Полный текст (240 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
عبارَة عَمَّا يحصل بِتِلْكَ الْأُمُور، بل رَأَيْت فِي بعض شُرُوح الْأَرْبَعين تَفْسِير الْإِحْسَان بِمَا حَاصله عدم التعذيب وَنَحْوه، وَتَفْسِير الإراحة بِنَفس التَّحْدِيد وَنَحْوه، فحاصل الْكَلَام لَا نسلم أَن مَعَاني هَذِه المتعاطفات هِيَ الْمعَانِي الْفُلَانِيَّة الَّتِي يلْزم أَن يكون بَينهَا الْعُمُوم وَالْخُصُوص، وَلَكِن نؤولها بِحَيْثُ يُخرجهَا عَن الْعُمُوم وَالْخُصُوص، وَأما إِذا كَانَ للمتعاطفات معَان مقررة مَعْلُومَة من الْخَارِج، بِحَيْثُ يكون مِنْهَا الْعُمُوم وَالْخُصُوص، فَلَا تخرج عَن تِلْكَ الْمعَانِي بِلَا ضَرُورَة، وَأَيْضًا فَيجوز أَن يكون من أَفْرَاد عطف الْخَاص على الْعَام مَا لَا يُمكن تَأْوِيله، فَمن ادّعى أَن كل فَرد يُمكن تَأْوِيله فَعَلَيهِ الْإِثْبَات بِالدَّلِيلِ وَلَا دَلِيل لَهُ إِلَّا الاستقراء التَّام. وَمِنْهَا: قَوْله: وقولك المتناول لإيقاعه مَعَ التَّحْدِيد يسْتَلْزم أَن التَّحْدِيد مَأْمُور بِهِ، وَإِلَّا لم يكن لتِلْك الْمَعِيَّة فَائِدَة، وحينئذٍ يكون (وليحد) عطف خَاص على عَام وَهُوَ الْمُدَّعِي، وَوجه إشكاله وَاضح وَهُوَ أَنه لَا يلْزم من كَونه مَأْمُورا بِهِ أَن يكون عطف خَاص على عَام، فَمَا وَجه هَذِه الْمُلَازمَة وَمن أَيْن جَاءَت؟ فَإِنَّهُ على هَذَا التَّقْدِير يكون الْمَعْطُوف الْأَمر بالتحديد، والمعطوف عَلَيْهِ الْأَمر بالإيقاع مَعَ التَّحْدِيد وَغَيره، وهما متباينان قطعا. وَمِنْهَا: قَوْله: وقولك: وَتجْعَل الإراحة إِلَخ يلْزم عَلَيْهِ أَن (وليرح) عطف عَام على خَاص بِالنِّسْبَةِ إِلَى قَوْله: (وليحد) وَهُوَ يتَعَيَّن فِيهِ الْوَاو أَيْضا إِلَخ، وَوجه إشكاله أَن (وليرح) لَيْسَ مَعْطُوفًا على (وليحد) بل على (أَحْسنُوا) ، وَالنَّظَر إِلَى الْعُمُوم وَالْخُصُوص إِنَّمَا هُوَ بَين الْمَعْطُوف والمعطوف عَلَيْهِ، فَمن ادّعى أَن النّظر إِلَى ذَلِك بَين الْمَعْطُوف وَغير الْمَعْطُوف عَلَيْهِ من المتعاطفات أَيْضا فَعَلَيهِ إثْبَاته بِالنَّقْلِ، وحينئذٍ يُجَاب بِجَوَاب آخر فَلم يحصل الْوُقُوع فِيمَا أُرِيد الْفِرَار مِنْهُ. وَقَوله: وَلَو تمسكنا إِلَخ، قَول لَا يقبل الْمَنْع، وَوجه إشكاله أَنه لَا يخفى أَن معنى إِحْسَان الذّبْح بِحَسب الْوَضع لَيْسَ نفس التَّحْدِيد وَغَيره، بل مَا يحصل بالتحديد وَغَيره فَيجوز أَن يكون هَذَا التَّعْبِير مِنْهُم على التَّجَوُّز وَيكون المُرَاد بِإِحْسَان الذّبْح فِي هَذَا التَّعْبِير أَسبَاب إحسانه مجَازًا من إِطْلَاق اسْم الْمُسَبّب على السَّبَب، وقرينة هَذَا الْمجَاز ومُرَجِّحه أَن الْمجَاز خير من النَّقْل، ثمَّ لَا يلْزم من تجويزهم هُنَا تجويزهم فِي تَفْسِير الحَدِيث. وَمِنْهَا: قَوْله: وَإِن مقامك الِاسْتِدْلَال، وَوجه إشكاله أَنه بانَ خِلَافه. وَمِنْهَا: قَوْله: على أَنه لَا يَلِيق بِكُل إِلَخ، وَوجه إشكاله أَن الْفَقِير لم يدع ذَلِك، وَصُورَة لَفظه، وَلَا يَكْفِي فِي الِاسْتِدْلَال على الْفساد أَن بَعضهم فَسرهَا بِمَعْنى يَقْتَضِي الْعُمُوم وَالْخُصُوص، لِأَن تَفْسِيره بذلك لَا يُوجب فَسَاد التَّفْسِير بِغَيْرِهِ مَعَ قبُول اللَّفْظ واحتماله، وَنحن فِي مقَام الْمَنْع، فَلَا يَكْفِي الِاسْتِدْلَال بتفسير الْغَيْر بل لَا بُد من الدَّلِيل على عدم إِمْكَان هَذَا الْمَعْنى، وَعدم صِحَة حمل اللَّفْظ عَلَيْهِ انْتهى. وَحَاصِله: أَن كَلَام الْأَئِمَّة لَيْسَ نصا فِي أَن معنى إِحْسَان الذّبْح نفس تِلْكَ الْأُمُور، بل مُحْتَمل وقابل لِأَن يكون مَعْنَاهُ مَا يحصل بِتِلْكَ الْأُمُور، فإنْ فُرِض أَن أحدا مِنْهُم وَقع فِي كَلَامه إِطْلَاقه على نفس تِلْكَ الْأُمُور صَرِيحًا، لم يَضُرُّ لِأَن تَفْسِيره بذلك لَا يمْنَع صِحَة تَفْسِيره بِغَيْرِهِ، بل وَلَو فسره الْأَئِمَّة بذلك لم يلْزم أَنهم يمْنَعُونَ تَفْسِيره بِغَيْرِهِ، وَإِلَّا فالفقير أحْقَرُ وأذلُّ مِنْ أَن يخْطر لَهُ مَا ذكر، فضلا عَن أَن يتفوّه بِهِ، وَعَن أَن يشافه مَوْلَانَا بِهِ، وَلَوْلَا طمعه فِي مزِيد حِلْم مَوْلَانَا ومحبَّتهِ مَا جسر أَن يَتَحَرَّك وَالله بِكُل شَيْء عليم. وَمِنْهَا: قَوْله: ثمَّ رَأَيْت إِلَخ، وَوجه إشكاله منع الصراحة الْمَذْكُورَة، وَمنع الْمُلَازمَة فِي قَوْله: وَإِلَّا لبطل. أما أوّلاً فَيجوز أَن يكون أحد الشَّيْئَيْنِ مَجْمُوع أَحْسنُوا وَمَا عطف عَلَيْهِ، فَإِن عد الْأُمُور شَيْئا وَاحِدًا للمناسبة والارتباط بَينهَا وَقع كثيرا، بل كثيرا مَا يَقع فِي لفظ النبوّة عدَّ أَشْيَاء تزيد على مَا ذكر من العدَدِ، وَيَقُولُونَ: إِنَّه جعل كَذَا وَكَذَا شَيْئا وَاحِدًا، وَحَيْثُ كُنَّا فِي مقَام الْمَنْع، لَا يرد أَن يُقَال لَا حَاجَة إِلَى ذَلِك. وَأما ثَانِيًا فَإِنَّهُ يجوز أَن يكون الْمَعْدُود اثْنَيْنِ هُوَ الْمَقْصُود من إِحْسَان الْقَتْل وإحسان الذّبْح، وَلَا يُنَافِي ذَلِك عطفه على أَحدهمَا مَا يتَحَقَّق بِهِ، على أَنه عَبَّر (بثم ليرح) وَثمّ لَا تكون بَين الْخَاص وَالْعَام كالفاء، فَيحْتَاج لتفسير الإراحة بِمَا يباين الْإِحْسَان، وحينئذٍ تتَحَقَّق الزِّيَادَة على الثِّنْتَيْنِ على كلامكم أَيْضا؛ ثمَّ إِن قَوْله، إِن الله كتب الْإِحْسَان على كل شَيْء أَعم مِنْ إِحْسَان الْقَتْل وإحسان الذّبْح، فَفِيهِ الزِّيَادَة على الثِّنْتَيْنِ وَلم يمْنَع من الْعدَد ثِنْتَيْنِ. وَمِنْهَا: قَوْله: وتجويز أَن الْوَاو إِلَى قَوْله: لِأَنَّهُ يلْزم عَلَيْهِ الْأَمر بالإحداد لَا بِقَيْد إِرَادَة الذّبْح، وَوجه إشكاله منع هَذِه الْمُلَازمَة، بل اللَّازِم أَن لَا يكون فِي الْكَلَام لفظ يدل على ذَلِك الْقَيْد، وَلَا مَحْذُور فِي ذَلِك اكْتِفَاء بِقَرِينَة السِّيَاق وَالْمقَام فَإِنَّهَا قرينَة أيّ قرينَة، وَكم أوَامِر مُطلقَة اللَّفْظ لَا يقيدها
стр. 72
إِلَّا قرينَة السِّيَاق وَالْمقَام، وقرينهة السِّيَاق أَمر شَائِع عِنْد الْعَرَب، وَقد صَحَّ الِاسْتِئْنَاف فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ وَلَا يُقَال يلْزم أنْ يكون الْإِخْبَار عَن الكَيْنويَّة لَا بِقَيْد كَونهَا ناشئة عَن قَول كُنْ مَعَ أَن المُرَاد ذَلِك، وَهَذَا وَجه إِشْكَال قَوْله أَيْضا: لِأَنَّهُ يلْزم عَلَيْهِ الْأَمر بالإراحة لَا بِقَيْد الذّبْح، وَقَوله أَيْضا: وَهُوَ الْمَانِع أَيْضا لصِحَّة عطف قَوْله: (وليحد) على مَجْمُوع جملَة الشَّرْط وَالْجَزَاء. وَمِنْهَا: قَوْله: وَإِنَّمَا صَحَّ الِاسْتِئْنَاف فِي ﴿نُقِرَ﴾ وَفِي ﴿فَيَكُونُ﴾ لِأَن مَا قبلهمَا لَيْسَ شرطا فِي مفادهما إِلَخ، وَلم يَتَّضِح مَا أَرَادَ مَوْلَانَا بِكَوْن مَا قبلهمَا لَيْسَ شرطا فِي مُفادِهِما فإنْ أَرَادَ أَن لَا يكون مَضْمُونهما يتَوَقَّف تحَققه ووجوده على تحقق مَا قبلهمَا ووجوده، فَوجه إشكاله. أما أَولا. فَهُوَ أَن هَذَا الْحصْر مَمْنُوع، وَلَا بُد من إِثْبَات أَن عِلّة الِاسْتِئْنَاف فِيمَا ذكر دون غَيره حَتَّى يتَحَقَّق هُنَا الْحصْر، وَمن إِثْبَات أَنه يشْتَرط فِي الِاسْتِئْنَاف أَن يكون مَا قبل المستأنف لَيْسَ شرطا فِي مفاده، فَإِن النُّحَاة لم يشترطوا فِي جَوَاز الِاسْتِئْنَاف شَيْئا من ذَلِك، فَلَا يُقيِّد كَلَامهم إِلَّا بِدَلِيل مِنْهُ، بل جوّزوا حَتَّى الابتدائية والابتداء نَظِير الِاسْتِئْنَاف، بل هُوَ اسْتِئْنَاف مَعَ كَونهم اشترطوا فِي حَتَّى الْمَذْكُورَة أَن يكون مَا بعْدهَا متسبباً عَمَّا قبلهَا. وَأما ثَانِيًا فَهُوَ أَن مَضْمُون قَوْله تَعَالَى: ﴿فَيَكُونُ﴾ يتَوَقَّف تحقق وجوده على تحقق مَا قبله، ووجوده وَهُوَ قَوْله: ﴿كُنْ﴾ مَعَ صِحَة الِاسْتِئْنَاف. وَأما ثَالِثا فَلَا بُدَّ من بَيَان جَرَيَان ذَلِك فِيمَا نَحن فِيهِ فَإِن طلب التَّحْدِيد لَا يتَوَقَّف تحَققه على تحقق طلب الْإِحْسَان أَو يجوز أَن يطْلب التَّحْدِيد وَلَا يتَصَوَّر الْإِحْسَان وَطلب الشَّيْء فرع عَن تصَوره. وَمِنْهَا: قَوْله: وَعين الرِّضَا إِلَخ، يَدْفَعهُ أَن الله إِلَخ، وَوجه إشكاله أَن مَوْلَانَا حَمَل مُرَاد الْفَقِير على أَمر صَعب جدا، ومعاذ الله أَن الْفَقِير أَرَادَ ذَلِك بل أمرا آخر لَا مَحْذُور فِيهِ. وَمِنْهَا: قَوْله: وقولك إِن الإراحة أَعم من الْحَد مَمْنُوع، لِأَن هَذِه الرِّوَايَة إِلَخ، وَوجه إشكاله أَن وَجه أعميتها لَازم لدعوى الْعُمُوم وَالْخُصُوص الَّذِي قَرَّرَهُ مَوْلَانَا، وَلم يذكر خِلَافه، مَعَ أَن الْفَقِير لم يُحتِّم أعَمِّيتَهَا، بل ردد بِأَنَّهَا إِن كَانَت أَعم، لزم الْإِشْكَال وَإِلَّا لزم صِحَة الْفَاء بِجعْل فليرح عطفا على (وليحد) وَجعل وَاو وليحد للاستئناف، وَالْحكم بِصِحَّة الشَّيْء لَا يتَوَقَّف على الْجَزْم بوروده، بل وَلَا على وُرُوده فَيجوز أَن يُقَال تصح الْفَاء هُنَا مَعَ الْقطع بِعَدَمِ الْوُرُود فالورود لَا مدْخل لَهُ فِي الحكم بِالصِّحَّةِ. وَمِنْهَا: قَوْله: إِنَّمَا هُوَ أَمر أغلبي، وَقَوله، فَهِيَ وَارِدَة عَلَيْهِم، وَوجه إشكاله أَن هَذَا يتَوَقَّف على أَن النُّحَاة يسلمُونَ الْعُمُوم وَالْخُصُوص هُنَا، ويسلمون أَن وَاو (وليحد) للْعَطْف على أَن هَذَا لَا يضرنا بل ينفعنا لأنَّ مدَّعانا الصِّحَّة وَهَذَا إِن لم يثبتها مَا منعهَا وَالله أعلم. فَأجَاب نفعنا الله بِعُلُومِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة: أما قَوْلك، لَا تفصيلاتها بِمَعْنى أَن كل لَفْظَة من نسخ تِلْكَ الْكتب بخصوصها ثَبت بالتواتر أَنَّهَا لَفْظَة صَاحب ذَلِك الْكتاب بِعَينهَا، ومسألتنا من الثَّانِي إِلَخ، فَإِنَّمَا يتَوَجَّه لَو ادّعى أَن التفصيلات بِالْمَعْنَى الْمَذْكُور متواترة وَلم يَقع هُنَا ادِّعَاء ذَلِك، بل وَلَا مَا يُوهِمهُ وَكَيف يتعقل ادِّعَاء ذَلِك، وَالنَّوَوِيّ فِي شَرحه لمُسلم ينْقل اخْتِلَاف نسخه كثيرا، وَإِن نسخ بِلَادهمْ فِي كَذَا يُخَالف نسخ غَيرهم ويُصَوِّب ويُوجِّه بِحَسب مَا يَقْتَضِيهِ الْكَلَام، وَكَذَا مَنْ قَبْل النَّوَوِيّ وَمن بعده، فَعدم تَوَاتر التفصيلات بِالْمَعْنَى الْمَذْكُور أَمر ظَاهر لَا يخفى، وَلَا يلْزم مِنْهُ أَن بعض تِلْكَ التفصيلات لَا يُوجد فِيهِ التَّوَاتُر. وَالْحَاصِل أَن تَوَاتر الْجُمْلَة وَاقع، وَعدم تَوَاتر التفصيلات بِالْمَعْنَى الْمَذْكُور غير وَاقع؛ وَبَعض تِلْكَ التفصيلات قد يُوجد فِيهَا التَّوَاتُر وَقد لَا، ومسألتنا إِنَّمَا هِيَ من هَذَا الثَّالِث لَا من الثَّانِي الَّذِي ذكرت، وَوجه كَونهَا مِنْهُ أننا بحثنا عَن الناقلين لهَذَا الْكتاب عَنهُ من الطَّبَقَة الَّتِي فِي زمن مُسلم إِلَى وقتنا فوجدناهم بِحَسب مَا فِي نسخهم متفقين على الْوَاو فحينئذٍ أثبتنا من هَذَا تَوَاتر الْوَاو، وَلَا يلْزم من ذَلِك بل وَلَا يتَوَهَّم أَن غير الْوَاو مِمَّا لم يُوجد فِيهِ ذَلِك مثلهَا. وَلَقَد وَقع للجمال بن مَالك فِي البُخَارِيّ أَنه جوز إعرابات فِيهَا تَغْيِير حركات ك (لَا ترجعون بعدِي كفَّارًا) يَضْربْ، بِسُكُون الْبَاء؛ وَتلك فِيهَا تكلّف تَارَة وَعدم تكلّف أُخْرَى؛ وَأَنَّهُمْ ردوا عَلَيْهِ بِأَن هَذَا خلاف الصَّوَاب لِأَن الرِّوَايَات صحت بِخِلَاف ذَلِك فَلَا يسمع ذَلِك التجويز، وَكَذَا نقُول: إِذا ثبتَتْ صِحَة الرِّوَايَة بِالْوَاو، فَلَا يسمع تَجْوِيز الْفَاء، هَذَا مَا يتَعَلَّق بِالْوَاو، وَأما غَيرهَا من بَقِيَّة تِلْكَ التفصيلات فإنْ وَجَد فِيهِ مَا وَجَدْنَاهُ فِيهَا حكمنَا بتواتره وَإِلَّا فَلَا، فاتضح حكم التفصيلات فِي التَّوَاتُر وَعَدَمه. وقولك: لِأَن دَعْوَاهُ الصِّحَّة منع أوردهُ إِلَخ تَأْوِيل كَمَا شهدتْ بِهِ الْعبارَة، والاعتراض إِنَّمَا يتَوَجَّه لظَاهِر الْعبارَة وَإِن أمكن تَأْوِيلهَا. وقولك: نعم يرد إِلَخ هُوَ الَّذِي أشرتُ إِلَيْهِ بِقَوْلِي دَعْوتان
стр. 73
متعارضتان أَي فالدعوى الْمُتَأَخِّرَة صدرت منعا للدعوى السَّابِقَة، فمنعتْ الدَّعْوَى وَهُوَ غير سَائِغ: وَمَا نقلت من جَوَابه لَا يمْنَع الِاعْتِرَاض عَلَيْهِ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يتَوَجَّه لحقيقة اللَّفْظ لَا لمجازه، فادعاء ذَلِك الْمجَاز يبين أَن لمَانع الدَّعْوَى إِذا أَرَادَ ذَلِك التَّجَوُّز نوع عذر لَا أَنه يمْنَع الِاعْتِرَاض عَلَيْهِ قَبْل تَبِيْن مُرادِهِ أخذا بِظَاهِر عِبَارَته، والاستفسار قبل الِاعْتِرَاض إِنَّمَا هُوَ فِي نَحْو المشتركات لَا فِي الْحَقِيقَة وَالْمجَاز لَا سِيمَا، وَهَذَا الْمجَاز هُنَا فِيهِ مَا فِيهِ، وإنَّ ظَاهر كَلَام الْأُصُولِيِّينَ أنَّ الدَّعْوَى لَا تمنع وَلَا مجَازًا لَكِن تسَامح فِيهِ أُولَئِكَ الْمُحَقِّقُونَ توسعاً لطرق النّظر. وقولك: وَالْغَصْب إِلَخ لَك فِيهِ الْعذر بِحَسب مَا رَأَيْت، وَالَّذِي فِي خطى شبه غصب للمنصب، وَهَذِه الْعبارَة لَا اعْتِرَاض عَلَيْهَا، إذْ الْجَامِع بَينهمَا أَن كلا فِيهِ إِيرَاد الدَّلِيل قبل وقته هُنَا على مَا تقرر أَن مَا ذكرت فِيهِ منع للدعوى واستدلال لذَلِك الْمَنْع، وإنْ بانَ بإرادتك التجوّز السَّابِق خلاف ذَلِك، ثمَّ إِن تعريفك الْغَصْب بِمَا ذكرت غير مَانع لِأَنَّهُ يدْخل فِي تعريفك التفصلي، وَهُوَ خلاف الْغَصْب، إذْ الْغَصْب هُوَ الْمَنْع لمقدمة مَعَ الِاحْتِيَاج لانتفائها قبل تَمام الدَّلِيل، وَإِن كَانَ بعد تَمَامه لمعينة فَهُوَ ذَلِك النَّقْض، فَأسْقطت التَّقْيِيد بقبل التَّمام فورد عَلَيْك النَّقْض فَصَارَ الْحَد غير مَانع، إِذا تقرر مَا سبق اتَّضَح قَوْلنَا فنتج إِلَخ. وقولك التَّخْصِيص يحْتَاج لدَلِيل وَاضح جَوَابه أَنه غير وَاضح لِأَن النزاع هُنَا فِي أَمر صناعي وَيَتَرَتَّب على صِحَّته وَعدمهَا هَذَا الحكم أَعنِي إِن الإراحة والتحديد عِنْد خُصُوص الذّبْح أخذا من هَذَا الحَدِيث الْخَاص، كَمَا قَالَه الْأَئِمَّة أَو من دَلِيل آخر أحْوج إِلَى ادعائه تَجْوِيز يُفِيد فِي هَذَا الحَدِيث، وَمثل ذَلِك لَا دخل لتِلْك المباحث فِيهِ لِأَن الحكم مُتَّفق عَلَيْهِ وَإِنَّمَا الِاخْتِلَاف فِي محصله، فَنحْن ندعي أَن محصله الْأَمر بِالْإِحْسَانِ كَمَا دلّ عَلَيْهِ ظَاهر الْخَبَر وغيرنا يجوز ادعاءه خلاف ذَلِك فَلَا نزاع حَقِيقَة إِلَّا فِي أَمر سهل جدا، وَتلك المباحث لَا تجْرِي فِي مثل ذَلِك كَمَا هُوَ ظَاهر جلى من مواقع كَلَامهم. وقولك: اسْتِعْمَال ذَلِك الِاصْطِلَاح وَاقع فِي كتب الْفِقْه إِلَخ. جَوَابه: نعم، لَكِن فِي غير مَا بَينته مِمَّا نَحن فِيهِ كَمَا علم آنِفا. وقولك: لم يدع الِاحْتِيَاج لذَلِك إِلَخ. جَوَابه: أَنه إِنَّمَا ذكر الِاحْتِيَاج إرشاداً إِلَى أَن الِاشْتِغَال بِمَا هُوَ أهم من ذَلِك أولى على أَنه ظهر من المباحثة فِيهِ على سهولته من الْفَوَائِد مَا لم يظهره غير ترداد الأنظار، وإعمال الأفكار، وَلَقَد قَالَ بعض مَنْ خَلُص مِن دَاء الْحَسَد خيمه، وَسلم من الكِبْر وآفاته أديمه: لم يَقع عِنْدِي لَذَّة من اللَّذَّات وَإِن عظمت، موقع مساجلة من تَغُوص دِلاؤه على استقصاء جَوَاهِر الفرائد، واستنتاج عويصات الْفَوَائِد. وقولك: فرق إِلَخ، هُوَ ظَاهر لَكِن قد علم أَن الْعُدُول إِلَى الْجَواب النير المطابق قصدا هُوَ أدب البلغاة. وقولك: يحْتَاج إِلَى دَلِيل وَاضح جَوَابه هَذَا مرجعه إِلَى الذَّوْق وليعرض على أَهله، وَكفى بِالدَّلِيلِ الْوَاضِح عَلَيْهِ مَا يَأْتِي لَك من ادِّعَاء التجوّز وَغَيره. وقولك: وَهُوَ بعض الْمَطْلُوب لَا يَكْفِي بل لَا بُد من وجود الْمَطْلُوب كُله، وَهُوَ قيام دَلِيل على صِحَة الْفَاء من غير تكلّف، والادعاء تجوّز فِي الدَّلِيل، على أنَّ اللَّائِق بالخوض فِي الْأَدِلَّة كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الإِمَام، أَن لَا يخرج عَن مفاهيمها المتبادرة المتعارفة مِنْهَا إلاَّ عِنْد الْحَاجة الماسَّة لذَلِك، وَأما حيثُ لَا حَاجَة لذَلِك فمجرد التجويز غير لَائِق، أَلا ترى إِلَى ردهم تجويزات ابْن مَالك، وناهيك بِهِ لعدم وُرُودهَا وإنْ خَلَتْ عَن التَّكَلُّف، بل قَالَ بعض الْمُحَقِّقين عقب تَجْوِيز لَهُ، وتوجيه مِنْهُ لَهُ، وَالصَّوَاب خِلَافه، وَاسْتدلَّ لَهُ. وقولك: مَعَ أَن مُجَرّد التجويز إِلَخ. جَوَاب: إِنَّمَا نتكلم فِي إبِْطَال يَلِيق بِمَا يُنَاسب مِمَّا درج عَلَيْهِ الْأَئِمَّة من الجري فِي الْأَدِلَّة على مَعَانِيهَا المتبادرة مِنْهَا، لَا فِي مُطلق الْإِبْطَال، إِلَّا إِذا نَظرنَا إِلَى مَا يتَوَهَّم من الْفَاء مِمَّا قدمْنَاهُ، وَيَأْتِي تحريره أَيْضا. وقولك: أَحَق إِلَخ. جَوَابه: إِنَّمَا يكون أَحَق لَو أثبتنا لَهُ رُتْبَة التَّحْصِيل، ومعاذ الله أَن يثبت لَهُ مَا هُوَ أدنى من ذَلِك فَلَا جَامع فضلا عَن أَحَق. وقولك: لَيْسَ اللَّازِم إِلَخ مَبْنِيّ على أَنَّك فهمتَ من تحقق غير مَعْنَاهُ المُرَاد الْمَوْضُوع هُوَ لَهُ، وَهُوَ الثُّبُوت الَّذِي دلّ عَلَيْهِ تعليلي لَهُ بِقَوْلِي: لِأَنَّهُ مَا من عَام وخاص إِلَخ، وَإِذا جوّزنا فِي الْعَام تَخْصِيصه بِبَعْض مَدْلُوله من غير دَلِيل، بل بِمُجَرَّد الادعاء لزم مَا ذكرنَا، من أَنه مَا مِنْ عَام إِلَّا وَيُمكن أَن يطرقه ذَلِك التجويز، وحينئذٍ فَلَا ينْتج للنحويين عَام وخاص. ممتنعٌ عِنْد النزاع الْعَطف بَينهمَا بِغَيْر الْوَاو أصلا، لِأَن ذَلِك التجويز يطْرق كل عَام وخاص، وَلَيْسَ الْإِنْشَاء وَالْخَبَر من نَظَائِر الْخَاص وَالْعَام، لِأَن النِّسْبَة بَين الْأَوَّلين التباين من كل الْوُجُوه وَبَين الآخرين الِاتِّحَاد من بعض الْوُجُوه، وَمَا أجابوا بِهِ عَن الْعَطف لَا يلْزم عَلَيْهِ نَظِير مَا لزم فِي مَسْأَلَتنَا، لِأَن التجويز هُنَا لأدلة، وَثمّ لمُجَرّد
стр. 74
الادعاء، على أنَّ الَّذِي ورد على الْقَاعِدَة هُنَا نصٌ إحتيج لأَجله إِلَى الْجَواب عَن تِلْكَ الْقَاعِدَة، وَالَّذِي فِي مَسْأَلَتنَا تَجْوِيز شَيْء يُخْرج الدَّلِيل عَن الْقَاعِدَة، فَلم تؤول الْقَاعِدَة لأجل ذَلِك التجويز، بِمَا يُوهم أَن كل عَام وخاص يجوز فِيهِ نَظِير ذَلِك التجويز، فَتبقى قاعدتهم تعين الْوَاو فِي عطف الْخَاص على الْعَام. وقولك: وَأما ثَانِيًا إِلَخ. جَوَابه: أننا لَا نلتفت بعد مَا قدمْنَاهُ مِنْ أنَّ الإراحة والتحديد من إِحْسَان الذّبْح الْمَأْمُور بِهِ إِلَى احْتِمَال تَفْسِير الْإِحْسَان بِمَا يباينهما، لِأَن ذَلِك صَرِيح فِي الْخُصُوص والعموم، وَأَن هَذَا هُوَ معنى الْإِحْسَان الشَّرْعِيّ، وَلَفظ الشَّارِع إِنَّمَا ينْصَرف للمعنى الشَّرْعِيّ فحينئذٍ مَا نَحن فِيهِ مِمَّا للمتعاطفين فِيهِ معنى مُقَرر فَلَا يخرج عَنهُ بِلَا ضَرُورَة، وَإِذا اعترفتَ بِهَذَا وأحطتَ بِأَن إِطْلَاق الشَّارِع إِنَّمَا ينْصَرف للمعهود الشَّرْعِيّ، وَأَن أهل الشَّرْع أفادوا أَن الْإِحْسَان الشَّرْعِيّ يَشْمَل الْأَرْبَعَة والتحديد، فقد سهل الْأَمر واتضح المُرَاد بِمَا حَاصله: أَن من حمل الْإِحْسَان على مَعْنَاهُ الشَّرْعِيّ لزِمه أنَّ هَذَا من الْعُمُوم وَالْخُصُوص اللَّازِم فِيهِ الْوَاو، وَمن حمله مُعْرِضاً عَن قاعدتهم أَن كَلَام الشَّارِع إِنَّمَا يحمل على الْمَعْهُود شرعا، فَحَيْثُ وجد حُمل على الْمَعْنى اللّغَوِيّ أَو الْعرفِيّ بِحَسب مَا يجوّزه وينقله عَن اللُّغَة أَو الْعرف، ويبينه بدليله أَنه غير الإراحة والتحديد لَا بِمُجَرَّد التجويز والادعاء، لَا يلْزمه أَنه من عطف الْخَاص على الْعَام، وَبِهَذَا ينْفَصل الْكَلَام وَيرْفَع الملام. وقولك: أَيْضا، فَيجوز إِلَخ. جَوَابه: إنْ أردتَ بِلَا يُمكن بِالنّظرِ إِلَى الْأَدِلَّة صَحَّ، أَو بِمُجَرَّد التجويز الَّذِي وَقع لَك فِي الْإِحْسَان فَكل عَام وخاص يُمكن فِيهِ التجويز الَّذِي لَا يتَوَقَّف القَوْل بِهِ على دَلِيل كَمَا هُوَ جلي من غير توقف لَهُ على استقراء وَلَا غَيره. وقولك: مَا وَجه هَذِه الْمُلَازمَة إِلَخ. جَوَابه: أَن وَجههَا وَاضح عِنْد تَأمل معنى الْعبارَة، وَهُوَ أَن المُرَاد يسْتَلْزم أَن التَّحْدِيد مَأْمُور بِهِ: أَي من حيثُ كونُه إحساناً كَمَا مر التَّصْرِيح بِهِ، وَإِذا كَانَ الاستلزام من هَذِه الْحَيْثِيَّة اتَّضَح أَن و (ليحد) عطف خَاص على عَام، وَإِنَّمَا يتباينان قطعا كَمَا ذكرت إنْ ثَبت أَن الْأَمر بالتحديد لَيْسَ من الْأَمر بِالْإِحْسَانِ، وَأَن الْأَمر بالإيقاع مَعَ التَّحْدِيد وَغَيره هُوَ الْأَمر بِالْإِحْسَانِ. وقولك: (وليرح) لَيْسَ مَعْطُوفًا على (وليحدّ) إِلَخ. جَوَابه: أَن مَا ذكرته أَنْت فِي تَفْسِير الْإِحْسَان فِيمَا مر والإراحة هُنَا لَا يحضرني تَحْقِيقه، إذْ لَيْسَ خطك الْآن عِنْدِي، وَإِنَّمَا الَّذِي فِي المخيلة الْآن مِنْهُ أَن تفسيرك الإراحة أَعم من تفسيرك للإحسان والتحديد، وحينئذٍ لزم عطف الْعَام على الْخَاص فَقولِي بِالنِّسْبَةِ لقَوْله (وليحد) أَي وَمَا عطف عَلَيْهِ. وَالْحَاصِل أَن تَحْرِير هَذَا يتَوَقَّف على مُرَاجعَة مَا ذكرته أَنْت فِي تَفْسِير الإراحة وَالْإِحْسَان. وقولك: بِحَسب الْوَضع إِلَخ إنْ أردتَ أَن ذَلِك مَعْنَاهُ بِحَسب الْوَضع الشَّرْعِيّ فَمَمْنُوع بِمَا حَرّرناه وبيناه عَن الْأَئِمَّة أَنه بِحَسب الْوَضع الشَّرْعِيّ يشملها، وَإِن أردْت أَنه بِحَسب وضع اللُّغَة أَو الْعرف فَعَلَيْك بَيَان ذَلِك وَنَقله عَن أهلهما. على أَنه لَا يُفِيد لما سبق أَن الْأَدِلَّة الشَّرْعِيَّة إِنَّمَا تحمل على الْمَعْنى الشَّرْعِيّ، وحينئذٍ فاتضح أَن تَجْوِيز حمل تفسيرهم على التَّجَوُّز إِلَخ فِيهِ غَايَة التكلَّف والتمحُّل فَأَي دَاع لذَلِك؟ وقولك: ويرجحه أَن الْمجَاز خير من النَّقْل عَجِيب، فمنْ ذَا الَّذِي ادّعى أَن فِي الحَدِيث نقلا حَتَّى يُقَابل بِأَن الْمجَاز خير مِنْهُ، وَنحن لَا ندعي إِلَّا أَن هَذَا حَقِيقَة شَرْعِيَّة، وَأَن كَلَام الشَّارِح إِنَّمَا يحمل على الْحَقَائِق الشَّرْعِيَّة، فادعاء أنَّ مَا فِي الحَدِيث حَقِيقَة لغوية يحْتَاج أَن يُثْبته من كَلَام أَئِمَّة اللُّغَة، وَالَّذِي ظهر لي مِنْهُ أَن الْإِحْسَان فِي الذّبْح لَا ضَابِط لَهُ عِنْدهم، فَالظَّاهِر أَن هَذَا من الْحَقَائِق الَّتِي لم تعرف إِلَّا من الشَّارِع، وحينئذٍ فَانْدفع ادِّعَاء أَن تَفْسِير الْأَئِمَّة لَهُ بِمَا مرَّ مجَاز، على أَنه يحْتَاج لصارف يصرفهُ عَمَّا هُوَ الْمُتَبَادر مِنْهُ أَن هَذَا هُوَ حَقِيقَة الْإِحْسَان الشَّرْعِيَّة. وقولك: ثمَّ لَا يلْزم إِلَخ. جَوَابه: كَيفَ هَذَا مَعَ قَوْلهم إنَّهُمَا من إِحْسَان الذبْحَة الْمَأْمُور بِهِ، فَقَوْلهم الْمَأْمُور بِهِ صَرِيح فِي أَنهم فَهموا وفسروا الْإِحْسَان فِي الحَدِيث بِمَا يَشْمَل التَّحْدِيد والإراحة. فَانْدفع قَوْلك لَيْسَ نصا فِي أَن معنى إِحْسَان الذّبْح إِلَخ، وَوجه اندفاعه قَوْلهم الْمَذْكُور أَنَّهُمَا من جملَة الْإِحْسَان الْمَأْمُور بِهِ فَأَي صَرَاحَة تُطلب بعد ذَلِك، وَقد سبق منا مَا يدل على أَنهم مَعَ ذَلِك لَا يمْنَعُونَ تَفْسِيره بِغَيْرِهِ إِلَّا بِالنِّسْبَةِ لمن جرى على قاعدتهم، أَن لفظ الشَّارِع يحمل على معهوده الشَّرْعِيّ سِيمَا إنْ لم يكن لَهُ مَعْهُود غيرهُ. وقولك: مَجْمُوع أَحْسنُوا وَمَا عطف عَلَيْهِ إِلَخ. جَوَابه: أَن من الْوَاضِح الْبَين أَن البليغ لَا يعد الْخِصَال الثَّلَاث خَصْلة وَاحِدَة إِلَّا إنْ كَانَ بَينهَا اتِّحَاد، وَهُوَ حَاصِل ادِّعَاء الْعُمُوم وَالْخُصُوص
стр. 75
الَّذِي ذَكرْنَاهُ، وَأما مَعَ التباين بَين الثَّلَاث الَّذِي ذكرتَه أنْتَ فَكيف يحسن ببليغ، بل بأبلغ البلغاء عدَّ ثَلَاثَة أَشْيَاء متباينة شَيْئا وَاحِدًا فَحمل كَلَام الشَّارِع على ذَلِك بعيد جدا، فَلَا يلْتَفت إِلَيْهِ، وتوجيهه بِأَن الثَّلَاثَة مسوقة لغَرَض وَاحِد فساغ جعلهَا شَيْئا وَاحِدًا يُردّ بِأَن ذَلِك الْغَرَض إِن كَانَ هُوَ إِحْسَان الذّبْح فَهُوَ مَا قُلْنَاهُ أَو غَيره فَهِيَ أغراض كَثِيرَة فَلَا يحسن عدهَا شَيْئا وَاحِدًا. وقولك: هُوَ الْمَقْصُود من إِحْسَان الذّبْح وإحسان الْقَتْل نَحن نقُول بِهِ. وقولك: وَلَا يُنَافِي إِلَخ. جَوَابه: إِن أردْت مِمَّا يتَحَقَّق بِهِ أَنه مَعَ ذَلِك مباين للإحسان فينافي البلاغة إغفاله عَن العدِّ أَو غير مباين لم ينافها، وَكَانَ حجَّة لما قُلْنَاهُ. وقولك: على أَنه عبَّر ب (ثمَّ) قد ذكرنَا جَوَابه، وَسَيَأْتِي مَا لَهُ بِهِ تعلق. وقولك: ثمَّ إِن قَوْله إِلَخ. جَوَابه: أَنه لَا زِيَادَة فِيهِ بِالنِّسْبَةِ للمقصود مِنْهُ، وَهُوَ ذكر تينك الثِّنْتَيْنِ وَمَا قبلهمَا إِنَّمَا ذكر تَوْطِئَة وتمهيداً لَهما لِلْأَمْرِ بهما، وَله موقع نَافِع عِنْد الْمُخَاطب، فَلَمَّا كَانَ ذكره للتمهيد والتأكيد لم يحسن عَدُّه. وَقَوله: إكْتِفَاءً بِقَرِينَة السِّيَاق إِلَخ. جَوَابه: أَي قرينةُ سياقٍ ومقام مَعَ تَقْدِير الْعَطف على فَإِذا إِلَخ لِأَنَّهُ حينئذٍ يكون من عطف المتباينات، وَإِذا كَانَ مِنْهَا أفهم الْأَمر بالتحديد والإراحة لَا بِقَيْد إِرَادَة الذّبْح بِحَسب مَا دلّ عَلَيْهِ اللَّفْظ، وادعاء فهم ذَلِك الْقَيْد من دَلِيل خارجي فِيهِ غَايَة التَّكَلُّف والتمحل، لِأَنَّهُ إِخْرَاج للفظ الحَدِيث عَن ظَاهره الَّذِي لَا إِيهَام فِيهِ، وتأويله بِمَا يَقْتَضِي الْإِيهَام حَتَّى يُجَاب عَنهُ لِأَن ذَلِك عُلِم من دَلِيل آخر، وَهَذَا لَيْسَ من شَأْن الْمُتَكَلِّمين على الْأَدِلَّة، وَإِنَّمَا دأْبهم وشأنهُم حَمْلُ اللَّفْظ على ظَاهره المتبادرَ مِنْهُ سِيمَا إنْ لزم على حمله على غَيره مُخَالفَة أَو خَفَاء أَو نَحْوهمَا. وقولك: وَكم أوَامِر مُطلقَة إِلَخ هُوَ مُسَّلم لَكِن لَا على عين هَذَا التَّجَوُّز الَّذِي سلكتَه أنْتَ فِي هَذَا الحَدِيث من أنَّ شَيْئا وَاحِدًا يدل عَلَيْهِ ظَاهره، ويفيده التَّقْيِيد بِمَا هُوَ الْمجمع عَلَيْهِ فَيحمل الظَّاهِر على غير مَعْنَاهُ الْمُتَبَادر مِنْهُ، ثمَّ إِذا أورد عَلَيْهِ أَنه الْآن صَار مُوهِماً يُقال لَهُ: يُدفع ذَلِك الْإِيهَام بِدَلِيل آخر. وقولك: وَلَا يُقَال يلْزم إِلَخ. جَوَابه: أَن هَذَا لَيْسَ نَظِير مَا نَحن فِيهِ فإنَّ القَيْدُ لم يشهدْ بِهِ الْعقل، فَلَا يضرُّ حذفه، وَمَا نَحن فِيهِ لَيْسَ كَذَلِك، فَإِن الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة وقيودَها لَا تُعْرف إِلَّا مِنْهُ ﷺ ، فَإِذا جَاءَ عَنهُ مَا يفهمها بقيودها لَا يَسوغُ لنا أَن نَصْرفه عَن ظَاهره إِلَى مَا يحوجنا إِلَى حذف الْقَيْد وَالِاسْتِدْلَال لَهُ بِدَلِيل خارجي. إِذا تقرر ذَلِك فَلَا إِشْكَال فِي قَوْلنَا أَيْضا لِأَنَّهُ يلْزم عَلَيْهِ الْأَمر بالإراحة إِلَخ. وقولك: وَلم يَتَّضِح إِلَخ. جَوَابه: إنْ تَأمل مَا قبله فِيهِ غَايَة الْإِيضَاح لَهُ، إذْ مفادُهُ الْفرق بَين الِاثْنَيْنِ والْحَدِيث بِأَن تَقْرِير الِاسْتِئْنَاف فيهمَا لَا يلْزم عَلَيْهِ مَحْذُور وَلَا إِيهَام البَّتة، وَتَقْرِيره فِي الحَدِيث يلْزمه الْإِيهَام السَّابِق فَافْتَرقَا، وَلم يَحْسن تَخْرِيج هَذَا عَلَيْهِمَا، فَالْمُرَاد بقولنَا لَيْسَ شرطا فِي مفادهما أَنه لَو قطع النّظر عَمَّا قبلهمَا لم يَتَرَتَّب عَلَيْهِ فَسَاد وَلَا إِيهَام فِي مدلولهما، خلاف مَا نَحن فِيهِ فَإِنَّهُ لَو قطع النّظر عَمَّا قبله من خُصُوص إِحْسَان الذّبْح ترَتّب عَلَيْهِ ذَلِك الْإِيهَام، وحينئذٍ انْدفع مَا ذَكَرْتُهُ أَولا وَثَانِيا وثالثاً. وقولك: لَازم لدعوى الْعُمُوم وَالْخُصُوص إِلَخ. جَوَابه: أَنه لَا يلْزم ذَلِك، لأنَّ الَّذِي ذَكرْنَاهُ إِنَّمَا هُوَ الْعُمُوم من أَحْسنُوا الذّبْح وَالْخُصُوص فِي (وليحد وليرح) فهما خاصَّان بعد عَام فَأَي أعمية فِي الإراحة لَازِمَة لذَلِك، وَمَا قَدمته مِنْ أعميِّتها إِنَّمَا هُوَ إِلْزَام بِمُقْتَضى تفسيرك أنتَ كَمَا مر بَسطه. وقولك: وَالْحكم بِصِحَّة الشَّيْء إِلَخ. جَوَابه: أَن استدلالنا بالرواية الْأُخْرَى إِنَّمَا هُوَ لتأييد أَن مَا ذَكرْنَاهُ هُوَ اللَّائِق بالْكلَام على الْأَحَادِيث ومؤيد للإعراض عَمَّا لَا حَاجَة إِلَيْهِ من التجويزات فِيهَا. وقولك: على أَن النُّحَاة إِلَخ. جَوَابه: أَن الظَّاهِر من حَالهم بِحَسب اعتقادنا أَنهم لَو عُرض عَلَيْهِم ذَلِك وأجروه على الْقَوَاعِد الْأُصُولِيَّة لقبلوه، لِأَنَّهُ مُفاد اللَّفْظ ومدلوله الَّذِي لَا غُبَار عَلَيْهِ، وفقنا الله لمرضاته وأجزل علينا أَجْمَعِينَ سوابغ هباته، وحمانا من كل فِتْنة ومحنة، وحَبانا بِكُل خير ومِنَّة، وَختم لنا بِالْحُسْنَى أَجْمَعِينَ، وَالله أعلم. ٦١ وَسُئِلَ ﵁: عَن قَوْله تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِى خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ﴾ [مَرْيَم: ٤٠] هَل هَذَا الرزق هُوَ الَّذِي تُقَام بِهِ البنية أَو الَّذِي قسم فِي الْأَزَل سَوَاء كَانَ أَكثر مِمَّا تقوم بِهِ البنية أَو أقل أَو هُوَ الَّذِي يملكهُ الْإِنْسَان؟ فَأجَاب رَحمَه الله تَعَالَى: أَن الرزق فِي اللُّغَة الْحَظ والنصيب. وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الْوَاقِعَة: ٨٢] أَي وتجعلون حظكم ونصيبكم من سَماع الْقُرْآن تكذيبكم بِهِ وبمن أنزل عَلَيْهِ. وَأما فِي عرف الشَّرْع فَهُوَ أخص من ذَلِك، إذْ هُوَ مَا تخصَّص الْحَيَوَان بِهِ وَتمكن من الِانْتِفَاع بِهِ، وَقد يُطلق على مَا يعم النِعمَ الظَّاهِرَة والباطنة، وَمن ثمَّ قَالَ جمَاعَة
стр. 76
