← Фикх шафии

Фикх шафии · id 19230

التدريب في الفقه الشافعي

سراج الدين البلقيني

Полный текст (1 801 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

صارتْ شَرْطًا فِي أصْلِ الطَّلَاقِ. كذا فِي "الروضة" (١) تَبَعًا للشرحِ (٢)، وفيه: وسَاعَدَه (٣) الأصْحابُ، ولَمْ يَتعقَّباهُ (٤). وهُو مَرْدُودٌ، والصوابُ وُقوعُ ما أوقعَتْه، فإنَّ "ثلاثًا" فِي الأُولى و"واحدةً" فِي الثانيةِ ليستْ معمولًا لـ"شِئتِ"، وإنَّما هو مَعمولٌ لِقَولِه: "طَلِّقِي" فإنَّ مَفعولَ الإشاءةِ (٥) يُحذَفُ غالبًا، والحَمْلُ على الأغْلبِ هو المُعتمَدُ، وما قدَّرُوه فِي ذلك رَكيكٌ بَعيدٌ، والمَفهومُ المُتعارَفُ أنه لا فَرْقَ بيْنَ تَقديمِ المَشيئةِ وتَأخيرِها (٦). * * * وصِيغةُ طَلاقِها لِنَفْسِها: "طَلَّقْتُ نفْسِي". فإنْ قالتْ: "طلقْتُكَ"، فهُو كِنايةٌ يَحتاجُ إلى نِيَّةِ الطَّلَاق، ولو قالتْ: "أبنْتُ نفْسِي" ونَوَتْ؛ وَقَع. وليس للمفوَّضِ إليها طَلاقُ نفْسِها إنْ تَعَلَّقَ طَلاقُها, ولَو فَوَّضَ إلَيْها التَعليقَ، كذا قالُوه، والأصحُّ صِحتُه فيما ليس بِحَلِفٍ، وقدْ سَبقَ فِي الوَكالةِ.

стр. 1157

وأمَّا التَّخييرُ (١) فلَه شركةٌ مَع التَّمليكِ فنَذْكُرُه عَقِيبَه، فإذا قال المكلَّفُ لِزَوجتِه المُكلَّفةِ: "اختارِي نَفْسَكِ" ونَوى تَفويضَ الطَّلَاق إليها فقالَتْ: "اخْترْتُ نَفْسِي" ونَوتْ طَلاقَها، وقَعتْ علَيها طَلقةٌ رَجعيةٌ، إلا إذا كان هُناكَ ما يَحصُلُ به البَينونةُ. ولو قال لها: "اخْتارِي"، ولَمْ يَقُلْ "نفسَكِ"، ونَوى تفويضَ الطلاقِ (٢) إليها فقالتْ: "اخْتَرْتُ" ففِي "التَّهذيبِ": لا يَقعُ الطَّلَاقُ حتَّى تَقولَ: "اختَرْتُ نفْسِي"، ويُشعِرُ (٣) كلامُه بأنَّه لا يَقَعُ، وإنْ نَوَتْ كذا فِي "الروضة" (٤) تَبَعًا للشرحِ، وفِي نصِّ الشافعيِّ ما يُخالفُه، وهو قولُه: "لو (٥) قال رَجُلٌ لامرأتِه: اختارِي" لا يكونُ طَلاقًا [إلا أَنْ يُريدَه] (٦)؛ لأنَّه يَحتمِلُ (٧) اختارِي مالًا، وقال: ليس الخِيارُ بِطلَاقٍ حتى تُطلِّقَ المُخيَّرةُ نفْسَها؛ ذكَرَه فِي "المختصر المنبه". وفيه: أنَّ قولَها: "اخترْتُ" مع نِيَّةِ الطَّلَاقِ كافٍ فِي وُقوعِ الطَّلَاقِ، وهذا هو المُعتمَدُ. وقدْ ذكرَ فِي "الروضة" (٨) تَبَعًا للشرحِ عن إسماعيلَ البوشنجيِّ أنها إذا

стр. 1158

قالتْ: "اختَرْتُ" ثمَّ (١) قالتْ بعد ذلك "أردتُ اختَرْتُ نَفْسِي" أنه يُقبَلُ قَولُها (٢)، يعني: بِيَمِينِها وتَطْلُقُ. ولو (٣) قالتْ: "اختَرْتُ زَوجِي أو النكاحَ" لمْ تَطْلُقْ. وإنْ قالَتْ: "اختَرتُ الأزْواجَ"، أو: "اختَرتُ (٤) أبَويَّ"، أو أخِي أو عمِّي؛ طَلَقَتْ على الأصحِّ، ولَمْ يذكروا نِيَّتَها لطلاقِ نفْسِها. والقِياسُ: أنَّه لا بدَّ مِن نِيَّتِها لذلك، ولا يَختصُّ ذلك بَلْ يَأْتي فِي الخَالِ وغيرِه مِنَ الأقارِبِ، بلْ يأتِي فِي الأَجانبِ أيضًا إذا كانتْ تَسْكنُ قبْلَ نِكاحِها عند مَنْ ذَكَرَتْ، ونيَّةُ الطَّلَاقِ لابُدَّ مِنها. وإذا (٥) اختلفَا فِي النِّيةِ فادَّعتْها وأنْكرَها الزَّوجُ، أو بالعكسِ، فالقَولُ قولُ مَن أَخبَرَ عن ضَميرِه بِيَمينِه. * ونَختِمُ كتابَ الطَّلَاقِ بثلاثةِ أنْواعٍ: * أحدُها: شيْءٌ يُذكَرُ فِي ظَرفِ زَمانٍ مِن يَومٍ وغيرِه مِن صِفةٍ مُتجدِّدةٍ فيه، تَطْلُقُ بِه، وليس بتَعليقٍ، وهو إذا قال: "أنْتِ طالقٌ فِي اليومِ الذي يَقْدَمُ فيه زَيدٌ ثلاثًا"، فبانَتْ منه فِي صَبيحةِ ذلك اليومِ، ثُمَّ قَدِمَ زَيدٌ، فقدْ ذكَرُوا ما يَقتضِي (٦) بُطلانَ البَينونةِ.

