعْضهَا بل جملَة ثمَّ يَمُوت وَلَا يُؤمن مرتبطة بِالْجُمْلَةِ الأولى قيد فِيهَا، وثُمَّ وَاقعَة موقع الْفَاء فَإِنَّهَا لمُجَرّد الرَّبْط لَا للتراخي.
٢٠٦ - وَسُئِلَ نفع الله بِهِ: مَا وَجه النّصْف فِي (سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ زنة عَرْشه) الخ؟ . فَأجَاب بقوله: نصبها بِتَقْدِير ظرف: أَي قدر زنة عَرْشه كَمَا بَينه الْخطابِيّ وَغَيره وَكَذَا الْبَوَاقِي، وَمعنى قَوْله: (ومداد كَلِمَاته) قدر مَا يوازنها فِي الْعدَد وَالْكَثْرَة، وَعبارَة النِّهَايَة أَي مثل عدد كَلِمَاته، وَقيل قدر مَا يوازنها فِي الْكَثْرَة عددا أَو وزنا وَهَذَا التمثل يُرَاد بِهِ التَّقْرِيب انْتهى أَشَارَ بِمثل إِلَى الْمصدر أَو الْوَصْف، وَبِقَوْلِهِ وَقيل قدر إِلَى الظّرْف، وَمعنى قدَر رضَا نَفسه: أَي قدر مَا يرضيه من قَائِله فَلَمَّا حذف الظّرْف قَامَ الْمُضَاف إِلَيْهِ مقَامه فِي إعرابه، وَقد صرح الْأَئِمَّة بِأَن قَدْر ومِثْل ومِقْدار تُنْصب على الظَّرْفِيَّة، وَمن قَالَ إِنَّهَا مَنْصُوبَة على الْمصدر: أَي عدد تسبيحه وتحميده بِعَدَد خلقه وَمِقْدَار مَا يُرْضيه عَرْشه ومقداره وَمِقْدَار كَلِمَاته، أَو سبَّحْتُه تسبيحاً يُسَاوِي خَلْقه فِي الْعدَد، وزِنَةَ عَرْشه فِي الثّقل، ومداد كَلِمَاته فِي الْمِقْدَار، وَيُوجب رضَا نَفسه، فقد أبعد كَمَا بَينه الْجلَال السُّيُوطِيّ، لِأَنَّهُ غير مصدر للتسبيح بل الْفِعْل من الزنة: أَي سُبْحَانَ الله أزنه زنة عَرْشه وَهُوَ فَاسد إِذْ لَيْسَ المُرَاد إنْشَاء وزن التَّسْبِيح بل إنْشَاء قَوْله: أَي أَقُول سُبْحَانَ الله قولا كثيرا مِقْدَار زنة عَرْشه فِي
стр. 137
الْكَثْرَة وَالْعَظَمَة، ثمَّ إِذا قدر فِي الْأُخْرَى وأعدُّه عَدَد خَلْقه كَانَ إنْشَاء لعدد التَّسْبِيح وَلَيْسَ مرَادا بل المُرَاد أَقُول قولا عدد خلقه، على أَن ذَلِك قد يتَعَذَّر فِي رضَا نَفسه وَتَقْدِيره أرضيه رضَا نَفسه فَاسد لِعَوْد ضَمِيره على غير التَّسْبِيح وَهُوَ فِي زنة وَعدد للتسبيح فيختل التناسق فِي الْكَلِمَات، وبفرض عدم التَّعَذُّر فِي هَذَا هُوَ مُتَعَذر فِي مداد كَلِمَاته، وَمِمَّا يفْسد مَصْدَرِيَّة عدد، أَنه يلْزمهَا عدم فَكِّه لِأَنَّهُ مصدر على فعل بِسُكُون الْعين فَيجب أَن يُقَال عدّ بِالْإِدْغَامِ قَالَ الله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا نعدم عدَّا﴾ وَأَنه أَدخل فِي تَقْدِيره الْبَاء على عدد وَمَا بعده فَاقْتضى أَنه مَنْصُوب بِنَزْع الْخَافِض أَو الظَّرْفِيَّة، لَا الْمصدر إذْ الْبَاء لَا تدخل عَلَيْهِ قبل التَّقْدِير بِعَدَد كعدد خلقه وبمقدار زنة عَرْشه ورضا نَفسه: أَي غير مُنْقَطع، فَأَشَارَ إِلَى أَن الأول مصدر وَالثَّانِي ظرف وَالثَّالِث حَال وَتَقْدِير قدر المستلزم ليتساوى كل إعراباً أولى. قَالَ فِي (الارتشاف) : وَفرق سِيبَوَيْهٍ بَين وزن الْجَبَل وزنة الْجَبَل؛ فَمَعْنَى وَزنه نَاحيَة توازنه: أَي تقابله قُربَتْ أَو بَعُدَتْ، وزِنَتُه حِذاؤه: أَي متَّصلة بِهِ وَكِلَاهُمَا مُبْهَم يصل إِلَيْهِ الْفِعْل وينتصب ظرفا، وَفِي بعض (شُرُوح المصابيح) : زنة عَرْشه مَا يوازنه فِي الْمِقْدَار، يُقَال هُوَ زنة الْجَبَل أَي حذاءه فِي الثّقل والموازنة، وَفِيه إِيمَاء إِلَى تَخْرِيج الحَدِيث على الظَّرْفِيَّة، وَجَوَاز نصب عدد على أَنه صفة للمصدر. وردَّ بِأَنَّهُ إِمَّا صفة للمذكور وَهُوَ سُبْحَانَ الله، ويُعكِّر عَلَيْهِ الْفَصْل بَينه وَبَين موصوفه بقوله وَبِحَمْدِهِ وَهُوَ ضَعِيف أَو مَمْنُوع. على أَن سُبْحَانَ الله عَلَم للتسبيح لم يتصرفوا فِيهِ بِشَيْء فَفِي جَوَاز وَصفه وَقْفَة وَإِمَّا صفة لمقدر: أَي سُبْحَانَ الله تسبيحاً عدد خلقه، وَهُوَ غير مُحْتَاج إِلَيْهِ لِأَن سُبْحَانَ الله مصرَّح بِهِ لفظا فَلَا حَاجَة لتقدير مصدر آخر لأجل صِحَة مَا ادّعى مِنْ أَنه وصف للمصدر، لِأَن المصْدَر الْمَذْكُور مَنْصُوب بِفعل مقدَّر فَإِذا قدر مصدر آخر لزم مِنْهُ ثَلَاثَة تقادير فعل الْمصدر الظَّاهِر، والمصدر الْمُقدر، وَفعل لَهُ إذْ الْفِعْل الْوَاحِد لَا يَنْصبُ مصدرين. وَأَيْضًا فصحة الْكَلَام تتَوَقَّف على تَقْدِير شَيْء آخر، لِأَن التَّسْبِيح لَيْسَ نفس الْعدَد وَلَا الزنة مثلا فَيقدر مثل: أَي مثله فِي الْمِقْدَار فَرجع للظرفية، خُصُوصا وَقَوله رضَا نَفسه لَا يَصح فِيهِ تَقْدِير الْمثل وَلَا يَصح النصب هُنَا على الْحَال لِأَن التَّقْدِير أسبح: أَي أَقُول سُبْحَانَ الله عادَّا لخلقه وموزوناً لكلماته، فَإِن جعل حَالا من الْفَاعِل نافاه أَن عَدَد وَمَا بعده جَار على سُبْحَانَ الله أَو من الْمَفْعُول نافاه أَن الْمَفْعُول هُنَا مُطلق، والمعهود مَجِيء الْحَال من الْمَفْعُول بِهِ، ويتعذر كَونه حَالا من الْمُضَاف إِلَيْهِ، وَلَا يطرَّدِ التَّقْدِير بالمستتر فِي مداد كَلِمَاته فبطلت الحالية. ٢٠٧ وَسُئِلَ نفع الله بِهِ بِمَا لَفظه: فِي الحَدِيث (من كَانَ يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر فَعَلَيهِ الْجُمُعَة إِلَّا مَرِيض الخ) مَا وَجه الرّفْع فِيهِ مَعَ أَنه اسْتثِْنَاء من كَلَام تَامّ مُوجب؟ فَأجَاب بقوله: أُجِيب بِأَنَّهُ مَنْصُوب وَلَكِن حذفت الْألف فِيهِ نَظِير قَول (شرح مُسلم) فِي حَدِيث (وَأرى مَالك خَازِن النَّار) فِي رِوَايَة لَفْظَة (مَالك) مَنْصُوبَة وأسقطت الْألف فِي الْكِتَابَة؟ وَهَذَا يَفْعَله المحدثون كثيرا فيكتبون سَمِعت أنس بِغَيْر الْألف ويقرؤونه بِالنّصب وَهَذَا أحسن مَا يُقَال انْتهى. وَقَالَ ذَلِك فِي رِوَايَة: (وَلأَهل نجد قرن) بِلَا ألف مَعَ أَنه مَصْرُوف لِأَنَّهُ اسْم لجبل وَكَذَا قَالَ الْقُرْطُبِيّ (وَكَانَ صداقه لأزواجه يسيرٌ اثْنَتَيْ عَشْرة أُوقِيَّة) وَقَوله يسير مُعرب منون غير أَنه وَقع هُنَا يسير على لُغَة من يقف على الْمنون بِالسُّكُونِ بِغَيْر ألف.
