← Фикх шафии

Фикх шафии · id 19230

التدريب في الفقه الشافعي

سراج الدين البلقيني

Полный текст (1 801 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

"اعتدِّي" على الأصحِّ (١). وسائرُ صَرائحِ العِتقِ وكناياتُهُ كنايةٌ فِي الطَّلَاقِ و"اسْتَبْرِئي"، وأمَّا: "كُلِي" فلَيْسَ بِكِنايةٍ على الأرْجحِ، خِلافًا لِمَنْ صَحَّحَ أنه كِنايةٌ، فإنه لا إشْعارَ له بالفُرقةِ إلا على بُعْدٍ (٢) نحو: "كُلُي مِنْ مالِكِ، لأنِّي فارقتُكِ"، ونحوُه: "سلامٌ عليكِ" عِنْدَ المُفارقةِ، وأمَّا "بارَكَ اللَّهُ فِيكِ"، أو "اسقِينِي"، أو "أَطعمينِي"، أو "زَوِّدِيني"، أو ما (٣) أشبه ذلك، فليس بكِنايةٍ على المَنصوصِ المَعمولِ به (٤). ومثلُه "أغناكِ اللَّهُ"، أو "قُومِي" أو "اقعُدِي" أو "اغزلِي" أو "لمْ يبقَ بينِي وبينَكِ شَيءٌ"، خِلافًا لِما فِي "زياداتِ الرَّوضةِ" (٥) فِي الأخِيرةِ؛ لأنَّه عُمومٌ، وفيه كَذِبٌ أو مبالغةٌ (٦). وأمَّا "لا" فِي جَوابِ: "ألَكَ زوجةٌ؟ "، ففِي قولٍ: كِنايةٌ، وفِي قولٍ: ليس بِطلاقٍ وإنْ أرادَه؛ لأنه كذِبٌ مَحْضٌ، وهو المَقطوعُ به عند كَثيرٍ مِن الأصحَابِ، والأرْجَحُ الأوَّلُ، فقد صَحَّحُوا فِي قولِه مُبتدَأً: "لسْتِ (٧) لِي بزوجةٍ"، أنه كنايةٌ (٨).

стр. 1087

وأمَّا "خلَوْتُ منكِ" و"برِئْتُ مِنكِ" و"بِنْتُ مِنْكِ" و"أنَا (١) مِنْكِ طَالقٌ"، فقد ساقَها الشافعيُّ (٢) ﵁ فِي الكِناياتِ مَساقًا (٣) واحدًا. واعتبَرَ الجُمهورُ فِي هذه الألْفاظِ زِيادةً على نِيَّةِ أصْلِ الطَّلَاقِ (٤) أن يَنوِيَ إضافتَه إلى المَرْأةِ، ولا يُتصوَّرُ انفِكاكُ الطَّلَاقِ الشَّرعيِّ عنْ إضافتِه إلى المرأةِ، فالمُعتمَدُ النَّصُّ. وقال به أبو إسحاقَ، والقاضي حُسينٌ. وأمَّا "اسْتَبْرِئِي رَحِمِي (٥) مِنْكِ" فهو لَغْوٌ، وإنْ نوَى تَطليقَها (٦). وأمَّا "أنتِ على حرامٌ" أو كالمَيتةِ أو الدَّمِ أو الخَمْرِ أو الخِنزيرِ، فإنْ نَوَى به الطَّلَاقَ كان طَلَاقًا، أو الظِّهارَ كان ظهارًا، [أوْ نَوَى بِهما جَميعًا فقيلَ: طَلاق، وقيلَ ظِهارٌ] (٧)، وصحَّحُوا أنَّه يَتخيَّرُ؛ فما اختارَه منهما ثَبَتَ، والتساقطُ أوْجَهُ، فيكونُ كما لَو لَمْ يَنوِهِما، أو وقُوعهما ولَمْ يَذكرُوهُما. وإذا لَمْ يَنوِهما أو (٨) نوى تَحريمَ عيْنٍ فَعليْهِ كَفَّارةُ يَمينٍ، وكذا لو أَطلَقَ على الأظْهَرِ.

стр. 1088

وتلزَمُه كفارةُ يَمينٍ في: "أنتِ عليَّ حَرامٌ شَهْرًا"، وقيل: لَغْوٌ. ولَو خَاطبَ الرَّجعيةَ بـ: "أنتِ عليَّ حرامٌ" ونحوِه، فلا كفَّارةَ على المَذْهَبِ. وفِي المُحرِمَة والمعتدَّةِ عنْ شُبهةٍ وجْهانِ، الأرْجحُ الوُجوبُ إنْ لَمْ يَقصِدْ تَحريمَها الحاصِلَ بما ذَكَرَ. وتحريمُ أَمَتِه الحلالِ له بِغيرِ نيةِ العِتْقِ يُوجِبُ الكفارةَ، ولا أثرَ لِتحريمِ طَعامٍ ولا شرابٍ عند الشافعيِّ ﵁. وفِي "فتاوى القفَّالِ" (١) ما يدل على أنه يُشترَطُ لإيقاعِ الطَّلَاقِ بالكِنايةِ معَ النِّيةِ أَنْ لا ينضَمَّ إلى لفظِ (٢) الكِنايةِ ما لا (٣) يَقتضِي الفُرقَةَ معَ نِيَّةِ الطَلَاقِ بمَجموعِ اللَّفظِ حتى لو قالَ: "اذْهبِي إلى بَيْتِ أبَويَّ"، ونوَى الطَّلَاقَ بمجْموعِ (٤) لَفظهِ، لا يَقعُ، وإنْ نَواه بِقولِه: "اذهَبِي" وقَعَ، ويُقاسُ على ذلك غيرُهُ. وما ذَكرَه مَمْنوعٌ، لِأنَّ قولَه: "إلى بَيْتِ أبَويَّ"، وإنْ لَمْ يَقتضِ الفُرقةَ، فلَيْسَ بِمانعٍ لإعْمالِ "اذهَبِي" مَعَ النِّيةِ (٥) نَعَمْ، لَو قالَ: "اذْهَبِي غَيرَ مُطَلَّقةٍ"

стр. 1089

ونوَى الطَّلَاقَ بالمَجموعِ لَمْ يَقَعْ، لأنَّ قولَه: "غيرَ مُطَلَّقة (١) "، منافٍ، فهو مانعٌ. * * * * ضابطٌ: ليس شيءٌ مِن صرائحِ الطَّلاقِ والظِّهارِ كنايةً فِي الآخَرِ، نَصَّ عليه، واتفَقَ علَيه الأصحابُ. وفِي "الأمِّ" و"البُويْطِي" إلْحاقُ الإيلاءِ بذلك، وهو متعيَّنٌ. وأمَّا كناياتُ الطَّلَاقِ وكناياتُ الظِّهارِ، فإنَّها تُستعمَلُ فِي الآخَرِ بالنِّية المعتَبَرَةِ، ولا فَرْقَ بين قولِه: "أنتِ عليّ حرامٌ" أو: كالميتةِ، أو: كأُمِّي، أو: خَلِيةٌ، ونحوها. * * * * قاعدةٌ: ما كان صريحًا فِي بابِه وَوَجَدَ نَفاذًا فِي المَحَلِّ المُخاطبِ به لا يكونُ كِنايةً فِي غيرهِ حِينئِذٍ. فلَوْ قال لِزَوجتِه: "أنتِ طالقٌ"، ونوى الظِّهارَ، أوْ "أنتِ عليّ كظَهْرِ أُمِّي" ونوَى الطَّلَاقَ، لمْ يَقعْ ما نَواه، ويقعُ مُقتضَى الصَّريحِ لِوُجودِ المَحَلِّ المُخاطَبِ الذي ينفُذُ فيه. * * *

стр. 1090

وقدِ استُثنِي مِنَ القاعدةِ مَواضِعُ: * منها: ما سَبقَ مِنْ قَولِه: "أنتِ عليَّ حرامٌ"، وشِبْهُهُ، فإنه صريحٌ (١) فِي إلْزامِ الكفَّارةِ إذا خَاطبَ به زوجةً، أو أَمَةً، ولو (٢) نوَى فِي زَوْجته طلاقًا أو ظِهارًا منها (٣)، أو فِي أَمَتِه عِتْقَها نَفَذَ ما نواه، ولا تلزمُ الكفارةُ. والتَّحقيقُ لا استثناءَ، فالصريحُ ما اشْتهرَ (٤) فِي معْنَاهُ، ولُزُومِ الكفارةِ ليس معنى: "أنتِ عليَّ حرامٌ" وشبهه، وإنما ذاك حُكْمُ رُتبةِ الشَّرعِ على التلفُّظِ بذلك. * ومنها: قال لِزَوجتِه المُعَيَّنَةِ المُتَمكِّنِ مِنْ فَسخِ نِكاحِها: "فَسَخْتُ نكاحَك"، ونوَى بِذلك طَلاقَها، فقَدْ صَحَّحُوا أنه طلاق (٥) مَعَ أن الفَسخَ صَريح فِي رَفْعِ نِكاحِ المَغيبةِ بِحَيثُ تَبِينُ مِنه (٦) مِن غَيْرِ طَلاقٍ، فقدْ وجد نفاذًا حينئِذٍ، وقدْ صارَ كِنايةً فِي الطَّلَاقِ، وكأنَّهما (٧) لمَّا اشتركَا فِي الفُرْقةِ لَمْ يَكنْ مُغايرًا له مِن كُلِّ وَجْهٍ. * ومنها: وَكَّلَ سيِّدُ الأمَةِ زَوْجَها فِي عِتْقِها، فقال الزوجُ: "أعتقتُكِ" (٨) ونوَى طَلاقَها، أو طَلَّق ونوَى العِتْقَ، أو وَكَّلَ الزوجُ السيدَ فِي طلاقِها، فقال

