стр. 1016
← Фикх шафии следующие страницы →
Фикх шафии · id 19230
التدريب في الفقه الشافعي
سراج الدين البلقيني
Полный текст (1 801 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.
стр. 1017
стр. 1018
باب مُعاشَرةِ النِّساءِ والقَسْمِ لَهُنَّ (١)، والشِّقاقِ (٢)
المُعاشرةُ لُغَةً: المُخالطةُ (٣)، وكذلكَ التَّعاشُرُ، والاسْمُ العِشرةُ.
وشَوْعًا: مُخالَطةُ الزَّوجَيْنِ على وجْهٍ مَخصوصٍ، قال اللَّهُ تعالى: [﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ وقالَ تعالى] (٤): ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
قال الشافعي ﵁ (٥): وجِماعُ المَعروفِ بيْنَ الزَّوجَيْنِ كَفُّ المَكروهِ، وإعفَاءُ صَاحبِ الحقِّ مِن المُؤْنَةِ فِي طَلبِهِ، وأَداؤُه إليه بِطِيبِ النَّفْسِ لا بضرورتِهِ إلى طَلَبِه، ولا بإظْهارِ الكَراهِيةَ لِتأدِيَتِه.
ومَدارُ البابِ على العدْلِ بيْنَ زَوجَيْنِ فأكثَرَ (٦) فِي المِبيتِ ونحوِه على ما سَيأتِي.
стр. 1019
قالَ اللَّهُ تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ أي: لا تعدِلُوا فِي القَسْمِ الواجِبِ، والجَوْرُ فِي هذا حَرامٌ.
وعليه يُحمَلُ قولُهُ ﷺ : "مَنْ كانتْ لَه امْرَأتانِ فمَالَ إلى إحداهُما جَاءَ يوْمَ القِيامةِ وشِقُّه مَائلٌ" رواه أصحابُ السُّنَنِ الأرْبعةِ (١).
стр. 1020
وأمَّا المَيْلُ بالمَحبَّةِ فلا يُمْكنُ الإنسانُ التسويةَ فيه، وعليه حُمِلَ قولُه تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ﴾ (١).
وقالتْ: عائشةُ ﵂: كانَ رسولُ اللَّه ﷺ يَقْسِمُ فيَعدِلُ ويقولُ: "اللهُمَّ هذا قَسْمِي فِيما أمْلِكُ فلا تلُمْنِي فيما تملِكُ ولا أملِكُ" (٢)؛ يعني: القلبَ. رواه
стр. 1021
أصحابُ السُّننِ.
ومَنْ له زَوْجةٌ واحدةٌ يُستحَبُّ أَنْ يَبِيتَ عِندَها ويخصَّها.
وأدْنى الدَّرجاتِ أن لا يُخْلِيَ أربعَ لَيالٍ عن مَبيتِ لَيلةٍ.
والإِماءُ -ولَو مُستولَداتٍ- لا قَسْمَ لَهنَّ، ويُستَحبُّ أن يُسوِّيَ بيْنهنُّ، وأن لا يُعطِّلَهنَّ (١)، وله المَبيتُ عِندهن دُونَ الزوجاتِ، وله تَرْكُ المَبيتِ عِندَ زَوْجتَينِ فأكثرَ فِي الابتداءِ والدَّوامِ بعدَ التسويةِ فيما مَضَى.
* * *
* ضابطٌ:
كل مَنِ استحقَّتِ النَّفقةَ مِن زَوْجةٍ غَيرِ رجعيةٍ فإنها تستحقُّ القَسْمَ (٢) إلا
стр. 1022
فِي صورتين:
إحداهما: إذا أرادَ السَّفرَ بِجميعِ نِسائِه فتَخلَّفَتْ واحدةٌ لِمَرضٍ (١) بها؛ فإنه لا قَسْمَ لها، وإنِ استحقَّتِ النفقةَ؛ ذكرَه المَاوَرْدِيُّ.
الثانيةُ: المَجْنونةُ التي لا يُخافُ مِنها، لا يَجِبُ أَنْ يُقْسَمَ لَها، وإذا لَمْ يظْهَرْ منها نُشوزٌ ولا امتناعٌ وهِيَ مُسْلِمةٌ له (٢) فالنَّفقةُ واجِبةٌ؛ قلتُه تخْرِيجًا.
وقد تُستثْنَى الواهِبةُ، وستَأتِي.
فيَدخُلُ فِي الضابطِ: الرَّتْقاءُ، والقَرْناءُ، والحائضُ، والنُّفَسَاءُ والمُحرِمةُ والصَّائمةُ، والمُظاهَرُ مِنها، والمُولَى مِنها، والمَريضةُ والمَجنونةُ إلا فيما سَبَقَ فيهما، والأَمَةُ إذا سُلِّمَتْ لِلزَّوجِ نهارًا ولَيلًا ومَنْ لا تَستحقُّ النَّفقةَ لِأنَّها صغِيرةٌ أوْ ناشِزةٌ.
ومِنها (٣): أن يدعوَهُنَّ إلى بَيْتهِ فتَمتنعَ واحدة، أوْ يدعُوَها حيثُ يَجوزُ تَخصيصُها بِذلك فتَمتنِعَ أو تَدَّعيَ الطلاقَ، أو تكونُ مُعتَدَّةً عن وطْءِ شُبهةٍ أو مَحبوسَةً (٤) أو مغصوبةً منه، أوْ غيْرَ مُمَكِّنِةً، أو أمَةً لَمْ تُسلَّمْ نهارًا، أوْ حُرَّهً سُلِّمَتْ في (٥) بَعضِ الزَّمانِ دُونَ بَعْضٍ، أو مسافرةً بإِذْنِه فِي حاجتها فلا (٦)
стр. 1023
تَستحقُّ القَسْمَ.
والقَسْمُ على كلِّ زَوجٍ بالغٍ عاقِلٍ، وعلى وليِّ المَجنونِ الذي يأمَنُ (١)، ولا يَضرُّه الجِماع (٢).
وأمَّا الصغيرُ (٣) الذي لا يَحصُلُ (٤) مِنه (٥) مقصودُ العِشرَةِ فلا يتعلَّقُ بوَليِّه ذلك.
* * *
ولِلْقَسْمِ مكانٌ وزمانٌ، وحالةٌ تقتضِي التفصيلَ أو الانفرادَ فِي المَبيتِ .
* أمَّا المكانُ:
فإنْ لَمْ ينفرِدِ الزَّوجُ بمَسْكَنٍ: فإنَّه يَدُورُ على مَساكِنِهنَّ، وإنْ كان له مَسْكنٌ فلَه أَنْ يدْعُوَهُنَّ إليه، والأَوْلَى أَنْ يَدورَ (٦) عليْهِنَّ.
ولا يَجوزُ أَنْ يَمْضِيَ إلى بعْضِهِنَّ ويَدعُوَ بَعْضًا إلا فِي أربَعِ صُوَرٍ:
стр. 1024
إحداها: إذا كانت (١) التي يَدعُوها عَجوزًا، والتي (٢) يَمْضِي إلَيْها شابَّةً.
الثانيةُ: أَنْ تكونَ التي (٣) يَمْضِي إلَيْها قَريبةَ المَنزِلِ، والتي يَدعوها بَعيدةَ المَنزِلِ.
الثالثةُ: إذا أقْرَعَ لِذلك، قال الرافعيُّ: فيَنبغِي القَطْعُ بالجَوازِ، وفيما قالَه نَظرٌ.
الرابعةُ: إذا حَصَلَ التَّراضِي بذلك؛ قلتُه تخْريجًا.