٢٠٨ - وَسُئِلَ نفع الله بِهِ: أَي كلمة تكون اسْما وفعلاً وحرفا؟ فَأجَاب بقوله: على اسْم بِمَعْنى فَوق وَفعل من الْعُلُوّ وحرف جر وَمن حرف جر وَفعل أَمر من مان يَمِين وَاسم كَمَا فِي (الْكَشَّاف) فِي ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ﴾ [الْبَقَرَة: ٢٢] إِذا كَانَت من للتَّبْعِيض فَهِيَ فِي مَوضِع الْمَفْعُول بِهِ وَرِزْقًا مفعول من أَجله وَلكم مفعول بِهِ لرزقاً، لِأَنَّهُ حينئذٍ مصدر. وَفِي (حَاشِيَة الطَّيِّبِيّ) إِذا قدرت من مَفْعُولا كَانَت اسْما كعن فِي من عَن يَمِين، وَفِي حرف جر، وَاسم بِمَعْنى الْفَم فِي حَالَة الْجَرّ وَفعل أَمر من الْوَفَاء بإشباع. ٢٠٩ وَسُئِلَ نفع الله بِهِ: عَن الْوَضع فِي أَسمَاء الْإِشَارَة للمعنى الْعَام أَو للخصوصيات الْمُشْتَركَة. فَإِن قيل بِالْأولِ ورد أَنه لَا يجوز إِطْلَاقهَا عَلَيْهَا إِذْ لَا تطلق إِلَّا على الخصوصيات فَلَا يُقَال هَذَا وَالْمرَاد أحد مِمَّا يشار إِلَيْهِ بِخِلَاف رجل، وإنَّ إطلاقَها على الخصوصيات مجَاز، وَلَا قَائِل بِهِ، أَو بِالثَّانِي لزم أَن يكون مُشْتَركا لفظا وَلَا قَائِل بِمَنْع أَن يشار بِهِ إِلَى أَمر كلي مَذْكُور وَذَلِكَ يُنَافِي وَضعه للخاص. فَأجَاب بقوله: الْقَرَافِيّ ذكر السُّؤَال فِي ذَلِك، وَجَوَابه لَكِن فِي الْمُضمر فَقَالَ: اخْتلف الْفُضَلَاء فِي مُسَمّى المضْمَر حَيْثُ وجد، هَل هُوَ جزئي أَو كلي؟ فَقَالَ الْأَكْثَرُونَ: مُسَمَّاهُ جزئي لاتفاقهم على أَنه
стр. 138
معرفَة وَلَو كَانَ مُسَمَّاهُ كلياً لَكَانَ نكرَة، وَبِأَنَّهُ لَو كَانَ كلياً كَانَ دَالا على مَنْ هُوَ أعمُّ من الشَّخْص الْمعِين. وَالْقَاعِدَة الْعَقْلِيَّة أَن الدَّال على الأعمَّ غَيْرُ الدَّال على لأخص فَيلْزم أَنه لَا يدل الْمُضمر على شخص خَاص أَلْبَتَّة وَلَيْسَ كَذَلِك وَهَذَا معنى قَول السَّائِل. فَإِن قيل بِالْأولِ ورد الخ. ثمَّ قَالَ الْقَرَافِيّ: وَذهب الأقلُّون وَهُوَ الَّذِي أَجْزم بِصِحَّتِهِ إِلَى أنَّ مسمَّاه كليَّ وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَنه لَو كَانَ مُسَمَّاهُ جزئياً لَا يصدق على شخص آخر كالأعلام، فَإِنَّهُ لما كَانَ مسمَّاها جزئئاً لم تصدق على غير مَنْ وُضِعتْ لَهُ إِلَّا بِوَضْع ثَان، فَإِذا قَالَ قَائِل أَنا، فَإِن كَانَ اللَّفْظ مَوْضُوعا بِإِزَاءِ خصوصيته من حَيْثُ هُوَ هُوَ وخصوصه لَيْسَ مَوْجُودا فِي غَيره فَيلْزم أَنه لَا يصدق على غَيره إِلَّا بِوَضْع آخر، وَإِن كَانَ مَوْضُوعا لمَفْهُوم الْمُتَكَلّم بهَا وَهُوَ قَدَر مُشْتَرك بَينه وَبَين غَيره والمشترك كلي فَيكون لفظ أَنا حَقِيقَة فِي كل مَنْ قَالَ أَنا لِأَنَّهُ متكلِّم بِهَذَا الَّذِي هُوَ مُسَمّى اللَّفْظ فينطبق ذَلِك على الْوَاقِع. قَالَ: وَالْجَوَاب عَمَّا احْتج بِهِ الأوّلون أنَّ دلَالَة اللَّفْظ على الشَّخْص الْمعِين لَهَا سببان. أَحدهمَا: وضع اللَّفْظ بِإِزَاءِ خصوصيته فيفهم الشَّخْص الْمَوْضُوع بِإِزَاءِ الْخُصُوص وَهَذَا كالعَلَم، وَالثَّانِي: أَن يوضع اللَّفْظ بِإِزَاءِ معنى عَام، وَيدل الْوَاقِع على أنَّ مسمَّى اللَّفْظ مَحْصُور فِي شخص معِين فَيدل اللَّفْظ عَلَيْهِ لانحصار مُسَمَّاهُ فِيهِ لَا للوضع بإزائه، وَمن ذَلِك المضموات، وضعتْ الْعَرَب لَفْظَة أَنا مثلا لمَفْهُوم الْمُتَكَلّم بهَا، فَإِذا قَالَ الْقَائِل أَنا فُهِمَ هُوَ لِأَن الْوَاقِع أَنه لم يقل هَذِه اللَّفْظَة الْآن إِلَّا هُوَ ففهمناه لانحصار الْمُسَمّى فِيهِ لَا للوضع بإزائه وَكَذَلِكَ بَقِيَّة المضْمرات. قَالَ: وَبِهَذَا يحصل الْجَواب عَن الْقَاعِدَة الْعَقْلِيَّة لِأَن اللَّفْظ الْمَوْضُوع لِمَعْنى أعمُّ لَا يدل على مَا خو أخصُّ مِنْهُ، فَإِن الدَلالة لم تأت من اللَّفْظ وَإِنَّمَا أَتَت من جِهَة حصر الْوَاقِع الْمُسَمّى فِي ذَلِك الْأَخَص انْتهى كَلَام الْقَرَافِيّ مُلَخصا. وَمَا قَالَه فِي (الْمُضْمرَات) يَأْتِي بِعَيْنِه فِي اسْم الْإِشَارَة. وَجَوَاب الترديد الَّذِي فِي السُّؤَال أَنه لَيْسَ من بَاب الْمُشْتَرك وَلَا من بَاب الْمجَاز، بل من بَاب الْوَضع للقدر الْمُشْتَرك وَهُوَ غَيرهمَا، فَهَذَا مثلا وُضِع لمشار إِلَيْهِ مُفْرد ذكر خَاص أَو مَا فِي حكمه، وَهُوَ مَفْهُوم كلي وانحصاره فِي خَاص لَيْسَ للوضع بإزائه، بل لِأَن الْمُتَكَلّم لم يُشِر بِهِ الْآن إِلَّا لزيد مثلا، وَهَذَا معنى قَول بعض محققِّي النُّحَاة أنّ المضْمَر وَاسم الْإِشَارَة كلي وضْعاً جُزْئي اسْتِعْمَالا، وَنَظِيره قَول بعض الْأُصُولِيِّينَ إِن الْأَمر موضوعٌ للقدر الْمُشْتَرك بَين الْوُجُوب وَالنَّدْب، وَهُوَ الطّلب حذرا من الْمجَاز والاشتراك، لِأَن الْوَضع حينئذٍ لَيْسَ لكل مِنْهُمَا وَلَا لأَحَدهمَا لاحْتِمَال أنْ يُستعمل فِي غَيره وَإِنَّمَا هُوَ بِمَعْنى صَادِق على كل مِنْهُمَا وَهُوَ الطّلب، وَهَكَذَا يُقَال فِي اسْم الْإِشَارَة والمضمر لَيْسَ الْوَضع فيهمَا لوَاحِد فَقَط بحيثُ يُستعمل فِي غَيره مجَازًا، وَلَا لكل وَاحِد بِحَيْثُ يكون مُشْتَركا بل لمَفْهُوم صَادِق على كل فَرد، وَهُوَ فِي اسْم الْإِشَارَة مشار إِلَيْهِ مُفْرد ذكر حَاضر، وَفِي المُضْمَر مُفْرد مُتَكَلم أَو غَيره. ٢١٠ وَسُئِلَ ﵁: فِي الْإِيمَان هَل يَكْفِي فِيهِ التَّصْدِيق الإجمالي أم لَا؟ فَإِن قُلْتُمْ بِالْأولِ فَمَا معنى تفسيرهم وتحديدهم الْإِيمَان الشَّرْعِيّ بِأَن التَّصْدِيق بِمَا علم من دين مُحَمَّد بِالضَّرُورَةِ؟ فَإِذا صَحَّ ذَلِك فَمَا هُوَ الْقدر الْمَعْلُوم من الدّين بِالضَّرُورَةِ؟ فَإِن صحَّ أَن هَذَا حَقِيقَة الْإِيمَان فَهَل يضرُّ الْجَهْل بِهِ أَو بِبَعْضِه ويختل الْإِيمَان لِأَن الْمَاهِيّة تختل باختلال جُزْء مِنْهَا وَهَذَا مُشكل، وَالْمرَاد بالسؤال عَن هَذَا مَا يخلص الْإِنْسَان فِيمَا بَينه وَبَين الله كَمَا قَالَ (وحسابهم على الله) لَا بِحَسب الْغَيْر لِأَن دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالهمْ وتكفيرهم مَعْصُوم بِالشَّهَادَتَيْنِ، بينوا لنا بَيَانا شافياً وَاضحا لِأَن الله جعلكُمْ رَحْمَة للْعَالمين؟ . فَأجَاب بقوله: فِي حَقِيقَته الْإِيمَان مَذَاهِب ثَمَانِيَة ذكرهَا صَاحب (المواقف) وَتَبعهُ شارحها فَقَالَا: هُوَ عندنَا يَعْنِي أَتبَاع الشَّيْخ أبي الْحسن، وَعَلِيهِ أَكثر الْأَئِمَّة كَالْقَاضِي والأستاذ التَّصْدِيق للرسول فِيمَا عُلِمَ مجيئهُ بِهِ ضَرُورَة تَفْصِيلًا فِيمَا عُلِم تَفْصِيلًا وإجمالاً فِيمَا عُلِم إِجْمَالا، ثمَّ حكيا عَن قوم أَنه الْمعرفَة بِاللَّه فَقَط وَعَن آخَرين أَنه الْمعرفَة بِاللَّه وَمَا جَاءَت بِهِ الرُّسُل إِجْمَالا. وَعَن أبي حنيفَة ﵁ أَنه التَّصْدِيق مَعَ كلمتي الشَّهَادَة، وَعَن السّلف أَي بَعضهم والمحدّثين كلهم أَنه مَجْمُوع التَّصْدِيق بالجنان وَالْإِقْرَار بِاللِّسَانِ وَالْعَمَل بالأركان، وَمعنى قَوْله تَفْصِيلًا فِيمَا عُلِم تَفْصِيلًا، وإجمالاً فِيمَا علم إِجْمَالا، أَن الْوَاجِب أَولا وبالذات هُوَ التَّصْدِيق الإجمالي وَإِذا وجد اكْتفى بِهِ فِي الْأَحْكَام الدُّنْيَوِيَّة والأخروية إِن مَاتَ عقب ذَلِك التَّصْدِيق وقَبْلَ عِلْمِهِ بِشَيْء من التفاصيل الْآتِيَة. وَأما إِذا لم يمت فَإنَّا نُخاطبه ونُكلفِّه بالتصديق بِتِلْكَ
