← Фикх шафии

Фикх шафии · id 19230

التدريب في الفقه الشافعي

سراج الدين البلقيني

Полный текст (1 801 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

ولو قال: "أنتِ طالقٌ إن لَمْ يشإِ اللَّهُ" لمْ يَقعْ على الأصحِّ المَنصوصِ (١)، أوْ: "إلَّا أَنْ يشاءَ اللَّهُ"، فكذلك على النَّصِّ (٢) المُعتمَدِ خِلافًا لِلْعِراقِيِّينَ والبغويِّ (٣). ولو قال: "يا طالقُ إنْ شاءَ اللَّهُ" لم يَقَعْ على الصَّوابِ (٤)، وما صُحِّحَ على (٥) الوُقوعِ لا يَقومُ عليه دَليلٌ (٦)، وليس فِي كَلامِ الشافعيِّ ما يَقتضِيه (٧). ولا يَجوزُ قَطْعُ العِصْمةِ المُعتبَرةِ ما لمْ تَثبُتْ بِدليلِ (٨) مُعتبَرٍ، والذين أوْقَعُوا فِي النِّداءِ قالوا: لو قال: "أنتِ طالق ثلاثًا، يا طالَقُ إن شاءَ اللَّهُ"، لا

стр. 1122

يقعُ شَيءٌ، وفيهِ وجْهٌ ضَعيفٌ رجَّحَه الرافعيُّ، ومَنْ تَبِعَه، أنَّه يَقَعُ واحدةً (١). وتَقعُ فِي قولِه: "أنتِ طالقٌ إذْ شاءَ اللَّهُ"، فإنه لا تعليقَ فيه، وكذا فِي "أَنْ شاءَ اللَّهُ" بِفتحِ الهَمزةِ مِن العارفِ بأنَّ ذلك لِلتعليلِ، ولا يَقعُ مِن (٢) عامِّيٍّ يَعتقِدُ أنه تَعليقٌ. وأمَّا الاستثناءُ بِغَيرِ مَشيئةِ اللَّهِ تعالى نحو: "إنْ شاءَتِ الملائِكةُ"، فلا تَطلُقُ، وكذا "إنْ شاءَ الناسُ" أو: "الجِنُّ" أو: "إنْ شاءَ الميِّتُ" أو: "الحِمارُ" أو "الجَمادُ" (٣). ويَجيءُ فِي الكُلِّ خلافُ التَعليقِ بالمُستحيلِ (٤)، فإذا قال مُخاطبًا (٥) لِزَوجتِه: "أنتِ طالق إنْ شِئْتِ" اعتُبِرَ الفَوْرُ في (٦) قولِها: "شِئتُ" على المَذهبِ كما فِي قَبولِ العَقدِ، فإنْ فاتَ الفَورُ بَطَلَ التَّعليقُ، ولا يَقعُ بقَولِها على الفَورِ "شئتُ إن شئتَ". * ضابطٌ: ليس لنا تعليقٌ فِي الإثْباتِ يُعتبَرُ فيهِ الفَورُ عندَ عَدمِ التَّقييدِ بالفَورِ إلَّا فِي مَوضعَينِ: ١ - أحدُهما: "إنْ أَعطيتِني كذا، فأنتِ طالقٌ" ونحوُه على ما سَبقَ فِي

стр. 1123

الخُلعِ مِن أجْلِ شَبَهِ (١) المُعاوَضةِ. ٢ - الثانِي: "إن شئتُ" ونحوُ (٢) ذلك، لأنَّه خِطابٌ لا دَلالةَ له على الزَّمانِ مُقتضاهُ عادةً (٣) استِدعاءِ رغْبةٍ وجوابٍ مِن المُخاطَبِ، لأنَّه يَتضمنُ التَّخييرَ والتَّمليكَ بِدليلِ ما سيأتي فِي إن شاءتْ، وفِي الإيلاءِ. ولو قال: "إذا شِئتِ" لَمْ يُعتبَرِ الفورُ على الأرْجحِ، وِفاقًا لِلماوَرْديِّ (٤) وغيرِه، خِلافًا لِمَا جَزمَ به فِي "الشرحِ" و"الرَّوضةِ" (٥) لِدلالةِ "إذا" على الزَّمانِ. ولَوْ قال: "متى" أو: "أيَّ وقتٍ شئتِ" فهو على التَّراخِي. ولو قال: "حيثُ شِئتِ" فالنصُّ فِي كتابِ ابْنِ بِشرِي أنه لا يَقعُ، إن (٦) قامتْ مِن مَجلسِها، وهو مُشكِل بما سَبقَ فِي "متى" و"أي وقتٍ" فإنهما يَتناولانِ الأزمنةَ المستقبَلَةَ مِن غَيرِ تَخصيصٍ، و"حيث" تتناولُ الأمكنةَ مِنْ غَيرِ تَخصيصٍ. و"أينَ": كـ "حيثُ" و"كيفَ شِئْتِ"، تَطْلُقُ شَاءَتْ أمْ (٧) لَمْ تَشأْ على الأصحِّ.

стр. 1124

و"على أيِّ وجْهٍ شِئتِ" تعليقٌ لا يُعتبَرُ فيه الفَورُ خِلافًا لِمَا فِي "الشرح" و"الروضة" (١). و"إنْ أحبَبْتِ" أو "رَضيتِ" كـ "إنْ شِئْتِ". ولو قال: "إنْ شاءَتْ" لَمْ يُعتبَرْ على الأصحِّ؛ لِفَواتِ الخِطابِ المُقتضِي لاستِدْعاءِ الجَوابِ. ولو كانتِ الزوجةُ صَغيرةً مميِّزةً فَصَحَّحَ جَماعة أنه لا أَثرَ لِمشيئتِها، ومُقتضَى نَصِّه فِي "الأمِّ" فِي الخُلْعِ يُخالِفُ ذلك، وهو الأرْجحُ. وأمَّا المَجنونةُ وغَيْرُ (٢) المَميِّزةِ فالخلافُ (٣) فيهما أيضًا (٤) صرَّحَ به الفورانِيُّ وغيرُه. وللشافعيِّ نصٌّ يَقتضِي الوقوعَ بِمَشيئتِهما (٥)، ونصٌّ صريحٌ أنه لا يَقعُ، وهو المُعتمَدُ. ولو قال لِغَيرِ الزَّوجةِ: "إنْ شِئْتِ فزَوْجَتِي طالقٌ" فالأرْجحُ اعتبارُ الفَورِ لِوُجودِ الخِطابِ المُقتضِي لِذلك، خِلافًا لِمَا صحَّحَه فِي "الشرح" و"الروضة" (٦)، فقدْ صحَّحَا فِي الإيلاءِ ما يوافِقُ ما رجَّحْناهُ مِن اعتبارِ

стр. 1125

الخطابِ، وهو النصُّ فِي الإيلاءِ في (١) "واللَّهِ لا أَقْرَبُكِ إنْ شِئتِ" (٢) إذ لا تَمليكَ فيه، ويَشهدُ له ما تَقدَّمَ في: "إنْ شاءَتْ". ولو قال: "إنْ شاءَ زيدٌ" فلا يُعتبَرُ الفورُ على المَشهورِ، أو (٣) "إنْ شئتُ أنا" فلا يُعتبَرُ الفَورُ قَطْعًا. وليس لِلزَّوجِ أن يَرجعَ فيما جازَ فيه التَّراخِي، وله (٤) أَنْ يَرجِعَ فِي نحوِ "إنْ شئتُ" أو "رضِيتُ" على نصٍّ فِي كتابِ ابنِ بِشرِي، والمَشهورُ: الجَزْمُ بأنَه (٥) لا رُجوعَ له. * * * * ضابطٌ: ليس لنا تعليقُ طلاقٍ يَجوزُ الرُّجوعُ فيه على رأي مَرجوحٍ إلا هذا، ونحو (٦) "إنْ أعطيتِني كذا فأنتِ طالقٌ"، وقال المعلِّقُ بمشيئتِه "شِئتُ" بلِسانِه، وهو كارِهٌ بقَلْبِه، وقال المعلِّقُ: "أردتُ النطقَ باللِّسانِ" وقعَ الطَّلَاقُ ظاهرًا وباطنًا (٧).

стр. 1126

وإن قال (١): "أردتُ ما يُعَبِّرُ (٢) به اللسانُ عنْ مَيْلِ القَلْبِ"، وقعَ ظاهرًا. وإنْ أَطلقَ فالأرْجحُ أنه لا يَقعُ باطنًا، وِفاقًا لِلْمَاورْديِّ (٣) ومَنْ تَبِعَه، خِلافًا للْقَفَّالِ، وما فِي "المحرَّرِ" (٤) و"المنهاجِ" (٥)؛ لأنَّ محلَّ المشيئةِ والإرادةِ: القلبُ، واللسانُ يُعَبِّرُ عنه، وَصَدَقَ الأجنبيُّ فِي ذلك، لأنَّ العِبارةَ (٦) باللسانِ وُجِدَتْ، وما فِي القلْبِ لا يُعرَفُ إلا مِن جِهَتِه. * * * ولو قال: "أنتِ طالقٌ ثلاثًا إلا أَنْ يشاءَ أبوكِ طلقةً" فشاءَ أبُوها طلقةً، أو أكثرَ، لَمْ تَطْلُقْ على النصِّ المُعتمدِ، لأنَّ مَن شاءَ أكْثرَ فقَدْ شاءَ طلْقةً، وواحد ليستْ شَرطًا، بلْ هِيَ تعريفٌ (٧). وأمَّا الاستثناءُ مِن الذي تلفظ به من الطَّلَاقِ، فيزدادُ (٨) شرط أن (٩) لا يستغرقَ كما تقدَّمَ فِي الإقْرارِ إلا إذا كان الاستِغراقُ فيما يَملكُه دُونَ ما تلفظَ بِه، فالعِبْرةُ بِما تلفظَ به على النَّصِّ المُعتمَدِ.