وإذا أَقامَ عِندَ (٤) واحدةٍ ودَعَا غَيْرَها إلى مَنزِلِها لَمْ يَلزَمِ المَدعُوَّةَ (٥) الإجابةُ.
ولا يُجمَعُ بيْنَ ضَرَّتينِ فِي مَسكنٍ واحدٍ إلا بِرِضاهُما (٦).
* وأمَّا الزمانُ (٧):
فعِمادُ القَسْمِ الليلُ (٨)، والنهارُ قبْلَه أوْ بَعْدَه تابعٌ له، وَمَنْ عملُه باللَّيلِ وسُكونُه بالنَّهارِ كالحَارسِ ونحوِه، ينْعكِس الأمْرُ فِي حقِّه.
стр. 1025
وعِمادُ قسْمِ المسافِرِ وقتُ نُزولِه قلَّ أو كثُرَ.
وفِي الجُنونِ المُنقطعِ المُنضبِطِ العِبْرَة (١) بوَقْتِ (٢) الإفاقَةِ حتى لَو كانتْ بالنَّهارِ فقَط كان هُوَ المُعتبَرَ، وتُجعَلُ أيامُ الجُنونِ كالغَيبةِ؛ نصَّ عليه.
ويُعتَدُّ بِما قُسِمَ فِي الجُنونِ على النَّصِّ كالمَرَضِ (٣).
وأقَلُّ نُوَبِ القَسْمِ لَيْلةٌ (٤) وهو الأَوْلى (٥) مِنَ الزِّيادةِ، ويَجوزُ لَيلتَينِ وثلاث، وتُكرَهُ الزِّيادةُ على الثلاثِ على النَّصِّ فِي "الأُمِّ" و"المختصَرِ" (٦).
وصَرَّحَ فِي "الأُمِّ" (٧) بأنَّ الزِّيادةَ على الثَّلاثِ ليس بِحرَامٍ، وهذا خِلافُ ما صحَّحُوه، وقالوا: إنَّه المَذهبِ.
ويُقرَعُ فِي ابتداءِ القَسْمِ لِلْمُتقدِّمِ (٨) على الأرْجحِ، وإذا (٩) حَصَلَ التراضِي بتقْدِيمِ واحدةٍ لَمْ يَمتنِعْ وقلَّ مَنْ ذكَرَ هذا.
ولا يَدخُلُ فِي النَّهارِ (١٠) على غَيرِ صاحِبةِ النَّوبةِ إلا لِضَرورةٍ كمَرضِها
стр. 1026
المَخوفِ أوِ لحَريقٍ أوْ نَهْبٍ و (١) نحوِهما، ولَمْ يَذكرُوه، ولا يَقضِي.
فإنْ طالَ مُقامُه عندَ المَريضةِ قَضاهُ مِن نَوبتِها لِصاحبةِ النَّوبةِ، وفِي التَّتابعِ (٢) يَدخُلُ لِلْحاجةِ كتَسليمِ نفَقةٍ ووَضْعِ مَتاعٍ وتَعَرُّفِ خَبرٍ، ولا يُطيلُ المُقامَ.
ويَحْرُمُ أن يُجامِعَ (٣)، ولا يَحرمُ الاستمتاعُ على الأصحِّ، ومَتى دَخلَ لِغَيرِ حاجةٍ حَرُمَ، وإنْ قَصُرَ، ويَقضِي إنْ لَمْ يَكنْ يَسيرًا (٤)، ولا تجبُ التسويةُ بيْنهُنَّ فِي الإقامةِ نهارًا.
* وأمَّا الحالةُ التي تَقتضِي التَّفصيلَ: فالحرِّيَّةُ، وحَقُّ الزِّفافِ، والمُسافَرُ بها بالقُرعةِ فِي غَيرِ النُّقلةِ، والمَوهُوبُ لَها، أو مَن خَصَّها (٥) الزَّوجُ بنَوبةِ الوَاهبةِ مِنه فيَقْسِمُ لِلْحُرَّةِ مِثْلَيِ (٦) الأَمَةِ -ولَو مُدَبَّرَةً أوْ مُكاتَبةً أوْ مبعَّضةً- ولا يُتصَوَّرُ ذلك إلا أَنْ يكونَ فِي الزّوجِ رِقٌّ، أوْ نَكَحَ الحُرُّ أمَةً بالشُّروطِ ثمَّ نَكحَ حُرَّةً أو فِي اللَّقيطةِ (٧) يُقِرُّ بالرِّقِّ بعد تَزويجِه.
стр. 1027
ومَتى عَتقتِ الأمةُ قبْلَ تَمامِ لَيْلتِها فلا تُفَضَّلُ الحُرَّةُ عليها إنْ بَدَأ بالحُرَّةِ، فإنْ بَدأ بالأمَةِ فعَتقَتْ قبْلَ تَمامِ نَوبتِها، ولَو فِي التتابُعِ، فإنَّها تُلْحَقُ بالحَرائرِ.
وكذا إنْ عَتَقَتْ بَعْدَ نَوبتِها فِي الأُولى مِنْ لَيْلتَي الحُرَّةِ فيُقتصَرُ علَيْها، نَصَّ علَيه فِي القَديمِ؛ ولَمْ يُخالِفْه فِي الجَديدِ، وجرَى عليه (١) الشَّيخُ أبو حامدٍ وغيره خِلافًا للإمام وغَيرِهِ مِمَّنْ رَجَّحَ أنَّ عِتْقَها بَعْدَ نَوبتِها لا يَقتضِي التَّسويةَ.
وعلى الأوَّلِ لَوْ عَتَقَتْ فِي الليلةِ الثانيةِ للحُرَّةِ خَرَجَ مِن عِنْدِ الحُرَّةِ فِي الحالِ.
وتَختصُّ الجديدةُ البِكرُ -ولو أَمَةً- عِنْدَ الزَّفافِ بِسَبعٍ، والثيِّبُ -ولَو أَمَةً- بثَلاثٍ.
ويُستحَبُّ أَنْ يخيِّرَ الثيِّبَ بيْنَ أن يُثَلِّثَ بِلَا قَضاءٍ أو يُسَبِّعَ بالقَضاءِ، فإن سبَّعَ بِطَلَبِها قضَى الكُلَّ، وإلا قَضى الزَّائدَ.
والمسافَرُ بِها بالقُرعةِ فِي غَيرِ النُّقلةِ (٢) أوْ بالتَّراضِي -كما ذَكرَه المَاورْدِيُّ- يَختصُّ بزمانِ السَّفرِ وإنْ قَصُرَ أو أرْدَفَه بسَفرٍ آخَرَ جَبْرًا (٣) لِمَا حَصَلَ لَها به مِنَ المَشقةِ (٤)، فلا يَقضِي للمُقيماتِ زَمنَ (٥) السَّفرِ ذَهابًا وإيابًا، ويَقضِي
стр. 1028
مُدةَ (١) الإقامةِ إذا نَوى بِهَا النُّقلةَ على النَّصِّ فِي "الأُمِّ"، و"المُختصرِ" (٢).
وقال به جَمْع مِن الأصْحابِ وهو المُعتمَدُ، خِلافًا لِمَنِ اعتَبرَ مُطْلَقَ نِيةِ الإقامةِ، وهُمُ المُتأخِّرونَ مع اضْطِرابِهم فِي ذلك.
واعتَبَرَ الغزَّاليُّ كونَ السفرِ مرخِّصًا ويَقتضِي (٣) وُجوبَ القَضاءِ فِي سَفَرِ المَعصيةِ، وهو بَعيدٌ.