من الْمُفَسّرين وَغَيرهم فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿ذَالِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [الْبَقَرَة: ٢] يحْتَمل أَن المُرَاد الْإِنْفَاق من جَمِيع مَا منحهم الله تَعَالَى بِهِ من النعم الظَّاهِرَة والباطنة، وَأَن لَا يخْتَص بِمَا هُوَ الْمُتَبَادر مِنْهُ من الْإِنْفَاق من النعم الظَّاهِرَة، إذْ الْإِنْفَاق كَمَا يكون من هَذِه كَذَلِك يكون من النعم الْبَاطِنَة أَيْضا كَالْعلمِ والجاه، ومِنْ ثمَّ قَالَ ﷺ فِيمَا رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة (إنَّ علما لَا يُقَال أَي يتحدث بِهِ ككنز لَا ينْفق مِنْهُ) وروى الطَّبَرَانِيّ مَرْفُوعا: (مثل الَّذِي يتَعَلَّم الْعلم ثمَّ لَا يتحدَّث بِهِ كَمثل الَّذِي يكنز الْكَنْز ثمَّ لَا ينْفق مِنْهُ) وَقد نحا بعض العارفين إِلَى مَا أَشَرنَا إِلَيْهِ حَيْثُ قَالَ: وَمعنى الْآيَة وَمِمَّا خصصناهم بِهِ من أَنْوَاع الْمعرفَة يفيضون. إِذا تقرر ذَلِك، فَقَوله تَعَالَى: ﴿ثُمَّ رَزَقَكُمْ﴾ يحْتَمل أَن يُرَاد بِهِ مَا تفضل الْحق بِهِ على عباده من نعمه الظَّاهِرَة وَهُوَ الْأَنْسَب بسياق الْآيَة، وَمَا تفضل بِهِ تَعَالَى من النعم الْبَاطِنَة أَيْضا وَهُوَ الأبْلغ فِي الامتنان الَّذِي يَصح أَن يكون من الْمَقَاصِد الَّتِي سيقت الْآيَة لَهُ أَيْضا. وَأما قَول السَّائِل: هَل هُوَ إِلَخ. فَجَوَابه: أَنه لَيْسَ المُرَاد الأول وَلَا الآخر بل يَصح أَن يُرَاد الثَّانِي، وَمن ثمَّ كَانَ أهل السّنة، على أنّ مَا تنَاوله الْإِنْسَان من الْحَرَام يُسمى رزقا كَمَا دلّت عَلَيْهِ الْآيَات وَالْأَحَادِيث وَمِنْهَا: حَدِيث ابْن مَاجَه وَغَيره عَن صَفْوَان بن أُميَّة قَالَ: (كُنَّا عِنْد النَّبِي ﷺ فجَاء عَمْرو بن فهر فَقَالَ: يَا رَسُول الله إِن الله كتب الشقاوة فَلَا أَرَانِي أُرزق إِلَّا من دفي بكفي فأْذَنْ لي فِي الغِناء من غير فَاحِشَة؟ فَقَالَ: لَا آذن لَك وَلَا كَرَامَة كذبتَّ أَي عدوّ الله لقد رزقك الله حَلَالا طيبا فاخْترتَ مَا حرَّم الله عَلَيْك من رزقه مَكَان مَا أحلَّ الله لَك من حَلَاله) وَعَمْرو هَذَا ذكره غير وَاحِد فِي الصَّحَابَة ﵃، وَفِي رِوَايَة بعد (وَلَا كَرَامَة وَلَا نعْمَة ابتغ على نَفسك وَعِيَالك حَلَالا فَإِن ذَلِك جِهَاد فِي سَبِيل الله، وَاعْلَم أَن عون الله تَعَالَى مَعَ صالحي التُّجَّار) رَوَاهُ أَبُو نعيم وَفِيه مَتْرُوكَانِ. ٦٢ وَسُئِلَ ﵁ أَيْضا: عَن ترك التَّوَكُّل هَل هُوَ كَبِيرَة أم لَا، وَعَن طول الأمل فِي هَذِه الدَّار هَل هُوَ كَبِيرَة أم لَا؟ فَأجَاب: التَّوَكُّل يُطلق وَيُرَاد بِهِ الرِّضَا بِجَمِيعِ مَا يَفْعَله الله فِي خلقه، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بشر الحافي، أَو قطع الرجا من جَمِيع المخلوقين، أَو أنْ لَا يظْهر فِيك انزعاج للأسباب، مَعَ شدَّة فاقتك إِلَيْهَا، وَلَا نزُول عَن حَقِيقَة السّكُون إِلَى الْحق مَعَ وقوفك عَلَيْهَا، أَو طرح الْبدن فِي الْعُبُودِيَّة وَتعلق الْقلب بالربوبية والطمأنينة إِلَى الْكِفَايَة فَإِذا أُعْطِي شَكَر، وَإِن مُنِع صَبر، أَو تَرْك تَدْبِير النَّفس والانخلاع عَن الْحول والقوّة، وَإِنَّمَا يتم ذَلِك لمن يكون دَائِم الشُهور والاستحضار لكَون الله تَعَالَى يعلم وَيرى مَا هُوَ فِيهِ، أورد عَيْشك إِلَى وقتك الْحَاضِر، وَإِسْقَاط همّ غدٍ والاسترسال مَعَ الله تَعَالَى على مَا يُرِيد، أَو أَن لَا يرى مَعَ الله غير الله، أَو خَلَعَ الأرباب، وَقطع الْأَسْبَاب، وَذَلِكَ بإلقاء النَّفس فِي الْعُبُودِيَّة وإخراجها من الربوبية، والتعلق بِاللَّه فِي كل حَال بِأَن يتْرك كل سَبَب يوصله إِلَى سَبَب حَتَّى يكون الْحق هُوَ الْمُتَوَلِي لذَلِك، أَو أنْ يَسْتَوِي عنْدك الْإِكْثَار والإقلال والاستسلام بجريان الْقَضَاء وَالْأَحْكَام، أَو الِاكْتِفَاء بِاللَّه مَعَ الِاعْتِمَاد عَلَيْهِ، وَأَن لَا تَأْكُل وَفِي الْبَلَد من هُوَ أَحَق مِنْك، أَو الْعَيْش مَعَ الله تَعَالَى بِلَا عاقة، أَو السّكُون إِلَى الْوَعْد فإنْ صُحِبهُ الِاكْتِفَاء بِعلم الله فَهُوَ التَّسْلِيم، وَإِن صَحِبَه الرِّضَا بِحكمِهِ فَهُوَ التَّفْوِيض، أَو قطع النّظر عَن الوسائط هَذَا جماع مَا قيل فِي التَّوَكُّل، وَبَعضه فِيهِ ذكر حَقِيقَته، وَبَعضه فِيهِ ذكر علاماته. قيل: وَمن أحسن حُدُوده أَنه مُبَاشرَة الْأَسْبَاب مَعَ شُهُود مسببها. وعَلى كل تَقْدِير فَترك خصوصيات هَذِه الكمالات الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا العارفون فِي جَوَامِع أَقْوَالهم هَذِه لَا إثمْ فِيهِ فَضْلاً عَن كَونه حَرَامًا فضلا عَن كَونه كَبِيرَة. وَأما ترك أصل الرِّضَا بِقَضَاء الله وَقدره فَهُوَ كَبِيرَة، كَمَا يعلم من كَلَامهم فبالأولى أنَّ نَحْو لطم الخد وشق الجيب عِنْد الْمُصِيبَة كَبِيرَة، بل رُبمَا يكون ترك ذَلِك الرِّضَا كفرا وَالْعِيَاذ بِاللَّه. وَأما طول الأمل فقد يُطلق وَيُرَاد بِهِ الْغَفْلَة عَن ذكر الْمَوْت وَتَقْدِير حُصُوله فِي كل لَحْظَة، وَمن ذَلِك مَا جَاءَ فِي حَدِيث (أَن أُسَامَة بن زيد ﵄ حِبّ رَسُول الله ﷺ اشْترى شَيْئا نَسِيئَة إِلَى شهر فَبلغ ذَلِك النَّبِي ﷺ فَقَالَ: إِنَّك طَوِيل الأمل) الحَدِيث. وتَرْك هَذَا لَا إِثْم فِيهِ فضلا عَن كَونه حَرَامًا فضلا عَن كَونه كَبِيرَة. وَقد يُطلق وَيُرَاد بِهِ التسويف بِالتَّوْبَةِ عَمَّا وَقع فِيهِ من الْمعاصِي مؤملاً طول حَيَاته، وَأَنه إِذا قضى شَهْوَته وَاسْتوْفى لذَّته تَابَ وَرجع إِلَى الله تَعَالَى عَن مخالفاته وَهَذَا أَعنِي ترك التَّوْبَة من كَبِيرَة فِعْلها كَبِيرَة. وَقد يُطلق وَيُرَاد بِهِ استرسال النَّفس فِي جمع الْأَمْوَال فَإِن كَانَ من وَجه حَلَّ فَلَا إِثْم فِيهِ
стр. 77
إِلَّا إِن أَرَادَ بِهِ التفاخر وَالتَّكَاثُر فَهُوَ حينئذٍ حرَام بل كَبِيرَة، وإنْ كَانَ من وَجه مَحْظُور فَهُوَ حرَام أَو كَبِيرَة كَمَا لَا يخفى كل ذَلِك من قَوَاعِد الشَّرْع وأدلته. وَبِالْجُمْلَةِ فَلَا يُطلق على طول الأمل أَنه حرَام فضلا عَن كَونه كَبِيرَة، بل لَا بُد فِيهِ من التَّفْصِيل الَّذِي ذكرته وأشرتُ بِهِ إِلَى بَقِيَّة أقسامه الَّتِي تفرق النَّاس فِي أَوديتهَا، فَمنهمْ المُقل وَمِنْهُم المُكثر وَمِنْهُم السَّكْرَان وَمِنْهُم الصاحي، وَمِنْهُم المحق وَمِنْهُم الْمُبْطل وَالله تَعَالَى يوفقنا ويلهمنا ويولينا أولى الْأَخْلَاق والأعمال والآداب وَالْأَحْوَال بمنه وَكَرمه آمين. ٦٣ وَسُئِلَ نفع الله بِهِ، بِمَا لَفظه: مَا مُحَصل اخْتِلَاف النَّاس فِي الْأَطْفَال هَل هم فِي الْجنَّة خدم لأَهْلهَا ذُكُورا وإناثاً وَهل تتفاضل درجاتهم فِي الْجنَّة؟ فَأجَاب بقوله: أما أَطْفَال الْمُسلمين فَفِي الْجنَّة قطعا بل إِجْمَاعًا، وَالْخلاف فِيهِ شَاذ بل غلط، وَأما أَطْفَال الْكفَّار ففيهم أَرْبَعَة أَقْوَال: أَحدهَا: أَنهم فِي الْجنَّة وَعَلِيهِ الْمُحَقِّقُونَ لقَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىانَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الْإِسْرَاء: ١٥] وَقَوله: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الْأَنْعَام: ١٦٤] . وَأخرج البُخَارِيّ وَكفى بِهِ حجَّة (أَنه ﷺ رأى أَطْفَال الْمُسلمين وَالْكفَّار حول إِبْرَاهِيم الْخَلِيل صلى الله عَلَيْهِ وعَلى نَبينَا وَسلم فِي الْجنَّة) و (رُؤْيا الْأَنْبِيَاء وَحي إِجْمَاعًا) وَفِي أَحَادِيث أخر التَّصْرِيح بِأَنَّهُم فِي الْجنَّة، وَلَا يضرنا قَول الْمُحدثين إِنَّهَا ضَعِيفَة اكْتِفَاء بِخَبَر البُخَارِيّ الْمَذْكُور مَعَ ظَاهر الْقُرْآن وَفِي حَدِيث (إِنَّهُم خدم أهل الْجنَّة) فَإِن صَحَّ احْتمل أَن يكون المُرَاد أَنه كِنَايَة عَن نزُول مَرَاتِبهمْ عَن مَرَاتِب أَطْفَال الْمُسلمين لأَنهم مَعَ آبَائِهِم، كَمَا نصت عَلَيْهِ آيَة الطّور، وَأُولَئِكَ لَا آبَاء لَهُم يكونُونَ فِي مَنْزِلَتهمْ، وَكَون الدَّرَجَات فِي الْجنَّة بِحَسب الْأَعْمَال كَمَا ورد فِي حَدِيث الظَّاهِر أَنه فِي الْمُكَلّفين على أَن تِلْكَ الْآيَة تَقْتَضِي إِلْحَاق الْآبَاء بالأبناء وَعَكسه، وَلَو فِي الدَّرَجَات الْعلية، وإنْ لم يعملوا مَا يوصلهم إِلَيْهَا وَفضل الله وَاسع، فليحمل ذَلِك الحَدِيث إِن صَحَّ على أَنه فِيمَن لم يلْحق بِغَيْرِهِ فِي مرتبته، وَلَا فرق بَين ذكرهم فِي ذَلِك وأنثاهم. الثَّانِي: أَنهم فِي النَّار تبعا لِآبَائِهِمْ وَنسبه النَّوَوِيّ للأكثرين لكنه نوزع وَاسْتدلَّ لَهُ بِالْحَدِيثِ الصَّحِيح (أَن رجلا قَالَ يَا رَسُول الله إِن أُمنَّا وأدتْ أختالنا لم تبلغ الحِنْث فَقَالَ ﷺ الوائدة والموءودة فِي النَّار، إِلَّا أَن تدْرك الوائدة الْإِسْلَام فَيغْفر الله لَهَا) . وَالْجَوَاب عَنهُ من جِهَة الْأَوَّلين أَنه يحْتَمل أَن ذَلِك كَقَوْلِه ﷺ : (هم من آبَائِهِم) قبل علمه بِأَنَّهُم فِي الْجنَّة، وَهَذَا أحسن من الْجَواب بِأَن التَّكَلُّف كَانَ إذْ ذَاك مَنُوطًا بالتمييز لقَوْل جمع إِنَّه إِنَّمَا أنيط بِالْبُلُوغِ بعد الخَنْدَق. وَالثَّالِث: الْوَقْف ويعبر عَنهُ بِأَنَّهُم فِي الْمَشِيئَة فَمن علم مِنْهُ تَعَالَى أَنه إِن بلغ آمن أدخلهُ الْجنَّة أَو كفر أدخلهُ النَّار، وَنسبه ابْن عبد الْبر للأكثرين، وَاسْتدلَّ لَهُ بقوله ﷺ حِين سُئِلَ عَنْهُم (وَالله أعلم بِمَا كَانُوا عاملين) . الرَّابِع: أَنهم يجمعُونَ يَوْم الْقِيَامَة وتؤجج لَهُم نَار وَيُقَال ادخلوها فيدخلها من كَانَ فِي علم الله شقياً ويمسك عَنْهَا من كَانَ فِي علم الله سعيداً لَو أدْرك الْعَمَل، فَيَقُول الله : (لم عصيتم فَكيف برسلي لَو لاقوكم) ورده الْحَلِيمِيّ ﵀ بِأَن الحَدِيث فِي ذَلِك لَيْسَ ثَابتا، وَبِأَن الْآخِرَة لَيست دَار امتحان لِأَن الْمعرفَة بِاللَّه فِيهَا ضَرُورِيَّة، وَبِأَن الدَّلَائِل استقرتْ على أَن التخليد فِي النَّار لَا يكون إِلَّا بالشرك. وَأجِيب عَن الثَّانِي بِمَنْع عدم الامتحان فِي الْآخِرَة بِدَلِيل الامتحان بِالسُّجُود وَأَن الْمُنَافِق يُريدهُ فَلَا يَسْتَطِيع. قَالَ الْمُعْتَرض: على أَن مَا قَالَه الْحَلِيمِيّ هُوَ الظَّاهِر، وَإِن كُنَّا لَا نقطع بِهِ، إذْ لَا دَلِيل عَقْلِي وَلَا سَمْعِي على اسْتِحَالَة ذَلِك. قَالَ ابْن تَيْمِية: وَالْقَوْل بِأَنَّهُم فِي الْأَعْرَاف لَا أعرفهُ عَن خبر وَلَا أثر، وَلَا يُعَارض مَا مر قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا يَلِدُواْ إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً﴾ [نوح: ٢٧] لِأَنَّهُ مُخْتَصّ بِمن عَاشَ مِنْهُم إِلَى أَن بلغ بِدَلِيل قَوْله ﷺ : (كل مَوْلُود يُولد على الْفطْرَة وَإِنَّمَا أَبَوَاهُ يهوّدانه أَو ينصرِّانه أَو يُمجسِّانه) . ٦٤ وَسُئِلَ ﵁، بِمَا لَفظه: كرامات الْأَوْلِيَاء حق فَهَل تَنْتَهِي إِلَى إحْيَاء الْمَوْتَى وَغَيره من معجزات الْأَنْبِيَاء صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِم، ومَنْ أُحييِّ كَرَامَة لوَلِيّ هَل لَهُ حكم الْأَحْيَاء أَو الْأَمْوَات؟ فَأجَاب ﵁، بقوله: كرامات الْأَوْلِيَاء حق عِنْد أهل السّنة وَالْجَمَاعَة خلافًا للمخاذيل الْمُعْتَزلَة والزيدية، وَقَول الْفَخر الرَّازِيّ إِن أَبَا إِسْحَق الإسفرايني أنكرها أَيْضا مَرْدُود بِأَنَّهُ إِنَّمَا أنكر مِنْهَا مَا كَانَ معْجزَة لنَبِيّ كإحياء الْمَوْتَى لِئَلَّا تختلط الْكَرَامَة بالمعجزة، وغلطه النَّوَوِيّ كَابْن الصّلاح بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي كراماتهم مُعَارضَة للنبوة لِأَن الْوَلِيّ إِنَّمَا أعْطى ذَلِك ببركة إتباعه للنَّبِي ﷺ وَشرف وكرم، فَلَا تظهر حَقِيقَة الْكَرَامَة عَلَيْهِ إِلَّا إِذا كَانَ دَاعيا لاتباع النَّبِي ﷺ ، برئياً من كل بِدعَة، وانحراف عَن شَرِيعَة النَّبِي ﷺ ، فببركة اتِّبَاعه صلى
стр. 78
الله عَلَيْهِ وَسلم يُؤَيّدهُ الله تعال بملائكته وروح مِنْهُ ويقذف فِي قلبه من أنواره. وَالْحَاصِل أَن كَرَامَة الْوَلِيّ من بعض معجزات النَّبِي ﷺ لَكِن لعظم اتِّبَاعه لَهُ أظهر الله بعض خَواص النَّبِي على يَدي وَارثه ومُتَّبِعه فِي سَائِر حركاته وسكناته. وَقد تنزلت الْمَلَائِكَة لاستماع قِرَاءَة أسيد بن حضير الْكِنْدِيّ، وَكَانَ سلمَان وَأَبُو الدَّرْدَاء يَأْكُلُون فِي صَحْفَة فسبحت الصحفة وَمَا فِيهَا، ثمَّ الصَّحِيح أَنهم ينتهون إِلَى إحْيَاء الْمَوْتَى خلافًا لأبي الْقَاسِم الْقشيرِي، وَمن ثمَّ قَالَ الزَّرْكَشِيّ مَا قَالَه مَذْهَب ضَعِيف وَالْجُمْهُور على خِلَافه، وَقد أنكروه عَلَيْهِ حَتَّى وَلَده أَبُو نصر فِي كِتَابه (المرشد) فَقَالَ عقب تِلْكَ الْمقَالة: وَالصَّحِيح تَجْوِيز جملَة خوارق الْعَادَات كَرَامَة للأولياء، وَكَذَا فِي إرشاد إِمَام الْحَرَمَيْنِ. وَفِي شرح مُسلم للنووي تجوز الكرامات بخوارق الْعَادَات على اخْتِلَاف أَنْوَاعهَا، وخصها بَعضهم بإجابة دَعْوَة وَنَحْوهَا وَهَذَا غلط من قَائِله وإنكار للحس بل الصَّوَاب جريانها بانقلاب الْأَعْيَان وَنَحْوه انْتهى. (حكايات لَطِيفَة) وَقد مَاتَ فرس بعض السّلف فِي الْغَزْو فَسَأَلَ الله إحياءه حَتَّى يصل بَيته فأحياه الله، فَلَمَّا وصل بَيته قَالَ لوَلَده: خُذ سَرْجه فَإِنَّهُ عَارِية عندنَا فَأَخذه فَخر مَيتا. وَقَالَ اليافعي ﵁: صَحَّ بالسند الْمُتَّصِل إِلَى الشَّيْخ القطب عبد الْقَادِر الجيلاني رَحمَه الله تَعَالَى أَن أم شَاب عِنْده دخلت عَلَيْهِ وَهُوَ يَأْكُل فِي دجَاجَة فأنكرت أكله الدَّجَاجَة وإطعامه ابْنهَا أرذل الطَّعَام، فَقَالَ لَهَا: إِذا صَار ابْنك بِحَيْثُ يَقُول لمثل هَذِه الدَّجَاجَة قومِي بِإِذن الله فَقَامَتْ وَلها أَجْنِحَة وطارت بهَا حُقَّ لَهُ أَن يَأْكُل الدَّجَاج. وَلَا يُنَافِي إحْيَاء الْمَيِّت الْوَاقِع كَرَامَة أَن الْأَجَل مَحْتوم لَا يزِيد وَلَا ينقص، لِأَن من أحيى كَرَامَة مَاتَ أوّلاً بأجله، وحياته وَقعت كَرَامَة، وَكَون الْمَيِّت لَا يحيا إِلَّا للبعث هَذَا عِنْد عدم الْكَرَامَة أما عِنْدهَا فَهُوَ كإحيائه فِي الْقَبْر للسؤال كَمَا صَحَّ بِهِ الْخَبَر. وَقد وَقع للعزير وَحِمَاره وللذين خَرجُوا من دِيَارهمْ وهم أُلُوف حذر الْمَوْت فَقَالَ لَهُم الله موتوا ثمَّ أحياهم. إِذا تقرر ذَلِك فَمن أحيى كَرَامَة فَتَارَة يتَيَقَّن مَوته تَيَقنا ضررياً بِنَحْوِ قطع رَأسه وإبانة جثته فَهَذَا إحياؤه لَا يُعِيد لَهُ شَيْئا من زَوْجَاته وَلَا مِمَّا اقتسمته ورثته من أَمْوَاله لما تقرر أَن هَذَا كالإحياء الَّذِي فِي الْقَبْر، وَتارَة لَا يتَيَقَّن كَذَلِك فيتبين أَنه لم يزُل شَيْء عَن اسْتِحْقَاقه فَيَعُود لَهُ. وَالْحَاصِل: أَن الْإِحْيَاء بعد الْمَوْت المُرَاد بِهِ الْإِحْيَاء للبعث لَا للكرامة أَو سُؤال الْملكَيْنِ. ٦٥ وَسُئِلَ نفع الله بِهِ: مَا أفضل سُورَة، وَمَا أفضل آيَة حَتَّى يَبرِّ الْحَالِف ليُقرِّ أَن أفضل سُورَة أَو آيَة، وَهل الْأَعْظَم بِمَعْنى الْأَفْضَل، وَمَا أفضل الْأَذْكَار، وَهل بَين التَّسْبِيح والتحميد والتهليل مفاضلة وَهل هَذِه أفضل من الصَّلَاة على النَّبِي ﷺ أَو عَكسه؟ فَأجَاب بقوله: الَّذِي صَحَّ فِي الْأَحَادِيث أَن أعظم سُورَة الْفَاتِحَة، وَأعظم آيَة آيَة الْكُرْسِيّ، فَأم الْقُرْآن أعظم السُّور أَي أَكْثَرهَا ثَوابًا كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ شيخ الْإِسْلَام فِي (فتح الْبَارِي) وَظَاهر كَلَامه التلازم بَين الأعظمية والأفضلية فقراءة الْفَاتِحَة أَكثر ثَوابًا من قِرَاءَة سُورَة غَيرهَا وَإِن طَالَتْ عَلَيْهَا. وَلَا يرد على ذَلِك أَن كل حرف بِعشْرَة لما قَالُوهُ فِي الْخَبَر الصَّحِيح (إِن قل هُوَ الله أحد تعدل ثلث الْقُرْآن) أَي قِرَاءَة قَدْر حُرُوف الثُّلُث بِلَا مضاعفة كَذَا قَالُوهُ مَعَ أَنه يلْزم عَلَيْهِ أَن تلاوتها ثَلَاث مَرَّات تعدل الْقُرْآن بالمضاعفة، لِأَن قِيَاس مَا تقرر أنَّ مَنْ قَرَأَهَا ثَلَاثًا كتب لَهُ ثَوَاب الْقُرْآن كُله كل حرف بِعشْرَة فَيلْزم عَلَيْهِ تَفْضِيل الْعَمَل الْقَلِيل على الْكثير، وَلَا بدع فِيهِ، لِأَن الله تَعَالَى لَهُ خصوصيات يَمُّن بهَا على من يَشَاء من خلقه، أَلا ترى إِلَى مَا صَحَّ أَن هَذِه الْأمة مَعَ قصر أعمارها أَكثر ثَوابًا من غَيرهم من بَقِيَّة الْأُمَم مَعَ طول أعمارهم وَكَثْرَة عباداتهم، فَعلمنَا أَن تَفْضِيل الْعَمَل الْكثير على الْقَلِيل إِنَّمَا هوأمر أغلبي فَقَط، وحينئذٍ فَلَا يحْتَاج إِلَى الْجَواب عَن كَون ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الصَّمد: ١] تعدل ثلث الْقُرْآن بِأَن المُرَاد تعدله بِلَا مضاعفة، لما بَينته مِمَّا يلْزم عَلَيْهِ أَن مَا فروا مِنْهُ بذلك الْجَواب وَقَعُوا فِيهِ، وَهُوَ أَنه لزم على قَوْلهم إنَّ قرَاءَتهَا ثَلَاث مَرَّات تعدل الْقُرْآن بالمضاعفة فوقعوا حينئذٍ فِي تَفْضِيل الْعَمَل الْقَلِيل على الْكثير، فَلَا مَفرَّ إِلَّا بِمَا ذكرته أَن تِلْكَ الْقَاعِدَة أغلبية، فبعض الْأَعْمَال القليلة أفضل من بَعْضهَا الْكثير. وَبعد أَن تمهد ذَلِك وَظهر فَلَا يشكل كَون قِرَاءَة الْفَاتِحَة أفضل من قِرَاءَة سُورَة أُخْرَى أطول مِنْهَا. وَقد ذكر الرَّافِعِيّ أَن قِرَاءَة سُورَة كَامِلَة فِي الصَّلَاة أفضل من قِرَاءَة بعض سُورَة وَإِن طَال ذَلِك الْبَعْض، وَوَجهه أَن فَضِيلَة الِاتِّبَاع فِي قِرَاءَة السُّورَة تربو على فَضِيلَة المضاعفة فِي قِرَاءَة ذَلِك الْبَعْض الطَّوِيل، وَمن ثمَّ قَالَ السُّبْكِيّ: صَلَاة ظهر النَحْر بمنى أفضل مِنْهَا بِالْمَسْجِدِ
стр. 79
الْحَرَام، وإنَّ قُلْنَا إِن المضاعفة تخْتَص بِالْمَسْجِدِ لِأَن فَضِيلَة الِاتِّبَاع تربو على فَضِيلَة المضاعفة. وَأَيْضًا فالسورة اشتملتْ على مبدأ ومقطع كَامِلين، بِخِلَاف بعض السُّورَة فَلم يبعد أَن يُقَال إِن السُّورَة القصيرة أفضل من الْبَعْض الطَّوِيل لذَلِك، وَبِهَذَا يعلم أَنه لَا تنَاقض بَين تَعْبِير الرَّافِعِيّ بقوله أفضل من بعض طَوِيلَة وَإِن طَال، وَقَول النَّوَوِيّ أفضل من قدْرها من طَوِيلَة لِأَن الأول نظر إِلَى الْأَمر الْخَارِجِي وَهُوَ الِاتِّبَاع والاشتمال الْمَذْكُورَان فَأثْبت الْأَفْضَلِيَّة للسورة القصيرة على الْبَعْض الطَّوِيل، وَالثَّانِي نظر إِلَى ذَات السُّورَة وَالْبَعْض، وَالسورَة من هَذِه الْحَيْثِيَّة إِنَّمَا هِيَ أفضلُ من الْبَعْض الَّذِي هُوَ قدرهَا لَا أَكثر، فَتَأمل ذَلِك، ينْدَفع بِهِ عَنْك مَا وَقع فِيهِ كَثِيرُونَ من فهمهم التَّنَاقُض بَين عبارتي الشَّيْخَيْنِ الْمَذْكُورين، وَمِمَّا يدل على ترادف الْأَعْظَم وَالْأَفْضَل قَول الْغَزالِيّ رَحمَه الله تَعَالَى: الأعظمية والأفضلية فِي أَسمَاء الله تَعَالَى ترجع إِلَى أَمر وَاحِد هُوَ أَن مَا كَانَ من الْأَسْمَاء والآيات أصرح فِي التَّوْحِيد وَأدْخل فِي التَّقْدِيس والتعظيم والتمجيد، فَهُوَ أفضل من غَيره من الْأَسْمَاء والآيات، وإنْ زَادَت حُرُوف غَيره بأضعاف مضاعفة لما فِيهِ من زِيَادَة الثَّنَاء بالجميل على الْوَجْه الْأَكْمَل اللَّائِق فَلذَلِك فضل أَكثر مِنْهُ وَإِن كثرت حُرُوفه انْتهى. وَأفضل الْأَذْكَار الَّتِي لم يَخُصهَا الشَّارِع بِحَال أَو زمن الْقُرْآن وَبعده التهليل لخَبر (أفضل الذّكر لَا إِلَه إِلَّا الله) وَقيل التَّحْمِيد لخَبر (إنَّ لَا إِلَه إِلَّا الله بِعشْرَة وَالْحَمْد لله بِثَلَاثِينَ) وَوجه بَعضهم بِأَنَّهُ أجمع أَنْوَاع الذّكر أَي لِأَنَّهُ يُفِيد النَّص على إِثْبَات سَائِر صِفَات الْكَمَال لله تَعَالَى، وعَلى نفي سَائِر سمات النَّقْص عَنهُ، وَمَا جمع نَوْعَيْنِ أفضل مِمَّا جمع نوعا وَاحِدًا كسبحان الله وَبِحَمْدِهِ أفضل من مُجَرّد التَّسْبِيح والتحميد، وَصَحَّ فِي الحَدِيث (أحبُّ الْكَلَام إِلَى الله سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ) أَي بعد لَا إِلَه إِلَّا الله كَمَا قَالُوهُ. وَصَحَّ أَيْضا: (أحبُّ الْكَلَام إِلَى الله سُبْحَانَ الله وَالْحَمْد لله وَلَا إِلَه إِلَّا الله وَالله أكبر) فَلَا يبعد أَن جملَة هَذِه الْأَرْبَعَة أفضل من بَقِيَّة الْأَذْكَار الْمُطلقَة، وَيُؤَيّد ذَلِك أَن ابْن عَبَّاس ﵄ وَغَيره حصروا الْبَاقِيَات الصَّالِحَات الْمَنْصُوص فِي الْآيَات على أَنَّهَا خير عِنْد الله تَعَالَى فِي تِلْكَ الْأَرْبَعَة. وَأما الاسْتِغْفَار فَإِن أُرِيد بِهِ مُجَرّد طلب الْمَغْفِرَة فَتلك الْأَذْكَار أفضل مِنْهُ وَإِن كَانَ هُوَ الاسْتِغْفَار الْمسنون المقترن بِالتَّوْبَةِ فَهُوَ أفضل مِنْهُ كَذَا قَالَه بَعضهم. وَيحْتَاج لسند، وَقد يُؤَيّدهُ أَن الاسْتِغْفَار مَعَ التَّوْبَة الصَّحِيحَة قيل بِوُجُوبِهِ، وَمَا قيل بِوُجُوبِهِ أفضل مِمَّا لم يقل بِوُجُوبِهِ، وَأفْتى ذَلِك الْبَعْض أَيْضا بِأَن الصَّلَاة على النَّبِي ﷺ أفضل من الاسْتِغْفَار لِأَنَّهَا جَامِعَة بَين حق الله بامتثال أمره وَحقّ رَسُوله اصلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَهُوَ بعض مكافأته على مَا أوصله إِلَيْنَا مِمَّا لم يَقع مثله من نبيّ لأمته ﷺ وَشرف وكرم. ٦٦ وَسُئِلَ نفع الله بِهِ: هَل يجوز أَن يُقَال الله تَعَالَى فِي السَّمَاء، تَعَالَى الله عَمَّا يَقُول الظَّالِمُونَ والجاحدون علوّاً كَبِيرا، وَمَا حكم من يَقُول ذَلِك ويستدل عَلَيْهِ بِحَدِيث السَّوْدَاء، وَمَا حكم الله فِي ذَلِك مَعَ بسط القَوْل وَالْجَوَاب لمسيس الْحَاجة إِلَيْهِ؟ فَأجَاب بقوله: هَذِه الْمَسْأَلَة كَمَا قَالَ القَاضِي عِيَاض وَإِن تساهل فِي الْكَلَام فِيهَا بعض الشُّيُوخ المعتبرين هِيَ من عويصات مسَائِل التَّوْحِيد، واللائق بِالزَّمَانِ عدمُ ذكرهَا، وَإِن كَانَ وَلَا بُد فَالْحَاصِل من الْكَلَام فِيهَا أَن الْمُسلمين قاطبة أَجمعُوا على اسْتِحَالَة التجسيم، والحلول، والاستقرار على الله تَعَالَى وَحكم بذلك صَرِيح الْعقل. وَأَجْمعُوا أَيْضا على اسْتِحَالَة إِرَادَة الْحَقِيقَة فِيمَا ورد من ظواهر الْآي وَالْأَخْبَار مِمَّا يُوهم ذَلِك. وَاخْتلفُوا بعد ذَلِك فِي مَسْأَلَة مِنْهَا، وَهِي هَل يَصح إِطْلَاق جِهَة الْفَوْقِيَّة والعلوّ من غير تكييف وَلَا تَحْدِيد عَلَيْهِ تَعَالَى؟ فمذهب جَمِيع الْمُتَكَلِّمين وفحول الْعلمَاء وَأهل أصُول الديانَات إِلَى اسْتِحَالَة ذَلِك كَمَا نَص عَلَيْهِ أَبُو الْمَعَالِي إِمَام الْحَرَمَيْنِ فِي الْإِرْشَاد وَغَيره من الْمُتَكَلِّمين وَالْفُقَهَاء، وَقَالُوا: إِن ذَلِك مُلْزم للتجسيم والحلول والتحيز والمماسَّة والمباينة والمحاذاة، وَهَذِه كلهَا حَادِثَة، وَمَا لَا يَعْرى من الْحَوَادِث أَو يفْتَقر للحوادث فَهُوَ حَادث، وَالله يَسْتَحِيل عَلَيْهِ الْحُدُوث شرعا وعقلاً كَمَا هُوَ مُبين فِي كتب الْأُصُول. وَاخْتلف هَؤُلَاءِ فِيمَا ورد من ظواهر الْآيَات وَالْأَحَادِيث الصَّحِيحَة مِمَّا يُوهم ذَلِك. فَذهب بعض السّلف كالشعبي وَابْن المُسيِّب وسُفْيَان إِلَى الْوَقْف عَنْهَا، وَقَالُوا: يجب الْإِيمَان بهَا كَمَا وَردت وَلَا نتعدى إِلَى تَفْسِيرهَا. وضُعِّف هَذَا القَوْل بِمَا مر من الْإِجْمَاع على عدم إِرَادَة حَقِيقَتهَا فِي عرف اللِّسَان، فقد تكلمُوا فِيهَا بصرفها عَن ظواهرها فالسكوت عَنْهَا موهم للعوام وتنبيه للجهلة. وَذهب الْجُمْهُور على مَا نقل إِلَى الْكَلَام عَلَيْهَا وصرفها
стр. 80
عَن ظواهرها بحملها على محامل قريبَة المأخذ مِنْهَا بَيِّنَة تلِيق بهَا من جِهَة الشَّرْع وَالْعقل، ولسان الْعَرَب وتقتضي تَنْزِيه الرب جلّ وَعلا عَمَّا يُوهم ظَاهرهَا، وَقد نَص على هَذَا الإِمَام أَبُو الْمَعَالِي إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَغَيره من حذاق الْمُتَكَلِّمين. وَذهب القَاضِي الباقلاني وَغَيره فِي بَعْضهَا إِلَى أَنَّهَا دَالَّة على صفة زَائِدَة تلِيق بجلاله تَعَالَى من غير تكييف وَلَا تَحْدِيد، وَلكُل فريق تأويلات ومآخذ تلِيق بجلاله تَعَالَى تطول، وَمن أرادها فلينظرها فِي كتب التَّفْسِير ومُشْكِل الْأَحَادِيث كَابْن فورك وَغَيره، مَعَ أَن الْبَارِزِيّ حكى عَن الْقَابِسِيّ أَنه كَانَ يَدْعُو على ابْن فورك من أجل أَنه أَدخل فِي كِتَابه أَحَادِيث مشكلة، وتكلف الْجَواب عَنْهَا مَعَ ضعفها فَكَانَ فِي عدم ذكرهَا غناء عَن ذكرهَا انْتهى. وَلَيْسَ هَذَا الدُّعَاء فِي مَحَله بل هُوَ من بعض التعصب وَكَيف وَابْن فورك إِمَام الْمُسلمين والذابّ عَن حمى حومة الدّين، وَإِنَّمَا تكلّف الْجَواب عَنْهَا مَعَ ضعفها لِأَنَّهُ رُبمَا تشبث بهَا بعض من لَا علم لَهُ بِصَحِيح الْأَحَادِيث من ضعيفها فَطلب الْجَواب عَنْهَا بِفَرْض صِحَّتهَا إِذْ الصِّحَّة والضعف عَن أَئِمَّة الحَدِيث ليسَا من الْأُمُور القطعية بل الظنية، والضعيف يُمكن أَن يكون صَحِيحا فَبِهَذَا الْغَرَض يحْتَاج إِلَى الْجَواب عَنهُ فَمَا فعله ابْن فورك هُوَ الصَّوَاب فجزاه الله عَن الْمُسلمين خيرا. وَالْمذهب الثَّانِي: جَوَاز إِطْلَاق فَوق من غير تكييف وَلَا تحديث نَقله أَبُو الْمَعَالِي إِمَام الْحَرَمَيْنِ فِي الْإِرْشَاد عَن الكرامية وَبَعض الحشوية، وَنَقله القَاضِي عِيَاض عَن الْفُقَهَاء والمحدثين وَبَعض الْمُتَكَلِّمين من الأشعرية قَالَ الإِمَام الْبُرْزُليّ الْمَالِكِي: وَأنكر عَلَيْهِ شَيخنَا الإِمَام نَقله عَن بعض الأشعرية إنكاراً شَدِيدا، وَقَالَ: لم يقلهُ أحد مِنْهُم فِيمَا عَلمته واستقريْتُه من كتبهمْ، وسمعته يَقُول القَاضِي ضَعِيف فِي علم الْأُصُول وَيعرف ذَلِك من تأليفه وَكَانَ عَالما بالأحاديث ورجالها وضبطها ولغاتها مقدَّماً فِي ذَلِك فَلَا يلْتَفت لنقله عَن أهل الْأُصُول فِي هَذِه الْمَسْأَلَة، وَكَلَامه فِي الشِّفَاء يدل على علمه فِي هَذَا الْفَنّ وَغَيره وتَضَّلُّعه وَلم يَنْقُلهُ فِيهِ عَن بعض الأشعرية وَحَكَاهُ ابْن بزيزة فِي شرح الْإِرْشَاد عَن القلانسي من مَشَايِخ الأشعرية وَعَن البُخَارِيّ وَغَيره، غير أَن هَذَا مُحدث، وَاخْتَارَ هَذَا الْمَذْهَب ابْن عبد البرّ فِي (الاستذكار) وَاشْتَدَّ نَكِير شَيخنَا الْمَذْكُور عَلَيْهِ وَقَالَ: لم تزل فُقَهَاء الْمَذْهَب ينكرونه عَلَيْهِ بِحمْل مَا ورد على ظَاهره ولتدافع مذْهبه فِي نَفسه عِنْد تَحْقِيقه وَهُوَ ظَاهر كَلَام الشَّيْخ أبي مُحَمَّد بن أبي زيد فِي رسَالَته. وَفِي أسئلة الشَّيْخ عز الدّين: مَا تَقول فِي قَول ابْن أبي زيد، وَأَنه فَوق عَرْشه الْمجِيد بِذَاتِهِ، وَأَنه فِي كل مَكَان بِعِلْمِهِ هَل يفهم مِنْهُ القَوْل بالجهة وَهل يكفر معتقدها أم لَا؟ . فَأجَاب الشَّيْخ عز الدّين: بِأَن ظَاهره مَا ذكر من القَوْل بالجهة، لِأَنَّهُ فرق بَين كَونه على الْعَرْش وَكَونه مَعَ خلقه بِعِلْمِهِ، وَالأَصَح أَن مُعْتَقد الْجِهَة لَا يكفر لِأَن عُلَمَاء الْمُسلمين لم يخرجوهم عَن الْإِسْلَام، بل حكمُوا لَهُم بِالْإِرْثِ من الْمُسلمين وبالدفن فِي مَقَابِر الْمُسلمين، وَتَحْرِيم دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالهمْ وَإِيجَاب الصَّلَاة عَلَيْهِم، وَكَذَا سَائِر أَرْبَاب الْبدع لم يزل النَّاس يجرونَ عَلَيْهِم أَحْكَام الْإِسْلَام وَلَا مبالاة بِمن كفرهم لمراغتمه لما عَلَيْهِ النَّاس انْتهى كَلَام عز الدّين. وَقَالَ بعض من ينْسب إِلَى الطّلب: هَذَا كَلَام كفر وَالْقَائِل بِهِ كَافِر، لِأَن من اعْتقد الْجِهَة فِي حق الله جلّ وَعلا فَهُوَ كَافِر بِالْإِجْمَاع، ومَنْ توقف فِي كفره فَهُوَ كَافِر، فعورض هَذَا الطَّالِب فِي ذَلِك بِمَا وَقع بَين الْأَئِمَّة من الِاخْتِلَاف فِي تَكْفِير أهل الْأَهْوَاء، وَبِمَا قَالَ القَاضِي فِي (الشِّفَاء) وَغَيره من جَرَيَان الْخلاف فِي المشبهة وَغَيرهم، وَبِمَا ذكره ابْن التلمساني فِي عين الْمَسْأَلَة من الْخلاف فَلم يقبل شَيْئا من هَذَا، وَاسْتدلَّ لنقله الْإِجْمَاع فِي الْمَسْأَلَة بالحلولية وَجعلهَا أَنَّهَا هِيَ عين جَوَاب عز الدّين وَأَن الحلولية كفار بِالْإِجْمَاع. وَأجَاب بعض الْمُفْتِينَ عَن كَلَام هَذَا الطَّالِب بِمَا نَصه: الصَّحِيح قَول الشَّيْخ عز الدّين وَلَا إِجْمَاع فِي الْمَسْأَلَة وَالْخلاف فِيهَا على وَجه آخر، وَهُوَ أَن المُشبِّهة هَل عرفُوا أم لَا؟ واحتجاج هَذَا الرجل بِمَسْأَلَة الحلولية على الْمَسْأَلَة من أدل دَلِيل على أَنه لَا يعرف الحلولية وَلَا المشبهة، وَأَن الْإِجْمَاع على تَكْفِير الْقَائِل بالحلول يلْزم مِنْهُ الْإِجْمَاع على تَكْفِير الْقَائِل بالتشبيه كَلَام غير مُحَصل. وَالْحق أَنه يلْزم من صِحَة الْمَلْزُوم صِحَة اللَّازِم وَمن بطلَان اللَّازِم بطلَان الْمَلْزُوم، لَا أَنه يلْزم من الْإِجْمَاع على قَضِيَّة الْإِجْمَاع على لازمها، وَلَا من الْإِجْمَاع على بطلَان لَازم قَضِيَّة الْإِجْمَاع على بطلَان ملزومها فَإِن الْإِجْمَاع طَرِيقه النَّقْل لَا الْعقل، وَيبعد مِمَّن لَهُ أدنى مسكة من عقل وَدين أَن يحكم للْأمة الَّتِي شهد لَهَا رَسُول الله ﷺ بِالْإِيمَان، وَأَن يتجاسر على
стр. 81
الشَّهَادَة عَلَيْهَا بالْكفْر، فَكيف بحكاية الْإِجْمَاع على ذَلِك، وَمَسْأَلَة التَّكْفِير بالحلول شهيرة، وَلَو قَالَ مُبْتَدع: إِن الله غير عَالم أَو غير قَادر كفر إِجْمَاعًا مَعَ أَنه يَنْفِي صِحَة الْعلم وَالْقُدْرَة وَغَيرهَا من الصِّفَات، وَيلْزمهُ قطعا أَن يكون الْبَارِي غير عَالم، وَلَا قَادر، مَعَ شهرة الْخلاف فِي تكفيره وَأَنه غير كَافِر، وَقد جمع الْخَوَارِج من الْأَقْوَال الْفَاسِدَة والآراء الْبَاطِلَة مَا لم يحفظ لغَيرهم. وَقَالَ سُحنون: إِنَّه يخَاف على من كفرَّهم بمقالتهم أَن يسْلك مسلكهم فِي التَّكْفِير بِالذنُوبِ أَو كلَاما هَذَا مَعْنَاهُ، فقد حصل من حِكَايَة هَذَا السُّؤَال أَنهم لَيْسُوا بكفار مَعَ حِكَايَة الْخلاف فيهم، وَأَنه جَازَ على الْخلاف فِي لَازم القَوْل هَل هُوَ كالقول أم لَا؟ وَمذهب ابْن رشد وَغَيره أَنه لَيْسَ كالقول وَأَنه لَا يلْزم من الْإِجْمَاع على قَضِيَّة الْإِجْمَاع على لازمها، وَلَا من الْإِجْمَاع على بطلَان لَازم قَضِيَّة الْإِجْمَاع على بطلَان ملزومها. إِذا تقرر هَذَا فَقَائِل هَذِه الْمقَالة الَّتِي هِيَ القَوْل بالجهة فَوق إِن كَانَ يعْتَقد الْحُلُول والاستقرار والظرفية أَو التحيز فَهُوَ كَافِر، يُسلك بِهِ مَسْلَك الْمُرْتَدين إِن كَانَ مظْهرا لذَلِك، وإنْ كَانَ اعْتِقَاده مثل أهل الْمَذْهَب الثَّانِي فقد تقرر الْخلاف فِيهِ، فعلى القَوْل بالتكفير يرجع لما قبله وعَلى الصَّحِيح ينظر فِيهِ، فَإِن دَعَا النَّاس إِلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ وأشاعه وأظهره فيصنع بِهِ مَا قَالَ مَالك ﵁ فِيمَن يَدْعُو إِلَى بدعته وَنَصّ على ذَلِك فِي آخر الْجِهَاد من الْمُدَوَّنَة وتأليف ابْن يُونُس، وإنْ لم يَدْعُ إِلَى ذَلِك وَكَانَ يظهره فعلى من ولاَّه الله أَمر الْمُسلمين رَدْعَه وزَجْره عَن هَذَا الإعتقاد وَالتَّشْدِيد عَلَيْهِ حَتَّى ينْصَرف عَن هَذِه الْبِدْعَة، فإنّ فَتْحَ مِثْلِ هَذَا الْبَاب للعوام وساوك طَرِيق التَّأْوِيل فِيهِ إِفْسَاد لاعتقادهم، وإلقاء تشكيكات عَظِيمَة فِي دينهم وتهييج لفتنتهم، وَأرى هَذَا مثل الرجل الَّذِي سَأَلَ مَالِكًا عَن معنى قَوْله : ﴿الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] فَقَالَ مَالك: الاسْتوَاء مَعْلُوم أَو مَعْقُول والكيف مَجْهُول وَالْإِيمَان بِهِ وَاجِب وَالسُّؤَال عَن هَذَا بِدعَة وأراك رجل سوء أَخْرجُوهُ عني، وَزَاد بَعضهم فِي الْحِكَايَة: فَأَدْبَرَ الرجل وَهُوَ يَقُول: يَا أَبَا عبد الله لقد سألتُ عَنْهَا أهل الْعرَاق وَأهل الشَّام فَمَا وقف أحد فِيهَا توقيفك، وَأَنت ترى مَالِكًا كَيفَ أدب هَذَا الرجل وزجره الزّجر التَّام وَهُوَ لم يصدر مِنْهُ إِلَّا السُّؤَال عَن بعض الْمُتَشَابه فَمَا ظَنك بِمن صرح بِمَا صرح بِهِ. وَقَضِيَّة عمر ﵁ مَعَ ضُبيع وضربه إِيَّاه المرّة بعد المرّة لسؤاله عَن المتشابهه مَشْهُورَة حَتَّى قَالَ لَهُ: إِن كنت تُرِيدُ قَتْلِي فاقتلني وَإِلَّا فقد أخذت أربي. وَاخْتلف فِي تَأْوِيل قَول مَالك الْمَذْكُور فَصَرفهُ ابْن عبد البرّ إِلَى مذْهبه، وَظَاهر حِكَايَة غَيره أَنه وقف عَن الْكَلَام فِيهَا كمذهب الواقفية، وَمِنْهُم من نحابه مَذْهَب الْمُتَكَلِّمين، وَأَشَارَ ابْن التلمساني فِي شرح المعالم فَقَالَ: يَعْنِي أَن محامل الاسْتوَاء فِي اللُّغَة مَعْلُومَة بعد الْقطع بِأَن الِاسْتِقْرَار غير مُرَاد، بل المُرَاد بِهِ الْقَهْر والاستيلاء أَو الْقَصْد إِلَى التناهي فِي صِفَات الْكَمَال، وَقَوله والكيف مَجْهُول: يَعْنِي أَن تعْيين محمل من المحامل اللائقة مَجْهُول لنا، وَقَوله وَالْإِيمَان بِهِ وَاجِب: أَي التَّصْدِيق بِأَن لَهُ محملًا يصحّ وَاجِب، وَقَوله وَالسُّؤَال عَنهُ بِدعَة أَي تَعْيِينه بالطرق الظنية فَإِنَّهُ تصرف فِي أَسمَاء الله تَعَالَى وَصِفَاته بزعم الظنون وَمَا لم يعْهَد زمن الصَّحَابَة ﵃ فَهُوَ بِدعَة انْتهى، وَهُوَ يُشِير إِلَى مَا قدمْنَاهُ من الْخلاف فِيمَا ورد من مثل هَذِه الظَّوَاهِر هَل يتَكَلَّم فِيهَا أم لَا؟ وَاخْتلف تَأْوِيل حَدِيث السَّوْدَاء الْمَذْكُور فِي السُّؤَال، فَقَالَ الْمَازرِيّ: أَرَادَ ﷺ أَن يطْلب دَلِيلا على أَنَّهَا مُوَحِّدة فخاطبها بِمَا يفهم من قَصدهَا لِأَن عَلامَة الْمُوَحِّدين التَّوَجُّه إِلَى السَّمَاء عِنْد الدُّعَاء وَطلب الْحَوَائِج، فَإِن من كَانَ يعبد الْأَصْنَام يطْلب حَوَائِجه مِنْهَا وَمن يعبد النَّار يطْلب حَوَائِجه مِنْهَا أيضهاً، فَأَرَادَ ﷺ الْكَشْف عَن معتقدها أَهِي مُؤمنَة أم لَا؟ فَأَشَارَتْ إِلَى الْجِهَة الَّتِي يقصدها الموحدون وَقيل وَقع السُّؤَال لَهَا بأين لأجل أَنه أَرَادَ السُّؤَال عَمَّا تعتقده من جلالة الْبَارِي وعظمته جلّ وَعلا، فَأَشَارَتْ إِلَى السَّمَاء إِخْبَارًا عَن جلالته سُبْحَانَهُ فِي نَفسهَا لِأَنَّهَا قبْلَة الداعين كَمَا أَن الْكَعْبَة قبْلَة الْمُصَلِّين، وَكَذَلِكَ اخْتلف فِي تَأْوِيل مَا ذكره ابْن أبي زيد فِي رسَالَته وَقد مر آنِفا على أَنه ذكره فِي الْمُخْتَصر على وَجه لَا يشكل، وَالله أعلم. ٦٧ وَسُئِلَ ﵁: هَل الأولى للذاكر استحضار مَعَاني ذكره التفصيلية، كَأَن يستحضر النقائص الَّتِي تنزَّه الله تَعَالَى عَنْهَا، ثمَّ فِي كل مرّة من مَرَّات التَّسْبِيح يستحضر وَاحِدًا من تِلْكَ الْأُمُور، وَكَأن يستحضر الكمالات الَّتِي يُحمد عَلَيْهَا، ثمَّ يَجْعَل بإزائه كل مرّة شُهُود وَاحِد من تِلْكَ الكمالات وَهَكَذَا أَو الإجمالية؟ فَأجَاب بقوله: الأولى مُرَاعَاة الْإِجْمَال لِأَنَّهُ أتمَّ وأكْملَ، لِأَن من يُرَاعِي