стр. 1091

لها السيِّدُ: "طلقتُكِ"، ونوَى عِتْقَها، أو: "أعتقْتُكِ" (١) ونوَى طلاقَها، فاعْتِبارُ النِّيةِ فِي ذلك لاشتِراكِ الطَّلَاقِ والعِتْقِ فِي إِزالةِ المِلْكِ. * ومِنها: "تصدقْتُ" صريحٌ فِي التَّمْليكِ، فإنْ نوَى به الوَقْفَ على الجِهَةِ العامَّةِ انصرَفَ عَن صَريحِ التَّمليكِ إلى ما نَواهُ، كما سبَقَ فِي الوَقفِ، وسببُه: اشتراكُهما فِي إطْلاقِ الصدقةِ كما سَبقَ قَبْلَه، وعلى ما ذُكِرَ مِنَ الجوابِ لا استِثْناءَ، ويَظْهرُ مِن ذلك (٢) الجوابُ فِي غيرِه وترَكْنَا أشْياءَ مِمَّا يُستثْنَى على رأيٍ مَرجُوحٍ. * * * * ضابطٌ: لا يَقومُ مَقامَ اللفظِ صريحًا كان أو كنايةً فِعْلٌ إلا (٣) فِي مَوضِعَينِ: * أحدُهما: الإشارةُ مِن الأخْرَسِ، فإنها قائمةٌ مَقامَ لَفظِه فِي جَميعِ العُقودِ والحلولِ (٤)، إلا فِي إبطالِ الصَّلاةِ، فلَو طَلَّقَ أو باعَ فِي الصَّلاةِ بإِشارتِه عامِدًا (٥) عالمًا لَمْ تَبطُلْ صَلاتُه على الأصَحِّ. ويُمتَحنُ به فيقال: رَجُلٌ طَلَّقَ زَوجتَه، وهو (٦) فِي الصلاةِ، فِي حالةِ العَمْدِ

стр. 1092

والعِلْمِ ولَمْ (١) تَبطُلْ صلاتُه، ولا يُعرَفُ فِي غَيْرِ هذا. وأمَّا الناسِي للصلاةِ وجاهلُ تحريمِ الكلامِ فيها، فإنه قد يُتصوَّرُ فيها (٢) ذلك، وأوْقعَ البغويُّ طلاقَه بإشارَتِه المَفهومةِ (٣) وإنْ لَمْ يَنوِ الطَّلَاقِ. والمَعمولُ به أنَّ إشارتَه منها ما هو صَريحٌ، وهي ما يَفهَمُ منها الطَّلَاقَ مَن وقَفَ عليها، ومِنها كنايةٌ وهيَ التِي يَختصُّ بِفَهمِ الطَّلَاقِ منها الذَّكِيُّ. وقالَ المُتولِّي: إنَّما تُعتبَرُ إشارتُه إنْ لَمْ يَقدِرْ على الكِتابَةِ، فإنْ قَدَرَ كَتَبَ الطَّلَاقَ، وكَتبَ: إني قَصدْتُ الطَّلَاقَ، والمَشهورُ الأولُ. * المَوضِعُ الثاني: الكِتابةُ، ولا بُدَّ فيها مِنَ النيَّةِ، ولو كَتَبَ الصريحَ كَمَا تقدَّمَ. * * *

стр. 1093

فصل في الطلاق المنجز على صفات من تكرار وغيره كان الطَّلَاقُ فِي صَدْرِ الإسلامِ غَيرَ مَحصورٍ بالثلاثِ، ثُم نُسخَ ذلك، وانْحصَرَ فِي حَقِّ الحُرِّ فِي ثلاثٍ (١)، ولَو يكونُ زوجتُهُ (٢) أَمَةً، ومَنْ فيه رِقٌّ لا يَمْلِكُ إلا طلْقَتَينِ، ولو تكون (٣) زوجتُه حُرَّةً. فإنْ رَقَّ الحُرُّ قَبْلَ أن يُطَلِّقَ زَوجتَه، ثُمَّ جَدَّدَ نِكاحَها، وهو رَقيقٌ لَمْ يَملِكْ عليها إلا طَلْقَتَينِ. وإنْ كان قد طَلَّقَ قَبْلَ ذلك واحدةً لَمْ يملِكْ إلا واحدةً [على الأصح] (٤). وإن طَلَّق ثِنْتَينِ قَبْلَ الرِّقِّ وبانَتْ مِنه فله (٥) تَجديدُ نِكاحِها على الأصحِّ. وإنْ عَتَقَ العَبْدُ قبْلَ أن يُطَلِّقَ زَوْجتَه مَلَكَ عليها الثلاثَ، وإنْ عَتَقَ بعْدَ أَنْ طَلَّق واحدةً مَلَكَ عليها طلقَتَينِ. ولو طَلَّق ثِنتَينِ ثُمَّ عَتَقَ، لَمْ تَحِلَّ له إلا بمحلَّلٍ على الأصَحِّ. ولو عَلَّقَ الثانيةَ بعِتْقِهِ لَمْ يَحتَجْ إلى مُحَلِّلِ قَطْعًا.

стр. 1094

ولو قال لِزَوْجتِهِ: "إنْ ماتَ سيِّدي، فأنتِ طَالق طلْقتَينِ"، وقال السيدُ: "إنْ مُتُّ فأنْتَ حُرٌّ"، فماتَ السيِّدُ وعَتَقَ، لَمْ يَحتجْ إلى مُحَللٍ على الأصحِّ. * * * وضابطُ ذلك وما (١) سبَقَ فِي إسلامِ العَبدِ وعِتْقِهِ ونحو ذلك أن يُقالَ: ما يَتعلقُ بالحرِّيَّةِ (٢) والرقِّ مِنْ عَدَدٍ فِي ذلك ونحوِهِ أنه إذا تَبدلَ الحالُ مِن حُرِّيةٍ إلى رِقٍّ وعكسِهِ: فإنْ بَقِيَ شَيْءٌ مِن القدْرِ المُشترَكِ بيْنَ الحالَتَينِ فالعِبرةُ بالحادثِ لا بالزائلِ (٣) [وإنْ لَم يَبْقَ شَيءٌ لا مِن القَدرِ المُشترَكِ فالعِبرةُ بالزائل لا بالحادِثِ] (٤). ويَدخُلُ فِي هذا بعضُ صورِ القَسْمِ بيْنَ الحُرةِ والأَمَةِ، ثُم تَعتَقُ الأَمَةُ، وبعضُ صورِ العَددِ وستأتِي، ولا يَدخلُ فيه الجَدُّ، فإنَّه لا يَتغيرُ الوَاجبُ فيه بِتَبَدُّلٍ (٥) الحالِ مُطْلقًا، ولا عَقْدَ على تكْمِلةِ (٦) الأرْبعِ بعد العِتْقِ مُطْلَقًا. وتَكريرُ لَفظِ الطَّلَاقِ يَكونُ بِتكريرِ الجُملةِ مِن مبتدَإٍ وخَبَرٍ وفِعلٍ وفَاعلٍ. * فالأولُ: نحو: أنْتِ طالقٌ، أنتِ طالقٌ (٧).