стр. 1159

وكذا لو قال لِلْعبدِ: "أنتَ حُرٌّ فِي اليومِ الذي يَقدَمُ فيه زَيْدٌ" فبَاعَه صَبيحةَ ذلك اليومِ، ثُمَّ قَدِمَ زَيدٌ بعْدَ لُزومِ البَيعِ، فإنه يَتبينُ (١) بُطلانُ البَيعِ لِتَبيُّنِ حُريتِه قبْلَ البَيعِ لِقُدومِ زَيدٍ فِي أَثْناءِ ذلك اليومِ. ولو ماتَ الزَّوجُ أوْ ماتَتْ هِي فِي بَعْضِ اليَومِ ثُمَّ قَدِمَ فِي بَقيةِ ذلك اليومِ، فلا (٢) تَوارُثَ بَينهُما إنْ كان الطَّلَاقُ بَائنًا، وكلُّ ذلك مفرَّعٌ على ما صحَّحُوه فيمَنْ نَذرَ أَنْ يَصومَ اليومَ (٣) الذي يَقْدَمُ فيه زَيدٌ، فقَدِمَ نَهارًا، والناذِرُ مُفطِرٌ، فإنه يَلزَمُه أَنْ يَصومَ يومًا عنْ نَذْرِه، ويَلزَمُه ذلك مِن أوَّلِ اليومِ وكذا حُكْمُ (٤) الأُسبوعِ والشَّهرِ والسَّنَةِ. * * * * النوعُ الثاني: شَيْءٌ صُورتُه تعليقٌ، ولكنْ قَرينةُ المُجازاةِ مع النِّيةِ تَصرِفُه إلى التَّنجيزِ كما إذا قالتْ لِزَوجِها: "يا خَسيسُ"، فقال: "إنْ كنتُ كذلك فأنتِ طالقٌ" فإنه قصَدَ إسماعَها الطَّلَاق كما أسْمعَتْه المَكروهَ، تَطْلُقُ وإنْ لَمْ يُوجدُ فيه تلك الصِّفةُ، وأما إذا قصَدَ التَّعليقَ أوْ أَطلَقَ فلا يَتَنَجَّزُ شَيْءٌ، وفِي الإطلاقِ (٥) وجْهٌ له قُوَّةٌ. * * *

стр. 1160

* النوعُ الثالثُ (١): الصادِرُ مِنَ الجاهِلِ والنَّاسِي (٢) والمُكرَهِ مِن الزَّوجِ أو الزَّوجةِ أو الأجنبيِّ على ما سيُذْكَرُ مما يُخالِفُ الحَلِفَ لا يَقتضِي الحِنْثَ ولا انحلالَ الحَلِفِ على الأصحِّ فيهما. فإذا قال: "إنْ فعلتُ كذا فزَوْجَتِي طَالقٌ" ففعَلَه ناسيًا لِلْحلِفِ، أو جاهلًا، كما إذا قال: "إنْ كلمتُ زيدًا فزوْجَتِي طالقٌ" ففعَلَه ناسيًا للحَلِفِ، فكَلَّمه، وهو جاهِلٌ بأنه زَيدٌ، فإنه لا يَقعُ الطَّلَاقُ على الأصحِّ. ويُستثْنَى مِن ذلك ما إذا قال: "إنْ فعلتُ كذا عامِدًا أوْ ناسيًا فزَوْجتِي طالقٌ" ففعلَه ناسيًا؛ نقَلَ القاضِي الحُسينُ أنه يَحنَثُ بِلا خِلافٍ. وهذا عِندنَا مَمْنوعٌ؛ لأنَّ النِّسيانَ لا يُمكِنُ الحلِفُ على الامْتِناعِ منه؛ لأنَّ الحَلِفَ ما يَحصُلُ به (٣) حَثٌّ أو مَنْعٌ أو تَحقِيقُ خَبر وليس شَيْءٌ مِن ذلك مَوْجودًا (٤) فِي هذِه الصُّورةِ، وهكذا لو [قال: "إن] (٥) فعلتُ كذا -عالمًا أو جَاهلًا- فزَوجَتِي طالِقٌ". * * * * وأمَّا المُكرَهُ فلا يَحنَثُ أيضًا على الأصحِّ . فإذا قال: "إنْ فعلتُ كذا -باخْتيارِي أوْ مُكرَهًا- فزَوْجَتِي طَالقٌ" ففعلَه

стр. 1161

مُكرَهًا، فمُقتضَى ما سبقَ فِي الناسِي أنه يَحنَثُ بلْ أَوْلى؛ لأنَّه عالِمٌ بِحَلِفِه وكان يُمكنُه ألا يَفعلَه ويَحتمِلُ أن لا يَحنَثَ؛ لأنَّ فِعْلَه كَلَا فِعْلَ، وهو الأرْجَحُ. وأمَّا الزوجةُ فإذا وُجِدَ منها مُخالفةُ الحَلِفِ باختيارِها عَمْدًا مع العِلْمِ، فإنه يقَعُ الحِنثُ، وإن كانَتْ ناسيةً لِلْحَلِفِ فلا حِنْثَ (١)، وكذا إنْ كانتْ جاهلةً أو مُكرَهةً وسواءٌ أَشَعرتْ بالحَلِفِ أم (٢) لَمْ تَشعُرْ، واشتراطُ الشُّعورِ ضَعيفٌ. وأمَّا غَيرُ الزَّوجينِ فإن كان يُبالِي بالحَلِفِ (٣) بِحيثُ يَمتثِلُ أَمْرَه، ويُراعِي خَاطِرَه، فإنَّه إذا خَالفَ الحَلِفَ ناسيًا أو جاهلًا أو مُكرهًا، فلا حِنثَ على الحالِفِ أيضًا (٤) على الأصحِّ، ولا (٥) يُشترَطُ الشُّعورُ هنا أيضًا. وأمَّا الأجنبيُّ الذي لا يُبالِي بالحالِفِ، فإنه يَحنَثُ الحالِفُ بمُخالفةِ الأجنَبيِّ لِلْحلِفِ ناسيًا أو جاهلًا أو مُكرَهًا، والأرْجحُ فِي المُكرَه (٦) أنه لا يَحنَثُ الحالِفُ، خِلافًا لِمَنْ رَجَّح خِلافَ ذلك؛ لأنَّ فِعْلَه كالعدَمِ. ولو علَّقَ بِدُخولِ طِفْلٍ أو بَهيمةٍ أوْ سنَّورٍ فدخَلَ وَقعَ الطَّلَاقُ، قال الحناطي: ويُحتملُ المَنعُ. وعندَ تَمحُّضِ التَّعليقِ فِي غيرِ ذلك مما قَدَّمْناهُ يَقعُ عنْدَ وُجودِ الصِّفةِ، ولا يَمنعُ مِن ذلك نسيانٌ ولا جهْلٌ ولا إكراهٌ، ويحتملُ المَنع.

стр. 1162

وأمَّا جَهْلُ الحُكمِ فَلا يَمنعُ مِن الحِنثِ للتَّقصيرِ بِتَركِ السُّؤالِ. سلَّمَنَا اللَّهُ مِنْ آفةِ التَّقصيرِ، وأَصْلحَ عاقِبتَنا فيمَا إليه نَصيرُ، واللَّهُ أَعلَمُ. * * *

стр. 1163

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كتاب الرجعة (١) فتحُ رائِهَا أفصحُ مِن كسْرِهَا، ودَليلُها: قولُهُ تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ (٢) وقولُه تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ

стр. 1164

بِمَعْرُوفٍ﴾ (١). وعنِ النبيِّ ﷺ مِن (٢) فعلِهِ: مَا رَواهُ عُمَرُ ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ طلَّقَ حَفْصةَ ثُمَّ راجَعَها. أخرجَه أبو داودَ والنَّسائيُّ وابْنُ ماجه (٣). وفِي حديثِ أنَسٍ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ لمَّا طلَّقَ حَفصةَ أُمِرَ أن يُراجِعَها فراجَعَهَا. أخرجَه البَيهقيُّ (٤).

