← Фикх шафии

Фикх шафии · id 19230

التدريب في الفقه الشافعي

سراج الدين البلقيني

Полный текст (1 801 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

الصُّورةِ. وأمَّا: "طَلِّقْنِي فِي هذا الشَّهْرِ (١) ولكَ ألْفٌ"، أوْ "فِي غَدٍ ولَكَ أَلْفٌ"، فَطَلَّقَ فِي الشَّهرِ أو فِي الغَدِ، فإنه يَقَعُ بَائنًا بِمَهْرِ المِثْلِ، وكذا "قبْلَ الغَدِ" عِنْدَ المتأخِّرينَ. والأرْجحُ فِي هذه أنه يَقَعُ رَجعيًّا (٢) وِفاقًا لِلْماوَرْديِّ وغَيرِه. ولو قالتْ: "طَلِّقْني ثلاثًا بِأَلْفٍ" فَطلَّقَ (٣) واحدةً، وهو يَمْلِكُ الثلاثَ استَحَقَّ ثُلُثَ الألْفِ، نَظرًا (٤) لِنظيرِه فِي الجَعالةِ فِي "مَنْ رَدَّ عَبيدِي الثلاثةَ فلَه كذا"، فرَدَّ السامعُ مِنهُم واحدًا، فإنه يستحِقُّ ثُلُثَ الجُعْلِ. وإنْ طَلَبَتْ عَددًا مِن الطلاقِ بِعِوَضٍ سَمَّتْه، فأجَابَها أوْ زادَ فِي العِوَضِ العَددَ (٥) أوْ أفادَ (٦) البَينونةَ الكُبْرى، فإنَّه يَستحِقُّ المُسمَّى كُلَّه إلا فِي صُورةٍ واحدةٍ تُفيدُها الكُبْرى، ولا تَستحِقُّ المُسمَّى كلَّه، وهي: ما إذا لَمْ يَبْقَ (٧) عليها إلا طَلقةٌ، فقالتْ: "طَلِّقْني ثَلاثًا بألف هذه فِي هذا النكاحِ، وثِنْتانِ فِي نِكاحٍ آخَرَ بَعْدَ زَوجٍ" فأَفادَها الكُبرى، فإنه لا يَستحِقُّ علَيها إلا ثُلُثَ الألْفِ على ما صحَّحوه.

стр. 1052

ونَصَّ فِي "المُختصَرِ" على أنَّه يَستحِقُّ علَيْها مَهْرَ المِثْلِ وهو الأقوَى. ويَستحِقُّ المُسمَّى فِي التَّعليقِ أيْضًا، فإذا قال: "إنْ دَخَلْتِ الدارَ، فأنْتِ طَالقٌ بألْفٍ" فقَبِلَتْ على الفَورِ، ثُم وُجِدَتِ الصِّفةُ وإنْ تراخَتْ، فإنه يَستحِقُّ المُسمَّى على ما صحَّحُوه. وإنَّما يَستحِقُّ المُسمَّى فِي التعليقِ فِيما (١) إذا لَمْ ينقُصْ فِي جَوابه عن مُسمَّاهَا، فإنْ نَقصَ بأنْ قالَتْ: "طلِّقْنِي واحِدةً بألْفٍ" فقال: "طلَّقتُكِ بخَمْسِ مِائَةٍ" فالأصحُّ وُقوعُ الطَّلاقِ؛ لأنَّه قَادِرٌ عليه (٢) بِغَيرِ عِوَضٍ، فلِذلك (٣) يَنقُصُ العِوَضُ، والأصحُّ أنه يَستحِقُّ خَمْسَ مِائةٍ لِرِضاهُ بذلكَ. ويَنبغِي فِي نَظيرِه مِن الجَعَالة (٤) لو صَرَّحَ بِرِضاهُ بِنِصفِ العِوَضِ وعَمِلَ على ذلك التَّصريحِ [أن لا يَستحقَّ إلا النِّصفَ، ولَمْ يَذكرُوه فلْتُضَفْ إلى صُوَرِ (٥) التَّقسيطِ] (٦) في الجَعَالةِ. وأمَّا إذا نَقصَ عَن مَذْكُورِها فِي عَدَدِ الطلاقِ، [ولَمْ يُفِدِ الكُبْرى فإنَّه يُقسِّطُ المُسمى على ما ذَكرتْه مِن العَددِ] (٧). وإنْ زَادَ علَى العَددِ الشَّرْعيِّ، فإذا قالتْ: "طَلِّقْنِي عَشْرًا بألفٍ" فطَلَّقَ

стр. 1053

واحِدةً استَحَقَّ عُشْرَ الأَلْفِ، أوْ ثِنْتَينِ، وهو حُرُّ فخُمُسَ الألْفِ، فإنْ طلَّقَ ثَلاثًا، فقَدْ أَفادَ الكُبْرَى، وقدْ سَبقَ أنَّه يَستحِقُّ الكُلَّ. وفِي قَولِها: "طلِّقْني ثَلاثًا بألْفٍ" لَو طَلَّقَ واحِدةً ونِصفًا، فالأرْجَحُ استِحقاقُه ثُلُثَي الألفِ لا نِصفَه خِلَافًا لِمَا رَجَّحَه فِي "الرَّوضةِ" مِن استِحقاقِهِ النِّصْفَ. وقياسُه: لَوْ قَالتْ: "طِلِّقْنِي (١) نِصْفَ طَلْقةٍ بِألْفٍ" فأَجابَها، أنه يَستحِقُّ الألفَ خِلافًا لِما رجَّحُوه مِن استِحقاقِه مَهْرَ المِثْل. وأمَّا "طَلِّقْ نِصْفِي" أوْ يَدِي، ونَحوُ ذلك: بِكذَا، فأَجابَها (٢) فإنه يَستحِقُّ مَهْرَ المِثْلَ (٣) لِفسادِ الصِّيغةِ. والخُلْعُ معَ الأبِ أو الأجنبيِّ بما ذَكَرَ أنه مِن مَالِها مُصَرِّحًا بالاستِقلالِ يُوجِبُ مَهْرَ المِثْلِ على الأبِ أو الأجنبيِّ. وكذا الخُلْعُ مَع واحِدٍ مِنْهُما على البَراءةِ (٤) مِن صَداقِها على أنَّه ضَامِنٌ لِمَا (٥) أدْرَكَه فيه، فإنه يُوجِبُ مَهْرَ المِثْلِ على الأبِ أو الأجْنبيِّ على النَّصِّ فِي "الأُمِّ" المعمولِ به عندَ الجُمهورِ، ولا يَبرأُ مِنَ الصَّداقِ قَطْعًا.