стр. 1095

* والثاني نحو: طلقتُكِ طلقتُكِ. فإن بانَتْ بالطَّلقةِ الأُولى، لِأنَّها بِعِوَضٍ، أو لِأنَّ الزَّوجةَ غيرُ مَدخولٍ بها، فإنه لا يَقعُ شيْءٌ لا غَيرُ تلك الطَّلقةِ بِلَا خِلافٍ (١)، إلا فِي صُورَتَينِ يختَصَّانِ بِغَيرِ المَدخولِ بِها (٢): * إحداهما: إذا لَمْ يدخُلْ بها، ولكن استدخَلَتْ ماءَه ففيها وجهٌ قويٌ: أنها بِمنزلةِ المَدخولِ بها فِي الرَّجعةِ، فكذا (٣) فِي وُقوعِ المُتعدِّد مِن الطَّلَاقِ، والأصحُّ خِلافُه. * الثانيةُ: إذا نزَّلْنَا (٤) الخَلْوَةَ على القَديمِ منزلةَ الدُّخولِ، وَقَعَ المتعدِّدُ والمَذْهبُ خِلافُه. وإذا لَمْ تحصُلْ بَينونةٌ، فإن قَصَدَ الاستِئْنافَ بالجُملةِ الثانيةِ وَقعَ طَلْقتانِ، وكذا إنْ أطْلَقَ (٥) على أصَحِّ القَوْلَينِ. وإنْ قصدَ بالثانيةِ تَأكيدَ الأُولَى (٦) ووجِدَ الاتصالُ لَم تَقعْ إلا واحدةً. وسكتَةُ العِيِّ أوِ التنفُّسِ لا تَمنعُ الاتصالَ.

стр. 1096

ويُخالِفُ هذا البابُ بابَ الأَيمانِ باللَّه تعالى، فإنه إذا حَلَفَ مَراتٍ على شَيْءٍ واحِدٍ، ثُم حَنِثَ، فإنه لا تَلْزَمُه إلا كفارةٌ واحدةٌ: أكَّدَ أوْ أطْلقَ أو قصَدَ الاستِئنافَ على الأصَحِّ فيهِما؛ لأنَّ المحلوفَ به واحدٌ على شيْءٍ مُتحدٍ. وفِي تَكريرِ الظِّهارِ لا يَلزَمُ (١) عند الإطْلاقِ إلا ظِهارٌ (٢) واحدٌ على الأصحِّ، خِلافًا لِمَا فِي "الحاوي الصغير" (٣)؛ لأنَّ مُقتضاهُ التحريمُ، وهو حاصِلٌ بالأوَّلِ بخِلافِ الطَّلَاقِ الثاني المُنَجَّزِ. وفِي تَكريرِ التَّعليقاتِ الفتوى عنْدَ الإطلاقِ: أنه لا يَقعُ إلا واحدةً، ويُتَّبَعُ فيه التأكيدُ معَ الانفِصالِ، وأطْلقُوا فِي "إنْ حلفتُ بطلاقِكِ فأنْتِ طالِقٌ"، وأعادَ؛ أنها تَطْلُقُ بِعَددِ المُعادِ، لِأنَّه فِي كُلِّ مُعَادٍ حَالفٌ مُطْلقًا، فيحِلُّ (٤) ما قَبْلَه، ويُؤثَرُ فيما بَعْدَه، وفيه نَظرٌ (٥). والأرْجحُ فِي تَكريرِ: "أنتِ عليَّ حَرامٌ" عند الإطلاقِ أنه بِتعدُّدِ الكفَّارةِ، لِأنَّه بِمنزلةِ الحانِثِ فِي كلِّ واحد إلا إذا قَصدَ التأكيدَ. وإذا قال: "أنْتِ طَالقٌ طَالقٌ"، فكما سَبقَ. ولو كرَّرَ: "أنْتِ طَالق"، أو: "طلقتُك ثلاثَ مراتٍ"، وقصَدَ بالثَّاني والثالِثِ تأكيدَ الأولِ وَوُجِدَ (٦) الاتصالُ، لَمْ تَقعْ إلا واحدةٌ.

стр. 1097

وعنْدَ الاستِئنافِ ثلاثٌ. وكذا إذا (١) أَطْلقَ على الأصحِّ. ولَو قَصَدَ بالثاني استِئْنافًا، أو أَطلَقَ، وبالثالِثِ تأكيدَ الأولِ، وقَعَ الثلاثُ على الأصحِّ. ولو قَصَدَ بالثانِي تأكيدَ الأولِ وبالثالِثِ استِئْنافًا، أوْ أطْلَقَ الثالثَ وَقعَ (٢) ثِنْتانِ، ولَو قَصَدَ بالثانِي استِئْنافًا، أوْ أَطْلقَ، وبالثالثِ تأكيدَ الثاني، وقعَ ثِنتانِ. وإنْ ماتَ ولَمْ يُعْلَمْ حالُهُ فنَصَّ فِي "الأُمِّ" (٣) أنَّها تَطْلُقُ ثلاثًا؛ نَظرًا إلى أنَّ الأصلَ الإطلاقُ (٤). وقدْ يُستشكَلُ مِن جِهَةِ أنَّ الطَّلَاقَ لا نُوقِعُه معَ الشَّكِّ (٥)، وقَدْ يُلْتَفَتُ على تَقَابُلِ الأَصْلينِ. ولو أَدْخَلَ الواوَ فيما سَبقَ بأن يقولَ: "أنتِ طَالقٌ وأنتِ طالقٌ" أو: "طلقتُكِ وطلقتُكِ" أو مَعَ إسقاطِ المُبتدإِ فِي الثاني، بأنْ قال: "أنتِ طالقٌ (٦) وطالِقٌ" ففِي الجَميعِ يقَعُ طَلْقتانِ (٧). فإنْ عَطَفَ الثالِثَ بالوَاوِ بقَصْدِ التأكيدِ لمْ يَقَعْ به شيْءٌ، وعند الاستِئنافِ

стр. 1098

أو الإطلَاقِ (١) يقَعُ ثلاثٌ، ولَوْ أدْخلَ "ثُمَّ" أو "بَلْ" فكالْوَاوِ، وكذا الفاءُ على المَذْهبِ (٢). وفِي هذِه الصُّورِ لَو كانَتْ غيرَ مَدخُولٍ بها [لَمْ يَقعْ إلا طَلقةً كما سَبق فِي تَكريرِ المُبتدإِ ونَحوِه، وفِي قولٍ قديمٍ: هي كالمَدخولِ بِهَا فِي الجَميعِ. ويَستوِي المَدخولُ بها] (٣) وغيرُها فِي نِيَّةِ العَدَدِ بأنْ قال: "أنتِ طالقٌ" أو بِكتابةٍ، أو كنايةٍ معَ النِّيةِ (٤). ولو قال: "أنتِ طالقٌ واحدةً" بالنَّصبِ أو بالرَّفعِ (٥) أو "أنتِ واحدةٌ"، ونَوَى فِي الجميعِ عَددًا وقَعَ ما نَواهُ على الأصحِّ؛ خِلافًا لِمَا فِي "المحررِ" (٦) وغيرِه فِي صُورةِ النَّصبِ (٧). ولو قال: "أنتِ بائنٌ باثْنتَينِ أو ثلاثةٍ (٨) "، فلا بُدَّ مِنْ نِيَّةِ الطَّلَاقِ بالمَجموعِ، أو نيةِ العَددِ للتصريحِ (٩) به، فالأرْجحُ وُقوعُ ما صَرَّحَ بِه (١٠).

стр. 1099

ولو صَرَّحَ فيهما بزيادةٍ على (١) العَددِ الشَّرْعيِّ وقَعَ العَددُ الشَّرعيُّ إلا فِي صُورتَينِ فِي غَيرِ المَدخولِ بها: * أحدُهما (٢): ما إذا قالَ لَها: "أنتِ طالقٌ واحِدةً ومائةً"، فإنَّها لا تَطْلُقُ إلا واحدةً. * الثانيةُ: "أنتِ طالق إحدى وعشرينَ" فالمصحَّحُ فِي "زِيادةِ الرَّوضةِ" (٣) لا يَقعُ إلا واحدةٌ، والأرجَحُ وُقوعُ الثلاثِ، وشاهِدُهُ ما صُحِّحَ فِي إحدى وعِشرينَ دِرْهمًا فِي الإقرارِ. ولَو أَرادَ أن يقولَ "أنتِ طالقٌ ثلاثًا" فماتَتْ قبْلَ تَمامِ "طالِقٌ"، لَمْ يَقعْ شَيءٌ، أو بعدَه (٤)، وقبْلَ أَنْ يَقولَ "ثلاثًا" وقَعَ الثلاثُ على الأصحِّ (٥). وفِي وجهٍ: واحدةٌ. وفِي وجْهٍ: لا يقعُ شَيْءٌ. وكذلك رِدَّتُها وإسلامُها، وهي غَيرُ مَدخولٍ بها [قبْلَ أَنْ يَقولَ ثَلاثًا. وقدْ يستشكلُ به "أنتِ طَالقٌ ثلاثًا" لِحُصولِ البَينونةِ بـ "طالق" إذا كانتْ غَيْرَ مَدخولٍ بها] (٦)، ولا خِلافَ فِي وُقوعِ الثلاثِ.