стр. 139
التفاصيل الْمَعْلُومَة من الدّين بِالضَّرُورَةِ سَوَاء الْمُتَعَلّقَة بالاعتقاد وَالْعَمَل كَمَا يَأْتِي، وَالدَّلِيل على مَا ذكرته أُمُور: مِنْهَا: قَول المواقف فِي أدلِّة زِيَادَة الْإِيمَان ونَقْصِه مِمَّا هُوَ بِحَسب التَّعَلُّق التفصيلي فِي أَفْرَاد مَا علم مَجِيئه أَي الشَّارِع بِهِ جُزْء من الْإِيمَان يُثاب عَلَيْهِ ثوابَه على تَصْدِيقه بالإجمالي، قَالَ الشَّارِح: يَعْنِي أَن أَفْرَاد مَا جَاءَ بِهِ مُتعَدِّدَة وداخلة فِي التَّصْدِيق الإجمالي فَإِذا عُلِم وَاحِد مِنْهَا بِخُصُوصِهِ أَو صدِّق بِهِ كَانَ هَذَا تَصْدِيقًا مغايراً لذَلِك التَّصْدِيق الْمُجْمل وجزءاً من الْإِيمَان، وَلَا شكّ أَن التصديقات التفصيلية تقبل ذَلِك الْإِجْمَال انْتهى. وَهُوَ صَرِيح فِي أَن الْإِيمَان يُوجد ويتحقق بالتصديق الإجمالي وإنْ لم يُوجد التَّصْدِيق التفصيلي، وَمحل مَا ذكرته من أَنه يتَحَقَّق بالإجمالي أَولا، وبالذات دون مَا بعد ذَلِك فِي الْأَثْنَاء فَإِنَّهُ لَا بُد أَن يَنْضَم إِلَيْهِ بعد علمه بالتفاصيل الضرورية التَّصْدِيق بهَا إنْ عِلمها جَمِيعهَا وَإِلَّا فَمَا علمه مِنْهَا. وَمِنْهَا: قَول المواقف وَشَرحهَا أَيْضا فِي أَدِلَّة الْمَذْهَب: الصَّحِيح الَّذِي عَلَيْهِ الشَّافِعِي وَأَبُو حنيفَة وَغَيرهمَا ﵃ مِنْ أَنه لَا يكفر أحدٌ من أهل الْقبْلَة بِمَا حَاصله أَن الْمسَائِل الْمُخْتَلف فِيهَا نَحْو كَون الله عَالما أَو موجداً لأفعال العَبْد أَو غير متحيز، وَلَا فِي جِهَة، لم يبْحَث النَّبِي ﷺ وَلَا الصَّحَابَة رضوَان الله عَلَيْهِم وَلَا التابعون عَن اعْتِقَاد من حكمُوا بِإِسْلَامِهِ، فَيلْزم أَن الْخَطَأ فِيهَا غير قَادِح فِي حَقِيقَة الْإِسْلَام، وَلَا يُقَال لَعَلَّ ﷺ عرف مِنْهُم أَنهم عالمون بهَا إِجْمَالا فَلم يبْحَث عَنْهَا كَمَا لم يبْحَث عَن علمهمْ بِعِلْمِهِ تَعَالَى وَقدرته مَعَ وجوب اعتقادهما، لأَنا نعلم أَنهم لم يَكُونُوا كلهم عَالمين بِأَنَّهُ تَعَالَى عَالم بِالْعلمِ لَا بِالذَّاتِ، وَأَنه يُرى فِي الْآخِرَة وَأَنه لَيْسَ بجسم، وَلَا فِي مَكَان وجهة، وَأَنه قَادر على أَفعَال الْعباد كلهَا، وَأَنه مُوجد لَهَا بأسرها فَقَوْلهم بعلمهم بهَا مِمَّا عُلِم فَسَاده بِالضَّرُورَةِ، وَأما الْعلم وَالْقُدْرَة فهما مِمَّا يتَوَقَّف عَلَيْهِ ثُبُوت النُّبُوَّة لدلَالَة المعجزة عَلَيْهِمَا فَكَانَ الْعلم بِالنُّبُوَّةِ دَلِيلا للْعلم بهما وَلَو إِجْمَالا، فَلذَلِك لم يبْحَث عَنْهُمَا انْتهى. فَتَأمل قَوْله وَكَانَ الْعلم بِالنُّبُوَّةِ الخ تَجدهُ صَرِيحًا فِيمَا ذكرته من أَن الشَّرْط فِي ابْتِدَاء الْإِيمَان إِنَّمَا هُوَ التَّصْدِيق بِجَمِيعِ الْمَعْلُوم بِالضَّرُورَةِ إِجْمَالا فَيَكْفِي ذَلِك وَلَا يشْتَرط التَّصْدِيق بالأمور التفصيلية الضرورية إِلَّا لمن عَلِمها تَفْصِيلًا فيكلف بالتصديق والإذعان بهَا فَإِن صدَّق وأذْعن اسْتمرّ على إيمَانه وَإِلَّا كَفَر من حينئذٍ. وَمِنْهَا: قَول أَئِمَّتنَا فِي (الْفُرُوع) : وَيشْتَرط لنفع الْإِيمَان فِي الْآخِرَة مَعَ النُّطْق بِالشَّهَادَتَيْنِ تَصْدِيق الْقلب بوحدانية الله تَعَالَى وَكتبه وَرُسُله وَالْيَوْم الآخر انْتهى. فأفهم ذَلِك إِنَّه يَكْفِي التَّصْدِيق بِمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّد ﷺ من ذَلِك إِجْمَالا وَلَا يشْتَرط التَّفْصِيل إِلَّا إِن لوحد تَفْصِيلًا كَمَا يَأْتِي. وَمِنْهَا: قَول الْمُحَقق الْكَمَال بن أبي شرِيف فِي شَرحه مسايرة شَيْخه الْمُحَقق الْكَمَال بن الْهمام: جُمْهُور الأشاعرة، وَبِه قَالَ الماتُريدي إِن الْإِيمَان هُوَ التَّصْدِيق بِالْقَلْبِ فَقَط أَي قبُوله وإذْعانه لما عُلِم بِالضَّرُورَةِ من دين مُحَمَّد ﷺ بِحَيْثُ تعلمه الْعَامَّة من غير نظر واستدلال كالوحدانية والنبوة والبعث ولاجزاء وَوُجُوب الصَّلَاة وَالزَّكَاة وَالْحج وَحُرْمَة الْخمر وَنَحْوهَا، وَيَكْفِي الْإِجْمَال فِيمَا يُلَاحظ إِجْمَالا كالإيمان بِالْمَلَائِكَةِ والكتب وَالرسل، وَيشْتَرط التَّفْصِيل فِيمَا يُلَاحظ تَفْصِيلًا كجبريل وَمِيكَائِيل ومُوسَى وَعِيسَى والتوراة وَالْإِنْجِيل حَتَّى مَنْ لم يُصدِّق بِوَاحِد مِنْهَا كفر انْتهى، فأفهم هَذَا أنَّ مَا عُلِم من الدّين بِالضَّرُورَةِ إنْ شعر بِهِ مَنْ جَهِله اشْترط تَصْدِيقه بِهِ إِجْمَالا إِن شعر بِهِ إِجْمَالا كالملائكة والكتب وَالرسل، وتفصيلاً إنْ شعر بِهِ تَفْصِيلًا كجبريل ومُوسَى والتوراة، وَأَنه لَا يشْتَرط فِي صِحَة الْإِيمَان أَن يصدق بالأشياء المفصلة إِلَّا إِذا شعر بهَا مفصلة. وَمِنْهَا: قَوْلهمَا مَا حَاصله: إِن الَّذِي يجب الْإِيمَان بِهِ هُوَ مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّد ﷺ عَن الله فَيجب التَّصْدِيق بكلّ مَا جَاءَ بِهِ من اعتقادي وعملي؛ وَمعنى التَّصْدِيق بالعملي اعْتِقَاد حقية الْعَمَل، وتفاصيل هذَيْن كَثِيرَة جدا، إذْ حَاصِل مَا فِي الْكتب الكلامية هُوَ الاعتقادات، وَمَا فِي دواوين السّنة هُوَ الاعتقادات والأعمال، فَاكْتفى بالإجمال وَهُوَ أَن يُقِّر بأنْ لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله، بِشَرْط مُطَابقَة قلبه واستسلامه بِلِسَانِهِ، وَأما التفاصيل فَمَا يعقله الْمُكَلف فِيهَا لزمَه إِعْطَاؤُهُ حَقه. ثمَّ إِن نفي جحوده الإستسلام كالمواظبة على ترك سنة اسْتِخْفَافًا بهَا وَقتل نبيِّ وَنَحْوهمَا مِمَّا ذكره الْحَنَفِيَّة فِي كتبهمْ وتبعهم على أَكْثَرهَا أَئِمَّتنَا فِي الْفُرُوع أَو وَجب تَكْذِيب النَّبِي ﷺ كَجَحْد الْمَعْلُوم من الدّين بِالضَّرُورَةِ، كَانَ جَحْدُه
стр. 140