стр. 1165

وثَبتَ فِي "الصحيحَيْنِ" (١) وغيرِهِما فِي طلاقِ ابْنِ عُمَرَ زوجتَه وهِيَ حائضٌ أنَّ النبيَّ ﷺ (٢) قالَ لِعُمرَ ﵁: "مُرْهُ فلْيُرَاجِعْها"، فراجَعَها. والإجماعُ على مَشروعيَّتِها (٣). وَ"رَجَعَ" يُستعمَلُ مُتعدِّيًا، ومنه قولُه تعالى: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ﴾ ويُستعمَلُ قاصرًا، ومنه قولُه تعالى: ﴿إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ﴾ وهُو كَثيرٌ، وهو ثُلاثيٌّ فيهما، وهُذَيلٌ يَستعمِلونَه رُباعيًّا فيقولون: أَرْجَعَه غيرُه. * * * وهو لُغةً: رَدُّ الشَّيءِ على ما كان عليه. وشَرْعًا (٤): استِباحةُ البُضعِ بعْدَ التحريمِ بالطَّلَاقِ بِغَيرِ عَقْدِ النِّكاحِ، ذكرَهُ المَاورْديُّ (٥). ويَنبغِي أَنْ يُقالَ: "رَدُّ البُضعِ إلى الحِلِّ بعْدَ التَّحريمِ. . " إلى آخرِه، ويَزِيدُ:

стр. 1166

"ولا بِمِلْكٍ" لِيخرُجَ مَنْ طَلَّقَ زَوْجتَه الأمَةَ طَلاقًا رَجْعيًّا، ثمَّ مَلَكَها بِغَيرِ عَقْدِ النِّكاحِ فإنه قدِ استباحَ بُضعَها بِشَرطِه وليس بِرَجعةٍ (١). وخَرجَ بالطَّلَاقِ: الظِّهارُ ووَطْءُ الشُّبهةِ، والإحرامُ، والإسْلامُ والرِّدةُ، فإنه إذا حصَلَت الاستِباحةُ بِزَوالِ المَانعِ لا تَكونُ رَجْعةً شَرعيَّة (٢). والجامِعُ فِي ضَبطِها: أنَّها الرَّدُّ المُنجَّزُ الصادِرُ مِنَ المطلِّقِ أو مِمَّنْ يَقومُ مَقامَهُ بِلَا تأقيتٍ، ولا شرطٍ مُخِلٍّ بمَقْصُودِها, لِمُطلَّقةٍ (٣) مَدخولٍ بِها، خَلا طَلاقُها عنْ لُزومِ عِوَضِ الزَّوجِ، وعنْ تَكمِلةِ العَددِ إلى الحِلِّ القَابلِ مِنَ الجَانِبَينِ مع تعيُّنِها وبقاءِ عدَّتها غَير الزائدِ المُتميزِ (٤) المُختصِّ بالوَطءِ الحَادثِ، أو بالمُعاشَرةِ على رأيٍ بقَولٍ صَريحٍ أو مَكنِيٍّ أو مَكتوبٍ معَ نِيَّةٍ فيهما (٥).

стр. 1167

ولَمْ يَخرُجْ عن هذا الضَّابطِ إلا ما نصَّ عليه فِي قَولِ الحُرِّ زَوجِ الأَمَةِ: "نكحتُها وأنا واجِدٌ طَوْلَ حُرَّةٍ" ونحوُ ذلك، ولَمْ يصدِّقْه السيِّدُ، مِن أنَّه يكونُ طَلاقًا بائنًا. وكذا ما أُلحِقَ (١) به مِن قَولِ الزَّوجِ: كان الشاهِدُ فاسِقًا عِندَ العَقْدِ، ولَمْ تُصدِّقْه الزَّوجةُ ونحوُ ذلك. فإنْ فُرِّعَ على ذلك (٢) زِيدَ (٣) على الضَّابِطِ غيرَ مُغَلَّظٍ فيه بِبَينونةٍ، أو حكم بِها" لِيدخُلَ فيه حُكْمُ الحَاكمِ فِي مَواضِعِ الخِلافِ فِي أنه بائِنٌ أو رجعيٌّ، كما فِي الطَّلَاقِ فِي الإيلاءِ، فإنه رَجعيٌّ عند الشافعيِّ. وقال غيرُه: إنَّه بائِنٌ (٤).

стр. 1168

ومُقتضَى الضابطِ: أنَّه تَصحُّ رَجعةُ السَّفيهِ، وإنْ لَمْ يَأذنْ وليُّه، والعبدِ البَالغِ العَاقلِ، وإنْ لَمْ يَأذنْ سيِّدُهُ، وفيه وَجْهٌ، والوَكيلِ مِن جِهَةِ رَشيدٍ، أوْ سَفيهٍ أوْ عَبدٍ (١)، والوَليِّ فِي الذي جُنَّ بعد طَلاقِه، أو وَقعَ طَلاقُه فِي جُنونِه بِتعليقٍ فِي حَالِ تَكليفِه، ذكَرَه الرَّافعي تَفقُّهًا حَيثُ يَجوزُ لِوليِّه ابْتداءُ النِّكاحِ له وهو حَسنٌ معمولٌ به إلا أنَّ الأرْجحَ هُنا الاكتِفاءُ بالمَصلحةِ. ويُراجِعُ له الوَصيُّ أيضًا، قلتُهُ تخريجًا مِمَّا سَبقَ فيمَنْ يُزوِّجه. وتصِحُّ رَجْعةُ المُحرِمِ والمُحرِمةِ والأَمَةِ، وإنْ كان مُوسِرًا، أو تحتَه (٢) حُرةٌ؛ على الأصحِّ فِي الكُلِّ. ولا تَصِحُّ فِي حالِ رِدَّةِ الزَّوجينِ أوْ أحدِهما, ولا فِي حالِ مُخالَفةٍ فِي الدِّين تَقتضِي الفُرقةَ. ويُراجِع المُسلِمُ الكافرةَ، حيثُ يَجوزُ له ابتِداءُ نِكاحِها. ولا يُراجِعُ الكافرُ المُسلمةَ إلا فِي صُورةٍ واحِدةٍ بِصُورةِ الرَّجعةِ لا حقِيقتِها، وهِي ما إذا جَاءتِ امرأةٌ مُسلِمةٌ مِن بَلدِ الهُدنةِ، وجاءَ زَوجُها يَطلُبُها، وكان قدْ طَلَّقَها رَجعيًّا، وقُلْنَا بالقَولِ المَرجوحِ إنها تَغْرَمُ له المَهرَ فنَصَّ فِي "الأُمِّ" (٣) أنَّها لا تَغْرَمُ له حتَّى يُراجِعَها, لِيظْهرَ مِنه قَصْدُ الرَّغبةِ فيها.