стр. 82
فِي كل تَسْبِيحَة مثلا تنزه الله تَعَالَى عَن جَمِيع النقائص، أتمَّ وأكّمْل، مِمَّن يُراعى شَيْئا مَخْصُوصًا بِكُل مرّة، وَأَيْضًا فَتلك النقائص أحْقرَ من أَن تستحضر تفاصيلها مَعَ الرب فِي الْقلب، وَإِنَّمَا تستحضر على وَجْه كلي لضَرُورَة التَّسْبِيح عَنْهَا، وَقد لَا يحْتَاج لاستحضارها لاستغراق الْقلب فِي عَظمَة الرب وتعاليه وجلاله، فَلَا يُلْتفت إِلَى تِلْكَ النقائص الْبَتَّةَ، وَانْظُر إِلَى السنةِ لِما فعلتْ فِي قَوْله (سُبْحَانَ الله عَدَد خَلْقِه، وَرِضاء نَفْسِه، وزِنَةَ عَرْشِه، ومِداد كَلِماتِه) ، كَيفَ نصتْ على المطالب الْأَرْبَعَة الإجمالية وَهِي كَثْرَة أَفْرَاده، إذْ عدد الْخلق فِيمَا كَانَ وَمَا يكون لَا يتناهى كبر مِقْدَاره، إذْ الْعَرْش أكبر الْمَخْلُوقَات، وَإِذا أَخذ بِمَا فِيهِ من الْمَخْلُوقَات الَّتِي كَانَت وستكون لَا يتناهى نَوعه، حَتَّى رِضَاء الله تَعَالَى ودوامه بِلَا نفاد، لِأَن كَلِمَات الله تَعَالَى أَي أقضيته لَا نفاد لَهَا، وأعرْضَتْ عَن النقائص الَّتِي يسبح عَنْهَا استحقاراً لَهَا عَن أَن تمرّ بِحَضْرَة الْجلَال أَو بِحَضْرَة شُهُود الْكَمَال، وَأكْثر تسبيحات الْقُرْآن مُطلقَة عَن مُلَاحظَة المسُبَّح عَنهُ فَيَنْبَغِي لنا أَن نتأسى بهَا. ٦٨ وَسُئِلَ نفع الله بِهِ: هَل لمقلد الشَّافِعِي ﵁ مثلا أَن يُقَلّد غَيره بعد الْعَمَل وَقَبله، مَعَ تتبع الرُّخص أَولا، وَقد صرّح الْآمِدِيّ وَابْن الْحَاجِب بامتناعه بعد الْعَمَل اتِّفَاقًا؟ فَأجَاب بقوله: لمقلد غير إِمَامه أَحْوَال ذكرهَا السُّبْكِيّ أخذا من كَلَامهم. أَحدهَا: أَن يعْتَقد رُجْحَان مَذْهَب الْغَيْر فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَة فَيجوز اتبَاعا للراجح فِي ظَنّه. الثَّانِيَة: أَن يعْتَقد رُجْحَان مَذْهَب إِمَامه، أَو لَا يعْتَقد رُجْحَان وَاحِد مِنْهُمَا، فَيجوز أَيْضا سواءٌ قصد الِاحْتِيَاط لدينِهِ مثلا، كالحيلة إِذا قصد بهَا التلخص من الرِّبَا كَبيع الْجمع بِالدَّرَاهِمِ، وَشِرَاء الْخَبيث بهَا، وَلَا كَرَاهَة حينئذٍ بِخِلَاف الْحِيلَة على غير هَذَا الْوَجْه فَإِنَّهَا مَكْرُوهَة. الثَّالِثَة: أَن يقْصد بتقليده الرُّخْصَة فِيمَا دَعَتْ حَاجته إِلَيْهِ، فَيجوز أَيْضا إِلَّا أَن يكون يعْتَقد رُجْحَان مَذْهَب إِمَامه وَأَنه يجب تَقْلِيد الأعلم. الرَّابِعَة: أَن يقْصد مُجَرّد الترَّخُصِ من غير أَن يغْلِب على ظَنّه رجحانه فَيمْتَنع كَمَا قَالَه السُّبْكِيّ. قَالَ: لِأَنَّهُ حينئذٍ مُتبَّع لهواه لَا للدّين. الْخَامِسَة: أَن يكثر فِيهِ ذَلِك بِحَيْثُ يصير مُتتبعاً للرخص بِأَن يَأْخُذ من كل مَذْهَب بالأسهل. مِنْهُ، فَيمْتَنع أَيْضا لِأَنَّهُ يشْعر بانحلال ربقة التَّكْلِيف. السَّادِسَة: أَن يجْتَمع من ذَلِك حَقِيقَة مُرَكبة ممتنعة بِالْإِجْمَاع، فَيمْتَنع، كَأَن يُقَلّد شافعيٌ مَالِكًا فِي طَهَارَة الْكَلْب، وَيمْسَح بعض رَأسه، لِأَن صلَاته حينئذٍ لَا يَقُول بهَا مَالك لعدم مسح كلّ الرَّأْس، وَلَا الشَّافِعِي لنجاسة الْكَلْب، وَزَعْمُ الْكَمَال ابْن الْهمام جَوَاز نَحْو ذَلِك ضعيفٌ وإنْ برهن عَلَيْهِ. السَّابِعَة: أَن يعْمل بتقليده الأول ويستمرّ على آثاره ثمَّ يُرِيد أَن يُقَلّد غير إِمَامه مَعَ بَقَاء تِلْكَ الْآثَار كحنفي أَخذ بشفعة الْجوَار عملا بمذهبه، ثمَّ تسْتَحقّ عَلَيْهِ، فيريد الْعَمَل بِمذهب الشافعيُّ فَلَا يجوز لتحَقّق خطئه إِمَّا فِي الأول أَو الثَّانِي مَعَ أَنه شخص وَاحِد مُكَلّف. وَمَا ذُكر عَن الْآمِدِيّ وَابْن الْحَاجِب نَظَر فِيهِ السُّبْكِيّ فَقَالَ: فِي دَعْوَى الِاتِّفَاق نظر، وَفِي كَلَام غَيرهمَا مَا يشْعر بِإِثْبَات خلاف بعد الْعَمَل أَيْضا، وَكَيف يمْتَنع إِذا اعْتقد صِحَّته، وَلَكِن وَجْه مَا قَالَاه، أَنه بالتزامه مَذْهَب إِمَامه كَاف بِهِ مَا لم يظْهر لَهُ غَيره، والعامي لَا يظْهر لَهُ شَيْء، هَذَا وَجه مَا قَالَاه وَلَا بَأْس بِهِ، وَلَكِنِّي أرى تَنْزِيله على صُورَة الْحَنَفِيّ الْمَذْكُورَة، وَهِي وَإِن كَانَت غير منقولة، فالمنقول وتحقيقه قد يشْهد لَهَا، وَمِمَّا يتَبَيَّن ذَلِك أنَّ التَّقْلِيد بعد الْعَمَل إنْ كَانَ مِنْ وجوبٍ لإباحة لِتُتْرك، كحنفي قَلَّد فِي سنية الْوتر، أَو مِنْ حَظْرٍ لإباحة لِتُفعل كشافعي يُقَلّد فِي نِكَاح بِلَا ولي فالمتقدم مِنْهُ فِي الْوتر هُوَ الْفِعْل، وَفِي النِّكَاح هُوَ التّرْك، وَكِلَاهُمَا لَا يُنَافِي الْإِبَاحَة، واعتقاد الْوُجُوب أَو التَّحْرِيم خَارج عَن الْعَمَل وحاصلٌ قَبْله، فَلَا معنى لِلْقَوْلِ بِأَن الْعَمَل فيهمَا مَانع من التَّقْلِيد وَإِن كَانَ بِالْعَكْسِ، بِأَن كَانَ يعْتَقد الْإِبَاحَة فقلد فِي الْوُجُوب، أَو التَّحْرِيم، فَالْقَوْل بِالْمَنْعِ أبعد وَلَيْسَ فِي الْمعَانِي وَلَا هَذِه الْأَقْسَام، نَعَمْ الْمُفْتى على مَذْهَب، إِذا أفتى بِحكم، لَيْسَ لَهُ أَن يُقَلِّد غَيره، ويفتي بِخِلَافِهِ لِأَنَّهُ مَحْض تشبه إِلَّا إِن قصد مصلحَة دينية دَعَتْهُ إِلَى ذَلِك، كَمَا رُوِيَ عَن ابْن الْقَاسِم أَنه أفتى وَلَده فِي نذر اللَّجاج بِمذهب اللَّيْث، وَهُوَ أَن يتَخَلَّص عَنهُ بكفارة يَمِين، وَقَالَ لَهُ: إِن عدت لم أفتك إِلَّا بقول مَالك أَنه يتَعَيَّن مَا الْتَزمهُ، وَالله أعلم. ٦٩ وَسُئِلَ نفع الله بِهِ بِمَا لَفظه: لِابْنِ تَيْمِية اعْتِرَاض على متأخري الصُّوفِيَّة، وَله خوارق فِي الْفِقْه وَالْأُصُول فَمَا مُحَصل ذَلِك؟ فَأجَاب بقوله: ابْن تَيْمِية عبد خذله الله وأضلَّه وأعماه وأصمه وأذلَّه، وَبِذَلِك صرح الْأَئِمَّة الَّذين بينوا فَسَاد أَحْوَاله وَكذب أَقْوَاله، وَمن
стр. 83
أَرَادَ ذَلِك فَعَلَيهِ بمطالعة كَلَام الإِمَام الْمُجْتَهد الْمُتَّفق على إِمَامَته وجلالته وبلوغه مرتبَة الِاجْتِهَاد أبي الْحسن السُّبْكِيّ وَولده التَّاج وَالشَّيْخ الإِمَام الْعِزّ بن جمَاعَة وَأهل عصرهم، وَغَيرهم من الشَّافِعِيَّة والمالكية وَالْحَنَفِيَّة، وَلم يقصر اعتراضه على متأخري الصُّوفِيَّة بل اعْترض على مثل عمر بن الْخطاب وَعلي بن أبي طَالب ﵄ كَمَا يَأْتِي. وَالْحَاصِل أنْ لَا يُقَام لكَلَامه وزن بل يَرْمِي فِي كلّ وَعْر وحَزَن، ويعتقد فِيهِ أَنه مُبْتَدع ضالّ ومُضِّلّ جَاهِل غال عَامله الله بعدله، وأجازنا من مثل طَرِيقَته وعقيدته وَفعله آمين. وَحَاصِل مَا أُشير إِلَيْهِ فِي السُّؤَال أَنه قَالَ فِي بعض كَلَامه: إِن فِي كتب الصُّوفِيَّة مَا هُوَ مَبْنِيّ على أصُول الفلاسفة الْمُخَالفين لدين الْمُسلمين فيتلقى ذَلِك بِالْقبُولِ مَنْ يطالع فِيهَا من غير أنْ يعرف حَقِيقَتهَا، كدعوى أحدهم أَنه مُطلَّع على اللَّوْح الْمَحْفُوظ، فَإِنَّهُ عِنْد الفلاسفة كَابْن سينا وَأَتْبَاعه النَّفس الفلكية، وَيَزْعُم أَن نفوس الْبشر تتصل بِالنَّفسِ الفلكية، أَو بِالْعقلِ الفعَّال يقظة أَو مناماً، وهم يدّعون أَن مَا يحصل من المكاشفة يقظة أَو مناماً هُوَ بِسَبَب اتصالها بِالنَّفسِ الفلكية عِنْدهم، وَهِي سَبَب حُدُوث الْحَوَادِث فِي الْعَالم فَإِذا اتَّصَلت بهَا نفس الْبشر استنقش فِيهَا مَا كَانَ فِي النَّفس الفلكية، وَهَذِه الْأُمُور لم يذكرهَا قدماء الفلاسفة وَإِنَّمَا ذكرهَا ابْن سينا، وَمن يتلَقَّى عَنهُ، وَيُوجد من ذَلِك فِي بعض كَلَام أبي حَامِد، وَكَلَام ابْن عَرَبِيّ، وَابْن سبعين وأمثال هَؤُلَاءِ تكلمُوا فِي التصوف، والحقيقة على قَاعِدَة الفلاسفة لَا على أصُول الْمُسلمين، وَلَقَد خَرجُوا بذلك إِلَى الْإِلْحَاد كإلحاد الشِّيعَة، والإسماعيلية، والقرامطة، والباطنية، بِخِلَاف عُبَّاد أهل السّنة والْحَدِيث ومتصوفتهم، كالفُضَيلْ وَسَائِر رجال الرسَالَة، وَهَؤُلَاء أعظم النَّاس إنكاراً لطرق مَنْ هم خيرٌ من الفلاسفة كالمعتزلة والكرامية فَكيف بالفلاسفة، وَأهل التصوف ثَلَاثَة أَصْنَاف: قوم على مَذْهَب أهل الحَدِيث وَالسّنة كهؤلاء الْمَذْكُورين، وَقوم على طَريقَة بعض أهل الْكَلَام من الكرامية وَغَيرهم، وَقوم خَرجُوا إِلَى طَرِيق الفلسفة مثل مَسْلك من سَلَك رسائل إخْوَان الصَّفَا، وَقطعَة تُوجد فِي كَلَام أبي حَيَّان التوحيدي، وَأما ابْن عَرَبِيّ وَابْن سبعين وَنَحْوهمَا فَجَاءُوا بِقطع فلسفية غيروا عبارتها وأخرجوها فِي قالب التصوف، وَابْن سينا تكلم فِي آخر الإرشادات على مقَام العارفين بِحَسب مَا يَلِيق بِحَالهِ، وَكَذَا مُعظم من لم يعرف الْحَقَائِق الإيمانية. وَالْغَزالِيّ ذكر شَيْئا من ذَلِك فِي بعض كتبه لَا سِيمَا فِي الْكتاب المضْنُون بِهِ على غير أَهله، ومشكاة الْأَنْوَار وَنَحْو ذَلِك، حَتَّى ادّعى صَاحبه أَبُو بكر بن الْعَرَبِيّ فَقَالَ: شَيخنَا دخل فِي نظر الفلاسفة، وَأَرَادَ أَن يخرج مِنْهُم فَمَا قدر، لَكِن أَبُو حَامِد يكفِّر الفلاسفة فِي غير مَوضِع وبَيَّن فَسَاد طريقتهم، وَأَنَّهَا لَا تحصِّل الْمَقْصُود واشتغل فِي آخر عمره بالبخاري وَمَات على ذَلِك، وَقيل إِنَّه رَجَعَ عَن تِلْكَ الْكتب، وَمِنْهُم مَنْ يَقُول إِنَّهَا مكذوبة عَلَيْهِ، وَكثر كَلَام النَّاس فِيهَا لأَجلهَا كالمازري والطرطوشي وَابْن الْجَوْزِيّ وَابْن عقيل وَغَيرهم انْتهى حَاصِل كَلَام ابْن تَيْمِية. وَهُوَ يُنَاسب مَا كَانَ عَلَيْهِ من سوء الإعتقاد حَتَّى فِي أكَابِر الصَّحَابَة ومنْ بعدهمْ إِلَى أهل عصره وَرُبمَا أَدَّاهُ اعْتِقَاده ذَلِك إِلَى تَبْديع كثير مِنْهُم. وَمن جملَة مَنْ تتبَّعه الْوَلِيّ القطب الْعَارِف أَبُو الْحسن الشاذلي نفعنا الله بِعُلُومِهِ ومعارفه فِي حزبه الْكَبِير وحزب الْبَحْر وَقطعَة من كَلَامه، كَمَا تتبَّع ابنَ عَرَبِيّ وابنَ الفارض وابنَ سبعين، وتتبع أَيْضا الحلاَّج الْحُسَيْن بن مَنْصُور، وَلَا زَالَ يتتبع الأكابر حَتَّى تمالأ عَلَيْهِ أهل عصره ففسقوه، وبدّعوة بل كَفَّره كثير مِنْهُم، وَقد كتب إِلَيْهِ بعض أجلاء أهل عصره علما وَمَعْرِفَة سنة خمس وَسَبْعمائة مِنْ فلَان إِلَى الشَّيْخ الْكَبِير الْعَالم إِمَام أهل عصره بِزَعْمِهِ، أما بعد فَإنَّا أَحْبَبْنَاك فِي الله زَمَانا، وأعرضنا عَمَّا يُقَال فِيك إِعْرَاض الفَضْل إحساناً، إِلَى أَن ظهر لنا خلاف مُوجبَات الْمحبَّة بِحكم مَا يَقْتَضِيهِ الْعقل والحس، وَهل يَشُكُّ فِي اللَّيْل عَاقل إِذا غربت الشَّمْس، وَأَنَّك أظهرتَ أَنَّك قَائِم بِالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر، وَالله أعلم بقصدك ونيتك، ولكنَّ الْإِخْلَاص مَعَ الْعَمَل ينْتج ظُهُور الْقبُول، وَمَا رَأينَا آل أَمرك إِلَّا إِلَى هتك الأستار والأعراض، بِاتِّبَاع من لَا يوثق بقوله مِنْ أهل الْأَهْوَاء والأغراض، فَهُوَ سَائِر زُمانِه يَسُبُّ الْأَوْصَاف والذوات، وَلم يقنع بِسَبِّ الْأَحْيَاء، حَتَّى حكم بتكفير الْأَمْوَات وَلم يكْفِه التَّعَرُّض على من تَأَخّر من صالحي السّلف، حَتَّى تعدى إِلَى الصَّدْر الأول، وَمن لَهُ أَعلَى الْمَرَاتِب فِي الْفضل فيا وَيْحَ مَنْ هَؤُلَاءِ خُصماؤه يَوْم الْقِيَامَة، وهيهات أنْ لَا يَنَالهُ غضب، وأنيَّ لَهُ بالسلامة، وكنتُ مِمَّن سَمعه وَهُوَ على مِنْبَر جَامع الْجَبَل بالصالحية وَقد ذكر عمر بن الْخطاب ﵁ فَقَالَ: إِن عمر لَهُ غلطات وبَليَّات وأيَّ بليات.
стр. 84
وَأخْبر عَنهُ بعض السّلف أَنه ذكر عَليّ بن أبي طَالب ﵁ فِي مجْلِس آخر فَقَالَ: إِن عليا أَخطَأ فِي أَكثر من ثَلَاثمِائَة مَكَان، فيا لَيْت شعري من أَيْن يحصل لَك الصَّوَاب؟ إِذا أَخطَأ عليّ بزعمك كرم الله وَجهه وَعمر بن الْخطاب والآن قد بلغ هَذَا الْحَال إِلَى منتهاه وَالْأَمر إِلَى مُقْتَضَاهُ، ولاينفعني إِلَّا الْقيام فِي أَمرك وَدفع شرك، لِأَنَّك قد أفْرطْتَ فِي الغيُّ وَوصل أذاك إِلَى كل ميت وَحي، وتلزمني الْغيرَة شرعا لله وَلِرَسُولِهِ وَيلْزم ذَلِك جَمِيع الْمُؤمنِينَ وَسَائِر عباد الله الْمُسلمين بِحكم مَا يَقُوله الْعلمَاء، وهم أهل الشَّرْع وأرباب السَّيْف الَّذين بهم الوصْل وَالْقطع، إِلَى أَن يحصل مِنْك الكَّفُ عَن أَعْرَاض الصَّالِحين ﵃ أَجْمَعِينَ اه. واعْلم أَنه خَالف النَّاس فِي مسَائِل نبه عَلَيْهَا التَّاج السُّبْكِيّ وَغَيره. فمما خرق فِيهِ الْإِجْمَاع قَوْله فِي: عليَّ الطَّلَاق أنَّه لَا يَقع عَلَيْهِ بل عَلَيْهِ كَفَّارَة يَمِين، وَلم يقل بِالْكَفَّارَةِ أحد من الْمُسلمين قبله، وَأَن طَلَاق الْحَائِض لَا يَقع، وَكَذَا الطَّلَاق فِي طُهْر جَامع فِيهِ، وَأَن الصَّلَاة إِذا تركت عمدا لَا يجب قَضَاؤُهَا، وَأَن الْحَائِض يُبَاح لَهَا بِالطّوافِ بِالْبَيْتِ وَلَا كَفَّارَة عَلَيْهَا، وَأَن الطَّلَاق الثَّلَاث يُردُّ إِلَى وَاحِدَة، وَكَانَ هُوَ قبل ادّعائه ذَلِك نقل أجماع الْمُسلمين على خِلَافه، وَأَن المكوس حَلَال لمن أقطعها، وَأَنَّهَا إِذا أخذت من التجَّار أجزأتهم عَن الزَّكَاة وَإِن لم تكن باسم الزَّكَاة وَلَا رسمها، وَأَن الْمَائِعَات لَا تنجس بِمَوْت حَيَوَان فِيهَا كالفأرة، وَأَن الْجنب يصلى تطوّعه بِاللَّيْلِ وَلَا يُؤَخِّرهُ إِلَى أَن يغْتَسل قبل الْفجْر، وإنْ كَانَ بِالْبَلَدِ، وَأَن شَرط الْوَاقِف غير مُعْتبَر، بل لَو وقف على الشَّافِعِيَّة صرف إِلَى الْحَنَفِيَّة وَبِالْعَكْسِ، وعَلى الْقُضَاة صُرِف إِلَى الصُّوفِيَّة، فِي أَمْثَال ذَلِك من مسَائِل الْأُصُول مَسْأَلَة الْحسن والقُبْح الْتزم كل مَا يرد عَلَيْهَا، وَإِن مُخَالف الْإِجْمَاع لَا يكفر وَلَا يفسق، وَأَن رَبنَا سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُول الظَّالِمُونَ والجاحدون علوّاً كَبِيرا مَحلُّ الْحَوَادِث تَعَالَى الله عَن ذَلِك وتقدس، وَأَنه مْركَّبٌ تفْتَقر ذَاته افتقار الْكل للجزء تَعَالَى الله عَن ذَلِك وتقدس، وَأَن الْقُرْآن مُحدث فِي ذَات الله تَعَالَى الله عَن ذَلِك، وَأَن الْعَالم قديم بالنوع، وَلم يزل مَعَ الله مخلوقاً دَائِما فَجعله مُوجبا بِالذَّاتِ لَا فَاعِلا بِالِاخْتِيَارِ تَعَالَى الله عَن ذَلِك، وَقَوله بالجِسْمِّية والجهة والانتقال، وَأَنه بقَدَر الْعَرْش لَا أصْغَرَ وَلَا أكبر تَعَالَى الله عَن هَذَا الافتراء الشنيع الْقَبِيح، وَالْكفْر البراح الصَّرِيح، وخذل مُتَّبِعيه وشتت شَمْل معتقديه، وَقَالَ: إِن النَّار تفنى، وَأَن الْأَنْبِيَاء غير معصومين، وَأَن رَسُول الله ﷺ لَا جاه لَهُ وَلَا يتوسل بِهِ، وأنَّ إنْشَاء السّفر إِلَيْهِ بِسَبَب الزِّيَارَة مَعْصِيّة لَا تُقصر الصَّلَاة فِيهِ، وسيحرم ذَلِك يَوْم الْحَاجة ماسَّة إِلَى شَفَاعَته، وَأَن التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل لم تبدل ألفاظهما وَإِنَّمَا بدلت معانيهما اه. وَقَالَ بَعضهم: وَمن نظر إِلَى كتبه لم ينْسب إِلَيْهِ أَكثر هَذِه الْمسَائِل غير أَنه قَائِل بالجهة وَله فِي إِثْبَاتهَا جُزْء، وَيلْزم أهل هَذَا الْمَذْهَب الجسمية والمحاذاة والاستقرار: أَي فَلَعَلَّهُ فِي بعض الأحيان كَانَ يُصَرح بِتِلْكَ اللوازم فنسبت إِلَيْهِ ذَلِك من أَئِمَّة الْإِسْلَام الْمُتَّفق على جلالته، وإمامته، وديانته، وَأَنه الثِّقَة الْعدْل المرتضى الْمُحَقق المدقق، فَلَا يَقُول شَيْئا إِلَّا عنْ تثبُّتْ وَتحقّق ومزيد احْتِيَاط وتحرِّ سِيمَا إنْ نَسَبَ إِلَى مُسلم مَا يَقْتَضِي كُفْره ورِدَّته وضلاله وإهدار دَمه، فَإِن صحَّ عَنهُ مْكفِّر أَو مبدع يعامله الله بعدله وَإِلَّا يغْفر لنا وَله. ٧٠ وَسُئِلَ نفع الله بِهِ بِمَا لَفظه: مَا حكم علم الرمل وَفعله، وَهل يَصح أَخذ الْأُجْرَة عَلَيْهِ من حَدِيث ابْن عَبَّاس ﵄ أَنه سَأَلَ النَّبِي ﷺ عَن الْخط فَقَالَ: (كَانَ نبيّ من الْأَنْبِيَاء يَخطُّ فَمن وَافق خَطَّه علم) ، وَفِي رِوَايَة: (فَمن وَافق فَهُوَ الْخط) وَيُقَال إِن ذَلِك النَّبِي إِدْرِيس صلى الله على نَبينَا وَعَلِيهِ وَسلم، وَيُقَال إِبْرَاهِيم من قَوْله تَعَالَى: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِى النُّجُومِ فَقَالَ إِنِّى سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٨، ٨٩] أَي الخطوط، وَفِي رِوَايَة (سُئِلَ رَسُول الله ﷺ عَن الْخط فِي التُّرَاب فَقَالَ: علمِه نَبِي من الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام فَمن وَافق علمه علم) ؟ فَأجَاب بقوله: تعلم الرمل وتعليمه حرَام شَدِيد التَّحْرِيم، وَكَذَا فِعْله لما فِيهِ من إِيهَام الْعَوام أنَّ فَاعله يُشَارك الله فِي غيبه وَمَا اسْتَأْثر بمعرفته، وَلم يُطْلع عَلَيْهِ إِلَّا أنبياؤه وَرُسُله بِوَاسِطَة نَحْو تنجيم، أَو زَجْر أَو خطّ أَو بِغَيْر وَاسِطَة، وَقد أكذب الله مدعي علم الْغَيْب وَأخْبر فِي كِتَابه الْعَزِيز بِأَنَّهُ المستبد بِعلم مَا كَانَ وَمَا يكون فِي غير مَا آيَة. فَقَالَ: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىاغَيْبِهِ أَحَداً إِلاَّ مَنِ ارْتَضَىامِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً﴾ [الْجِنّ: ٢٦، ٢٧] على أَنه قيل: إنَّ الِاسْتِثْنَاء مُنْقَطع فَلَا يَقع الْإِخْبَار وَلَا للرسول وَلَكِن المُرَاد حينئذٍ الْإِخْبَار بِجَمِيعِ المغيبات جملها أَو تفاصيلها، فَهَذَا لم يعلم بِهِ رَسُول وَلَا غَيره وَقَالَ: ﴿قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِى السَّمَاوَاتِ
стр. 85
وَالأٌّرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ [النَّمْل: ٦٥] . وَقَالَ عَن عِيسَى ﵊: ﴿وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ﴾ [آل عمرَان: ٤٩] الْآيَة، فَجعل ذَلِك من (دَلَائِل النُّبُوَّة) ، فَلَو أمكن الِاطِّلَاع عَلَيْهِ بِنَحْوِ خطِّ مِنْ غير نَبِي لما كَانَ دَلِيلا، لِأَنَّهُ لم يكن معْجِزاً، فعلُم أنَّ ادِّعَاء معرفَة مَا يسره النَّاس، أَو ينطوون عَلَيْهِ أَو مَا يَقع مِنْ غلاء الأسْعار ورخصها، ونزول الْمَطَر وَوُقُوع الْقَتْل والفتن، وَغير ذَلِك من المغِيبات، فِيهِ إبِْطَال ل (دَلَائِل النُّبُوَّة) وَتَكْذيب لِلْقُرْآنِ الْعَزِيز، وَفِي الحَدِيث الْمَشْهُور: (من صدّق كَاهِنًا أَو عرَّافاً) وَفِي بَعْضهَا (أَو منجماً فقد كفر بِمَا أنزل على مُحَمَّد) . وَقَالَ ﷺ أَيْضا حاكياً عَن الله تَعَالَى: (أصْبح من عبَادي مُؤمن وَكَافِر) الحَدِيث، وَفِيه (أَن من قَالَ مُطِرْنا بنَوْء كَذَا فَهُوَ كَافِر بِي مُؤمن بالكواكب) وَمن الْمحَال أَن يَصح لغير النَّبِي ﷺ توالي الإخبارات بالمغيبات من غير أَن يَقع مِنْهُ غلط أَو كذب، بل مَا يَقع مِنْهُ صدق إِنَّمَا هُوَ مصادفة لَا قصد، على أَنه إِنَّمَا يكون فِي الْأَمر الإجمالي لَا التفصيلي، لَكِن المتعاطون لَهُ يَغْترون بذلك، ويعتذرون عَمَّا سواهُ، وَلَا يَنْفَعهُمْ ذَلِك إذْ لَو فاتَشْتَهم لم تَجِد لَهُم سَبِيلا إِلَى علم ذَلِك، إِلَّا مُجَرّد الحزر والتخْمين، وَهَذَا يشاركهم فِيهِ سَائِر النَّاس. وَقد خبأ النَّبِي ﷺ لِابْنِ صياد الكاهن قَوْله تَعَالَى: ﴿فَ ارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِى السَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ [الدُّخان: ١٠] فَقَالَ هُوَ الدُّخ، فَقَالَ النَّبِي ﷺ : (إخسأ فلنْ تَعْدو قدرك) أَي لَا يمكنك الْإِخْبَار بالأشياء على تفاصيلها كَخَبَر الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، ومِنْ ذَلِك نظر هِرقل فِي النُّجُوم فَرَأى أَن ملك الْخِتَان قد ظهر فَلم يخبر بِأَمْر تفصيلي وَإِنَّمَا أخبر بِأَمْر إجمالي أهمَّه وكدَّر حَاله، وَلم يظْهر لَهُ بنظره فِي النُّجُوم شَيْء من أَحْوَاله ﷺ وَمَا انْطوتْ عَلَيْهِ بعثته من التَّفْصِيل والْحَدِيث الْمَذْكُور فِي مُسلم لَكِن يتَعَيَّن تَأْوِيله على مَا يُطَابق الْقُرْآن وَمَا اتّفق عَلَيْهِ إِجْمَاع أهل السّنة، وَذَلِكَ بِأَن يحمل كَمَا قَالَه الْخطابِيّ وَغَيره قَوْله: (فَمن وَافق خطه) على الْإِنْكَار لَا الْإِخْبَار لِأَن الحَدِيث خرج على سُؤال من كَانَ يعْتَقد علم ذَلِك النَّبِي ﷺ بالمغيبات من جِهَة الْخط على مَا اعتقدتْ الْعَرَب فَأَجَابَهُ ﷺ من خَواص الْأَنْبِيَاء بِمَا يَقْتَضِي إِنْكَار أنْ يتشبَّه بِهِ أحدْهم، إِذْ هُوَ من خواصهم ومعجزاتهم الدَّالَّة على النُّبُوَّة فَهُوَ كَلَام ظَاهره الْخَبَر وَالْمرَاد بِهِ الْإِنْكَار. وَمثله فِي الْقُرْآن وَالسّنة كثير كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿فَ اعْبُدُواْ مَا شِئْتُمْ مِّن دُونِهِ﴾ [الزمر: ١٥] وَكَقَوْلِه ﷺ : (نَحن أَحَق بِالشَّكِّ من إِبْرَاهِيم) فَظَاهره تَحْقِيق الشَّك فِي المعتقدات، وَالْمرَاد نفي الشَّك عَن إِبْرَاهِيم، أَو يحمل على أَنه علق الْحل بالموافقة بِخَط ذَلِك النَّبِي، وَهِي غير وَاقعَة فِي ظن الْفَاعِل إذْ لَا دَلِيل عَلَيْهَا إِلَّا بِخَبَر مَعْصُوم، وَذَلِكَ لم يُوجد فَبَقيَ النَّهْي على حَاله لِأَنَّهُ علق الْحل بِشَرْط، وَلم يُوجد، وَهَذَا أولى من الأول، ثمَّ رَأَيْت القَاضِي عياضاً قَالَ: وَالْأَظْهَر خلاف الأول لَكِن مِنْ أَيْن تُعلم الْمُوَافقَة، وَالشَّرْع منع التَّعَرُّض وادعاء الْغَيْب جملَة، وَمَعْنَاهُ عِنْدِي فَمن وَافق خطِه فَذَاك الَّذِي تَجِدُونَ إِصَابَته، لَا أَنه يُرِيد إِبَاحَة ذَلِك لفَاعِله على مَا تَأَوَّلَه بَعضهم، وَعَلِيهِ يدل ظَاهر كَلَام سَاقه عَن ابْن عَبَّاس ﵄، وَمِمَّا يدل على ذَلِك مَا جَاءَ فِي بعض الطّرق لذَلِك الحَدِيث (وإنْ وَافق خَطُّه عِلْمَ النَّبِي ﷺ عَلِم) وَفِي بَعْضهَا (أَن نَبيا من الْأَنْبِيَاء كَانَ يَأْتِيهِ أمره فِي الْخط فَمَنْ وَافق خطه عِلْمُ النَّبِي عَلِم) وَهَذَا يدل على أَنه لَيْسَ على ظَاهره وَإِلَّا لوَجَبَ لمن وَافق خطه أَن يعلم عين المغيبات الَّتِي كَانَ يعلمهَا ذَلِك النَّبِي وَأمر بهَا فِي خطه من الْأَوَامِر والنواهي والتحليل وَالتَّحْرِيم. وحينئذٍ فَيلْزم مساواته لَهُ فِي النبوّة، فَلَمَّا بَطل حمله لَهُ على ظَاهره لزم تَأْوِيله على مَا مر، وَعلم أَن الله تَعَالَى خص ذَلِك النَّبِي ﷺ بالخط وَجعله عَلامَة لما يَأْمُرهُ بِهِ وينهاه عَنهُ، مثل مَا جعل لنوح صلى الله على نَبينَا وَعَلِيهِ وَسلم من فَور التَّنور عَلامَة الْغَرق لِقَوْمِهِ، وفقد الْحُوت عَلامَة لمُوسَى على لِقَاء الْخضر صلى الله على نَبينَا وَعَلَيْهِمَا وَسلم، وَمنع زَكَرِيَّا تكليم النَّاس ثَلَاثَة أَيَّام عَلامَة على حمل زَوجته، وَمَا فِي سُورَة الْفَتْح عَلامَة لنبينا ﷺ على حُضُور أَجله وَمثله كثير، وَمن خَواص الْأَنْبِيَاء ومعجزاتهم وَمَا رُوِيَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ﴾ [الْأَحْقَاف: ٤] أَنه الْخط فَغير مُتَعَيّن فِي الْآيَة، وبفرضه فتأويله أَن الْعَرَب كَانُوا أهل كهَانَة وزَجْر وعيافة فَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [الْأَحْقَاف: ٤] الْآيَات أَي ائْتُونِي بِكِتَاب يشْهد بِمَا ادّعيتموه بِلَفْظِهِ أَو أثارة من علم وَهُوَ الْخط على زعمكم أَنكُمْ تدينون بِهِ، فَلَا تقدرون على إِقَامَة حجَّة لعبادة الْآلهَة، وللمفسرين فِي هَذِه الأثار أقاويل أخر غير مَا ذكر وَتَفْسِير النُّجُوم بالخطوط الْوَاقِع
стр. 86
فِي السُّؤَال لم نره لأحد من الْمُفَسّرين. [تَنْبِيه] : يُوجد كثيرا فِي الْمَلَاحِم مَا يَصح فَقيل سَببه أَن نَبينَا ﷺ تكلم بِكَلِمَات من الْغَيْب فَانْفَرد بحفظها بعض الصَّحَابَة وَلم تظهر، وردّ بِأَنَّهُ لَو كَانَ كَذَلِك لظهرت كَبَقِيَّة مَا جَاءَ عَنهُ ﷺ وَقيل إِنَّه عَمَلُ دانيال لِأَنَّهُ كَانَ نَبيا يُوحى إِلَيْهِ، وَقيل عمل الْكُهَّان قَدِيما قبل وجوده ﷺ ، وَقيل إِنَّهَا مَبْنِيَّة على النُّجُوم: قَالَ الْمَازرِيّ: وَهُوَ الْأَقْرَب. [حِكَايَة غَرِيبَة] لَكِن الْآجُرِيّ حكى أَن هِنْد أم مُعَاوِيَة ﵄ دخل عَلَيْهَا وَهِي فِي خيمتها نَائِمَة مُجَللَة بشعرها صديقٌ لزَوجهَا لِظنِّه أَنه قدم من السّفر، فأحسستْ بِهِ ففزعتْ فَقَالَ: أَنا فلَان ظَنَنْت أَن زَوجك قدم، وَخرج فَرَآهُ أهل الْحَيّ فَلم يشكوا أَنه زنى بهَا، فَلَمَّا قدم زَوجهَا بلغه الْخَبَر، فعزم على قَتلهَا فَمَنعه أَبوهَا حَتَّى كَاد حياهما أَن يقتتلوا، فَاصْطَلَحُوا على أَن يمضوا لِكَاهِنٍ الشَّام ليخبرهم بِصِحَّة مَا كَانَ، ثمَّ دخل عَلَيْهَا أَبوهَا وَقَالَ: يَا بنيتي إنْ كَانَ حَقًا مَا يَقُولُونَ فدعيني أستر عيبي وعيبك بِالسَّيْفِ، ونقاتل الْقَوْم لِئَلَّا نمضي إِلَى الكاهن فيفضحنا ويفضحك، وإنْ كنت بَريَّة سرنا إِلَى الكاهن، فَحَلَفت لَهُ وأكدت أَنَّهَا بَريَّة، فَخرج الْجَمِيع إِلَى الشَّام، فَلَمَّا قربوا من الكاهن اضطربتْ هِنْد وتغيرت، فَقَالَ لَهَا أَبوهَا: مَا شَأْنك أَلَيْسَ قد حذرتك الفضيحة بالكاهن؟ فَقَالَت: وَالله مَا أَنا إِلَّا بَريَّة وَمَا جزعتُ إِلَّا أَنا نمضي إِلَى بشر مثلنَا، وَقد يغلط ويُؤتى عَلَيْهِ، فَإِن قَالَ: إِنَّهَا زنت نشبتْ المعرة فِينَا، وَصدقه جَمِيع الْعَرَب، فَقَالَ لَهَا: حَقًا مَا قلتِ، فَقَالَ لَهُم: نَحن نمضي إِلَى بشر مثلنَا قد يُصِيب وَقد يخطىء، وَلَكِن نخبأ لَهُ خبأ حَتَّى نختبره وَعلمه، فساعدوه على ذَلِك وَجعلُوا لَهُ قمحة فِي ذَكَر مُهْر وربطوه بشعرة، فَلَمَّا دخلُوا عَلَيْهِ قَالُوا لَهُ: إِن امْرَأَة هَذَا قد اتُهمت بزنا فَأخْبرنَا عَن صدق ذَلِك أَو كذبه؟ فَقَالَ أَبوهَا: إنَّا أخبأنا لَك خبأ مَا هُوَ؟ فَقَالَ: أخبأتم ثَمَرَة فِي كمرة، وَفِي رِوَايَة: حَبَّة بُرِّ فِي إحليل مُهْرِ، فَأتوهُ بهَا فلمس على ظهرهَا فَقَالَ: هِنْد لَيست بزانية وستلد ملكا اسْمه مُعَاوِيَة، فَكبر الْقَوْم وَخَرجُوا عَنهُ، وفرحوا فَأخذ بَعْلُها بِيَدِهَا، رَجَاء أَن يكون الْوَلَد مِنْهُ، فَنثرَتْ يَدهَا مِنْهُ وَقَالَت: وَالله لَا تقربني أبدا وَلَا تراني أبدا، وَقَالَ أَبوهَا وَأَهْلهَا: وَالله مَا رأيتَهَا أبدا، ومنعوها بِالسَّيْفِ، فَخَطَبَهَا أَبُو سُفْيَان وَعبد الله بن جَدْعان، فَعرض عَلَيْهَا أَبوهَا فَقَالَت: أما أَبُو سُفْيَان فصعلوك لكنه ينجب، وَأما عبد الله فَحسن الصُّورَة لكنه لَا ينجب أنْكحني أَبَا سُفْيَان، فَولدت مِنْهُ مُعَاوِيَة ﵁، ونكح عبد الله غيرَهَا فَولدت لَهُ ولدا فَطَافَ بِهِ يَوْمًا فَرَأى جملا وشَاة، فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَت هَذِه ابْنة هَذَا، أَرَادَ أَن الشَّاة بنت الْبَعِير، فَقَالَ لَهُ فِي الْحَال: نعمت المرأةُ هِنْد الَّتِي قَالَت: إِنِّي لَا أنْجب. وَبِهَذَا الْحِكَايَة تعلم أَن مَا مر من أَن المغيبات لَا تعلم إِلَّا جملَة وَلَا يعرف تفصيلها، إِنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَار أَكثر الْأَحْوَال وَأما فِي بَعْضهَا فتعلم تَفْصِيلًا، لَكِن الصَّوَاب أَنه يكون من عُلُوم الْأَنْبِيَاء الَّتِي حُفِظَتْ ودوّنت وَلم تبدَّل، وَكَذَا مَا أخبرهُ بِهِ شقٌ وسطيح من أَخْبَار الزَّمن الَّذِي وَقع بعدهمَا، فَيحمل على أَنه وصل إِلَيْهِم من علم الْأَنْبِيَاء صلى الله على نَبينَا وَعَلَيْهِم وَسلم. ٧١ وَسُئِلَ نفع الله بِهِ: هَل من السحر مَا يَفْعَله أهل الْحلق الَّذين فِي الطرقات، وَلَهُم فِيهَا أَشْيَاء غَرِيبَة كَقطع رَأس الْإِنْسَان وإعادتها وندائهم لَهُ بعد قطعهَا، وَقبل إِعَادَتهَا فَيُجِيبهُمْ، وَجعل نَحْو دَارهم من التُّرَاب وَغير ذَلِك مِمَّا هُوَ مَشْهُور عَنْهُم، وَكَذَا كِتَابَة الْمحبَّة وَالْقَبُول، وَإِخْرَاج الجان وَنَحْو ذَلِك. فَأجَاب بقوله: هَؤُلَاءِ فِي معنى السَّحَرَة، إنْ لم يَكُونُوا سحرة فَلَا يجوز لَهُم هَذِه الْأَفْعَال، وَلَا يجوز لأحد أَن يقف عَلَيْهِم لِأَن فِي ذَلِك إغراء لَهُم على الِاسْتِمْرَار فِي هَذِه الْمعاصِي والقبائح الشنيعة، وإفسادهم قَطْعي وفسادهم حَقِيقِيّ، فَيجب على كل من قدر مَنعهم من ذَلِك، وَمنع النَّاس من الْوُقُوف عَلَيْهِم، وَإِذا كَانَ كثير من أَئِمَّتنَا أفتوا بِحرْمَة الْمُرُور بالزينة، على أَن أَكثر أَهلهَا مكرهون على التزيين بِخُصُوص الْحَرِير، وَرَأَوا أَن التفرج عَلَيْهَا فِيهِ إغراء على فعلهَا، وللحاكم على الْأَمر بهَا، فَمَا ظَنك بالفُرجة على هَؤُلَاءِ الكذبة المارقين، والجهلة المفسدين وَفِي الْمُوازِية من كتب الْمَالِكِيَّة، الَّذِي يقطع يَد الرجل أَو يُدخل السكين فِي جَوف نَفسه، إِن كَانَ سحرًا قتل وَإِلَّا عُوقِبَ. وَسُئِلَ ابْن أبي زيد من أئمتهم عَن نَحْو مَا فِي السُّؤَال فَقَالَ: إنْ لم يكن فِي أفعالهم تِلْكَ كُفْر فَلَا شَيْء عَلَيْهِم وَإِنَّمَا هُوَ خفَّة يَد، وَتعقبه المرزاني فَقَالَ: هَذَا خلاف مَا اخْتَارَهُ شَيخنَا الإِمَام، أَنهم سحرة وَأَن الْوُقُوف عَلَيْهِم لَا يجوز، وَهُوَ يشبه ظَاهر الرِّوَايَة لِابْنِ عبد الْبر، روى ابْن نَافِع فِي المبسوطة فِي امْرَأَة أقرَّتْ أَنَّهَا عَقَدتْ زَوجهَا عَن نَفسهَا أَو غَيرهَا، أَنَّهَا تنكل وَلَا تقتل، قَالَ وَلَو سحر نَفسه لم يقتل بذلك.