стр. 1054

وكذا لَوْ (١) خَالَعَه الأَبُ أو الأَجْنبيُّ على عَبدِها هذا، وقال: "عليَّ ضَمانُهُ"، فإنه يَجِبُ مَهْرُ المِثْلِ على الأظْهرِ. * * * وأمَّا الحالةُ التي يَقَعُ الطلاقُ فِيها رَجْعيًّا، فالعِبارةُ الوافيةُ فيها أن يُقالَ: لا يَجِبُ فِيها بَدلٌ، لِيشمَلَ غَيْرَ المَدخولِ بها، والمُستوفَى عددُ (٢) طَلاقِها، وذلك فِي صُورٍ: مِنها: الخُلعُ مَع السَّفيهةِ أو السَّفيهِ مِنْ أَبٍ أو أَجْنَبيٍّ مع عِلْمِ الزَّوجِ بالسَّفهِ (٣)، لا فِي التَّعليقِ، كما سَبقَ. ومنها: الخُلعُ بِشَرطِ الرَّجعةِ [على المَذْهَبِ، فإنْ قالَ: "متَى شِئْتِ رددْت البَدَلَ، وكان لي الرَّجعةُ"] (٤)، فالنَّصُّ المَعمولُ به وقوعُه بائنًا بِمَهْرِ المِثْلِ. وقيلَ: هِيَ كالتِي قَبْلَها. وفِي قَولِها: "طِلِّقْني وأَبرأْتُكَ مِنْ صَداقِي" فَطَلَّقَها، يَقَعُ (٥) رَجْعيًّا، ويَبرأُ عنْدَ وُجودِ العِلْمِ بالمُبرإِ مِنْه. وإنْ عَلَّقتِ الإبراءَ، فقالتْ: "إنْ طَلقْتَنِي فأنْتَ بَريءٌ مِنْ صَداقِي"،

стр. 1055

فطلَّق (١) يَقَعُ رَجعيًّا إنْ عَلِمَ أنَّ تَعْليقَ الإبراءِ لا يصِحُّ. فإنْ ظنَّ الصِّحةَ وَقَعَ بائنًا بِمَهْرِ المِثْلِ، هذا هو المُعتمَدُ خِلافًا لِمَنْ أَطلَقَ خلافَ ذلك، وقدْ سَبقَ فِي أولِ البابِ صُور يَقَعُ فِيها رَجْعِيًّا. * * * وأمَّا الحَالةُ التي لا يَقعُ الطلاقُ فيها (٢) مِمَّنْ (٣) عُدِمَ التَّوافُقَ، ومِن (٤) غَيرِه فِي صُوَرٍ سَبقتْ: ومنها: الخُلْعُ مَعَ المَجنونةِ أوِ الصَّغيرةِ، ولَوْ كانَتْ مُميِّزةً فقبلَتْ عند الإمامِ والغزَّاليِّ، ورجَّحَ البغويُّ فيها (٥) وقوعَه (٦) رَجْعيًّا. ونَصَّ فِي "الأُمِّ" فِي الخُلْعِ مع المَجنونةِ أو الصغيرةِ على وقُوعِه رَجْعيًّا (٧).

стр. 1056

[ومِمَّا لا يَقعُ فيه الطَّلاقُ إذا اخَتلَعَ شَخْصٌ بالنِّيابةِ عنِ الزوجةِ فبَانَ كَذِبُه فِي النِّيابةِ. وكذا لا يقعُ فيما إذا نَقَضَ وكيلُ الزَّوجِ عن المقدَّرِ له، فإنْ نقَصَ عن مهْرِ المِثْلِ فِي صُورةِ الإطلاقِ نَقْصًا فاحشًا وَقَعَ بمهْرِ المِثْلِ] (١) على المَذْهبِ، خِلَافًا لِما فِي "المحررِ" (٢) مِنْ عَدمِ الوُقوعِ. وإذا جَعلَ السيِّدُ عِوَضَ الخُلْعِ رَقبةَ الزَّوجةِ مَع زَوجِها الحُرِّ أو (٣) المُكاتَبِ، فالمُرَجَّحُ أنه لا يَقعُ (٤) الطلاقُ، لِتَنافِي مِلْكِه لها مع الطلاقِ عليها، ونَصَّ علَيه فِي البُويَطِي، واللَّهُ أَعْلَمُ. * * *

стр. 1057

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كتاب الطلاق قال اللَّهُ تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ الآيةَ، وفيه آياتٌ أُخرى (١). والأحاديثُ فيه كثيرةٌ بالفِعل والقَولِ (٢). وأصلُه مُجمَعٌ عليه. وهو لُغَةً (٣): راجعٌ إلى مَادةٍ تدلُّ على فِراقٍ بإرْسالٍ، أو تَرْكٍ، أو حَلِّ وَثَاقٍ. فمِن الإرسالِ: ناقةٌ أو نعْجَةٌ طالقٌ.

стр. 1058

ومِنَ التركِ: طَلَّقْتُ البِلادَ. ومِن حَلِّ الوَثَاقِ: أطلقتُ الناقةَ مِن عِقالِها، وإطلاقُ (١) الأَسيرَ يحتمِلُها، وطلاقُ الزوجةِ كذلك، وحلُّ الوَثَاقِ فيه معنوِيٌّ. وقالَ الأعْشى (٢) لِزَوْجتِهِ: "أجارتَنَا بِيني فإنَّكِ طالِقَة" (٣). ويقالُ: امرأةٌ طالقٌ، وطلَّق الرجُلُ امرأتَهُ تطلِيقًا، وهي طَلقَتْ (٤)؛ بِفتحِ اللَّامِ وضمِّها، والفتحُ أشهرُ وأفصحُ، تطلُق بِضَمِّ اللَّامِ فيهما. وعنِ الأخفشِ (٥): لا يُقالُ "طَلُقَتْ" بِضَمِّ اللامِ.

стр. 1059

وغيرُهُ نقَلهَا لُغةً، ورَجُلٌ مِطلاقٌ، وطُلَقَةٌ: بِضَمِّ الطاءِ وفتْحِ اللَّامِ والقافِ، كثيرُ الطَّلَاقِ. وشَرْعًا: فِراقُ الزَّوجِ المُكلَّفِ بنفسِهِ أو نائِبِهِ اختِيارًا أوْ قهْرًا شَرعيًّا زوجتَهُ فِي نِكاحٍ صَحيحٍ، أو مَن أُلحقتْ بالزَّوجةِ، وهِيَ الرَّجعيَّةُ (١) بنَوعٍ مخْصُوصٍ على وجهٍ مَخصوصٍ. فَخَرَجَ بالزَّوجِ: الوليُّ والسيِّدُ والأجْنَبيُّ، فلا مدخَلَ لِوَاحِدٍ منهُم فِي الطَّلَاقِ، وقدْ جاء حديثٌ يَعمُّ ذلك، وسببُهُ سيِّدُ العَبدِ، وهو ما رواهُ ابنُ عباسٍ ﵄ قال: أتى النبيَّ ﷺ رجُلٌ فقال: يا رسول اللَّهِ! سيِّدِي زَوَّجَنِي أَمَتَهُ، وهو يريدُ أن يفرِّقَ بيْننَا، قال: فصَعِدَ النبيُّ (٢) ﷺ المِنْبَرَ فقال: "يا أيُّها الناسُ، ما بالُ أحدِكُم يزوِّجُ عبدَهُ أَمَتَهُ ثُمَّ يريدُ أَنْ يُفرِّقَ بينهُما، إنَّمَا الطَّلَاق لِمَنْ أَخَذَ بالسَّاقِ". رواهُ ابْنُ ماجه بإسنادٍ فيه ابنُ لَهيعةَ (٣).