стр. 1169

وفِي "الروضة" (١) قولٌ (٢) أنَّه يَستحِقُّ المَهْرَ بِمُجرَّدِ الطَّلبِ بِلا رَجعةٍ؛ لأنَّها فاسِدةٌ، فلا مَعنى لاشتِراطِه. . انتهى. والمُعتمَدُ ما نَصَّ عليه. ولو أَسلَمَ بعد الرَّجعةِ وقبْلَ انقِضاءِ العِدَّةِ: ففِي العَمل بِرَجْعتِه السابقةِ تَردُّدٌ، والأرجَح صحَّتُها، بخِلافِ ما فِي الردَّةِ واختِلافِ الدِّينِ؛ لأنَّ الرَّجعةَ قدْ أَثَّرَتْ فِي غُرْمِ المَهْرِ، فأثَّرتْ بعْدَ الإسْلامِ فِي صِحَّةِ الرَّجعةِ. * * * وخَرجَ بقَوْلِنا: "إنها الرَّدُّ المُنجَّزُ": تعليقُها على شرْطٍ فإنَّها لا تَصحُّ (٣). وبِقَولِنا: "لِمطلَّقةٍ": المفسوخُ نكاحُها، فلا تَصِحُّ رَجعتُها، و (٤) المحرَّمةُ أبدًا بِرَضاعٍ أوْ لِعانٍ. ودخَلَ فِي المَدخولِ بِها: الدخولُ السابقُ على الطَّلَاقِ، والذي حصَلَ الطَّلَاق معه، كما إذا قال لِغَيرِ المَدخولِ بِها: "إنْ وطِئتُكِ فأنْتِ طَالقٌ"، فإنه إذَا وطِئَها يَقَعُ رجْعيًّا قَطْعًا، ويَجِبُ عليه النَّزعُ عَقِبَ (٥) تَغيِيبِ الحَشَفَةِ. والمرادُ بالدُّخولِ الإصابةُ على ما سبَقَ فِي الصَّداقِ فِي تَقْريرِ المُسمَّى.

стр. 1170

وفِي ثبوتِ الرَّجعةِ باستِدخالِ الماءِ المُعتبَرِ وَجْهانِ: أحدُهما: نَعَم، جَزمَ به الربيعُ وغيرُه فِي صُورةِ الطَّلَاقِ الرَّجعيِّ مِن العِنِّينِ، وعليه اقتَصرَ الرافعيُّ هناكَ، وصحَّحَ فِي مَوانعِ النِّكاحِ تَبَعًا لِلبغوِيِّ أنَّها لا تَثْبتُ، والأوَّلُ أقْوَى. * * * وقولُنا: "خَلا طَلاقُها عَنْ لُزومِ عِوَض": ما لَمْ يخْلُ عنْ عِوَضٍ تَحصُلُ به البَينونةُ على ما سَبقَ فِي الخُلعِ والرَّجعةُ مُمْتنِعةٌ حِينئِذٍ اتفاقًا. ودَخلَ فِي الخالي عَنِ العِوَضِ: الموصوفُ بالبَينونةِ لَفْظًا كما فِي قولِه: "أنتِ طالقٌ طَلقةً بائنةً"، فإنَّها تَطلُقُ طَلْقةً رَجعيةً قَطْعًا، ودخَلَ فيه طَلاقُ الاخْتيارِ والتَّمليكِ. * * * وخَرجَ بِقَولِنا: "وعنْ (١) تَكملةِ العَددِ": ما استَوفى فيه المُطلِّقُ عَدَدَه فلا رَجْعةَ فيه، فالحُرُّ (٢) الكَامِلُ عند الثانيةِ إذا استَوفَى الثالثةَ، ولَو فِي الأَمَةِ حَرُمَتْ عليه حتَّى يُصيبَها زَوجٌ كما سَبقَ. ومَنْ فِيه رِقٌّ عنْدَ الثَّانيةِ إذا استَوفَى الثَّانيةَ، ولو فِي الحُرَّةِ كان كاستِيفاءِ الحُرِّ الثالثةَ، فالعِبْرَةُ عندنَا فِي الطَّلَاقِ بالرِّجالِ (٣).

стр. 1171

ولَو قال مَن فِيه رِقٌّ لِزَوجتِه: "إنْ أَعتَقَنِي سيِّدِي، فأنْتِ طَالقٌ طَلقَتَينِ" فأعْتقَه سيِّدُه، فإنَّ له أَنْ يُراجعَها. * * * وقولُنا: "إلى الحِلِّ": مُتعلِّقٌ بالرَّدِّ. ووصَفْنَا الحِلَّ (١) بالقَبولِ مِن الجَانِبَينِ لنُخرِجَ به حالةَ الرِّدةِ، واختلافِ الدِّينِ كما سَبقَ. وقولُنا: "مَع تعيُّنِها": يَخرُجُ به ما (٢) إذا طَلَّقَ امَرَأَتَيْه مُبهِمًا، ثُم رَاجَعَ إحداهُما مبْهِمًا، فإنَّه لا يَصحُّ، وفيه وجْهٌ قويٌّ أنه يصِحُّ (٣). وقولُنا: "وبَقاءُ عِدَّتِها" إلى آخِرِه. . واضحٌ. * * * وفِي المُعاشَرةِ كَلامٌ يَأتِي فِي العِدَّةِ.

стр. 1172

ولا يُعتبَرُ رِضى المَرأةِ، ولا وليِّها, ولا مالكِ الأَمَةِ بِلا خلافٍ. ويُستحبُّ إعلامُ المَرأةِ. ولا يُعتبَرُ فِي صِحَّةِ الرَّجعةِ الإشهادُ (١)؛ على مَنصوصِ "الأُمِّ" (٢) و"المختصر" و"القديم". وقال فِي "الإملاء": لَا رَجْعةَ إلا بشاهَدَينِ، وهو آخِرُ قولَيْه كما ذكَرَه الرَّبيعُ فِي غَيرِ "الأُمِّ". ويَنبغِي أَنْ يرجَّحَ، ولَمْ يُرجِّحُوه، ونَسبَه جَمْعٌ مِن المَراوِزةِ للْقَديمِ، والأثْبَتُ ما سَبقَ. ويُستحَبُّ الإشهادُ قَطْعًا إذا لَمْ يَعتبِرْه، وعلى الإقْرارِ بالرَّجعةِ إنْ لَمْ يَشْهَدْ على إنْشَائِها, ولا سِيَّما فِي العِدَّةِ. * * * وصَريحُها: "راجَعْتُكِ" أو: "ارتجعتُكِ" وأَلْحقَ به جَمْعٌ: "رجعتُها" أو:

стр. 1173

"رجعتُكِ" (١) وعليه المتأخِّرونَ، ولَمْ يَذكُرْه الشافعي فِي "الأم" ولا فِي "المختصر" ويَنبغِي أَنْ يُلحَقَ بـ "رددْتُها" (٢). ويُستحَبُّ فيما سَبقَ أَنْ يَقولَ: "إلى" أو: "إلى نِكاحِي" (٣). و"أمْسكتُها": صَريحٌ على النَّصِّ. وقال العراقيونَ: هو كِنايةٌ لا تَصِحُّ الرَّجعةُ به وإن نَوى؛ لأنَّهم لا يصحِّحونَ الرَّجعةَ بالكنايةِ مَعَ النِّيةِ، ومَن نَقلَ فيه وَجهًا أنه لَيْسَ بِصَريحٍ ولَا كِنايةٍ فليس بِصحيحٍ، ولا يحتاجُ فيه أَنْ يَقولَ: "إليَّ" أو: "إلى نكاحِي" على المُعتمَدِ (٤). وصَريحُ الرَّجعةِ مُنحصِرةٌ فِي هذِه الثَّلاثةِ (٥).

стр. 1174

وتَصِحُّ بالعَجَميةِ وإنْ أحْسَنَ العَربيةَ، وتَصِحُّ بالكِنايةِ (١)، والكِنايةُ معَ النِّيةِ فيهِما كما سَبقَ، وهذا عند المَراوزةِ، وهو أقْيَسُ وأرْجَحُ، وليس الخِلافُ فيه مَبْنيًّا على الإشْهادِ لِمَا سَبقَ عَنِ العِراقيِّينَ، والبِناءُ المَذكورُ غيرُ مُستقيمٍ. ولا تَصحُّ الرَّجعةُ بـ "نكحتُها" ولا "تزوجتُها" ولو كان فِي صُورةِ العَقدِ؛ لأنَّه غَيرُ مَشروعٍ هُنا؛ ولأنَّه تَحصيلُ الحاصلِ، خِلافًا لِمَنْ أجَازَ ذلك (٢). * * * ومِنَ الكِنايةِ: "رفعتُ التحريمَ" و"أعدتُ الحِلَّ". وإشارَةُ الأخْرسِ كعِبارةِ الناطِقِ، فإنْ كانَتْ مُفهِمةً إفهامًا ظاهرًا صَحَّتْ بها الرَّجعةُ، وإنْ لَم يُفهِمْهَا ظاهرًا صَحَّتْ بِها الرَّجعةُ، وإنْ لَم يَفْهَمْهَا إلا الفَطِنُ صُحَّتْ بِها عند المَرَاوِزَةِ مَع النِّيةِ. وكذا بالكَتْبِ؛ نَصَّ عليه فِي "الأُمِّ" (٣)، وهو شَاهدٌ لِطَريقةِ (٤) المَراوِزَةِ إلا

стр. 1175

أَنْ يُحمَلَ على أنَّ الكَتْبَ صَريحٌ فِي حَقِّ الأخْرسِ. وفِي "الأُمِّ" (١) فِي "رددتُها إليَّ" تَفريعٌ على أنَّه كِنايةٌ أنَّه يَصحُّ بالنِّيةِ، وهذا تَصريحٌ بمَا قالَه المَراوِزةُ (٢). * * * ولا تَحصُلُ الرَّجعةُ بفعْلٍ: مِنْ وَطْءٍ، وتَقْبيلٍ، وغيرِهما، وإنْ نَوى بذلك الرَّجعةَ على النَّصِّ المُعتمَدِ (٣).

стр. 1176

وهذا فِي غَيرِ رَجعةِ الكُفارِ. . قلتُه تَخريجًا. ووطؤُها حَرامٌ وسَائرُ الاستِمتاعاتِ، ويعزَّرُ العالِمُ بالتَّحريمِ ولابدَّ، ويَجِبُ المَهْرُ وإنْ رَاجعَها على ظاهِرِ النَّصِّ (١). وإنْ وَطِئَ مِرارًا لَمْ يَجبْ إلا مهرٌ واحدٌ. . قلتُهُ تخريجًا. * * * * ضابطٌ: للرَّجعيَّةِ حُكمُ الزَّوجةِ فِي مَواضعَ قَطْعًا، [وحُكمُ البائِنِ فِي مَواضِعَ قَطْعًا، وفِي مَواضِعَ خلافٌ والأصحُّ كالأوَّلِ] (٢)، وفِي مَواضعَ خِلافٌ والأصحُّ كالثانِي. * فالأوَّلُ: اشْتَهرَ عنِ الشافعيِّ ﵁: الرجعيَّةُ زوجةٌ فِي خَمسِ آياتٍ مِن كِتابِ اللَّه تعالى. قالوا: أَرادَ بِها آياتِ الطَّلَاقِ والظِّهارِ واللِّعانِ والإيلاءِ والميراثِ. وكُنْتُ قَديمًا ذَكرْتُ أنَّ الرجعيةَ زوجةٌ فِي إحدى عَشرةَ: هذِه الخَمْسُ.

стр. 1177

- وآيةُ عِدَّةِ الوَفاةِ. - وآيةُ ﴿وَرُبَاعَ﴾ فإنَّ الرجعيةَ محسُوبةٌ مِنهنَّ. - وآيةُ ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾. - ثمَّ وَجدتُ فِي "الأُمِّ" ما يُفهِمُ السابعةَ والثامنةَ والتاسعةَ والعاشرةَ والحاديةَ عشرَ دُخُولُها فِي آيةِ النَّفقةِ على الزَّوجات، وآية كسوتهن وآية سكناهن. الثانيةَ عشرةَ: أنَّ الآيةَ المُثبِتةَ لِلْوليِّ شركاء (١) فِي تَزويجِ ولِيَّتِه تقْتضِي أنه لا مَدخلَ للوَليِّ فِي رَجْعتِها لِأنَّها زَوْجةٌ. الثالثةَ عشرَ: الآيةُ التي فيها اعْتِبارُ رِضى مَنْ يَعقِدُ علَيها تَدلُّ على أنَّ الرَّجعيةَ زَوجُةٌ إذْ لا يُعتبَرُ رِضاهَا. الرابعةَ عشرَ: قولُه تعالى: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ هو تَدلُّ على أنَّ الرَّجعيةَ مَنْكوحةٌ لِعدَمِ اعْتِبارِ الإِذْنِ مِن أهْلِها اتفاقًا حُرَّةً كانَتْ أوْ أمَةً. الخامسةَ عشرةَ: قولُه تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ فيمَنْ (٢) يَبتغِيها للتَّزويجِ، وذلك فِي غَيرِ الرَّجعيةِ إذْ لا مَدخلَ لِلْمالِ فِي الرَّجعيةِ. السادسةَ عشرةَ: قولُه تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ إلى قولِه: ﴿وَإِمَائِكُمْ﴾ وليس للسيِّدِ مَدخلٌ فِي رَجْعَتِها؛ لأنَّها مَنكوحةٌ، والمُرادُ مِن تَناوُلِ الآياتِ المذكورةِ لها إمَّا بِطريقِ العُمومِ أو بِطَريقِ المَفهومِ.