стр. 1127

فيقعُ مِنَ الحُرِّ في: "أنتِ طالقٌ خَمسًا إلا ثلاثًا أو سِتًّا (١) إلا أرْبعًا" ونحوُه ثِنتانِ (٢). ولو قال: "أنتِ طالقٌ أرْبَعًا إلا واحدةً" وقعَ الثلاثُ، أو: "أنتِ طالِقٌ ثلاثًا إلا نِصفَ طَلْقةٍ" وقَعَ الثلاثُ على الصَّحيحِ (٣). وسبَقَ فِي الإقْرارِ ما يُعرَفُ مِنه كَثيرٌ مِنَ الاستِثناءِ فِي الطَّلَاقِ. * * * * ويَصحُّ الاستِثناءُ مِن الأحوالِ والزَّمانِ والمَكانِ والنِّساءِ . * فمِنَ الأحْوالِ: " أنْتِ طالقٌ إلا أَنْ تَكونِي حَامِلًا"، أو: "حائضًا"، أو: "إلا أَنْ تَدخُلِي الدَّارَ"، ونحوُ ذلك. * ومِن الزَّمانِ: " أنتِ طالِقٌ إلا فِي هذا اليومِ"، فتَطْلُقُ إذا غَابتِ الشمسُ؛ نصَّ علَيْه. ومِثلُه: "إلا فِي هذا الشَّهرِ الذي نَحْنُ فيهِ"، أو: "إلا فِي السَّنةِ التي نحنُ فيها"، و: "إلا فِي الشهْرِ الآتِي" ونحوُه، فلا تَطْلُقُ قَبْلَه إذا (٤) لم يُرِدِ الطَّلَاقَ قَبْلَه، ولا فِيه، قلتُه تخريجًا. ونصَّ في: "أنْتِ طالقٌ إلا أيامَ حياتي" أو: "أيامَ حياتِكِ" أنَّها لا تَطْلُقُ كقَولِه: "بَعْدَ مَوْتي" أو: "مَوْتِك".

стр. 1128

* ومِنَ المكانِ: " أنتِ طالقٌ إلا فِي هذه الدَّارِ" فإذا خَرجَتْ منها طَلَقَتْ، ولو قال: "إلا فِي المكانِ الفُلانِي" وليْسَتْ فيه، فهو نَظيرُ: "إلا أَنْ تَدخلِي ذلك المكانَ" مَا لَمْ يُرِدْ تَنجيزَ الطَّلَاقِ (١)، ولو قال: "إلا فِي دَارِ الدُّنيا" فهو كقولِه: "إلا أيامَ حياتِي" أو: "حياتِكِ"؛ قلتُ ذلك كلَّه تَخْريجًا. * ومِنَ النِّساءِ: " زَوجاتِي طَوالِقُ إلا فُلانةً (٢) " أو "أربعتكُنَّ طوَالقُ إلا فُلانةً" على المَذهبِ المُعتَمدِ و"كلُّ امرأةٍ لِي طَالقٌ إلا فُلانةً"، ولَم يكنْ له غيرُها، لا تَطْلُقُ على المَذهبِ المُعتمَدِ (٣)، خلافًا للقفَّالِ، وليس هذا باستثناءٍ مستغرِقٍ [لأنَّ العِبرةَ باللَّفظِ، ولا استغراقَ فيه] (٤). * * *

стр. 1129

فصل فِي تعليق الطلاق (١) التعليقُ ترتيبُ شيءٍ غَيرِ حَاصلٍ، على شَيءٍ حاصِلٍ أوْ غَيرِ حاصِلٍ، بـ "إنْ" أو إحدى أَخوَاتِها، أو ما فِي معنى ذلك (٢). وأَخواتُ "إنْ": "إذَا" و"متى" و"أي" و"إذَا ما" و"أينَ" و"حيثُ" و"أنَّى" و"أيانَ" و"مَن" و"مَا" و"كلَّما" (٣). وجميعُها فِي الإثباتِ للتراخِي عند الإطْلاقِ إلا فيما سبَقَ فِي "إنْ شِئتِ" و"إنْ أعطَيتِني" وجميعُها فِي النَّفي لِلْفَورِ إلا "إنْ". ولا يَقتضِي شَيءٌ مِنها التَّكرارَ إلا "كلَّما".

стр. 1130

ويُعلَّقُ بـ "مَن" فِي نحو: "مَن دخلتِ الدارَ فهي طالقٌ" ونحوه: "التي تدخلُ الدارَ فهِيَ طالقٌ". ويُعلَّقُ (١) بـ "ما" فِي نحو: "ما دخلْتِ الدارَ فأنتِ طالقٌ"، واستعمالُها قَليلٌ. والظَّرْفُ والحالُ يَتأخرُ الطَّلَاقُ إلى وُجودِهما فهما مِن نَمطِ التعليقِ. والظَّرفُ المَوصوفُ بِصفةٍ يَقعُ بِوُجودِه، ولَو بِتَبين (٢) الصفةُ فِي أثْنائِه كما فِي "يَومَ يَقدَمُ زَيْدٌ"، وسيأتي. وإذا أَتى بِأَداةِ تَعليقٍ ولَمْ يُتمَّهُ نحو "أنْتِ (٣) طالقٌ إنْ. . " وقَطَعَ (٤) الكلامَ مُكرَهًا صُدِّقَ فِي إِرادةِ التَّعليقِ، ويُحَلَّفُ. ولَو قَطَعَ الكلامَ مُختارًا معَ قَصدِ التَّعليقِ فِي "أنتِ طالقٌ" لَمْ يقَعْ، خِلافًا لِمَا جَزمَ به فِي "الشرحِ" و"الرَّوضةِ" (٥) هنا. ولَو أَسقطَ الفَاءَ فقال: "إن دخلتِ الدارَ أنتِ طالقٌ" فإنْ قالَ: "أردتُ التَّنجيزَ" عُمِلَ به، وإلَّا فهو تَعليقٌ. ولو أَبدلَ الفَاءَ بالواوِ نحو "إنْ دخلتِ الدارَ، وأنتِ طالقٌ"، وقَصدَ التعليقَ عُمِلَ به، أو التنجيزَ تنجَّزَ.

стр. 1131

فإنْ أطْلَقَ وقعَ -عامِّيًّا كانَ أو عارِفًا باللُّغةِ- لِأنَّ ظَاهرَه التَّنجيزُ خِلافًا لِمَا فِي "زيادة الروضةِ" (١). ولَوْ قال: "أنتِ طالقٌ وإنْ دخلتِ الدارَ" طَلَقَتْ فِي الحالِ. ويقعُ فِي "أنتِ طالقٌ فِي شَهرِ كذا" بأوَّلِ جُزءٍ منه لِصِدْقِ الظَّرفيةِ؛ بِخلافِ التَّاجيلِ فلا يَصحُّ للاحتمالِ، وفِي أولِهِ وابتدائِهِ وغُرَّتِهِ ودُخولِهِ واستقبالِهِ ومَجيئِهِ يَقعُ بأوَّلِ جُزءٍ مِنه، وفِي أوَّلِ يَومٍ، أو فِي يومِ كذا عند طُلوعِ الفَجرِ. ولو ادَّعَى إرادةَ وَسْطِهِ أو آخِرِهِ لَمْ يُقبَلْ ظَاهرًا على ما صُحِّحَ، وهو مُخالِفٌ لِما سَبَق فِي "أنتِ طالق ثلاثًا بعضُهُن للسُّنةِ"، ويُدَيَّنُ فِي دَعْواهُ. وكذا لو ادَّعى أنه أراد بالغُرةِ اليومَ الثاني، أو الثالِثَ، وفِي آخِرِ شَهرِ كذا يَقعُ فِي آخِرِ جُزءٍ مِنه كما فِي آخِرِ السَّنةِ وآخِرِ الطُّهرِ، وفِي أوَّلِ (٢) آخِرِ الشَّهرِ يَقعُ فِي أوَّلِ اليَومِ الآخِرِ؛ كذا نُسِبَ إلى الجُمهورِ. ولو قيلَ: "يَقعُ فِي أوَّلِ (٣) آخِرِ جُزءٍ منه" لكان قويًّا، ولَمْ يَذكرُوه. وآخِرُ أولِ الشَّهرِ يَقعُ عِنْدَ غُروبِ الشَّمسِ فِي اليومِ الأوَّلِ؛ كذا نُسِبَ إلى الجُمهورِ. ولَوْ قِيلَ: يَقعُ فِي آخِرِ أوَّلِ (٤) جُزءٍ منه لَكانَ قَويًّا، ولَمْ يَذكرُوه.