стр. 87
قَالَ شَيخنَا الإِمَام: وَالْأَظْهَر أَن فعل الْمَرْأَة سحر؛ وَإِن كَانَ فعل ينشأ عَنهُ حَادث فِي أَمر مُنْفَصِل عَن مَحل الْفِعْل فَإِنَّهُ سحر. وَعَن ابْن أبي زيد من يعرف الْجِنّ وَعِنْده كتب فِيهَا، جلب الْجِنّ وأمراؤهم فيصرع المصروع، وَيَأْمُر بزجر مَرَدَة الْجِنّ عَن الصرعة وَيحل من عَقد عَن امْرَأَته؛ وَيكْتب كتاب عطف الرجل على الْمَرْأَة. وَيَزْعُم أَنه يقتل الْجِنّ أَفِي هَذَا بَأْس إِذا كَانَ لَا يُؤْذِي أحدا أَو ينْهَى أَن يتعلمه. قلت: هَذَا نَحْو مِمَّا أنكرهُ شَيخنَا من عقد الْمَرْأَة زَوجهَا، وَالصَّوَاب أَن التَّقَرُّب إِلَى الروحانية وخدمة مُلُوك الجان من السحر، وَهُوَ الَّذِي أضَّل الْحَاكِم العبيدي لَعنه الله حَتَّى ادّعى الألوهية ولعبت بِهِ الشَّيَاطِين حَتَّى طلب الْمحَال، وَهُوَ مجبول على النَّقْص وفَعَل أفاعيل مَنْ لم يُؤمن بِالآخِرَة. وَعَن ابْن أبي زيد أَيْضا: لَا يجوز الجُعْل على إِخْرَاج الجان من الْإِنْسَان لِأَنَّهُ لَا يعرف حَقِيقَته وَلَا يُوقف عَلَيْهِ، وَلَا يَنْبَغِي لأهل الْوَرع فعله وَلَا لغَيرهم وَكَذَا الجُعْل على حل المربوط والمسحور. وَسُئِلَ أَيْضا عَمَّن يكْتب كتاب عطف لامْرَأَة أعرض عَنْهَا زَوجهَا ليقبل عَلَيْهَا وتكتفي شَرَّه؟ فَأجَاب: أما بَين الزَّوْجَيْنِ فأرجو أَن يكون حَقِيقا بكتب الْقُرْآن وَغَيره مِمَّا لَا يستنكر وَلَا يشْتَرط فِي جُعْله. قلت: وَهَذَا خلاف مَا تقدم لَهُ إِلَّا أَن يُقَال إِن هَذَا بالرقى الظَّاهِرَة الحُسْن كرقي أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ سيد الحيّ الملدوغ بِالْفَاتِحَةِ انْتهى. ومذهبنا فِي ذَلِك أَن كل عَزِيمَة مقروءة أَو مَكْتُوبَة إنْ كَانَ فِيهَا اسْم لَا يعرف مَعْنَاهُ فَهِيَ مُحرمَة الْكِتَابَة وَالْقِرَاءَة سَوَاء فِي ذَلِك المصروع وَغَيره، وإنْ كَانَت الْعَزِيمَة أَو الرقيا مُشْتَمِلَة على أَسمَاء الله تَعَالَى وآياته والإقسام بِهِ وبأنبيائه وَمَلَائِكَته جَازَت قرَاءَتهَا على المصروع وَغَيره، وكتابتها كَذَلِك، وَمَا عدا ذَلِك من التبخيرات والتدخينات وَنَحْوهمَا مِمَّا اعتاده السَّحَرَة الفجرة الْحَرَام الصّرْف بل الْكَبِيرَة، بل الكُفْر بتفصيله الْمَشْهُور عندنَا ومطلقاً عِنْد مَالك وَغَيره. وَسُئِلَ ابْن أبي زيد الْمَالِكِي عَن أجْران يُكْتب فِيهَا نَحْو اسْم الله الَّذِي أَضَاء بِهِ كل ظلمَة، وَكسر بِهِ كل قوّة، وَجعله على النَّار فأوقدت، وعَلى الْجنَّة فتزينت، فَأَقَامَ بِهِ عَرْشه، وكرسيه، وَبِه يبْعَث خلقه، وَمَا أشبه ذَلِك مَعَ قُرْآن تقدَّمه فَهَل بِهَذَا بَأْس. فَقَالَ: لم يَأْتِ هَذَا فِي الْأَحَادِيث الصِّحَاح، وغيرُ هَذَا من الْقُرْآن وَالسّنة الثَّابِتَة عَن النَّبِي ﷺ أحَبُّ إِلَيْنَا أَن يُدْعى بِهِ، وَذكر فِي أثْنَاء كَلَامه أَن ذَلِك لَا يجوز إِلَّا بِبُعْد من التَّأْوِيل انْتهى. وَمِمَّنْ صرح بِتَحْرِيم الرقيا بِالِاسْمِ الأعجمي الَّذِي لَا يعرف مَعْنَاهُ ابْن رشد الْمَالِكِي، والعز بن عبد السَّلَام الشَّافِعِي، وَجَمَاعَة من أَئِمَّتنَا وَغَيرهم، وَقيل وَعَن ابْن الْمسيب مَا يَقْتَضِي الْجَوَاز، لقَوْله ﷺ : (مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُم أنْ يَنُفَعَ أَخَاهُ فَلْينفعه) انْتهى. وَلَا دَلِيل فِيهِ لِأَنَّهُ لم يقل لَهُم ذَلِك إِلَّا بعد أَن سَأَلُوهُ أَن عِنْدهم رقيا يرقون بهَا فَقَالَ لَهُم ﷺ : (اعرضوا عليّ رقاكم) فعرضوها عَلَيْهِ، فَقَالَ ﷺ لَا بَأْس ثمَّ قَالَ من اسْتَطَاعَ مِنْكُم) إِلَخ، فَلم يقل ذَلِك إِلَّا بعد أَن عرف رُقاهم، وَأَنه لَا مَحْذُور فِيهَا، وَذكر بعض أَئِمَّة الْمَالِكِيَّة أَن من أَمر الْغَيْر بِعَمَل السحر لَا يقتل بِالْأَمر بل يُؤَدب شَدِيدا كَمَا فِي الْمُدَوَّنَة. وَسُئِلَ بَعضهم عَن رجل صَالح يكْتب ويرقى وَيعْمل النشر ويعالج أَصْحَاب الصرع وَالْجُنُون بأسماء الله والخواتم والعزائم، وَينْتَفع بذلك كُله مِنْ عملَه، وَلَا يَأْخُذ على ذَلِك الأجور، فَهَل لَهُ بذلك أجر؟ فَأجَاب: أما الْكتب للحُمَّى والرُقى وَعمل النشر بِالْقُرْآنِ وبالمعروف من ذكر الله تَعَالَى فَلَا بَأْس بِهِ، وَأما معالجة المصروع بالجنون بالخواتم والعزائم، فَفعل المبطلين فَإِنَّهُ من الْمُنكر وَالْبَاطِل الَّذِي لَا يَفْعَله وَلَا يشْتَغل بِهِ من فِيهِ خير أَو دين، فَإِن كَانَ هَذَا الرجل جَاهِلا بِمَا عَلَيْهِ فِي هَذَا فَيَنْبَغِي أَن يُنهى عَنهُ ويُبصَّر فِيمَا عَلَيْهِ فِيهِ، حَتَّى لَا يعود إِلَى الِاشْتِغَال بِهِ. ٧٢ وَسُئِلَ نفع الله تَعَالَى بِهِ: عَن الْمَوْت هَل هُوَ وجودي أَو عدمي، وَكم يَمُوت الْإِنْسَان ويحيا، وَفِي الْآيَة: ﴿رَبَّنَآ أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غَافِر: ١١] ؟ فَأجَاب نفعنا الله بِعُلُومِهِ بقوله: قد حَرَّرتُ الْحق فِي ذَلِك فِي (شرح العُباب) فَلْينْظر مِنْهُ، وَالَّذِي حضرني هُنَا أَن الْمَوْت مُفَارقَة الرّوح الْجَسَد. وَاخْتلفُوا هَل هِيَ صفة وجودية، أَو مَعْقُول عدمي، فَقيل هُوَ معنى يخلقه الله فِي الْجِسْم مضاد للحياة لقَوْله تَعَالَى: ﴿خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَواةَ﴾ [الْملك: ٢] والعدم غير مَخْلُوق، وَقيل هُوَ عدم صرف والخلق فِي الْآيَة بِمَعْنى التَّقْدِير وَهُوَ يُطلق عَلَيْهِمَا، وَاتَّفَقُوا أَنه لَيْسَ بجسم وَلَا جَوْهَر. وَحَدِيث: (يُؤتى بِالْمَوْتِ فِي صُورَة كَبْش) إِلَخ من بَاب التَّمْثِيل، وَالأَصَح أَنه أَمر وجودي يقْتَرن بحدوثه قبُول الانحلال والانتقال من دَار إِلَى دَار، وَاتفقَ الْمُسلمُونَ
стр. 88
على أَن الْأَرْوَاح بَاقِيَة غير فانية إمَّا فِي نعيم مُقيم، وَإِمَّا فِي عَذَاب أَلِيم، وَإِذا كَانَ الْمَوْت أمرا وجودياً فَهُوَ مضاد للإدراكات الدُّنْيَوِيَّة والأخروية، وَقيل الدُّنْيَوِيَّة فَقَط، وردّ بِأَن مَعْقُول الْإِدْرَاك لَا يخْتَلف وإِذا ثَبت المضادة الأولى كَانَت سالبة للحياة وَسَائِر الإدراكات المنوطة بهَا، وَيجوز أَن ترجع فِي حَال آخر، وَأمر ثَان، وبعَوْدِها يرجع الميتُ حَيا وَهُوَ الْمعبر عَنهُ بحياة الْقَبْر عِنْد إتْيَان الْملكَيْنِ للسؤال، فَإِذا ردتْ إِلَيْهِ الْحَيَاة للجسم وَالروح تبعتها الإدراكات الْمَشْرُوطَة بهَا فَيتَوَجَّه حينئذٍ على الْمَيِّت السُّؤَال وَيتَصَوَّر مِنْهُ الْجَواب. وَرُوِيَ فِي الحَدِيث عَن عَليّ أَو غَيره ﵁: (أَنه ﷺ لما ذكر فتْنَة مُنْكر وَنَكِير قَالَ: يَا رَسُول الله إِن يكن معي عَقْلِي فَلَا أُبَالِي مِنْهُمَا) وَفِي إرشاد إِمَام الْحَرَمَيْنِ المرضى عندنَا أَن السُّؤَال على أَجزَاء يعلمهَا الله من الْقلب أَو غير يُحْيِّيها الربُّ ويوجُّه السُّؤَال عَلَيْهَا، وَذَلِكَ غير مُسْتَحِيل عقلا وَلَا شرعا، وَقيل يجوز أَن يكون السُّؤَال للروح وَتَكون بِإِزَاءِ الْجِسْم انْتهى. وَالسّنة تَرُد هَذَا القَوْل وَإِن قَالَ بعض الْمُتَأَخِّرين: المعتقد أَن السُّؤَال وَاجِب والمسؤول الرّوح ومحلها مُحْتَمل. وَنقل أَن الشَّارِع أخبر أَن الْمَلَائِكَة والبهائم والآدمي تتطور فِي الْإِحْيَاء والإماتة مَرَّات كَثِيرَة فالآدمي يتطوَّر فِي الإحياءات والإماتات سِتَّة: الأولى: يَوْم ﴿أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ﴾ [الْأَعْرَاف: ١٧٢] حِين اسْتخْرجُوا من ظهر آدم كالذر، وَيُقَال إِنَّه كَانَ مرَّتَيْنِ، قيل وَكَانَت أرواحاً بِلَا أجسام، وَالْحق عِنْد أهل السّنة أَنَّهَا كَانَت مركبة فِي أجسام، وَأنكر هَذَا طوائف وَعَجِيب من الْبَيْضَاوِيّ وَغَيره أَنه وافقهم، وَقد قَالَ بعض الْأَئِمَّة: إِن إِنْكَاره إلحاد فِي الدّين. الثَّانِيَة: الْإِحْيَاء الدنيوي الْمَشْهُور لكل أحد. الثَّالِثَة: إحْيَاء الْقَبْر عِنْد مَجِيء الْملكَيْنِ للسؤال. الرَّابِعَة: الْإِحْيَاء الإبراهيمي حِين نَادَى إِبْرَاهِيم صلى الله على نَبينَا وَعَلِيهِ وَسلم عِنْد بِنَاء الْبَيْت) أَلا إِن ربكُم قد بنى لكم بَيْتا فحجُّوه) الحَدِيث. الْخَامِسَة: الْإِحْيَاء المحمدي ذكر الْقشيرِي فِي التحبير عِنْد ذكره الْوَهَّاب أَن مُوسَى صلى الله على نَبينَا وَعَلِيهِ وَسلم قَالَ: يَا رب إِنِّي أرى فِي التَّوْرَاة أمة أَنا جيلُهم فِي صُدُورهمْ مَنْ هم؟ قَالَ: تِلْكَ أمة مُحَمَّد ﷺ وَأخذ يعدد فيهم الْخِصَال الجميلة، حَتَّى اشتاق مُوسَى إِلَى لقائهم، فَقَالَ لَهُ: لَا تلقاهم ولكنْ إِن شِئْت أسمعك أَصْوَاتهم فَنَادَى سُبْحَانَهُ أمة مُحَمَّد ﷺ وهم فِي أصلاب آبَائِهِم، فَقَالُوا: لبيْك يَا رَبنَا، فَقَالَ تَعَالَى: أَعطيتكُم قبل أَن تَسْأَلُونِي، وغفرت لكم قبل أَن تستغفروني) ، وَذكر ذَلِك الْقشيرِي وَاسْتدلَّ لَهُ. السَّادِسَة: الْإِحْيَاء الأبدي فِي الْآخِرَة حِين يذبح الْمَوْت وَيُقَال يَا أهل الْجنَّة خُلُود بِلَا موت، وَيَا أهل النَّار خُلُود بِلَا موت وَهُوَ رُجُوع الْأَجْسَام كَمَا كَانَت على وَجه أكمل وَأفضل. وللملائكة حياتان وموتتان. الأول: الدُّنْيَوِيَّة وَالْمَوْت بعْدهَا. وَالثَّانيَِة الأخروية. وللبهائم حياتان وموتتان: الدُّنْيَوِيَّة ثمَّ الْمَوْت بعْدهَا ثمَّ الْحَيَاة للْقصَاص كَمَا جَاءَ فِي (الصَّحِيح) ثمَّ يُقَال لَهَا كوني تُرَابا فتموت وَترجع تُرَابا، وحينئذٍ يَقُول الْكَافِر ﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِى كُنتُ تُرَاباً﴾ [النبأ: ٤٠] فَلَيْسَتْ هَذِه الإحياءات مضادة لقَوْله تَعَالَى: ﴿رَبَّنَآ أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غَافِر: ١١] لِأَن هَذَا من قَول الْكفَّار، وَلَو سلمنَا صِحَّته فَلَيْسَ فِيهِ حصر أَن هَذَا لَا يكون إِلَّا كَذَا فيجوزأكثر، سلمنَا أَن فِيهِ حصراً فَهُوَ بِاعْتِبَار الْمَشْهُور الَّذِي يعرفهُ كل أحد. ٧٣ وَسُئِلَ نفع الله بِهِ: عَن قَوْله تَعَالَى: ﴿ياقَوْمَنَآ أَجِيبُواْ دَاعِىَ اللَّهِ وَءَامِنُواْ﴾ [الْأَحْقَاف: ٣١] الْآيَة، هَل مُقْتَضَاهُ أَن مؤمني الْجِنّ يدْخلُونَ الْجنَّة أم لَا، وَهل مِنْهُم رسل، وَهل هم أَوْلَاد إِبْلِيس، وَمَا حكم من أنكر وجوهم، وَمَا يتَعَلَّق بذلك من إِعَادَة الْحَيَوَانَات وَغير ذَلِك؟ فَأجَاب بقوله: كل الحياونات يموتون وَكَذَلِكَ سَائِر الْعَالم لقَوْله تَعَالَى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرَّحْمَن: ٢٦] مَعَ قَوْله: ﴿قَالَ ذَلِكَ بَيْنِى وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الأٌّجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَىَّ وَاللَّهُ عَلَىامَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ [الْقَصَص: ٢٨] لَكِن لنا قَول: أَنه يسْتَثْنى من ذَلِك من خُلِقَ للبقاء كحور الْجنَّة وولدانها فَمَعْنَى هَالك إِلَّا وَجهه عِنْدهم قَابل للهلاك وَفِي مُقَابِله أَنهم يعدمون كالجنة وَالنَّار وَسَائِر الموجودات لَحْظَة ليصدق عُمُوم الْآيَة ثمَّ يعودون. وَاخْتلفُوا فِي إِعَادَة الْحَيَوَان وَالأَصَح إِعَادَته لقَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ [التكوير: ٥] وَلِحَدِيث الصَّحِيحَيْنِ فِي الاقتصاص للحيوان بعضه من بعض، وَقيل لَا يُعَاد شَيْء مِنْهَا، وحشرت مَعْنَاهُ مَاتَت، والاقتصاص كِنَايَة عَن الْعدْل وَهُوَ خلاف ظَاهر الْآيَة والْحَدِيث فَمن ثمَّ كَانَ الْأَصَح الأول. وَأما الآدميون المكلفون مِنْهُم يعودون إِجْمَاعًا، وَكَذَا الصغار الْعُقَلَاء يعودون وَيَكُونُونَ فِي الْجنَّة مَعَ آبَائِهِم الْمُؤمنِينَ إِجْمَاعًا أَيْضا، وَلَا نظر لمن شذَّ فِي ذَلِك كَمَا بَينته فِي (شرح الْعباب) فِي بَاب الاستسقساء، وَمثلهمْ من بلغ مَجْنُونا، وَتوقف الباقلاني فِي الصغار وَتردد غَيره فِي المجانين لَا يعول عَلَيْهِ. وَأما الجان فَأهل السّنة يُؤمنُونَ
стр. 89
بوجودهم، وإنكار الْمُعْتَزلَة لوجودهم فِيهِ مُخَالفَة للْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع، بل ألزموا بِهِ كفرا لِأَن فِيهِ تَكْذِيب النُّصُوص القطعية بوجودهم، ومِنْ ثُمَّ قَالَ بعض الْمَالِكِيَّة: الصَّوَاب كفر من أنكر وجودهم، لِأَنَّهُ جحد نَص الْقُرْآن وَالسّنَن المتواترة وَالْإِجْمَاع الضَّرُورِيّ وهم مكلفون قطعا، وَمن ثمَّ وُعدوا بمغفرة الذُّنُوب وَالْإِجَارَة من عَذَاب أَلِيم فِي الْآيَة الَّتِي فِي السُّؤَال وتوعَّدوا بالعقاب ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَاذَا قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَىاأَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَواةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُواْ عَلَىاأَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ﴾ [الْأَنْعَام: ١٣٠] وَلَا ينذر بِالْإِعَادَةِ لِلْحسابِ إِلَّا مُكَلّف. قَالَ الضَّحَّاك وَفِي هَذِه الْآيَة دَلِيل على أَن فيهم رسلًا مِنْهُم. وَخَالفهُ الْجُمْهُور وَقَالُوا: المُرَاد بالرسل مِنْهُم رسل الْأَنْبِيَاء أَو مِنْكُم للتغليب على حد ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ﴾ [الرَّحِمان: ٢٢] وهما لَا يخرجَانِ إِلَّا من الْملح. وَاخْتلفُوا هَل هم أَوْلَاد إِبْلِيس أَو أَوْلَاد جَان، وَفِي أَن إِبْلِيس هَل هُوَ من الْجِنّ أَو الْمَلَائِكَة، وَفِي أَن الْمُطِيع مِنْهُم هَل يدْخل الْجنَّة أَو يُنْجى من النَّار؟ وَبَعْضهمْ ذكر الْخلاف على غير هَذَا الْوَجْه فَقَالَ: مَنْ قَالَ هم من ولد إِبْلِيس فَلهُ فِي دُخُولهمْ الْجنَّة قَولَانِ: وَجه الأول طاعتهم وَوجه الثَّانِي تبعيتهم لأبيهم، وَمن قَالَ: إِنَّهُم من أَوْلَاد الجان فالمطبع مِنْهُم يدْخل الْجنَّة بِغَيْر خلاف من أَصْحَاب هَذَا الْمَذْهَب وظواهر الْآي تَقْتَضِي دُخُولهمْ كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] ﴿انْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ ذَالِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [التَّوْبَة: ٤١] . ﴿إِنَّ الَّذِينَءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً﴾ [الْكَهْف: ٣٠] ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىاوَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ إِلَى قَوْله: ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [غَافِر: ٤٠] فعلى القَوْل بِالْأَخْذِ بِالْعُمُومِ فِي النُّصُوص مَا لم يرد مُخَصص وَهُوَ مَذْهَب أَكثر الْفُقَهَاء تكون هَذِه النُّصُوص مقتضية لدخولهم الْجنَّة، وَاسْتدلَّ لَهُ أَبُو حنيفَة ﵀ بقوله تَعَالَى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَآنٌّ﴾ فلولا أَنهم يدْخلُونَ الْجنَّة لما نفي طمثهن كالإنس للأبكار، وَأَيْضًا فقد اتفقنا على تكليفهم فَيكون الْوَاجِب عَلَيْهِم كالواجب علينا وَهُوَ مَا فِيهِ ثَوَاب وَلَا ثَوَاب فِي الْآخِرَة إِلَّا الْجنَّة، ومُكْث أهل الْأَعْرَاف بهَا إِنَّمَا هُوَ عِقَاب يعقبه دُخُول الْجنَّة كَمَا أُشير إِلَيْهِ بقوله تَعَالَى: ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ [الْأَعْرَاف: ٤٦] وَلأَجل ذَلِك قَالَ بعض السّلف: مَا أطمعهم إِلَّا ليدخلهم، وَقيل بِالْوَقْفِ وَهُوَ بعيد إذْ لَا مُوجب لَهُ مَعَ شَهَادَة النُّصُوص بدخولهم الْجنَّة، ومَنْ أنكر هَذَا لَا يكفر، لِأَنَّهُ لم يقم بِخُصُوصِهِ قَاطع بِخِلَاف مُنْكر رِسَالَة نَبينَا مُحَمَّد ﷺ إِلَيْهِم فَإِنَّهُ يكفر، لِأَنَّهُ أجمع عَلَيْهِ الْمُسلمُونَ قاطبة وَعلم من الدّين بِالضَّرُورَةِ، وَقد تساهل من قَالَ رسَالَته ﷺ إِلَيْهِم اشتهرت اشتهاراً قَرِيبا من الضَّرُورِيّ بآيَات الْقُرْآن، وشهرة عُمُوم رسَالَته تدل على ذَلِك كمنكر الْإِجْمَاع، وَفِي كفرة خلاف مَذْكُور فِي الْأُصُول، وَكَذَا كَونه مَبْعُوثًا إِلَى يَأْجُوج وَمَأْجُوج فمنكره كَذَلِك لأَنهم من النَّاس وَقَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَآفَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَاكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سبأ: ٢٨] وَذكر بعض الْعلمَاء أَنه ﷺ مر بهم لَيْلَة الْإِسْرَاء فَدَعَاهُمْ فَلم يجيبوا، وبفرض أَن هَذَا لم يثبت يكونُونَ كمن بأطراف الأَرْض مِمَّن لم تبلغه دَعوته ﷺ ، وَالأَصَح أَنهم غير مكلفين. وَفِي إرشاد إِمَام الْحَرَمَيْنِ: الْجِنّ وَالشَّيَاطِين أجسام لَطِيفَة نارية غَائِبَة عَن إِدْرَاك الْعُيُون. قَالَ: وَعَن بعض التَّابِعين أَن من الْجِنّ صنفا روحانياً، لَا يَأْكُل وَلَا يشرب، وَمِنْهُم من يَأْكُل وَيشْرب، وَالله أعلم بكيفية ذَلِك، وَمن مستفيض الْأَخْبَار أَنهم سَأَلُوا النَّبِي ﷺ الزَّاد فأباح لَهُم كل عظم لم يذكر اسْم الله تَعَالَى عَلَيْهِ يجدونه أوفر مَا كَانَ لَحْمًا، وَقيل: إِنَّهُم يعيشون بالشم لَا بِالْأَكْلِ، وَورد أَن أرواث دوابنا علف دوابهم. وَيجب اعْتِقَاد وجود الْمَلَائِكَة أَيْضا، وهم جَوَاهِر نورانية قيل بسيطة وَقيل مركبة من العناصر الْأَرْبَعَة كالجان، لَكِن غلبهم النُّور كَمَا غلب على الجان النَّار، وَلذَلِك لم يُرَيا لأَنهم أعنى الْمَلَائِكَة قدسية منزهة عَن ظلمات الشَّهَوَات، طعامهم التَّسْبِيح وشرابهم التَّقْدِيس، أُنسهم بِذكر الله، وفرحهم بِطَاعَة الله قَالَ الله تَعَالَى: ﴿كُلٌّءَامَنَ بِ اللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ﴾ [الْبَقَرَة: ٢٨٥] والبشر أفضل مِنْهُم على تَفْصِيل فِيهِ، خلافًا لقَوْل الْمُعْتَزلَة إِنَّهُم أفضل مُطلقًا، حَتَّى من نَبينَا مُحَمَّد ﷺ . وَاخْتلف هَل يثابون على أَعْمَالهم؟ فَقَالَ بعض الْمُحَقِّقين: إِنَّهُم يثابون لعُمُوم الْآيَات السَّابِقَة فِي الْجِنّ وَالْأَخْبَار، وَأجْمع الْمُسلمُونَ على إثابتهم وشذت طَائِفَة فَلم يثيبوا إِلَّا الْملكَيْنِ الْكَاتِبين، وَلَا يبعد أَنه يلْزمهُم كفر نَظِير مَا مر فِي إِنْكَار الْجِنّ. ٧٤ وَسُئِلَ ﵁: هَل يُوصف إِبْلِيس لَعنه الله بِأَنَّهُ كَانَ عَارِفًا بِاللَّه ثمَّ سُلب ذَلِك، وَمَا جَاءَ من خطابه فِي الْقُرْآن هَل هُوَ بِوَاسِطَة، وَجَمِيع طوائف الْكفْر هَل يوصفون بِمَعْرِِفَة الله تَعَالَى المستلزمة لمعْرِفَة رَسُوله صلى الله عَلَيْهِ وعَلى سَائِر الْأَنْبِيَاء وَسلم، وَإسْنَاد
стр. 90
معرفَة الله لَهُم هَل تَسْتَلْزِم إِثْبَات الْإِيمَان؟ فَأجَاب بقوله: سُئِلَ الْمَازرِيّ الْمَالِكِي عَن ذَلِك فَقَالَ: هَذِه الْمَسْأَلَة تفْتَقر إِلَى مقدمتين: إِحْدَاهمَا: مَا يُورِدهُ فِي هَذَا من الْأَخْبَار كثير من الْمُفَسّرين فَلَا طائل تَحْتَهُ، لِأَن الْمَسْأَلَة علمية وَالْعَمَل بِخَبَر الْآحَاد إِنَّمَا هُوَ فِي العمليات خَاصَّة لِأَنَّهَا مَبْنِيَّة على غَلَبَة الظَّن بِخِلَاف هَذِه، وَهَذَا مِمَّا لَا اخْتِلَاف فِيهِ وإنْ رَأَيْت الْعلمَاء اخْتلفُوا فِي فروعه، فَذَلِك إِنَّمَا هُوَ لاخْتِلَاف آرائهم كاختلافهم فِي تَسْمِيَة الله تَعَالَى بِمَا ورد فِي أَخْبَار الْآحَاد إِلَى غير ذَلِك، وَأما مَا نقلَ بعضُ الْمُفَسّرين من الْخَبَر الصَّحِيح أَو السقيم فَلَا فَائِدَة فِيهِ، بل أصل الْمَسْأَلَة مِمَّا لَا يلْزم الْبَحْث عَنهُ. وَكَانَ شَيخنَا عبد الحميد يذكرهَا فِي ميعاده ذكرا يترددُّ، وينقل عَن شَيْخه فِيهَا رَأيا لَا أحفظه الْآن فليفهم الْإِيَاس على مَا يقطع بِهِ فِيهَا. والمقدمة الثَّانِيَة: وَهِي عَظِيمَة الوقع: وَهِي أَن تعلم أَن الله خلق فِي قُلُوب الْحَيَوَان علوماً ناطقها، وَغير ناطقها لَا يجلبه فكر وَلَا يميزه بحث، وَهِي عُلُوم ضَرُورِيَّة وطبيعية فِي الْحَيَوَان البيهمي وَمِنْهَا مَا لَا يدْرك إِلَّا بالفكر والبحث، وَهُوَ خَاص بِالْحَيَوَانِ النَّاطِق، وَمِنْهَا مَا لَا يُدْرِكهُ النَّاطِق لَا بِالضَّرُورَةِ وَلَا بالبحث، وإنْ أمكن من نَاحيَة النّظر أَن يكون فِي قُلُوب عباده فَهُوَ من نَاحيَة التجويز مثل رُتْبَة الْإِنْسَان يلْحق بهَا فلك الْقَمَر، فَهُوَ يُمكن عقلا، وَلَا يطْمع فِيهِ إِلَّا أهل الوسواس، وَطَائِفَة من الْأَوَائِل يمْنَعُونَ هَذَا وأصغى إِلَيْهِم بعض أهل الْعَصْر لِأَنَّهُ خَارج عَن الطبيعة، فَلِذَا لم يُدْرِكهُ الْعقل، كَمَا أَنه لَا يعلم السَّبَب فِي خُصُوصِيَّة جذب المغناطيس للحديد دون غَيره، وَمَا لَا يُمكن إِدْرَاكه فَلَا مورد فِيهِ وَلَا تصور، ومَنْ لَا يُمَيّز بَين الْفِكر المحصل علما أَو ظنا يُورد الْكَلَام إِيرَاد قَاطع، كَأَنَّهُ يرَاهُ كالنور الساطع، وَبِهَذَا يتَمَيَّز المُستبْحر فِي الْعُلُوم من غَيره فَإِذا أَكثر النّظر فِي هَذِه الْمَسْأَلَة المستبحر فَهُوَ كَمَا قَالَ المتنبي: وَمن تفكر فِي الدُّنْيَا وبهجتها أَقَامَهُ الْعَجز فِي فكر وَفِي تَعب لَكِن مَنْ لَا تخفى عَلَيْهِ خافية أرسل الوحيْ إِلَى رسله بِعلم مَكْنُون مَا فِي غيبه فَاطَّلَعُوا عَلَيْهِ وعلموه النَّاس. والعلوم ثَلَاث طَبَقَات مِنْهَا: مَا لَا يعلم بِالْعقلِ وَإِنَّمَا يعلم بِالسَّمْعِ كجواز رُؤْيَة الله تَعَالَى، وَمن ذَلِك علم إِبْلِيس فَهُوَ لَا يعرف إِلَّا بِالسَّمْعِ أما تكبره فمقطوع بِهِ لقَوْله تَعَالَى: ﴿اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [ص: ٧٤] وَلَفظ الْكفْر وَإِن اسْتعْمل للستر فَهُوَ مَوْضُوع شرعا لمن لَا يعرف الله وَيُؤَيِّدهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِى لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِى الأٌّرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الْحجر: ٣٩] وَقَوله: ﴿لأّمْلأّنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٥] الْآيَة، وَغير ذَلِك مِمَّا يدل على كفره. وَأما كَون كفره حدث بعد إِيمَان، أَو لم يزل كَافِرًا فَلَا قَاطع فِيهِ من نَص قُرْآن وَلَا خبر متواتر وَلَا إِجْمَاع. وَاخْتلف النَّاس هَل هُوَ من الْمَلَائِكَة أَو من الْجِنّ وَاحْتج الْأَولونَ باستثنائه مِنْهُم فِي السُّجُود وَاحْتج الْآخرُونَ بقوله: ﴿وَإِذَا قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُواْ لآِدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِى وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً﴾ [الْكَهْف: ٥٠] وَأَجَابُوا عَن الِاسْتِثْنَاء بِأَنَّهُ مُنْقَطع، وَأجَاب الْأَولونَ عَن كَونه من الْجِنّ بِأَنَّهُ مِنْهُم فِي التمرد وَالْفساد والاستكبار والعناد، وَمن الْوَاضِح أَن دلَالَة كَانَ من الْجِنّ لِأَن كَونه مِنْهُم أظهر من دلَالَة الِاسْتِثْنَاء على كَونه من الْمَلَائِكَة لِأَنَّهُ يَأْتِي مُنْقَطِعًا كثيرا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَاكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِى شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً﴾ [النِّسَاء: ١٥٧] وَتَأْويل كَانَ من الْجِنّ بِمَا ذكر بعيد جدا. على أَنه يُمكن أَن يُقَال إِن الْجِنّ من جنس الْمَلَائِكَة من حَيْثُ لطافة الْجِسْم وَعدم رُؤْيَته للبشر فِي كلٍ فَيكون الِاسْتِثْنَاء مُتَّصِلا مَعَ كَون إِبْلِيس من عنصر الْجِنّ حَقِيقَة وَقَوله: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [الْأَعْرَاف: ١٢] دَلِيل ظَاهر على أَنه من الْجِنّ حَقِيقَة. وَلَيْسَ من الْمَلَائِكَة وَقَالَ بَعضهم: خلق الله العناصر الْأَرْبَعَة: المَاء والهواء وَالتُّرَاب وَالنَّار، وَركب مِنْهَا الْعَالم بأسره نَبَاته وحيوانه ومعدنه، فَهُوَ كُله أجسام مركبة من أجسام بسيطة وَهِي العناصر. وَخلق أجساماً روحانية مِنْهَا الْمَلَائِكَة وَالْجِنّ والطاهر مِنْهَا الْمُطِيع ﴿يُسَبِّحُونَ الْلَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الْأَنْبِيَاء: ٢٠] وَتسَمى مَلَائِكَة، والشرير الْخَبيث جَان كَمَا أَن الْآدَمِيّ على قسمَيْنِ صَالح وخبيث فَاسق أَو كَافِر، وَكَون إِبْلِيس سمع كَلَام الله أَو لَا يرجع فِيهِ إِلَى قَاطع وَلَيْسَ بموجود نَظِير مَا مر، وَإِنَّمَا فِيهِ ظواهر وَهِي لَا تعْتَبر فِي هَذَا بل فِي الظنيان العمليات، وَقَوله: ﴿قَالَ ياإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ [ص: ٧٥] ظَاهر فِي عدم الْوَاسِطَة ومحتمل لوجودها. وَكَون الْكفَّار هَل يعْرفُونَ الله أَو لَا؟ جَوَابه أَنه يُمكن معرفتهم بِاللَّه دون رسله، وَلَا يتَصَوَّر عَكسه، إذْ الرَّسُول لَا تتَحَقَّق مَعْرفَته إِلَّا بنسبته إِلَى الله، وَأما معرفَة الله فَيمكن أَن تتَحَقَّق بِدُونِ رسله لِأَنَّهُ تَعَالَى نصب عَلَيْهَا أَدِلَّة مِنْ مصنوعاته لَا يفْتَقر الِاسْتِدْلَال بهَا إِلَى مَجِيء رَسُول بهَا، وَمن ثمَّ قَالَ بعض الْأَئِمَّة: تجب معرفَة الله بِالْعقلِ لِأَنَّهَا لَا تتَوَقَّف على الشَّرْع، وَالَّذين ينفون الْوُجُوب قبل الشَّرْع لَيْسَ هُوَ
стр. 91
لعدم إمكانها بل لعدم التَّكْلِيف بهَا حينئذٍ، لِأَنَّهُ لَا يعرف إِلَّا من الشَّرْع، وَزعم بَعضهم التلازم بَين معرفَة الله وَرُسُله من الْجَانِبَيْنِ، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ الْمعرفَة المعتد بهَا شرعا، وَإِلَّا فَوَاضِح أَنه لَا تلازم كَذَلِك كَمَا تقرر. ٧٥ وَسُئِلَ نفع الله بِعُلُومِهِ، بِمَا لَفظه: أنكر بَعضهم الدُّعَاء ب (اللَّهُمَّ كَمَا حسنت خلقي فحسِّن خُلقي) محتجاً بِحَدِيث (فرغ رَبك من ثَلَاث رزقك وأجلك وشَقِيَّ أم سَعيد) فَهَل هُوَ كَذَلِك؟ فَأجَاب بقوله: لَيْسَ الْأَمر كَمَا زعم هَذَا الْمُنكر، وَيلْزمهُ إبِْطَال الدُّعَاء من أَصله، لِأَن كل مَا سيقع لَك قد فرغ مِنْهُ، وَبِذَلِك قَالَ بعض المبتدعة فأبطلوا الدُّعَاء من أَصله، وَقَالُوا لَا فَائِدَة لَهُ لِأَنَّهُ إنْ سبق وُصُول الْمَدْعُو بِهِ للداعي، فالدعاء بوصوله عَبَثْ، وَإِلَّا فَهُوَ عَبث أَيْضا. ورَدَّ عَلَيْهِم أهل السّنة بِأَن الْمَطْلُوب من الدُّعَاء التذلل والخضوع. وَلذَا ورد عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ: (من لم يسْأَل الله يغْضب عَلَيْهِ) وَفِي بعض الْآثَار أَن الله قَالَ لمُوسَى ﵊: (يَا مُوسَى اسألني كل شَيْء حَتَّى ملح عجينك) ، على أَن لَهُ فَائِدَة، وَهِي أَن تِلْكَ المقدرات على قسمَيْنِ: مِنْهَا مَا أُبْرم وَهُوَ الْمعبر عَنهُ بِمَا فِي أم الْكتاب الَّذِي لَا يقبل تغييراً وَلَا تبديلاً. وَمِنْهَا مَا علق على فعل شَيْء، وَهُوَ الْمعبر عَنهُ باللوح الْمَحْفُوظ الْقَابِل للتغيير والتبديل، وأصل ذَلِك قَوْله تَعَالَى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرَّعْد: ٣٩] . فَمن ذَلِك حَدِيث: (إِن زِيَارَة الرَّحِم تزيد فِي الْعُمر) بِنَاء على أَن المُرَاد بِالزِّيَادَةِ فِيهِ حَقِيقَتهَا لَا مجازها الَّذِي هُوَ الْبركَة بِأَن يَتَيَسَّر لَهُ فِي الْعُمر الْقصير مَا لَا يَتَيَسَّر لغيره فِي الْعُمر الطَّوِيل وَإِن قَالَ بِهَذَا جمع، وَكَذَلِكَ الدُّعَاء قد يكون الْمَدْعُو بِهِ مُعَلّقا على الدُّعَاء فَكَانَ للدُّعَاء فَائِدَة أيّ فَائِدَة. على أَن الدُّعَاء لَا يخيب أبدا لِأَنَّهُ إنْ كَانَ بِمَا عُلِّق على الدُّعَاء فَوَاضِح وجود الْفَائِدَة فِيهِ وَعَلِيهِ يحمل قَوْله ﷺ : (لَا يرد الْقَضَاء إِلَّا الدُّعَاء) وَإِن كَانَ بِمَا لم يعلق على ذَلِك ففائدته الثَّوَاب لِأَن الدُّعَاء من الْعِبَادَة بل من أنهاها كَمَا قَالَ ﷺ : (الدُّعَاء مخ الْعِبَادَة) وَأَيْضًا فيبدل الله الدَّاعِي بدل مَا دَعَا بِهِ بِمَا لم يقدر لَهُ بِمَا هُوَ مثل ذَلِك، أَو أفضل مِنْهُ، كَمَا يَلِيق بجوده وَكَرمه وسعة فَضله وحلمه، وَمن ثمَّ أطلق الاستجابة للدُّعَاء وَلم يقيدها بِشَيْء فَقَالَ : ﴿وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غَافِر: ٦٠] وَقَالَ: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [الْبَقَرَة: ١٨٦] وَالْفِعْل وَإِن كَانَ فِي حيّز الْإِثْبَات فَلَا عُمُوم لَهُ لكنه فِي مقَام الامتنان للْعُمُوم كَمَا قَالُوا بِهِ فِي النكرَة فِي سِيَاق الامتنان، إذْ الْفِعْل والنكرة المثْبتَة من وادٍ وَاحِد عُمُوما وَعَدَمه، فَتَأمل ذَلِك كُله فَإِنَّهُ ظهر لي بِحَمْد الله وَلَا مزِيد على حسنه وتحقيقه، ثمَّ رَأَيْت بَعضهم أَشَارَ لبَعض ذَلِك فَقَالَ: لَا يُنْكِر الدُّعَاء إِلَّا كَافِر مكذِّب بِالْقُرْآنِ لِأَن الله تَعَالَى تعبد عباده بِهِ فِي غير مَا آيَة، وَوَعدهمْ بالاستجابة على مَا سبق فِي علمه من أحد ثَلَاثَة أَشْيَاء على مَا ورد فِي الحَدِيث استجابة أَو ادخار أَو تَكْفِير عَنهُ. وَقَالَ آخر: مُنكر ذَلِك إِمَّا جَاهِل فينهي عَنهُ أَشد النَّهْي، وإنْ تَمَادى بعد الْعلم فقد كذَّب الْقُرْآن فَهُوَ مُرْتَد وَقَالَ ﵊: (لَا يرد الْقَضَاء إِلَّا الدُّعَاء) فقد يكون فِي علم الله الْقَضَاء يعلق بذلك الدُّعَاء، وَلَا يكون إِلَّا هُوَ كَقَوْلِه ﷺ (اعْمَلُوا فَكل ميسر لما خلق لَهُ) الحَدِيث انْتهى. ٧٦ وَسُئِلَ نفع الله بِعُلُومِهِ: هَل يسوغ لأحد أَن يأنف من الدُّعَاء باللهم اجْعَلنِي مِمَّن ينَال شَفَاعَة مُحَمَّد ﷺ ؟ فَأجَاب: لَا يأنف من ذَلِك مُترَّفِعاً عَنهُ إِلَّا كَافِر بِاللَّه وَرَسُوله، غلب دَاء الكِبْر على قلبه حَتَّى أخرجه من دين الْإِسْلَام إِلَى الْكفْر الْحَقِيقِيّ، وَقد صرح أَئِمَّتنَا بِأَنَّهُ لَو قيل لإِنْسَان قُصَّ أظفارك فَقَالَ لَا أفعل رَغْبَة عَن السّنة كفر؛ فَإِذا كَانَ هَذَا حكمهم على هَذَا فَكيف بِمن أنِف أَن يكون من أهل شَفَاعَته ﷺ ، وَلَيْسَت شَفَاعَته ﷺ خَاصَّة بالمذنبين إذْ هِيَ على أَنْوَاع سَبْعَة أَو أَكثر كَمَا بينتها فِي الخصائص من شرح الْإِرْشَاد حَتَّى إِن السّبْعين ألفا الَّذين صَحَّ دُخُولهمْ الْجنَّة بِغَيْر حِسَاب لَا يخلون من شَفَاعَته ومدده، وَكَيف يُمكن عَاقِلا أَن يتَوَهَّم أَنه يَنْفَكّ عَن ملاحظته ﷺ فِي يَوْم يحْتَاج إِلَيْهِ فِيهِ الْخلق بأسرهم أنبياؤهم، ورسلهم، وملائكتهم، وَلم يَجْسُر على تِلْكَ الشَّفَاعَة الْعُظْمَى فِيهِ إِلَّا نَبينَا مُحَمَّد ﷺ ، وجزاه عَنَّا وَعَن الْمُسلمين خيرا أفضل مَا جزى نَبيا عَن أمته، ورسولاً عَن قومه وأنَا لَنَا شَفَاعَته وَجَعَلنَا من أمته بمنه وَكَرمه. فَإِن قلت: قد أنكر المبتدعة الشَّفَاعَة وَلم تكفر وهم بذلك. قلت: هم لم ينكروها أَنَفَة واستكباراً، بل اعتقاداً زعماً مِنْهُم أنَّ الْأَدِلَّة الَّتِي قَامَت عِنْد عُقُولهمْ الكاذبة الضَّالة أحالتها، وشتان مَا بَين هَؤُلَاءِ ومُنْكِرها أَنَفَة واستكباراً، وَعَجِيب من بعض أَئِمَّة الْمَالِكِيَّة حَيْثُ لم يستحضر هَذَا