وإنْ سافرَ لِنُقلةٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَستصحِبَ بعضَهنَّ بقُرعةٍ (٤)، وإذا استَصحَبَ بَعْضَهنَّ (٥)، ولَو بالقُرعةِ، يَقضِي (٦) لِمَنْ لَمْ يَستصحِبْها (٧).
ومَنْ وَهَبَتْ حَقَّها مِنَ القسْم مِنْ ضَرَّةٍ مُعيَّنةٍ فالقَبولُ للزَّوجِ ولا يَلزَمُه، فإنْ رَضِيَ اختُصَّتِ المَوهُوبةُ لَها (٨) بِنَوبةِ الوَاهبةِ فتفضُلُ بِها، وتَصِلُ نَوبتَها
стр. 1029
بنَوْبتِها إنْ كانتَا مُتَّصِلتَينِ قبْلَ ذلك.
وإن وَهَبَتْ حَقَّها مِنَ الزَّوجِ فلَه تَخصيصُ واحدةٍ بها على الأصحِّ.
وإن وهَبَتْ منهُنَّ جَميعًا سوَّى.
ولِلْواهبةِ الرُّجوعُ.
وما فاتَ قبْلَ عِلْمِ الزَّوجِ لا يُقضَى، وكذا فِي عِتْقِ الأَمَةِ.
ويَنبغِي أَنْ يكونَ عِلْمُ الزَّوجةِ بذلك مُقتضيًا لِلْقضاءِ، ولَمْ يَذكرُوه.
ولا يُنظَرُ ذلك بإِباحةِ الثِّمارِ، فإنَّه يُغرَمُ لِلْأكلِ بعْدَ الرُّجوعِ، وإنْ لَمْ يعلَمْ على الأرْجحِ.
وما لَزِمَ الزَّوجَ قَضاؤُه يَقضيه لِلْمَظلُومةِ مِن نَوبةِ المَظلومِ بِها.
ويَحرُمُ طَلاقُ المَظلومةِ قبْلَ أَنْ يُوفِّيَ حَقَّها، وسيأتِي في (١) مَواضِعِ تَحريمِ الطلاقِ فِي بابِه.
* * *
وأمَّا الشِّقاقُ، فإن عُلِمَ المُتعدِّي فيه مُنعَ مِنْ تعدِّيه.
فإن ابتدأتْ هِيَ فقدْ قالَ اللَّهُ ﵎ (٢): ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ (٣)
стр. 1030
الآيةَ، فإذا وَجَدَ مِنها كَلامًا خَشِنًا بَعْدَ لِينٍ، أوْ عُبوسًا بعْدَ طَلاقةٍ، وعَظَها بـ "اتَّقِي اللَّهَ" ونَحوِه.
ولا تُهْجَرُ، ولا تُضرَبُ على المَشهورِ.
وإنْ تَحقَّقَ نُشوزَها ولَمْ يَتكرَّرْ وَعَظَها، وهجَرَها فِي المَضْجَعِ لا فِي الكلامِ.
وله الضَّرْبُ على أرْجحِ القَوْلينِ، خِلافًا لِمَا فِي "المُحرَّرِ" (١).
وإنْ تكرَّرَ، فله الضَّرْبُ قَطْعًا.
ولا يَضربُها ضَرْبًا مُدْمِيًا ولا مُبرِّحًا (٢)، ويتقِي الوَجهَ والمَهالكَ.
وإنْ أفْضى إلى تلَفٍ وجَبَ الضَّمانُ.
وإن ابتدأَ هو فآذاها بِلا سَببٍ نَهاهُ الحاكِمُ فإنْ عادَ عزَّرَه (٣).
وإنْ نَسَبَ كلُّ واحدٍ مِنْهما صاحِبَه إلى الظُّلْمِ، وأَشْكلَ الحالُ تعرَّفَ الحاكمُ حالَهما بِمَا يَراهُ مِن الطُّرقِ المُعتبَرةِ [وعَمِلَ بِمُقتضَى ما ظَهَرَ لَه] (٤).
فإنِ اشْتدَّ الشِّقاقُ بيْنَهُما بَعثَ القَاضِي حَكَمًا مِنْ أهْلِه وحَكَمًا مِنْ
стр. 1031
стр. 1032
والزَّوجةُ (١) حكَمَها بِبذْلِ العِوَضِ، وقَبولِ الطَّلاقِ (٢).
ولابُدَّ فِي المَبعوثَيْنِ مِنَ التَّكليفِ، وكذا الإسْلامُ، والحُرِّيَّةُ، والعَدَالةُ (٣)، وإنْ قُلْنا: وكِيلانِ على ما صحَّحُوه، لِأنَّها وَكالة تَعلَّقَتْ بِنظَرِ الحاكِمِ.
ويُعتبَرُ (٤) فيهما الذُّكورةُ (٥)، وإنْ قلْنا: حَكَمانِ، وكذا إنْ قُلْنَا: إنَّهما وَكيلانِ، على ما جَزمَ به المَاورْديُّ خِلافًا لِلْحناطي؛ حيثُ قالَ: لا يُشتَرَطُ فِي وَكِيلِها، وفِي وَكِيلِهِ وجْهانِ، ويُستحبُّ أَنْ يكونَ حَكَمُهُ مِنْ أهْلِه، وحَكَمُها مِنْ أهْلِها (٦).
* * *
стр. 1033
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كتاب (١) الخلع
هُو بِضَمِّ الخَاءِ.
لُغَةً: فِراقُ المَرأةِ على بَدَلٍ.
ويُقالُ: "اختِلاعٌ" مِن اخْتَلَعَ، و"مُخالَعةٌ" مِنْ خَالَعَ، وخَالَعَتِ المَرْأةُ بَعْلَها: أَرادتْه (٢) على طلاقٍ (٣)، بِبَذْلٍ مِنْها له، فهِيَ خَالِعٌ.
والاسْمُ الخُلْعةُ بِضَمِّ الخَاءِ وإسْكانِ اللَّامِ.
وقَدْ تخَالعَا (٤) فاخْتَلعَتْ فهِيَ مُختلِعةٌ بِكَسْرِ اللَّامِ.
стр. 1034
والرَّجُلُ مِنِ اخَتَلَعَ مُخْتَلِعٌ بكَسْرِ اللَّامِ أيضًا.
وسُمِّيَ بِذلكَ لِأنَّ الزَوجينِ كُلٌّ مِنهُما لِباسُ الآخَرِ اسْتِعارةً أوْ تَشبيهًا (١)، شاهِدُهُ ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ ثُمَّ بالفِراقِ على العِوَضِ خَلْع لِلِّباسِ مِن الجَانِبيْنِ بالتَّراضِي.
واختَصَّ بِذلكَ دُونَ بَقيةِ وُجوهِ الفِراقِ للامْتِيازِ وطُرِدَ فِي الخُلعِ مع الأجْنَبيِّ، وفُرِّقَ بيْنَه وبَيْنَ خَلْعِ اللِّباسِ الحَقيقيِّ بضَمِّ الخَاءِ، وبَقيةِ (٢) التَّصاريفِ.
* * *
وشَرْعًا: فِراقُ الزَّوجةِ بِبَذلٍ قابِلٍ لِلْعِوَضِ (٣)، يَحصُلُ لِجِهَةِ الزَّوجِ على وجهٍ مخصوصٍ.
ويُسمَّى "افتِداءً"، وما تَفتدِي به المرأةُ: "فِديةً".
* * *
وأصلُه قبْلَ الإجْماعِ قولُه تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (٤).