стр. 1132

وفِي سَلْخِ شَهْرِ كذا يَقعُ فِي آخِرِ جُزءٍ مِن الشَّهرِ (١) -أجابَ به الشيخُ أبو حامِدٍ، ورجَّحَه الغَزَّاليُّ. وفِي أوَّلِ اليَومِ الأَخيرِ (٢) (٣) قَطَعَ به البَغويُّ والمُتولي، وله وَجْهٌ مِن جِهَةِ أنه يُقالُ فِي اليَومِ سَلْخُ الشَّهرِ، لكنْ يَلزَمُ علَيه إِبطالُ الأَجلِ بِسَلْخِ الشَّهرِ (٤) لاحتِمالِه ولَمْ يَذكرُوه. والمَذهبُ المُعتمَدُ أنها لا تطْلُقُ إلا بعْدَ فَراغِ الشَّهرِ، فهُو المَفهومُ مِن السَّلْخِ والانسِلاخِ لغةً وعُرْفًا. وقد نصَّ فِي "الأُمِّ" (٥) فِي قولِه: "أنتِ طالقٌ في (٦) انسِلاخِ شَهْرِ كذا" أنه إذا فُقِدَ ذلك الشَّهْرُ، ورُؤيَ الهِلالُ مِن أوَّلِ لَيلةٍ مِن الشَّهرِ الذي يَليه فهِيَ طَالقٌ. وقد يُتَخيَّلُ فَرْق بيْنَ السَّلخِ والانسِلاخِ وهو بَعيدٌ، وقد سَوَّى بيْنَهما الشَّيخُ أبو حَامدٍ والمُتَولي. وعِندَ انتِصافِ الشَّهرِ يقَعُ إذا غَرَبَتِ الشمسُ يَوْمَ خامسَ عشرَ الشَّهرِ. ولا أثَرَ لِظُهورِ الشَّهرِ ناقصًا؛ لأنَّه المفهومُ مِن مُطْلَقِهِ. وإذا مَضَى يَومٌ وقَالَهُ لَيْلًا تَطْلُقُ إذا غَرَبَتِ الشَّمسُ مِن يَومِ لَيلتِه، وإنْ قالَه (٧) نَهارًا لمْ تَطلُقْ حتى يَجيءَ مِثلُ ذلك الوَقتِ مِن اليومِ الثَّاني.

стр. 1133

ولَوْ فُرِضَ انطِباقُ التَّعليقِ على أوَّلِ نَهارِهِ طَلَقَتْ عندَ غُروبِ شَمسِهِ؛ كذا ذَكرُوه، وهو غَيْرُ مُسلَّمٍ، بلْ هُو كالذِي قَبْلَه. وإذا مَضَى اليومُ تَطْلُقُ إذا غَرَبَتْ شَمْسُه سواءٌ بَقِي مِنه كَثِيرٌ أو يَسيرٌ، وفِي اللَّيلِ يلْغُو التعليقُ، كذَا ذَكَرُوهُ. وفيهِ نَظرٌ (١)، وهذا إذا أَطْلقَ، فإذَا أَرادَ يَومًا مُعيَّنًا طَلقَتْ بِمُضِيِّهِ. و"أنتِ طالقٌ بيْنَ اللَّيلِ والنَّهارِ" (٢) إن قالَهُ نَهارًا لَمْ تَطْلُقْ مَا لَمْ تَغرُبِ الشَّمسُ (٣)؛ قالَه القَفَّالُ، أو ليلًا، لَمْ تَطلُقْ بِطُلوعِ الفَجرِ. وما ذُكِرَ فِي ذلك غَيرُ مُتجهٍ، فليس لَنا زَمنٌ بَيْنَ اللَّيلِ والنَّهارِ، [والأقيسُ أَنْ تَطْلُقَ حَالًا، ويُلْغَى (٤) قولُه "بيْنَ اللَّيلِ والنَّهارِ"] (٥) كما لو قال: "أنتِ طالقٌ لا فِي زَمَنٍ". وإنْ (٦) أتَى بِصيغةِ تَعليقٍ كقَولِه: "إذا جاءَ بيْنَ اللَّيلِ والنَّهارِ فأنْتِ طَالقٌ" خُرِّجَ على التعليقِ بِصِفةٍ مُستحيلةٍ وسيأتِي. ولو (٧) قيل: لا يَقعُ في صورةِ القَفَّالِ كما سَبقَ فِي "أنتِ طالقٌ اليومَ"، وقالَه باللَّيلِ، لَمْ يَبعُدْ.

стр. 1134

وإذا مضَى شَهْرٌ، وقالَه فِي ابتِداءِ الهِلالِ؛ طَلَقتْ بمُضِيِّ ذلك الشَّهرِ تامًّا أو (١) ناقصًا؛ كذا ذَكرُوه، وهو مَمْنوعٌ، بلْ لا تَطلُقُ إلا عند فَراغِ قَدْرِ ذلك الجُزءِ مِنَ الشَّهرِ الذي يَليه، كما إذا قالَه فِي أثْناءِ أوَّلِ لَيْلةٍ مِنه، وفِي النَّهارِ تطلُقُ فِي مِثلِه مِنَ الشَّهرِ الذي يَلِيهِ. و"إذا مضَى الشَّهرُ" طَلَقَتْ بمُضِيِّ ما بَقِيَ مِنه. و"إذا مَضَتْ سَنَةٌ": تَطْلُقُ (٢) إذا مَضَتِ اثْنا عَشرَ شَهْرًا (٣) بالأَهِلَّةِ، ويكمِّلُ المُنكسِرُ ثَلاثينَ. ولو عَلَّقَ ذلك فِي آخِرِ يَومٍ مِن شَهرٍ، وجاءَ الشَّهرُ الثانيَ عَشرَ ناقصًا: فعلَى طَريقةِ المُطَلِّقِينَ لا تَطْلُقُ حتى بِمُضِيِّ قَدْرِ ما مَضى مِن ذلك قَبْلَ تَمامِ التعليقِ. وعلى طَريقةِ المُحَقِّقِينَ تَطْلقُ بمُضيِّ (٤) الشَّهرِ الثانيَ عَشرَ مِنْ غَيرِ تَوقُّفٍ على ما ذُكِر. * * * والتَّعليقُ بِصِفةٍ مُستحيلةٍ عُرْفًا: كـ "إنْ طِرْتِ" أوْ عَقلًا: كـ "إنِ اجْتمعَ السوادُ والبَياضُ" (٥).

стр. 1135

أو شَرْعًا: كقَولِ القَائلِ بَعْدَ وفاةِ النبيِّ ﷺ : "إنْ نُسِخَ شَهْرُ رَمضانَ" فإنَّها لا تَطْلُقُ (١)، و"أنتِ طَالقٌ قَبْلَ مَوتِي" -بفَتحِ القَافِ وإسْكانِ البَاءِ- تَطلُقُ فِي الحالِ. فإنْ ضَمَّ القَافَ وضَمَّ البَاءَ أو سكَّنَها أو قُبيلَ بالتَّصغيرِ، لَمْ تَطلُقْ إلَّا فِي آخِرِ جُزءٍ مِن أجزاءِ حَياتِه، كذا ذَكرُوه (٢). والأرْجحُ: أنَّها تَطْلُقُ فِي الزَّمانِ الذي يَقربُ مِن المَوتِ عُرْفًا مِن غَيرِ اعْتبارِ الجُزءِ الأَخيرِ. ولَو (٣) قال: "بعْدَ قَبْلَ مَوتِي" (٤)، ودعَ فِي الحالِ، كذا ذَكرُوه، وظاهِرُ لَفظِه يَقتضِي أَنْ يقعَ فِي ثاني الحالِ فهُو الذِي بعْدَ القَبْلِ. و"أنتِ طالقٌ قبْلَ ما بَعْدَ (٥) رمضانَ" وأَرادَ الشَّهْرَ طَلَقَتْ فِي آخِرِ جُزءٍ مِن رَجبٍ؛ كذا ذُكِر (٦). وهذا إنَّما يَصحُّ على إِرادةِ الزَّمنِ الذي يَلِيه شَعبانُ لا مُطلقِ الشَّهرِ ولا مطلقِ القَبْلِ، فإنَّ مُطْلَقَ الشَّهرِ يَقتضِي طَلاقَها فِي أوَّلِ رَجبٍ، ومُطَلَقَ (٧) القَبْلِ يَقتضِي وُقوعَ الطَّلَاقِ حَالًا.