стр. 92
التَّفْصِيل وَالْفرق اللَّذين ذكرتهما، فَقَالَ جَوَابا عَمَّا فِي السُّؤَال: لَا يحل لمُسلم أَن يأنف من ذَلِك بل يجب عَلَيْهِ التضرع إِلَى الله تَعَالَى جاهراً بِشَفَاعَتِهِ ﷺ لِأَنَّهَا تنَال الْمُحْسِنِينَ والمذنبين هِيَ قَوْله: (أُرِيد أَن أخبىء دَعْوَتِي شَفَاعَة لأمتي فِي الآخر) وَجَمِيع الْعلمَاء على أَن الْمقَام الْمَحْمُود الَّذِي وعده الله هُوَ شَفَاعَته لأمته فتنال عُمُوم أمته فِي موقفين: الإراحة من الْموقف وَالزِّيَادَة فِي الْكَرَامَة والترفيع، والمذنبون مِنْهُم من ينَال شَفَاعَته فِي التجاوز عَنهُ، وَمِنْهُم من ينالها فِي الْخُرُوج من النَّار وَلَا يُحرم من شَفَاعَته إِلَّا الْكفَّار ولعلها لَا تنَال مَنْ يُكذِّب بهَا من المبتدعة فَمَعْنَى دُعَاء الرجل أَن لَا يحرم من شَفَاعَته مَوته على الْإِسْلَام غير زائغ وَلَا مُبْتَدع فَوَاجِب دعاؤه جهده وَلَا يَدْعُو بِإِخْرَاجِهِ من النَّار بِشَفَاعَتِهِ لِأَنَّهُ دُعَاء يسْتَلْزم الذَّنب الْمُوجب للنار انْتهى. ٧٧ وَسُئِلَ نفع الله بِهِ، عَن شخص قَالَ: يُمكن أَن يُوجد من هُوَ أفضل من كَذَا فَهَل يكفر بذلك؟ فَأجَاب بقوله: إِن أَرَادَ إِمْكَان ذَلِك شرعا أَو أَن النبوّة مكتسبة فَهُوَ كَافِر أَو أَنه يُمكن من حَيْثُ الْعقل لَا بِالنّظرِ للشَّرْع فَلَا يكفر. ٧٨ وَسُئِلَ ﵁ بِمَا لَفظه: رأى بعض الطّلبَة سيرة النَّبِي ﷺ مَكْتُوبَة بِخَط غَلِق لَا يُقرأ إِلَّا بصعوبة فَقَالَ هَذِه سيرة رَدِيئَة فَهَل يكفر؟ فَأجَاب بقوله: إِن أَرَادَ مُجَرّد الْخط لم يكفرُّ وَكَذَا لَو أطلق الْقَرِينَة تصرف ذَلِك لِلْخَطِّ، وللمالكية فِي ذَلِك تَشْدِيد يَلِيق بمذهبهم. ٧٩ وَسُئِلَ نفع الله بِهِ: هَل أحد من بَنَاته ﷺ كزينب ﵅ كَانَ على الشّرك قبل النبوّة؟ فَأجَاب بقوله: معَاذ الله أَن يكون أحد منهنّ على ذَلِك بل هنّ على مَا كَانَ عَلَيْهِ أبوهنّ وسيدهنّ بل سيد الْخلق كلهم، فَإِنَّهُ ﷺ بَعثه الله وَهُوَ على الْإِيمَان الْكَامِل وَالنَّاس على فَتْرَة من الرُّسُل وَقد دَرَست الشَّرَائِع، وعمَّ الْكفْر والضلال، فتولاه وحفِظه من كل قَبِيح كَانَ عَلَيْهِ قومه وحبب إِلَيْهِ الْخَلَاء فَكَانَ يَخْلُو يتعبد فِي غَار حراء، قَالَ بعض الْأَئِمَّة: وَلَا شكّ فِي تمسك بَنَاته قبل مبعثه بهديه وَسيرَته. ٨٠ وَسُئِلَ نفعنا الله بِعُلُومِهِ بِمَا لَفظه: عَن صَاحب رسائل إخْوَان الصَّفَا وَمَا تَرْجَمته وَمَا حَال كِتَابه؟ فَأجَاب بقوله: نَسَبهَا كثير إِلَى جَعْفَر الصَّادِق ﵁ وَهُوَ بَاطِل، وَإِنَّمَا الصَّوَاب أَن مؤلفها مسْلَمة بن أَحْمد بن قَاسم بن عبد الله المخريطي وَيُقَال المرخيطي. ومخريط من قرى الأندلس ويكنى أَبَا الْقَاسِم كَانَ جَامعا لعلوم الْحِكْمَة، من الإلهيات، والطبيعيات، والهندسة والتنجيم، وعلوم الكيمياء، وطبائع الْأَحْجَار، وخواص النباتات، وَإِلَيْهِ انْتهى علم الحِكْمَة بالأندلس وَعنهُ أَخذ حكماء ذَلِك الإقليم وَتوفى بهَا أَوَاخِر جمادي الْآخِرَة سنة ثَلَاث وَخمسين وثلثمائة وَهُوَ ابْن سِتِّينَ وَمِمَّنْ ذكره ابْن بشكوال وَغَيره وَكتابه فِيهِ أَشْيَاء حكمِيَّة وفلسفية وشرعية وَمِمَّنْ شدد النكير عَلَيْهِ ابْن تَيْمِية لكنه يُفْرط فِي كَلَامه فَلَا يغتر بِجَمِيعِ مَا يَقُوله. ٨١ وَسُئِلَ نفع الله بِهِ عَن معنى قَوْلهم: (مَا اتخذ الله من ولي جَاهِل وَلَو اتَّخذهُ لعلمه) ؟ فَأجَاب عَنهُ بقوله: معنى ذَلِك أَن الله تَعَالَى يفِيض على أوليائه الَّذين أتقنوا الْأَحْكَام الظَّاهِرَة، والأعمال الْخَالِصَة من مواقع الإلهام والتوفيق، وَالْأَحْوَال وَالتَّحْقِيق، مَا يفوقون بِهِ على مَنْ عداهم، فَمن تثبتْ لَهُ الْولَايَة الَّتِي لَا ينشأ كمالها إِلَّا عَمَّا ذكرنَا فَتثبت لَهُ تِلْكَ الْعُلُوم والمعارف فَمَا اتخذ الله وليا جَاهِلا بذلك، وَلَو فُرض أَنه اتَّخذهُ: أيّ أهلَّه إِلَى أَن يصير من أوليائه لعلَّمه أَي لألهمه من المعارف مَا يلْحق بِهِ غَيره، فَالْمُرَاد الْجَاهِل بالعلوم الوهْبية وَالْأَحْوَال الْخفية لَا الْجَاهِل بمبادىء الْعُلُوم الظَّاهِرَة، مِمَّا يجب عَلَيْهِ تعلمه فإنَّ هَذَا لَا يكون وليا وَلَا يُراد للولاية مَا دَامَ على جَهله بذلك، بل إِذا أَرَادَ الله ولَايَته ألهمه تَعلُّم مَا يجب عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ لَا يُمكن الإلهام فِيهِ، فَإِذا تعلمه وأتقن عباداته، أَفَاضَ عَلَيْهِ تَعَالَى من عُلُوم غيبه مَا لَا يدْرك بكسب وَلَا اجْتِهَاد. وَبِمَا تقرر عُلِم أَن عِلْم الشَّرَائِع لَا يدْرك إِلَّا بالتعليم الْحسي، أَلا ترى إِلَى مَا وَقع فِي قصَّة مُوسَى وَالْخضر عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام، لَكِن معنى قَول الْخضر ﵇ لمُوسَى ﵊: (إِنَّك على عِلم لَا أعلمهُ أَنا) أَي لَا أعلم خُصُوص شرعك أَو كَمَاله، وَإِلَّا فالخضر كَانَ لَهُ شرع آخر، بِنَاء على الْأَصَح أَنه نَبِي، وَيلْزم من كَونه نَبيا أنَّ لَهُ شرعا غير شرع مُوسَى وَمعنى قَوْله: وَأَنا على علم لَا تعلمه أَنْت، أَي لَا تعلم خُصُوص مَا أُوتِيتهُ فَلَا يُنَافِي أَن مُوسَى عَلِم من المعارف والإلهامات وَالْأَحْوَال والخصوصيات مَا لم يحط بِهِ الْخضر.
وَمِمَّا يُؤَيّد مَا قَدمته مَا حَكَاهُ الإِمَام الْمُحَقق ابْن عَرَفة الْمَالِكِي حكى أنَّ الْإِجْمَاع على أنَّ علم الشَّرَائِع. لَا يكون إِلَّا بِقصد التَّعْلِيم، وَأما الَّذِي يُعلِّمه لأوليائه فَهُوَ الإلهامات والأنوار والمعارف
стр. 93
الَّتِي لَا يُمكن أَن تحصل بِسَبَب بل بمحض فضل الله ومنته وَالله أعلم. ٨٢ وَسُئِلَ نفع الله بِهِ: عَن معنى قَول الْإِحْيَاء لما ذكر معرفَة الله تَعَالَى وَالْعلم بِهِ قَالَ: والرتبة الْعليا فِي ذَلِك للأنبياء ثمَّ الْأَوْلِيَاء العارفين، ثمَّ الْعلمَاء الراسخين ثمَّ الصَّالِحين، فَقدم الْأَوْلِيَاء وفضلهم على الْعلمَاء، وَبِه صرّح الْقشيرِي فِي أول رسَالَته، فَمَا وَجه ذَلِك، مَعَ أَن الْعلم أفضل من الْعَمَل لِأَن ذَاك متعدّ وَهَذَا قَاصِر. فَأجَاب بقوله: مَا قَالَه هَذَانِ الإمامان الجليلان صَحِيح لَا مِرْية فِيهِ، إذْ لَا يشك عَاقل أَن الْعَارِف بِمَا يجب لله تَعَالَى من أَوْصَاف الْجلَال ونعوت الْكَمَال، وَبِمَا يَسْتَحِيل عَلَيْهِ من الاتصاف بِكُل صفة لم تَبْلغ غَايَة النِّهَايَة من الْكَمَال الْمُطلق أفضل من الْعَارِف بِمُجَرَّد الْأَحْكَام. قَالَ ابْن عبد السَّلَام: بل العارفون بِاللَّه أفضل من العارفين بالأصول وَالْفُرُوع، لِأَن الْعلم يَشْرُف بشرف معلومه وثمراته، وَالْعلم بِاللَّه وبصفاته أفضل من الْعلم بكلّ مَعْلُوم، وَمن جِهَة أَن مُتَعَلّقه أفضل وأشرف المعلومات وأكملها وثمراته أفضل الثمرات وأجلها، إذْ معرفَة كلّ صفة من الصِّفَات توجب حَالا عَلَيْهِ، وعنها تنشأ مُلَابسَة كلّ خُلُق سنيٍّ، والتجرّد عَن كل خلق دني، فَمن عَرَف سَعَة الرَّحْمَة، أثمرتْ مَعْرفَته سَعَة الرَّجَاء، وَمن عرف شدَّة النقْمة أثمرت مَعْرفَته شدَّة الْخَوْف، وأثمر خَوفه الكفَّ عَن كل مَعْصِيّة مَعَ الْبكاء وَالْخَوْف والورع وَحسن الانقياد والإذعان، وَمن شهد أَن جَمِيع النعم مِنْهُ تَعَالَى أحبَّه وأثمرتْ الْمحبَّة آثارها المحمودة الْمَعْرُوفَة، وَكَذَلِكَ مَنْ شهد تفرُّده بالنفع والضرِّ لم يعْتَمد إِلَّا عَلَيْهِ وَلم يفوّض أمرَه إِلَّا إِلَيْهِ، وَمن شهد تفرده بالعظمة والجلال هابه وعامله بعظيم الانقياد والتذلل وَغَيرهمَا، فَهَذِهِ بعض آثَار شُهُود الصِّفَات، وَلَا شكّ أَن معرفَة مُجَرّد الْأَحْكَام لَا توجب شَيْئا من هَذِه الْأَحْوَال والأعمال والأقوال، والحِسُّ يدل على ذَلِك إذْ كثير من عُلَمَاء الظَّاهِر على غَايَة من الفسوق ومجانبة الاسْتقَامَة، بل مِنْهُم من أدْمَّن النّظر فِي نَحْو كَلَام الفلاسفة حَتَّى خرج من الدّين وَالْعِيَاذ بِاللَّه، وَمِنْهُم من يشكك فهم فِي ريبهم يتردّدون، وَالْفرق بَين عُلَمَاء الْكَلَام والعارفين أَن الْمُتَكَلّم تغيب عَنهُ علومه بِالذَّاتِ وَالصِّفَات فِي أَكثر الْأَوْقَات، فَلَا تدوم لَهُ تِلْكَ الْأَحْوَال، وَلَو دَامَت لَكَانَ من العارفين، لِأَنَّهُ يشاركهم فِي الْعرْفَان الْمُوجب للأحوال الْمُوجبَة للاستقامة، وَكَيف يُسَاوِي بَين العارفين وَالْفُقَهَاء والعارفون أفضل الْخلق، وأتقاهم لله تَعَالَى، وَالله يَقُول: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] ومدحه تَعَالَى فِي كِتَابه لِلْمُتقين أَكثر من مدحه للْعَالمين، والعارفون هم المرادون فِي قَوْله عزّ قَائِلا: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] دون الْعلمَاء بِمُجَرَّد الْأَحْكَام لِأَن الْغَالِب عَلَيْهِم عدم الخشية، وَخبر الله تَعَالَى صدق فَلَا يحمل إِلَّا على مَنْ عَرَفَه وخَشِيهَ، وَقد روى هَذَا عَن ابْن عَبَّاس ﵄ وَهُوَ ترجمان الْقُرْآن. ثمَّ عُلَمَاء الْأَحْكَام مِنْهُم من يتَعَلَّم وَيعلم لغيرِ اللَّهِ فَهَذَا عِلْمه وبال عَلَيْهِ، وَكَذَا من تعلَّم وعلَّم لغير الله، وَعَكسه مِمَّن خلط عملا صَالحا وَآخر سَيِّئًا، وَمن تعلَّم وعَلَّم لله فإنْ لم يعْمل بِعِلْمِهِ فَهُوَ شقي مثل أُولَئِكَ، وَإِن عمل بِهِ فَإِن كَانَ عَالما بِاللَّه وبأحكامه فَهُوَ من السُّعَدَاء، وَإِن كَانَ من أهل الْأَحْوَال العارفين بِاللَّه فَهُوَ من أفضل العارفين، إذْ حَاز مَا حازوا، وَزَاد عَلَيْهِم بِمَعْرِِفَة الْأَحْكَام وَتَعْلِيم أهل الْإِسْلَام. قَالَ: وَمن يَقُول: إِن الْعلم الْمُتَعَدِّي أفضل من الْقَاصِر جَاهِل بِأَحْكَام الله تَعَالَى بل للقاصر أَحْوَال. أَحدهَا: أَن يكون أفضل من الْمُتَعَدِّي كالتوحيد وَالْإِسْلَام وَالْإِيمَان، وَكَذَلِكَ الدعائم الْخمس إِلَّا الزَّكَاة وَكَذَلِكَ التَّسْبِيح بعد الصَّلَوَات فَإِنَّهُ ﷺ قدمه على التَّصَدُّق بِفُضُول الْأَمْوَال وَهُوَ مُتَعَدٍّ. وَقَالَ: (أقرب مَا يكون العَبْد من ربه وَهُوَ ساجد) . وَقَالَ: (خير أَعمالكُم الصَّلَاة) . وَسُئِلَ ﷺ أَي الْأَعْمَال أفضل؟ قَالَ: (إِيمَان بِاللَّه: قيل ثمَّ مَاذَا؟ قَالَ: جِهَاد فِي سَبِيل الله. قيل: ثمَّ مَاذَا؟ قَالَ: حج مبرور) فَهَذِهِ كلهَا أَعمال قَاصِرَة وَردت الشَّرِيعَة بتفضيلها. ثَانِيًا: أَن يكون الْمُتَعَدِّي أفضل كبر الْوَالِدين فَإِنَّهُ ﷺ قيل لَهُ: أَي الْأَعْمَال أفضل؟ قَالَ: (بر الْوَالِدين) وَلَيْسَت الصَّلَاة أفضل من كلِّ عمل مُتَعَدٍّ فَلَو رأى مُصَلِّ غريقاً يقدر على إنقاذه، أَو وُقُوع قتل أَو زنا أَو لواط، وقَدِر على إِزَالَته لزمَه قطعهَا لذَلِك، وإنْ ضَاقَ الْوَقْت، لِأَن رتبته عِنْد الله أفضل من رُتْبَة الصَّلَاة، إذْ لَا يُمكن تَدَارُكه بِخِلَافِهَا، وَهَذَانِ القسمان مبنيان على رُجْحَان مصَالح الْأَعْمَال، فَمَا كَانَت مصْلحَته فِيهَا أرجح كَانَ أفضل، وَكَذَا مَا نَص ﷺ على تفضيله يكون أرجح، وإنْ لم يدْرك سَبَب رجحانه فَإِن لم نجد مصلحَة تَقْتَضِي الرجْحان وَلَا نصّاً بِهِ، وَجب علينا التَّوَقُّف حَتَّى نعلم دَلِيلا شَرْعِيًّا على الْأَفْضَل
стр. 94
فنصرِّح بِهِ حينئذٍ، وإلاَّ لم يَجزْ لنا أَن نقُول على الله مَا لم يقم لنا عَلَيْهِ دَلِيل، وَلَو تساوى اثْنَان مثلا فِي الْأَعْمَال لم يتَرَجَّح أَحدهمَا إِلَّا بتوالي عِرْفانه واستمراره لِأَنَّهُ شرف أيُّ شرف، وَبِه يزْدَاد صَلَاح الْأَعْمَال واستقامتها، فللعارف رُتَب فِي الفَضْل والشرف بهَا تتفاضل الْأَحْوَال الناشئة عَنْهَا كَمَا مر أول الْجَواب، فالمحب أفضل من المتَوَكل وَهُوَ من الْخَائِف وَهُوَ من الراجي فَهَذِهِ نبذة من أَوْصَاف العارفين بِاللَّه تَعَالَى. وَمِمَّا يدل على فَضلهمْ على الْفُقَهَاء مَا تكرم الله بِهِ عَلَيْهِم من الكرامات الخارقة للْعَادَة، وَلَا يجْرِي شَيْء من ذَلِك على أَيدي الْفُقَهَاء إِلَّا إنْ سلكوا طَرِيق العارفين، واتصفوا بأوصافهم، (وَمَا سَبَقَكمْ أَبُو بكر بِصَوْم وَلَا صَلَاة وَلَكِن بِشَيْء وقَر فِي صَدْرِه) ، وَمن زعم أَن النَّبِي ﷺ إِنَّمَا فَضَل غَيره بِالْأَعْمَالِ الشاقَّة فقد أبعد بل فُضِّل بِتَكْلِيم الله إِيَّاه تَارَة على لِسَان جِبْرِيل، وَتارَة من غير وَاسِطَة وَكَذَلِكَ فُضِّل بالعلوم والمعارف وَالْأَحْوَال الَّتِي اخْتصَّ بهَا وَلذَلِك قَالَ: (إِنِّي لأرجو أَن أكون أعلمكُم بِاللَّه وأشدكم لَهُ خشيَة) وَلذَلِك لما تقلَّل بعضُهم قيام رَسُول الله ﷺ على قِيَامه وَصلَاته على صلَاته أنكر ﷺ عَلَيْهِ ذَلِك، ثمَّ ذكر أَن تفضيله عَلَيْهِم إِنَّمَا كَانَ بمعرفته بِاللَّه تَعَالَى فَهَذِهِ جِهَات تفضيله ﷺ وَلَا مشّقة فِيهَا، وَلم لَا وَالله تَعَالَى يَقُول لمُوسَى ﵊ (إِنِّي اطْطَفَيتك على النَّاس برسالاتي وبكلامي) وَمثل هَذَا الزَّعْم لَا يصدر إِلَّا من قلب مُنَافِق وَهُوَ ﷺ أفضل الْأَنْبِيَاء كلهم عَلَيْهِ وَعَلَيْهِم أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَكثير مِنْهُم كنوح ﷺ عمل وأوذى وصبر أَكثر من نَبينَا مُحَمَّد ﷺ على أَن ذَلِك الزَّعْم رُبمَا ينبىء أَن النُّبُوَّة مكتسبة وَهُوَ ضلال وكُفْر، بل هِيَ من مواهب مَحض فضْله تَعَالَى خصَّ بهَا أنبياءه ﷺ ، تقصُر الْعُقُول عَن إِدْرَاك أدنى شَيْء مِمَّا أُوتوه من المعارف والأنوار والقرب من الله تَعَالَى، والآيات الْعَظِيمَة الظَّاهِرَة على أَيْديهم تشهد بذلك، وَلِهَذَا لَمَّا شمَّ الْأَوْلِيَاء من هَذِه الرَّائِحَة طرفا حصل لَهُم من العِرفان بقَدَر مَا شمَّ كل طَالب مِنْهُم، وظهرتْ لَهُم كرامات من ذَلِك الْقدر الَّذِي حصل، وَزَاد الْأَنْبِيَاء أَيْضا أَنهم قادة الْخلق إِلَى الله تَعَالَى ومعلموهم كَيْفيَّة الْوُصُول إِلَيْهِ، فاتبعهم الْعَامَّة بِحكم الْعُلُوم الظَّاهِرَة والخاصة بِحكم الْعُلُوم الْبَاطِنَة، وَحصل بعض تِلْكَ الْأُمُور بخلوص الِاتِّبَاع، وَمن رام زِيَادَة واعتقد قوّة لم يصل إِلَيْهَا، وَلَقَد خرجت أَقْوَال قوم من أهل الطَّرِيق استغْرقوا، فوقعوا فِي الِاعْتِرَاض عَلَيْهِم كالحلاَّج، وَذكر مِنْهُم ابْن الْجَوْزِيّ كثيرين فِي تلبيس إِبْلِيس، وَلَقَد أَشَارَ الْقشيرِي إِلَى أَنه يُقْتدى بِكُل أشْياخ رسَالَته بل بَعضهم وَبينهمْ. وَمن ذَلِك مَا نقل عَن أبي يزِيد: خُضْنا بحراً وقف الْأَنْبِيَاء على ساحله، وَمعنى هَذَا أَن الْأَنْبِيَاء وقفُوا بسواحل بحار الشَّهَوَات والإرادات وَنَحْوهمَا ينقذون أتباعهم من الْغَرق فِي الْبحار فَهُوَ غَايَة فِي مدحهم وَالثنَاء عَلَيْهِم، وَلَيْسَ فِيهِ شَيْء من الِاعْتِرَاض إِلَّا مَا يتَبَادَر من ظَاهره على مَا زَعمه الْمُعْتَرض على الْمُتَكَلِّمين بِهَذِهِ الْكَلِمَة حَيْثُ زعم أَنهم يفضلون الْأَوْلِيَاء على الْأَنْبِيَاء، ومعاذ الله أَن يصدر ذَلِك من أحد مِنْهُم لأَنهم أعرف بِاللَّه وبأحكامه وبالأنبياء ومراتبهم من غَيرهم. وَأجَاب بَعضهم عَن تِلْكَ الْكَلِمَة بِمَا يقْرب مِمَّا قَدمته فَقَالَ: مَعْنَاهَا أَنهم وقفُوا بساحل السَّلامَة ليتبعهم فِيهَا عُمُوم النَّاس لكَونه ظَاهرا مبلغا مَحل السَّلامَة من غير تعمق، وخاض الْخَواص فِي غوامضه وأدركوا مِنْهُ أَشْيَاء من المعارف وَالْأَحْوَال لم يُدْرِكهَا من وقف من أُولَئِكَ الْعَامَّة بالسَّاحل. وَأجَاب بَعضهم: بِأَن المُرَاد أَن الْأَنْبِيَاء خَاضُوا بَحر المعارف وقطعوه وَأَحَاطُوا بِجَمِيعِ أسراره وَلم يبْق عَلَيْهِم مِنْهُ شَيْء، وَأما الْأَوْلِيَاء فَإِنَّهُم خَاضُوا شَيْئا قَلِيلا مِنْهَا بل أَكْثَرهم غرق فِيهِ وتاه، وَلم ينج مِنْهُ إِلَّا الْقَلِيل مِمَّن سبقتْ لَهُم السَّلامَة فِي علْم الله تَعَالَى والبقية امْتُحنوا لعدم ضبط ظواهرهم، ومنْ ثمَّ زاغ كثير من الصُّوفِيَّة الَّذين لم يتأدبوا بآداب الشَّرِيعَة إذْ الْخَيْر كُله فِي اتِّبَاعه ﷺ والاقتداء بهديه، فَمن قيد نَفسه بِأَحْكَام الشَّرِيعَة الظَّاهِرَة وعمَّر بَاطِنه بالخشْية وَنَحْوهَا مِمَّا مر، فقد اندرج فِي سلك الْقَوْم السالمين من اللوم ألحقنا الله بهم ونظمنا فِي سلكهم آمين. ٨٣ وَسُئِلَ نفع الله بِهِ: عَن عدد من سمى مُحَمَّدًا قبل نَبينَا ﷺ ؟ فَأجَاب بقوله: قَالَ ابْن قُتَيْبَة: من أَعْلَام نبوته ﷺ أَنه لم يسم أحد قبله باسمه مُحَمَّد صِيَانة من الله تَعَالَى لهَذَا الِاسْم كَمَا فعل بِيَحْيَى ﷺ إذْ لم يَجْعَل لَهُ من قبل سميا، وَذَلِكَ أَنه تَعَالَى سَمَّاهُ فِي الْكتب الْمُتَقَدّمَة، وبشَّر بِهِ الْأَنْبِيَاء، فَلَو جعل اسْمه مُشْتَركا فِيهِ لوقعت
стр. 95
الشُّبْهَة، إِلَّا أَنه لما قَرُب زَمَنه وبشَّر أهل الْكتاب بقُرْبه سمى قومٌ أولادَهم بِهَذَا الِاسْم، رَجَاء أَن يكون هُوَ هُوَ وَالله أعلم حَيْثُ يَجْعَل رسَالَته. قَالَ القَاضِي عِيَاض: وهم سِتَّة لَا سَابِع لَهُم. وردَّ بذلك قَول ابْن خالويه: هم ثَلَاثَة لَا غير، وسها عَنهُ السُهيلي فتبع مَعَ تَأَخره عَن القَاضِي ابْن خالويه على مَا ذكره على أَن مَا ذكره القَاضِي متعقَّبْ. فقد قَالَ الشَّيْخ شيخ الْإِسْلَام الْحَافِظ أَبُو الْفضل بن حجر: أَنه جمع أَسمَاء من تسمى بذلك فِي جُزْء مُفْرد فبلغوا نَحْو الْعشْرين لَكِن مَعَ تَكْرِير فِي بَعضهم وَوهم فِي بعض، فتلخص مِنْهُم خَمْسَة عشر نفسا وأشهرهم مُحَمَّد بن عدي بن ربيعَة التَّمِيمِي السَّعْدِيّ، وَفِي سِيَاق خَبره مَا يشْعر بِأَنَّهُ أدْرك الْإِسْلَام، وَمُحَمّد بن الْبَراء بن طريف بن عتْوارة بن عَامر بن لَيْث بن بكر بن عبد مَنَاة بن كنَانَة الْبكْرِيّ العتواري، وَهَذَا أدْرك الْإِسْلَام وَهُوَ صَحَابِيّ جزما ﵁ والبقية لم يدركوا الْإِسْلَام. ٨٤ وَسُئِلَ ﵁: عَن عدد أَوْلَاد نَبينَا الْكِرَام عَلَيْهِ وَعَلَيْهِم أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام؟ فَأجَاب بقوله: الْمُتَّفق عَلَيْهِ مِنْهُم سِتَّة ذكران الْقَاسِم وَإِبْرَاهِيم، وأربعُ بَنَات زَيْنَب، ورقية، وَأم كُلْثُوم وَفَاطِمَة، وَهَؤُلَاء الْأَرْبَع هاجَرْن مَعَه ﷺ ، وَاخْتلف فِيمَا سوى هَؤُلَاءِ السِّتَّة، فضمَّ إِلَيْهِم ابْن إِسْحَاق الطيِّب، والطاهر، فَتكون ثَمَانِيَة أَرْبَعَة ذُكُور، وَأَرْبع إناث، وَقَالَ الزبير بن بكار عبد الله مَاتَ صَغِيرا بِمَكَّة قَالَ وَهَذَا يُقَال لَهُ الطّيب والطاهر عِنْد أَكثر أهل النّسَب، قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ وَهُوَ لَا يَثْبت وَسمي بهما لِأَنَّهُ ولد بعد النبوّة فعلى هَذَا هم سَبْعَة، ثَلَاث ذُكُور، وَأَرْبع إناث، وَقيل هُوَ غَيرهمَا فجملتهم تِسْعَة، خَمْسَة ذُكُور وَأَرْبع إناث. ٨٥ وَسُئِلَ نفع الله بِهِ، بِمَا لَفظه: ذكر الْجلَال السُّيُوطِيّ فِي أذكار الْأَذْكَار الَّذِي اخْتَصَرَهُ من أذكار النَّوَوِيّ لطف الله بِهِ أَشْيَاء مُحرمَة، كالغيبة. وَهِي ذكر الْإِنْسَان بِمَا يكره بِمَا هُوَ فِيهِ، وَلَو فِي نَحْو عِمامته، وإنْ كَانَت بِإِشَارَة، أَو رَمْزة نَحْو عين، واستماعها، والنميمة وَهِي نَقْل كَلَام بعض النَّاس إِلَى بعض للإفساد بَينهم، والنياحة والطعن فِي الْأَنْسَاب، واحتقار الْمُسلمين والسخرية بهم وسبِّهم، وَالدُّعَاء بالمغفرة للْكَافِرِ، وإفشاء السرِّ إنْ كَانَ فِيهِ ضَرَر، وَإِلَّا كُرِه، والمنْ على من أَحْسَنَ إِلَيْهِ، ولعنَ مُعيَّن، وَلَو كَانَ كَافِرًا لم يعلم مَوته على الْكفْر، وإنتهار الْوَالِدين، وَالْكذب إِلَّا لعذر، كإصلاح، أَو على زَوْجَة، أَو ظَالِم أَرَادَ أَخذ وَدِيعَة عِنْده، وَالتَّسْمِيَة بِنَحْوِ شاه شاه أَو ملك الْمُلُوك، وَفِي أقضى الْقُضَاة، وقاضي الْقُضَاة، وحاكم الْحُكَّام خلاف، وَمِمَّنْ حرمه القَاضِي أَبُو الطّيب، وحرَّم الْحَلِيمِيّ الطيِّبْ، قَالَ: فَإِن الطّيب هُوَ الله، وَالسَّلَام على الْكَافِر فَهَل الحكم كَمَا ذكره؟ فَأجَاب بقوله: نعم الحكم كَمَا ذكره، وَقد بيّنت الْمُعْتَمد فِي أقضى الْقُضَاة وَمَا بعده فِي (شرح الْعباب) فليراجعه من أَرَادَ الْوُقُوف على ذَلِك. ٨٦ وَسُئِلَ ﵁: عَمَّا فِي أذكار النَّوَوِيّ من أَنه يسن أَن يقْرَأ فِي كل يَوْم يس والواقعة وَالدُّخَان والسجدة وَإِذا زلزلت، فَهَل بَقِي سور وآيات أخر ورد فِيهَا نَظِير ذَلِك؟ فَأجَاب بقوله: نعم (كل يَوْم قِرَاءَة الْإِخْلَاص مِائَتي مرّة) رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ. (وَآل عمرَان يَوْم الْجُمُعَة) رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ (والكهف يَوْمهَا) رَوَاهُ الْحَاكِم (وليلتها) رَوَاهُ الدَّارمِيّ. (و ﴿قل إِنَّمَا أَنا بشر مثلكُمْ يُوحى﴾ إِلَى آخر السُّورَة كل لَيْلَة) رَوَاهُ ابْن رَاهَوَيْه فِي (مُسْنده) . (وَيس عِنْد المحتضر) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيره. (والرعد أَيْضا) كَمَا فِي (الرَّوْضَة) عَن بعض التَّابِعين، وَصرح بِهِ من أَصْحَابنَا الْبَنْدَنِيجِيّ وَغَيره. (وَالدُّخَان لَيْلَة الْجُمُعَة) رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَغَيره. (وق فِي الْخطْبَة) رَوَاهُ مُسلم. (وَالْفَجْر فِي عشر ذِي الْحجَّة) رَوَاهُ الثَّعْلَبِيّ. (وَالْقدر بعد الْوضُوء) كَمَا نَقله ابْن الصّلاح فِي رحلته، فَيَنْبَغِي ندب هَذِه الَّتِي وَردت بهَا تِلْكَ الْأَحَادِيث على كَيْفيَّة وُرُودهَا وإنْ لم أر من صرح بذلك، وَلَا يضرُّ أَن فِي بعض أحاديثها ضعفا، لِأَن الحَدِيث الضَّعِيف والمرسل والمعضل والمنقطع يعْمل بِهِ فِي فَضَائِل الْأَعْمَال اتِّفَاقًا بل إِجْمَاعًا على مَا فِيهِ. ٨٧ وَسُئِلَ ﵁ بِمَا صورته: ذكر الْجلَال فِي (مُخْتَصره) من أذكار النَّوَوِيّ ﵀ أَنه لَا بَأْس بالإغلاظ لوَلَده ولخادمه وتلميذه للتأديب، وَلَا بالتحية بُكِرة وَبعد الحمَّام، وَلَا بالتهنئة بالعيد، والشهر والسنَّة، فَلهُ أصل فِي السّنة وَلَا بالمدح إِذا لم يكذب وَلم يخفْ افتتان الممدُوح، وَلَا يَمْدح نفْسِه لإِظْهَار النِّعْمَة، أَو النصح ليقبل قَوْله، كلا تَجِد مرشداً مثلي، وَلَا بقوله: جعلني الله فدَاك، وفداك أبي وَأمي، وَلَا بتكنية كَافِر، أَو فَاسق، أَو مُبْتَدع، لعذْر كخوف فتْنَة لَو تَركهَا، أَو كَونه لَا يُعْرف إِلَّا بهَا، وَلَا بتعداد الكنى للشَّخْص الْوَاحِد، وَلَا بتكنيته بابنته كَأبي ليلى وَلَا بالذكْر فِي الطَّرِيق، وَمَعَ الْحَدث الْأَكْبَر، وَلَا بِالدُّعَاءِ على من ظلمه أَو غَيْره، وَلَا بقوله لذميّ: جمَّلك الله
стр. 96
أَو نَحوه إِذا فعل بِهِ خيرا، وَلَا بالمزاح اللَّطِيف مَا لم يَفْحُش ويداوم أَو يُؤْذِي بِهِ أحد، وَلَا بالتعجب بسبحان الله وَحده وَنَحْوه، وَلَا بالتعريض والتورية لمصْلحَة شَرْعِيَّة، وَلَا بقوله: إفعل كَذَا على اسْم الله، واجمع بَيْننَا فِي مُسْتَقر رحمتك، وَتَسْمِيَة الطّواف شوطاً، وصُمْنا رَمَضَان، وَلَا بقول سُورَة الْبَقَرَة، أَو النِّسَاء مثلا، وَلَا بقول: إِن الله تَعَالَى يَقُول كَذَا، وَقيل تكره هَذِه السِّتَّة الْأَخِيرَة فَهَل مَا قَالَه صَحِيح؟ . فَأجَاب بقوله: نعم مَا قَالَه صَحِيح، وأدلة ذَلِك كُله وَالتَّصْرِيح بأسماء الْمُخَالفين فِيهِ مَبْسُوط فِي الأَصْل أَعنِي (أذكار النَّوَوِيّ) رَحمَه الله تَعَالَى، وَقد سبّ أَبُو بكر وَلَده عبد الرَّحِمان ﵄ لما خَالف أمره فِي الْقِصَّة الْمَشْهُورَة. وَمحل عدم كَرَاهَة التَّحِيَّة بُكرة النَّهَار، حَيْثُ لم تكن بِأَلْفَاظ الْيَهُود الْمَشْهُورَة، كصباح الْخَيْر بِخِلَاف نَحْو صبَّحك الله بِالْخَيرِ، وَكَذَا تكره التَّحِيَّة بعد الحمَّام بِنَحْوِ أَطَالَ الله بَقَاءَك، بِخِلَاف أدام الله لَك النَّعيم، وَقَول الْجلَال: وَلَا بالتهنئة الخ لَو أبدله بقوله بل لَا يبعد نَدْبه إذْ لَهُ أصل فِي السّنة لَكَانَ أولى، وَلَا كَرَاهَة فِي جعلني الله فداءك وَلَو لغير عَالم وَصَالح، وَلَا فِي الذِكْر فِي الطَّرِيق وَمحله إنْ لم يلته، وَإِلَّا كُره، وَقَوله على من ظلمه أَو غَيره الظَّاهِر أَن أَو غَيره تَحْرِيف إذْ من الْوَاضِح حُرْمَة الدُّعَاء على الْغَيْر الَّذِي لم يَقع مِنْهُ ظلم للداعي فَكيف يَنْفِي عَنهُ عدم الْكَرَاهَة، وَقَوله يداوم أَو يؤذ توهم، وَالصَّوَاب أَو يداوم بِأَو فَإِن الفُحْشَ وَحده، والمداومة وَحدهَا، كل مِنْهُمَا يَقْتَضِي الْكَرَاهَة وَلَا يشْتَرط فِيهَا اجْتِمَاعهمَا خلافًا لما يُوهِمهُ عطفه المداومة وَمَا بعْدهَا بِأَو، وَالْعجب بسبحان الله، صَحَّ عَنهُ ﷺ فِي أَحَادِيث كَثِيرَة شهيرة ومستقر الرَّحْمَة الْجنَّة. والشوط أَصله الْهَلَاك فالكراهة فِي تَسْمِيَة الطّواف بِهِ عَلَيْهَا جمَاعَة من الْأَئِمَّة لما فِيهَا من التفاؤل بالقبيح، فَهُوَ نَظِير كَرَاهَته ﷺ للْإنْسَان أَن يَقُول: خبثت نَفسِي، بل تِلْكَ أولى لِأَن لفظ الْهَلَاك أقبح من لفظ الخُبْث لَكِن صَحَّ عَن ابْن عَبَّاس ﵄ التَّعْبِير بالأشواط. وَحَدِيث: (إِن رَمَضَان من أَسمَاء الله) ضَعِيف فَلَا دَلِيل فِيهِ لمن كره ذكر رَمَضَان وَحده من غير إِضَافَة، وَقد ذكره ﷺ مُجَردا عَنهُ فِي أَحَادِيث كَثِيرَة صَحِيحَة ك (إِذا جَاءَ رَمَضَان فتحت أَبْوَاب الْجنَّة) . وَزعم بعض السّلف أَن السُّورَة الَّتِي تذكر فِيهَا الْبَقَرَة لَا كَرَاهَة فِيهِ بِخِلَاف سُورَة الْبَقَرَة فِي غَايَة الضعْف إذْ لَا فرق بَينهمَا فِي الْحَقِيقَة، وإيهام الثَّانِي أَن السُّورَة للبقرة لَا يتوهمه أحد أَلْبَتَّة. وَقد نطق ﷺ بذلك فِي عدَّة أَحَادِيث صَحِيحَة. وَالْمرَاد بيقول فِي أَن الله يَقُول لَيْسَ حَقِيقَة الْمُسْتَقْبل إِذْ لَا يتعقل من لَهُ أدنى مسكة ذَلِك مِنْهُ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ﴾ وصحّ عَنهُ ﷺ التَّصْرِيح بِهِ فِي أَحَادِيث كَثِيرَة. وروى مُسلم فِي الْقصر (صَدَقَة تصدق الله بهَا عَلَيْكُم فاقبلوا صدقته) وَصَحَّ فِي الْأَحَادِيث التَّصْرِيح بِإِعْتَاق الله من شَاءَ من خلقه من النَّار، وَبِأَن من فعل كَذَا حلت لَهُ شَفَاعَته ﷺ ، وَزعم أَنه لَا تكون إِلَّا للمذنبين، خطأ صَرِيح بل قد تكون فِي رَفْع نَحْو الدَّرَجَات على أَنهم أَجمعُوا على ندب الدُّعَاء بالمغفرة المستدعية لوُقُوع الذَّنب، وَطلب الْعَفو عَنهُ بقوله ﷺ : (إذْبحَوُا على اسْم الله) أَي قائلين ذَلِك، وَزعم أَنه يكره أَن يَقُول: ارحمنا بِرَحْمَتك، كاجمع بَيْننَا فِي مُسْتَقر رحمتك يردهما أَنه لَا دَلِيل لَهُ بِوَجْه إِذْ المُرَاد اجْمَعْ بَيْننَا فِي الْجنَّة الَّتِي هِيَ دَار الْقَرار وَلَا تنَال إِلَّا بِالرَّحْمَةِ. ٨٨ وَسُئِلَ أدام الله النَّفْع بِهِ بِمَا لَفظه: فِي (مُخْتَصر أذكار النَّوَوِيّ) للجلال السُّيُوطِيّ رحمهمَا الله تَعَالَى مسَائِل خُفْيَة لاسيما إِن طابق مَا فِيهِ مَا فِي أَصله، فالمسؤول بَيَانهَا وإيضاحها دَلِيلا وتوجيهاً ومطابقة لما فِي أَصله الَّذِي هُوَ (أذكار النَّوَوِيّ) قدس سره وَغَيرهَا، فَإِن الِابْتِلَاء بهَا عمَّ واضطر النَّاس إِلَى إِيضَاح حكمهَا وَهِي: يكره أَن يُقَال خبثتْ نَفسِي بل لقست، وَأَن يُقَال كسلت وزرعت بل حرثت، وللعنب الْكَرم، وَهلك النَّاس، وَمَا شَاءَ الله وَشاء فلَان، وَهَذَا لله ولوجهه إِن فعل كَذَا وَكَذَا فَهُوَ يَهُودِيّ، وَلمُسلم يَا كَافِر، واللَّهمّ اسلبه الْإِيمَان، وَللْإِمَام خَليفَة الله بل خَليفَة النبيّ ﷺ أَو أَمِير الْمُؤمنِينَ، وعبدي وَأمتِي بل فَتَاي وَغُلَامِي أَو فتاتي وجاريتي، ولسيده رَبِّي لَا الرب مُعَرفا بِاللَّامِ فَيحرم، كالمولى وَالسَّيِّد على قَول، وَالْأَظْهَر جَوَازه مُطلقًا لعالم أَو صَالح، وَيكرهُ لغَيْرِهِمَا، وَسَب الرّيح والحُمَّى والديك، وَتَسْمِيَة الْمحرم صفراً، ولخصمه يَا حمَار يَا تَيْس يَا كلب، وأنعم الله بك علينا وأنْعم صباحاً، وَقَول الصَّائِم: وَحقّ الْخَاتم الَّذِي على فمي، وللمتزوج بالرفاء والبنين، وَأَن يُقَال لغضبان اذكر الله أَو صلّ على النَّبِي ﷺ خوفًا من كفره، وَأَن يُقَال إِذا تورع عَن الْحلف الله يعْلَمه،