стр. 1060

ورواهُ غيرُهُ بإسنادٍ فيه بقيَّةُ بنُ الوَليدِ (١). وعنْ عِصمةَ بنِ مالِكٍ نحوه، وليس فيه أنه زوَّجَه أمَتَهُ، رواهُ الدارَقُطنِيُّ (٢). وقد جاءَ عن النبيِّ ﷺ فِي حديثٍ حَسَنٍ فيه ذِكْرُ ابنِ آدَمَ، وفيه: "ولا طَلَاقَ

стр. 1061

لَهُ (١) إلَّا فِيمَا يملِكُ" (٢).

стр. 1062

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1063

وَخَرَجَ بالمكلَّفِ: الصبيُّ، والمجنونُ، ومَنْ زالَ عقلُه بغَيرِ مُحرَّمٍ، والمُغْمَى عليه والنائمُ؛ فلا يَقعُ طلاقُ واحدٍ مِنهُم (١).

стр. 1064

ولا يُتصوَّرُ أن تُطَلَّقَ زوجةُ الصبيِّ إلا فِي صُورةٍ على وجْهٍ ضعيفٍ، وهي: ما إذا أَعْسَرَ بالنفقةِ، وفُرِّق بينهما بذلك (١)، فإنَّها فُرقةُ طلاقٍ على وجهٍ شاذٍّ. ولا يُتصورُ طلاقُ زوجةِ المجنونِ والمُغمَى عليه (٢) فِي غَيْرِ الإعْسارِ إلا فيما إذا علَّقَ طلاقَها فِي حالِ التَّكليفِ بِصِفَةٍ، فوُجِدتْ، وهو غيرُ مُكَلَّفٍ. ويُتصَوَّرُ طلاقُ زوجةِ النائِمِ (٣) فِي غيرِ ذلك من وكيلِهِ. ودخلَ فِي المكلَّفِ: السفيهُ والمريضُ، فإنه يقعُ طلاقُهُما قَطْعًا، والسَّكرانُ فإنه يقعُ طلاقُهُ على المَذهبِ، وهو مُكلَّفٌ على النصِّ المُعتمَدِ عندَ الأصحابِ (٤). وما وقَعَ لِصاحِبِ "الرَّوضةِ" (٥) فيها (٦) وفِي غيرِها مِن أنَّه غَيْرُ مُكَلَّفٍ

стр. 1065

ويقعُ طلاقُه؛ لَيْسَ بمُعتمَدٍ. ويَقعُ على ما رجَّحوه طَلاقُ مَنْ زالَ عقلُهُ بمُحَرَّمٍ، كمَنْ شرِبَ دواءً (١) مُجَنِّنًا معَ العِلْمِ بالحالِ لا لِغرضٍ صَحيحٍ. ولو سَكِرَ بمحرَّمٍ، ثُم جُنَّ وهو سَكرانُ لا بِسَببِ السُّكْرِ، فقياسُ ما ذكرُوه فِي الصلاةِ أنهُ يَقعُ طلاقُهُ فِي الزَّمَنِ الذي ينْتَهِي إليه السُّكْرُ لا فيما بعْدَ ذلك (٢). والصوابُ فِي المَجنونِ بالمحرَّمِ أو مع السُّكْرِ المُحرَّمِ أنهُ لا يَقعُ طلاقُهُ، وإنْ وقعَ طلاقُ السَّكرانِ غيرِ المجنونِ لِظُهورِ الفرْقِ (٣). ونَصَّ الشافعيُّ فِي المَنثورِ فِيمَن نَطَحَ غيرَهُ فانْقلبَ دماغُهُما أنه (٤) لا يقَعُ طلاقُهُما.

стр. 1066

ومَن وَقَعَ طَلاقُهُ بِسَببِ غَيبَةِ العَقْل بالمُحرَّمِ ينفُذُ تصرُّفُه على فتواهُم قَوْلًا كان أو فِعْلًا عليهِ أوْ لَهُ، ومِنه إسلامُه أو رِدَّتُهُ، لا صلاتُهُ وأذانُهُ كما سَبقَ ونحوُهما. وكيفَ يَستقيمُ فِي مَجنونٍ دَامَ جُنونُهُ أن تنفُذَ تصرُّفاتُهُ معَ عَدَمِ التمييزِ ويَصيرُ مُتخَبِّطًا فِي أحوالِهِ وأقوالِهِ؟! هذا خرْقٌ لا يَنبغِي المَصِيرُ إليه، ولو خَصَّ ذلك بِحالةِ عمَلِ (١) الدَّواءِ لكَانَ لَه وجْهٌ. والصوابُ ما قدَّمناهُ وِفاقًا للنَّصِّ والمُحَقِّقيينَ. وشَمَلَ بنفْسِه أو نَائبِه: الحُرَّ والعَبْدَ والجَرْحَ والجادَّ والهازلَ. وفِي الهَازلِ وجْهٌ، وتصرُّفُه صَحِيحٌ، ولَو نِكاحًا على الأصحِّ، خِلافًا لِمَا فِي "الحاوي الصغير" (٢). واختيارًا: يُخرجُ (٣) المُكرَهُ بغير حقٍّ (٤)، فإنَّهُ لا يَقعُ طلاقُه إذا وُجدَتْ بَقيةُ الشُّروطِ المُعتَبَرَةِ فِي ذلك (٥)، وهي:

стр. 1067

- أن يكونَ الظالمُ قادِرًا على إيِقاعِ ما هدَّدَه به (١)، والمَظلومُ عاجزًا عن الدفْعِ بفِرارٍ ونحوِهِ. - وأنْ يغلِبَ على ظَنِّ المَظلومِ أنَّهُ إذا امتنَعَ مِمَّا طَلَبَهُ مِنه أوْقَعَ به المَحذورَ. - وأن لا يَعِدَه بِمَا (٢) يَظْهَرُ (٣) تأخُّرُه (٤) كقولِهِ: "إنْ لَمْ تُطلِّقْ فَعَلْتُ بكَ كذَا (٥) غدًا"، فأمَّا لو قال: "فعَلتُ بِكَ" أو "أفعلُ بِكَ" قال معه: "الآنَ" أو (٦) لَمْ (٧) يقُلْهُ، فإنَّه إكراهٌ (٨).