стр. 1178

والمَواضعُ السبعةُ فِي الجُزءِ السابعِ مِن الأُمِّ مِن تَجزِئةِ ثَمانيةِ أجْزاءِ فِي تَرجمةِ الخِلافِ فِي هذا البابِ، وأَشارَ إلى البابِ، وهو بابُ ما جاءَ فِي عَدَدِ ما تَحِلُّ به الحَرائرُ والإماءُ، وما تَحِلُّ به الفُروجُ. * * * وجعلَ الشافعيُّ آيتَيِ المَواريثِ واحدةً، وهي مُشتملةٌ على أربعةِ أحْكامِ، وكذلك آيَةُ الإيلاءِ مُشتملةٌ على أحْكامٍ، وكذلك آيَةُ الظِّهارِ مشتمِلةٌ على أَحكامٍ وتَسمياتٍ، وكذلك آيةُ اللِّعانِ والقَذفِ مُشتمِلةٌ على أَحكامٍ وضَمائرَ، فلَو نَظرَ إلى ذلك لَكثَرَ العَددُ وفِي قولِه: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ ممَّا يَظهرُ منه عَدُّها فيما نَحنُ فيه، ومنه أنه لا يُحدُّ بِوَطئِها مع العِلْمِ بالتَّحريمِ بِخلافِ البَائنِ. * وأمَّا الثانِي: وهو أنَّ لها حُكمَ البائنِ قَطْعًا: فمِنه تَحريمُ وَطْئِها والاستمتاعِ بها، والنَّظرِ إليها بِشَهْوةٍ ونحوِ ذلك. * وأمَّا الثالثُ: فمِنه صحةُ خُلْعِها على الأظْهَرِ، ومِثلُه يأتي فِي الوَصيةِ والوَقفِ قلتُه تَخْريجًا، وعدمُ وجوبِ الإشهادِ على الرَّجعةِ [على الأظْهَرِ] (١)، وفي (٢) خِطْبتِها ما تَقدَّمَ * وأما الرابعُ: فمثالُهُ عزيزٌ، ووجدتُ فيه (٣) بعد التفكُّرِ، ما إذا قال

стр. 1179

للرَّجعيةِ: "أنتِ عليَّ حَرامٌ" فإنَّ الأصحَّ، أنَّه لا تَجِبُ علَيْها كفَّارةٌ كالبَائِنِ. وأمَّا احتسابُ أكثرِ مُدةِ الحَمْلِ ففِي البائِنِ يُحتَسبُ مِن حِينِ الطَّلَاقِ، وفيه تَعَقُّبٌ يأتي فِي العِدَّةِ وفِي الرَّجعيةِ قَولانِ، أصَحُّهما كالبَائنِ. وما استُنْبِطَ مِنَ الأحْكامِ مِن أنَّ الطَّلَاقَ الرَّجْعيَّ هلْ يَقطَعُ النِّكاحَ، ويُزيلُ المِلْكَ أمْ لا أم يكونُ (١) مَوقُوفًا كلامٌ مَردودٌ، لِعدَمِ تَوارُدِهما على مَحَلٍّ واحدٍ. * * * وللاختلافِ (٢) بيْنَ المُطلَّقةِ والزَّوجِ صُوَرٌ واختلافٌ لَنا فيه تعقُّبٌ، فنقولُ: إنِ اختلفَا والعِدةُ باقِيَةٌ باتفاقِهِما فالقولُ قولُهُ (٣)، زادَ المَاورْديُّ: "بِلَا يَمينٍ" إلا أَنْ يُريدَ بذلك إسقاطَ حقٍّ لها بأنْ وَطِئَها فطَالبَتْه بِمَهْرِ المِثْلِ، فيدفعُه (٤) بِدَعْوى الرَّجعةِ، فيكونُ إنشاءً للرَّجعةِ. والتَّحقيقُ أنَّه لا يكونُ إنشاءً للرَّجعةِ لِتَنَافِي الإنشاءِ والإخْبارِ، فعَلَى هذا يَحتاجُ (٥) إلى اليَمينِ، والاحتياطُ أَنْ يُنشئَ الرَّجعةَ. ولو قال "راجعتُكِ اليَومَ"، فقالتْ: "انقضَتْ عِدَّتي قَبْلَ رَجعتِكَ" صُدِّقَتْ هِيَ، نصَّ علَيهِ.

стр. 1180

قالَ الأصحابُ: المرادُ إذا اتَّصلَ كلامُها بِكلَامِه قالوا: قولُه "راجعتُ" إنشاءٌ، وقولُها "انقضَتْ عِدَّتي" إخبارٌ، فيكونُ الإنشاءُ (١) سابقًا على قولِها، كذا فِي "الروضة" (٢) تَبَعًا للشرحِ. وهُو متعقَّبٌ مِن جِهَةِ أنَّ النَّصَّ بتَصْديقِها لَمْ يُقيِّدْه الشافعيُّ بالاتِّصالِ المَذكورِ الذي لا مَعنى له، ولا شَاهِدٌ يَشهَدُ له، والصوابُ: أنَّ القولَ قولُ الزَّوجةِ بِيَمينِها فِي هذِه الصُّورةِ مِنْ غَيرِ تَقْييدٍ بالاتِّصالِ. وما اعتُرِضَ به مِن أنَّه لَمْ يُوجَدْ مَع واحدٍ منهُما دَعْوى انقِضاءِ العِدَّةِ حتى حَصَلتِ الرَّجعةُ باتَفاقِهما فيَنبغِي أَنْ يُصدَّقَ الرَّجلُ مَمْنوعٌ إذْ لا أصْلَ هُنا يُستصحَبُ اتَّفقَا (٣) عليه، والرجلُ يُريدُ إثباتَ سَلْطَنةٍ لَه علَيْها (٤)، وهِيَ تُنكِرُها، والأصلُ عدَمُها. وهذا مستمَدٌّ ممَّا لَو اختلَفَ الزَّوجانِ الوثَنيَّانِ المُسلِمانِ قَبْلَ الدُّخولِ فقال الزَّوجُ: "أسْلَمْنَا مَعًا"، فالنِّكاحُ بَاقٍ (٥)، وقالتِ الزَّوجةُ: "بَلْ أَسْلَمْنا على التَّرتِيبِ"، فإنَّ الأصحَّ أنَّ القولَ قولُ الزَّوجةِ خِلافًا لِمَا صحَّحه فِي "المنهاجِ" (٦) فِي الدَّعوى والبيِّناتِ؛ لأنَّ الزَّوجَ يُريدُ إثْباتَ سَلْطَنةٍ له (٧)