كُفْراً وَإِن لم ينف جَحده ذَلِك كَانَ جَحده فسقاً وضلالاً، ثمَّ الشَّاهِد للحضرة النَّبَوِيَّة وَغَيره قد يتفقان فِي الْكفْر بالإنكار وَقد يَخْتَلِفَانِ فيتفقان فِي الْكفْر بإنكار الضَّرُورِيّ كالإيمان برسالة مُحَمَّد ﷺ وَمَا جَاءَ بِهِ من وجود ذَات الله الْمُقَدّس سُبْحَانَهُ، وانفراده تَعَالَى بِاسْتِحْقَاق الْعُبُودِيَّة على الْعَالمين فَلَا شريك لَهُ لِتَفَرُّدِهِ بالألوهية المستلزم لقدمه وانفراده بالخلق المستلزم لكَونه تَعَالَى حَيا عليماً قَادِرًا مرِيدا، ومِنْ أنْ الْقُرْآن كَلَام الله وَمَا يتضمنه الْقُرْآن من الْإِيمَان بِأَنَّهُ تَعَالَى مُتكلَّم سميع مُرْسِل لرسل قَصَّهم علينا ورسل لم يقصهم علينا، ومنزل للكتب، وَله عباد مكرمون وهم الْمَلَائِكَة، ومِنْ أَنه فرض الصَّلَاة وَالزَّكَاة وَالصَّوْم وَالْحج، ومِنْ أَنه يُحيي الْمَوْتَى وَأَن السَّاعَة آتِيَة لَا ريب فِيهَا وَمن أَنه حرّم الزِّنَا وَالْخُمُور والقمار فإنكار شَيْء من هَذَا كفر فِي حق الْفَرِيقَيْنِ، ويختلفان فِيمَا نُقِل آحاداً كسؤال الْملكَيْنِ وَوُجُوب زَكَاة الْفطر فَلَا يكفر بإنكاره إِلَّا الشَّاهِد فَقَط مَا لم يدِّع نَحْو نَسْخ لِأَنَّهُ علم بِالضَّرُورَةِ مَجِيء النَّبِي ﷺ بِهِ لسماعه مِنْهُ، وَقيل إِنْكَار سؤالهما كفر وَلَو فِي حق الْغَائِب لتواتره معنى، وَمحله إِن أنكرهُ بعد تواتره عِنْده بِخِلَافِهِ قبله لِأَنَّهُ لَا تَكْذِيب فِيهِ حينئذٍ للنَّبِي ﷺ وَإِنَّمَا فِيهِ تَكْذِيب أَو تغليط للرواة أَو نَحْوهمَا، ومنْ ثمَّ لَو علم مِنْهُ أَنه ردَّه استخفاناً لأجل التَّصْرِيح بِهِ فِي السّنة دون الْقُرْآن كفر، وَلَا يكفر بإنكار قعطيِّ غير ضَرُورِيّ كاستحقاق بنت الابْن السُّدس مَعَ بنت الصلب، وَظَاهر كَلَام الْحَنَفِيَّة كُفْرَهُ وَيجب حمله أَي بِنَاء على قواعدهم على مُنكر عَلِم أَنه قَطْعِيّ وَإِلَّا فَلَا يكفر إِلَّا إِذا ذكر لَهُ أهل الْعلم أَنه من الدّين، وَأَنه قَطْعِيّ، فتمادى فِيمَا هُوَ عَلَيْهِ عناداً فيكفُر لظُهُور التَّكْذِيب مِنْهُ حينئذٍ كَمَا دلّ عَلَيْهِ كَلَام إِمَام الْحَرَمَيْنِ. وَأما التبري من كل دين يُخَالف دين الْإِسْلَام فَإِنَّمَا شَرطه جُمْهُور الشَّافِعِيَّة فِي حق من يخص رِسَالَة مُحَمَّد ﷺ بالعرب لإجراء أَحْكَام الْإِسْلَام عَلَيْهِ لَا لثُبُوت إيمَانه واتصافه بِهِ فِيمَا بَينه وَبَين الله تَعَالَى، فَإِنَّهُ لَو اعْتقد عُمُوم الرسَالَة وَأَنِّي بِالشَّهَادَتَيْنِ فَقَط كَانَ مُؤمنا عِنْد ذَلِك وَهُوَ معنى التبري الْمَذْكُور، وَقيل لَا يشْتَرط التبري مُطلقًا لِأَنَّهُ ﷺ كَانَ يَكْتَفِي بِالشَّهَادَتَيْنِ فَقَط من أهل الْكتاب مُطلقًا، وَيُجَاب بِأَن كل من كَانَ بِحَضْرَتِهِ ﷺ وَسمع مِنْهُ ادَّعاء عُمُوم الرسَالَة فَإِذا شهد أَنه رَسُول الله ﷺ لزم تَصْدِيقه إِجْمَالا فِي كل مَا يدَّعيه وتفصيلاً فِيمَا علمه من ذَلِك تَفْصِيلًا، بِخِلَاف مَنْ لم يسمع ادِّعاء عمومها لجَوَاز أَن يجهل تَوَاتر ذَلِك فاحتيج لتلفظه بالتبري السَّابِق، وَبَعض التفاصيل الْمَذْكُورَة المندرجة تَحت الشَّهَادَتَيْنِ اخْتلف فِيهَا هَل التَّصْدِيق بهَا دَاخل فِي مُسَمّى الْإِيمَان فيكفر منكرها أَولا فَلَا، فَمن ذَلِك اخْتِلَاف أهل السّنة فِي تَكْفِير الْمُخَالف فِي بعض العقائد بعد اتِّفَاقهم على كفر الْمُخَالف فِي بعض الْأُصُول الْمَعْلُوم ضَرُورَة، كالقول بقدم الْعَالم وَنفي حشر الأجساد وَنفي علمه تَعَالَى بالجزئيات وَنفي فعله بِالِاخْتِيَارِ، بِخِلَاف مَا لَيْسَ كَذَلِك كنفي مبادىء الصِّفَات مَعَ إِثْبَاتهَا كَقَوْل المعتزلي عاليم بِلَا علم وكنفي عُمُوم الْإِرَادَة للخير وَالشَّر كالقول بِخلق الْقُرْآن فَقَالَ جمَاعَة هُوَ كفر. وَالصَّحِيح عِنْد جُمْهُور الْمُتَكَلِّمين وَالْفُقَهَاء والأشعري خِلَافه انْتهى مُلَخصا، وَهُوَ مُشْتَمل على صرائح مُتعَدِّدَة فِيمَا ذكرته أَو لَا من الِاكْتِفَاء بالتصديق الإجمالي فِي ابْتِدَاء الْإِيمَان بِخِلَاف دَوَامه وَبِخِلَاف مُلَاحظَة التفاصيل فَإِنَّهُ لَا بُد فيهمَا من التَّصْدِيق التفصيلي، فَمن تِلْكَ الصرائح قَوْله: فَاكْتفى بالإجمالي الخ، وَقَوله: مَحل إِن أنركه بعد تواتره عِنْده الخ وَقَوله: وَيجب حمله، وَقَوله: فَإِنَّهُ لَو اعْتقد عُمُوم الرسَالَة وأتى بِالشَّهَادَتَيْنِ فَقَط كَانَ مُؤمنا عِنْد الله الخ، وَقَوله فَإِذا شهد أَنه رَسُول الله لزم تَصْدِيقه إِجْمَالا الخ، فَتَأمل ذَلِك يَتَّضِح لَك مَا ذكرته. إِذا تقرّر ذَلِك فَقَوْل السَّائِل: هَل يَكْفِي فِيهِ التَّصْدِيق الإجمالي؟ جَوَابه: نعم بِشَرْطِهِ السَّابِق، وَهُوَ أَنه يَكْتَفِي مِنْهُ بذلك ابْتِدَاء عِنْد عدم مُلَاحظَة التفصيلي وَإِلَّا لم يكف، بل لَا بدَّ من التَّصْدِيق التفصيلي، وَقَوله: فَإِن قُلْتُمْ بِالْأولِ الخ. جَوَابه: أَن التَّصْدِيق بذلك لَهُ جهتان: إجمالي: وَهُوَ مندرج فِي التَّصْدِيق بالوحدانية ورسالة مُحَمَّد ﷺ ، وَهَذَا يَكْفِي مِمَّن لم يخْطر بِبَالِهِ شَيْء من التفاصيل الْمَعْلُومَة من الدّين بِالضَّرُورَةِ وتفصيلي: وَهُوَ شَرط فِيمَن لحظ شَيْئا من تِلْكَ التفاصيل فَلَا يكون مُؤمنا حَتَّى يُصدِّق بِمَا لحظه أَو عرفه مِنْهَا، وَقَوله فَمَا الْقدر الْمَعْلُوم من الدّين بِالضَّرُورَةِ؟ جَوَابه: أَنه قد سبق ضابطه وَهُوَ أَن يكون قَطْعِيا مَشْهُورا بِحَيْثُ لَا يخفى على الْعَامَّة المخالطين للْعُلَمَاء بِأَن يعرفوه بداهة من غير إفتقار إِلَى نظر واستدلال، وَلذَلِك مَثَل مِنْهَا فِي الاعتقادي
стр. 141
وحدانية الله تَعَالَى وتفرُّده بالألوهية وتنزهه عَن الشَّرِيك وسمات الحادثات كالألوان، وتفرده بِاسْتِحْقَاق الْعُبُودِيَّة على الْعَالمين وبإيجاد الْخلق وحياته وعِلْمه وَقدرته وإرادته وإنزاله الْكتب وإرساله للرسل، وأنَّ لَهُ عباداً مكرَّمين وهم الْمَلَائِكَة، وَأَنه يحيي الْمَوْتَى ويحشرهم إِلَى دَار الثَّوَاب وَالْعِقَاب، وَأَن الْمُؤمنِينَ مُخلَّدون فِي الْجنَّة والكافرين مُخلَّدون فِي النَّار، وَأَن العالَم حَادث وَأَنه تَعَالَى مُحِيط بالجزئيات كالكليات، وَغير ذَلِك من كل خبر نَص عَلَيْهِ الْقُرْآن وَالسّنة المتواترة نصَّاً لَا يحْتَمل التَّأْوِيل، أَو اجتمعتْ الْأمة على أَن ذَلِك هُوَ مَعْنَاهُ وعُلِم من الدّين بِالضَّرُورَةِ. وَمِنْهَا: فِي العملي وجوب الْوضُوء وَالْغسْل من الْجَنَابَة وَالتَّيَمُّم وانتقاض الطَّهَارَة بِنَحْوِ الْبَوْل وَحُصُول الْجِنَايَة بِنَحْوِ الْجِمَاع وَالْحيض، وَوُجُوب الصَّلَوَات الْخمس وَعدد ركعاتها، وَوُجُوب نَحْو الرُّكُوع وَالسُّجُود فِيهَا وبطلانُها بتعمدُّ نَحْو الْحَدث، وَوُجُوب الْجُمُعَة بشروطها، وَوُجُوب الزَّكَاة فِي الْأَنْعَام وَالزَّرْع والنقود دون التِّجَارَة وَكَذَا الْفطْرَة إِن راعينا خلاف ابْن اللبان، ثمَّ رَأَيْت ابْن سمح قَالَ: لَا يكفر جاحدها وقدْر نُصْبها الْمجمع عَلَيْهَا، وَوُجُوب صَوْم رَمَضَان وَالْحج وَالْعمْرَة على من استطاعهما، وَحل البيع والمؤاخذة بِالْإِقْرَارِ وَحل الأخْذِ بِالشُّفْعَة، وَحل الْإِجَارَة والاعتداد بِالْوَقْفِ وَالْهِبَة وَالصَّدَََقَة والهدية وَحُصُول التَّوَارُث بَين الْأَقَارِب وأقدار الْأَنْصِبَاء الْمَذْكُورَة فِي الْقُرْآن لِذَوي الْفُرُوض، وَحل النِّكَاح وَوُقُوع الطَّلَاق وجريان الْقود أَو الدِّيَة، وَحل قتل الْمُرْتَد، ورجم الزَّانِي الْمُحصن وَجلد غَيره وَقطع السَّارِق، وَحل الْجِهَاد وَأخذ الْجِزْيَة وَالْحلف بِاللَّه ، وَتَوَلَّى الْإِمَامَة الْعُظْمَى وَالْعتاق ونفوذه، وَتَحْرِيم تعمد الْوَطْء فِي الْحيض وَالنّفاس وَالصَّلَاة بِنَحْوِ غير وضوء وَالْجِمَاع فِي نَهَار رَمَضَان بِخِلَافِهِ فِي الْحَج، وَتَحْرِيم