стр. 1100

وجَوَابُه: أنَّ البَينونةَ هنا حَصَلَتْ بغَيرِ الطَّلَاقِ، والبَينونةُ هُنا إنَّما حصَلتْ بالثَّلاثِ. * * * ومِن الصفاتِ: طلاقُ السُّنةِ والبِدعةِ، ونحو ذلك . والطَّلَاقُ عِندَ سَلامةِ الحَالِ مكروهٌ، وقد يُستحبُّ عِنْدَ تَقصيرٍ فِي الحقِّ، أو كونِها غيرَ عَفيفةٍ، ونحوِ ذلك. وفُسر جمعٌ (١) السُّنيَّ: بما لا يَحرُمُ إيقاعُه. والبِدعيَّ: بما يحرُمُ إيقاعُه، وهذا هو غَيرُ المَشهورِ، وسَيأتِي تفصيلُ القِسمَينِ (٢). * والمَنصوصُ، وهو المَشهورُ: انقسامُ الطَّلاَقِ (٣) ثلاثةَ أقْسامٍ: سُنِّيٍّ، وبِدْعيٍّ، وثالثٌ لا يوصفُ بِسُنةٍ ولا بِدعةٍ:

стр. 1101

* فالسُّنيُّ (١): طلاقٌ خَالٍ عن عِوَضٍ منها فِي طُهرٍ مَسبوقٍ بِحَيضٍ لَمْ يَطأْها فِي واحدٍ منهما فِي قُبُلٍ ولا دُبُرٍ، ولَمْ تستدخِلْ مَنِيَّهُ، ولَمْ يَظهَرْ حَمْلُها منه، ولا مِنْ غَيرِه بشُبهةٍ، وهِيَ مِمَّنْ تَعتدُّ بالقُرءِ (٢) مِن (٣) الطَّلَاقِ بِوَطءٍ سابقٍ فِي قُبُلٍ أو دُبُرٍ أوِ استدخالِ مَنِيٍّ. * والبِدعيُّ المحرَّمُ (٤): الذي يأْثَمُ به طلاقُ مَنْ تجِبُ عليها العِدَّةُ بالأَقراءِ لِما سَبقَ مِنَ الوَطءِ (٥)، أو استدخالِ المَنيِّ (٦) (٧) غَيرِ الرَّجعيةِ فِي الحَيضِ غَيرَ ما سبَقَ فِي بابِه، أو فِي النِّفاسِ، أو فِي آخِر جُزءٍ مِن أجْزَاءِ طُهْرِها، خِلافًا لِلْمُتولِّي، أو فِي طُهْرِ وَطِئها فِيهِ، أو فِي حَيْضٍ قبْلَه، أوِ استدخَلَتْ منيَّهُ ولم يَظْهَرْ حَمْلُها، وهي مِمَّنْ يُمكنُ أن تَحبَلَ فِي ذلك كلِّه (٨).

стр. 1102

ويَحرُمُ طلاقُ مَن (١) قَسَمَ لِضَرَّتِها (٢) قبْلَ أَنْ تَستوفِيَ هِيَ حَقَّهَا. ولَوْ نَكحَ حَاملًا مِن الزِّنَى فوَطِئَها، ثُم طَلَّقَها حامِلًا، كما ذَكرَ كان بِدعيًّا عند ابْنِ الحَدادِ، ومَنْ تَبِعه؛ لأنَّ العِدَّةَ بعد وَضعِ (٣) الحَملِ والنَّقاءِ مِنَ النِّفاسِ، وجَرى على ذلك المُتأخِّرونَ. والصوابُ خلافُه، فحَمْلُ الزِّنى لا يَمنعُ العِدةَ بالأَقراءِ التي تُوجَدُ مع حَمْلِ الزِّنى فِي الأصحِّ. وإنْ قيلَ بمقابلِهِ (٤) أوْ لَمْ تَرِدْ (٥) ماءً فهيَ شارعةٌ فِي العِدةِ مِن حينِ الطَّلَاقِ، ولا تَأتِي البِدعةُ مِن أنَها طُلِّقَتْ فِي طُهرٍ جَامعَها فيه، كما قاله المَاورْديُّ؛ لأنَّ احتمالَ حُدوثِ الحَملِ مِن الوَطءِ هنا مُتعذِّر، فطَلاقُها (٦) حينئِذٍ مِن قِسمِ السُّنيِّ لِعدمِ الحَيضِ، وشُروعِها فِي العِدَّة طاهرًا عَقِيبَ الطَّلَاقِ، ولا نَظرَ إلى مُجرَّدِ (٧) التَطويل كطلاقِ الطاهِرِ (٨) التي (٩) تَبَاعَدَ طُهْرُها، أو انقَطعَ دَمُها وهِيَ غَيْرُ آيسةٍ. والحاملُ مِن شُبهةٍ لا بدعةَ فِي طَلاقِها، خِلافًا لِمَا رجَّحُوه؛ لِنُدورِهِ، فلا

стр. 1103

يُلحَقُ بالحَيضِ، ولا بالنِّفاسِ، وإن لَمْ يغلِبْ تكرُّرُه، فهُو مُلحَقٌ (١) بالحَيضِ (٢) فِي إسْقاطِ الصلاةِ، وغيرِ ذلك. ولا بدعَةَ فِي جمْعِ الثلاثِ مِن الحُرِّ أو الثِّنتَينِ مِمَّنْ فيهِ رِقٌّ، والأَوْلَى التفريقُ على الأَقراءِ (٣). * * * * والقِسمُ الثالثُ الذي لا يُوصَفُ بسُنَّة ولا بِدعةٍ (٤): وهو طَلاقُ مَن لا تَجبُ علَيْها العِدةُ لِعَدمِ الوَطءِ، أو استِدخالِ منيٍّ، أو تَجبُ وهي مِن ذَواتِ الأشهُرِ لِصغَرٍ (٥)، أو إياسٍ، والتي ظَهرَ حَمْلُها منه. * * *

стр. 1104

* واقتصَرُ الأصْحابُ على هؤلاءِ الأرْبعِ، وزدتُ ثلاثًا لا سُنَّةَ فِي طلاقِهِنَّ ولا بدعةَ (١): ١ - المتحيرةُ، ولَمْ أرَ مَنْ ذَكرَها. ويُمكِن أن يقالَ: إذا طَلَّقَ، ولَمْ يَبْقَ أكثرُ الشَّهرِ كان فيه تَطويلٌ لِعَدَّتِها، فيكونُ بِدْعيًّا، والأولُ أرْجَحُ، لِعدَمِ تعيُّنِ وُقوعِهِ فِي الحَيضِ. ٢ - والحامِلُ مِن الشُّهبةِ على ما سبَقَ. ٣ - والمطلَّقةُ الرجعيةُ بناءً على أنها تَبنِي، وهو الأصحُّ خِلافًا لِمَا صحَّحُوه هنا مِنَ الاستِئنافِ (٢).

стр. 1105

والخُلْعُ مع الزَّوجةِ أو وكيلِها أو طلاقِها على عِوَضٍ مِنها، لا سُنَّةَ فيه، ولا بِدْعة. والفُسوخُ كلُّها لا سنةَ فيها ولا بِدعة، إلا: - الخلع مع غَيرِ الزَّوجةِ، إذا قُلْنا إنَّه فَسخٌ، فإنَّه يَحرُمُ فِي الحَيضِ. - والإقرار بما يَقتضِي بُطلانَ النِّكاحِ، تَجبُ المُبادرةُ إليهِ عندَ ظُهورِ الحقِّ، ولو كانَ فِي الحَيضِ، ولو مِنَ الزَّوجِ وحدَه، ولو كان طَلاقًا بائنًا على رأيٍ مَرجوحٍ فِي نحْوِ "نَكحتُها بشاهدَيْنِ فاسقَيْنِ". - وتعليقُ الطَّلَاقِ بالدخول. وسائرُ الصِّفاتِ ليس ببدعيٍّ ولا سُنيٍّ، ولكن إن وُجِدَ فِي الطُّهرِ نفَذَ سُنيًّا، وإن وُجِدَ فِي الحَيضِ نَفَذَ بِدْعيًّا، لا إثْمَ فِيه، إلا إذا وُجِدَتِ الصِّفةُ باختيارِه، فيأثمُ على ما بَحَثَه الرَّافعيُّ، وهو حَسَنٌ. وَمَنْ جَهِلَ الحُكْمَ -ولا تقصيرَ- فطَلَّقَ فِي الحَيضِ فهُو بدْعيٌّ، لا إثْمَ فيه، وكذا مَنْ لا يَعلمُ الحيضَ حيثُ لا تَقصيرَ، قلتُهما تَخريجًا. وإذا كان الطَّلَاقُ بِدْعيًّا لِوُقوعِه فيما سَبقَ، وكان رَجعيًّا، وهي مِمَّنْ تصِحُّ رَجعتُها، فيُستحبُّ أَنْ يُراجعَها فِي الحالةِ التي حصلَتْ فيها البِدعةُ. ثم إن كانتِ البدعةُ لِوقوعِه فِي الحَيضِ ونحوِه على ما سبَقَ، فالسُّنةُ وَرَدَتْ بإِمْساكِها حتى تَطهُرَ، ثم تَحِيضَ، ثُمَّ تَطهُرَ، ثُمَّ إنْ شَاءِ طلَّقَ، وهي طَاهرٌ مِن غَيرِ جِماعٍ، وإنْ شاءَ أَمسكَ، كذلك (١) ثَبتَ فِي "الصحيحَينِ" (٢) مِن