стр. 1181

علَيْها، والأصلُ عَدمُها، وظَهَرَ بِذلك التَّعقُّبُ على ما حُكيَ عنِ الأصْحابِ. ويتخرَّجُ فِي الصُّورةِ قَولٌ بِتَصديقِ الزَّوجِ، والأصحُّ الأوَّلُ. وإنِ اختلفَا والعدَّةُ مُنقضِيَةٌ باتفاقِهِما فقالَ الزَّوجُ: "راجَعْتُك فِي العِدَّةِ" فأنْكرَتْ هِيَ، فالقولُ قولُها. نصَّ عليه فِي "الأُمِّ" (١) و"مختصر المُزني" (٢) وللزَّوج تَحْليفُها. وما نصَّ عليه الشافعيُّ هو المُعتمَدُ فِي الفَتوى. وأمَّا مَا صحَّحه فِي "الروضة" (٣) تَبَعًا للشرحِ، وفِي "المنهاج" (٤) تَبَعًا للْمُحررِ (٥): مِن أنَّ القولَ قولُ السابقِ بالدَّعوَى، فهُوَ كلامٌ لا أصْلَ لَه، ولَمْ يَذكرِ الشافعيُّ هذا فِي شَيْءٍ مِن كُتُبِه، وليس فِي الكِتابِ ولا فِي السُّنةِ ما يَشهَدُ بتَصديقِ السابقِ بالدَّعوَى. وعلى هذا الطَّريقِ الضَّعيفِ إنِ ادَّعيَا مَعًا صُدِّقَتْ. وإنِ اتَّفقَا على وقْتِ الانقِضَاءِ كيَومِ الجُمعةِ، وقال: "راجعتُك يَوْمَ الخَميسِ" ففِي "الروضة" (٦): الصحيحُ الذي عليه الجُمهورُ: أنَّ القولَ قولُ الزَّوجةِ بِيَمينِها، وهذا مُستقيمٌ.

стр. 1182

وإنِ اتَّفقَا على أنَّ الرَّجعةَ يَومَ الجُمعةِ وقالت: "انْقضَتْ عِدَّتِي يَومَ الخَميسِ" وقال هو: "بَلْ يَومَ (١) السبْتِ" فصحَّحُوا أنه المُصَدَّقُ. ولَمْ يَذكرِ الشافعيُّ فِي صُورةٍ مِن صُوَرِ الاخْتلافِ بعْدَ انقِضاءِ العِدَّةِ أنَّ القَوْلَ قَوْلُ الزَّوجِ، وإنَّما جَعلَ القولَ قولَه قَبْلَ انقِضاءِ العِدَّةِ. * * * فإنْ قيلَ: فِي الصُّورةِ المَذكورةِ مَعَ الزَّوجِ أصْلٌ مُستصْحَبٌ وهو بَقاءُ العِدَّةِ. قلنا: إنما يَنفعُ (٢) ذلك إذا كانتِ العِدَّةُ بَاقيةً، والترجمةُ فِي "الأُمِّ" تَشهَدُ بذلك. وإن كانَ الاختلافُ بعْدَ أَنْ تَزوَّجتْ، فجاءَ الأوَّلُ وادَّعى الرَّجعةَ فِي العِدَّةِ: فإنْ أقامَ بيِّنةً فهِيَ زَوجتُه، وإنْ أقرَّتْ هِيَ بالرَّجعةِ لم يُقبَلْ إقرارُها على الثاني، بِخِلافِ ما لو ادَّعى على امرأةٍ تَحْتَ رَجُلٍ أنَّها زَوجتُه، فقالتْ: "كنتُ زوجتَك فطلَّقْتَني" فإنَّها تكون مُقرَّة له، وتُجعَلُ زَوجتَه (٣)، والقولُ قولُه فِي أنَّه لمْ يطلِّقْها، كذا فِي "الروضة" (٤) تَبَعًا للشرحِ.

стр. 1183

ومحلُّ ما ذكرَاه فيما (١) إذا لَمْ تُقِرَّ المَرأةُ بالنِّكاحِ لِمَنْ هِيَ تَحْتَه، فإنْ كانَتْ قدْ أقرَّتْ بِذلكَ فلا تُجْعلُ زَوجةً لِلْأوَّلِ، وتَستمِرُّ لِمَنْ هِي تحتَه. وفِي الصُّورِ كلِّها لا فرْقَ بيْنَ الزَّوجةِ الحُرةِ والأَمةِ؛ خِلافًا للْمُتولِّي والشَّاشِي فِي قولهما: "إن القولَ قولُ السيد" حيث كان القولُ قولَ الحرَّة. وفِي "زيادات الروضة" (٢): هُو قَويٌّ. وليس كذلك، بلْ هو ضَعيفٌ، وخِلافُ نَصِّ الشَّافعيِّ (٣)، وهو قولُه: "وَهَكَذَا لَوْ كَانَتْ زَوْجَتُهُ أَمَةً فَصدَّقَتْهُ (٤)، كَانَتْ كَالْحُرَّةِ فِي جَمِيعِ أَمْرِهَا، وَلَوْ كَذَّبَهُ مَوْلَاهَا لَمْ أَقْبَلْ قَوْلَهُ، لِأَنَّ التَّحْلِيلَ بِالرَّجْعَةِ وَالتَّحْرِيمَ بِالطَّلَاق فِيهَا وَلَهَا". نصَّ على ذلك فِي "مختصر البويطي". وحيثُ صدَّقْنا الزَّوجةَ فِي إنْكارِها فرجَعتْ عنِ الإنْكارِ صُدِّقَتْ. وكذلك لَوْ أنْكَرتْ إذنَها فِي النِّكاحِ وهي ممَّنْ يُعتبَرُ إذنُها، ثمَّ رَجَعَتْ، عند الغزَّاليِّ ونقلَ عنِ النَّصِّ أنَّه لا يُقبَلُ رُجوعُها، وهُو المُعتمَدُ. وأمَّا (٥) لو أقرَّتْ بنَسبٍ أو رَضاعٍ مُحرَّمٍ ثمَّ رَجعتْ، فإنَّه لا يُقبَلُ منها