стр. 1136

وإنْ قالَ "ما بَعْدَ ما قَبْلَه رَمضانُ"، وأَرادَ الشَّهْرَ طَلَقَتْ باسْتِهلالِ ذِي القَعدةِ. وفيها تَراكيبُ كَثيرةٌ لَيس هذا مَوْضعَ بَسطِها. و"أنتِ طَالقٌ أَمْسِ"، أو"فِي الشَّهرِ المَاضِي"، [وقال: "أَردتُ إيقاعَه فِي الحالِ مُسندًا إلى المَاضِي"] (١)، فالنَّصُّ أنه يَقعُ فِي الحالِ (٢) (٣). وكذا لو قال: "أَرَدتُ إِيقاعَه فِي المَاضِي بِلفْظِي: الآنَ". وإنْ قالَ: "أردتُ بذلك إقرارًا بما أوْقَعْتُه فِي المَاضِي فِي هذا النِّكاحِ" صُدِّق بِيَمِينِه. وإنْ قالَ: "أَردتُ أنِّي طلَّقْتُها فِي نِكاحٍ سابقٍ" أو "إنْ غَيرِي طلَّقَها" وكان مُمْكنًا صُدِّقَ بِيَمينِه، وإنْ لَمْ يُرِدْ شيئًا وقَعَ الطَّلَاقُ فِي الحالِ. وأَلْحقُوا بهذا ما إذا ماتَ أو جُنَّ أو خرسَ، ولمْ يفسِّرْ. والصوابُ التوقُّفُ هُنا لاحتمالِ أَنْ يُريدَ ما لا يَقتضِي إيقاعَ طلاقٍ. ولو قال: "أنتِ طالقٌ اليومَ إنْ لَمْ أُطلِّقْكِ اليوْمَ" فمضى اليومُ، ولَمْ يُطلِّقْها، لَمْ تَطلُقْ عندَ ابنِ سُريجٍ وغيرِه (٤). وقالَ الشَّيخُ أبو حَامدٍ (٥): يَقعُ فِي آخِرِ لَحظةٍ مِن اليَومِ إذا بَقِيَ زَمنٌ لا

стр. 1137

يَسعُ التَّطليقَ، ورُجِّحَ، والأرْجَحُ الأوَّلُ. ولو قالَ: "أنتِ طالقٌ اليوْمَ إذا جاءَ الغَدُ" لَمْ تَطلُقْ عند ابْنِ سُريجٍ وغيرِهِ، وهو الأصحُّ (١). ولو قال الحُرُّ: "مَتى طَلَّقتُكِ أو وَقعَ عليكِ طلاقِي فأنتِ طالق قَبْلَه ثَلاثًا"، أو مَنْ فيه رِقٌّ: "فأنتِ طَالقٌ قبْلَه طَلْقَتَينِ" أو (٢) قال: "كلٌّ قبْلَ الدُّخولِ" أو: "لَمْ يَبْقَ إلا واحدةٌ فأنْتِ طَالقٌ قبْلَه" (٣). فإنْ لَمْ تَمضِ لَحظةٌ تَسَعُ الحُكْمَ بالوُقوعِ بأنْ أَعْقبَ تعليقَه بالتنجيزِ وقعَ المنجَّزُ قَطْعًا. وإنْ مَضَتْ ثُم نَجَّزَ، لَمْ يَقعْ على نصٍّ نُقِلَ، وأحدُ النَّقلَينِ عن ابْنِ سريجٍ، ورجَّحَه كثير، لا فِي تَطليقةٍ يطلُبُها فِي الإيلاءِ والحَكَمَينِ فِي الشِّقاقِ، بلْ يقعُ كما يَقعُ الفَسخُ في: "إنْ فسختُ بعتقِكِ فأنتِ طالق قبْلَه ثَلاثًا"، ولا فِي حالةِ نِسيانِ التعليقِ فيقَعُ؛ قلتُه تخريجًا. ولَو طَلَّقَ الوَكيلُ وقعَ فِي "متى طلقتُكِ" ولا دَوْرَ.

стр. 1138

والنَّقلُ الثاني عنِ ابنِ سريجٍ وصحَّحَه جمعٌ أنَّه يَقعُ المُنجَّزُ، وهو المُعتمَدُ فِي الفتوى. * * * وأما ما عُلِّقَ على الأفعالِ مِن إباحةٍ أوْ صِحَّةٍ كما لو قال: "إنْ وَطِئتُكِ وَطْئًا مُباحًا فأنتِ طَالقٌ قبْلَه" (١) فإنْ وَطِئَها لَمْ تَطلُقْ بِلا خلافٍ. و"إذا لَمْ أُطَلِّقْكِ فأنْتِ طالقٌ" أو "مَتى" أو "مَهْمَا" أو "أي وقتٍ" أو "كُلَّما"، ومَضَى زمنٌ يُمكِنُ أَنْ يُطلِّقَها فترَكَه باخْتيارِه ذاكرًا تعليقَه وقعَ الطَّلَاقُ. ويَتكرَّرُ فِي "كُلَّما" بمُضيِّ الأوْقاتِ فِي المَدخولِ بِها. ولو قال: "إنْ لَمْ أُطَفَقْكِ فأنتِ طالقٌ" لَمْ تطلُقْ إلا باليأسِ، أو بِمَوتِ أحدِهما بعْدَ إمكانِ التَّعليقِ، وقبْلَ التَّطليقِ، فتطلُقُ قُبيلَ المَوتِ، ولَو اتصَلَ جنونُهُ (٢) بالمَوتِ خِلافًا لِمَا جَزمَ به فِي "الشرح" و"الروضة" (٣) مِن وُقوعِه قُبيلَ الجُنونِ تَبَعًا للإمام والغزَّاليِّ. ولو فُسِخَ النِّكاحُ ولمْ يَحصُلْ تَجديدٌ (٤) وَقعَ قَبْلَه فِي الرَّجعيِّ، وإن جُدِّدَ وَطلَّقَ بَعْدَ التَّجديدِ فقَدْ حَصلَ البُرْءُ على ما جَزمُوا به، وهو مَمنوعٌ، بلْ هُو كما لَم يُجدِّدْ، وكذا إن لَمْ يُطلِّقْ (٥) فيه.

стр. 1139

وأما التعليقُ بنفْي الضَّربِ ونحوِه: فاليأْسُ فيه بالمَوتِ، لا بالجُنونِ المُتصلِ بِه؛ كذا قالُوه، بعلَّةِ أنَّ الضربَ ونحوَه مِن المَجنونِ كالعاقِلِ، والصحيحُ: خِلافُه (١). وأمَّا لو أبانَها قبلَ الضربِ فقَدْ ذَكرُوا أنه لا يَقعُ شَيْءٌ. والأرْجحُ وقوعُهُ قَبْلَ البَينونةِ رَجعيًّا. و"أن" -بفتحِ الهمزةِ- للتَّعليلِ، فَتقعُ فِي الحالِ مِنْ عَارفِ ذلك (٢). * * * * وأمَّا التعليقُ على الحَملِ وضدِّه والحَيضِ (٣): فيقعُ فِي قولِه لِمَن (٤) يُمكِنُ حَملُها: "إنْ كنتِ حاملًا فأنتِ طالقٌ" بِتبيُّنِ حَملِها حالةَ التعليقِ بما سنذكُرُ (٥). ولو كانَ الحَمْلُ ظاهرًا بانتِفاخِ بَطنٍ، وحَركةٍ؛ لَمْ تَطْلُقْ لاحتمالِ أن يكونَ رِيحًا ونحوَه؛ وِفاقًا لِلْأكثرِ، ومُقتضَى النظرِ، خِلافًا لِلْبغويِّ ومَن تَبِعَه مِن صَاحبِ "المُحررِ" (٦) و"المنهاجِ" (٧) إلا أَنْ يُرادَ بِظُهورِه خُروجُ بعضِه، فإنَّه

стр. 1140

يَتبينُ به الحَملُ. وما ذَكرَه (١) عنْ نَصِّ "الإملاءِ" في: "إنْ كنتِ حاملًا، فأنتِ طالقٌ على مائةِ دينارٍ"، وهيَ حاملٌ فِي غالبِ الظَّن مِن أنَّها إذا أَعطَتْه مِائةَ دِينارٍ تطلُقُ، وله عليها مَهْرُ المِثْلِ، ليس مَعمولًا بظاهِرهِ. والذي يَبينُ (٢) به حملُها أَنْ تَلِدَه لِدُونِ سِتةِ أشْهُرٍ مِن حِينِ التعليقِ، هذا فِي الوَلدِ الكامِلِ. فإن وَلدتْ مُضغةً فيها تَخطيطٌ، وكان بيْنَ وِلادتِها وبيْنَ التَعليقِ ما زادَ لَحظةً (٣) على ثَمانينَ يومًا، فما دُونَها طَلَقَتْ (٤). ولا اعْتِبارَ (٥) فيها ولا فِي العِدَّةِ مِائة وعِشرينَ يومًا؛ لأنَّ التَّخليقَ الظاهِرَ يَكونُ بعْدَ الثَّمانينَ. وعلى قِياسِ ما ذَكُرُوه: إذا وَضعتْ مُخلَّقةً لِدُونِ مِائةٍ وعشرينَ مِنَ التَّعليقِ، طَلَقَتْ. وإنْ وَضَعتْ مُضغةً لمْ يَظهَرْ فيها التَّخطيطُ، لَمْ تَطلُقْ؛ على الأرْجحِ، بِخلافِ انقضاءِ العِدَّةِ، ولَمْ يَذكرُوه.