стр. 1068

ويَنبغِي فِي المتأخِّرِ أو (١) القَريبِ جِدًّا أو الذي يغلبُ بِمقتضَى عادتِهِ فِي أمثالِهِ حُصولُهُ أَنْ يكونَ إكْرَاهًا. - وأن لا يَظهَرَ مِنَ المَظلُومِ ما يدُلُّ على اختيارِهِ، فإنْ ظَهَرَ وقَعَ الطَّلَاقُ، وذلك بأنْ يعدِلَ عنِ المَطلوبِ إلى غيرِهِ، ولو كان المطلوبُ داخِلًا فيه كقولِهِ: "طلِّقْ (٢) واحدةً"، فطلَّق ثلاثًا، أو بالعكسِ، أو "طلِّقْ فُلانةً"، فطَلَّقَ غيرَها، أو بالصريحِ فعَدَلَ إلى الكِنايةِ، أو عكسِهِ، أو مُعَيَّنَة، فأَبْهَمَ، أو عكسِهِ (٣). - ولا يُشتَرَطُ الفَوريةُ وإن لمْ تحصُلْ دهشةٌ، ولكن يُشتَرَطُ أن لا يَنوِيَ الطَّلَاقَ. * ضابطٌ (٤): يَنقلبُ (٥) صريحُ الطَّلَاقِ كِنايةً هُنا وفيما إذا كَتَبَهُ، وفِي نحو: "أنتِ كظَهْرِ أُمِّي طَالِقٌ". * * *

стр. 1069

والذي يكونُ التَّخويفُ به إكرَاهًا (١) هُو (٢) أن يُكرِهَهُ بمَحذورٍ يؤثِرُ العاقِلُ الإقْدامَ على ما طُلِبَ منه؛ حَذَرًا مما خُوِّفَ به، ومنه الشتمُ لذي قَدْرٍ (٣) وإتْلافُ المالِ وأخْذُهُ إكْراهًا، ويختلِفُ ذلك باختلافِ النَّاسِ على المُختارِ. والوكيلُ فِي الطَّلَاقِ لو وُجِدَ فيه الشَّرطُ (٤) لَمْ يَقعْ طلاقُهُ على الأصَحِّ (٥). ولو قالَ مستحِقُّ القِصاصِ: "طلِّقِ امرأتَك وإلا اقتصَصْتُ مِنكَ"؛

стр. 1070

فطلَّقَ (١)، وَقَعَ، كذا قالُوه، وعلى فتواهم فهو مكرَهٌ بِحَقٍّ (٢). والمُولِي إذا أكرهَهُ القاضي على الطَّلَاقِ المطلوبِ شَرْعًا حتى طلَّقَ (٣) وَقَع (٤)، وكذا لو طلَّقَ القاضي عليه، وهو المُرادُ بقولِنا: "أوْ قهْرًا شرْعِيًّا" (٥) (٦). ومِن هنا (٧) يصحُّ بيعُ المَديونِ إجْبارًا، وإسلامُ (٨) الحربيِّ والمُرتدِّ لا الذميِّ على الأصَحِّ (٩). ولو قال الزوجُ لآخَرَ: "طلِّقْ زوجَتِي وإلا قتلتُكَ" (١٠) -مثلًا- فطلَّقَها، وَقَعَ؛ لِأنَّه أبلغُ فِي الإذْنِ (١١).

стр. 1071

وحيثُ قالوا فيه قَوْلَ (١) المُكْرَهِ، فمُرادُهُم مَن حَلَفَ باختيارِهِ، ووُجدتِ الصِّفةُ بالإكراهِ. والأصحُّ فيه عدمُ الوُقوعِ كما سَيأتي، وليس مرادُهُم ما نحنُ فيه. * * * * ضابطٌ: لا يصِحُّ مع الإكرَاهِ بالشُّروطِ المُعتبَرةِ شيْءٌ مِنَ التَّصرُّفاتِ (٢)، ولا يَصيرُ مُرتدًّا مَن تلفَّظَ بكَلِمةِ الكُفْرِ مُكرَهًا لِقَولِهِ تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ﴾ (٣). ولا يترتَّبُ مع الإكراهِ أثرُ ما أُكْرِه عليه، إلا أن مَن (٤) أحدَثَ مُكرَهًا تَجِبُ عليه الطهارَةُ، ونحوُها مما يترتَّبُ على الحَدَثِ. وكذلك تَبْطلُ صلاةُ مَن تكلَّمَ مُكْرَهًا، ونحوُ ذلك، ويَلزمُهُ القضاءُ إذا أخرَجَ الصلاةَ عن وقتِهَا مُكرَهًا حيثُ تصور. وكذلك يَفوتُ بالإكراهِ ما وقِّتَ مِن عبادَةٍ وَوَكالةٍ ومساقاةٍ وإجارةٍ. * * * ويَثبتُ مع الإكراهِ تَحريمُ الرَّضَاعِ، والربيبةِ بوَطْءِ أُمِّها كُرْهًا، وأمةِ الفَرْعِ

стр. 1072

بِوَطءِ الأصلِ مُكْرهًا، ويتقرَّرُ بالوَطْءِ مَكرهًا (١) المُسمَّى الصحيحُ، ومهرُ المثْلِ عند فَسادِ التَّسميةِ. وقد يَجِبُ (٢) مَهْرُ المِثْلِ فِي غيرِ ذلك. وتَزولُ بَكارَةُ مَن وُطِئَتْ حتى زالتْ بكارتُها مُكرَهَةً (٣)، وتَنتقِلُ إلى حُكْمِ الثَّيبِ. وتَسقطُ نفقةُ مَنْ أُكرِهَتْ على الخُروجِ مِن منزلِ زوجِها، وحِيْلَ بَيْنَهَا وبينَ الزَّوجِ يومًا فأكثَرَ مَثَلًا، وفِي صاحبِ (٤) الوَظيفَةِ نظرٌ، ولم أَرَ مَن جَمَع ذلك. والمُكْرَهُ على إتلافِ المالِ، وكذا على تسليمِ ما (٥) هُو مُؤتَمنٌ عليه طَريقٌ فِي الضَّمانِ على الأصحِّ. والقياسُ يُقرِّرُ النِّصفَ على مباشِرِ الإتلافِ مُكْرهًا، كما سَيأتِي في (٦) القِصَاصِ. ويَرْتفِعُ التحريمُ فِي كُلِّ مُحَرَّمٍ أُكرِهَ علَيه إلا القتلَ والزِّنى، وسَيأتِي حُكْمُ كُلٍّ فِي بابِه.

стр. 1073

ولا يصلُ شَيْءٌ منها إلى الوُجوبِ إلَّا إتلافُ المالِ على ما فِي "الحاوي الصغير" (١). والتحقيقُ خلافُهُ. * * * وخَرَجَتِ الأَجنبيةُ بقَولِنا: "فِراقُ الزَّوجِ زَوجتَهُ"، فلا يقعُ الطَّلَاقُ على الأجنَبيةِ، ولا بالتعليقِ على غيرِ النِّكاحِ اتِّفاقًا، ولا بالتعليقِ على النِّكاحِ على المَذْهَبَ، ودَخلتِ المرتدةُ بعد (٢) الدُّخولِ، فإنَّها إذَا طلقَتْ ثُم عادتْ إلى الإسلامِ فِي العِدَّة تَبيَّنَ وُقوعُ الطَّلَاقِ عليها، وكذلك حُكمُ طلاقِ الكُفارِ إذا قلنا بوقْفِ (٣) أنكحتِهِم، وظَهَرَ تقريرُهُ بعدَ الإسْلامِ. * * * وقولُنا "فِي نكاحٍ صحيحٍ": يدخُلُ فيه نكاحُ الكُفارِ (٤) المُصحَّحُ، ويخرُجُ به النكاحُ الفاسدُ، فلا يقعُ الطَّلَاقُ فيه خِلافًا لأبِي إسحاقَ المَرْوزيِّ، فإنهُ أوْقعَ الطَّلَاقَ فيما كان فسادُهُ مُختلفًا فيه للعُلماءِ وهُو النكاحُ بِلَا ولِيٍّ. ويَنبغِي أن يكُونَ كُلُّ (٥) مُختلَفٍ فيه نحوه فِي معناهُ. ولو طَلَّقَ فيه ثلاثًا افتقرَ إلى مُحلَّلٍ عندهُ، والخلافُ فيما قيلَ الحُكمُ ببُطلانِه أو بِصحَّتِه.