الرِّبَا وَالْغَصْب والمُكْس وَنِكَاح الْمَحَارِم بِالنّسَبِ أَو الرَّضَاع أَو الْمُصَاهَرَة وَالْجمع بَين نَحْو الْأُم وابنتها والأختين فِي النِّكَاح، وَتَحْرِيم الْمُطلقَة ثَلَاثًا وَقتل النَّفس بِغَيْر الْحق وَالزِّنَا واللواط وَلَو فِي مَمْلُوكه وَإِن قيل لَا حدَّ بِهِ لِأَن مَأْخَذ الْحُرْمَة وَالسَّرِقَة وَشرب الْخمر والقمار وَأكل الْميتَة فِي حَال الِاخْتِيَار وَشَهَادَة الزُّور والغيبة والنميمة وإيذاء الْمُسلمين وَنَحْو ذَلِك، فالاعتقادي بأقسامه السَّابِقَة والعملي بأقسامه الثَّلَاثَة؛ يَعْنِي مَا قُلْنَا إِنَّه وَاجِب أَو حَلَال أَو حرَام مَعْلُوم من الدّين بِالضَّرُورَةِ من حيثُ أصل كل مِنْهَا، وَإِن وَقع خلاف فِي بعض تفاصيل صور من العملي، فمنْ أنكر وَاحِدًا مِنْهَا بِالْكُلِّيَّةِ أَو اعْتقد وجوب مَا لَيْسَ بِوَاجِب بِالْإِجْمَاع كَصَلَاة سادسة، اعْتقد أنَّ وجوبَها كوجوب الْخمس فَخرج نَحْو الْوتر أَو أنكر مَشْرُوعِيَّة السّنَن الرَّاتِبَة أَو صَلَاة الْعِيدَيْنِ أَو أنكر بَقِيَّة الصَّلَاة، زاعماً أَنَّهَا لم ترد إِلَّا مُجْملة كَفَر. وَضَابِط الاعتقادي أَن من نفى أَو أثبت لَهُ تَعَالَى مَا هُوَ صَرِيح فِي النَّقْص كُفْر، أَو مَا هُوَ ملزوم للنقص لم يكفر لِأَن الْأَصَح أَن لَازم الْمَذْهَب لَيْسَ بِمذهب. فَإِن قلت: يشكل على بعض تِلْكَ الْمثل الَّتِي ذكرتها أخذا من تعريفهم لما علم ضَرُورَة بِمَا مر إِنْكَار نِكَاح الْمُعْتَدَّة فَإِنَّهُ لَا يكون كفرا. قلت: قد بيّنت فِي (شرح الْإِرْشَاد) مَا فِي ذَلِك مَعَ ردّ قَول البُلْقِينِيّ إِنَّه كفر، لِأَنَّهُ مَعْلُوم من الدّين بِالضَّرُورَةِ فَعَلَيهِ لَا إِشْكَال. هَذَا، وَمن أَرَادَ تَحْقِيق هَذَا المبحث وَغَيره من المكفرات فَعَلَيهِ بِكِتَاب (الْإِعْلَام فِي قواطع الْإِسْلَام) فَإِنِّي ذكرت فِيهِ أَكثر المكفرات على الْمذَاهب الْأَرْبَعَة مَعَ بَيَان مَا يُوَافق قَوَاعِد مَذْهَبنَا مِمَّا نَص عَلَيْهِ غير أَئِمَّتنَا فَحسب كالحنفية فَإِنَّهُم أوسع النَّاس فِي هَذَا الْبَاب وَكَذَا القَاضِي فِي (الشِّفَاء) وَغَيره. وَاعْلَم أَن التردّد فِي الْمَعْلُوم من الدّين بِالضَّرُورَةِ كالإنكار، وَأَن الْكَلَام فِي مُخالِطْ للْمُسلمين بِخِلَاف غير المُخَالط لَهُم، فَإِنَّهُ لَا يكفر بإنكاره ذَلِك، وَلَا بالترَّدُد فِيهِ مَا دَامَ لم يتواتر عِنْده كَمَا صرح بِهِ بعض أَئِمَّتنَا، وَبِه يعلم أَنه لَا يَكْفِي فِي الْكفْر بالإنكار أَن يَقُول لَهُ شخص أَو أشخاص لم يبلغُوا عدد التَّوَاتُر هَذَا وَاجِب أَو حَلَال أَو حرَام بل لَا بُد أَن يتواتر عِنْده ذَلِك فَإِذا تَوَاتر عِنْده كفر بِالشَّكِّ أَو الْإِنْكَار، لِأَنَّهُ مكذِّب للنَّبِي ﷺ وَهَذَا أدلّ دَلِيل على أَن تفاصيل الْمَعْلُوم من الدّين بِالضَّرُورَةِ غير شَرط فِي صِحَة الْإِيمَان ابْتِدَاء كَمَا قَدمته، وَخرج بقَوْلهمْ الْمَعْلُوم من الدّين إِنْكَار الْمَعْلُوم بِالضَّرُورَةِ لكنه من غير الدّين، بِأَن لم يرجع إِنْكَاره إِلَى إِنْكَار شَرِيعَة كإنكار غَزْوَة تَبُوك أَو وجود عمر وَقتل عُثْمَان ﵄ وَغير ذَلِك إِذْ لَيْسَ فِيهِ أَكثر من الْكَذِب والعناد كإنكار هِشَام وعبَّاد وقْعَة الْجمل، ومحاربة عليِّ مَنْ خَالفه، نعم إِن اقْترن بذلك اتهامه
стр. 142
للناقلين وهم الْمُسلمُونَ أجمع كفر لسريانه إِلَى إبِْطَال الشَّرِيعَة، وَمثله إِنْكَار مَكَّة والكعبة لاستلزامه ترك الْحَج وَوُجُوب الِاسْتِقْبَال وَغَيرهمَا من الشَّرَائِع الْمُتَعَلّقَة بذلك. وَقَول السَّائِل: فَإِن صَحَّ أَن هَذَا حَقِيقَة الْإِيمَان إِلَخ؟ جَوَابه: مَا عُلِم مِمَّا مر أَن التَّصْدِيق بالمعلوم من الدّين بِالضَّرُورَةِ لَا يشْتَرط التَّصْدِيق بِهِ أَو بِبَعْضِه تَفْصِيلًا، إِلَّا مِمَّن عَلِمَه تَفْصِيلًا بِأَن تَوَاتر عِنْده فَلَا بدَّ من التَّصْدِيق بِهِ وَإِلَّا كَانَ كَافِرًا، وَأما من لم يتواتر شَيْء مِنْهُ فيكفيه التَّصْدِيق الإجمالي لما عَلِمْتَ من أنَّ إِنْكَاره قبل التَّوَاتُر غير كفر، وَبِهَذَا علم الْجَواب عَن بَقِيَّة السُّؤَال. ثمَّ رَأَيْت السُّبْكِيّ فِي (فَتَاوِيهِ) ذكر فِي هَذِه الْمَسْأَلَة كلَاما حسنا مؤيداً لما قَدمته فَأَحْبَبْت ذكر حَاصله وَإِن كَانَ فِيهِ بعض طول، فَإِنَّهُ لما نقل الْإِجْمَاع على أَنه ﷺ مُرْسَل إِلَى الْجِنّ وَأَن ذَلِك أَمر مَقْطُوع بِهِ قَالَ: وَأما وجوب الْإِيمَان بذلك فَصَحِيح بِمَعْنى تَصْدِيق مَا دلّ عَلَيْهِ من الْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع بعد الْإِحَاطَة بهَا وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنه يجب، وَيشْتَرط فِي الْإِيمَان اعْتِقَاد ذَلِك وَلَا يكون مُؤمنا إِلَّا بِهِ حَتَّى يلْزم تَحْصِيل سَببه، فإنَّ الْعَاميّ لَو أَقَامَ دَهْرَه لَا يعْتَقد ذَلِك وَلم يخْطر بِبَالِهِ وَلَا عرف شَيْئا من الْأَدِلَّة الدَّالَّة عَلَيْهِ غير أَنه يعلم أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله كَانَ مُؤمنا وَلَيْسَ بعاص بِتَأْخِيرِهِ تعلمه لذَلِك أَو تَرْكه إِذا قَامَ غَيره بِهِ، وَقَول من قَالَ من الْمُحَقِّقين بِوُجُوب الْإِيمَان بذلك مَحْمُول على مَا قُلْنَاهُ، فَإِن الشَّرِيعَة كلهَا وَجَمِيع مَا ورد فِيهَا يجب الْإِيمَان بِهِ إِجْمَالا، وَأما تَفْصِيلًا فَمِنْهُ مَا يجب على كل أحد وَهُوَ مَا يعم جَمِيع الْمُكَلّفين كَالصَّلَاةِ وَنَحْوهَا، وَمِنْهَا مَا لَيْسَ كَذَلِك فَلَا يجب إِلَّا على من احْتَاجَ إِلَيْهِ أَو من عُلِم بدليله، وَمَا نَحن فِيهِ من هَذَا الْقسم، ثمَّ قَالَ بعد كَلَام طَوِيل: النَّاس على أَقسَام: مِنْهُم عَامي لم تخطر بِبَالِهِ هَذِه الْمَسْأَلَة أَو خطرت بِبَالِهِ وَمَا اعْتقد فِيهَا شَيْئا لجهله فَهَذَا لَا شَيْء عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لم يُكَلف بذلك لَكِن يشْتَرط أَن يُطلق شَهَادَته بِأَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله وَلَا يخصصها، فَمَتَى خصصها فَقَالَ إِلَى الْإِنْس خَاصَّة فيتكلم عَلَيْهِ. وَمِنْهُم عاميّ اعْتقد خلاف الْحق لشُبْهَة أَو تَقْلِيد جَاهِل، فَهَذَا اعْتِقَاده هَذَا خطأ، يلْزمه النُّزُوع عَنهُ وَأَن يَسأل أَو يَبْحثْ ليظْهر لَهُ الصَّوَاب، وَهُوَ بإصراراه على هَذَا الإعتقاد الْخَطَأ عَاص لِأَنَّهُ مِنْ أصُول الدّين الَّذِي لَا يُعْذر بالْخَطَأ فِيهِ، والفقيه إِذا اعْتقد فِي هَذِه الْمَسْأَلَة خلاف الْحق لشُبْهَة أَو تَقْلِيد جَاهِل عَاص أَيْضا كالعاميّ بل هُوَ عاميّ فِيهَا، وَمحل الحكم فيهمَا بالعصيان فَقَط وَصِحَّة الْإِيمَان إِذا أطلقا شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله فَإِن خصاها فَقَالَا إِلَى الْإِنْس فَقَط فأخشى عَلَيْهِمَا الْكفْر لِأَن الْإِسْلَام الَّذِي بَينه الشَّارِع بِالشَّهَادَةِ الْمُطلقَة.