стр. 1141

وإنْ وَلدَتِ الكامِلَ لِسِتَّةِ أَشهُرٍ فما فَوْقَها ودُونَ أرْبعِ سِنينَ (١) أو المُخططةَ لأكثَرَ مما ذَكرْناه، واحَتمَلَ حُدوثُ الحَملِ بعْدَ التعليقِ بِوَطءٍ حادثٍ بَعْدَه، لَمْ تَطلُقْ. وإنْ لَمْ يَحتِملْ، فظاهرُ القَولَيْنِ فِي الكامِلِ وُقوعُ الطَّلَاقِ، وخُرِّجَتْ عليه المُضغةُ، والخِلافُ مِن أجْلِ الترتيبِ الوَضعيِّ الذي يُمْكنُ انفِكاكُه، وله نظائرُ فِي الوَصيةِ وغيرِها، بخِلافِ الترتيبِ الشرعيِّ مِن النَّسبِ ونحوِه (٢)، فإنَّه يُقطَعُ بِثُبوتِه (٣). وإنْ ولدَتْه لِأربعِ سنينَ فأَكثرَ: لَمْ تَطلُقْ. وعنْدَ ظُهورِ الحملِ (٤) يَجتنِبُ الزَّوجُ زَوجتَه (٥) وُجوبًا، وقبْلَه صحَّحُوا أنه لا يحرُمُ الاستمتاعُ، وظاهِرُ النصِّ: التحريمُ، وهو الأرْجحُ. ويَرتفِعُ التَّحريمُ بأنْ تَحيضَ؛ نصَّ عليه، وهو الأصَحُّ. وفِي أَثناءِ الحَيضِ له أَنْ يَستمتعَ بغَيرِ الوَطءِ، كما (٦) إذا لَمْ يَكنْ تَعليقٌ، فإذا طَهُرَتْ أُبيحَ الوَطءُ بِشَرْطِه. فإنْ لَمْ تَكنْ حاضَتْ أصْلًا فلا بُدَّ مِن ثلاثةِ أشْهُرٍ وِفاقًا للقفَّالِ، بِخلافِ الاستبراءِ.

стр. 1142

فإذَا مَضتْ ولَمْ يَظهَرْ حَمْلٌ فلَهُ الوَطْءُ. وإنْ كانَتْ آيسةً لَمْ تَحتَجْ إلى الاستِبراءِ إنْ كان يبعُدُ (١) حمْلُها، كما لا يُحتاجُ إليه فِيمنْ حاضَتْ قَبْلَ التَّعليقِ، ولَمْ يَحدثْ بعدَه وَطْءٌ. ولو علَّقَ الطَّلَاقَ على عَدمِ الحَملِ فِي صَغيرةٍ أوْ آيِسةٍ لا يَحبَلُ مِثْلَهَا طَلَقَتْ فِي الحالِ. وأمَّا التي يُمْكِنُ أَنْ تَكونَ حاملًا فيَجبُ اجتنابُها، فإنْ وَلدتْ بِحَيثُ يَتبينُ أنَها كانتْ حَاملًا عندَ التَّعليقِ: فلا طَلاقَ. وإنْ ولدَتْه بِحيثُ يَتبيَّنُ أنَّها لَمْ تَكنْ حاملًا عِند التعليقِ: طَلقَتْ (٢). وإنْ وَطِئَها بعْدَ التعليقِ، وأَتَتْ به بعد الوَطءِ لِستةِ أشْهُرٍ، فأَكْثرَ، ودُونَ أرْبعِ سِنينَ مِنَ التَّعليقِ، فالأصَحُّ أنَّها لا تَطلُقُ، لاحتِمالِ أَنْ تَكونَ حاملًا عِنْدَ التَّعليقِ. وما صحَّحَه فِي "الروضة" (٣) تَبَعًا للشرحِ مِن وُقوعِ الطَّلَاقِ مَمْنوعٌ. وإنْ علَّقَ الطَّلَاقَ بِيَقِينِ بَراءةِ رَحِمِها مِنَ الحَملِ لَمْ تَطلُقْ بِمُضِيِّ أرْبعِ سِنينَ، ولا تَلِدُ أو تَلِدُ قبْلَ ذلك. ويَمضِي بعْدَ الوِلادةِ سِتةُ أشْهُرٍ ولا تَلِدُ، ويكونُ ذلك فِي السِّنينَ الأرْبعِ أو تَلدُ الثاني بعْدَ السنينَ الأرْبعِ.

стр. 1143

ولو كان لِدُونِ سِتةِ أشْهُرٍ مِن وِلادَةِ الأوَّلِ إنْ وقعَ ذلك، ولَمْ أرَ مَنْ تَعرَّضَ لذلك. ولَو قال: "إنْ كُنتِ حاملًا بذَكَرٍ (١) " أو: "إنْ كان فِي بَطنِكِ ذَكَر فأنْتِ طَالقٌ واحدةً"، و: "إنْ كُنتِ (٢) حاملًا بأُنْثَى" أو: "إن كان فِي بَطنِكِ أُنثَى فأنتِ طالقٌ طلْقَتَينِ" فوَلدَتْ واحدًا مِنهُما بِحيثُ يَظهَرُ أنَّها كانَتْ حاملًا به وقْتَ التَّعليقِ بِتبيُّنِ وُقوعِ ما علَّقَه عليه عند التلفُّظِ بالتعليقِ. وإنْ ولدَتْهُما تَبيَّنَ وُقوعُ الثلاثِ. أوْ خُنثَى فَواحدةٌ يَقينًا، وتُوقَفُ الأُخرى حتى يَتبيَّنَ حالُه؛ كذا فِي "الروضة" (٣) تَبَعًا للشَّرحِ فِي صُورةِ الذُّكورةِ والأُنوثةِ فيما نحن فيه، وهو يَقتضِي وُقوعَ الطَّلَاقِ عند التَّعليقِ، إمَّا معه أو عَقِبَه (٤) على اختلافِ الوَجهَينِ فِي الشَّرطِ والمَشْرُوطِ. ويَلزَمُ مِن ذلك أَنْ تَطْلُقُ وهو نُطْفةٌ، وليس ذلك بِمُعتمَدٍ، وإنما تَطلُقُ إذا ظَهَرَتِ الذُّكورةُ والأُنوثةُ لِلمَلَكِ الذي يدخُلُ إلَيْها لِحَديثِ أبي سُرَيْحَةَ (٥) فِي "صحيحِ مسلم" (٦) عنِ النبيِّ ﷺ أنه قال: "إذا مرَّتْ بالنُّطفةِ ثِنْتانِ وأربعونَ ليلةً، بَعثَ اللَّهُ إلَيْها مَلكًا فصوَّرها وخَلَقَ سَمْعَها وبَصرَها

стр. 1144

ليلةً، بَعثَ اللَّهُ إلَيْها مَلكًا فصوَّرها وخَلَقَ سَمْعَها وبَصرَها وجِلدَها ولَحْمَهَا وعِظامَهَا، ثُمَّ قال: يا ربِّ، ذَكرٌ أَمْ أُنثَى؟ فيَقضِي ربُّك ما شاءَ ويَكتبُ المَلَكُ" (١). فما ظَهَرَتِ الذُّكورةُ والأُنوثةُ للمَلَكِ إلا فِي ذلك الوَقتِ، وفِي رِوايةٍ لِمُسلمٍ (٢): "أرْبعونَ أو خمسٌ وأرْبعونَ لَيلةً". * * * * فإنْ قيلَ: علقَ ذلك على ما في عِلْمِ اللَّهِ تعالى. * قُلْنا: التعليقُ يقَعُ على ما يَظهَرُ لِلْخَلقِ، ويُعتبَرُ لِصِحَّةِ التَّعليقِ زِيادةٌ على خَمسٍ وأرْبعينَ لِأنه القَدْرُ الأكْثرُ. * * * وإنْ قال: "إنْ كانَ حَمْلُكِ" أوْ: "إنْ كانَ ما فِي بَطنِكِ ذَكَرًا فأنْتِ طَالقٌ طَلْقةً"، وإنْ قال: "حَملك" أو: "ما فِي بَطنِكِ أُنْثَى فأنْتِ طَالقٌ طَلقَتَينِ (٣) " فوَلدَتْ ذَكَرًا وأُنثى لمْ يقَعْ شَيْءٌ. وإنْ وَلدَتْ ذَكرَينِ أو أُنثَيَيْنِ لَمْ يَقعْ شَيْءٌ أيضًا، وِفاقًا لِلشَّيخِ أَبي مُحمدٍ، ولِمَيلِ وَلَدِه؛ خِلافًا لِمَا صحَّحه فِي "الروضة" (٤) تَبَعًا لِلشَّرحِ مِن الوُقوعِ تَبَعًا للحناطي والقاضِي الحُسينِ؛ لأنَّ انفِرادَ الحَملِ الذي فِي البَطنِ بِما ذُكِرَ