стр. 1074

[فإنْ حَكمَ بِبُطلانِه لَمْ يقعْ بعدهُ قَطْعًا أو بصحَّتِه] (١)، وقُلنا: لا ينقضُ على ما صحَّحُوهُ، وقعَ قَطْعًا لِدخولِه فِي النِّكاحِ الصَّحيحِ. * * * وقولُنا: "أوْ مَن أُلْحِقَتْ بالزوجةِ" وهي الرجعيَّةُ، يَشمَلُ الرَّجعيةَ المعينةَ والمُبهمةَ، والتي عاشرَها مطلِّقُها (٢) مُعاشرةَ الزَّوجِ بِلَا وَطءٍ، ومَضتِ الأقراءُ أو الأشْهُرُ (٣)، فإنهُ يَلحقُها طلاقُه ما لَمْ تَنْقَضِ عدَّتُها على فتوى القفَّالِ والقاضِي حُسينٍ وغيرِهما، وله رَجعتُها حينئذٍ عند القاضِي، خِلَافًا للقَفَّالِ، ومَنْ تَبِعه، وقد سَبقَ فِي الخُلعِ (٤)، وأما البائنُ فلا يَقعُ عليها طَلاقٌ، وإنْ كانَتْ فِي العِدَّة بلا خِلافٍ. * * * وقولُنا: "بنَوعٍ مَخصوصٍ": نُريدُ به ما يقعُ به الطَّلَاقُ مما يَصدرُ من الزَّوجِ مِنْ صَريحٍ أو كنايةٍ مع النيةِ. * * * وقولُنا "على وجهٍ مخصوصٍ": يَخرُجُ به ما إذا استَثْنَى بِمَشيئةٍ ونحوِها، وصورهُ (٥) الدورِ على مُختارِ ابن سُريجٍ وعيرِه، وسيأتِي ذلك.

стр. 1075

ثُمَّ للطلاقِ صَرائحُ و (١) كناياتٌ، ويُنجَّزُ على صفاتٍ مِنْ تَكْرَارٍ وغيرِهِ، وقد يكونُ هناك استثناءٌ بِغَيرِ المَشيئةِ أو بالمشيئةِ (٢)، وقد يكونُ معلَّقًا، وقد يكونُ مفوَّضًا للزَّوجةِ (٣)، وهذه أمورٌ مُتَّسعَةٌ، فلنقتصِرْ منها على مقصودٍ حَسنٍ. * * *

стр. 1076

فصل في صرائح الطلاق وكناياته الصريحُ (١) لُغَةً: ما دلَّ على بيانٍ أو خُلوصٍ (٢). واصطلاحًا: ما اشتَهَرَ مِنَ الألفاظِ المُستعمَلةِ فِي محالِّها على وجهٍ مخصوصٍ. وهو محصورٌ (٣) هُنَا فِي رُجوعِه إلى واحدٍ مِن خَمسةِ أشْياءَ (٤)، وهي: الطَّلَاقُ، وكذا السَّراحُ، والفِراقُ على النَّصِّ المشهورِ فيهما، والخُلعُ (٥)، والمُفاداةُ، وقد سَبقَ (٦) مع مَنعِ الطَّلَاقِ (٧) بالعِوَضِ (٨). * فالصَّريحُ نحوُ: أنتِ، أو هذه، أو زَوجَتِي، أو فُلانة: طَالقٌ، أو: مُطلَّقةٌ -

стр. 1077

بِفَتحِ الطَّاءِ وتَشديدِ اللَّامِ- أو: "يا طالقُ"، أو: "يا مُطلَّقةُ"، كمَا سَبقَ، أو: "طلقْتُ هذه"، أو: "أوقعتْ عليكِ طلاقِي"، أو: "وضَعْتُ عليكِ طَلاقِي"؛ على الأرْجحِ، أو: "طلاقُكِ لازِمٌ لي" عِند الأكثرِ، أو: "أنتِ لكِ طلقةٌ" عند البغَويِّ، والأرجحُ: أنَّهُ كِنايةٌ. ويَستوِي فِي صُرَاحهِ (١) ما سَبقَ كلُّه اللغةُ العربيةُ وترجمةُ ذلك بِغيرِ العَربيةِ (٢). أو: "فارقتُكِ" أو: "سَرَّحْتُكِ" -بفتحِ الراءِ المشدَّدةِ- وكذا: "أنتِ مُسَرَّحةٌ"، بفَتحِ السِّينِ وتَشديدِ الرَّاءِ، وكذا: "يا مُسَرَّحةٌ"، و: "يا مُفارَقةٌ (٣) ". ولا يكونُ شيءٌ من الفِراق والسَّراح صريحًا بغيرِ اللغةِ العربيةِ على الأصحِّ. ولو أسْقطَ المُبتدأَ فِي الصُّورِ كلِّها، أو حَرْفَ النِّداءِ بأنْ قالَ: "طالقٌ" (٤)

стр. 1078

مَثَلًا، أو المفعولَ بأن قال (١): "طَلَقْتِ" ولمْ يَزِدْ علَيه، فمُقتضَى المَنقولِ أنه لا يقعُ وإنْ نَوى. وقدْ صَرَّحَ القفَّالُ وغيرُه بذلك فِي "طَلَقْتِ" لِعِلَّةٍ (٢) أنه لم يَجْرِ (٣) لِلْمرأةِ ذِكْرٌ، ولا دَلالةٌ، فهو كما (٤) لو قالَ "امرأَتِي"، ونَوى: "طَالقٌ"، لا يَقعُ، وقد يُتوقَّفُ فِي ذلك عند السُّؤالِ أو الخُصومةِ. ولو قالَ: "أنتِ طَال" وتَرَكَ القافَ، لمْ يقعْ، وإنْ نَوَى، بخلافِ "يا طَالِ"، فإنه يقَعُ بالنِّيةِ إذِ الترخيمُ مستعمَلٌ فِي النِّداءِ، ذَكرَه البُوشَنْجِيُّ، وهو المُختارُ (٥). والعبَّاديُّ أَطلَقَ الوُقوعَ فِي "أنتِ طال"، ففِي "يا طال": أَوْلى (٦). وقد سَبقَ الخُروجُ عنِ الصريح فِي "أنتِ علَيَّ كظَهْرِ أُمِّي طَالِقٌ". * ومِمَّا ليس بِصَريحٍ على الأصَحِّ: "أنتِ مُطْلَقةٌ" بإسْكانِ الطَّاءِ أو: "يا مُطْلَقة" بإسْكانِها، أو: "أنتِ طلاقٌ"، أو: "الطَّلَاق" أو: "أنتِ فِراقٌ" أو: "سَراحٌ" أو: "أنتِ طَلْقة" (٧). ولو اشتَهَرَ لَفظٌ غيرُ ما سبق كقولِهِ: "حلالُ اللَّهِ عليَّ حَرامٌ" أو: "الحلالُ