وَمِنْهُم من اعْتقد التَّعْمِيم فِي ذَلِك من عَامي أَو فَقِيه لَا عَن دَلِيل بل تَقْلِيد مَحْض، فيكفيه ذَلِك وَلَيْسَ بعاص لِأَنَّهُ لم يقم دَلِيل على إِيجَاب الْيَقِين فِي أَمْثَال هَذِه الْمَسْأَلَة وَلَا هُوَ شَرط فِي الْإِيمَان، فَإِذا لم يكن للشَّخْص عِلْم بأدلة هَذِه الْمَسْأَلَة وَاقْتصر على التَّقْلِيد فِيهَا كَفاهُ، وَلَا فرق بَين أَن يكون اعْتِقَاده على جِهَة التَّقْلِيد جَازِمًا أَو غير جازم، فَإِن التَّقْلِيد لفظ مُشْتَرك بَين الإعتقاد الْجَازِم المطابق لَا لموجب، وَبَين قبُول الْغَيْر بِغَيْر حجَّة سَوَاء كَانَ الْجَزْم بِهِ أم لَا، فَهَذَا الثَّانِي كَاف هُنَا وَلَا يَكْفِي فِيمَا يجب الْإِيمَان بِهِ من الوحدانية وَنَحْوهَا، وَالْأول يَكْفِي لِأَن إِيمَان الْمُقَلّد صَحِيح عِنْد جُمْهُور الْعلمَاء خلافًا لأبي هَاشم من الْمُعْتَزلَة، وَكثير من النَّاس يَغْلَطون ويعتقدون أَن إِيمَان الْمُقَلّد لَا يَصح، وَقد بيّنت هَذَا فِي فَتْوَى وَقلت: إِن النَّاس ثَلَاث طَبَقَات: (عُلْيا وهم أهل الْمعرفَة وَالِاسْتِدْلَال التفصيلي وهم الْعلمَاء. وَأهل الِاسْتِدْلَال الإجمالي وهم كَثِيرُونَ من الْعَوام فَلَا خلاف فِي صِحَة إِيمَانهم. ووسطي وهم أهل العقيدة المُصَمِّمون على غير ذَلِك، وَلم يقل بتكفيرهم إِلَّا أَبُو هَاشم. ودُنياوهم المقلدون من غير تَصْمِيم، وَلم يقل بِصِحَّة إِيمَانهم إِلَّا شذوذ مِنْهُم من كَانَ غَائِبا وَقد وصلت إِلَيْهِ هَذِه الْأَدِلَّة، وَله تمكَّن من النّظر فِيهَا، فَهَذَا الْمَطْلُوب مِنْهُ الْعلم بهَا وبأدلتها وَيلْزمهُ الْإِيمَان بِهِ قطعا لِعلْمه فَصَارَ بِمَنْزِلَة من سمع من النَّبِي ﷺ فَيلْزمهُ تَصْدِيقه فِيهِ قطعا. وَأما الْإِيمَان الإجمالي فَوَاجِب على كل أحد بِمَا جَاءَ بِهِ النَّبِي ﷺ فَلَا بُدَّ مِنْهُ فِي هَذِه الْمَسْأَلَة وَغَيرهَا، ويكتفي بِهِ فِي هَذِه الْمَسْأَلَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى غير الْعَالم وَلَا يُكتفى بِهِ فِي حق الْعَالم فَلَا بُدَّ وفَرْضُ ذَلِك عسر، لِأَن الْعَالم مَتى أحَاط علمه بِهَذِهِ الْأَدِلَّة ووجْهَ دلالتها حصل لَهُ الْعلم، وَلَا يُمكن تخلف الْعلم عَنهُ بعد ذَلِك، نعم لَو كَانَ الشَّخْص لَهُ قوّة على النّظر وَتمكن من الْأَدِلَّة وَالْوُقُوف عَلَيْهَا وَالنَّظَر وَلم يفعل بل اقْتصر على مَحْض التَّقْلِيد، فَالَّذِي يظْهر أَنه لَا يَعْصِي بذلك ويكفيه
стр. 143
التَّقْلِيد. وَأما إِذا لم يُقَلّد وَلَكِن توقف وَلم يعْتَقد مِنْهَا شَيْئا مَعَ تمكنه من إِدْرَاك ذَلِك فَهُوَ مَحل نظر، ويترجح أَيْضا أَنه غير مأثوم لعدم قيام الدَّلِيل على وجوب ذَلِك، بِخِلَاف مَا إِذا اعْتقد غير الْحق فَإِن ذَلِك يكون كتقصيره والإقدام بِغَيْر دَلِيل خطأ بِخِلَاف التَّوَقُّف فِيمَا لَا يجب كَمَا يَأْتِي فِي الْفُرُوع. أَقُول: مَنْ أقدَّم على فعل بغيرِ عِلْم بِحكمِهِ يكون مأثوماً، ومَنْ توقَّف عَنهُ لَا يكون مأثوماً، ثمَّ قَالَ بعد كَلَام طَوِيل أَيْضا: كَلَام إِمَام الْحَرَمَيْنِ يَقْتَضِي أَن إرْسَاله ﷺ إِلَى الْجِنّ مَعْلُوم بِالضَّرُورَةِ، وَمَا قَالَه الإِمَام صَحِيح إذْ هُوَ الْقدْوَة فِي ذَلِك لأَنا نفهم قطعا بِالنَّقْلِ الْمُتَوَاتر الْمُفِيد بِالضَّرُورَةِ أَن النَّبِي ﷺ ادّعى الرسَالَة مُطلقًا وَلم يقيدها بقبيلة وَلَا طَائِفَة وَلَا إنس وَلَا جن فَهِيَ عامَّة. ثمَّ الْمَعْلُوم بِالضَّرُورَةِ من الشَّرْع قِسْمَانِ: أَحدهمَا: مَا يعرفهُ الْخَاصَّة والعامة. وَالثَّانِي: مَا قد يخفى على بعض الْعَوام، وَلَا يُنَافِي هَذَا قَوْلنَا إِنَّه مَعْلُوم بِالضَّرُورَةِ لِأَن المُرَاد مَنْ مارس الشَّرِيعَة عَلِم مِنْهَا مَا يحصل بِهِ الْعلم الضروريّ بذلك، وَهَذَا يحصل لبَعض النَّاس دون بعض بِحَسب الممارسة وَكَثْرَتهَا أَو قلتهَا أَو عدمهَا. فالقسم الأول من أنكرهُ من الْعَوام والخواص فقد كفر، لِأَنَّهُ كالمكذِّب للنَّبِي ﷺ فِي خَبره، ومِنْ هَذَا الْقسم إِنْكَار وجوب الصَّلَاة وَالصَّوْم وَالزَّكَاة وَالْحج وَنَحْوهَا وَتَخْصِيص رسَالَته ﷺ بِبَعْض الْإِنْس فَمن قَالَ ذَلِك فَلَا شكّ فِي كُفْره، وَإِن اعْترف بِأَنَّهُ رَسُول الله لِأَن عُمُوم رسَالَته إِلَى جَمِيع الْإِنْس مِمَّا يُعلمهُ الْخَواص والعوام بِالضَّرُورَةِ من الدّين. وَالْقسم الثَّانِي من أنكرهُ من الْعَوام الَّذين لم يحصل عِنْدهم من ممارسة الشَّرْع مَا يحصل بِهِ الْعلم الضَّرُورِيّ لم يكفر وَإِن كَانَت كَثْرَة الممارسة توجب للْعُلَمَاء الْعلم الضَّرُورِيّ بِهِ، وَمن هَذَا الْقسم عُمُوم رسَالَته ﷺ إِلَى الْجِنّ فَإنَّا نعلم بِالضَّرُورَةِ ذَلِك لِكَثْرَة ممارستنا لأدلة الْكتاب وَالسّنة وأخبار الْأُمَم، وَأما الْعَاميّ الَّذِي لم يحصل لَهُ ذَلِك الْعلم إِذا أنكر ذَلِك فَإِن قيد الشَّهَادَة بالرسالة إِلَى الْإِنْس خَاصَّة خشيت عَلَيْهِ الْكفْر كَمَا قَدمته، وَإِن أطلق الشَّهَادَة بِأَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله وَلم يتَنَبَّه إِلَى أَن إِنْكَاره لعُمُوم الرسَالَة للجن يُخَالف ذَلِك فَلَا أرى الحكم بِكُفْرِهِ، ولكنْ يُؤدَّب على كَلَامه فِي الدّين وَالْجهل وَيُؤمر بِأَن يتَعَلَّم الْحق فِي ذَلِك لتزول عَنهُ الشُّبْهَة الَّتِي أوجبتْ لَهُ الْإِنْكَار؛ وَإِذا لم يحصل مِنْهُ إِنْكَار وَلَا تكلم فِي ذَلِك وَلَا خطر بِبَالِهِ شَيْء مِنْهُ فَلَا لوم عَلَيْهِ وَلَا يُؤمر بتَعَلُّم ذَلِك لِأَنَّهُ لَيْسَ بِفَرْض عين، وإنْ خَطَر بِبَالِهِ ذَلِك لزمَه السُّؤَال واعتقاد الْحق أَو صَرَف نَفْسَه عَن اعْتِقَاد الْبَاطِل وَيشْهد للنَّبِي ﷺ بالرسالة؛ فَعلم أَن العاميّ لَا يُكَلف بِالْعلمِ بذلك قطعا وَلَا ظنا، وَأَن الْعَالم الْمَطْلُوب مِنْهُ الْعلم، وَأَن هَذِه الْمَسْأَلَة وَإِن كَانَت قَطْعِيَّة لَكِن فِي نَفسهَا إذْ الْقطع فِيهَا غير لَازم للعامي فَهِيَ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ كَسَائِر الْفُرُوع فيكتفي بهَا بِالْإِجْمَاع عِنْده على أَنه ﷺ مُرْسل للثقلين متواتر مَقْطُوع بِهِ كَسَائِر الْفُرُوع الثَّابِتَة بالتواتر كَمَا تضمنه كَلَام إِمَام الْحَرَمَيْنِ انْتهى كَلَام السُّبْكِيّ ﵀ وشكر سَعْيه، وَهُوَ مُوَافق لكثير مِمَّا قَدمته ومشتمل على فَوَائِد يَنْبَغِي إمعان النّظر فِيهَا ومزيد تأملها لخفائها على أَكثر المحصِّلين واعتقادهم فِيهَا خلاف الصَّوَاب.