стр. 1106

روايةِ نافعٍ فِي حَديثِ ابنِ عُمرَ لمَّا طَلَّقَ زَوْجتَه (١)، وهي حائِضٌ (٢). وفِي "مختصر المُزنيِّ" (٣): روى هذا الحديثَ سالمٌ (٤) ويُونُسُ بنُ جُبيرٍ (٥)، فخالفُوا (٦) نافعًا فِي شيءٍ منه، قالوا كلُّهم: عن ابنِ عُمرَ أنَّ النبيَّ ﷺ قال لِعُمرَ: "مُرْهُ فلْيُراجِعْها، ثم لْيُمْسِكْها حتى تَحيضَ، ثُمَّ تَطهُرَ، [ثم إنْ شاءَ طلَّقَ بَعْدُ، وإنْ شاءَ أَمْسَكَ" ولم يقولُوا: "ثُم تَحيضُ ثُم تَطهُرُ"] (٧). وما ذكرَه المزنيُّ ظاهرُه أنه (٨) كلامُ الشافعيِّ ﵁، وكذلك (٩) صَرَّحَ به غيرُه بِزيادةِ أنَسِ بْنِ سِيرينَ (١٠) معَ سَالمٍ ويُونُسَ بْنِ جُبيرٍ، وليس هذا المذكورُ عن سالمٍ ويونسَ (١١) مخالفًا لِرِوايةِ نَافعٍ. فمَعْنى "حتى تَحيضَ" أي: حيضةً مستقبَلة، وذلك لا يكونُ إلا بَعْدَ طُهْرٍ،

стр. 1107

وقدْ جَاءَ ذلك مصرَّحًا فِي رِوايةِ مُسْلمٍ عنْ سَالمٍ وفيها: "مُرْهُ فلْيُراجِعْها حتى تَحيضَ حَيْضةً مُستقبَلةً سِوَى حَيْضتِها التي طَلَّقَها فيها" (١). فالرِّوايتانِ على هذا المعنى الظاهرِ مُتفقتانِ، وإنما يَختلفانِ مِنْ وَجهٍ آخَرَ، وهو أن فِي روايةٍ [لِسالِمٍ فِي مُسلمٍ: "مُرْهُ فلْيُراجِعْها ثُمَّ لْيُطلِّقْها طَاهرًا أو حائِلًا (٢) ". وفِي رِوايةِ] (٣) يُونُسَ بْنِ جُبَيرٍ فِي "مسلم" (٤): "فأمَرَهُ أَنْ يُراجِعَها حتَّى يُطلِّقَها طَاهرًا مِنْ غَيرِ جِماعٍ"، وفِي رِوايةٍ لِيُونُسَ: "إذا طَهُرَتْ فلْيُطلِّقْ أوْ لِيُمْسِكْ" وكذلك فِي رِوايةِ أبِي الزُّبَيرِ، وفِي رواية أنس بن سيرين: "ليراجعها فإذا طهرت فليطلقها"، وفِي رِوايةٍ لَه: "مُرْهُ، فلْيُراجِعْها، ثُمَّ لْيُطَلِّقْها لِطُهْرِها". [قال ابن عمر: فراجَعَها ثم طَلَّقَها (٥) لِطُهْرِها] (٦)، وفِي رِوايةِ أَبِي وَائلٍ (٧): "فإذا طَهَرَتْ طَلَّقَها"، ولذلكَ جاءَ مَعناهُ فِي رِوايةِ الشَّعبيِّ، ومَيمونِ بْنِ مِهرانَ، كُلُّهُم عنِ ابْنِ عُمرَ. والظاهرُ: أنَّ الشافعيَّ إنَّما أَرادَ هذَا، فَوقعَ الخَللُ لِلناقِلِ. وظَاهرُ كَلامِ الشَّافعيِّ النَّظرُ إلى رِوايةِ (٨) الأَكْثرِ لا سِيَّما إذا كانَ فيهِمْ

стр. 1108

سَالمٌ، فيُكتفَى على هذا فِي الاستِحبابِ بالإمْساكِ إلى الطُّهرِ الأوَّلِ، وبِه يَزولُ ضَررُ (١) تَطويل العِدةِ، وعلى هذا جرى "الحاوي" و"المنهاج" (٢) لكنْ بِعبارةٍ فيها خَللٌ، وفِي "المختصر المنبه" (٣). وقد قيل: إنَّ فِي "الإمْلاءِ": ولَو طَلَّقَها، وهِي حائضٌ فأُحِبُّ له أَنْ (٤) يُراجِعَها، ثُم لْيُمْسِكْها حتَّى تَطْهُرَ، ثُم (٥) تَحيضَ، ثُم تَطْهُرَ، ثُم إنْ شَاءَ طَلَّقَ قبْلَ أَنْ يَمَسَّ، أوْ أَمسَكَ. وقال الشافعيُّ ﵁: (٦): إنَّه يَحتمِلُ أن يكونَ ذلك (٧) لِيستبرِئَها المطلِّقُ، فيُطلِّقَها وعِدَّتُها مَعلومةٌ. وهذا المَنقولُ عن "الإملاء" هو المصحَّحُ عند جمْعٍ مِنْ أصْحابِه، وقَطَعَ به بعضُهم، ونقَلَه الإمامُ عنِ الجُمهورِ. والخِلافُ قَولانِ، لا وجْهانِ كما ذَكرُوه، وهو فِي تأدِّي الاستِحبابِ (٨) التَّامِّ، فأمَّا أصْلُ الاستِحبابِ وإباحةِ الطَّلَاقِ فيَحصُلُ بِالأوَّلِ قَطْعًا، كما اقتضَاهُ نقْلُ الإمامِ وغيرِه.

стр. 1109

وحكايةُ "الوسيط" الخِلافَ فِي جَوازِ الطَّلَاقِ فِي الطُّهرِ الأوَّلِ قال فِي "زِياداتِ الرَّوضةِ": هو فاسدٌ أوْ مُؤَوَّلٌ، وليس كما قال فِي "الروضة" ففِي كلامِهم ما يَشهَدُ له، ولَكنَّ (١) المَشْهورَ خِلافُه. وعلى الطريقةِ المَشهورةِ تكونُ رِوايةُ نافعٍ وإحدى رِوايَتَيْ سَالمٍ فِي تَمامِ الاستِحبابِ، ورِوايةُ الأكثَرِ فِي أصْلِ الاستحبابِ. وإنْ لَمْ يُراجِعْ حتى طَهَرَتْ فقدْ فاتَ المُستحبُّ (٢) على رِوايةِ الأكْثرِ، وعلى رِوايةِ نَافعٍ يَحصُلُ استحبابُ الرَّجعةِ لِمَا بَقِي، وهو الأقْربُ، ويَحتمِلُ خلافَ ما ذكرُوهُ. وإنْ كانَتِ البِدعةُ لِوُقوعِه فِي طُهْرٍ جَامعَها فيه (٣) ونحوِه على ما سبَقَ، فقال الشافعيُّ: أَحْبَبتُ أَنْ يُراجعَها، ثم يُمهِلَ لِيطلِّقَ كما أُمِر (٤)، يعني: بعْدَ ظُهورِ حَمْلِها منه، أو فِي طُهْرٍ بعْدَ حَيْضٍ. وإنْ لَمْ يَطأْ فِي الطُّهرِ الأوَّلِ بَعْد الرَّجعةِ أوْ لَمْ يُراجِعْها فيه، ثُمَّ رَاجَعَها، فقالُوا: يُستحَبُّ أن لا (٥) تُطَلَّقَ فِي الطُّهرِ الثانِي، لِئلَّا تَكونَ الرَّجعةُ لِلطلاقِ، وهُو خِلافُ إطْلاقِ (٦) النَّصِّ السابقِ.