стр. 1079

عليَّ حرامٌ" أو: "أنتِ عليَّ حَرامٌ" أو قال فِي الحَلِفِ: "الحرامُ يَلزَمُني" أو: "عليَّ الحرامُ لا أفعلُ كذا" أو: "ما فعلتُ كذا" فكِنايةٌ على الأصَحِّ (١). وأمَّا البلادُ التي لَمْ يَشتهِرْ فيها ذلك لِلطَّلاقِ (٢)، فليس بِصريحٍ فِي الطَّلَاقِ قَطْعًا. * * * وحُكمُ الصريحِ: وقوعُ الطَّلَاقِ بِهِ مِن الزَّوجِ الذِي يقعُ طلاقُهُ، وإن لَمْ ينْوِ إيقاعَ الطَّلَاقِ، لكن يُشترَطُ (٣) أَنْ يكونَ قاصِدًا للتلفُّظِ (٤) بالجُملةِ التي يقعُ بِها الطَّلَاقُ لِمعنَى الطَّلَاقِ. فلا أثرَ لتلفُّظِ (٥) النائِمِ والمُغْمَى عليه والمَجنونِ، كما سَبقَ؛ لِعدَمِ القَصْدِ.

стр. 1080

وكذا الحاكي عن (١) غيرِهِ. وكذا الفَقيهُ فِي تقريرِهِ (٢) وتدريسِهِ وتصويرِهِ (٣). وكذا مَن سَبقَ لسانهُ، أو أُكرِهَ كما سَبَق، أو لُقِّنَ كَلمةَ الطَّلَاقِ بِغَيرِ لُغتِهِ وهو لا يَفهَمُ مَعناها، فإنَّه لا يقعُ الطَّلَاقُ. وكذا لو قال: "أردتُ معناها عند أهلِها" على الأصحِّ. ولو قال: "لَمْ أعلمْ أنَّ معناها قطْعُ النِّكاحِ، ولكنْ نَويتُ به الطَّلَاقَ" لَمْ يَقعْ قَطْعًا، كما لو خاطَبَهَا بكلمةٍ لا معنى لها، وقال: "أردتُ الطَّلَاقَ". وكذا لا يقعُ الطَّلَاقُ على الأرْجحِ فِي صُورةِ الواعِظِ الذِي لَمْ يُعْطَ شَيئًا فقالَ لِلْحاضرينَ: "طلَّقتكُم" ولَمْ يدرِ أنَّ زوجتَهُ فيهِمْ، لأنَّهُ لَمْ يَقصِدْ معنى الطَّلَاقِ الشَّرعِيِّ (٤). ولا تُشتَرَطُ مَعرِفةُ الزَّوجةِ، كما لَوْ خَاطبَ امرأةً بالطَّلَاقِ، وهو يَظنُّ أنَّها (٥) غيرُ (٦) زوجتِهِ فبانتْ زوجتُه، وَقَعَ طلاقُهُ.

стр. 1081

وكذا لَو نَسِيَ أنَّ له زوجَةً، أو قَبِلَ له وليُّه أو وكيلُه نكاحَ امرأةٍ فقال: "زَوْجَتي طالِقٌ" أو خاطَبَهَا بالطَّلَاق، فإنَّها تطلُقُ على المَذهبِ. وإنما يقَعُ الطَّلَاقُ بالصريحِ (١) إذا لَمْ يتلفَّظْ بما يرفعُه مع الانتِظامِ والقصْدِ له قبلَ فراغِهِ مِن جُملةِ الصرِيحِ، فإنْ وُجِد ذلك لمْ يقعِ الطَّلَاقُ نحوَ أن يقولَ: "أنتِ طالِقٌ مِن وَثَاقٍ"، أو: "مِن العَمَلِ"، أو: "سَرَّحتُكِ إلى مَوضعِ كذا"، أو: "فارقتُكِ فِي المنزلِ"، فلا (٢) يقَعُ الطَّلَاقُ (٣). ويلحقُ باللَّفظِ ما إذا نَواه مع القَرينةِ كما لو حَلَّها مِن وَثاقٍ، ثُم قال: "أنتِ طالِقٌ" وأرادَ: عن الوَثَاقِ، فإنَّه إذا ادَّعى هذه الإرادةَ يُقبَلُ ظاهرًا على الأصحِّ لِلْقرينةِ، وإِنِ انتظَم وأرادَهُ، ولكنْ لَمْ يتلفَّظْ به دُيِّنَ فيما سَبقَ. * وأمَّا فِي التَّعليقِ الرافِعِ لإعمالِ الطَّلَاقِ بالكلِّمةِ بأنْ قال: "أنتِ طالِقٌ"، ثم قال: "أردتُ إن شاء اللَّهُ"، فإنَّه لا ينفعُهُ ذلك ظاهرًا (٤)، ولا يُدَيَّنُ على المذهبِ. ويقرُبُ منه: "أنتِ طالقٌ ثلاثًا" ثم يقولُ: "أردْتُ إلَّا واحدةً" أو: "أربعتُكُنَّ طوَالِقُ"، ثم يقولُ: "أردْتُ إلَّا فُلانةً" فلا يُقبلُ ظاهِرًا، ولا يُدَيَّنُ على الأصحِّ (٥).

стр. 1082

وإنْ كان المنْوِيُّ لا يَرفعُ إعمالَهُ بالكُليةِ، ولكن يُعَلِّقهُ (١) نحو: "أنتِ طالقٌ"، ثم يقولُ: "أردْتُ عندَ دُخولِ الدَّارِ" أو: "إنْ شاءَ زيدٌ" أوْ يُقيِّدُه (٢) نحو: "أنتِ طالقٌ إن دخلتِ الدارَ" ثم يقولُ: "أردْتُ فِي هذا الشهرِ"، فإنه يُدَيَّنُ، ولا يُقبَلُ ظاهرًا. [وإنْ كانَتِ الإرادةُ لِتخصيصِ عُمومٍ كـ: "نسائِي طوالِقُ"، ويريدُ: إلَّا فُلانةً، فإنه يُدَيَّنُ، ولا يُقبلُ ظاهرًا] (٣) على الأصَحِّ، إلَّا إذا كان هناك (٤) قَرينةٌ تدُلُّ على دعواهُ، بأنْ تُخاصمَهُ زوجتُهُ بجديدةٍ، فيقولُ: "كلُّ امرأةٍ لي طالِقٌ"، ويدَّعِي أنه أَرادَ غيرَ المُخاصِمةِ، فإنَّه يُقبَلُ ظَاهرًا على الأصحِّ (٥). وكذا (٦) لو ادَّعى فِي المُشتركِ أو ما يقرُبُ منهُ إرادةَ أحدِ مَعنييْنِ (٧) نحو (٨) أن يقولَ: "أنتِ طالِق ثلاثًا، بعضُهُنَّ للسُّنَّةِ وبعضُهُنَّ للبِدعةِ" (٩)، ثُم يقول: "أردْتُ واحدةً فِي الحالِ، وآخِرَتَهُنَّ (١٠) فِي الحالةِ الأُخْرى" فإنه يُقْبَلُ ظاهرًا على الأصحِّ.