٢١١ - وَسُئِلَ ﵁ ونفعنا بِهِ: فِي عقائد الْحَنَابِلَة مَا لَا يخفى على شرِيف علمكُم، فَهَل عقيدة الإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل ﵁ كعقائدهم؟ فَأجَاب بقوله: عقيدة إِمَام السّنة أَحْمد بن حَنْبَل ﵁ وأرضاه وَجعل جنان المعارف متقلَّبه ومأواه وأفاض علينا وَعَلِيهِ من سوابغ إمتنانه وبوأه الفردوس الْأَعْلَى من جنانه، مُوَافقَة لعقيدة أهل السّنة وَالْجَمَاعَة من الْمُبَالغَة التَّامَّة فِي تَنْزِيه الله تَعَالَى عَمَّا يَقُول الظَّالِمُونَ والجاحدون علوا كَبِيرا من الْجِهَة والجسمية وَغَيرهمَا من سَائِر سمات النَّقْص، بل وَعَن كل وَصْف لَيْسَ فِيهِ كَمَال مُطلق، وَمَا اشْتهر بَين جهلة المنسوبين إِلَى هَذَا الإِمَام الْأَعْظَم الْمُجْتَهد من أَنه قَائِل بِشَيْء من الْجِهَة أَو نَحْوهَا فكذب وبُهتان وافتراء عَلَيْهِ، فلعن الله من نسب ذَلِك إِلَيْهِ، أَو رَمَاه بِشَيْء من هَذِه المثالب الَّتِي برَّأه الله مِنْهَا، وَقد بَين الْحَافِظ الْحجَّة الْقدْوَة الإِمَام أَبُو الْفرج بن الْجَوْزِيّ من أَئِمَّة مذْهبه المبرئِّين من هَذِه الوصمة القبيحة الشنيعة، أنَّ كل مَا نسب إِلَيْهِ من ذَلِك كذب عَلَيْهِ وافتراء وبهتان وَأَن نصوصه صَرِيحَة فِي بطلَان ذَلِك وتنزيه الله تَعَالَى عَنهُ فَاعْلَم ذَلِك فَإِنَّهُ مُهِمّ. وَإِيَّاك أنْ تصغى إِلَى مَا فِي كتب ابْن تَيْمِية وتلميذه ابْن قيم الجوزية وَغَيرهمَا مِمَّن اتخذ إلهه هَوَاهُ وأضله الله على علم وَختم على سَمعه وَقَلبه وَجعل على بَصَره غشاوة فَمن
стр. 144
يهديه من بعد الله، وَكَيف تجَاوز هَؤُلَاءِ الْمُلْحِدُونَ الْحُدُود، وتعدوا الرسوم وخرقوا سياج الشَّرِيعَة والحقيقة، فظنوا بذلك أَنهم على هدى من رَبهم وَلَيْسوا كَذَلِك، بل هم على أَسْوَأ الضلال وأقبح الْخِصَال وأبلغ المَقَّتْ والخسران وأنهى الْكَذِب والبهتان فخذل الله متَّبِعهم وطهر الأَرْض من أمثالهم.
وَإِيَّاك أَن تغتر أَيْضا بِمَا وَقع فِي [الغُنْية] لإِمَام العارفين وقطب الْإِسْلَام وَالْمُسْلِمين الْأُسْتَاذ عبد الْقَادِر الجيلاني، فَإِنَّهُ دسَّه عَلَيْهِ فِيهَا مَنْ سينتقم اللَّهُ مِنْهُ وَإِلَّا فَهُوَ برىء من ذَلِك وَكَيف تُروَّج عَلَيْهِ هَذِه الْمَسْأَلَة الْوَاهِيَة مَعَ تضَّلُعه من الْكتاب وَالسّنة وَفقه الشَّافِعِيَّة والحنابلة حَتَّى كَانَ يُفْتِي على المذهبين، هَذَا مَعَ مَا انضْم لذَلِك من أَن الله منّ عَلَيْهِ من المعارف والخوارق الظَّاهِرَة والباطنة وَمَا أنبأ عَنهُ مَا ظهر عَلَيْهِ وتواتر من أَحْوَاله، وَمِنْه مَا حَكَاهُ اليافعي ﵀ وَقَالَ: مِمَّا علمناه بالسند الصَّحِيح الْمُتَّصِل أَن الشَّيْخ عبد الْقَادِر الجيلاني أكل دجَاجَة ثمَّ لما لم يبْق غير الْعظم توجه إِلَى الله فِي إحيائها فأحياها الله إِلَيْهِ وَقَامَت تجْرِي بَين يَدَيْهِ كَمَا كَانَت قبل ذَبحهَا وطبخها، فَمن امتَّن الله عَلَيْهِ بِمثل هَذِه الكرامات الباهرة يتَصَوَّر أَو يتَوَهَّم أَنه قَائِل بِتِلْكَ القبائح الَّتِي لَا يصدر مثلهَا إِلَّا عَن الْيَهُود وأمثالهم مِمَّن استحكم فِيهِ الْجَهْل بِاللَّه وَصِفَاته وَمَا يجب لَهُ وَمَا يجوز وَمَا يَسْتَحِيل: ﴿سُبْحَانَكَ هَاذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النُّور: ١٧، ١٨] . وَمِمَّا يقطع بِهِ كل عَاقل أَن الشَّيْخ عبد الْقَادِر لم يكن غافلاً عَمَّا فِي (رِسَالَة الْقشيرِي) الَّتِي سَارَتْ بهَا الركْبَان واشتهرت بَين سَائِر الْمُسلمين سِيمَا أهل التَّحْقِيق والعِرْفان، وَإِذا لم يجهل ذَلِك فَكيف يتوَّهم فِيهِ هَذِه القبيحة الشنيعة، وفيهَا عَن بعض رجالها أَئِمَّة الْقَوْم السالمين عَن كل مَحْذُور ولوم أَنه قَالَ: كَانَ فِي نَفسِي شَيْء من حَدِيث الْجِهَة فَلَمَّا زَالَ ذَلِك عني كتبتُ إِلَى أَصْحَابنَا إِنِّي قد أسلمت الْآن، فَتَأمل ذَلِك واعتن بِهِ لَعَلَّك توفق للحق إِن شَاءَ الله تَعَالَى وتجري على سنَن الاسْتقَامَة، وَلم نعلم أحدا من فُقَهَاء الشَّافِعِيَّة ابتلى بِهَذَا الإعتقاد الْفَاسِد الْقَبِيح الَّذِي رُبمَا أدّى إِلَى الْكفْر وَالْعِيَاذ بِاللَّه إِلَّا مَا نقل على العمراني صَاحب الْبَيَان وَلَعَلَّه كُذِب عَلَيْهِ، أَو أَنه تَابَ مِنْهُ قبل مَوته بِدَلِيل أَن الله تَعَالَى نفع بكتبه شرقاً وغرباً، ومَنْ على ذَلِك الإعتقاد لَا ينفع الله بِشَيْء من آثاره غَالِبا.
٢١٢ - وسئلت: عَن مطالعة كتب العقائد؟ فأجبت بِقَوْلِي: لَا يَنْبَغِي للْإنْسَان الَّذِي لم يحط بمقدمات الْعُلُوم الإلهية والبراهين القطعية أَن يشْتَغل بمطالعة شَيْء من كتب العقائد المشكلة، فَإِنَّهَا مزلة الْأَقْدَام للعوام جالبة لوقوعهم فِي ورطة الْحيرَة والأوهام، بل رُبمَا أدّى بهم ذَلِك إِلَى الْكفْر الصَّرِيح والابتداع الْقَبِيح، فليترك الْعَاقِل ذَلِك إِذا أَرَادَ سَلامَة دينه، فَإِن كَانَ فَاعِلا وَلَا بُد فَيلْزم شَيخا عَالما بفن الْكَلَام وَغَيره نَصوحاً سليم العقيدة فليقرأ عَلَيْهِ فِي ذَلِك مبتدئاً فِيهِ إِلَى أَن يُحِيط بِشَيْء مِنْهُ بِقدر مَا يصحح بِهِ عقيدته ثمَّ يتْرك التوغل فِي ذَلِك فَإِنَّهُ الضلال الْأَكْبَر كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ إمامنا الشَّافِعِي ﵁ وأرضاه وَجعل الفردوس متقلبة ومثواه آمين.