стр. 1110

ومِن الصِّفاتِ ذِكْرُ المَعيةِ والقَبْليةِ والبَعْديةِ (١) ونَحوِها، وتَبعيضُ الطَّلَاقِ، وتَنجيزُ ذلك إلى ذِكْرِ بَعْضِ الزَّوجةِ. فإذَا قالَ لِزَوجتِه المُوطوءةِ (٢) "أنتِ طالقٌ طَلقةً معها طلقةٌ" أو: "معَ طَلْقةٍ" -ولا عِوَضَ هُناك- وقَعَ طَلقتانِ قَطْعًا. لكنْ هَلْ تَقعانِ معًا بِتَمامِ الكلامِ كما لو قال: "أنتِ طالقٌ طلْقَتَينِ"؟ أو يَقعانِ مُتعاقِبَتَينِ (٣) لِتَرتُّبِ اللَّفظينِ؟ وَجهانِ، صَحَّحُوا الأوَّلَ (٤). فلَو قال ذلك لِغَيرِ مَوطُوءةٍ وقَع علَيْها طَلقتانِ أيضًا على المُصَحَّحِ، وعلى التَّرتيب واحدةٌ. والتحقيقُ: أنَّه إنْ أَرادَ بِطالقٍ ثِنتَينِ، وبيَّنَها بقَولِه: "طَلْقةً مع طلقةٍ" فالأمرُ كما صحَّحُوا، بَلْ يَنبغِي أَنْ يُقطَعَ بِه، وإنْ أرادَ بـ "طالق" واحدةً، أو لَمْ يُرِدْ (٥) عددًا، فلا يَقعانِ إلا مُتعاقِبتَينِ (٦)، ولا يَقعُ على غَيرِ المَوطوءةِ إلا واحدةٌ. ولو قالتِ المَدخولُ بِها لِزَوجِها: "طَلِّقْني طَلْقتَينِ بألْفٍ"، فقال: "أنْتِ

стр. 1111

طالقٌ طَلْقةً مع طلقةٍ" أو: "معها طلقةٌ" استحَقَّ الألْفَ على أنَّهما يَقعانِ معًا، وعلى التَّرتيبِ لا يَستحِقُّ إلا النِّصفَ إذ (١) لَمْ يَقعْ إلا واحدةٌ، وفيه ما قدَّمناهُ مِنَ التحقيقِ ولَمْ يَذكرُوه. ولَوْ قالَ: "أنتِ طالق طلقةً (٢) قبلَ طلقةٍ" أو: "بعْدَها طلقة" وقعتْ (٣) طَلقتانِ مُتعاقِبتانِ فِي المَدخولِ بها حَيْثُ لا عِوَضَ ولا يقعُ فِي غَيرِ المَدخولِ بِها إلا واحدةٌ، وكذا فِي طلاقِ العِوَضِ. ولو قال: "طلقةً بعد طلقةٍ" أو: "قبلها طلقة" وقعَ فِي المَدخولِ بِها حَيثُ لا عِوَضَ (٤) طَلقتَانِ على المَشهورِ، ويَقعانِ مُتعاقِبَتينِ بعْدَ تَمامِ اللَّفْظِ. وصحَّحُوا وُقوعَ المُضمَّنةِ أوَّلًا ثُمَّ المُنجَّزةِ، والتَّحقيقُ: عكسُه. وفِي غَيرِ المَدخولِ بها صحَّحُوا وُقوعَ واحدةٍ مع ما صحَّحُوه فِي الكَيفيةِ السابقةِ، ولا يَجيءُ ذلك إلا على إبْطالِ الدورِ. أمَّا (٥) إذا صحَّحْناه كما سَيأتِي، فإنَّه لا يَقعُ شَيْءٌ. وقِيلَ: يَقَعُ عليها طَلقتانِ، ويَلغُو الوصفُ بالقَبْليةِ والبَعْديةِ. ولو قال: "طَلقةً فِي طلقةٍ" وأراد "مع" فَطلقتانِ على ما سَبقَ، أو الظرفَ، أو الحسابَ، أو أَطْلقَ، فطَلْقةٌ (٦).

стр. 1112

ولو قال: "نِصفَ طَلْقةٍ فِي نِصْفِ طَلْقةٍ" لمْ تَقعْ إلا واحدةً على كلِّ تقدير؛ كذا قالُوه. والتحقيقُ فِي إرادةِ المعيةِ إن قُلْنا: تقعانِ مُتعاقبتَينِ (١) عندَ التصريحِ بالمعيةِ فهُنا يَقعُ ثِنتانِ. وإنْ قُلْنا: يَقعانِ معًا، احتَملَ وُقوع ثِنتَينِ مِن جِهَةِ تَكميلِ كُلِّ نِصفٍ، واحتَملَ وُقوع واحدةٍ، والأولُ أرْجحُ. وطلقةٌ فِي طَلقتَينِ يَقعُ به ثلاثٌ عند قَصْدِ المَعيةِ، وفِي قَصْدِ الظَّرْفِ واحدةٌ. وإن قَصَدَ الحسابَ وعَرَفَ معناه، فثِنْتانِ، وإنْ جَهِلَه ولَمْ يقصِدْ معناه، فواحدةٌ، وكذا إن قَصَدَ معناه على الأصحِّ. وخُرِّج عليه "أنتِ طَالقٌ مِثْلَ ما طَلَّقَ زيدٌ امرأتَه"، وهو لا يَدرِي ما طَلَّقَ، وكان زيدٌ قدْ طَلَّقَ عَددًا، وقضيةُ ذلك أنَّ الأصحَّ وُقوعُ واحدةٍ. وقالوا مِثلَ ذلك فيما إذا نَوَى عددَ طلاقِ زَيدٍ، ولَمْ يَتلفظْ بِه، ولَمْ يَعرفِ العَددَ، وكلُّ ذلك بَعيدٌ؛ لِأنَّ الطَّلَاقَ لا يَنقصُ عن الإحرامِ، بَلْ يَزيدُ علَيه. ولو قال: "أَحرمتُ كإِحرامِ زيدٍ" ولا يَدرِي قِرانَه، فكان (٢) قَارنًا فإنه يَتْبَعُه، فلِذلك هُنا (٣) يقَعُ عَددُ (٤) طَلاقِ زَيدٍ، وعِند إرادةِ (٥) العَددِ أَوْلَى.

стр. 1113

وإن لَمْ يَقصِدْ حِسابًا ولا غَيرَه فطلْقَةٌ (١)، وكذا لِعارفِ (٢) الحِسابِ على الأظْهَرِ، وفِي قولٍ غريبٍ: له ولغيره، ثلاث، وهو ضَعيفٌ (٣). * * * وإذا قال: "أنتِ طالق بعضَ طَلقةٍ" (٤) وقعتْ طَلقةٌ، لاستِحالةِ تَبعيضِ الطلقةِ، أبْهَم، أو عيَّنَ؛ كنِصفِ طَلقةٍ (٥). ولا خُصوصَ للطلاقِ باستِحالةِ تَبعيضِه، فالتبعيضُ مُستحيلٌ فِي كثيرٍ مِن أبْوابِ الشَّريعةِ، كما فِي النِّيةِ فِي جَميعِ العِباداتِ، وكما فِي كُلِّ عَقْدٍ وفَسخٍ وحَجْرٍ ويَمينٍ وقَضاءٍ (٦) وشَهادةٍ ودَعْوى وقُرءٍ. وإنَّما يَختصُّ الطَّلَاقُ بالوُقوعِ، وقد يُتخيَّلُ أَلحاقُ العِتْقِ والإحرامِ به كـ "أعتقتُكِ نصفَ عتقٍ" و"أحرمتُ نصفَ إحرامٍ"، ولَمْ يَذكرُوه.

стр. 1114

ونِصْفَيْ طَلقةٍ تقعُ به واحدةٌ على المَشهورِ، إلا أَنْ يَقصِدَ نِصْفَي طَلقَتَينِ فتَقعُ ثِنْتانِ، وفِي نِصْفِ طَلقتَينِ تقعُ واحدةٌ على الأصحِّ. وإنْ زَادَتِ الأجزاءُ كثلاثةِ أنْصافِ طَلْقةٍ، [فطَلْقتانِ على الأصحِّ (١) (٢)، وإنْ جاوَزَتِ الأجزاءُ طَلقتَينِ كخَمسةِ أنْصافِ طَلقةٍ] (٣)، فثلاثٌ على الأصحِّ، وقيل: واحدةٌ. وفِي المَعطوفِ فِي نَحوِ "نِصفُ طلقةٍ، وثلثُ طلقةٍ" يتعددُ، وفِي نَحْوِ: "نِصفٌ وثُلُثٌ" لا يتعددُ، وعِنْدَ إسْقاطِ العاطِفِ مَعَ تَكرُّرِ لَفظِ "طلقة" نحو "أنتِ طالقٌ ثُلثَ طَلْقةٍ، رُبُعَ (٤) طَلقةٍ، سُدُسَ طَلْقةٍ" لا يَقعُ إلا واحدةٌ (٥)؛ كذا جَزمُوا به مُستشهِدِين بنَحو "أنْتِ طَالقٌ طالقٌ (٦) " واستشهادُهم مُخالِفٌ لِطَريقةِ الجُمهورِ مِن أنَّ ذلك كـ "أنتِ طَالقٌ أنتِ طالقٌ"، كما سَبقَ. وقضيةُ هذا أن يأتيَ ما سَبَقَ فِي الإطْلاقِ، وقصْدِ الاستِئنافِ والتأكيدِ والحكمِ (٧) هنا مُطلقًا (٨) للمُغايرةِ. وأمَّا التبعيضُ فِي المَحلِّ فيَستحيلُ هنا مع الإبْهامِ أو التعيينِ، وكذلك فِي