стр. 97
وَأَن يُقَال اللَّهُمَّ اغْفِر لي إِن شئتْ، وَالْحلف بِغَيْر الله، وَكَثْرَة الْحلف فِي البيع، وقوس قُزَح بل قَوس الله، وَأَن يحدث بِمَا عمله من الْمعاصِي، وغرمتُ للمنفق فِي خير بل أنفقتُ، وَحقّ السُّلْطَان للمكس أَو نَحوه، وَأَن يسْأَل بِوَجْه الله غير الْجنَّة، وَمنع من يسْأَل بِاللَّه، وَأطَال الله بَقَاءَك، والمراءُ وَهُوَ الطعْن فِي كَلَام لإِظْهَار خَلَله، وَلَا غَرَض سوى تحقير قَائِله، وَالْخُصُومَة وَهِي لجاج فِي الْكَلَام ليستوفي بِهِ مَقْصُوده، والجدال بِغَيْر حجَّة، وَكَثْرَة الْكَلَام والتعقيد فِيهِ بالتَّشدُق وتكلف السجع والفصاحة، وَوَحْشِي اللُّغَة، وتحسين الخُطَب فِي المواعظ مُسْتَثْنى، وسؤال الرجل فيمَ ضرب امْرَأَته من غير حَاجَة، والتجرّد للشعر والاقتصار عَلَيْهِ، والفُحْش والبذاءة وَهُوَ التَّعْبِير عَن الْأُمُور المستقبحة بِصَرِيح الْعبارَة، والتحدث بِكُل مَا سمع، وَالْمُبَالغَة كجئتك مائَة مرّة، والذِكْر أَو الْقِرَاءَة مَعَ تنجس الْفَم، وَقيل الْقِرَاءَة حينئذٍ حرَام، وَفِي حَالَة النعاس، وَفِي حَال الخُطْبة وَالْجِمَاع، ونسيت آيَة كَذَا بل أنسيت، وسبُّ ميت كَانَ مُعْلنا بِالْفِسْقِ وَإِلَّا فَهُوَ حرَام، وتسميته الْغُلَام بِنَحْوِ يسَار أَو كُلَيْب، ونداء وَالِده أَو شَيْخه باسمه، وَتَطْوِيل الخُطْبة وَالْمَوْعِظَة والدَرْس بِحَيْثُ يسأم مِنْهُ السامعون، وتحديث الْعَوام والمبتذلين بِمَا لَا يفهمونه، وعَيْب الطَّعَام، وَالدُّعَاء على وَلَده ونَفْسه وخادمه وَمَاله، وَالسَّلَام على فَاسق ومبتدع، وقاضي حَاجَة ردا وَابْتِدَاء، ونائم وناعس، ومصلِّ ومؤذِّن ومُقِيمّ وَذي حمام، وأكْلٌ حَال الْخطْبَة، ومشتغل بِدُعَاء، وملبِّ وَلَا بَأْس بردِّهم، وَيَقُول الْمُصَلِّي ﵇ بِلَفْظ الْغَيْبَة، وَالْكَلَام حَال الْأَذَان لقَوْل الصفي الأبجي إِنَّه سَبَب لسوء الخاتمة، وَهَذَا حَاصِل مَا فِي الْكتاب الْمَذْكُور، والمسؤول بَيَانه وإيضاحه مَعَ مَا يتَعَلَّق بِهِ؟ فَأجَاب ﵁: أما الْمَسْأَلَة الأولى وَهِي كَرَاهَة خبثت نَفسِي أَو كسلت أَو زرعت فدليلها خبر (الصَّحِيحَيْنِ) أَنه ﷺ قَالَ: (لَا يقولنّ أحدكُم خبثت نَفسِي وَلَكِن ليَقُولن لقست نَفسِي) وَصَحَّ فِي رِوَايَة (لَا يَقُولَن أحدكُم جَاشَتْ نَفسِي وَلَكِن ليقل لقست نَفسِي) والألفاظ الثَّلَاثَة بِمَعْنى وَاحِد وَهُوَ غثت، وَإِنَّمَا كره الأول وَمثله أخذا من الرِّوَايَة الْأُخْرَى الثَّانِي لما فِيهِ من لفظ الْخبث وَنَحْوه. قَالَ الْخطابِيّ: وَإِنَّمَا كرهه لبشاعته وليعلمهم الْأَدَب فِي اسْتِعْمَال الْحسن وهَجْر الْقَبِيح، وجاشت بجيم مُعْجمَة ولقست بلام مَفْتُوحَة فقاف مَكْسُورَة فمهملة، وَيُوجه بنظير مَا ذكر فِي كَرَاهَة كَسُلت، وَأما كَرَاهَة زرعت دون حرثت فيوجه ذَلِك بِأَن الزَّرْع الَّذِي هُوَ الإنبات والإثمار من مَحْض صنع الله تَعَالَى وَلَيْسَ للعبيد دخل فِيهِ أَلْبَتَّة، إِنَّمَا دخله فِي سَببه العادي من وضع النبت فِي الأَرْض وحرثها، فكره لَهُ أَن يَأْتِي بِالْأولِ لِأَنَّهُ موهم بِخِلَاف الثَّانِي. وَأما الثَّانِيَة: وَهِي كَرَاهِيَة الْكَرم للعنب فدليلها خبر (الصَّحِيحَيْنِ) (وَلَا تَقولُوا الكَرْم إِنَّمَا الْكَرم قَلْبُ الْمُؤمن) . وَفِي رِوَايَة لمُسلم: (لَا تُسَمُّوا الْعِنَب الْكَرم وَإِنَّمَا الْكَرم قَلْب الْمُؤمن) ، وَفِي أُخْرَى (فَإِنَّمَا الْكَرم قلب الْمُؤمن) ، وَفِي أُخْرَى لَهُ (وَلَا تَقولُوا الْكَرم وَلَكِن قُولُوا الْعِنَب والحبلة) : أَي بِفَتْح الْمُهْملَة وَفتح أَو سُكُون الْمُوَحدَة، واستفيد من ذَلِك النَّهْي عَن تَسْمِيَة الْعِنَب كرماً خلافًا لما كَانَ عَلَيْهِ الْجَاهِلِيَّة. قَالَ الْعلمَاء وحكمته خَوفه ﷺ أَن يَدعُوهُم حُسْنُ اسْمهَا إِلَى شرب الْخمر المتخذة من ثَمَرَتهَا فسلبها هَذَا الِاسْم. وَأما الثَّالِثَة: فدليلها خبر مُسلم (إِذا قَالَ الرجل هلك النَّاس فَهُوَ أهْلَكُهم) بِفَتْح الْكَاف وَضمّهَا وَهُوَ أشهر: أَي أَشَّدهم هَلَاكًا، وَيُؤَيّد الضَّم رِوَايَة (فَهُوَ من أهلكهم) أَي إِذا قَالَه على سَبِيل الازدراء بهم والاحتقار لَهُم وتفضيل نَفسه عَلَيْهِم لِأَنَّهُ لَا يدْرِي سر الله تَعَالَى فِي خلقه. وَقَالَ الْخطابِيّ: مَعْنَاهُ لَا يزَال الرجل يسب النَّاس وَيذكر مساويهم وَيَقُول: فسدوا وهلكوا وَنَحْو ذَلِك، وحينئذٍ فَهُوَ من أهلكهم: أَي أَسْوَأ حَالا فِيمَا يلْحقهُ من الْإِثْم فِي غيبتهم والوقيعة فيهم، وَرُبمَا أَدَّاهُ ذَلِك إِلَى العُجْب بِنَفسِهِ، ورؤيته أنَّ لَهُ فضلا عَلَيْهِم وَأَنه خير مِنْهُم فَيهْلك انْتهى. وَقَالَ مَالك: إِن قَالَه تحزنا لما يرى فيهم: أَي من أَمر دينهم فَلَا بَأْس، أَو عجبا بِنَفسِهِ وتصاغراً لَهُم فَهُوَ الْمَكْرُوه الْمنْهِي عَنهُ. قَالَ النَّوَوِيّ: وَهَذَا أحسن مَا قيل فِي مَعْنَاهُ وأوجزه. وَأما الرَّابِعَة: فدليلها الْخَبَر الصَّحِيح (لَا تَقولُوا مَا شَاءَ اللَّهُ وشَاء فُلان وَلَكِن قُولوا مَا شَاءَ الله ثُمَّ شَاءَ فلَان) قَالَ الْخطابِيّ غَيره: هَذَا إرشاد للأدب إِذْ الْوَاو لمُطلق الْجمع وَثمّ للتَّرْتِيب والتراخي فَأَرْشَدَهُمْ ﷺ إِلَى تَقْدِيم مَشِيئَة الله على مَشِيئَة من سواهُ، وَمن ثمَّ كره النَّخعِيّ أعوذ بِاللَّه وَبِك دون ثمَّ بك، قَالُوا: وَلَا يَقُول لَوْلَا الله ثمَّ فلَان لفَعَلت كَذَا وَلَا يقل لَوْلَا الله وَفُلَان.
وَأما الْخَامِسَة: فَمَا اقْتَضَاهُ ظَاهر كَلَام الْجلَال فِيهَا
стр. 98
من الْكَرَاهَة غير مُرَاد، كَيفَ؟ وَعبارَة النَّوَوِيّ فِي الْأَذْكَار يحرم أَن يُقَال: إنْ فعلتُ كَذَا فَأَنا يَهُودِيّ أَو نَصْرَانِيّ أَو بَرِيء من الْإِسْلَام أَو نَحْو ذَلِك، فَإِن قَالَه وَأَرَادَ بِهِ حَقِيقَة تَعْلِيق خُرُوجه من الْإِسْلَام بذلك الْفِعْل صَار كَافِرًا فِي الْحَال، وَجَرت عَلَيْهِ أَحْكَام الْمُرْتَدين، وَإِن لم يرد ذَلِك لم يكفر، وَلَكِن ارْتكب محرَّماً فَتجب عَلَيْهِ التَّوْبَة، وَهُوَ أَن يقْلع فِي الْحَال عَن مَعْصِيَته وينْدَم على مَا فعل، ويعزم على أَن لَا يعود إِلَيْهِ أبدا، ويستغفر الله تَعَالَى وَيَقُول: لَا إِلَه إِلَّا الله مُحَمَّد رَسُول الله انْتَهَت. وَبهَا يتَبَيَّن أَن مَا وَقع للجلال من كَرَاهَة هَذَا إِمَّا سَهْو أَو غلط من النَّاسِخ. فَإِن قلت: الْجلَال إِنَّمَا عبر بقوله: فَهُوَ فمسألتُه غير مَسْأَلَة النَّوَوِيّ لِأَنَّهُ عبر فِيهَا بقوله فَأَنا. قلت: الْمَعْنى وَاحِد فيهمَا وَلَكِن الْجلَال تبع مَا قَالَه غير وَاحِد من الشُّرَّاح من أَن الأولى فِي نَحْو ذَلِك أَن يُؤْتِي بضمير الْغَائِب لَا الْمُتَكَلّم مباعدة من النُّطْق بِهَذَا اللَّفْظ الْقَبِيح مَا أمكن.
وَأما السَّادِسَة: أَعنِي قَوْله لمُسلم يَا كَافِر أَو اللَّهُمَّ اسلبه الْإِيمَان، فالكراهة الَّتِي أوهمها بل صرح بهَا كَلَام الْجلَال ﵀ غير مُرَادة أَيْضا، وَعبارَة النَّوَوِيّ فِي (الْأَذْكَار) أَيْضا يحرم عَلَيْهِ تَحْرِيمًا مغلَّظاً أَن يَقُول لمُسلم يَا كَافِر. وروينا فِي (الصَّحِيحَيْنِ) عَن ابْن عمر ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (إِذا قَالَ الرجل لِأَخِيهِ يَا كَافِر فَقَدْ بَاء بهَا أحدُهما فإنْ كَانَ كَمَا قَالَ وإلاَّ رَجَعتْ عَلَيْهِ) . وَفِي لفظ لمُسلم (مَنْ دَعَا رجلا بالْكفْر أَو قَالَ يَا عدوّ الله وَلَيْسَ كَذَلِك إِلَّا حَارَ عَلَيْهِ) . أَي رَجَعَ. وَلَو دَعَا مُسلم على مُسلم فَقَالَ: اللَّهُمَّ اسلبه الْإِيمَان عصى بذلك، وَهل يكفر هَذَا الدَّاعِي بِمُجَرَّد هَذَا الدُّعَاء؟ فِيهِ وَجْهَان لِأَصْحَابِنَا أصَحهمَا لَا يكفر لقَوْله تَعَالَى إِخْبَارًا عَن مُوسَى صلى الله على نَبينَا وَعَلِيهِ وَسلم ﴿وَقَالَ مُوسَىارَبَّنَآ إِنَّكَ ءاتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأّهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِى الْحَيَواةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَىاأَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَىاقُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُواْ حَتَّىايَرَوُاْ الْعَذَابَ الأٌّلِيمَ﴾ [يُونُس: ٨٨] الْآيَة، وَفِي هَذَا الِاسْتِدْلَال نظر، وَإِن قُلْنَا إنَّ شرع منْ قبلنَا شرع لنا انْتَهَت. وَبِه يعلم أَن مَا وَقع للجلال من كَرَاهَة هذَيْن إِمَّا سَهْو، أَو غلط من نَاسخ، نَظِير مَا قَرّرته فِي الرَّابِعَة وَوجه النّظر الَّذِي ذكره أَن محلَّ كَون شرع مَنْ قبلنَا شرعا لنا على القَوْل الضَّعِيف الْقَائِل بذلك، مَا إِذا لم يَرد فِي شَرْعنا مَا يُخَالِفهُ، وقواعد شرعنا طافحة بِتَحْرِيم الدُّعَاء بذلك، وبتسليم أَنه لم يرد فِي شرعنا مَا يُخَالِفهُ، يحْتَمل أَن مُوسَى ﵇ إِنَّمَا دَعَا عَلَيْهِم لِأَن الله أعلمهُ باليأس من أَيْمَانهم فَدَعَا عَلَيْهِم بِزِيَادَة تَشْدِيد الْعَذَاب فِي الدُّنْيَا بالطمس على الْأَمْوَال، وَفِي الْآخِرَة بالإشداد على الْقُلُوب المستلزم لمزيد العناد وَالْكفْر والتوغل فِيهِ، فَتَأَمّله فَإِنَّهُ مهمّ، وَقد تُوهم عبارَة الْأَذْكَار أَن أَصْحَابنَا لم يَخْتَلِفُوا فِي كُفْر من قَالَ لمُسلم يَا كَافِر، وَلَيْسَ مرَادا، بل الْمُعْتَمد أَنه لَو قَالَ لَهُ ذَلِك لدينِهِ كفر، لِأَنَّهُ سمى الْإِسْلَام كفرا فتفطن لذَلِك، وَبِهَذَا الَّذِي هُوَ مُصَرح بِهِ فِي (الرَّوْضَة) ومختصراتها وَغَيرهَا يزْدَاد التَّعَجُّب مِمَّا وَقع للجلال من كَرَاهَته، وَتَأْويل عِبَارَته بِمَا يُوَافق ذَلِك بعيدٌ جدا، إذْ فِي سوابقها ولواحقها مَا يُبطل هَذَا التَّأْوِيل بِأَدْنَى تَأمل. وَأما السَّابِعَة: أَعنِي كَرَاهَة تَسْمِيَة الإِمَام خَليفَة الله فَهُوَ مَأْخُوذ من قَول النَّوَوِيّ ﵁ فِي (الْأَذْكَار) : يَنْبَغِي أَن لَا يُقَال للقائم بِأَمْر الْمُسلمين خَليفَة الله بل الْخَلِيفَة وَخَلِيفَة رَسُول الله ﷺ وأمير الْمُؤمنِينَ، ثمَّ نقل عَن الْبَغَوِيّ أَنه لَا بَأْس بتسميته بالخليفة وأمير الْمُؤمنِينَ وَإِن كَانَ مُخَالفا لسيرة أَئِمَّة الْعدْل لقِيَامه بِأَمْر الْمُؤمنِينَ، وسمى خَليفَة لِأَنَّهُ خلف الْمَاضِي قَبْله وَقَامَ مقَامه، وَأَنه لَا يُسَمِّي أحد خَليفَة الله بعد آدم وَدَاوُد على نَبينَا وَعَلَيْهِمَا أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَقَالَ رجل لأبي بكر: يَا خَليفَة الله، فَقَالَ: أَنا خَليفَة رَسُول الله ﷺ ، وَأَنا رَاض بذلك. وَقَالَهُ آخر لعمر بن عبد الْعَزِيز فَقَالَ: وَيلك لقد تناولت متناولاً بَعيدا، ثمَّ أَشَارَ إِلَى أَنه يَكْفِي تسميتهم لَهُ بأمير الْمُؤمنِينَ. وَنقل عَن الْأَحْكَام السُّلْطَانِيَّة للماوردي أَن الإِمَام يُسَمِّي خَليفَة لِأَنَّهُ خلف رَسُول الله ﷺ فِي أمته فَجَاز أَن يُقَال الْخَلِيفَة على الْإِطْلَاق وَخَلِيفَة رَسُول الله ﷺ . قَالَ: وَاخْتلفُوا فِي قَوْلنَا خَليفَة الله فجوزه بَعضهم لقِيَامه بحقوقه فِي خلقه لقَوْله تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِى جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِى الأٌّرْضِ﴾ [فاطر: ٣٩] وَامْتنع جُمْهُور الْعلمَاء من ذَلِك ونسبوا قَائِله إِلَى الْفُجُور هَذَا كَلَام الْمَاوَرْدِيّ انْتهى كَلَامه فِي (الْأَذْكَار) . وَظَاهر كَلَام الْمَاوَرْدِيّ أَن تَسْمِيَة خَليفَة الله مُحرمَة وَإِن كَانَ عادلاً لِأَن قَوْله وَامْتنع جُمْهُور الْعلمَاء من ذَلِك، أيْ الْجَوَاز الَّذِي جعله مَحل الْخلاف، ونَقْله عَنْهُم أَنهم ينسبون الْقَائِل بِالْجَوَازِ إِلَى الْفُجُور ظَاهر، بل صَرِيح فِي أَن الْجُمْهُور على التَّحْرِيم، إذْ لَو كَانُوا موافقين على الْجَوَاز، وَإِنَّمَا اخْتلَافهمْ فِي الْكَرَاهَة؛ لم يسعْهُم نسبةُ الْقَائِل بعدمها إِلَى الْفُجُور فنسبتهم إِيَّاه إِلَى ذَلِك تدل على أَن خلافهم إِنَّمَا هُوَ فِي التَّحْرِيم، وأنَّ إِبَاحَته
стр. 99
لذَلِك فِيهَا مُجَاوزَة للحد فَاسْتحقَّ التَّغْلِيظ عَلَيْهِ بنسبتهم لَهُ إِلَى الْفُجُور، لَكِن ظَاهر قَول النَّوَوِيّ عقب ذَلِك هَذَا كَلَام الْمَاوَرْدِيّ أَنه متبرىء مِنْهُ.
وَأَن الْمُعْتَمد مَا دلّ عَلَيْهِ قَوْله أَو لَا. وَيَنْبَغِي أَن لَا يُقَال ذَلِك، من أَنه خلاف الأولى أَو مَكْرُوه، وَكَون يَنْبَغِي، قد يسْتَعْمل بِمَعْنى يجب قَلِيل، وَكَأن هَذَا الَّذِي ذكرته هُوَ الْحَامِل للجلال على التَّصْرِيح بكراهته وَإِن كَانَ كَلَام الْمَاوَرْدِيّ ظَاهرا فِي الْحُرْمَة كَمَا تقرر. وَقَالَ النَّوَوِيّ الْإِجْمَاع على أَن أول من سمى أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر بن الْخطاب ﵁. قَالَ: وَزعم ذَلِك لمُسَيْلمَة جهل قَبِيح. وَأما الثَّامِنَة: أَعنِي كَرَاهَة عَبدِي وَأمتِي فَيُقَال فَتَاي وَفَتَاتِي وجاريتي وَغُلَامِي وغلامتي، فَهِيَ مُصَرح بهَا فِي (الْأَذْكَار) كَذَلِك. روى الشَّيْخَانِ أَنه ﷺ قَالَ: (وَلَا يَقُل أَحدُكم عَبْدي وأَمَتِي، ولْيَقُلْ فَتَاي وَفَتَاتِي وَغُلَامِي) . وَفِي رِوَايَة لمُسلم (لَا يَقُولَن أحدُكم عَبْدي وَأمتِي كلكُمْ عبيد الله وكل نِسَائِكُم إِمَاء الله، وَلَكِن ليقل غلامي وجاريتي وفتاي وَفَتَاتِي) وَيُؤْخَذ من قَوْله ﷺ فِي هَذِه (كلكُمْ عبيد الله) الخ الْإِيمَاء إِلَى عِلّة كَرَاهَة عَبدِي وَأمتِي بِأَنَّهُ موهم وجود حَقِيقَة الْعُبُودِيَّة والأمتيَّة لغير الله، وَهُوَ كذب بل كفر صَرِيح فَنهى عَن ذَلِك اللَّفْظ الموهم لذَلِك، وَإِن كَانَ غيرَ مُرَاد بِخِلَاف الفتاتية والغلاميَّة وَالْجَارِيَة، لَا يُوهم ذَلِك الْإِيهَام وَلَا قَرِيبا مِنْهُ فَلَا يكره. وَأما التَّاسِعَة: أَعنِي قَوْله: ولسيده إِلَى قَوْله لغَيْرِهِمَا فَهُوَ حَاصِل مَا فِي (الْأَذْكَار) ، وَهُوَ لفظ السَّيِّد يُطلق على مَنْ يفوق قومه قَدْراً وشرفاً، وعَلى الزعيم والفاضل، والحليم الَّذِي لَا يستفزه غَضَبه، وعَلى الْكَرِيم وَالْمَالِك وَالزَّوْج وَفِي أَحَادِيث كَثِيرَة صَحِيحَة إِطْلَاقه على أهل الْفضل. كَقَوْلِه ﷺ وَهُوَ على الْمِنْبَر وَمَعَهُ الْحسن ﵁: (إِن ابْني هَذَا سيد) . وَكَقَوْلِه للْأَنْصَار لما أقبل سعد بن معَاذ ﵁ فِي حِصَار بني قُرَيْظَة ليحكم فيهم إذْ لم يرْضوا إِلَّا بالنزول على حكمه (قُوموا لِسيدِّكم أَو خَيركُمْ) وَفِي رِوَايَة (سيدكم من غير شكّ) . وَفِي رِوَايَة لمُسلم (أَنه ﷺ قَالَ فِي قَول سعد بن عبَادَة: يَا رَسُول أَرَأَيْت الرجل يجد مَعَ امْرَأَته رجلا أَيَقْتُلُهُ) الحَدِيث: (انْظُرُوا مَا يَقُول سيدكم) . وَصَحَّ خبر (لَا تَقولُوا لِلْمُنَافِقِ سَيدِّ فَإِنَّهُ إنْ يكن سيداً فقد أسْخَطتم ربَّكم قَالَ النَّوَوِيّ كالخطابي وَالْجمع بَين هَذِه الْأَحَادِيث أَنه لَا بَأْس بِإِطْلَاق فلَان سيد وَيَا سَيِّدي وَنَحْو ذَلِك إِذا كَانَ المسوَّد فَاضلا خيرا لِعلْم أَو صَلَاح أَو غَيرهمَا، وإنْ كَانَ نَحْو فَاسق أَو مُتَّهم فِي دينه كره أَن يُقَال لَهُ سيد. قَالَ: وَيكرهُ أَن يَقُول الْمَمْلُوك لمَالِكه رَبِّي بل سَيِّدي أَو مولَايَ. روى الشَّيْخَانِ (لَا يقل أحدكُم أَطْعِمْ ربَّك، إِرْضِ ربّك إسق ربَّك وَليقل سَيِّدي ومولاي) الحَدِيث وَفِي رِوَايَة لمُسلم (وَلَا يقل أحدكُم رَبِّي وَليقل سَيِّدي ومولاي) الحَدِيث. قَالَ الْعلمَاء: لَا يُطلق الرب بِالْألف وَاللَّام إِلَّا على الله تَعَالَى خَاصَّة فَأَما مَعَ الْإِضَافَة فَيُقَال رب المَال وَرب الدَّار وَغير ذَلِك. وَمِنْه قَول النَّبِي ﷺ فِي الحَدِيث الصَّحِيح فِي ضَالَّة الْإِبِل (دَعْها حَتَّى يَلقاها رَبُّها) وَفِي الحَدِيث الصَّحِيح (حَتَّى يُهِّم رَبُّ المالِ مَنْ يقْبل صدقته) ونظائره فِي الحَدِيث كَثِيرَة مَشْهُورَة، وَأما اسْتِعْمَال حَملَة الشَّرْع ذَلِك فَأمر مَعْرُوف مَشْهُور. قَالَ الْعلمَاء: وَإِنَّمَا كره للمملوك أَن يَقُول لمَالِكه رَبِّي لِأَن فِي لَفظه مُشَاركَة لله تَعَالَى فِي الربوبية، وَأما حَدِيث (حَتَّى يلقاها رَبهَا) وَنَحْوه كَالدَّارِ وَالْمَال فَلَا شكّ أَنه لَا كَرَاهَة فِي قَول رب المَال وَرب الدَّار، وَأما قَول يُوسُف ﵊ ﴿اذْكُرْنِى عِندَ رَبِّكَ﴾ [يُوسُف: ٤٢] فَفِيهِ جوابان: أَحدهمَا: أَنه خاطبه بِمَا يعرفهُ وَجَاز هَذَا الِاسْتِعْمَال للضَّرُورَة كَمَا قَالَ مُوسَى ﷺ للسامري ﴿وَانظُرْ إِلَىاإِلَاهِكَ﴾ [طه: ٩٧] ثَانِيهمَا: إِن هَذَا شرع لمن قبلنَا فَلَا يكون شرعا لنا إِذا ورد شرعنا بِخِلَافِهِ وَهَذَا لَا خلاف فِيهِ، وَإِنَّمَا مَحل الْخلاف حَيْثُ لم يرد شرعنا بموافقته، وَلَا مُخَالفَته. قَالَ أَبُو جَعْفَر النّحاس: لَا نعلم خلافًا بَين الْعلمَاء أَنه لَا يَنْبَغِي أَن يُقَال لأحد من المخلوقين مولي. قلت: مُرَّ جَوَاز إِطْلَاق مولَايَ وَلَا مُخَالفَة بَينه وَبَين هَذَا، فَإِن النّحاس تكلم فِي الْمولى بِالْألف وَاللَّام، وَلذَا قَالَ النّحاس يُقَال سيد لغير الْفَاسِق وَلَا يُقَال السَّيِّد بِالْألف وَاللَّام لغير الله تَعَالَى، وَالْأَظْهَر أَنه لَا بَأْس بقوله الْمولى وَالسَّيِّد بِالْألف وَاللَّام بِشَرْطِهِ السَّابِق انْتهى حَاصِل كَلَام الْأَذْكَار، وَبهَا يعلم أَن قَول الْجلَال لعالم أَو صَالح غير قيد، فالنسيب وَذُو الْولَايَة المنصوبان وَنَحْوهمَا كَذَلِك. وَأما الْعَاشِرَة: فدليلها الْخَبَر الْحسن أَنه ﷺ قَالَ: (الرّيح من روح الله أَي رَحمته تَأتي بِالرَّحْمَةِ وَتَأْتِي بِالْعَذَابِ فَإِذا رأيتموها فَلَا تسبوها واسئلوا الله خَيرهَا واستعيذوا بِاللَّه من شَرها) وَالْخَبَر الصَّحِيح (لَا تسبوا الرّيح فَإِن رَأَيْتُمْ مَا تَكْرَهُونَ فَقولُوا: اللَّهُمَّ نَسْأَلك من خير هَذِه الرّيح
стр. 100
وخَيْرِ مَا فِيهَا وَخير مَا أُمرت بِهِ، ونعوذ بك من شرِّ هَذِه الرّيح وشرِّ مَا فِيهَا وشرِّ مَا أمرت بِهِ) . وروى مُسلم (أَنه ﷺ دخل على أم السَّائِب أَو أم الْمسيب فَقَالَ: مَالك تزفزفين؟ قَالَت: الحمَّى لَا بَارك الله فِيهَا، فَقَالَ: لَا تسبي الحمَّى فَإِنَّهَا تذهبْ بخطايا بني آدم كَمَا يُذْهب الْكِير خبثَ الْحَدِيد) وتزفزف بالفوقية المضمومة وبالفاء وَالزَّاي المكررة وَهُوَ الْأَشْهر أَو الرَّاء المكررة، وَقيل بِالْقَافِ وَالرَّاء تتحرك شَدِيدا وترتعد، وَصَحَّ أَنه ﷺ قَالَ: (لَا تَسُبوا الديك فَإِنَّهُ يوقظ للصَّلَاة) . وَأما الْحَادِيَة عشرَة: فَهِيَ كَذَلِك فِي (الْأَذْكَار) وعللها بِأَن ذَلِك من دَعْوَى الْجَاهِلِيَّة. وَأما الثَّانِيَة عشرَة: فَمَا ذكر فِيهَا من كَرَاهَة نَحْو يَا حمَار، عَجِيب، وَلَيْسَت الْكَرَاهَة مُصَرحًا بهَا فِي (الْأَذْكَار) بل لَو فرض أَنه صرح بهَا فِيهِ، يتَعَيَّن على كل من لَهُ أدنى إِلْمَام بقواعد أَئِمَّتنَا أَن يحملهَا على كَرَاهَة التَّحْرِيم فَكيف وَعبارَته ظَاهِرَة بل صَرِيحَة فِي التَّحْرِيم، فيعدل عَن ظَاهرهَا أَو صريحها الْمَذْكُور إِلَى التَّعْبِير بِالْكَرَاهَةِ فَخَالف فِي ذَلِك كَلَام أَصله بل وَكَلَام الْأَئِمَّة، وَمثل هَذَا لَا يصدر من مثل هَذَا الرجل فَالْوَجْه حمل ذَلِك على السَّهْو أَو أَنه من غلط النساخ وَهُوَ الْأَقْرَب، وَعبارَة أذكار النَّوَوِيّ: وَمن الْأَلْفَاظ المذمومة المستعملة فِي الْعَادة قَوْله لمن يخاصمه يَا حمَار يَا تَيْس يَا كلب وَنَحْو ذَلِك، فَهَذَا قَبِيح لوَجْهَيْنِ، أَحدهمَا: أَنه كذب وَالْآخر أَنه إِيذَاء وَهَذَا بِخِلَاف قَوْله يَا ظَالِم وَنَحْوه، فَإِن ذَلِك يتَسَامَح بِهِ لضَرُورَة الْمُخَاصمَة مَعَ أَنه يصدق غَالِبا، فَمَا مِنْ إِنْسَان إِلَّا وَهُوَ ظَالِم لنَفسِهِ ولغيرها انْتَهَت، فَتَأمل حُكْمَة على تِلْكَ الْأَلْفَاظ بالقُبْح وتعليل ذَلِك بِأَنَّهَا كذب وإيذاء، وكلٌ مِنْ هذَيْن محرَّم إِجْمَاعًا، فَلَزِمَ أَن تِلْكَ الْأَلْفَاظ مُحرمَة إذْ لَا يتَصَوَّر أَن يُعلل الْمَكْرُوه بِمحرم، وَقد صرح الْجلَال نَفسه بِحرْمَة احتقار الْمُسلم وَحُرْمَة سبه، وَهَذَا مِنْهُمَا فَكيف يتعقل مَعَ ذَلِك كَرَاهَته، وَقد ذكر فِيهِ قبل ذَلِك من غير فاصل قَوْله: يحرم سبّ الْمُسلم من غير سَبَب شَرْعِي يجوّز ذَلِك، وَاسْتدلَّ لَهُ بِخَبَر (الصَّحِيحَيْنِ) . (سِبابُ الْمُؤمن فُسوق) انْتهى. وَلَا شكّ أَن نَحْو يَا كلب من أقبح السب عُرْفاً بل وَشرعا. وَأما الثَّالِثَة عشرَة: فَمَا قَالَه فِيهَا من الْكَرَاهَة عَجِيب أَيْضا، وَالَّذِي فِي (الْأَذْكَار) أَي فِي خبر لأبي دَاوُد عَن عمرَان بن حُصَيْن ﵁ قَالَ: (كنَّا نقُول فِي الْجَاهِلِيَّة أنْعَم اللَّهُ بك علينا وأنْعِمْ صباحاً فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَام نهينَا عَن ذَلِك) وَلَا حجَّة فِيهِ لِأَن فِي سَنَده مَجْهُولا يحْتَمل أَن يكون عَنهُ، وَمثل هَذَا قَالَ أهل الْعلم لَا يحكم عَلَيْهِ بِالصِّحَّةِ فَلَا يثبت بِهِ حكم شَرْعِي. قَالَ النَّوَوِيّ: بعد ذكره ذَلِك. وَلَكِن الِاحْتِيَاط للْإنْسَان اجْتِنَاب هَذَا اللَّفْظ لاحْتِمَال صِحَّته، وَلِأَن بعض الْعلمَاء يحْتَج بِالْمَجْهُولِ، وَبِذَلِك كُله يعلم ظُهُور مَا ذكرته من التَّعَجُّب؛ وَأَن الصَّوَاب أَنه لَا كَرَاهَة فِي ذَلِك وَإِنَّمَا الِاحْتِيَاط اجتنابه، أمَّا أنعم الله عَيْنَيْك، وأنعم صباحك فَلَا كَرَاهَة فيهمَا اتِّفَاقًا. فَإِن قلت: صرح معمر رَاوِي الحَدِيث بِكَرَاهَة أنعم الله بك علينا. قلت: معمر مُجْتَهد فَلَا يقْضِي بِمَا قَالَه على قَوَاعِد مَذْهَبنَا الْمُخَالفَة لقَوْله. فَإِن قلت: هَل يُمكن تَوْجِيه الْكَرَاهَة بِتَقْدِير صِحَة النَّهْي الْمَذْكُور؟ قلت: يُمكن بِأَن يُقَال إنعام الْعين الْحَقِيقِيّ إِنَّمَا يكون بِرُؤْيَة الله تَعَالَى، فوضْعه لغير ذَلِك يُوهم محذوراً فَنهى عَنهُ حذرا من هَذَا الْإِيهَام، وَيُقَال هُوَ من تَحِيَّة الْجَاهِلِيَّة وَهِي مَكْرُوهَة كصباح الْخَيْر، وَبِهَذَا دون الأول يقرب إِلْحَاق أنْعِمْ صباحاً بأنعم الله بك علينا. وَأما الرَّابِعَة عشرَة: فَمَا قَالَه فِيهَا تِبَع فِيهِ بَعْضَ السّلف، وَعبارَة (الْأَذْكَار) حكى النّحاس عَن بعض السّلف أَنه يكره أَن يَقُول الصَّائِم: وَحقّ هَذَا الْخَاتم الَّذِي على فمي. أيْ وحَذَفَ الجلالُ هَذَا من هَذِه الْعبارَة، كَأَنَّهُ لبَيَان أَنه لَيْسَ بِشَرْط فِي الْكَرَاهَة، وَاحْتج لَهُ بِأَنَّهُ إِنَّمَا يُخْتَم على أَفْوَاه الْكفَّار، وَفِي هَذَا الِاحْتِجَاج نظر، وَإِنَّمَا حجَّته أَنه حلف بِغَيْر الله ، وَسَيَأْتِي النَّهْي عَنهُ، وَهَذَا مَكْرُوه لما ذكره وَلما فِيهِ من إِظْهَار صَوْمه لغير حَاجَة انْتَهَت، ويُؤخذ منْ تَوْجِيهه لَهُ بِأَنَّهُ حلف بِغَيْر الله، أَنه كَانَ الأوْلى بالجلال أنْ يحذف هَذِه للْعلم بهَا من قَوْله وَيكرهُ الْحلف بِغَيْر الله. فَإِن قلت: تَوْجِيهه الثَّانِي يقْتضي أنَّ للكراهة سَببا آخر فَلَا يُغني ذَلِك عَن هَذِه. قلت: هُوَ كَذَلِك إِلَّا أَن قَضِيَّة النّظر إِلَيْهِ وَحده، أَنه لَا يكره ذَلِك لصائم رَمَضَان، لِأَن إِظْهَاره لَا يخْشَى فِيهِ رِيَاء وَلَا غَيره، وَكَلَامهم صَرِيح فِي كَرَاهَة ذَلِك حَتَّى لصائم رَمَضَان فَاقْتضى ذَلِك أَن الْمُعْتَمد فِي (التَّعْلِيل) هُوَ الأول. وَأما الْخَامِسَة عشرَة: فَالْحكم كَمَا ذكر فِيهَا لِأَنَّهُ من أَلْفَاظ الْجَاهِلِيَّة والرِفاء بِكَسْر الرَّاء وَالْمدّ الِاجْتِمَاع، وَإِنَّمَا السّنة أَن يُقَال للزَّوْج بعد عقد النِّكَاح: بَارك الله لَك أَو بَارك عَلَيْك وَجمع بَيْنكُمَا فِي خير، وَيسْتَحب أَن يُقَال لكل وَاحِد من الزَّوْجَيْنِ بَارك الله لكل وَاحِد مِنْكُمَا فِي صَاحبه
стр. 101
وَجمع بَيْنكُمَا فِي خير، وللاتباع كَمَا جَاءَ فِي الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة روى الشَّيْخَانِ أَنه ﷺ قَالَ لعبد الرَّحِمان بن عَوْف حِين تزوج (بَارك الله لَك) وَصَحَّ أَنه ﷺ قَالَه لجَابِر. وَأما السَّادِسَة عشرَة: فَنقل الْكَرَاهَة فِيهَا فِي (الْأَذْكَار) فَقَالَ: روى النّحاس عَن أبي بكر مُحَمَّد بن يحيى وَكَانَ أحد الْعلمَاء الْفُقَهَاء الأدباء: يُكره أَن يُقَال لأحد عِنْد الْغَضَب اذْكر الله تَعَالَى خوفًا من أَن يحملهُ الْغَضَب على الْكفْر. قَالَ: وَكَذَا لَا يُقَال لَهُ صَلِّ على مُحَمَّد ﷺ خوفًا من هَذَا انْتهى. وَاسْتَشْكَلَهُ الْجلَال بِمَا فِي الصَّحِيح (أَنه لما استبّ رجلَانِ عِنْده ﷺ أَمر أَن يُقَال لَهُ تعوّذ بِاللَّه من الشَّيْطَان الرَّجِيم) . وَيُجَاب بِأَن هَذَا لَيْسَ مثل ذَاك لِأَن ذَاك فِيهِ الِاقْتِصَار على اسْم الله فَرُبمَا حَملته قُوَّة الْغَضَب على فرطه لذَلِك الإسم عِنْد سَمَاعه لَهُ وَحده، وَأما هَذَا فَفِيهِ ذكر الشَّيْطَان أَيْضا، فحينئذٍ إنْ صدرت بادرةٌ تكون للشَّيْطَان إذْ ينْصَرف لَهُ، فَلَا يخْشَى حينئذٍ كُفْر، على أَن فِي سَمَاعه لذكر الشَّيْطَان أكبر زاجر لَهُ، وأبلغ إرشاد إِلَى أنَّ مَا حصل لَهُ من ذَلِك الْغَضَب إِنَّمَا هُوَ بِوَاسِطَة الشَّيْطَان، فاتضح فرقان مَا بَين الصُّورَتَيْنِ، وَأَن إِحْدَاهمَا لَا تشكل على الْأُخْرَى، بل يُسْتَفَاد من الحَدِيث أَن السّنة تذكير الغضبان بِأَن غَضَبه الْمخْرج لَهُ غَالِبا عَن حيِّز الْعُقَلَاء إِنَّمَا هُوَ من عدوِّه اللعين ليحمله على الْخُرُوج عَن الصِّرَاط الْمُسْتَقيم، ومَنْ لَهُ أدنى مسكة إِذا سمع ذَلِك رَجَعَ إِلَى الِاعْتِدَال خوفًا من الْعقَاب والنكال.