٢١٣ - وَسُئِلَ نفع الله بِهِ، بِمَا لَفظه: طعن بعض النَّاس فِي أبي الْحسن وَأبي إِسْحَق الْأَشْعَرِيين والباقلاني وَابْن فورك وَأبي الْمَعَالِي إِمَام الْحَرَمَيْنِ والباجي وَغَيرهم مِمَّن تكلم فِي الْأُصُول ورد على أهل الْأَهْوَاء بل رُبمَا بَالغ بعض الملحدة فَادّعى كفرهم فَهَل هَؤُلَاءِ كَمَا قَالَ ذَلِك الطاعن أَو لَا؟ فَأجَاب بقوله: لَيْسُوا كَمَا قَالَ ذَلِك الخارق المارق المجازف الضَّالّ الغال الْجَاهِل المائل، بل هم أَئِمَّة الدّين وفحول عُلَمَاء الْمُسلمين فَيجب الِاقْتِدَاء بهم لقيامهم بنصرة الشَّرِيعَة وإيضاح المشكلات ورَّدِ شُبَه أهل الزيغ وَمَا يجب من الاعتقادات والديانات لعلمهم بِاللَّه وَمَا يجب لَهُ، وَمَا يَسْتَحِيل عَلَيْهِ، وَمَا يجوز فِي حَقه، وَلَا يعرف الْوُصُول إِلَّا بعد معرفَة الْأُصُول، ومِنْ ثُمَّ فضَّل أَقوام عُلُوم الْقُرْآن والْحَدِيث وقدموها على حفظ الْمسَائِل الْفِقْهِيَّة حَتَّى أدّى ذَلِك بعض مُلُوكهمْ إِلَى أَن توعَّد الْفُقَهَاء وأخافهم، وَبَعْضهمْ حبس النَّاس على اشتغالهم بالمدونة وأحرقها حَتَّى اجْتمع القَاضِي ابْن زرقون فِي حَضْرَة بعض أمرائهم فَقَالَ: هَل بَقِي أحد مِمَّن ينتحل هَذَا الْمَذْهَب فَقَالَ بعض الظَّاهِرِيَّة: لم يبْق مِنْهُم إِلَّا الْقَلِيل، فَقَالَ: إِنَّهُم يحكمون فِي دين الله بِغَيْر دَلِيل يَقُولُونَ فِي الْمصلى بِنَجَاسَة يُعِيد فِي الْوَقْت لِأَن النَّجَاسَة إِن كَانَ غسلهَا وَاجِبا أعَاد أبدا وَإِلَّا فَلَا إِعَادَة عَلَيْهِ فالإعادة فِي الْوَقْت مَا قَامَ عَلَيْهَا دَلِيل. فَأَجَابَهُ ابْن زرقون فَقَالَ لَهُ: الأَصْل فِي ذَلِك حَدِيث الْأَعرَابِي الْمَشْهُور وَقَوله: (ارْجع فصل فَإنَّك لم تصل) وَلم يَأْتِ فِي طرف الحَدِيث أَنه أمره
стр. 145
بِإِعَادَة مَا مضى فاستكان عِنْد ذَلِك الْأَمِير وَقَالَ: دعوا النَّاس على مذاهبهم، وَالْوَاجِب الِاعْتِرَاف بِفضل أُولَئِكَ الْأَئِمَّة الْمَذْكُورين فِي السُّؤَال وسابقيهم، وَأَنَّهُمْ من جملَة المرادين بقوله ﷺ : (يحمل هَذَا الْعلم من كُلِّ خَلَفٍ عَدو لَهُ، يَنْفُون عَنهُ تَحْرِيف الغالين وانتحال المُبْطِلين وتأويلَ الْجَاهِلين) فَلَا يعْتَقد ضلالتهم إِلَّا أَحمَق جَاهِل أَو مُبْتَدع زائغ عَن الْحق وَلَا يسبهم إِلَّا فَاسق، فَيَنْبَغِي تبصير الْجَاهِل وتأديب الْفَاسِق واستتابة المبتدع، وَإِلَّا فَقَالَ بعض أَئِمَّة الْمَالِكِيَّة: يضْرب إِلَى أَن يَمُوت كَمَا فعل سيدنَا عمر ﵁ بضُبَيْع الْمَشْهُور الْمُتَّهم، وَورد أَنه لما أَكثر ضربه قَالَ لَهُ: إِن كنت تُرِيدُ دوائي فقد بلغ مَوضِع الدَّاء، وَإِن كنت تُرِيدُ قَتْلِي فعجِّل عليّ فخلى سَبيله.
٢١٤ - وَسُئِلَ ﵁، عَمَّا يَقُول بعض الْأُصُولِيِّينَ: إِنَّه لَا يكمل الدّين إِلَّا بِمَعْرِِفَة أصُول الدّين وتحقيقه وَيتَعَيَّن على كل أحد الِاشْتِغَال بِهِ وتقديمه على تعلم سَائِر الْفُرُوع، وَمن خَالف فِي ذَلِك رُبمَا ضلَّلوه وكفَّروه هَل هُوَ صَحِيح أَو لَا؟ فَأجَاب بقوله: لَيْسَ مَا قَالُوهُ صَحِيحا بِإِطْلَاقِهِ كَمَا شنَّع الشَّافِعِي ﵁ وَغَيره من الْأَئِمَّة على أهل الْكَلَام وبدَّعوهم وضَلَّلوهم بِمَا هُوَ مَبْسُوط فِي غير هَذَا الْمحل، وَمن ثمَّ لم يقل من الْأَئِمَّة الأشعرية بِتِلْكَ الْمقَالة المحكية فِي السُّؤَال وَلَا يتأولها عَلَيْهِم إِلَّا غبيّ جَاهِل، إِذْ لَو كَانَ الْإِسْلَام لَا يتم إِلَّا على القوانين الْعَقْلِيَّة الَّتِي رتبَّها الأصوليون لبينها ﷺ للنَّاس وَبَلغهَا إِلَيْهِم كَمَا أَمر فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِى إِسْرَاءِيلَ وَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمْ رُسُلاً كُلَّمَا جَآءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىاأَنفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُواْ وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ﴾ [الْمَائِدَة: ٧٠] الْآيَة، فَلَمَّا تَيَقنا أَنه لم يدع النَّاس لذَلِك وَلَا تكلم بِهِ أحد من الصَّحَابَة بِكَلِمَة وَاحِدَة فَمَا فَوْقهَا من هَذَا النمط من طَرِيق تَوَاتر وَلَا آحَاد من طَرِيق صَحِيح وَلَا سقيم عُلِم أَنه ﷺ وَأَصْحَابه عدلوا إِلَى مَا هُوَ أبين للفهم ليستْبقُوا إِلَيْهِ بأوائل الْعقل وَهُوَ مَا أَمر الله بِهِ من الِاعْتِبَار بمخلوقاته فِي غير مَا آيَة، وَلم يمت ﷺ حَتَّى بلغ النَّاس، وَبَين مَا أُنزل إِلَيْهِم وأُمِرَ بتبليغه فِي خطبَته فِي حجَّة الْوَدَاع وَغَيرهَا من مقاماته بِحَضْرَة الْعَامَّة وَقَوله: (هَل بلَّغتْ) وَمَا أَمر بِهِ هُوَ كَمَال الدّين وَتَمَامه بقوله تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بِ الأٌّزْلَامِ ذَالِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلَامَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِى مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الْمَائِدَة: ٣] فَلَا حجَّة فِي إِثْبَات التَّوْحِيد وَمَا يجب لَهُ تَعَالَى أَو يجوز أَو يَسْتَحِيل بِمَا سوى مَا أنزلهُ فِي كِتَابه وَبَينه على لِسَان نبيه ﷺ وَمَا نبَّه عَلَيْهِ من الِاعْتِبَار فَقَالَ: ﴿وَفِى أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١] أَشَارَ إِلَى أَن فِيهَا من آثَار الصَّنْعَة ولطيف الْحِكْمَة مَا يدل على وجود الصَّانِع الْحَكِيم وَأَنه قَادر عَلَيْهِم وَاجِد موجد: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] كَمَا ذكر فِي كِتَابه الْعَزِيز، فَإِذا نظر فِي نَفسه وَمَا ركَّب فِيهَا من الْجَوَاهِر المدركة والجوارح المباشِرة للقبض والبسط والأعضاء المعدّة للأفعال كالأضراس المعدَّة للطحن عِنْد فرَاغ الرَّضَاع وَالْحَاجة للطعام والمعدة لنضج الطَّعَام وإنعامه لمجاري الْأَعْضَاء وَالْعُرُوق، وَغير ذَلِك مِمَّا فِي الْبدن من الْبَدَائِع الَّتِي لَا يَعْقِلهَا إِلَّا الْعَالمُونَ، وَلَا يفهم حقائق مَا وضعت لَهُ إِلَّا العارفون، وَقَوله تَعَالَى: ﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية: ١٧] ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأٌّرْضِ﴾ ﴾ [الْبَقَرَة: ١٦٤] ﴿أَفَرَءَيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ﴾ [الْوَاقِعَة: ٥٨] الْآيَات. وَشبه ذَلِك من المجادلة الْوَاضِحَة الَّتِي يُدْرِكهَا كَافَّة الْعُقَلَاء وَعَامة المخاطبين وَهِي أَكثر من أَن تحصى فيتيقن بهَا وجوده ثمَّ يتَيَقَّن وحدانيته وَعلمه وقدرتُهُ بِمَا يُشَاهد من كَثْرَة أَفعاله على الْحِكْمَة وإيرادها وجريها على طرقها، فَمن أتقن هَذَا علم سَائِر صِفَاته تَوْفِيقًا على كِتَابه الْمنزل، وَعلم صِدْق نبيه الْمُرْسل، وَمَا ظهر عَلَيْهِ من المعجزات فالاستدلال بِهَذَا أصح وأوضح فِي التَّوَصُّل إِلَى الْمَقْصُود، وَعَلِيهِ عوَّل سلف الْأمة لِأَنَّهُ نظر عقليِّ بديهي مركَّب على مُقَدمَات من الْعقل وَالْعلم والتوصل إِلَيْهِ بطرِيق الأشاعرة فَهُوَ وَإِن صحَّ إِلَّا أَنه لَا يُؤمن على صَاحبه الْفِتْنَة، وَلِهَذَا تَركهَا السّلف لَا لعجزهم عَنْهَا فهم أعْقل وأفْهم مِمَّن بعدهمْ، وَلم يَأْتِ آخر هَذِه الْأمة بأهدى مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ أوائلها.
فَيتَعَيَّن على الْوُلَاة منع من يشهر علم الْكَلَام بَين الْعَامَّة لقُصُور أفهامهم عَنهُ وَلِأَنَّهُ يُؤَدِّي بهم إِلَى الزيغ والضلال، وَأمر النَّاس بفهم الْأَدِلَّة على مَا نطق بِهِ الْقُرْآن وَنبهَ عَلَيْهِ إذّ هُوَ بَين وَاضح يدْرك ببداهة الْعقل كَمَا مر، ثمَّ يتَعَلَّم أَحْكَام الْعِبَادَات والعقود الَّتِي كلفوها على مَا هُوَ مُبين فِي الْفُرُوع. وَأما من جدَّ فِي الطّلب وَله حَظّ وافر من الْفَهم فَعَلَيهِ أَن يقْرَأ علم الْكَلَام إِذا وجد إِمَامًا يفتح لهُ مُقْفِله ويوضح لَهُ مشْكِله فَيَزْدَاد بقرَاءَته وَالْوُقُوف على حقائقه بَصِيرَة فِي دينه، ويَعْرِف فَسَاد مَذَاهِب الْمُخَالفين والمبتدعة والغالين وردَّ شُبَههم وَيجوز الْكَمَال فِي الْعلم حَتَّى يدْخل تَحت عُمُوم حَدِيث (يحمل هَذَا
следующие страницы →