стр. 1035
ولمَّا شَكَتْ زَوجةُ (١) ثابتِ بْنِ قُيْسٍ مِنه، قالَ [لَها (٢) رسولُ اللَّه ﷺ : "أترُدِّينَ عليه حَدِيقَتَهُ؟ " قالتْ: نَعَمْ، فقالَ] (٣) رسولُ اللَّه ﷺ لثابتٍ: "اقبَلِ الحديقَةَ وطَلِّقْها تَطْليقَةً (٤) " رواهُ البخارِيُّ (٥).
وعَرَّفْنَا الخُلعَ الصَّحيحَ، وقُلْنا: "بِبَدلٍ"، ولَمْ نقيِّدْه بَمذكورٍ، لِيتناولَ ما إذا (٦) اخْتلَعَا مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ مَالٍ، فإنَّه يَثبُتُ مَهْرُ المِثْلِ للزَّوجِ على ما رجَّحَه جَمْعٌ مِنَ المَراوِزَةِ وبعْضُ العِراقِيِّينَ، وعليه جرَى المُتأخِّرونَ.
وأخْرَجْنَا بـ "قابِلٍ لِلْعِوضِ": بَدَلًا لا يَقْبَلُ العِوضَ كخَمْرٍ ومَجهولٍ ومَغصوبٍ ونحوِها، فإنَّه يُفْسِدُ الخُلْعَ.
ويَجِبُ للزَّوجِ مَهْرُ المِثْلِ (٧) إلا إذا كان فِي خُلْعِ الكفَّارِ (٨) فِي الخَمْرِ ونحْوِه، فإنه قابِلٌ لِلْعِوَضِ عِندهم، فيكونُ الخُلْعُ به (٩) صَحيحًا، كما فِي أنْكِحَتِهم، حتى لو حَصلَ إسْلامٌ بَعْدَ قَبْضِ الخَمرِ كلِّه فإنه لا شَيْءَ له عليها، وإنْ كان الإسلامُ قَبْلَ قَبضِهِ وَجَبَ مَهْرُ المِثْلِ للتعذُّرِ، وفِي قَبضِ بعضِهِ قِسْطُ مَهْرِ المِثْلِ.
стр. 1036
وليس لنا خُلْعٌ بِخَمرٍ ومَغصوبٍ ونَحوِهما يَقعُ الطلاقُ بِسببِ ذلك رَجْعيًّا (١).
ولا مهر إلا فِي صُورةِ الخُلعِ مَع غَيرِ الزَّوجةِ مِنْ أبٍ أوْ أجْنبيٍّ "على هذا الخَمْرِ" [أو: "على هذا المَغصوبِ"] (٢) أو: "على عَبدِها هذا"، أو "على صَداقِها"، ولَمْ يُصرِّح بنِيابةٍ ولا استِقلالٍ أو "على عَبْدِ زَيدٍ (٣) "، وإنَّما يَجِبُ مهرُ المِثْلِ فِي البدَلِ الفَاسدِ [فِي غَيْرِ هذا] (٤) إذا كان البدلُ مَقصُودًا، فإنْ كان غَيْرَ مَقصودٍ كالدَّمِ فإنه يَقعُ رَجعيًّا.
وقلنا: "يَحصُلُ لِجِهَةِ الزَّوجِ": لِيَدخُلَ مَالكُ الزَّوجِ غَيرِ المكاتَبِ، فإنَّ البَدَلَ لا يَحصُلُ للزَّوجِ، بَلْ لِسيِّدِه، وقَدْ يَسقطُ عَنِ العَبْدِ أو الحُرِّ إذا حَصَلَ (٥) الخُلْعُ على ما فِي ذِمَّتِه مِنْ صَداقٍ أوْ غَيرِه، وقَد يكونُ البدَلُ إرْضاعَ ولَدِ الزَّوجِ (٦) ونحوَ ذلك، وجِهَةُ الزَّوجِ تَشملُ ذلك كلَّه.
стр. 1037
وقلْنَا: "على وَجْهٍ مَخصوصٍ"، لِيشمَلَ ما يُعتبَرُ فِي العاقِدَينِ ونحو ذلك.
* * *
ويَنقسِمُ الخُلْعُ إلى:
- صحيحٍ يُوجِبُ البَيْنونةَ والمُسمَّى أوْ بعضَهُ، وقدْ يَطرأُ عليه ما يُوجِب مَهْرَ المِثْلِ مِن تَلَفِ المُعيَّنِ فِي العَقدِ قَبْلَ القَبْضِ ونحوِه، أو فسخٍ بتخَالُفٍ، أو ردِّ المُعيَّنِ بِعَيبٍ.
- وإلى فاسِدٍ يُوجِبُ البَينونةَ ومَهْرَ المِثلِ.
ووَراءَ ذلك حالتَانِ (١):
إحداهما (٢): يَقعُ الطلاقُ فِيها رَجعيًّا.
والثانيةُ: لا يَقعُ الطلاقُ فيها.
فأمَّا الصحيحُ فلا بُدَّ مِن صُدورِه مِن مكلَّفَيْنِ مُختارَيْنِ أحدُهما الزَّوجُ، ولو سَفيهًا أو عَبْدًا أوْ وكيلُ الزَّوْجِ على بُضْعِ زَوْجةٍ -ولَو رجعيةً (٣) - على أصحِّ القَوْلَينِ، أوْ مُرتدةٌ إذا عادَتْ إلى الإسْلامِ قبْلَ انقِضاءِ العِدةِ على النَّصِّ المَعمولِ بِه، وفِيه مِن الوقْفِ ما يُشكِلُ فِي العِوَضِ (٤).
* * *
стр. 1038
* ضابطٌ:
ليس لنَا امرأةٌ لا تَصحُّ رَجعتُها ويَصِحُّ خُلْعُها غَيْرَ المُرتدةِ على رأيٍ رُجِّحَ إلا فِي مَوضعٍ واحدٍ، وهو (١): ما إذا كانتِ المُطَلَّقةُ طَلاقًا رَجْعيًّا حاملًا مِن وَطْءِ شُبهةِ أَجنبيٍّ سابِقٍ أوْ لاحِقٍ، فلا يَجوزُ (٢) رَجعتُها فِي حالةِ الحملِ (٣) -على وجْهٍ صَحَّحه المَاورْديُّ والبغَوِيُّ- ويَصِحُّ خُلْعُها، والأرْجحُ صِحةُ رَجْعتِها حينئِذٍ فعَليْه لا يُستثنَى (٤).
وليس لنَا امرأةٌ يَلحَقُها الطلاقُ، ولا يصِحُّ خُلْعُها مَعها مَع صِحةِ تَصرُّفِها، ولا مَع أجنبيٍّ إلا مَنْ طَلَّقها رَجعيًّا، وعاشَرَها كالزَّوجِ بِلَا وَطْءٍ وانْقضتِ الأقْراءُ أوِ الأَشهُرُ وقُلْنَا بِطريقةِ القَفَّالِ (٥) أنه يَلحقُها الطَّلاقُ، ولا يُراجعُها (٦)، فإنه لا يصِحُّ (٧) خُلْعُها؛ لِأنَّها بَائنٌ، إلَّا فِي الطلاقِ؛ قلتُه تَخريجًا.
ولا استِثناءَ على ما أفْتَى به القاضِي الحُسينُ (٨) مِن صِحَّةِ رَجْعتِها حينئذٍ، وهو الأرْجَحُ، ولَمْ يَذكُرْه المُتأخِّرونَ، ولَمْ تَصحَّ ليَ الطريقةُ (٩) الأُولى عنْ أحَدٍ مِن الأصْحابِ.
стр. 1039
ويُعتبَرُ فِي باذِلِ العِوَضِ مِن الزَّوجةِ أوِ الأجنبيِّ إطلاقُ تَصرُّفِه فيه إنْ كان مُعيَّنًا، وأهْليةُ الالتِزامِ لِما التَزَمَه (١) فِي الذِّمَّةِ.