وَأما السَّابِعَة عشرَة: فَمَا ذكره فِيهَا الْجلَال من الْكَرَاهَة بإطلاقها لم يُصَرح بِهِ النَّوَوِيّ فِي (الْأَذْكَار) ، بل الَّذِي دلّت عَلَيْهِ عِبَارَته، أَنَّهَا إِمَّا كُفْر أَو حرَام أَو مُبَاحَة، وَعبارَته أنَّ مِنْ أقْبح الْأَلْفَاظ المذمومة مَا يعتاده كثير من النَّاس إِذا أَرَادَ أَن يحلف على شَيْء وَاحِد فيتورع عَن قَوْله وَالله كَرَاهَة الْحِنْث، أَو إجلالاً لله تَعَالَى أَو صونا عَن الْحلف، ثمَّ يَقُول: الله يعلم مَا كَانَ هُوَ كَذَا، وَلَقَد كَانَ كَذَا، وَنَحْوه فَهَذِهِ الْعبارَة فِيهَا خَطَر، فإنْ كَانَ صَاحبهَا متيقناً أَن الْأَمر كَمَا قَالَ، فَلَا بَأْس بهَا، وإنْ شكَّ فِي ذَلِك فَهُوَ من أقبح القبائح لِأَنَّهُ تعرض للكذب على الله تَعَالَى، فَإِنَّهُ أخبر أَن الله تَعَالَى يعلم شَيْئا لَا يتَيَقَّن كَيفَ هُوَ، وَفِيه دقيقة أُخْرَى أقْبَح من هَذَا وَهُوَ أَنه تعرض لوصفه تَعَالَى بِأَنَّهُ يعلم الْأَمر على خلاف مَا هُوَ، وَذَلِكَ لَو تحقق كَانَ كفرا، وَيَنْبَغِي للْإنْسَان اجْتِنَاب هَذِه الْأَلْفَاظ والعبارات انْتَهَت عبارَة (الْأَذْكَار) ، وَبهَا يعلم مَا ذكرتُه من أَنَّهَا تكون كفرا، وَذَلِكَ إِذا تَيَقّن الْكَذِب وَنسبه إِلَى علم الله بِأَن قَالَ: الله يعلم أَنِّي مَا فعلت كَذَا، وَهُوَ عَالم بِأَنَّهُ فعله، وَهَذَا كفر، كَمَا صرح بِهِ النَّوَوِيّ هُنَا، وسبفه إِلَيْهِ الرَّافِعِيّ فَصرحَ فِي الْعَزِيز بالألفاظ الَّتِي ذكرهَا فِيهِ بالعجمية فِي بَاب الرِّدَّة، بِأَن ذَلِك كفر، لِأَنَّهُ نسب الله تَعَالَى إِلَى الْجَهْل بنسبته إِلَيْهِ الْعلم على خلاف مَا فِي الْوَاقِع، وَذَلِكَ من أقبح الْكفْر وَالْجهل بِاللَّه أعاذنا الله من ذَلِك. وَتَكون مُبَاحَة، وَذَلِكَ إِذا نسب إِلَى علم الله مَا هُوَ مُطَابق للْوَاقِع يَقِينا، كَأَن علم وُقُوع فعله لأمر فَقَالَ: الله يعلم أَنِّي فعلته، فَهَذَا لَا مَحْذُور فِيهِ بِوَجْه فَيكون مُبَاحا مُسْتَحبا إِذا عَلِم مِنْ مُنْكرِ فِعْله أنْ لايصدقه فِي يَمِينه لَو حلف، لإيهامه بتورية أَو غَيرهَا، ويصدقه إِذا قَالَ: الله يعلم أَنِّي فعلته، وأخذتُ الِاسْتِحْبَاب فِي هَذَا من قَوْلهم: تسْتَحب الْيَمين فِي نَحْو ذَلِك، وَبقيت الْحَالة الثَّالِثَة وَهِي مَا إِذا شكّ فِي وُقُوع أَمر، كَفِعْلِهِ لشَيْء وَعدم وُقُوعه، فَقَالَ وَهُوَ شَاك: الله يعلم أَنِّي فعلته، وَالَّذِي دلّت عَلَيْهِ عبارَة النَّوَوِيّ فِي هَذِه الْحَالة أَن ذَلِك حرَام، لِأَنَّهُ جعله من أقبح الْأَلْفَاظ المذمومة تَارَة، وَمن أقبح القبائح أُخْرَى، وَجعل فِيهِ خطراً؛ وَذَلِكَ الْخطر هُوَ الْكفْر وَالْكذب على الله تَعَالَى بِتَقْدِير عدم الصدْق، وَهَذَا كُله ظَاهر فِي حُرْمَة هَذَا اللَّفْظ فِي هَذِه الْحَالة، إذْ لَا يُقَال فِي الْمَكْرُوه إِنَّه من أقبح القبائح وَلَا من أقبح المذمومات إِلَّا على تجوّز بعيد، وَيبعد فِي الْمَكْرُوه أَن يكون فِيهِ خطر الْكفْر أَو الْكَذِب بِمَعْنى أَنه يحْتَملهُ وغيرَه على السوَاء، وَإِذا تقرر ذَلِك ظهر واتضح أَن جزم الْجلَال بِالْكَرَاهَةِ فِي هَذَا مِمَّا لَيْسَ فِي مَحَله نظرا للحالتين الأولتين وَهُوَ ظَاهر، وَكَذَا بِالنّظرِ للحالة الثَّالِثَة لما ذكرته فِيهَا فَتَأمل ذَلِك فَإِنَّهُ مهمّ. وَأما الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة عشرَة: فدليلها خبر (الصَّحِيحَيْنِ) (لَا يَقُولَن أحدكُم اللَّهُمَّ اغْفِر لي إنْ شِئْت وليعزم الْمَسْأَلَة فَإِنَّهُ لَا مكره لَهُ) وَفِي رِوَايَة لمُسلم: (ولكنْ لِيعزم المسألةَ وليعظم الرَغْبَة فَإِن الله لَا يتعاظمه شَيْء أعطَاهُ) .
وَأما التَّاسِعَة عشرَة: فَهِيَ كَذَلِك فِي (الْأَذْكَار) . وَحَاصِل عِبَارَته: يكره الْحلف بِغَيْر أَسمَاء الله تَعَالَى وَصِفَاته كالنبي ﷺ وَالْمَلَائِكَة والكعبة والحياة، وَكَذَا الْأَمَانَة بل هِيَ من أَشدّهَا كَرَاهَة. روى الشَّيْخَانِ أَنه ﷺ قَالَ: (إنَّ الله تَعَالَى يَنْهَاكُم أنْ تَحلِفوا بِآبَائِكُمْ فَمَنْ كَانَ حَالفا فليحلف بِاللَّه أَو ليصمتْ) .
стр. 102
وَفِي رِوَايَة صَحِيحَة: (فَمن كَانَ حَالفا فَلَا يحلف إِلَّا بِاللَّه أَو لِيَسْكُت) . وَصَحَّ أَنه ﷺ قَالَ: (من حلف بالأمانة فَلَيْسَ منا) انْتهى. قَالَ الْجلَال: وَيَنْبَغِي أَن يحرم الْحلف بحياة أحد من المخلوقين أَو رَأسه لِأَن ذَلِك خص الله بِهِ النَّبِي ﷺ تكرمة لَهُ حَيْثُ قَالَ: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِى سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الْحجر: ٧٢] انْتهى، وَفِي أَخذه الْحُرْمَة من ذَلِك نظر ظَاهر، إِذْ الَّذِي اخْتصَّ بِهِ ﷺ وَظَهَرت كرامته بِهِ هُوَ حلف الله تَعَالَى بحياته وتأكيده ذَلِك بِاللَّامِ وَغَيرهَا، وَلم يفعل تَعَالَى ذَلِك لغيره ﷺ فَهَذِهِ هِيَ الخصوصية الْعُظْمَى والكرامة الَّتِي لَا مُنْتَهى لَهَا، وَإِنَّمَا كَانَ يتم للجلال مَا ذكره أَن لَو أذن الله تَعَالَى للنَّاس فِي الْحلف بحياة نبيه ﷺ دون غَيره وَلم يَقع ذَلِك، بل نهى النَّاس كلهم عَن الْحلف بِهِ ﷺ وَبِغَيْرِهِ من الْخلق على حد وَاحِد، فَكَانَ الْحلف بذلك كُله مَكْرُوها بِأَيّ صِيغَة كَانَ، لَا حَرَامًا، وَمحله إنْ لم يعْتَقد فِي الْمَحْلُوف بِهِ أَن يعْظُم بِالْحلف بِهِ كَمَا يعظم الله فَإِن اعْتقد ذَلِك كفر. وَأما الْمَسْأَلَة الْعشْرُونَ: فدليلها خبر مُسلم (إيَّاكُمْ وكَثْرةُ الْحلف فِي البيع فإنَّه يُنْفِق ثمَّ يَمْحَق) وَالْكَلَام فِي الْإِكْثَار مَعَ الصدْق وَإِلَّا حَرْم، لما فِيهِ من الْغِشّ وَالْكذب) وَلَا يُنَافِيهِ قَول (الْأَذْكَار) يكره إكثار الْحلف فِي البيع وَالشِّرَاء وَنَحْوه وَإِن كَانَ صَادِقا انْتهى. فَإِن الْإِكْثَار من حيثُ هُوَ إكثار مَكْرُوه فِي حالتي الصدْق وَالْكذب، وَالْحُرْمَة فِي حَالَة الْكَذِب إِنَّمَا جَاءَت من أَمر آخر، وَكَأن الْجلَال حذف قَول (الْأَذْكَار) وَإِن كَانَ صَادِقا لظَنّه إيهامها. وَقد بَان بِمَا قَرّرته أَنَّهَا مشيرة إِلَى تدقيق حسن، وَهُوَ أَنه لَا يلْزم من الْحُرْمَة العَرَضيَّة خُرُوج الْإِكْثَار عَن حكمه وَهُوَ الْكَرَاهَة من حَيْثُ هُوَ إكثار كَمَا تقرر فافهمه.
وَأما الْمَسْأَلَة الحاديث وَالْعشْرُونَ: فدليلها خبر أبي نعيم أَنه ﷺ قَالَ: (لَا تَقولُوا قَوْسَ قُزَح فَإِن قزَح شَيْطَان، وَلَكِن قُولُوا قَوس الله فَهُوَ أَمَان لأهل الأَرْض) وقزح بِضَم الْقَاف وَفتح الزَّاي غير منصرف وَقَول الْعَامَّة لَهُ بِالدَّال تَصْحِيف.
وَأما الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة وَالْعشْرُونَ: فَهِيَ كَذَلِك فِي (الْأَذْكَار) لَكِن بِقَيْد حذفه الْجلَال. وَحَاصِل عبارَة (الْأَذْكَار) : يكره لمن ابتلى بِمَعْصِيَة أَو نَحْوهَا أَن يخبر غَيره بهَا إِلَّا نَحْو شَيْخه مِمَّن يَرْجُو بإخباره أنْ يُعلمهُ مخرجا مِنْهَا، أَو من مثلهَا أَو سَببهَا أَو يَدْعُو لَهُ أَو نَحْو ذَلِك، فَلَا بَأْس بِهِ بل هُوَ حسن، وَإِنَّمَا يكره إِذا انْتَفَت هَذِه الْمصلحَة روى الشَّيْخَانِ أَنه ﷺ قَالَ: (كل أمتِي معافى إِلَّا المجاهرين، وَإِن من المجاهرة أَن يعْمل الرجل بِاللَّيْلِ عملا ثمَّ يصبح وَقد ستر الله تَعَالَى عَلَيْهِ فَيَقُول: يَا فلَان عملت البارحة كَذَا وَكَذَا وَقد بَات يستره ربه وَهُوَ يصبح يكْشف ستر الله عَنهُ) انْتهى، فَأفَاد أَن مَحل الْكَرَاهَة إِذا انْتَفَت تِلْكَ الْمصلحَة فَكَانَ يتَعَيَّن على الْجلَال أَن يَقُول: وَأَن يحدث بِمَا عمله من الْمعاصِي إِلَّا لمصْلحَة، وَفَاته أَيْضا قَول (الْأَذْكَار) أَو نَحْوهَا، المفيدة أَن نَحْو الْمعاصِي مثلهَا فِيمَا ذكر، وَالظَّاهِر أَن مُرَاده بنحوها كل مَا تَقْتَضِي الْعَادة كتمه ويعد أَهلهَا ذكره خرماً للمروءة كجماع الحليلة وَنَحْوهَا من غير ذكر تفاصيله، وَإِلَّا حرم بل هُوَ كَبِيرَة لوُرُود الشَّرْع بالوعيد الشَّديد فِيهِ، وفاتهما أَعنِي الْجلَال وَالنَّوَوِيّ أَن مَحل الْكَرَاهَة إِذا لم يتحدث بالمعصية على جِهَة التفكه بهَا واستحلاء ذكرهَا وَإِلَّا حرم عَلَيْهِ.
وَأما الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة وَالْعشْرُونَ: فالتصريح بِالْكَرَاهَةِ فِيهَا لم يَقع فِي (الْأَذْكَار) . وَحَاصِل عِبَارَته: يَنْبَغِي أَن يُقَال فِي المَال الْمخْرج فِي الطَّاعَة كَالْحَجِّ والختان وَالنِّكَاح أنفقتُ وَنَحْوه، وَلَا يَقُول مَا اعتاده الْعَوام: غَرمتُ وخَسرتُ وضيعتُ، لِأَن هَذِه الثَّلَاثَة إِنَّمَا تسْتَعْمل فِي الْمعاصِي والمكروهات انْتهى، وَكَأن الْجلَال أَخذ كَرَاهَة غرمت أَي وَنَحْوه للمنفق فِي خير من قَول النَّوَوِيّ، وَلَا يُقَال إِلَخ وَهُوَ مُحْتَمل، وَعَلِيهِ فَالْمُرَاد بِالْكَرَاهَةِ فِي ذَلِك خلاف الأولى وَالْأَدب فِي التَّعْبِير بِمَا لَا يستقبح.
وَأما الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة وَالْعشْرُونَ: فالتصريح بِالْكَرَاهَةِ فِيهَا من تصرّف الْجلَال، وَعبارَة (الْأَذْكَار) مِمَّا يتَأَكَّد النَّهْي عَنهُ والتحذير مِنْهُ مَا يَقُول الْعَوام وأشباههم فِي هَذِه المكوس الَّتِي تُؤْخَذ مِمَّن يَبِيع وَيَشْتَرِي وَنَحْوهمَا: هَذَا حق السُّلْطَان، أَو عَلَيْك حق السُّلْطَان، وَنَحْو ذَلِك من الْعبارَات الْمُشْتَملَة على تَسْمِيَته حَقًا أَو لَازِما وَنَحْو ذَلِك، وَهَذَا من أشدِّ الْمُنْكَرَات، وأشنع المحدثات، حَتَّى قَالَ بعض الْعلمَاء: من سمى هَذَا حَقًا فقد كفر وَخرج عَن مِلَّة الْإِسْلَام، وَالصَّحِيح أَنه لَا يكفر إِلَّا إنْ اعْتقد حَقًا مَعَ علمه بِأَنَّهُ ظلم، وَالصَّوَاب أَن يُقَال فِيهِ: المكس أَو ضريبة السُّلْطَان أَو نَحْو ذَلِك من الْعبارَات انْتهى، وَبهَا يعلم أَن هَذِه الْكَلِمَة إِمَّا كُفْر بقيده الْمَذْكُور، وَهُوَ ظَاهر، وَإِمَّا حرَام كَمَا دلّ عَلَيْهِ صَرِيح قَوْله: وَهَذَا من أَشد الْمُنْكَرَات،
стр. 103
وَقَوله: وَمِمَّا يتَأَكَّد النَّهْي عَنهُ والتحذير مِنْهُ. وَيُوجه بِأَن تَسْمِيَته حَقًا مَعَ عدم اعْتِقَاد حقيته كذب صَرِيح فحرُم لذَلِك، وَأما الْكَرَاهَة فَلَا وَجه لَهَا فتصريحه أَعنِي الْجلَال بهَا مِمَّا يتعجب مِنْهُ فاعلمه.
وَأما الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة وَالْعشْرُونَ: فدليلها خبر أبي دَاوُد أَنه ﷺ قَالَ: (لَا يسئل بِوَجْه الله إِلَّا الْجنَّة) وَألْحق بِالْجنَّةِ كل خير أخروي. وَأما الْمَسْأَلَة السَّادِسَة وَالْعشْرُونَ: فدليلها الْخَيْر الصَّحِيح (مَنْ استعاذ بِاللَّه فأعيذوه، وَمن سَأَلَ بِاللَّه فَأَعْطوهُ، وَمن دعَاكُمْ فأجيبوه، وَمن صنع إِلَيْكُم مَعْرُوفا فكافئوه، فَإِن لم تَجدوا مَا تكافئونه فَادعوا لَهُ حَتَّى تروا أَنكُمْ قد كافأتموه) . وَفِي أَخذ الْكَرَاهَة من هَذَا نظر إِلَّا أَن يُرَاد بهَا خلاف الأولى.
وَأما الْمَسْأَلَة السَّابِعَة وَالْعشْرُونَ: فَمَا ذكره من الْكَرَاهَة هُوَ الصَّحِيح خلافًا لمن أَبَاحَهُ بِلَا كَرَاهَة، وَإِن كَانَ أول من كتبه الزَّنَادِقَة، ومكاتبة السّلف إِنَّمَا كَانَت: من فلَان إِلَى فلَان، أما بعد: سَلام الله عَلَيْك، أما بعد: فَإِنِّي أَحْمد إِلَيْك الله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ، وأسأله أَن يُصَلِّي وَيسلم على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد. ثمَّ أحدثت الزَّنَادِقَة المكاتبات الَّتِي أَولهَا أَطَالَ الله بَقَاءَك.
وَأما الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة وَالْعشْرُونَ: فالكراهة الَّتِي ذكرهَا الْجلَال فِي الْجِدَال والمراء وَالْخُصُومَة لم يُصَرح بهَا النَّوَوِيّ فِي الْأَذْكَار) ، بل مُقْتَضى عِبَارَته الْحُرْمَة. وحاصلها: أَن هَذِه الثَّلَاثَة مِمَّا يذم بِهِ من الْأَلْفَاظ، وَأَن الْغَزالِيّ فسر المراء بِأَنَّهُ طَعْنك فِي كَلَام الْغَيْر، بِإِظْهَار خلل فِيهِ لغير غَرَض سوى تحقير قَائِله، أَو إِظْهَار مرتبتك عَلَيْهِ، والجدال بِأَنَّهُ عبارَة عَن أَمر يتَعَلَّق بِإِظْهَار الْمذَاهب وتقريرها، وَالْخُصُومَة بِأَنَّهَا لجاج فِي الْكَلَام يَسْتَوْفِي بِهِ مَقْصُوده من مَال أَو غَيره ابْتِدَاء واعتراضاً، والمراء لَا يكون إِلَّا اعتراضاً هَذَا كَلَام الْغَزالِيّ. وَاعْلَم أَن الْجِدَال قد يكون بِحَق وَقد يكون بباطل قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِ الَّتِى هِىَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ وَقُولُواءَامَنَّا بِ الَّذِى أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَاهُنَا وَإِلَاهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٦] ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِ الْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِ الَّتِى هِىَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [النَّحْل: ١٢٥] فَإِن كَانَ الْجِدَال للوقوف على الْحق حُمِد، أَو فِي مدافعة حق أَو بِغَيْر حق ذمّ، وعَلى هَذَا التَّفْصِيل تتنزل النُّصُوص الْوَارِدَة فِي مدحه وذمه، وَلَا يُنَافِي مَا ذكره فِي الْخُصُومَة اضطِّرار الْإِنْسَان إِلَيْهَا لِاسْتِيفَاء حَقه، لِأَن الذَّم المتأكد إِنَّمَا هُوَ لمن خَاصم بِالْبَاطِلِ، أَو بِغَيْر علم، كوكيل القَاضِي، فَإِنَّهُ يتوكل فِي الْخُصُومَة قبل أَن يعرف أَن الْحق فِي أَي جَانب هُوَ، فيخاصم بِغَيْر علم، فَيدْخل فِي الذَّم أَيْضا من يطْلب حَقه، لكنه لَا يقْتَصر على قدر الْحَاجة، بل يُظْهر الْكَذِب للإيذاء، أَو التسليط على خَصمه، وَكَذَلِكَ مَنْ خلط فِي الْخُصُومَة كَلِمَات تؤذي وَلَيْسَ لَهُ إِلَيْهَا حَاجَة فِي تَحصيل حَقه، وَكَذَلِكَ مَنْ يحملهُ على الْخُصُومَة محْضُ العناد لقهر الْخصم وكسره، فَهَذَا هُوَ المذموم، وَأما الْمَظْلُوم الَّذِي ينْصرُ حجتَّه بطرِيق الشَّرْع من غير لَدَدْ وإسراف وَزِيَادَة لجاج على الْحَاجة من غير قصد عناد، وَلَا إِيذَاء، فَفعله هَذَا لَيْسَ حَرَامًا، ولكنَّ الأولى تَرْكَهُ مَا وجد إِلَيْهِ سَبِيلا، لِأَن ضبط اللِّسَان فِي الْخُصُومَة على حد الِاعْتِدَال مُتَعَذر، وَالْخُصُومَة توغر الصَّدْر، وتهيج الْغَضَب، وَإِذا حصل الْغَضَب حصل الحقد بَينهمَا حَتَّى يفرح كل وَاحِد بمساءة صَاحبه، ويحزن بمسرته، وَيُطلق اللِّسَان فِي عرضه، فَمن خَاصم فقد تعرض لهَذِهِ الْآفَات وَأَقل مَا فِيهِ اشْتِغَال الْقلب بهَا عَن الْعِبَادَات، وَهِي مبدأ الشرِّ، وَكَذَا الْجِدَال والمراء فَيَنْبَغِي أَن لَا يفتح فِيهِ بَاب الْخُصُومَة إِلَّا لضَرُورَة لَا بُد مِنْهَا وَعند ذَلِك يحفظ لنَفسِهِ وَقَلبه عَن آفاتها. وروى التِّرْمِذِيّ أَنه ﷺ قَالَ: (كفى بك إِثْمًا أنْ لَا تزَال مُخاصماً) انْتهى كَلَام (الْأَذْكَار) . وَإِذا تأملتها تعجبت من إِطْلَاق الْجلَال الْكَرَاهَة فِي هَذِه الثَّلَاثَة، وَعلمت أَن حُرْمَة الثَّلَاثَة بقيودها الْآتِيَة هِيَ الَّتِي دلّت عَلَيْهَا عبارَة النَّوَوِيّ لَا سِيمَا قَوْله فِي الْخُصُومَة: وَأما الْمَظْلُوم الَّذِي يَنْصرُ حجتَّه إِلَى قَوْله فَهَذَا لَيْسَ بِحرَام، الظَّاهِر أَو الصَّرِيح فِي تَحْرِيم مَا قبله، وَمَا خرج عَنهُ بالقيود الَّتِي جعلهَا فِيهِ شرطا بِعَدَمِ حرمته كَمَا يَأْتِي، وَكَيف سَاغَ للجلال أَن يجْزم بِكَرَاهَة المراء مَعَ تَفْسِيره لَهُ بِمَا مر عَن الْغَزالِيّ، مِمَّا أَفَادَ أَنه لَيْسَ الْغَرَض مِنْهُ إِلَّا تحقير قَائِله وتحقير الْغَيْر حرَام إِجْمَاعًا، فَالصَّوَاب أَنه حينئذٍ حرَام غليظ التَّحْرِيم، وَكَيف سَاغَ لَهُ أَيْضا أَن يجْزم بِكَرَاهَة الْجِدَال لغير حجَّة مَعَ تَفْسِير النَّوَوِيّ لَهُ بِأَنَّهُ الْجِدَال فِي مدافعة الْحق أَو بِغَيْر الْحق، وكل من هذَيْن تَحْرِيمه ظَاهر لَا يخفى على من لَهُ أدنى مسكة، لما عُلم مِمَّا قَرَّرَهُ النَّوَوِيّ أَن الْجِدَال أَمر يتَعَلَّق بِإِظْهَار الْمذَاهب وتقريرها، وحينئذٍ فَمن أظهر مذْهبه بالاستدلال لَهُ مَعَ علمه بِبُطْلَانِهِ، أَو احْتج لَهُ بِمَا يعلم أَنه بَاطِل فقد جادل بِغَيْر حجَّة، وارتكب محرما شَدِيدا، لنُصْرته للباطل، أَو ترويجه لَهُ على السَّامع، وَكَيف
стр. 104
سَاغَ لَهُ أَيْضا أَن يجْزم بِكَرَاهَة الْخُصُومَة من غير قيد، مَعَ اشْتِرَاط النَّوَوِيّ لعدم تَحْرِيمهَا أَن ينصر حجَّته بطرِيق الشَّرْع مَعَ عدم اللدد والإسراف، وَعدم اللجاج على الْحَاجة وَعدم قصد عناد، وَلَا إِيذَاء بِفِعْلِهِ. فأفهم هَذَا، أَنه مَتى وجد شَيْء مِمَّا نَفَاهُ حُرُمتْ الْخُصُومَة، أما حرمتهَا فِيمَا إِذا نصر حجَّته بِغَيْر طَرِيق الشَّرْع فظاهرة وَاضِحَة، وَأما حرمتهَا فِيمَا إِذا نصرها بِالشَّرْعِ لَكِن مَعَ لدد أَو إِسْرَاف، أَو زِيَادَة لجاج على قدر الْحَاجة، أَو قصد عناد أَو إِيذَاء بِفِعْلِهِ فظاهرة أَيْضا فِي الْحَالة الْأَخِيرَة أَعنِي قصد الْإِيذَاء بِفِعْلِهِ أَي لغير حَاجَة مجوّزة لذَلِك، وَأما فِيمَا قبلهَا من بَقِيَّة تِلْكَ الْحَالَات فَتحمل الْحُرْمَة فِيهَا على مَا إِذا أدّى فِيهَا ذَلِك اللدد أَو مَا بعده إِلَى مَحْظُور شَرْعِي يَقِينا، ككذب أَو تمويه بَاطِل ضمهما أَو أَحدهمَا إِلَى حجَّته الشَّرْعِيَّة. وَأما التَّاسِعَة وَالْعشْرُونَ: أَعنِي قَوْله: وَكَثْرَة الْكَلَام إِلَى قَوْله مُسْتَثْنى، فَمَا ذكره فِيهِ هُوَ حَاصِل كَلَام (الْأَذْكَار) وَهُوَ يكره التقعر، وَفِي نُسْخَة: التَّغَيُّر فِي الْكَلَام بالتشدِّق، وتكلف السجع والفصاحة، والتصنع بالمقدمات الَّتِي يعتادها المتفاصحون، وزخارف الْأَقْوَال، وكلّ ذَلِك من التَّكَلُّف المذموم، وَكَذَا تكلّف السجع والتحري فِي دقائق الْإِعْرَاب، وَوَحْشِي اللُّغَة فِي حَال مُخَاطبَة الْعَوام، بل يَنْبَغِي أَن يقْصد فِي مخاطبته لفظا يفهمهُ صَاحبه فَهْماً جلياً وَلَا يَسْتَثقِله. وروى أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَحسنه أَنه ﷺ قَالَ: (إِن الله يبغضُ البليغ من الرِّجَال الَّذِي يَتَخللَّ بِلِسَانِهِ كَمَا يَتَخَلَّل الْبَقر) . وروى مُسلم خبر: (هلك المُتَنَطعِّون. قَالَهَا ثَلَاثًا) وفسرهم الْعلمَاء: بالمبالغين فِي الْأُمُور. وَفِي خبر التِّرْمِذِيّ الَّذِي حسنه أَيْضا: (وَإِن من أبغضكم إِلَيّ وأبعدكم مني مَجْلِسا يَوْم الْقِيَامَة: الثرثارون) (أَي المكثرون للْكَلَام) والمتشدقون: (أَي المتطاولون على النَّاس فِي الْكَلَام) والمتفيهقون، وفسرهم ﷺ بِأَنَّهُم المتكبرون) وَلَا يدْخل فِي الذَّم تَحْسِين أَلْفَاظ الْخطب والمواعظ، إِذا لم يكن فِيهَا إفراط وإغراب، لِأَن الْمَقْصُود مِنْهَا تهييج الْقُلُوب إِلَى طَاعَة الله ولحسن اللَّفْظ فِي هَذَا أثر ظَاهر انْتهى. وَأما الثَّلَاثُونَ: فدليلها خبر أَصْحَاب (السّنَن) الْأَرْبَعَة أَنه ﷺ : قَالَ: (لَا يسئل الرجل فيمَ ضرب زَوجته) مَعَ الحَدِيث الْمُتَّفق على صِحَّته. (من حسن إِسْلَام الْمَرْء تَركه مَا لَا يعنيه) وَالْأَحَادِيث الصَّحِيحَة فِي السُّكُوت عَمَّا لَا تظهر فِيهِ مصلحَة كَثِيرَة جدا.
وَأما الْحَادِيَة وَالثَّلَاثُونَ: فعبارة (الْأَذْكَار) فِيهَا. وَأما الشِعْر فَفِي الحَدِيث الْحسن أَنه ﷺ سُئِلَ عَنهُ فَقَالَ: (هُوَ كَلَام حسنه حسن وقبيحه قَبِيح) أَي إِن الشّعْر كالنثر فِي أنَّ حُسْنه كحسنه وقبيحُه كقبيحه، إِلَّا أَن التجرد لَهُ والاقتصار عَلَيْهِ مَذْمُوم. وَقد صَحَّ فِي الْأَحَادِيث أَنه ﷺ سمع الشّعْر وَأمر بِهِ حسان وَقَالَ: (إِن من الشّعْر لحكمة) . وَقَالَ: (لِأَن يمتلىء جَوف أحدكُم قَيْحاً يَرِيه خير لَهُ من أَن يمتلىء شعرًا) وكل ذَلِك على حسب مَا ذَكرْنَاهُ انْتهى. وَذكر الْجلَال زِيَادَة على ذَلِك وَهِي: ذكر فِي (شرح الْمُهَذّب) أَن الِاشْتِغَال بأشعار الْعَرَب مَطْلُوب، وَقد ورد الْأَمر بِهِ لِأَن بِهِ تُعرف مَعَاني الْقُرْآن والْحَدِيث، ويحفظ الشَّرْع وَفِي (الرَّوْضَة) تكره أشعار المولدين، الْمُشْتَملَة على التغزل والبطالة، وَيُبَاح مِنْهَا مَا لَيْسَ فِيهِ سخف وَلَا شَيْء مِمَّا يكره وَلَا يُؤَدِّي إِلَى الشَّرّ، ولي فِيهِ بحث من جِهَة أَن أشعارهم يستشهد بهَا فِي الْمعَانِي وَالْبَيَان والبديع كَمَا صَرَّحُوا بِهِ وَهُوَ من الْعُلُوم الْوَاجِبَة الَّتِي يطلع بهَا على غرائب الْقُرْآن، ويُدْرِك إعجازه فَيَنْبَغِي أَن تكون فِي رُتْبَة أشعار الْعَرَب من هَذِه الْحَيْثِيَّة، وَأما إنشاؤه فمباح مَا لم يكن فِي هَجْو غير كَافِر، أَو فَاسق، فَحَرَام وإنْ صَدَق فِيهِ، فَهُوَ كالغيبة تَحْرِيمًا وَإِبَاحَة، وَيُبَاح التشبيب فِي غير معِين، وَهُوَ فِي مُعْيَّن غُلام أَو امْرَأَة فسق، وَفِي حليلته خارم للمروءة إِن كَانَ بِمَا يَنْبَغِي خفاؤه، وَلَا يلْحق بِالْكَذِبِ الْمُبَالغَة فِي الْمَدْح والاطراء على الصَّحِيح لِأَن الْكَاذِب يُوهم أَن الْكَذِب صدق بِخِلَاف الشَّاعِر وَبِالْجُمْلَةِ إنشاد الشّعْر وإنشاؤه مُبَاح لِأَنَّهُ ﷺ كَانَ يستنشده ويسمعه انْتهى.
وَأما الثَّانِيَة وَالثَّلَاثُونَ: فَفِيهَا قيد فِي (الْأَذْكَار) لَا بُد مِنْهُ، وَحَاصِل عِبَارَته: وَمِمَّا يُنهى عَنهُ الفُحْشُ وبذاءة اللِّسَان وَالْأَحَادِيث الصَّحِيحَة فِيهِ كَثِيرَة مَعْرُوفَة، وَمَعْنَاهُ التَّعْبِير عَن الْأُمُور المستقبحة بِعِبَارَة صَرِيحَة وَإِن صحت وَصدق الْمُتَكَلّم بهَا وَيَقَع ذَلِك كثيرا فِي نَحْو أَلْفَاظ الوقاع، وَيَنْبَغِي أَن يكنى عَنْهَا بالرفث والإفضاء والمس كَمَا فِي الْقُرْآن وَالسّنة، وَلَا يُصَرح بِنَحْوِ النيك وَالْجِمَاع، وَكَذَا يكنى عَن نَحْو الْبَوْل والتغوط، بِنَحْوِ قَضَاء الْحَاجة والخلاء، وَكَذَا عَن نَحْو الْبضْع، بِعِبَارَة جميلَة يفهم مِنْهَا الْغَرَض، هَذَا كُله إنْ لم تدع الْحَاجة إِلَى التَّصْرِيح لغباوه
стр. 105
السَّامع وَعدم فهمه المُرَاد لَو كني لَهُ، فحينئذٍ لَا كَرَاهَة فِي التَّصْرِيح للْحَاجة إِلَيْهِ، وعَلى هَذَا يحمل مَا جَاءَ فِي الْأَحَادِيث من التَّصْرِيح بِمثل ذَلِك، إذْ تَحْصِيل الإفهام فِي ذَلِك أولى من مُرَاعَاة مُجَرّد الْأَدَب فِي اللَّفْظ انْتهى. وَبِه يعلم أَنه كَانَ يتَعَيَّن على الْجلَال أَن يَقُول لغير حَاجَة. وَفِي الحَدِيث الْحسن: (لَيْسَ الْمُؤمن بالطعَّان أَي فِي الْأَنْسَاب وَلَا اللعَّان وَلَا الْفَاحِش وَلَا البذي) . وَفِي الحَدِيث الْحسن أَيْضا: (مَا كَانَ الفُحْشُ فِي شَيْء إِلَّا شَانُه، وَمَا كَانَ الحياءُ فِي شَيْء إِلَّا زانه) ثمَّ رَأَيْت عبارَة الْجلَال وَهِي مصرحة بذلك الْقَيْد وَهِي: وَيكرهُ الْفُحْش وَالْبذَاء وَهُوَ التَّعْبِير عَن الْأُمُور المستقبحة بِصَرِيح الْعبارَة، بل يُكنِّي، فَعَن الْجِمَاع بالإفضاء والمباشرة وَنَحْو ذَلِك مَا لم تدع إِلَيْهِ ضَرُورَة كخوف فهم الْمُخَاطب الْمجَاز انْتهى.
وَأما الثَّالِثَة وَالثَّلَاثُونَ: فالكراهة فِيهَا مفهومة من كَلَام (الْأَذْكَار) ، وَحَاصِله: بَاب الْحَث على التثبت فِيمَا يحكيه الْإِنْسَان، وَالنَّهْي عَن التحدث بِكُل مَا يسمع إِذا لم يظنّ صِحَّته، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولائِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ [الْإِسْرَاء: ٣٦] والآيات فِي ذَلِك كَثِيرَة وَكَذَا الْأَحَادِيث. كَخَبَر مُسلم (كفى بِالْمَرْءِ كَذِباً أنْ يُحدِّث بِكُل مَا سمع) . وَصَحَّ أَنه ﷺ قَالَ: (بئس مطيَّة الرجل زَعَمُوا) . قَالَ الْخطابِيّ: أصل هَذَا أَن الرجل إِذا أَرَادَ سفرا لبلد ركب مَطِيَّة إِلَيْهِ حَتَّى يبلغ حَاجته، فَشبه ﷺ مَا تقدم من أَمر الرجل إِذا أَرَادَ أَن يتَوَصَّل بِكَلَامِهِ إِلَى مَطْلُوبه فَشبه زَعَمُوا فِي الْكَلَام للتوصل بِهِ إِلَى حَاجته بالمطية، وَإِنَّمَا يُقَال زَعَمُوا فِي حَدِيث لَا يثبت إِنَّمَا هُوَ شَيْء يحْكى على سَبِيل الْبَلَاغ فقد ذمّ ﷺ من الحَدِيث مَا هُوَ سَبيله، وَأمر بالتثبت فِيمَا يحكيه لِئَلَّا يصير إِلَى شَيْء لَا يَحْكِي انْتهى كَلَام الْخطابِيّ.
وَأما الرَّابِعَة وَالثَّلَاثُونَ: فإطلاق الْكَرَاهَة فِيهَا عَجِيب مَعَ أَن فِيهَا تَفْصِيلًا فِي (الْأَذْكَار) . وَحَاصِل عِبَارَته: بَاب التَّعْرِيض والتورية. إعلم أَن هَذَا الْبَاب من أهم مَا يُعتنى بِهِ لِأَنَّهُ مِمَّا تعم بِهِ الْبلوى، فَيَنْبَغِي لكل أحد أَن يعتني بتحقيقه وتأمله وَالْعَمَل بِهِ، فَإِنَّهُ طَرِيق إِلَى السَّلامَة من عظم إِثْم الْكَذِب وخطره، والتعريض والتورية إِطْلَاق لفظ ظَاهر فِي معنى، وخفي فِي آخر مَعَ إِرَادَة خُفْيَة، وَهُوَ ضرب من الغَرَر وَالْخداع. قَالَ الْعلمَاء: فَإِن دعتنا إِلَيْهِ مصلحَة شَرْعِيَّة راجحة على خداع الْمُخَاطب، أَو حَاجَة لَا مندوحة عَنْهَا إِلَّا بِالْكَذِبِ فَلَا بَأْس بالتعريض، وَإِن لم تدع إِلَيْهِ مصلحَة كَذَلِك كره، إِلَّا أَن يتَوَصَّل بِهِ إِلَى أَخذ بَاطِل أَو رفع حق فَيحرم، وَقد جَاءَ من الْآثَار مَا يُبِيح ذَلِك، وَمَا لَا يبيحه، وَهِي مَحْمُولَة على هَذَا التَّفْصِيل، فمما جَاءَ فِي الْمَنْع خبر أبي دَاوُد بِسَنَد فِيهِ ضعف لكنه لم يُضعفهُ هُوَ فَيكون عِنْده حسنا على الْقَاعِدَة فِيمَا سكت عَنهُ أَنه ﷺ قَالَ: (كَبُرت خِيَانَة أَن تحدِّث أَخَاك حَدِيثا هُوَ لَك بِهِ مُصدِّق وَأَنت بِهِ كَاذِب) . وَقَالَ ابْن سِيرِين ﵁: الْكَلَام أوسع من أَن يكذب ظريف فِيهِ.