стр. 1083

وأمَّا إذا لَمْ ينتَظِمْ ما أتى به نحوُ أَنْ يقولَ: "أنتِ طالق طلاقًا لا يقعُ عليكِ" أو "أنتِ طالِقٌ إلا أنتِ أو ثلاثًا إلا ثلاثًا" فلا ينفعُه ذلك ظاهرًا عند التلفُّظِ، ولا يُدَيَّنُ عند إرادتِهِ قَطْعًا (١). * وأما الكِناياتُ (٢): فلا يقعُ بواحدٍ (٣) منها طلاقٌ إلَّا أن ينويَ به التَّطليقَ المَفهومَ مِن الصَّريحِ السَّابِقِ، ويُعتبَرُ كونُ النيةِ مقرونَةً مِنْ أوَّلِ اللَّفظِ إلى آخِرِهِ على الأصَحِّ خِلافًا لِما فِي "الحاوي" (٤) مِنَ الاكتِفَاءِ بأوَّلِهِ، ولِما (٥) فِي "الروضة" (٦) مِنَ الاكتفاءِ بآخِرِهِ أيضًا (٧). * وضابطُ الكناياتِ: أن يكونَ اللفظُ إشعارَ قُرْبٍ (٨) بالفُرْقةِ، وقد أشار إلى ذلك الشافعيُّ ﵁ فِي "الأم" (٩) وغيرُهُ، وذَكَرَ أشياءَ من ألفاظ الكنايات، فقال: وَمَا تَكَلَّمَ بِهِ مِمَّا يُشْبِهُ الطَّلَاقَ سِوَى هَؤُلَاءِ (١٠) الْكَلِمَاتِ -

стр. 1084

يعني: الصرائح- فَلَيْسَ بِطَلَاقٍ حَتَّى يَقُولَ: كَانَ مَخْرَجُ كَلَامِي بِهِ عَلَى أَنِّي نَوَيْتُ بِهِ طَلَاقًا، وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِ لِامْرَأَتِهِ: "أنتِ خليَّةٌ" (١) أو: "خلوتِ مني" (٢) أو: "أنتِ (٣) بريَّةٌ" (٤) أو: "برئْتِ مني" (٥) أو: "بائنٌ" أو: "بِنْتِ منِّي" (٦) أو: "اذهَبِي" أو: "اعزُبِي" [أو: "اغرُبِي" (٧)] (٨) أو: "تَقنَّعِي" أو: "اخرُجِي"، أو: "لا حاجةَ لي فيكِ"، أو: "شأنكِ بمنزلِ أهلِكِ" أو: "الزَمِي الطَّريقَ خارجةً"، أو: "ودعتُكِ" أو: "قد ودعتِينِي" (٩) أو: "اعتدِّي" (١٠) أو: "أنتِ بتَّةٌ" (١١) أو: "اسرِي" (١٢) أو:

стр. 1085

"ادلُجِي (١) "، أو: "ذُوقي" أو: "اطعمي" أو: "أنتِ حُرَّةٌ". وفِي نصٍّ قيل له: "أنتَ مع امرأتِكَ حرامٌ"، فقال: "لا" فقالتِ امرأتُهُ: "بلى" فقال: "شُدِّي يدَيكِ بنفسِكِ" أو: "تَمَتَّعي (٢) بنفسِكِ" أو: "لا تَتزوَّجِي إلا خليفةً" فإنْ أرادَ طَلاقًا فهو طلاقٌ، وإن لَمْ يُرِدْه (٣) فليس بِطَلاقٍ. * * * * ومِن الكناياتِ: " بتْلَةٌ (٤) "، و: "حبلُكِ على غارِبِكِ" (٥)، و: "ولَا أَنْدَهُ سِرْبَكِ (٦) " (٧) و: "فَسَخْتُ نِكَاحَكِ" و: "اسْتَبْرِئِي"، ولو قبل الدخُول فيه، وفي:

стр. 1086

"اعتدِّي" على الأصحِّ (١). وسائرُ صَرائحِ العِتقِ وكناياتُهُ كنايةٌ فِي الطَّلَاقِ و"اسْتَبْرِئي"، وأمَّا: "كُلِي" فلَيْسَ بِكِنايةٍ على الأرْجحِ، خِلافًا لِمَنْ صَحَّحَ أنه كِنايةٌ، فإنه لا إشْعارَ له بالفُرقةِ إلا على بُعْدٍ (٢) نحو: "كُلُي مِنْ مالِكِ، لأنِّي فارقتُكِ"، ونحوُه: "سلامٌ عليكِ" عِنْدَ المُفارقةِ، وأمَّا "بارَكَ اللَّهُ فِيكِ"، أو "اسقِينِي"، أو "أَطعمينِي"، أو "زَوِّدِيني"، أو ما (٣) أشبه ذلك، فليس بكِنايةٍ على المَنصوصِ المَعمولِ به (٤). ومثلُه "أغناكِ اللَّهُ"، أو "قُومِي" أو "اقعُدِي" أو "اغزلِي" أو "لمْ يبقَ بينِي وبينَكِ شَيءٌ"، خِلافًا لِما فِي "زياداتِ الرَّوضةِ" (٥) فِي الأخِيرةِ؛ لأنَّه عُمومٌ، وفيه كَذِبٌ أو مبالغةٌ (٦). وأمَّا "لا" فِي جَوابِ: "ألَكَ زوجةٌ؟ "، ففِي قولٍ: كِنايةٌ، وفِي قولٍ: ليس بِطلاقٍ وإنْ أرادَه؛ لأنه كذِبٌ مَحْضٌ، وهو المَقطوعُ به عند كَثيرٍ مِن الأصحَابِ، والأرْجَحُ الأوَّلُ، فقد صَحَّحُوا فِي قولِه مُبتدَأً: "لسْتِ (٧) لِي بزوجةٍ"، أنه كنايةٌ (٨).