فيَصحُّ خُلْعُ الأَمَةِ بِإِذْنِ سيِّدِها على ما عيَّنَه أو ما قدَّرَه، وكذا بِغيرِ إذْنِ سيِّدِها إذا اختَلعَتْ على دَيْنٍ على الأَظْهرِ، فإنَّها تتبعُ بِه إذا عَتقَتْ ولا حَجْرَ للسيِّدِ فِي ذلك، خِلَافًا لِمَا فِي "المُحررِ" (٢) مِنْ إيجابِ مَهْرِ المِثْلِ.
وخُفعُ المُكاتَبةِ بإذْنِ سيِّدِها [على ما عيَّنَه أو ما قدَّرَه، وكذا بِغيرِ إذْنِ سيِّدِها] (٣) صحيحٌ كتَبرُّعِها (٤) بإِذْنِه.
وخُلْعُ (٥) المَريضةِ مَرضَ المَوتِ بِمَهْرِ المِثْلِ أوْ بِمَا دُونَه نافِذٌ، والزَّائدُ (٦) يُعتبَرُ مِنَ الثُّلثِ فِي حَقِّ غَيرِ الوَارثِ، ومَع الوَارثِ (٧) كابْنِ عَمٍّ، ومجدد نكاحها يَتوقَّفُ على إِجازةِ بَقيةِ الوَرثةِ كالزَّائدِ على الثُّلُثِ فِي حَقِّ غَيرِ الوَارِثِ (٨).
* * *
стр. 1040
ويَجُوزُ الخُلْعُ على الصَّداقِ وأقَلَّ مِنْه وأَكثرَ مِنْهُ.
وهُو مَكروهٌ إلا فِي ثلاثِ صُورٍ:
١ - إحداها: عِنْدَ خَوْفِ أن لا يُقيمَا حُدودَ اللَّهِ ، ومِنه حَالةُ (١) الشِّقاقِ، وكَراهةُ صُحْبتِه لِسُوءِ خُلُقِه أو دِينِه، وكذا عِند الشَّيخِ أبي حَامدٍ مَنْعُه حَقًّا مِنْ نَفقةٍ (٢) ونَحوِها، فتُخالِعُه لِتَتخلَّصَ منه (٣).
٢ - الثانيةُ: ضَرَبَها تأْدِيبًا فافْتَدَتْ (٤).
٣ - الثالثةُ: إذا حَلَفَ الحُرُّ بالطلاقِ الثَّلاثِ، أوِ العَبدُ بِطلْقَتَينِ: على فِعْلِ شَيءٍ أوْ نَفْي (٥) فِعْلِه؛ مُطْلَقًا أو مُقيدًا بِزَمانٍ، ولَمْ يَحصُلِ الحِنْثُ، واحتاجَ إلى إِزالةِ الحَلِفِ فخَالَعَ (٦) بِحِنْثٍ (٧) بَانَتْ مِنه، فإنه لا كَراهةَ ويتخلَّصُ مِن الحَلِفِ.
стр. 1041
ولا يَحنثُ لَو تَزوجَها، ثم وُجِدَتِ الصِّفةُ، ولَو وُجِدتِ الصِّفةُ حَالَ (١) البَيْنونةِ فَهُوَ أَوْلَى إلا فِي نَحْوِ أن لا (٢) يَطأَها، فيَتعيَّنُ [فِي غَيْرِ الأَمَةِ التي مَلَكَها] (٣) أن لا يَقَعَ عَمْدًا إلا بعد أَنْ يَتزوَّجَها.
وإذا (٤) كان الحَلِفُ بالطَّلْقةِ التي لَمْ يَبْقَ لِلْحالِفِ غيرُها فأتَى بِلَفْظِ الخُلْعِ مَع الزَّوجَةِ المُتأهِلَّة لِذلك على اعْتِقادِ (٥) أنَّه فَسْخٌ على مَذْهبِ مَنْ رأَى ذلك وهُو القَولُ (٦) القَديمُ (٧).
واختارَهُ أبُو مَخْلَدٍ البَصريُّ، وقال: إنَّ الفَتوى عليه، ونَصَرَ أدلتَهُ الشيخُ أبو حامِدٍ وغيرُهُ (٨).
وجَرَى الحالِفُ على اعْتِقادِ أنَّ الصِّفةَ لا تَعودُ لَمْ يَمتنعْ (٩) ذلك، وفِيه بَحْثٌ (١٠).
ولا يَصِحُّ الخُلْعُ حِينئذٍ مَع الأجنَبيِّ عند الأصحابِ على القَوْلِ بأنَّه فَسْخٌ،
стр. 1042
ولو قِيلَ بِصحتِه لَمْ يَبعُدْ، كما هو مَشهورُ الحَنابلةِ (١).
وإذا صدَر لَفْظُ الطلاقِ فهُو طلاقٌ قَطْعًا.
والجديدُ: أنَّ لَفْظَ الخُلعِ طَلاقٌ (٢)، وهُو مِن صَرائحِ الطلاقِ على مَنصوصِ "الإملاءِ" [ورجَّحه جماعةٌ (٣).
ونَصَّ في "الأُمِّ" على أنَّه كِنايةٌ] (٤)، ورجَّحَه الرُّويانيُّ وغيرُه، والعملُ عِند
стр. 1043
المُتأخرِينَ على الأوَّلِ.
والمُفاداةُ كالخُلْعِ على الأصحِّ.
ولا يُشتَرَطُ فِي صَراحتِهما (١) ذِكرُ العِوَضِ على طَريقةِ الأكثَرينَ خِلافًا لِما وَقَع فِي "الرَّوضةِ" (٢) وغيرِها.
ولَفْظُ الفَسخِ وبَقيةُ الكِناياتِ فِي الطَّلاقِ (٣) كِنايةٌ قَطْعًا، وقيلَ: مَعَ ذِكْرِ العِوَضِ صَريحٌ فِي الطلاقِ؛ ذَكرَه الشَّيخُ أبو حامدٍ؛ وهُو غَريبٌ، وعليه يُنَزَّلُ ما فِي "التَّنبيهِ" (٤).
стр. 1044
ولَفْظُ البَيعِ والشِّراءِ والإِقالةِ كِنايةٌ فِي الخُلعِ كـ "بعتُكِ نفسَكِ بِكذَا" أوْ (١) نحوِه (٢)، وقالَ أبُو عاصِمٍ العَباديُّ (٣): يَقعُ الطلاقُ مَع ذِكْرِ العِوَضِ صَريحٌ.
ولِلْخُلْعِ على الجَديدِ ثلاثةُ أُصولٍ فُروعُهُ نازِعةٌ إليها.
ويَختلِفُ الحُكْمُ فِي الفُروعِ بِسَببِ ما يَغلِبُ مِن الأصُولِ، إذِ العُرْفُ يُراعَى، وهِيَ المُعاوَضةُ، والتَّعليقُ، والجَعَالةُ.
وتغلَّبُ مِنْ جَهةِ (٤) الزَّوجِ المُعاوَضةُ، وفيه (٥) شَائبةُ التعليقِ، إلا إذا صَرَّحَ بالتعليقِ فيُغلَّبُ التَّعليقُ، وقدْ يُراعَى (٦) حِينئذٍ الأصْلانِ.
стр. 1045
ويغلَّبُ مِن جِهَتِها المُعاوضةُ، وفيه شائبةُ الجَعالةِ فإذا بَدأَ (١) الزَّوجُ بـ "طلقتُكِ على كذا" أو: "خالعتُكِ على كذا" غُلِّبتِ المُعاوضةُ فيَجوزُ رُجوعُه قَبْلَ قَبُولِها.