стр. 1145

شَرْطٌ ولَمْ تُوجَدِ الوَحدةُ. وقولُهم: معناه: "وما فِي البَطنِ مِن هذا الجِنْسِ" (١) مَردودٌ، فإنَّ ذلك لا يَتبادرُ إلى الأَفْهامِ، فإنْ قَصَدَ المعلِّقُ ذلك عُمِلَ بِقَصدِه (٢). ولو (٣) قال: "إنْ ولَدْتِ فأنْتِ طالقٌ" فولَدَتْ ولدًا حيًّا أو مَيتًا ذَكَرًا أو أُنْثَى، وانفَصلَ الوَلَدُ بِتَمامِه طَلَقَتْ. قال ابنُ كَجٍّ: لَو أَسْقطَتْ ما بانَ (٤) فيه خَلْقُ آدَمِيٍّ بِتَمامِه (٥) طَلقَتْ، وإنْ لَمْ يَتبيَّنْ فيه خَلْقُ آدَمِيٍّ بِتَمامِه لمْ تَطْلُقْ، ذكرَهُ فِي "الروضة" (٦) تَبَعًا للشرحِ، ولَمْ يَتعقَّبْه. والأرْجحُ عندي: أنَّ النظرَ فِي ذلك إلى العُرفِ، فإنْ عدُّوه وِلادةً طَلَقَتْ، وإلَّا فَلَا. والنظرُ إلى ما يَثبُتُ (٧) به أُمِّيَّةُ الوَلدِ لَه وَجْهٌ، وقدْ يُفرَّقُ بينَ التعليقِ (٨) العُرفيِّ والشَّرعيِّ. ولو قال: "إنْ وَلَدْتِ وَلدًا فأنْتِ طَالقٌ طَلقةً" و"إنْ وَلدْتِ ذَكرًا فأنْتِ

стр. 1146

طَالقٌ طَلقَتَينِ"، فوَلدَتْ ذَكَرًا طَلَقَتْ ثلاثًا، لِوُجودِ الصِّفَتينِ؛ نقلَه ابْنُ بِشرِي عن الشافعيِّ ﵁ وجَرَى عليه أصحابُهُ. ومَحَلُّ ذلك إذا أَطْلقَ بِحيثُ لَمْ يَقصِدْ بوَلدٍ (١) الذَّكَرَ، فإنْ قصَدَه قُبِلَ فِي الظاهرِ. ثم إنْ قَصدَ بالتعليقِ (٢) الثاني تَأكيدَ (٣) ما سَبقَ كانَ كمَنْ (٤) قال لِزَوجتِه: "أنتِ طَالقٌ طَلقةً، أنْتِ طَالقٌ طَلقَتَينِ"، [وقال: "قصَدتُ بقَولِي: أنْتِ طَالقٌ طَلقتَينِ] (٥)، واحدةً تُؤكِّدُ الأُولى، وأُخْرَى أوْقَعْتُها" فإنه يُقبَلُ مِنه ظاهرًا على الظَّاهرِ، وحينئِذٍ فلا تَطلُقُ إلا طَلقَتينِ إذا قَصدَ التَّأكيدَ أو أطْلقَ، فإن قصدَ الاستِئنافَ وقعَ ثلاثُ (٦). ولو قال: "إنْ ولَدْتِ وَلدًا، فأنْتِ طَالقٌ" أو (٧) "إن ولَدْتِ ذَكَرًا فأنْتِ طالقٌ" فولَدتْ ولَدَينِ معًا فِي الأُولى، وذَكَريْنِ معًا فِي الثانيةِ، فإنَّها تَطلُقُ طَلقةً، ولَمْ يخرِّجوا هذا على (٨) الخِلافِ السابقِ فِي أنَّ التَّنكيرَ هلْ يَقتضِي التَّوحيدَ، وهو فِي قولِه: "ذَكَرًا" أظْهَرُ منه فِي قولِه: "وَلَدًا". * * *

стр. 1147

* وأمَّا التعليقُ بالحيضِ: فإذا قال لِطاهرٍ حاملٍ، أو حَائلٍ صَغيرةٍ، أو كَبيرةٍ غيرِ آيِسةٍ: "إن حِضْتِ فأنتِ طالقٌ" فإنَّها تَطلُقُ بِظُهورِ دَمِ الحَيضِ فِي سِنِّ الإمْكانِ؛ نصَّ عليه الشافعيُّ فِي "المختصر المنبه"، وحكاه الأصحابُ وجهًا (١). ثُمَّ إنْ نَقصَ عنْ أقَلِّ الحَيضِ، ولم يَعُدْ حتى انْقضَتْ خَمْسَةَ عَشَرَ يومًا مِنْ وقْتِ الدَّمِ تَبيَّنَّا أنَّ الطَّلَاقَ لمْ يَقعْ، وإن قال ذلك لِحائِضٍ لَمْ تطلُقْ إلا بأوَّلِ حَيضٍ مُستقبَلٍ، كذا ذكَرُوه. ومَحلُّ ذلك ما لمْ يُقيِّدْه بِزمانٍ لا يُمكِنُ معه حَيضٌ مستقبَلٌ؛ كما إذا قال للحائضِ: "إذا حِضْتِ غَدًا فأنْتِ طَالقٌ (٢) "، فاستمرَّ حَيْضُها حتى جاء الغدُ، ورأتِ الدمَ فيه (٣)، فإنها تَطْلُقُ، نَصَّ عليه فِي "المختصر المنبه"، فِي بابِ الطَّلَاقِ إلى أَجَلٍ وبِصِفةٍ، فكأنه قال: "إذا استمرَّ بكِ الدَّمُ إلى أَنْ وُجِدَ فِي الغَدِ". وإنْ قال لحاملٍ: "إنْ حِضْتِ فأنْتِ طَالقٌ" فجاءَها (٤) الدَّمُ قبْلَ الطلقِ، فإنَّها تَطلُقُ؛ لأنَّ الدَّمَ الذي تَراهُ الحاملُ (٥) بشَرطِه حَيْضٌ على الأصحِّ، ولا تَطلُقُ بِدمِ النِّفاسِ لأنه ليس بحَيضٍ، ولَمْ يذْكُروه. وإنْ قال ذلك لِلآيسةِ -التي لا يُمكِنُ أَنْ تَحيضَ- لَمْ يصحَّ التعليقُ، ولَمْ يذكرُوه.

стр. 1148

* وأمَّا المتحيرةُ: إذا قال لها: "إنْ حضْتِ فأنْتِ طالقٌ"، فإنَّها لا تَطلُقُ حتى تَمضيَ مُدةٌ يُتحققُ أن فيها حَيضًا مُبتدأً، بِناءً على أنَّ كُلَّ شَهْرٍ لها يَشتمِلُ على حَيضٍ وطُهْرٍ، نَظرًا إلى الغالِبِ، ثُم يَنظرُ إلى اليَقينِ بالنِّسبةِ إلى الشَّهرِ الذي لها، وكذا المَجنونةُ التي هي كالمُتحيِّرةِ، ولَمْ يَذكرُوهُما. وإنْ كان (١) قال: "إنْ حِضْتِ حَيضةً -بفتحِ جاء حَيضة- فأنْتِ طَالقٌ"، لمْ تَطلُقْ حتَّى تَستقبِلَ الحَيْضَ، وتَمضِيَ لها حَيضةٌ، ثُم تَطهُرَ. . نَصَّ عليه فِي "المختصر المنبه" وشاهدُه من قوله ﷺ : "لا تُوطَأُ حائِلٌ (٢) حتَّى تَحِيضَ حَيضةً" (٣).

стр. 1149

[ولو انقطعَ الدمُ بعدَ (١) يومٍ ولَيلةٍ بحَبَلٍ ونحوِه وقعَ الطَّلَاقُ أيضًا. وفِي المُتحيِّرةِ والمَجنونةِ فِي قوله: "حَيضة"] (٢) إنْ كان فِي آخِرِ جُزءِ الطُّهرِ تَطلُقُ إذا انْقضَى الشَّهرُ بعدَه. وإنْ قال ذلك فِي أثْناءِ الشَّهرِ، فمُقتضَى ما ذكرَه الشَّيخُ أبو حامدٍ وغيرُه فِي عِدَّتِها: أنَّها لا تَطْلُقُ حتى يَمضِيَ شَهْرٌ بَعْدَ الشَّهرِ الذي وقَعَ التعليقُ فِي أثْنائِه، وكان الباقِي خَمسةَ عشرَ يومًا. وعندِي: أنَّها تَطلُقُ إذا انْقضَى نِصفُ الشَّهرِ الثاني. وإنْ قال: "حِيضة" بكَسْرِ الحَاءِ فهُو كقَولِه: "إنْ حِضتِ". ولو (٣) قال: "إنْ حِضتِ حَيْضًا فأنْتِ طَالقٌ" فهو كقولِه: "إنْ حِضْتِ"

стр. 1150

ويَحتمِلُ أَنْ يُرجَّحَ أنَّها لا تَطلُقُ هُنا (١) إلا بعْدَ يَومٍ وليلةٍ لِوُجودِ حَقيقةِ الحَيضِ بذلك. ولو قال لِزَوجتَيهِ: "إنْ حِضْتُما حَيضةً فأنتُما طَالقتانِ"، فصححَ (٢) فِي "الروضةِ" (٣) تَبَعًا للشرحِ أنه يُلْغَى قولُه: "حَيضة" ويُستعملُ قولُه: "إنْ حِضْتُما" فإذَا ابتدأَ بِهِما الدَّمُ طَلَقَتَا. ونسَبَه فِي "الشرح" إلى الشَّيخِ أبي (٤) حامدٍ، وهو وهْمٌ، فالذي فِي تَعليقِ الشيخِ أبي (٥) حامِدٍ ذَكَرَ وجْهَينِ: ١ - أحدُهما: لا ينعقِدُ هذا التعليقُ. ٢ - والثاني -وقال: إنه الصحيحُ مِن المَذهبِ-: أنَّ الطَّلَاقَ يَقعُ فِي الحالِ كالطَّلَاقِ المُجرَّدِ. وفِي "الشرح" قالَه صاحِبُ "المهذَّبِ" (٦) و"التهذيبِ". وذلك (٧) يَقتضِي أنهما رجَّحاه أو جَزَمَا به، [وليس كذلك، وإنَّما حَكَيَا