مِثَال التَّعْرِيض الْمُبَاح مَا قَالَه النَّخعِيّ ﵁: إِذا بلغ الرجل عَنْك شَيْء قلته فَقل اللَّهُمَّ تعلم مَا قلت من شَيْء، فَتوهم بِمَا أَنَّهَا نَافِيَة وتقصد الموصولة، وَقَالَ: لَا تقل لابنك أَشْتَرِي لَك سكرا، بل قل لَهُ: أَرَأَيْت لَو اشْتريت لَك سكرا، وَكَانَ إِذا طلبه أحد قَالَ لأمته: قولي لَهُ اطلبه فِي الْمَسْجِد أَو خرج: أَي فِي وَقت غير هَذَا. وَكَانَ الشّعبِيّ يخط دَائِرَة وَيَقُول لأمته: ضعي أصبعك فِيهَا وَقَوْلِي مَا هُوَ هُنَا، وَمثل هَذَا قَول بَعضهم إِذا دعى لطعام أَنه على نِيَّة أَي نِيَّة عدم الْأكل موهماً أَنه صَائِم، وتمنع التورية أَيْضا الْحِنْث وإثم الْيَمين الْغمُوس مَا لم يكن المحلِّف القَاضِي بعد دَعْوَى صَحِيحَة وَبِغير نَحْو طَلَاق. قَالَ الْغَزالِيّ رَحمَه الله تَعَالَى: وَلَيْسَ من الْكَذِب الْمُوجب للفسقِ مَا اُعْتِيدَ، من نَحْو قلتُ لَك أَو جئتُك مائَة مرّة، فَإِنَّهُ لَا يُرَاد بِهِ تفهيم المرات بل تفهيم الْمُبَالغَة، فَإِن لم يكن طَلَبَه إِلَّا مرّة وَاحِدَة كَانَ كَاذِبًا، وَإِن طلبه مَرَّات لَا يعْتَاد مثلهَا فِي الْكَثْرَة لم يَأْثَم، وَإِن لم يبلغ مائَة مرّة وَبَينهمَا دَرَجَات يتَعَرَّض المبالغ للكذب فِيهَا. قلت: وَدَلِيل جَوَاز الْمُبَالغَة وَأَنه لَا يعد كَاذِبًا. خبر (الصَّحِيحَيْنِ) : (أما أَبُو جَهْم فَلَا يضع الْعَصَا عَن عَاتِقه وَأما مُعَاوِيَة فصعلوك لَا مَال لَهُ) وَمَعْلُوم أَنه كَانَ لَهُ ثوب يلْبسهُ وَأَنه كَانَ يضع الْعَصَا فِي وَقت النّوم وَغَيره اه حَاصِل كَلَام (الْأَذْكَار) . وكأنّ الْجلَال اعْتمد فِي إِطْلَاقه الْكَرَاهَة على قَول النَّوَوِيّ ﵀. قلت: وَدَلِيل جَوَاز الْمُبَالغَة إِلَخ وَظَاهر عِنْد أدنى تَأمل للعبارة أنّ هَذَا لَا يُنَافِي تَفْصِيل الْغَزالِيّ الَّذِي ذكره بل هُوَ دَلِيل لَهُ لِأَنَّهُ ﷺ لم يُبَالغ إِلَّا بِأَمْر غلب على صَاحبه فعله، أَي أَن أَبَا جَهْم غلب عَلَيْهِ الضَّرْب المكنى عَنهُ بِعَدَمِ وضع الْعَصَا عَن عَاتِقه، وَمُعَاوِيَة غلب عَلَيْهِ الْفقر، فَأطلق على الأول أَنه لَا يضع عَصَاهُ عَن عَاتِقه، وعَلى الثَّانِي أَنه صعلوك مُبَالغَة،
стр. 106
وَهَذَا بِعَيْنِه دَلِيل لما يَقُوله الْغَزالِيّ: بِأَن الْمُبَالغَة لَا تسوغ إِلَّا فِي أَمر غلب وَأما إِذا جَاءَهُ مرّة وَقَالَ: إِنِّي جئْتُك مائَة مرّة فَهَذَا لَا مُبَالغَة فِيهِ، وَإِنَّمَا هُوَ مَحْض كذب فاتضح تَفْصِيل الْغَزالِيّ، وَأَن كَلَام النَّوَوِيّ عقبه دَلِيل لَهُ وَأَن إِطْلَاق الْجلَال كَرَاهَة الْمُبَالغَة لَيْسَ فِي مَحَله فَتَأمل ذَلِك فَإِنَّهُ مُهِمّ. وَأما الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة وَالثَّلَاثُونَ: إِلَى قَوْله: أنسيت، فَهُوَ صَحِيح لكنه قيَّد فِي (الْأَذْكَار) كَرَاهَة ذَلِك حَال الْخطْبَة بِمَا إِذا كَانَ يسمع الْخَطِيب، أَي وَيفهم مَا يَقُول، كَمَا هُوَ ظَاهر، وَبِه صرح أَصْحَابنَا حَيْثُ قَالُوا: يسن لمن لَا يسمع الْخطْبَة الِاشْتِغَال بِالْقِرَاءَةِ وَالذكر، أمَّا بَقِيَّة الْمسَائِل فواضحة إِلَّا الْأَخِيرَة أَعنِي كَرَاهَة الْكَلَام حَال الْأَذَان، حَيْثُ لم يمْنَع استماعه وَلَا الْإِجَابَة الْمَطْلُوبَة مِنْهُ، وَالظَّاهِر أَن مُرَاد الْقَائِل بِالْكَرَاهَةِ خلاف الأولى والأكمل، وَهُوَ الإصغاء إِلَيْهِ لِأَنَّهُ يحمل على تذكر ظُهُور الْإِسْلَام، وإتمام النِّعْمَة بِهِ علينا، وَأما مَا عدا هَذِه فقد ذكر النَّوَوِيّ من أدلته أَشْيَاء مِنْهَا: مَا روى الشَّيْخَانِ: (لَا يَقُولَن أحدكُم نسَيتُ آيَة كَذَا وَكَذَا بل أُنسى) ورويا أَيْضا (بئس مَا لأَحَدهم أَن يَقُول نسيت آيَة كَيْت وَكَيْت بل أُنسى) . ورويا أَيْضا أَنه ﷺ سمع رجلا يقْرَأ فَقَالَ: ﵀ لقد أذكرني آيَة كنت أسقطتها) وَفِي رِوَايَة صَحِيحَة (أنسيتها) . وروى البُخَارِيّ أَنه ﷺ : (لَا تسبوا الْأَمْوَات فَإِنَّهُم قد أفضوا إِلَى مَا قدمُوا) . وَفِي خبر ضَعِيف: (اذْكروا محَاسِن مَوتْاكم وكُفوا عَن مساويهم) قَالَ الْعلمَاء: يحرم سبُّ ميت مُسلم لم يكن مُعْلنا بِفِسْقِهِ، وَأما الْكَافِر وَالْمُسلم الْمُعْلن بِفِسْقِهِ أَو بدعته، فَفِيهِ خلاف للسلف لتعارض النُّصُوص فَهُوَ كالنهي الْمَذْكُور. وسبه ﷺ لنَحْو عَمْرو بن لحي وَإِقْرَاره لمن أثنوا شرا على جَنَازَة مرت بِهِ وَالأَصَح جَوَاز ذكر مساوىء الْكفَّار وَكَذَا نَحْو معلن بِفِسْقِهِ أَو مُبْتَدع إِذا كَانَ فِيهِ مصلحَة للتحذير من شرهم وَإِلَّا لم يجز. ورويا أَيْضا: (مَا عَابَ رَسُول الله ﷺ طَعَاما قطّ فَإِن اشْتَهاه أَكله وَإِن كَرِهه تَركه) وَفِي رِوَايَة لمُسلم: (وَإِن لم يشته سكتْ) . وروى أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه (أَن رجلا سَأَلَ النَّبِي ﷺ إنَّ من الطَّعَام طَعَاما أتحرَّج مِنْهُ؟ قَالَ: لَا يَتَخلَّجنَّ أَي بِمُهْملَة أَو مُعْجمَة فلام فجيم فِي صدرك شَيْء) أَي لَا تقع فِي رِيبَة مِنْهُ، وأصل الحلج بِالْمُهْمَلَةِ الْحَرَكَة (ضَارعت بِهِ فِيهِ النَّصَارَى) أَي شابهتهم فِي تَركهم الطَّعَام بِمُجَرَّد التخيل الْفَاسِد، وَيجوز أَن يَقُول لَا أشتهي هَذَا أَو مَا اعْتدت أكله أَو نَحْو ذَلِك لحَاجَة. روى الشَّيْخَانِ: (أَن الضَّب شُوِي وقدّم إِلَى رَسُول الله ﷺ فَعِنْدَ مَا هوى بِيَدِهِ إِلَيْهِ أعلموه فَرفع يَده الشَّرِيفَة، فَقيل أحرام هُوَ؟ فَقَالَ: لَا، وَلَكِن لم يكن بِأَرْض قومِي فأجدني أعافه) وَالْأَصْل فِي مدح الْآكِل مَا يَأْكُل مِنْهُ خبر مُسلم: (أَنه ﷺ سَأَلَ أَهله الأُدْم؟ فَقَالُوا: مَا عندنَا إِلَّا خلُّ، فَدَعَا بِهِ وَجعل يَأْكُل مِنْهُ وَيَقُول: نعم الأُدْم الْخلّ نِعْم الأُدْم الْخلّ) . وروى ابْن السّني (أَنه ﷺ رأى رجلا مَعَه غُلَام، فَقَالَ للغلام: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: أبي، فَقَالَ ﷺ لَا تمش أَمَامه وَلَا تستبّ لَهُ أَي لَا تفعل فعلا قبيحاً تتعرض بِهِ لسبِّه إياك وَلَا تجْلِس قَبْله، وَلَا تَدْعُه باسمه) وَذكر بعض السّلف الْمُتَّفق على صَلَاحه أَنه قَالَ: (من العقوق أَن تسمي أَبَاك باسمه، وَأَن تمشي أَمَامه فِي طَرِيق) . وروى البُخَارِيّ عَن عَليّ ﵁ قَالَ: (حَدِّثُوا النَّاس بِمَا يَعرفون أتُحِبِّون أَن يُكذَّب الله وَرَسُوله) . وروى الشَّيْخَانِ أَنه ﷺ قَالَ لِمعَاذ حِين طول الصَّلَاة بِالْجَمَاعَة: (أفتَّان أَنْت يَا معَاذ) . وروى مُسلم أَنه ﷺ قَالَ: (لَا تُسميَّنّ غلامك يساراً، وَلَا رباحاً، وَلَا نَجحاً، وَلَا أَفْلح، فَإنَّك تَقول أثمّ هُوَ فَلَا يكون فَيَقُول لَا) الحَدِيث. وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد (النَّهْي عَن تَسْمِيَته بركَة) ومسائل السَّلَام الْمَذْكُورَة مبسوطة فِي كتب الْفِقْه بأدلتها فَلَا نطيل بذكرها. وَالله أعلم بِالصَّوَابِ.
٨٩ - وَسُئِلَ نفع الله بِعُلُومِهِ: عَن شخص اعْتقد أَنه رأى ربه تَعَالَى فِي الدُّنْيَا؛ وَأَن الرُّؤْيَا وَقعت مِنْهُ فِي الدُّنْيَا بِالْعينِ فِي الْيَقَظَة فَهَل يجوز ذَلِك؟ كَمَا قَالَ جمَاعَة. إِن الْمُخْتَار جَوَاز رُؤْيَته فِي الدُّنْيَا فِي الْيَقَظَة بِالْعينِ وَفِي الْمَنَام بِالْقَلْبِ، وإنْ لم يَقع ذَلِك على الْمُخْتَار؛ فَذَلِك يَقْتَضِي حلا لغير نَبينَا ﷺ على مَا فِيهِ. أَي فِي الْوُقُوع لَهُ ﵊ من الْكَلَام: أَي الِاخْتِلَاف الْكثير الشهير، أَو يحرم ذَلِك عَلَيْهِ لِأَنَّهُ إِذا لم يَقع إِلَّا للنَّبِي ﷺ على مَا فِيهِ فَكيف يَقع لغيره، أَو يكْفُر باعتقاده ذَلِك كَمَا قَالَه الكواشي فِي تَفْسِير سُورَة النَّجْم حَيْثُ قَالَ بعد أَن ذكر الْخلاف فِي أَنه وَقع ذَلِك أَي الرُّؤْيَة بِالْعينِ فِي الْيَقَظَة: فمعْتقِد رُؤْيَته تَعَالَى هُنَا بِالْعينِ غير مُسلم، فَهَل كَلَامه فِي ذَلِك مُقَرر أَولا؟ فَأجَاب بقوله: الْكَلَام هُنَا فِي مقامين. الأول: فِي إمكانها
стр. 107
عقلا، وَالَّذِي عَلَيْهِ أهل السّنة أَنَّهَا مُمكنَة عقلا وَشرعا فِي الدُّنْيَا، وَاسْتَدَلُّوا لذَلِك بِأُمُور عقلية وَأُمُور نقلية، لَكِن أدلتهم الْعَقْلِيَّة لَا تَخْلُو من دَخَل وخفاء، فالمعوَّل عَلَيْهِ فِي إمكانها إِنَّمَا هُوَ الْأَدِلَّة النقلية. فَمِنْهَا أَن مُوسَى صلى الله على نَبينَا وَعَلِيهِ وَسلم قد سَأَلَهَا بقوله: ﴿قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَاهَا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الْأَعْرَاف: ١٤٠] فَلَو لم تكن الرُّؤْيَة مُمكنَة جَائِزَة الْوُقُوع فِي الْخَارِج لَكَانَ طلب مُوسَى لَهَا جَهْلاً مِنْهُ بِمَا يجوز على الله وَمَا لَا يجوز، أَو سفهاً أَو عَبَثَاً أَو طلبا للمُحال، والأنبياء صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ منزهون عَن كل فَرْدٍ فَرْدٍ من ذَلِك إِجْمَاعًا بل مَنْ جوَّز وَاحِدًا من هَذِه على واحدٍ مِنْهُم فَهُوَ كَافِر مراق الدَّم، وَأَيْضًا فَالله تَعَالَى قد علق الرُّؤْيَة باستقرار الْجَبَل وَهُوَ أَمر مُمكن فِي نَفسه، فَوَجَبَ كَون الْمُعَلق بِهِ كَذَلِك إذْ الْمحَال لَا يُعلق بممكن أصلا، وَأول المعتزلةُ الْآيَة بتأويلات تخَالف ظَاهرهَا حَتَّى يخرجوها عَنهُ إِلَى مَا يُوَافق اعْتِقَادهم الْفَاسِد، أَنَّهَا من قسم الْمحَال الْعقلِيّ الَّذِي لَا يُمكن وُقُوعه فِي الدُّنْيَا كالآخرة، وَمحل بسطها وردهَا كتب التَّفْسِير وَالْأُصُول. الثَّانِي: فِي وُقُوعهَا وَهَذَا غير الأول كَمَا هُوَ وَاضح، لَكِن وَقع فِي كَلَام السَّائِل نفع الله بِهِ مَا يَقْتَضِي اتحادهما وَهُوَ قَوْله: فَهَل يجوز ذَلِك كَمَا قَالَه جمَاعَة إِلَخ؟ إذْ الَّذِي قَالَه أُولَئِكَ إِنَّمَا هُوَ الْجَوَاز بِمَعْنى الْإِمْكَان الْعقلِيّ والشرعي، وَالَّذِي سَأَلَ عَنهُ إِنَّمَا هُوَ الْوُقُوع وشتان مَا بَين المقامين كَمَا تقرر، وَمِمَّا يُوضحهُ أَن بحراً من زئبق يُنْبت الْأَجْسَام الجامدة والنامية والحساسة والمتحركة بالإرادة مُمكن الْوُجُود عقلا، لكنْ لم يَقع ذَلِك وَلم يبرز إِلَى حيّز هَذَا الْوُجُود، فَكَذَلِك الرُّؤْيَة وَإِن كَانَت مُمكنَة عقلا وَشرعا عِنْد أهل السّنة لكنَّها لم تقع فِي هَذِه الدَّار لغير نَبينَا ﷺ ، وَكَذَا لَهُ على قَول عَلَيْهِ بعض الصَّحَابَة ﵃ لكنَّ جُمْهُور أهل السّنة على وُقُوعهَا لَهُ ﷺ لَيْلَة الْمِعْرَاج بِالْعينِ. إِذا تقرر ذَلِك عُلِم مِنْهُ أَنه لَا يجوز لأحد أَن يدعى أَنه رأى الله بِعَين رَأسه وَمن زعم ذَلِك فَهُوَ كَافِر مراق الدَّم، كَمَا صرح بِهِ من أَئِمَّتنَا صَاحب الْأَنْوَار وَنَقله عَنهُ جمَاعَة وأقروه. وَحَاصِل عِبَارَته: أنَّ مَنْ قَالَ إِنَّه يرى الله عَياناً فِي الدُّنْيَا ويكلمه شفاهاً فَهُوَ كَافِر، وَلما نقلت عَنهُ ذَلِك فِي كتابي (الْإِعْلَام بِمَا يقطع الْإِسْلَام) وَهُوَ كتاب نَفِيس لم يتْرك من المكفرات الْمُتَّفق عَلَيْهَا والمختلف فِيهَا شَيْئا إِلَّا أَحْصَاهُ. قلت: وَالْوَجْه أَنه لَا يشْتَرط فِي كفر من زعم أَنه يرى الله عَياناً فِي الدُّنْيَا ويكلمه شَفاها اجْتِمَاع هذَيْن خلافًا لما توهمه عبارَة (الْأَنْوَار) بل يكْفُر زاعم أَحدهَا انْتهى، وَسَيَأْتِي فِي الْآيَات وَالْأَحَادِيث مَا يدل لذَلِك لَكِن يتَعَيَّن حمله على عَالم أَو جَاهِل مقصر بجهله، وَقد ضم إِلَى زَعمه الرُّؤْيَة بِعَيْنِه، زعْمهُ اعْتِقَاد وجود جسم ولازمه من الْحُدُوث، أَو مَا يستلزمه كالصورةَ واللون وَنَحْوهمَا فَهَذَا هُوَ الَّذِي يتَّجه الحكم بكُفْره، لِأَنَّهُ حينئذٍ لم يعْتَقد قدم الْحق وَلَا كَمَاله تَعَالَى الله عَن ذَلِك علوّاً كَبِيرا. وَأما من اعْتقد رُؤْيَة عين منزهة عَن انضمام ذَلِك إِلَيْهَا فَلَا يظْهر الحكم بِكُفْرِهِ بِمُجَرَّد ذَلِك، لِأَن الْمَنْقُول الْمُعْتَمد عندنَا عدم كُفْر الجهوية والمجسمة إِلَّا إِن اعتقدوا الْحُدُوث أَو مَا يستلزمه، وَلَا نظر إِلَى لَازم مَذْهَبهم لِأَن الْأَصَح فِي الْأُصُول أَن لَازم الْمَذْهَب لَيْسَ بِمذهب، لجَوَاز أَن يعْتَقد الْمَلْزُوم دون اللَّازِم، ومنْ ثمَّ قُلْنَا: لَو صرح باعتقاد لَازم الجسمية كَانَ كَافِرًا، وَقَالَ الْأَذْرَعِيّ وَغَيره: الْمَشْهُور عدم تَكْفِير المجسمة، وَإِن قَالُوا جسم كالأجسام أَي لأَنهم مَعَ ذَلِك قد لَا يَعْتَقِدُونَ لَوَازِم الْأَجْسَام. وَإِذا تقرر هَذَا فِي الجهوية والمجسمة فَكَذَا يُقَال بِهِ فِي زاعم رُؤْيَة الْعين.
فَإِن قلت: الْفرق بَينهمَا وَاضح فَإِن تينك الْفرْقَتَيْنِ قد ورد فِي الْكتاب وَالسّنة مَا يَصح بقولهمَا لَوْلَا مَا امتنَّ الله بِهِ على الْأمة من توفيق سلفها وَخَلفهَا إِلَى صرف تِلْكَ النُّصُوص عَن ظواهرها، وَإِنَّمَا الْخلاف بَين السّلف وَالْخلف فِي التَّأْوِيل التفصيلي، فالسلف يرجحون أَوْلَوِيَّة الْإِمْسَاك عَنهُ لعدم احتياجهم إِلَيْهِ لصلاح زمنهم، وَالْخلف يُرجِّحون أولويته، بل وجوب الْخَوْض فِيهِ لفساد زمنهم وَكَثْرَة مبتدعته، وَقُوَّة شوكتهم وتمويه شبههم. وَأما زاعم الرُّؤْيَة بِالْعينِ فقد ورد من الْأَدِلَّة القطعية مَا يشدد النكير على سائلها واقترن بِهِ مَا يقوى استنكار ذَلِك واستعظامه كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَىالَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىانَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ﴾ [الْبَقَرَة: ٥٥] وَقَوله تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِّنَ السَّمَآءِ فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَىاأَكْبَرَ مِن ذالِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهِ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾ [النِّسَاء: ١٥٣] وَقَوله : ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَىارَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُواْ فِى أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوّاً كَبِيراً﴾ [الْفرْقَان: ٢١] وَصَحَّ فِي مُسلم أَنه ﷺ قَالَ:
стр. 108
(وَاعْلَمُوا أَنكُمْ لن تروا ربكُم حَتَّى تَمُوتُوا) وحينئذٍ فَيَنْبَغِي كفر زاعم الرُّؤْيَة بِالْعينِ فِي الدُّنْيَا مُطلقًا بِخِلَاف المجسمة. قلت: بعد أَن قرّر الْأَئِمَّة وعلماء الْأمة وحفاظ الْملَّة تِلْكَ الْآيَات وَالْأَحَادِيث وصرفوها عَن ظواهرها كَمَا تقرّر لم يبْق لأحد عذر فِي اعْتِقَاد ظواهرها، فَمن فعل ذَلِك فَقيل يكفر مُطلقًا، وَقيل إنْ قَالَ جسم كالأجسام كفر وَإِلَّا فَلَا، وَعَلِيهِ جرى النَّوَوِيّ ﵀ فِي مَوضِع، وَقيل لَا يكفر مُطلقًا وَهُوَ الْمَشْهُور من مَذْهَبنَا مَا لم يَضُمَّ لذَلِك اعْتِقَاد بعض تِلْكَ اللوازم كَمَا مَرَّ، وحينئذٍ فَيَنْبَغِي أَن يجرى نَظِير هَذَا الْخلاف كُله فِي مدعى الرُّؤْيَة بِالْعينِ، فَيكون الْأَصَح عدم كفره، إِلَّا إِن ضمَّ لذَلِك اعْتِقَاد حُدُوث أَو مَا يُؤَدِّي مؤاده، لِأَن ملحظ التَّكْفِير وَعَدَمه فِي المجسمة وَنَحْوهم لَيْسَ الْعذر وَعَدَمه، لِأَن الْكَلَام فِي الْعَالم وَإِنَّمَا الملحظ اعْتِقَاد النَّقْص وملزومه، وَلَا شكّ أَن هذَيْن يجريان فِي زاعم الرُّؤْيَة بِالْعينِ فِي دَار الدُّنْيَا فَكَمَا جرى ذَلِك الْخلاف كَذَلِك يجْرِي هُنَا، إذْ لَا فَارق يعْتد هُنَا بِهِ كَيفَ وَالْإِمَام الرباني المترجم بشيخ الْكل فِي الْكل أَبُو الْقَاسِم الْقشيرِي رَحمَه الله تَعَالَى يجْزم بِأَنَّهُ لَا يجوز وُقُوعهَا فِي الدُّنْيَا لأحد غير نَبينَا ﷺ وَلَا على وَجه الْكَرَامَة وَادّعى أَن الْأمة اجتمعتْ على ذَلِك، فَإِذا أَجمعُوا على امْتنَاع وُقُوعهَا كَانَ زاعمه لنَفسِهِ مُخَالفا للْإِجْمَاع مُدعيًا مَا قد يَتَرَتَّب عَلَيْهِ نقص، فَمن ثمَّ قَالُوا بِكُفْرِهِ وقيدته بِمَا مر. فَإِن قلت: حكى عَن الْأَشْعَرِيّ قَول بوقوعها فَكيف الْإِجْمَاع حينئذٍ؟ قلت: إِن صَحَّ الْإِجْمَاع فَوَاضِح أَنه لَا ينظر إِلَيْهِ وأنَّ قَائِله إِنَّمَا قَالَه لظَنّه أَن لَا إِجْمَاع، وَإِن لم يَصح كَانَ هَذَا القَوْل فِي غَايَة الشذوذ وَلَا ينظر إِلَيْهِ أَيْضا، وَلَا يمْنَع وجوده التَّكْفِير لزاعم مَا قَدمته بِشَرْطِهِ.
٩٠ - وَسُئِلَ نفع الله بِهِ: عَن حكم الموالد والأذكار الَّتِي يَفْعَلهَا كثير من النَّاس فِي هَذَا الزَّمَان هَل هِيَ سنة أم فَضِيلَة أم بِدعَة؟ فَإِن قُلْتُمْ إِنَّهَا فَضِيلَة فَهَل ورد فِي فَضلهَا أثر عَن السّلف أَو شَيْء من الْأَخْبَار، وَهل الِاجْتِمَاع للبدعة الْمُبَاح جَائِز أم لَا؟ وَهل إِذا كَانَ يحصل بِسَبَبِهَا أَو سَبَب صَلَاة التَّرَاوِيح اخْتِلَاط واجتماع بَين النِّسَاء وَالرِّجَال وَيحصل مَعَ ذَلِك مؤانسة ومحادثة ومعاطاة غير مرضية شرعا، وَقَاعِدَة الشَّرْع مهما رُجحتْ الْمفْسدَة حَرُمتْ الْمصلحَة، وَصَلَاة التَّرَاوِيح سنة، وَيحصل بِسَبَبِهَا هَذِه الْأَسْبَاب الْمَذْكُورَة فَهَل يمْنَع النَّاس من فعلهَا أم لَا يضر ذَلِك؟ فَأجَاب بقوله: الموالد والأذكار الَّتِي تفعل عندنَا أَكْثَرهَا مُشْتَمل على خير، كصدقة، وَذكر، وَصَلَاة وَسَلام على رَسُول الله ﷺ ومدحه، وعَلى شرّ بل شرور لَو لم يكن مِنْهَا إِلَّا رُؤْيَة النِّسَاء للرِّجَال الْأَجَانِب، وَبَعضهَا لَيْسَ فِيهَا شرّ لكنه قَلِيل نَادِر، وَلَا شكّ أَن الْقسم الأول مَمْنُوع للقاعدة الْمَشْهُورَة المقررة أنَّ دَرْء الْمَفَاسِد مقدَّم على جلب الْمصَالح، فَمن عَلِم وُقُوع شَيْء من الشرّ فِيمَا يَفْعَله من ذَلِك فَهُوَ عَاص آثم، وبفرض أَنه عمل فِي ذَلِك خيرا، فَرُبمَا خَيْرُهُ لَا يُسَاوِي شَرَّه أَلا ترى أَن الشَّارِع ﷺ اكْتفى من الْخَيْر بِمَا تيَسّر وفَطَم عَن جَمِيع أَنْوَاع الشَّرّ حَيْثُ قَالَ: (إِذا أَمرتكُم بِأَمْر فَأتوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُم، وَإِذا نَهيتكم عَن شَيْء فَاجْتَنبُوهُ) فَتَأَمّله تعلم مَا قَرّرته من أَن الشرَّ وَإِن قلّ لَا يُرَّخصُ فِي شَيْء مِنْهُ، وَالْخَيْر يكْتَفى مِنْهُ بِمَا تيَسّر. وَالْقسم الثَّانِي سنَّة تشمله الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي الْأَذْكَار الْمَخْصُوصَة والعامة. كَقَوْلِه ﷺ : (لَا يقْعد قوم يذكرُونَ الله تَعَالَى إِلَّا حفَّتهم الملائكةُ، وغَشِيَتْهُم الرَّحْمَة، وَنزلت عَلَيْهِم السكينَة، وَذكرهمْ الله تَعَالَى فِيمَن عِنْده) رَوَاهُ مُسلم. وروى أَيْضا أَنه ﷺ قَالَ لقوم جَلَسُوا يذكرُونَ الله تَعَالَى ويحمدونه على أَن هدَاهُم لِلْإِسْلَامِ (أَتَانِي جِبْرِيل ﵊ فَأَخْبرنِي أَن الله تَعَالَى يُباهي بكم الْمَلَائِكَة) وَفِي الْحَدِيثين أوضح دَلِيل على فضل الِاجْتِمَاع على الْخَيْر وَالْجُلُوس لَهُ، وَأَن الجالسين على خَيْر كَذَلِك، يُباهي الله بهم الْمَلَائِكَة، وتنزل عَلَيْهِم السكينَة وتغشاهم الرَّحْمَة، وَيذكرهُمْ الله تَعَالَى بالثناء عَلَيْهِم بَين الْمَلَائِكَة فأيّ فَضَائِل أجل من هَذِه؟
وَقَول السَّائِل نفع الله بِهِ: وَهل الِاجْتِمَاع للبدع الْمُبَاحَة جَائِز؟ جَوَابه: نعم جَائِز. قَالَ الْعِزّ بن عبد السَّلَام رَحمَه الله تَعَالَى: الْبِدْعَة فعل مَا لم يعْهَد فِي عهد النبيّ ﷺ ، وتنقسم إِلَى خَمْسَة أَحْكَام يَعْنِي الْوُجُوب وَالنَّدْب الخ، وَطَرِيق معرفَة ذَلِك أَن تعرض البِدعة على قَوَاعِد الشَّرْع فَأَي حكم دخلت فِيهِ فَهِيَ مِنْهُ، فَمن الْبدع الْوَاجِبَة تعلم النَّحْو الَّذِي يفهم بِهِ الْقُرْآن وَالسّنة، وَمن الْبدع الْمُحرمَة مَذْهَب نَحْو الْقَدَرِيَّة، وَمن الْبدع المندوبة إِحْدَاث نَحْو الْمدَارِس والاجتماع لصَلَاة التَّرَاوِيح، وَمن الْبدع الْمُبَاحَة المصافحة بعد الصَّلَاة وَمن الْبدع الْمَكْرُوهَة زَخْرفة الْمَسَاجِد والمصاحف أَي بِغَيْر الذَّهَب
стр. 109
وَإِلَّا فَهِيَ مُحرمَة، وَفِي الحَدِيث (كل بدْعة ضَلَالَة وكل ضَلَالَة فِي النَّار) وَهُوَ مَحْمُول على الْمُحرمَة لَا غير، وَحَيْثُ حصل فِي ذَلِك الِاجْتِمَاع لذكر، أَو صَلَاة التَّرَاوِيح أَو نَحْوهَا محرم، وَجب على كل ذِي قدرَة النَّهْي عَن ذَلِك وعَلى غَيره الِامْتِنَاع من حُضُور ذَلِك وَإِلَّا صَار شَرِيكا لَهُم، وَمن ثمَّ صرح الشَّيْخَانِ بِأَن من الْمعاصِي الْجُلُوس مَعَ الْفُسَّاق إيناساً لَهُم.
٩١ - وَسُئِلَ نفع الله بِهِ: هَل سيدنَا رَسُول الله ﷺ يفضل الرُّسُل خُصُوصا فَهَل يفضلهم عُمُوما أم لَا، وَهل الْولَايَة الْمَخْصُوصَة فِي مرتبَة النبوّة أَولا، وَهل ولَايَة النَّبِي ﷺ أَفْضَل من نبوّته أم نبوّته أفضل أم الرتْبتان متساويتان أم كَيفَ الْحَال، وَهل كَانَ نَبينَا مُحَمَّد ﷺ متعبداً بشرع أحد من الْأَنْبِيَاء قبل الْبعْثَة وَبعدهَا أم لَا، وَهل أرسل إِلَى الْخلق كَافَّة حَتَّى إِلَى الْمَلَائِكَة كَمَا نقل ذَلِك بَعضهم، أم إِلَى الثقلَيْن فَقَط، وَهل الْأَفْضَلِيَّة بَين الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة قَطْعِيَّة أم اجتهادية، إذْ لَا شَاهد من الْعقل يقطع بأفضلية بعض الْأَئِمَّة على الْبَعْض، وَالْأَخْبَار الْوَارِدَة فِي فضائلهم متعارضة، وَهل الْإِنْسَان الْكَامِل الَّذِي كمل لَهُ الْإِيمَان بِاللَّه قبل الْبعْثَة يدْخل الْجنَّة أم لَا، وَأَيْضًا هَل الْقَائِل بِأَن العَبْد خَالق لأفعاله مُشْرك أم لَا، وَهل يجوّز الْعقل إثابة الْكَافِر وعقوبة الْمُؤمن أم لَا؟ فَأجَاب بقوله: لَا يخفى على من لَهُ أدنى ممارسة بتأمل الْكتاب وَالسّنة أَن نَبينَا مُحَمَّدًا ﷺ يفضل جَمِيع الْأَنْبِيَاء وَالْمُرْسلِينَ خُصُوصا وعموماً لقَوْله تَعَالَى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىابَعْضٍ مِّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ اللَّهُ﴾ [الْبَقَرَة: ٢٥٣] أَي مُوسَى ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ أَي مُحَمَّدًا ﷺ رَفعه الله تَعَالَى على سَائِر الْأَنْبِيَاء وَالْمُرْسلِينَ من ثَلَاثَة أوجه: بالمعراج بِذَاتِهِ، وبالسيادة على جَمِيع الْبشر، وبالمعجزات الَّتِي لَا تحصر وَلَا تفنى، وَكفى بِالْقُرْآنِ معْجزَة بَاقِيَة مستمرة إِلَى قرب قيام السَّاعَة، وَفِيه من المعجزات والفضائل لنبينا ﷺ على غَيره مَا لَا يُحْصى. قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وَفِي هَذَا الْإِبْهَام من تفخيم فَضله وإعلاء قدره مَا لَا يخفى لما فِيهِ من الشَّهَادَة على أَنه الْعلم الَّذِي لَا يَشْتَبِه والمتميز الَّذِي لَا يلْتَبِس، وَمن هَذِه الْآيَة وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَىابَعْضٍ﴾ [الْإِسْرَاء: ٥٥] رد الْعلمَاء على الْمُعْتَزلَة قبحهم الله تَعَالَى فِي قَوْلهم: إِنَّه لَا فضل لبَعض الْأَنْبِيَاء على بعض، وَالنَّهْي فِي أَحَادِيث عَن التَّفْضِيل بَين الْأَنْبِيَاء مَحْمُول عِنْد الْعلمَاء على تَفْضِيل يُؤَدِّي إِلَى تنقيص بَعضهم، وَمن زعم أَن آدم أفضل لحقِّ الأبوَّة، فَإِن أَرَادَ أنَّ فَضْله من حَيْثُ كَونه أَبَا لَا مِنْ حَيْثُ النبوّة والمعجزات والخصائص، فَلهُ وَجه، وَإِلَّا فَلَا وَجه لما زَعمه مَعَ خبر التِّرْمِذِيّ. أَنه ﷺ قَالَ: (أَنا سيد ولد آدم يَوْم الْقِيَامَة وَلَا فَخْر، وَبِيَدِي لِوَاء الْحَمد وَلَا فَخْر، وَمَا من نبيّ آدم فمنّ سواهُ إِلَّا تَحت لِوَائِي يَوْم الْقِيَامَة) فَبين ﷺ بقوله: (آدم فَمن سواهُ) أَنه أفضل الكلّ، وَقَوله: (ولد آدم) للتأديب مَعَ الْأُبُوَّة، وَقَوله: (وَلَا فَخْر) المُرَاد بِهِ وَلَا فَخر أعظم من هَذَا، أَو لَا أَقُول ذَلِك على جِهَة الْفَخر بل على جِهَة الْإِخْبَار بالواقع، وَقَوله (يَوْم الْقِيَامَة) خصّه بِالذكر لِأَنَّهُ يظْهر لَهُ ﷺ فِيهِ من السؤدد والتمييز على سَائِر الْأَنْبِيَاء مَا لَا يظْهر لغيره، لَا سِيمَا الْمقَام الْمَحْمُود الَّذِي يؤتاه ذَلِك الْيَوْم، وَهُوَ الشَّفَاعَة الْعُظْمَى فِي فصل الْقَضَاء حِين يذهب النَّاس إِلَى أولى الْعَزْم، نوح وَإِبْرَاهِيم ومُوسَى وَعِيسَى، فكُلُّ يذكر لنَفسِهِ شَيْئا وَيَقُول: نَفسِي نَفسِي إِلَّا نَبينَا ﷺ فَإِنَّهُ يَقُول: (أَنا لَهَا أَنا لَهَا) الحَدِيث. وَفِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ مَرْفُوعا عِنْد البُخَارِيّ (أَنا سيد النَّاس يَوْم الْقِيَامَة) وَهَذَا صَرِيح فِي أفضليته ﷺ على آدم وعَلى جَمِيع أَوْلَاده من الْأَنْبِيَاء وَالْمُرْسلِينَ، وَفِي حَدِيث عِنْد الْبَيْهَقِيّ (أَنا سيد الْعَالمين) وهم الْإِنْس وَالْجِنّ وَالْمَلَائِكَة فَفِيهِ التَّصْرِيح بِأَنَّهُ أفضل الْخلق كلهم. وَيُؤَيِّدهُ حَدِيث مُسلم الْآتِي (وأرسلتُ إِلَى الْخلق كافَّة) وَمن شَأْن الرَّسُول أَن يكون أفضل من الْمُرْسل إِلَيْهِم، وَاسْتدلَّ الْفَخر الرَّازِيّ على أفضليته ﷺ على سَائِر الْأَنْبِيَاء بقوله تَعَالَى بعد ذكرهم ﴿أُوْلَائِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الْأَنْعَام: ٩٠] وَذَلِكَ لِأَنَّهُ تَعَالَى وَصفهم بالأوصاف الحميدة ثمَّ أَمر نبيه ﷺ أَن يَقْتَدِي بجميعهم فَيكون إِتْيَانه بذلك وَاجِبا وَإِلَّا كَانَ تَارِكًا لمقْتَضى الْأَمر، وَإِذا أَتَى بِجَمِيعِ مَا تلبسوا بِهِ من الْخِصَال الحميدة فقد اجْتمع فِيهِ مَا كَانَ مفرقاً فيهم فَيكون أفضل مِنْهُم، وَاحْتج السعد التَّفْتَازَانِيّ بقوله تَعَالَى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمرَان: ١١٠] قَالَ: لِأَنَّهُ لَا شكّ أَن الْخَيْرِيَّة للْأمة إِنَّمَا هُوَ بِحَسب كمالهم فِي الدّين وَذَلِكَ تَابع لكَمَال نَبِيّهم الَّذِي يتبعونه: أَي فلولا أَنه خير الْأَنْبِيَاء لم تكن أمته خير الْأُمَم، وَقد ثَبت بِنَصّ الْآيَة أَنهم خير الْأُمَم فَيكون نَبِيّهم خير
стр. 110
الْأَنْبِيَاء لما علمت مَا بَينهمَا من الْمُلَازمَة الظَّاهِرَة. وَقَول السَّائِل نفع الله بِهِ: وَهل الْولَايَة الْمَخْصُوصَة فِي مرتبَة النُّبُوَّة؟ كَلَام مُجْمل يحْتَاج لبَيَان فَإِن أَرَادَ بِالْولَايَةِ الْمَخْصُوصَة ولايات الْأَوْلِيَاء غير الْأَنْبِيَاء فَالصَّوَاب أَنه لَا يُمكن شرعا أَن وليا يصل لدرجة نبيّ، وَمن اعْتقد ذَلِك فَهُوَ كَافِر مراق الدَّم إِلَّا أَن يَتُوب، وَإِن أَرَادَ أَن السَّبَب الَّذِي اقْتضى أفضليته ﷺ أفضل من مُطلق النبوّة فَهَذَا لَا يحْتَاج إِلَيْهِ، لأَنا قد علمنَا مِمَّا تقرر وَغَيره أَن نَبينَا ﷺ أفضل من سَائِر الْأَنْبِيَاء فِي كل وصف من أَوْصَاف الْكَمَال، وَمن ثمَّ خَاطب الله تَعَالَى الْأَنْبِيَاء بِأَسْمَائِهِمْ وَلم يخاطبه إِلَّا بِنَحْوِ ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِىُّ حَسْبُكَ ياأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِى الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُواءَامَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هًّادُواْ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍءَاخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَاذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَ احْذَرُواْ وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُوْلَائِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِى الدُّنْيَا خِزْىٌ وَلَهُمْ فِى الأٌّخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ياأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ياأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ وَأوجب الله تَعَالَى عَلَيْهِم إِن بعث وهم أَحيَاء أَن يُؤمنُوا بِهِ ويتبعوه وينصروه كَمَا قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَآءَاتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ﴾ [آل عمرَان: ٨١] الْآيَة، وَوَقع لِابْنِ عبد السَّلَام ﵀ فِيهَا مَا لَا يَنْبَغِي فاجتنبه. وَقَول السَّائِل: وَهل ولَايَة النَّبِي الخ، كَأَن مُرَاده بِهَذَا أَيْضا الْمَسْأَلَة الْمَشْهُورَة عَن ابْن عبد السَّلَام وَهِي قَوْله: إِن نبوّة النَّبِي أفضل من رسَالَته لِأَن النبوّة هِيَ الطّرف الْمُتَعَلّق بِالْحَقِّ والرسالة هِيَ الطّرف الْمُتَعَلّق بالخلق، وَمَا تعلق بِالْحَقِّ أفضل مِمَّا تعلق بالخلق وَهُوَ ضَعِيف جدا، وَمن ثمَّ ضعَّفه غير وَاحِد من الْمُتَأَخِّرين، وَبَيَان ضَعْفِه أَن الرسَالَة لَيْسَ لَهَا طرف من جِهَة الْخلق فَقَط بل لَهَا طرفان لِأَن الرَّسُول هُوَ الْمبلغ عَن الله تَعَالَى الْأَحْكَام للنَّاس فَهُوَ متلقِّ من جِهَة الْحق ومُلْق على الْخلق، فَكَانَت رسَالَته الَّتِي تأهل بهَا إِلَى الْخلَافَة عَن الله تَعَالَى أَفْضَل من مُجَرّد نُبوَّته لِأَنَّهُ لم يتأهل بهَا إِلَى الْمرتبَة الْعلية، وَالْكَلَام فِي نبوة الرَّسُول ورسالته، أما الرَّسُول فَهُوَ أفضل من النَّبِي إِجْمَاعًا، وَحمل بَعضهم النَّهْي عَن التَّفْضِيل بَين الْأَنْبِيَاء السَّابِق على النَّهْي عَن التَّفْضِيل بَينهم فِي ذَات النُّبُوَّة والرسالة فَإِنَّهُم فِي ذَلِك على حد سَوَاء لَا تفاضل بَينهم، وَإِنَّمَا التَّفَاضُل فِي زِيَادَة الْأَحْوَال وخصوص الكرامات والرتب، فذات النُّبُوَّة لَا تفاضل فِيهَا، وَإِنَّمَا التَّفَاضُل فِي أُمُور زَائِدَة عَلَيْهَا، وَمن ثمَّ كَانَ مُبْهما.
وَقَول السَّائِل: هَل كَانَ نَبينَا ﷺ متعبداً الخ. جَوَابه: أَن الْعلمَاء اخْتلفُوا هَل كَانَ ﷺ قبل بعثته متعبداً بشرع من قبله أَو لَا؟ فَقَالَ الْجُمْهُور: لم يكن متعبداً بِشَيْء. وَاحْتَجُّوا بِأَن ذَلِك لَو وَقع لنقل وَلما أمكن كتمه وَلَا سَتْره فِي الْعَادة وَلَا افتخر بِهِ أهل تِلْكَ الشَّرِيعَة ﷺ عَلَيْهِ، وَاحْتَجُّوا بِهِ بِأَن ذَلِك لَو وَقع لنقل وَلما أمكن كتمه وَلَا ستره فِي الْعَادة وَلَا افتخر بِهِ أهل تِلْكَ الشَّرِيعَة ﷺ وَاحْتَجُّوا بِهِ عَلَيْهِ، فَلَمَّا لم يَقع شَيْء مِنْ ذَلِك، علمنَا أَنه لم يكن متعبِّداً بشرع نبيِّ قبله، وَذهب طَائِفَة إِلَى امْتنَاع ذَلِك عقلا قَالُوا: لِأَنَّهُ يبعد أَن يكون متبوعاً وَقد عرف تَابعا. وَذهب آخَرُونَ إِلَى الْوَقْف فِي أمره ﷺ وَترك قطع الحكم عَلَيْهِ بِشَيْء فِي ذَلِك لِأَنَّهُ لَا قَاطع من الْجَانِبَيْنِ، وَإِلَى هَذَا ذهب إِمَام الْحَرَمَيْنِ. وَقَالَ آخَرُونَ: كَانَ عَاملا بشرع من قبله. ثمَّ اخْتلفُوا فَوقف بَعضهم عَن التَّعْيِين واحْجم وجسر عَلَيْهِ بَعضهم. ثمَّ اخْتلف المعينون فَقيل نوح وَقيل إِبْرَاهِيم وَقيل مُوسَى وَقيل عِيسَى وَقيل آدم، فَهَذِهِ جملَة الْمذَاهب فِي هَذِه الْمَسْأَلَة وأظهرها الأول وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور، وأبعدها مَذْهَب المعينين إذْ لَو كَانَ شَيْء لنقل كَمَا مر.
وَلَا حجَّة لمن زعم أَن عِيسَى آخر الْأَنْبِيَاء ﷺ فلزمتْ شريعتُه ﷺ مَنْ جَاءَ بعده، لِأَنَّهُ لم يثبت عُمُوم دَعْوَة عِيسَى، بل الصَّحِيح أَنه لم يكن لنَبِيّ دَعْوَة عَامَّة إِلَّا لنبينا ﷺ ، وَمن ثمَّ لم يُرْسل للجن غَيره ﷺ ، وإيمان الْجِنّ بِالتَّوْرَاةِ كَمَا يدل عَلَيْهِ أَوَاخِر سُورَة الْأَحْقَاف كَانَ تَبَرعا كَإِيمَانِ بعض الْعَرَب من قُرَيْش وَغَيرهم بالإنجيل، إذْ لم يثبت أنَّ مُوسَى أُرسل لغير بني إِسْرَائِيل والقبط وَلَا أنَّ عِيسَى أُرسل لغير بني إِسْرَائِيل، وَزعم بعض من لَا تَحْقِيق عِنْده وَلَا اطلَاع على حقائق الْكتاب وَالسّنة، أنَّ نَبينَا ﷺ كَانَ على شَرِيعَة إِبْرَاهِيم ﷺ وَلَيْسَ لَهُ شرع مُنْفَرد بِهِ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُود من بعثته إحْيَاء شرع إِبْرَاهِيم تمسكاً بِظَاهِر قَوْله تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النَّحْل: ١٢٣] وَهَذَا القَوْل أَي أَن الشَّرِيعَة شَرِيعَة إِبْرَاهِيم بالغلط بل بالخُراف أشبه، ومِنْ ثمَّ قَالُوا: إِن مثله لَا يصدر إِلَّا من سخيف الْعقل كثيف الطَّبْع، وَإِنَّمَا المُرَاد بِهَذِهِ الْآيَة الِاتِّبَاع فِي التَّوْحِيد الْخَاص بمقام الخُلة الَّذِي هُوَ مقَام إِبْرَاهِيم الْمشَار إِلَيْهِ بِصِيغَة ﴿حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ والمتسبب عَن تفويضه الْمُطلق لما أَن ألْقى فِي النَّار وَجَاء إِلَيْهِ جِبْرِيل ﵉ قَائِلا لَهُ (أَلَك حَاجَة؟ قَالَ أما إِلَيْك فَلَا) ، فوصل غَايَة من التَّفْوِيض لم يصل إِلَيْهَا أحد قبله وَلَا بعده إِلَّا نَبينَا مُحَمَّد ﷺ ، فَإِنَّهُ وصل إِلَيْهَا وارتقى عَنْهَا
следующие страницы →