стр. 1087

وأمَّا "خلَوْتُ منكِ" و"برِئْتُ مِنكِ" و"بِنْتُ مِنْكِ" و"أنَا (١) مِنْكِ طَالقٌ"، فقد ساقَها الشافعيُّ (٢) ﵁ فِي الكِناياتِ مَساقًا (٣) واحدًا. واعتبَرَ الجُمهورُ فِي هذه الألْفاظِ زِيادةً على نِيَّةِ أصْلِ الطَّلَاقِ (٤) أن يَنوِيَ إضافتَه إلى المَرْأةِ، ولا يُتصوَّرُ انفِكاكُ الطَّلَاقِ الشَّرعيِّ عنْ إضافتِه إلى المرأةِ، فالمُعتمَدُ النَّصُّ. وقال به أبو إسحاقَ، والقاضي حُسينٌ. وأمَّا "اسْتَبْرِئِي رَحِمِي (٥) مِنْكِ" فهو لَغْوٌ، وإنْ نوَى تَطليقَها (٦). وأمَّا "أنتِ على حرامٌ" أو كالمَيتةِ أو الدَّمِ أو الخَمْرِ أو الخِنزيرِ، فإنْ نَوَى به الطَّلَاقَ كان طَلَاقًا، أو الظِّهارَ كان ظهارًا، [أوْ نَوَى بِهما جَميعًا فقيلَ: طَلاق، وقيلَ ظِهارٌ] (٧)، وصحَّحُوا أنَّه يَتخيَّرُ؛ فما اختارَه منهما ثَبَتَ، والتساقطُ أوْجَهُ، فيكونُ كما لَو لَمْ يَنوِهِما، أو وقُوعهما ولَمْ يَذكرُوهُما. وإذا لَمْ يَنوِهما أو (٨) نوى تَحريمَ عيْنٍ فَعليْهِ كَفَّارةُ يَمينٍ، وكذا لو أَطلَقَ على الأظْهَرِ.

стр. 1088

وتلزَمُه كفارةُ يَمينٍ في: "أنتِ عليَّ حَرامٌ شَهْرًا"، وقيل: لَغْوٌ. ولَو خَاطبَ الرَّجعيةَ بـ: "أنتِ عليَّ حرامٌ" ونحوِه، فلا كفَّارةَ على المَذْهَبِ. وفِي المُحرِمَة والمعتدَّةِ عنْ شُبهةٍ وجْهانِ، الأرْجحُ الوُجوبُ إنْ لَمْ يَقصِدْ تَحريمَها الحاصِلَ بما ذَكَرَ. وتحريمُ أَمَتِه الحلالِ له بِغيرِ نيةِ العِتْقِ يُوجِبُ الكفارةَ، ولا أثرَ لِتحريمِ طَعامٍ ولا شرابٍ عند الشافعيِّ ﵁. وفِي "فتاوى القفَّالِ" (١) ما يدل على أنه يُشترَطُ لإيقاعِ الطَّلَاقِ بالكِنايةِ معَ النِّيةِ أَنْ لا ينضَمَّ إلى لفظِ (٢) الكِنايةِ ما لا (٣) يَقتضِي الفُرقَةَ معَ نِيَّةِ الطَلَاقِ بمَجموعِ اللَّفظِ حتى لو قالَ: "اذْهبِي إلى بَيْتِ أبَويَّ"، ونوَى الطَّلَاقَ بمجْموعِ (٤) لَفظهِ، لا يَقعُ، وإنْ نَواه بِقولِه: "اذهَبِي" وقَعَ، ويُقاسُ على ذلك غيرُهُ. وما ذَكرَه مَمْنوعٌ، لِأنَّ قولَه: "إلى بَيْتِ أبَويَّ"، وإنْ لَمْ يَقتضِ الفُرقةَ، فلَيْسَ بِمانعٍ لإعْمالِ "اذهَبِي" مَعَ النِّيةِ (٥) نَعَمْ، لَو قالَ: "اذْهَبِي غَيرَ مُطَلَّقةٍ"

стр. 1089

ونوَى الطَّلَاقَ بالمَجموعِ لَمْ يَقَعْ، لأنَّ قولَه: "غيرَ مُطَلَّقة (١) "، منافٍ، فهو مانعٌ. * * * * ضابطٌ: ليس شيءٌ مِن صرائحِ الطَّلاقِ والظِّهارِ كنايةً فِي الآخَرِ، نَصَّ عليه، واتفَقَ علَيه الأصحابُ. وفِي "الأمِّ" و"البُويْطِي" إلْحاقُ الإيلاءِ بذلك، وهو متعيَّنٌ. وأمَّا كناياتُ الطَّلَاقِ وكناياتُ الظِّهارِ، فإنَّها تُستعمَلُ فِي الآخَرِ بالنِّية المعتَبَرَةِ، ولا فَرْقَ بين قولِه: "أنتِ عليّ حرامٌ" أو: كالميتةِ، أو: كأُمِّي، أو: خَلِيةٌ، ونحوها. * * * * قاعدةٌ: ما كان صريحًا فِي بابِه وَوَجَدَ نَفاذًا فِي المَحَلِّ المُخاطبِ به لا يكونُ كِنايةً فِي غيرهِ حِينئِذٍ. فلَوْ قال لِزَوجتِه: "أنتِ طالقٌ"، ونوى الظِّهارَ، أوْ "أنتِ عليّ كظَهْرِ أُمِّي" ونوَى الطَّلَاقَ، لمْ يَقعْ ما نَواه، ويقعُ مُقتضَى الصَّريحِ لِوُجودِ المَحَلِّ المُخاطَبِ الذي ينفُذُ فيه. * * *

стр. 1090

وقدِ استُثنِي مِنَ القاعدةِ مَواضِعُ: * منها: ما سَبقَ مِنْ قَولِه: "أنتِ عليَّ حرامٌ"، وشِبْهُهُ، فإنه صريحٌ (١) فِي إلْزامِ الكفَّارةِ إذا خَاطبَ به زوجةً، أو أَمَةً، ولو (٢) نوَى فِي زَوْجته طلاقًا أو ظِهارًا منها (٣)، أو فِي أَمَتِه عِتْقَها نَفَذَ ما نواه، ولا تلزمُ الكفارةُ. والتَّحقيقُ لا استثناءَ، فالصريحُ ما اشْتهرَ (٤) فِي معْنَاهُ، ولُزُومِ الكفارةِ ليس معنى: "أنتِ عليَّ حرامٌ" وشبهه، وإنما ذاك حُكْمُ رُتبةِ الشَّرعِ على التلفُّظِ بذلك. * ومنها: قال لِزَوجتِه المُعَيَّنَةِ المُتَمكِّنِ مِنْ فَسخِ نِكاحِها: "فَسَخْتُ نكاحَك"، ونوَى بِذلك طَلاقَها، فقَدْ صَحَّحُوا أنه طلاق (٥) مَعَ أن الفَسخَ صَريح فِي رَفْعِ نِكاحِ المَغيبةِ بِحَيثُ تَبِينُ مِنه (٦) مِن غَيْرِ طَلاقٍ، فقدْ وجد نفاذًا حينئِذٍ، وقدْ صارَ كِنايةً فِي الطَّلَاقِ، وكأنَّهما (٧) لمَّا اشتركَا فِي الفُرْقةِ لَمْ يَكنْ مُغايرًا له مِن كُلِّ وَجْهٍ. * ومنها: وَكَّلَ سيِّدُ الأمَةِ زَوْجَها فِي عِتْقِها، فقال الزوجُ: "أعتقتُكِ" (٨) ونوَى طَلاقَها، أو طَلَّق ونوَى العِتْقَ، أو وَكَّلَ الزوجُ السيدَ فِي طلاقِها، فقال
следующие страницы →