стр. 1115

يَسيرٍ مِنَ الأبوابِ كالنِّكاح، والرَّجعةِ، والإيلاءِ، والظِّهارِ، واللِّعانِ، ونحوِها، ولكنْ يَقعُ الطَّلَاقُ على كُلِّ المَحلِّ، ويَترتبُ فِي الإيلاءِ والظِّهارِ ما (١) سيأتي. وفي (٢) ضَمانِ الإحصارِ يَصحُّ بما لا يبقَى (٣) دُونَه. فإذا طَلَّقَ بعضَ زوجتِه مُشَاعًا (٤) أو جُزءَها مُشاعًا نَحوَ رُبُعٍ، أو مُعينًا بِجهةٍ، فإنها تَطْلُقُ اتِّفاقًا. وفيما ذَكرُوه فِي "بعضِكِ" نَظرٌ لِجوازِ أَنْ يُريدَ ما لا يقَعُ بِه، لو عيَّنه من فضلةٍ ونحوِها فإذا أرادَ ذلك لَمْ يَقعْ. وإنْ طلَّقَ جُزءًا مُعيَّنًا كأذُنٍ وشَعَرٍ، وكانَ مَوْجودًا عندَ التنجيزِ أو التعليقِ والصفةِ طَلَقتْ إلا فِي أُذُنٍ أُلصِقَتْ بعْدَ انفصالِ كلِّها، وسِنٍّ كذلك على الأصحِّ. وحيثُ وقعَ فيما ذُكِرَ فهُوَ بتقديرِ السرايةِ (٥)، أو بِطَريقِ التَّعبيرِ (٦) بالجُزئيةِ (٧) عنِ الجُملةِ وجْهانِ (٨)، صحَّحُوا الأولَ، وفيه نَظر؛ لِأنَّ التقديرَ لا يكونُ بالمُستحيلِ.

стр. 1116

ورتَّبُوا على الوَجْهَينِ: "إن دخلتِ الدارَ، فيمينُكِ طالقٌ"، فقُطِعتْ بعد التعليقِ، ثُمَّ دخلَتْ، فعلى الأصحِّ: لا يَقعُ، وعلى الثاني: يَقعُ. ولَوْ قيلَ: هو مِن التَّعبيرِ بالجُزءِ عنِ الجُملةِ بِشَرطٍ يُشترط (١) وُجودُ المَذكورِ أو لا يُشترَطُ وجودُه لكانَ أَوْلى، ولَمْ يَذكرُوه. والتعبيرُ بالجُزءِ عن الجُملةِ وإن كان مَجازًا، فلا يُعتبَرُ فيه النِّيةُ هنا؛ لأنَّ النِّيةَ إنما تُعتبَرُ فِي غَيرِ الصرائحِ على ما سَبقَ لا فِي المحلِّ. [وإنْ طلَّقَ فَضلاتِها كعَرَقٍ ودَمعٍ وبَولٍ ومَنيٍّ ولَبَنٍ أوْ أخْلاطَها، لمْ تَطْلُقْ فِي جَميعِ ذلك على ما صَحَّحُوه إلا فِي "دَمُكِ طَالقٌ" فإنَّها تَطْلُقُ على المَذهبِ] (٢). وإنْ طلَّقَ المعانِي وهِيَ الأعْراضُ كسَمعٍ وبصَرٍ وكلامٍ وضحكٍ وحَركةٍ وسُكونٍ وسِمَنٍ، لمْ تَطْلُقْ على المَشهورِ. وما ذَكرُوه فِي السِّمَنِ فيه نَظرٌ؛ لِأنَّه فِي العُرفِ يُرادُ به الجُثةُ الكَبيرةُ، وحِينئِذٍ فيَظْهَرُ وُقوعُ الطَّلَاقِ. وإذا نَوى ذلك فالوُقوعُ مُتعيَّنٌ. [ومِمَّا لا يَقعُ به إذا طَلَّقَ صِحَّتَها، أوْ نفَسَها -بفَتحِ الفَاءِ- أوْ ظِلَّها، أو اسمَهَا، إلا أن يُريدَ بالاسْمِ المُسمَّى فتَطْلُقَ] (٣). وإنْ قال: "رُوحُكِ طَالقٌ" وقعَ الطَّلَاقُ إن قلْنَا إنَّ الرُّوحَ جِسْمٌ، وإن قلنا

стр. 1117

عَرَضٌ، فلَا، وصحَّحُوا الوُقوعَ. ولو قال: "حياتُكِ طَالقٌ"، فإنْ أَرادَ الرُّوحَ فكمَا سَبقَ، وإنْ أَرادَ المَعنى، لمْ تَطْلُقْ كمَا تقدَّمَ. * * *

стр. 1118

فصل في الاستثناء فِي الطلاق بالمشيئة أو (١) بغيرها الاستِثناءُ بِمشيئةِ اللَّهِ تعالى هو تَعْليقٌ، وأُطلِقَ عليه استِثْناء مجازًا مَشهورًا بالنَّظرِ إلى الثُّنيا اللُّغويةِ، وهِيَ الانعطافُ على اللَّفظِ بِلَفظٍ آخَرَ يُخرِجُ الأوَّلَ عنْ ظَاهرِ مَدلولِه، وذَكرْنَاه فِي الاستِثناءِ لِذلك، ولِكثْرَةِ (٢) استِعمالِ النَّاسِ له، وقدْ تُسْتعمَلُ فيه أَداةُ (٣) الاستِثناءِ (٤). ويُشترَطُ فِي إِعمالِه، وإِعمالِ كُلِّ الاستِثناءِ (٥) أَمْرانِ (٦): ١ - أحدُهما: أَنْ يقصِدَهُ قبْلَ فَراغِ الكَلامِ على الأصَحِّ المَنصوصِ فِي

стр. 1119

"البويطي". ثُمَّ إنْ كانَ فِي المشيئةِ كفَى نِيَّتُها (١) قبْلَ فَراغِه منْ قولِه: "أنْتِ طَالقٌ ثلاثًا" مَثَلًا. وإنْ كان فِي الاستِثناءِ فِي العَددِ ونَحوِه كمَنْ قال: "أنتِ طالقٌ" على نِيَّةِ الثَّلاثِ، وفَرغَ مِن "طالق" على النِّيةِ المَذكورةِ، ثُمَّ قال: "ثلاثًا" وقَصدَ استِثناءَ ثِنْتينِ أوْ واحدةً قبْلَ فَراغِه مِنْ قَولِه: "ثَلاثًا" فإنه لا يخلِّصُه على التَّحقيقِ (٢). ولَمْ يتعرضُوا له، وإنما يُخَلِّصُه أن يَنْويَ الاستِثناءَ قبْلَ فَراغِه مِن قولِه: "طالقٌ". ٢ - الثانِي: الاتصالُ (٣)، ولا تضرُّ (٤) سكتةُ العِيِّ والتنفُّسِ والتذكُّرِ -على النَّصِّ- ولا المعطوفاتُ التي يعقُبُها الاستثناءُ على المَذهبِ المُعتمَدِ، ولا نحوُ "أَستغفِرُ اللَّهَ" قياسًا على المَنقولِ فِي الإقْرارِ، وينفردُ الاستثناءُ فِي العَدَدِ ونحوِه، بأن لا يكونَ مُسْتغرقًا كما تقدَّم فِي الإقرارِ. فإذا قال لِزَوجتِه: "أنتِ طالقٌ إنْ شاءَ اللَّهُ" وقَصَدَ التَّعليقَ بِشَرطِهِ، لمْ يقعْ على المَذهبِ.

стр. 1120

ومثلُه: "إنْ أَرادَ اللَّهُ"، أو: "إنْ قَضى اللَّهُ" ونحوُ ذلك (١). ولا فَرْقَ بيْنَ "إنِ الشرطيةِ" و"متى"، و"إذا" ولا بيْنَ تَقَدُّم (٢) الشَّرْطِ، وتوسُّطِه وتأخُّرِه (٣). ولو قال: "أنتِ طالقٌ بمشيئةِ اللَّهِ" لَمْ تَطْلُقْ، ذكَرَه الماوَرْديُّ (٤)، أو: "لِمشيئةِ اللَّهِ" فكذلك، وفيهما نَظرٌ، أو: "ما شاءَ اللَّهُ" فلا تَطْلُقُ على الأصحِّ، وِفاقًا للطبريِّ، خِلافًا لِمَا جَزمَ به فِي "الشرحِ" و"الرَّوضةِ" (٥). وكذا يَمْنَعُ الاستثناءُ بالمَشيئةِ إعْمالَ التعليقِ واليَمينِ والنَّذرِ والعِتقِ، وكلِّ تَصرُّفٍ، ولا يَلزَمُ الإقرارُ. وكذا الظِّهارُ على المَنصوصِ فِي "الأمِّ" (٦) المَعمولِ بِه، وما وَقعَ فِي "الحاوي الصغير" (٧) مِن لُزومِ الظِّهارِ خِلافُ المَذهبِ (٨).