стр. 1151

وجْهًا] (١)، ولَمْ يُرجِّحاه. والأصحُّ عندنا: أنَّهما إذا حاضَتْ كُلٌّ مِنهُما حَيضةً، وقَعَ عليهما الطَّلَاقُ. وفِي "الروضة" (٢) أنه احْتِمالٌ رآهُ الإمامُ، وليس كذلك، فإنَّ الإمامَ حكاه وَجهًا، وحكاهُ غَيرُه. ويُنسَبُ أصلُه إلى المُزَنِي فِي قولِه: "إنْ ولَدْتُما ولدًا فأنتُما طالِقَتانِ" (٣) ورجَّحَ جَمْعٌ إلْغاءَ هذا التَّعليقِ، ويُنسَبُ أصلُه إلى الرَّبيعِ فِي "إنْ ولدْتُما" (٤). ولو قال: "أنتِ طالقٌ ما بيْنَ طُهْرَينِ" ولمْ يَنوِ شَيئًا، وَقعَ أوَّلَ ما تَرى الدَّمَ بعْدَ الطُّهرِ الذي حلَفَ فيه، وإنْ كانَتْ (٥) حائضًا وقَع مكانَه، نصَّ على ذلك كلِّه فِي "المختصر المنبه". وإذا علَّقَ طلاقَها على حَيضِها وقالتْ: "حِضتُ" وكذَّبَها الزَّوجُ صُدِّقتْ بِيَمينِها فِي حَقِّها على المَشهورِ (٦)، وكذا الحكمُ فيما لا يُعرفُ إلا منها، كقولِه: "إنْ أَضْمرتِ بَعضِي فأنْتِ طالقٌ" فقالتْ: "أَضْمَرْتُه".

стр. 1152

ولو علَّق الطَّلَاقَ بِزِناهَا فقالتْ: "زَنيْتُ" لمْ تُصدَّقْ على الأصحِّ؛ لأنَّ مَعرفتَه مُمْكنةٌ. ولو قال: "إنْ حِضتُما فأنتُمَا طالِقانِ" فقالتَا: "حِضْنَا"، وكذَّبَهما الزَّوجُ صُدِّقَ بيَمينِه، وإنْ صدَّقَهُما طَلقَتَا، وإن صَدَّقَ أحدَهما طَلقَتِ المُكذَّبَةُ، ولَمْ تَطلُقِ المصدَّقةُ (١) (٢). * * *

стр. 1153

فصل (١) في تفويض الطلاق إلى الزوجة (٢) إذا قال المكلَّفُ لِزَوجتِه المكلَّفةِ: "طلِّقي نفْسَكِ"، أو: "طلِّقي نفْسَكِ إنْ شئْتِ" فهو تمليكٌ للطلاقِ على الجَديدِ، وفِي القديمِ: توكيلٌ. . هذِه طَريقةُ الخُراسانِيِّينَ، وعلَيْها جَرى الرَّافِعي ومَنْ تَبِعَه. وأمَّا العِراقيونَ (٣) فلَمْ يَذكرُوا هذا الخلافَ، وجَزَمُوا بالتَّمليكِ (٤).

стр. 1154

ولَمْ أقِفْ على القَولِ بأنه تَوكيلٌ، وما نُسِبَ إلى الجَديدِ لا يَتأتَّى القَولُ بِظاهِرِه، فإنَّ المرأةَ لا تَملِكُ الطَّلَاقَ أصلًا، ولا يُمكِنُ أَنْ يَكونَ الطَّلَاقُ مِلْكًا للزَّوجِ وللزوجةِ (١)، وجعلُوا تَطليقَها نفْسَها مُتضمنًا للقَبولِ، ولو صرَّحتْ بِقَولِها: "قبلتُ" فلا أثرَ له، وهذه أُمورٌ معضِلةٌ. فالصوابُ فِي التعبيرِ عن ذلك أنَّه يُشبِهُ التَّمليكَ، أو يَجرِي عليه شيْءٌ مِن أحْكامِ التَّمليكِ. ومِن جُملةِ ذلكَ اعتِبارُ الفَوْرِ كما فِي قَبولِ التمْلِيكِ، وجَعلُوا القَولَ بالتَّطليقِ ما دَامَا فِي المَجلسِ ضَعيفًا، وهو المَذْهَبُ المَنصوصُ فِي "مختصر المزني" (٢)، بلْ فيه ما يَقتضِي أنَّه إجْماعٌ، [ولَفظُه: "لا أعلمُ خِلافًا أنَّها إنْ طَلَّقَتْ نفْسَها قَبْلَ أَنْ يتفرَّقَا مِنَ المَجلسِ، أو يَحدُثُ قَطْعًا لذلك: أنَّ الطَّلَاقَ يَقعُ علَيْها، فيَحتمِلُ أَنْ يُقالَ لهذا المَوضعِ إجْماعٌ"] (٣). ونُصوصُ الشافعيِّ ظَاهرةٌ فِي اعتِبارِ مَجلسِ الخِيارِ الذي يَنقطِعُ بالتفرُّقِ كما فِي البَيعِ، فلا يَجوزُ تركُ هذا النَّصِّ، ويؤوَّلُ بما لا يَصِحُّ. ويُستثْنَى مِن اعتِبارِ الفَورِ ما إذا صرَّحَ بالتَّراخِي فقال: "طلِّقِي نَفْسَكِ متى شِئْتِ"، فإنَّ لها أَنْ تُطلِّقَ نَفْسَها أيَّ وقْتٍ شاءَتْ، نصَّ عليه، وجَرى عليه مَنِ

стр. 1155

اقْتَصرَ على التَّمليكِ (١)، ومَنْ أثْبتَ القَولَينِ (٢). ولو قال: "وكَّلْتُكِ فِي طلاقِ نَفْسِكِ" تمَحَّضَ (٣) حُكْمُ التَّوكيلِ على طَريقِ التَّصريحِ به، وفِي طَريقٍ لَهُم إِثباتُ الخِلافِ، قال القَاضي حُسَينٌ: لأنه يَشوبُه شُعبةُ التَّمليكِ، وإنْ صَرَّحَ بالتَّوكيلِ، وعلى هذا لا يَتمكَّنُ الزَّوجُ مِنْ تَوكيلِها التَّوكيلَ المَحْضَ (٤). ولو قال: "ملكتُكِ طلاقَ نفسِكِ" فهو تَمليكٌ قَطْعًا على طَريقتِهم، ولَمْ أرَ مَن ذَكرَه. * * * ولو قال: "طلِّقي نفسَك ثلاثًا إنْ شِئتِ"، فطَلَّقَتْ نفْسَها واحدةً، وَقعَتْ (٥). ولَو قال: "طلِّقِي نفْسَكِ واحدةً إنْ شِئْتِ" فطَلَّقتْ ثلاثًا، وقَعتْ واحدةً. ولو قَدَّمَ ذِكْرَ المَشيئةِ فِي الصُّورتَينِ بأنْ قال: "طلِّقِي نفْسَكِ إنْ شِئْتِ ثلاثًا" أو قال: "طلِّقي نفْسَكِ إنْ شِئتِ واحدةً" فطَلَّقَتْ (٦) في الأُولى واحدةً، وفِي الثانِيةِ ثَلاثًا (٧). قال ابْنُ القاصِّ وسَائرُ الأصْحابِ: "لا يقعُ شيْءٌ", لأنَّ مَشيئةَ ذلك

стр. 1156

صارتْ شَرْطًا فِي أصْلِ الطَّلَاقِ. كذا فِي "الروضة" (١) تَبَعًا للشرحِ (٢)، وفيه: وسَاعَدَه (٣) الأصْحابُ، ولَمْ يَتعقَّباهُ (٤). وهُو مَرْدُودٌ، والصوابُ وُقوعُ ما أوقعَتْه، فإنَّ "ثلاثًا" فِي الأُولى و"واحدةً" فِي الثانيةِ ليستْ معمولًا لـ"شِئتِ"، وإنَّما هو مَعمولٌ لِقَولِه: "طَلِّقِي" فإنَّ مَفعولَ الإشاءةِ (٥) يُحذَفُ غالبًا، والحَمْلُ على الأغْلبِ هو المُعتمَدُ، وما قدَّرُوه فِي ذلك رَكيكٌ بَعيدٌ، والمَفهومُ المُتعارَفُ أنه لا فَرْقَ بيْنَ تَقديمِ المَشيئةِ وتَأخيرِها (٦). * * * وصِيغةُ طَلاقِها لِنَفْسِها: "طَلَّقْتُ نفْسِي". فإنْ قالتْ: "طلقْتُكَ"، فهُو كِنايةٌ يَحتاجُ إلى نِيَّةِ الطَّلَاق، ولو قالتْ: "أبنْتُ نفْسِي" ونَوَتْ؛ وَقَع. وليس للمفوَّضِ إليها طَلاقُ نفْسِها إنْ تَعَلَّقَ طَلاقُها, ولَو فَوَّضَ إلَيْها التَعليقَ، كذا قالُوه، والأصحُّ صِحتُه فيما ليس بِحَلِفٍ، وقدْ سَبقَ فِي الوَكالةِ.