ويُعتبَرُ قَبولُها لَفْظًا على الفَورِ إذا لَمْ يَرجِعْ، ويُغتفَرُ تَخلُّلُ كلامٍ يَسيرٍ أَجنبيٍّ على الأصحِّ، مِمَّنْ لَمْ يَأتِ بالعبارةِ (٢) المَطلوبةِ منه.
وأمَّا مَن أَتى بِها فيُغتفَرُ مِنه ذلك (٣) قَطْعًا.
ويُشتَرَطُ مُوافقَةُ قَبولِها لإيجابِه فِي العِوَضِ وعِدَدِ الطلاقِ إلا فِي صُورةٍ واحدةٍ وهيَ: ما إذا نَقَصَتِ العِدَدُ، فلَو ذَكرَ عِوَضًا فنَقصتْهُ (٤) أوْ زَادَتْه، أوْ قال: "طلقتُكِ ثلاثًا بألْفٍ" فقبِلَتْ واحدةً بثُلُثِ الألْفِ، فإنه لا يَقعُ الطلاقُ، كما لا ينعقِدُ البَيْعُ ونحوُهُ فِي ذلك.
وإنْ نَقصَتِ العَدَدَ فقط بأنْ قال: "طلقتُكِ ثلاثًا بألْفٍ" فقبِلَتْ واحدةً بالْأَلْفِ، فالأرْجَحُ وُقوعُ الطلاقِ لاستِقلالِ الزَّوجِ بالطلاقِ ولُزومِها الألفَ لتوافُقِهما على العِوَض.
وإن صرَّحَ بالتَّعليقِ لَمْ يَكنْ له أَنْ يَرجِعَ قَبْلَ وُجودِ المعلَّقِ عليه فِي جَميعِ الصِّيَغِ تَغليبًا لِلتَّعليقِ، كما لا يَرجعُ عنِ التَّعليقِ إذا خَلا عَن العِوَضِ فِي
стр. 1046
نحْوِ: "إنْ دخلْتِ الدارَ فأنتِ طالقٌ" (١)، ولا يحتاجُ هُنَا إلى القَبولِ لَفْظًا، بَلْ يحتاجُ إلى وُجودِ الصِّفةِ المعلَّقِ علَيها.
ومِن ذلك: لَو علَّقَ على القَبُولِ.
ولَو وُجِدَتِ الصّفةُ (٢) بزِيادةٍ فِي الإِعطاءِ أو الضَّمانِ وقَعَ الطَّلاقُ، بخِلافِ ما مَرَّ فِي "خالعتُكِ" نَظَرًا للتعليقِ هُنا، وهُناكَ لِلْمعاوضةِ، ثُم إنْ كان التَّعليقُ بـ "متى"، أو "متى ما"، أو "أيُّ وقتٍ"، أو "أيُّ زمانٍ أعطيتَنِي كذا"، أو "ضمنتَ لي كذا"؛ فإنه لا يُشترَطُ وُجودُ الصفةِ فِي المَجْلسِ لأنَّ هذِه الصِّيَغَ صَريحٌ فِي التَّراخِي.
ومِن ذلك: "أنتِ طَالقٌ على ألفٍ متَى شِئْتِ"؛ فإنها لا تَطْلُقُ حتى تَشاءَ ذلك، والأمرُ فيه على التَّراخِي، إلا أن يُقَيِّدَ فِي جَميعِ ذلك بِزَمانٍ أو مَجلِسٍ فيُعتبَرُ ما قيَّدَه، ولَمْ يَذكُروه.
وإنْ كانَ التعليقُ بإنْ أوْ إذَا، اعتُبِرَ الفَوْرُ فيما عَلَّقَ علَيْه كما سَبَقَ نَظرًا لِلْمعاوضةِ التي لَمْ يُصَرَّحْ فيها بالتَّراخِي ولو كانَتْ أَمَةً، خِلافًا لِلْمُتولِّي فِي نَحوِ أَنْ يَقولَ لَها: "إنْ أَعطيتِني (٣) ألفًا فأنتِ طالقٌ" فإنه لا يُشترَطُ عنده (٤) إِعْطاءُ الأَمَةِ ذلك على الفَورِ لِعَدمِ قُدْرتِها فِي الغالِبِ على ذلك بِخِلافِ الحُرَّةِ، وسَوَّى بينَهُما فِي نَحوِ: "إنْ أَعطيتِيني (٥) خَمْرًا" وما ذَكرَه ضعيفٌ.
стр. 1047
وفِي "أَنْتِ طَالِقٌ على ألْفٍ إنْ شِئْتِ"، تُعتبَرُ مَشيئةُ (١) المُخاطَبةِ (٢) بذلك على الفَورِ، ولا يَكفِي قَبُولُها.
ولا يَجِبُ أَنْ يُجمَعَ بيْنَ المَشيئةِ والقَبولِ، وفِي "طلِّقِي نفسَكِ إن ضمِنْتِ لِي أَلْفًا" يُعتبَرُ الفَورُ، فتقولُ: "طلقتُ وضمِنْتُ" أو "ضَمِنتُ وطلقتُ"، وإذا قال: "إنْ أَبْرَأتِيني (٣) مِن صَداقِكِ" أوْ "أَبرأتِيني، فأنْتِ طَالقٌ" فأَبْرأتْهُ مَع الجَهل بمِقدارِ ما أبْرَأَتْ منه فإنه لا يَقعُ الطلاقُ تغْلِيبًا للتَّعليقِ ولَمْ تُوجَدِ الصِّيغَةُ (٤)، وكذا فِي السَّفيهةِ، وَقَلَّ مَنْ تَعرَّضَ لِذلك.
ولا تَلبيسَ (٥) بالخُلعِ على المَجهولِ فإنَّه يَقعُ [الطلاقُ (٦)، ويَجِبُ مَهْرُ المِثْلِ تغْليبًا لِلمُعاوَضةِ، ولا بِالخُلْعِ مع السفِيهةِ، فإنَّه يَقَعُ] (٧) رَجْعيًّا لأنَّه لَمْ يَطْمَعْ مَع العِلْمِ بِسفَهِها فِي مالٍ، فإنْ لَمْ يَعلَمْ بِحَيثُ لَمْ يُعَدَّ مُقصِّرًا فإنه لا يَقَعُ الطلاقُ؛ قُلْتُه تَخْريجًا نَظَرًا لِشائِبةِ التَّعليقِ.
وإذا عَلَّقَ الطَّلاقَ بِإعْطاءِ الخَمْرِ فأَعْطَتْه الخَمْرَ، ولَو كان مَغْصوبًا طَلَقَتْ نَظرًا للتَّعليقِ، وبَانَتْ إنْ كانَتْ رَشيدةً، ويَجِبُ علَيها مَهْرُ المِثْلِ نَظَرًا لِلْمُعاوضةِ التي هِيَ غَيرُ مَحضةٍ، وهِيَ المُرادةُ هُنَا.
стр. 1048
وفِي الصَّداقِ والصُّلحِ عنِ الدَّمِ وهي التي لا يَفسُدُ العقدُ (١) فيها بِفسادِ العِوَضِ، بَلْ يُنتقَلُ إلى البَدَلِ.
وفِي نَحْوِ: "إنْ أَعطَيْتِيني (٢) عَبْدًا فأنْتِ طالقٌ" فأَعْطَتْه عَبدًا تَمْلِكه ولها بَيْعُه، طَلَقَتْ نَظَرًا للتَّعليقِ، ولا يَمْلِكُه نَظرًا لِلْمُعاوَضةِ؛ لِأنَّه مَجْهُولٌ، ويَجِبُ له مَهْرُ المِثْلِ نَظرًا لِعَدَمِ تَمَحُّضِها.