стр. 1121

ولو قال: "أنتِ طالقٌ إن لَمْ يشإِ اللَّهُ" لمْ يَقعْ على الأصحِّ المَنصوصِ (١)، أوْ: "إلَّا أَنْ يشاءَ اللَّهُ"، فكذلك على النَّصِّ (٢) المُعتمَدِ خِلافًا لِلْعِراقِيِّينَ والبغويِّ (٣). ولو قال: "يا طالقُ إنْ شاءَ اللَّهُ" لم يَقَعْ على الصَّوابِ (٤)، وما صُحِّحَ على (٥) الوُقوعِ لا يَقومُ عليه دَليلٌ (٦)، وليس فِي كَلامِ الشافعيِّ ما يَقتضِيه (٧). ولا يَجوزُ قَطْعُ العِصْمةِ المُعتبَرةِ ما لمْ تَثبُتْ بِدليلِ (٨) مُعتبَرٍ، والذين أوْقَعُوا فِي النِّداءِ قالوا: لو قال: "أنتِ طالق ثلاثًا، يا طالَقُ إن شاءَ اللَّهُ"، لا

стр. 1122

يقعُ شَيءٌ، وفيهِ وجْهٌ ضَعيفٌ رجَّحَه الرافعيُّ، ومَنْ تَبِعَه، أنَّه يَقَعُ واحدةً (١). وتَقعُ فِي قولِه: "أنتِ طالقٌ إذْ شاءَ اللَّهُ"، فإنه لا تعليقَ فيه، وكذا فِي "أَنْ شاءَ اللَّهُ" بِفتحِ الهَمزةِ مِن العارفِ بأنَّ ذلك لِلتعليلِ، ولا يَقعُ مِن (٢) عامِّيٍّ يَعتقِدُ أنه تَعليقٌ. وأمَّا الاستثناءُ بِغَيرِ مَشيئةِ اللَّهِ تعالى نحو: "إنْ شاءَتِ الملائِكةُ"، فلا تَطلُقُ، وكذا "إنْ شاءَ الناسُ" أو: "الجِنُّ" أو: "إنْ شاءَ الميِّتُ" أو: "الحِمارُ" أو "الجَمادُ" (٣). ويَجيءُ فِي الكُلِّ خلافُ التَعليقِ بالمُستحيلِ (٤)، فإذا قال مُخاطبًا (٥) لِزَوجتِه: "أنتِ طالق إنْ شِئْتِ" اعتُبِرَ الفَوْرُ في (٦) قولِها: "شِئتُ" على المَذهبِ كما فِي قَبولِ العَقدِ، فإنْ فاتَ الفَورُ بَطَلَ التَّعليقُ، ولا يَقعُ بقَولِها على الفَورِ "شئتُ إن شئتَ". * ضابطٌ: ليس لنا تعليقٌ فِي الإثْباتِ يُعتبَرُ فيهِ الفَورُ عندَ عَدمِ التَّقييدِ بالفَورِ إلَّا فِي مَوضعَينِ: ١ - أحدُهما: "إنْ أَعطيتِني كذا، فأنتِ طالقٌ" ونحوُه على ما سَبقَ فِي

стр. 1123

الخُلعِ مِن أجْلِ شَبَهِ (١) المُعاوَضةِ. ٢ - الثانِي: "إن شئتُ" ونحوُ (٢) ذلك، لأنَّه خِطابٌ لا دَلالةَ له على الزَّمانِ مُقتضاهُ عادةً (٣) استِدعاءِ رغْبةٍ وجوابٍ مِن المُخاطَبِ، لأنَّه يَتضمنُ التَّخييرَ والتَّمليكَ بِدليلِ ما سيأتي فِي إن شاءتْ، وفِي الإيلاءِ. ولو قال: "إذا شِئتِ" لَمْ يُعتبَرِ الفورُ على الأرْجحِ، وِفاقًا لِلماوَرْديِّ (٤) وغيرِه، خِلافًا لِمَا جَزمَ به فِي "الشرحِ" و"الرَّوضةِ" (٥) لِدلالةِ "إذا" على الزَّمانِ. ولَوْ قال: "متى" أو: "أيَّ وقتٍ شئتِ" فهو على التَّراخِي. ولو قال: "حيثُ شِئتِ" فالنصُّ فِي كتابِ ابْنِ بِشرِي أنه لا يَقعُ، إن (٦) قامتْ مِن مَجلسِها، وهو مُشكِل بما سَبقَ فِي "متى" و"أي وقتٍ" فإنهما يَتناولانِ الأزمنةَ المستقبَلَةَ مِن غَيرِ تَخصيصٍ، و"حيث" تتناولُ الأمكنةَ مِنْ غَيرِ تَخصيصٍ. و"أينَ": كـ "حيثُ" و"كيفَ شِئْتِ"، تَطْلُقُ شَاءَتْ أمْ (٧) لَمْ تَشأْ على الأصحِّ.

стр. 1124

و"على أيِّ وجْهٍ شِئتِ" تعليقٌ لا يُعتبَرُ فيه الفَورُ خِلافًا لِمَا فِي "الشرح" و"الروضة" (١). و"إنْ أحبَبْتِ" أو "رَضيتِ" كـ "إنْ شِئْتِ". ولو قال: "إنْ شاءَتْ" لَمْ يُعتبَرْ على الأصحِّ؛ لِفَواتِ الخِطابِ المُقتضِي لاستِدْعاءِ الجَوابِ. ولو كانتِ الزوجةُ صَغيرةً مميِّزةً فَصَحَّحَ جَماعة أنه لا أَثرَ لِمشيئتِها، ومُقتضَى نَصِّه فِي "الأمِّ" فِي الخُلْعِ يُخالِفُ ذلك، وهو الأرْجحُ. وأمَّا المَجنونةُ وغَيْرُ (٢) المَميِّزةِ فالخلافُ (٣) فيهما أيضًا (٤) صرَّحَ به الفورانِيُّ وغيرُه. وللشافعيِّ نصٌّ يَقتضِي الوقوعَ بِمَشيئتِهما (٥)، ونصٌّ صريحٌ أنه لا يَقعُ، وهو المُعتمَدُ. ولو قال لِغَيرِ الزَّوجةِ: "إنْ شِئْتِ فزَوْجَتِي طالقٌ" فالأرْجحُ اعتبارُ الفَورِ لِوُجودِ الخِطابِ المُقتضِي لِذلك، خِلافًا لِمَا صحَّحَه فِي "الشرح" و"الروضة" (٦)، فقدْ صحَّحَا فِي الإيلاءِ ما يوافِقُ ما رجَّحْناهُ مِن اعتبارِ

стр. 1125

الخطابِ، وهو النصُّ فِي الإيلاءِ في (١) "واللَّهِ لا أَقْرَبُكِ إنْ شِئتِ" (٢) إذ لا تَمليكَ فيه، ويَشهدُ له ما تَقدَّمَ في: "إنْ شاءَتْ". ولو قال: "إنْ شاءَ زيدٌ" فلا يُعتبَرُ الفورُ على المَشهورِ، أو (٣) "إنْ شئتُ أنا" فلا يُعتبَرُ الفَورُ قَطْعًا. وليس لِلزَّوجِ أن يَرجعَ فيما جازَ فيه التَّراخِي، وله (٤) أَنْ يَرجِعَ فِي نحوِ "إنْ شئتُ" أو "رضِيتُ" على نصٍّ فِي كتابِ ابنِ بِشرِي، والمَشهورُ: الجَزْمُ بأنَه (٥) لا رُجوعَ له. * * * * ضابطٌ: ليس لنا تعليقُ طلاقٍ يَجوزُ الرُّجوعُ فيه على رأي مَرجوحٍ إلا هذا، ونحو (٦) "إنْ أعطيتِني كذا فأنتِ طالقٌ"، وقال المعلِّقُ بمشيئتِه "شِئتُ" بلِسانِه، وهو كارِهٌ بقَلْبِه، وقال المعلِّقُ: "أردتُ النطقَ باللِّسانِ" وقعَ الطَّلَاقُ ظاهرًا وباطنًا (٧).
следующие страницы →