стр. 1157

وأمَّا التَّخييرُ (١) فلَه شركةٌ مَع التَّمليكِ فنَذْكُرُه عَقِيبَه، فإذا قال المكلَّفُ لِزَوجتِه المُكلَّفةِ: "اختارِي نَفْسَكِ" ونَوى تَفويضَ الطَّلَاق إليها فقالَتْ: "اخْترْتُ نَفْسِي" ونَوتْ طَلاقَها، وقَعتْ علَيها طَلقةٌ رَجعيةٌ، إلا إذا كان هُناكَ ما يَحصُلُ به البَينونةُ. ولو قال لها: "اخْتارِي"، ولَمْ يَقُلْ "نفسَكِ"، ونَوى تفويضَ الطلاقِ (٢) إليها فقالتْ: "اخْتَرْتُ" ففِي "التَّهذيبِ": لا يَقعُ الطَّلَاقُ حتَّى تَقولَ: "اختَرْتُ نفْسِي"، ويُشعِرُ (٣) كلامُه بأنَّه لا يَقَعُ، وإنْ نَوَتْ كذا فِي "الروضة" (٤) تَبَعًا للشرحِ، وفِي نصِّ الشافعيِّ ما يُخالفُه، وهو قولُه: "لو (٥) قال رَجُلٌ لامرأتِه: اختارِي" لا يكونُ طَلاقًا [إلا أَنْ يُريدَه] (٦)؛ لأنَّه يَحتمِلُ (٧) اختارِي مالًا، وقال: ليس الخِيارُ بِطلَاقٍ حتى تُطلِّقَ المُخيَّرةُ نفْسَها؛ ذكَرَه فِي "المختصر المنبه". وفيه: أنَّ قولَها: "اخترْتُ" مع نِيَّةِ الطَّلَاقِ كافٍ فِي وُقوعِ الطَّلَاقِ، وهذا هو المُعتمَدُ. وقدْ ذكرَ فِي "الروضة" (٨) تَبَعًا للشرحِ عن إسماعيلَ البوشنجيِّ أنها إذا

стр. 1158

قالتْ: "اختَرْتُ" ثمَّ (١) قالتْ بعد ذلك "أردتُ اختَرْتُ نَفْسِي" أنه يُقبَلُ قَولُها (٢)، يعني: بِيَمِينِها وتَطْلُقُ. ولو (٣) قالتْ: "اختَرْتُ زَوجِي أو النكاحَ" لمْ تَطْلُقْ. وإنْ قالَتْ: "اختَرتُ الأزْواجَ"، أو: "اختَرتُ (٤) أبَويَّ"، أو أخِي أو عمِّي؛ طَلَقَتْ على الأصحِّ، ولَمْ يذكروا نِيَّتَها لطلاقِ نفْسِها. والقِياسُ: أنَّه لا بدَّ مِن نِيَّتِها لذلك، ولا يَختصُّ ذلك بَلْ يَأْتي فِي الخَالِ وغيرِه مِنَ الأقارِبِ، بلْ يأتِي فِي الأَجانبِ أيضًا إذا كانتْ تَسْكنُ قبْلَ نِكاحِها عند مَنْ ذَكَرَتْ، ونيَّةُ الطَّلَاقِ لابُدَّ مِنها. وإذا (٥) اختلفَا فِي النِّيةِ فادَّعتْها وأنْكرَها الزَّوجُ، أو بالعكسِ، فالقَولُ قولُ مَن أَخبَرَ عن ضَميرِه بِيَمينِه. * ونَختِمُ كتابَ الطَّلَاقِ بثلاثةِ أنْواعٍ: * أحدُها: شيْءٌ يُذكَرُ فِي ظَرفِ زَمانٍ مِن يَومٍ وغيرِه مِن صِفةٍ مُتجدِّدةٍ فيه، تَطْلُقُ بِه، وليس بتَعليقٍ، وهو إذا قال: "أنْتِ طالقٌ فِي اليومِ الذي يَقْدَمُ فيه زَيدٌ ثلاثًا"، فبانَتْ منه فِي صَبيحةِ ذلك اليومِ، ثُمَّ قَدِمَ زَيدٌ، فقدْ ذكَرُوا ما يَقتضِي (٦) بُطلانَ البَينونةِ.

стр. 1159

وكذا لو قال لِلْعبدِ: "أنتَ حُرٌّ فِي اليومِ الذي يَقدَمُ فيه زَيْدٌ" فبَاعَه صَبيحةَ ذلك اليومِ، ثُمَّ قَدِمَ زَيدٌ بعْدَ لُزومِ البَيعِ، فإنه يَتبينُ (١) بُطلانُ البَيعِ لِتَبيُّنِ حُريتِه قبْلَ البَيعِ لِقُدومِ زَيدٍ فِي أَثْناءِ ذلك اليومِ. ولو ماتَ الزَّوجُ أوْ ماتَتْ هِي فِي بَعْضِ اليَومِ ثُمَّ قَدِمَ فِي بَقيةِ ذلك اليومِ، فلا (٢) تَوارُثَ بَينهُما إنْ كان الطَّلَاقُ بَائنًا، وكلُّ ذلك مفرَّعٌ على ما صحَّحُوه فيمَنْ نَذرَ أَنْ يَصومَ اليومَ (٣) الذي يَقْدَمُ فيه زَيدٌ، فقَدِمَ نَهارًا، والناذِرُ مُفطِرٌ، فإنه يَلزَمُه أَنْ يَصومَ يومًا عنْ نَذْرِه، ويَلزَمُه ذلك مِن أوَّلِ اليومِ وكذا حُكْمُ (٤) الأُسبوعِ والشَّهرِ والسَّنَةِ. * * * * النوعُ الثاني: شَيْءٌ صُورتُه تعليقٌ، ولكنْ قَرينةُ المُجازاةِ مع النِّيةِ تَصرِفُه إلى التَّنجيزِ كما إذا قالتْ لِزَوجِها: "يا خَسيسُ"، فقال: "إنْ كنتُ كذلك فأنتِ طالقٌ" فإنه قصَدَ إسماعَها الطَّلَاق كما أسْمعَتْه المَكروهَ، تَطْلُقُ وإنْ لَمْ يُوجدُ فيه تلك الصِّفةُ، وأما إذا قصَدَ التَّعليقَ أوْ أَطلَقَ فلا يَتَنَجَّزُ شَيْءٌ، وفِي الإطلاقِ (٥) وجْهٌ له قُوَّةٌ. * * *

стр. 1160

* النوعُ الثالثُ (١): الصادِرُ مِنَ الجاهِلِ والنَّاسِي (٢) والمُكرَهِ مِن الزَّوجِ أو الزَّوجةِ أو الأجنبيِّ على ما سيُذْكَرُ مما يُخالِفُ الحَلِفَ لا يَقتضِي الحِنْثَ ولا انحلالَ الحَلِفِ على الأصحِّ فيهما. فإذا قال: "إنْ فعلتُ كذا فزَوْجَتِي طَالقٌ" ففعَلَه ناسيًا لِلْحلِفِ، أو جاهلًا، كما إذا قال: "إنْ كلمتُ زيدًا فزوْجَتِي طالقٌ" ففعَلَه ناسيًا للحَلِفِ، فكَلَّمه، وهو جاهِلٌ بأنه زَيدٌ، فإنه لا يَقعُ الطَّلَاقُ على الأصحِّ. ويُستثْنَى مِن ذلك ما إذا قال: "إنْ فعلتُ كذا عامِدًا أوْ ناسيًا فزَوْجتِي طالقٌ" ففعلَه ناسيًا؛ نقَلَ القاضِي الحُسينُ أنه يَحنَثُ بِلا خِلافٍ. وهذا عِندنَا مَمْنوعٌ؛ لأنَّ النِّسيانَ لا يُمكِنُ الحلِفُ على الامْتِناعِ منه؛ لأنَّ الحَلِفَ ما يَحصُلُ به (٣) حَثٌّ أو مَنْعٌ أو تَحقِيقُ خَبر وليس شَيْءٌ مِن ذلك مَوْجودًا (٤) فِي هذِه الصُّورةِ، وهكذا لو [قال: "إن] (٥) فعلتُ كذا -عالمًا أو جَاهلًا- فزَوجَتِي طالِقٌ". * * * * وأمَّا المُكرَهُ فلا يَحنَثُ أيضًا على الأصحِّ . فإذا قال: "إنْ فعلتُ كذا -باخْتيارِي أوْ مُكرَهًا- فزَوْجَتِي طَالقٌ" ففعلَه
следующие страницы →