وهُو مِنْ مُشكِلاتِ البابِ؛ لِأنَّ الإعْطاءَ إنْ كانَ [مَحمُولًا على التَّمليكِ فإذَا لَمْ يُوجَدْ أَشْكَلَ (٣) وقُوعُ الطلاقِ.
وإنْ كان] (٤) مَحْمولًا (٥) على مُجرَّدِ الإقْباضِ فلا مُعاوَضةَ حِينئِذٍ، فإنَّه لَو قالَ: "إنْ أقْبضْتِيني (٦) كذا"، كان كالتَّعليقِ بالدُّخولِ ونَحْوِهِ على الأصحِّ، فيقَعُ عند وُجودِ الصِّفةِ رَجعيًّا.
والمَسْلكُ فِي الجَوابِ -مَع ضَعفِه- الحَمْلُ على الأَعَمِّ مَعَ النَّظرِ إلى التعليقِ مِن وَجهٍ، والمُعاوضةِ مِنْ وَجْهٍ كمَا تَقدَّم.
ومِثْلُ ذلك "إنْ أَعْطَيتِيني ألفَ دِرْهمٍ مَثَلًا" وأَطْلقَ، فإنَّه مِنْ جِهَةِ التَّعليقِ
стр. 1049
يُحمَلُ على الدَّراهمِ (١) المَضروبَةِ (٢) الوَازنةِ، واعْتَبرَ الغَزَّاليُّ ومَنْ تَبِعَه كَونَها خَالصةً (٣).
فلَوْ أَتَتْ بِها، وكانَتْ (٤) غيرَ غالِبِ نَقْدِ البَلَدِ طَلَقَتْ، ومَلَكَهُ الزَّوْجُ نَظَرًا للتَّعليقِ مَع كَونِ المُعلَّقِ علَيه مَغلُوبًا (٥) وله ردُّه، وطَلَبُ الغَالِب نَظرًا للمُعاوضةِ.
ولَوْ أَعْطَتْه أَلْفًا مَغشوشةً وهي الغالبُ لَمْ تَطْلُقْ فإنْ بَلغَ (٦) خَالصُ المُعطَى ألفًا طَلَقَتْ ولها اسْتِردادُه وإِعطاءُ (٧) ألفٍ مَغشوشةٍ نَظرًا لِلْمُعاوضةِ؛ كذا قالَهُ الغَزَّاليُّ، وصحَّحَه المُتأخِّرونَ، وهُو عَجيبٌ؛ فالمَغشوشُ الذي لا يَبلُغُ خَالصُه أَلْفًا لا تَطْلُقُ بإِعْطائِه، ثُمَّ هُوَ المُستقِرُّ آخِرًا، والمَسْلَكُ فيه ما تقدَّمَ مِن النَّظرِ للتعْليقِ أوَّلًا، والمُعاوَضةِ آخِرًا، والأصَحُّ وِفاقًا لِلْبغَويِّ والمُتولِّي وقوعُ الطَّلاقِ بالمَغشوشِ، ولا استِردادَ، لأنَّه الغَالبُ، والمُعاملةُ بِه جَائزةٌ.
وإنْ كان الغالبُ الخَالِصةَ فلا تَطْلُقُ إلا إذا أَعطَتْه مِن المَغشوشِ ما يَبلُغُ خالِصُهُ ألفًا، ويُمْلَكُ المُعْطَى، ولا نَظَرَ إلى الغِشِّ لِحَقارَتِه، ولَه الرَّدُّ
стр. 1050
والرُّجوعُ إلى مَهْرِ المِثْلِ على ما صحَّحُوه.
والقياسُ: إلى ألفٍ خالصةٍ.
والمُعتبَرُ فِي الإعْطاءِ التسليمُ له ولَوْ بالوَضعِ بيْنَ يَدَيْه، وكذا فِي الإقْباضِ، ولا بُدَّ مِنَ الاخْتيارِ فِيهما (١).
وما وَقعَ فِي "المِنهاجِ" فِي الإقْباضِ مِن اعْتِبارِ أَخْذِهِ بِيَدِه، ولَو كانَتْ مُكرَهَةً (٢) وَهْمٌ فيهما على الفَتْوى، فذاك في: "إنْ قبضْتِ (٣) " وفي: "إنْ أَعطيتِيني هذا المَغصُوبَ" أوْ "هذَا الحُرَّ" فأَعْطَتْه، يَقَعُ بَائنًا بِمَهْرِ المِثْلِ على الأصحِّ.
وأمَّا مِن جِهَةِ الزَّوجةِ، فإذا بَدأتْ بِقَوْلِها: طَلِّقْنِي على كذا، فلَها الرُّجوعُ قَبْلَ جَوابِه نَظرًا لِلْمُعاوضةِ، ويُشتَرَطُ أَنْ يُطلِّقَها فِي مَجْلِسِ التَواجُبِ، ولو كانَتْ صِيغتُها بمِتَى ونحوِها على الأصحِّ تَغْلِيبًا للمُعاوَضةِ مِنْ جِهَتِها إلا إذا صَرَّحتْ بالتراخِي معَ مَتى أوْ مَع غَيرِها، فإنه لا يُشتَرَطُ الفَورُ، ويَلزَمُ (٤) المُسمَّى إذَا أَجَابَها فِي زَمَنِ التَّراخِي؛ قُلْتُه تَخْريجًا.
وليس لنَا صُورةٌ يَلزَمُ فِيها (٥) المُسمَّى مَع التَّراخِي مِن جِهَتِه (٦) غَيرَ هذِه
стр. 1051
الصُّورةِ.
وأمَّا: "طَلِّقْنِي فِي هذا الشَّهْرِ (١) ولكَ ألْفٌ"، أوْ "فِي غَدٍ ولَكَ أَلْفٌ"، فَطَلَّقَ فِي الشَّهرِ أو فِي الغَدِ، فإنه يَقَعُ بَائنًا بِمَهْرِ المِثْلِ، وكذا "قبْلَ الغَدِ" عِنْدَ المتأخِّرينَ.
والأرْجحُ فِي هذه أنه يَقَعُ رَجعيًّا (٢) وِفاقًا لِلْماوَرْديِّ وغَيرِه.
ولو قالتْ: "طَلِّقْني ثلاثًا بِأَلْفٍ" فَطلَّقَ (٣) واحدةً، وهو يَمْلِكُ الثلاثَ استَحَقَّ ثُلُثَ الألْفِ، نَظرًا (٤) لِنظيرِه فِي الجَعالةِ فِي "مَنْ رَدَّ عَبيدِي الثلاثةَ فلَه كذا"، فرَدَّ السامعُ مِنهُم واحدًا، فإنه يستحِقُّ ثُلُثَ الجُعْلِ.
وإنْ طَلَبَتْ عَددًا مِن الطلاقِ بِعِوَضٍ سَمَّتْه، فأجَابَها أوْ زادَ فِي العِوَضِ العَددَ (٥) أوْ أفادَ (٦) البَينونةَ الكُبْرى، فإنَّه يَستحِقُّ المُسمَّى كُلَّه إلا فِي صُورةٍ واحدةٍ تُفيدُها الكُبْرى، ولا تَستحِقُّ المُسمَّى كلَّه، وهي:
ما إذا لَمْ يَبْقَ (٧) عليها إلا طَلقةٌ، فقالتْ: "طَلِّقْني ثَلاثًا بألف هذه فِي هذا النكاحِ، وثِنْتانِ فِي نِكاحٍ آخَرَ بَعْدَ زَوجٍ" فأَفادَها الكُبرى، فإنه لا يَستحِقُّ علَيها إلا ثُلُثَ الألْفِ على ما صحَّحوه.
стр. 1052
ونَصَّ فِي "المُختصَرِ" على أنَّه يَستحِقُّ علَيْها مَهْرَ المِثْلِ وهو الأقوَى.
ويَستحِقُّ المُسمَّى فِي التَّعليقِ أيْضًا، فإذا قال: "إنْ دَخَلْتِ الدارَ، فأنْتِ طَالقٌ بألْفٍ" فقَبِلَتْ على الفَورِ، ثُم وُجِدَتِ الصِّفةُ وإنْ تراخَتْ، فإنه يَستحِقُّ المُسمَّى على ما صحَّحُوه.
وإنَّما يَستحِقُّ المُسمَّى فِي التعليقِ فِيما (١) إذا لَمْ ينقُصْ فِي جَوابه عن مُسمَّاهَا، فإنْ نَقصَ بأنْ قالَتْ: "طلِّقْنِي واحِدةً بألْفٍ" فقال: "طلَّقتُكِ بخَمْسِ مِائَةٍ" فالأصحُّ وُقوعُ الطَّلاقِ؛ لأنَّه قَادِرٌ عليه (٢) بِغَيرِ عِوَضٍ، فلِذلك (٣) يَنقُصُ العِوَضُ، والأصحُّ أنه يَستحِقُّ خَمْسَ مِائةٍ لِرِضاهُ بذلكَ.
ويَنبغِي فِي نَظيرِه مِن الجَعَالة (٤) لو صَرَّحَ بِرِضاهُ بِنِصفِ العِوَضِ وعَمِلَ على ذلك التَّصريحِ [أن لا يَستحقَّ إلا النِّصفَ، ولَمْ يَذكرُوه فلْتُضَفْ إلى صُوَرِ (٥) التَّقسيطِ] (٦) في الجَعَالةِ.
وأمَّا إذا نَقصَ عَن مَذْكُورِها فِي عَدَدِ الطلاقِ، [ولَمْ يُفِدِ الكُبْرى فإنَّه يُقسِّطُ المُسمى على ما ذَكرتْه مِن العَددِ] (٧).
وإنْ زَادَ علَى العَددِ الشَّرْعيِّ، فإذا قالتْ: "طَلِّقْنِي عَشْرًا بألفٍ" فطَلَّقَ
стр. 1053
واحِدةً استَحَقَّ عُشْرَ الأَلْفِ، أوْ ثِنْتَينِ، وهو حُرُّ فخُمُسَ الألْفِ، فإنْ طلَّقَ ثَلاثًا، فقَدْ أَفادَ الكُبْرَى، وقدْ سَبقَ أنَّه يَستحِقُّ الكُلَّ.
وفِي قَولِها: "طلِّقْني ثَلاثًا بألْفٍ" لَو طَلَّقَ واحِدةً ونِصفًا، فالأرْجَحُ استِحقاقُه ثُلُثَي الألفِ لا نِصفَه خِلَافًا لِمَا رَجَّحَه فِي "الرَّوضةِ" مِن استِحقاقِهِ النِّصْفَ.
وقياسُه: لَوْ قَالتْ: "طِلِّقْنِي (١) نِصْفَ طَلْقةٍ بِألْفٍ" فأَجابَها، أنه يَستحِقُّ الألفَ خِلافًا لِما رجَّحُوه مِن استِحقاقِه مَهْرَ المِثْل.
وأمَّا "طَلِّقْ نِصْفِي" أوْ يَدِي، ونَحوُ ذلك: بِكذَا، فأَجابَها (٢) فإنه يَستحِقُّ مَهْرَ المِثْلَ (٣) لِفسادِ الصِّيغةِ.
والخُلْعُ معَ الأبِ أو الأجنبيِّ بما ذَكَرَ أنه مِن مَالِها مُصَرِّحًا بالاستِقلالِ يُوجِبُ مَهْرَ المِثْلِ على الأبِ أو الأجنبيِّ.
وكذا الخُلْعُ مَع واحِدٍ مِنْهُما على البَراءةِ (٤) مِن صَداقِها على أنَّه ضَامِنٌ لِمَا (٥) أدْرَكَه فيه، فإنه يُوجِبُ مَهْرَ المِثْلِ على الأبِ أو الأجْنبيِّ على النَّصِّ فِي "الأُمِّ" المعمولِ به عندَ الجُمهورِ، ولا يَبرأُ مِنَ الصَّداقِ قَطْعًا.
стр. 1054
وكذا لَوْ (١) خَالَعَه الأَبُ أو الأَجْنبيُّ على عَبدِها هذا، وقال: "عليَّ ضَمانُهُ"، فإنه يَجِبُ مَهْرُ المِثْلِ على الأظْهرِ.
* * *
وأمَّا الحالةُ التي يَقَعُ الطلاقُ فِيها رَجْعيًّا، فالعِبارةُ الوافيةُ فيها أن يُقالَ: لا يَجِبُ فِيها بَدلٌ، لِيشمَلَ غَيْرَ المَدخولِ بها، والمُستوفَى عددُ (٢) طَلاقِها، وذلك فِي صُورٍ:
مِنها: الخُلعُ مَع السَّفيهةِ أو السَّفيهِ مِنْ أَبٍ أو أَجْنَبيٍّ مع عِلْمِ الزَّوجِ بالسَّفهِ (٣)، لا فِي التَّعليقِ، كما سَبقَ.
ومنها: الخُلعُ بِشَرطِ الرَّجعةِ [على المَذْهَبِ، فإنْ قالَ: "متَى شِئْتِ رددْت البَدَلَ، وكان لي الرَّجعةُ"] (٤)، فالنَّصُّ المَعمولُ به وقوعُه بائنًا بِمَهْرِ المِثْلِ.
وقيلَ: هِيَ كالتِي قَبْلَها.
وفِي قَولِها: "طِلِّقْني وأَبرأْتُكَ مِنْ صَداقِي" فَطَلَّقَها، يَقَعُ (٥) رَجْعيًّا، ويَبرأُ عنْدَ وُجودِ العِلْمِ بالمُبرإِ مِنْه.
وإنْ عَلَّقتِ الإبراءَ، فقالتْ: "إنْ طَلقْتَنِي فأنْتَ بَريءٌ مِنْ صَداقِي"،
стр. 1055
فطلَّق (١) يَقَعُ رَجعيًّا إنْ عَلِمَ أنَّ تَعْليقَ الإبراءِ لا يصِحُّ.
فإنْ ظنَّ الصِّحةَ وَقَعَ بائنًا بِمَهْرِ المِثْلِ، هذا هو المُعتمَدُ خِلافًا لِمَنْ أَطلَقَ خلافَ ذلك، وقدْ سَبقَ فِي أولِ البابِ صُور يَقَعُ فِيها رَجْعِيًّا.
* * *
وأمَّا الحَالةُ التي لا يَقعُ الطلاقُ فيها (٢) مِمَّنْ (٣) عُدِمَ التَّوافُقَ، ومِن (٤) غَيرِه فِي صُوَرٍ سَبقتْ:
ومنها: الخُلْعُ مَعَ المَجنونةِ أوِ الصَّغيرةِ، ولَوْ كانَتْ مُميِّزةً فقبلَتْ عند الإمامِ والغزَّاليِّ، ورجَّحَ البغويُّ فيها (٥) وقوعَه (٦) رَجْعيًّا.
ونَصَّ فِي "الأُمِّ" فِي الخُلْعِ مع المَجنونةِ أو الصغيرةِ على وقُوعِه رَجْعيًّا (٧).