стр. 1184

ذلك؛ لانتِشارِ الحُرمةِ. ولو ادَّعتْ أنه طلَّقَها ثلاثًا ثُمَّ رَجعَتْ، فقلَّ مَنْ ذَكَرَ هذِه المسألةَ، وهي محتمِلَةٌ، والأرْجحُ قَبولُ رُجوعِها؛ لأنَّ المرأةَ قدْ تَنسِبُ ذلك لِزَوجِها مِنْ غَيرِ تَحقيقٍ. ولَو طَلَّقَ الرَّجلُ زَوجتَه، ثُمَّ قال: "طلقتُكِ بعد الدُّخولِ، فلِيَ رَجعةٌ (١) "، فأنكرتْ ذلك، فالقولُ قولُها بِيَمِينِها على النَّصِّ فِي الجَديدِ (٢). ولَو أتتْ بِوَلدٍ يُمكِنُ أن يكونَ منه، ولَمْ ينفِه باللِّعانِ، فإنَّ القولَ قولُهُ حينئِذٍ، قلتُهُ تخْريجًا ممَّا ذَكرُوه فِي عكسِهَا. وحيثُ لَمْ يَكنِ القولُ قولَها، فإنْ لَمْ تَكنْ قَبَضتِ المهرَ فليس لها أَنْ تُطالِبَ إلا بالنِّصفِ، ولو كانتْ قد قَبضَتِ المهرَ لَمْ يَرجِعْ علَيها بِشَيْءٍ. كذا قالُوه، ولَمْ يُخرِّجوه على الخلافِ فيمَنْ أقرَّ لإنسانٍ بشَيءٍ فكذَّبه المُقَرُّ له، وللتخريجِ وجْهٌ قويٌّ. وفِي "الروضة" (٣) تَبَعًا للشَّرحِ أن فِي "شرح المفتاح" لأبِي مَنصورٍ البَغداديِّ: "أَنَّهُ لَوْ كَانَتْ قَبَضَتِ الْمَهْرَ وَهُوَ عَيْنٌ، وَامْتَنَعَ الزَّوْجُ مِنْ قَبُولِ

стр. 1185

النِّصْفِ، فَيُقَالُ (١) لَهُ: إِمَّا أَنْ تَقْبَلَ النِّصْفَ، وَإِمَّا أَنْ تُبْرِئَهَا مِنْهُ (٢)، وَلَوْ كَانَتِ الْعَيْنُ الْمُصدَّقَةُ فِي يَدِهِ، وَامْتَنَعَتْ مِنْ أَخْذِ الْجَمِيعِ، أَخَذَهُ الْحَاكِمُ، وَإِنْ كَانَ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ، قَالَ لَهَا: إِمَّا أَنْ تُبْرِئِيهِ، وَإِمَّا أَنْ تَقْبَلِيهِ" (٣). وهو كلامٌ معقَّبٌ مِن جِهَةِ أنَّ الإبْراءَ مِن الأعيانِ لا يَصِحُّ، وإنَّما يَصِحُّ التمليكُ بالاخْتِيارِ، وأخْذُ الحاكمِ ضعيفٌ، وفِي هذا الكلامِ التفاتٌ إلى شَيْءٍ مما أَشَرْنَا إليه (٤) في التَّخريجِ، واللَّهُ أعلمُ. * * *

стр. 1186

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كتاب الإيلاء (١) أصْلُهُ قولُه تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ الآيتَينِ. ولا يُذكَرُ هُنا أنَّ النبي ﷺ آلَى مِنْ نِسائِه شَهْرًا، فذلكَ الإيلاءُ ليس هو المَعقودَ له البابُ؛ لأنَّ المَعقودَ له البابُ حَرامٌ يَأْثمُ به مَنْ عَلِمَ حالَه، وذلك (٢) لا يَجوزُ فِي حقِّ النبيِّ ﷺ ، والصادِرُ منه ﵊ الحَلِفُ على مُجرَّدِ الامتِناعِ مِنَ الدُّخولِ علَيْهِنَّ شهْرًا، وذلك جَائزٌ. * * * وهو لُغةً: الحَلِفُ، يُقَالُ، آلَى يُولِي إيلاءً، وتَأَلَّى تأليًا، والأَلِيَّةُ اليَمينُ،

стр. 1187

والجَمعُ: أَلايَا، كعَطيةٍ وعطايَا (١) * * * وشَرْعًا: الحَلِفُ (٢) المُنعقِدُ أو ما نُزلَ مَنْزِلتَهُ مِنَ الزَّوجِ المُكلَّفِ المُتَمَكِّنِ مِن الوَطءِ المُقتضِي لامْتِناعِه مِن وَطءِ زَوْجتِهِ المُمْكِنِ وَطْؤُها حسًّا وشرْعًا فِي قُبُلِها أوْ مُطلَقًا امتِناعًا مُطْلَقًا أو مُقيَّدًا بما فَوقَ أرْبعةِ أشْهُرٍ بزَمانٍ يُمْكنُ الوَقفُ فيه أو بِغايةٍ كذلك (٣) بِحَيثُ يُمْكنُ استِمرارُ الزَّوجيةِ إلى ذلكَ الزَّمانِ. ولا بُدَّ مِن اتحادِ الحَلِفِ، وشَملَ الحَلِفَ باللَّه تعالى، وكذا ما عُلِّقَ به مِن طلاقٍ أو عِتْقٍ أو نَذْرِ لَجَاجٍ، أو نحو ذلك على الجَديدِ. * * * وأدخَلْنا بقَوْلِنا: "أوْ ما نُزل منزِلتَه": قولُه: "أنتِ علىَّ كظَهْرِ أُمِّي خَمسةَ أشْهُرٍ" مَثَلًا، فإنَّه إيلاءٌ, وليس بِحَلِفٍ، ولو قال: "إذا وَطِئتُكِ فأنْتِ عليَّ حَرامٌ"، أو "فأنْتِ عليَّ كظَهْرِ أُمِّي" كان مُولِيًا. وهذا يُمكنُ أن يَدخُلَ فِي الحَلِفِ. وخَرجَ بالمُتمكِّنِ مِنَ الوَطْءِ مَجبوبُ جَميعِ الذَّكَرِ أو بعضِه بِحيثُ لَمْ يَبْقَ مِنه مِقدارُ الحَشَفةِ، فإنه لا يَصحُّ إيلاؤُه على أظْهَرِ القَولَيْنِ. وكذلك مَن شُلَّ ذَكَرُهُ بِحَيثُ لا يُرجى زوالُه، أمَّا إذا كان مَرجوَّ الزَّوالِ

стр. 1188

فيصحُّ إيلاؤُه كالعِنِّينِ (١) (٢). * * * وقولُنا: "المُمْكِنِ وَطؤُها حِسًّا أو شَرْعًا": يَخرُجُ بالحِسِّ [على ما ذكروه] (٣) الرَّتْقاءُ والقَرْناءُ، فقدْ صحَّحَ جَمْعٌ أنه لا يَصِحُّ الإيلاءُ منهُما كالمَجبوبِ (٤)، ولا نصَّ للشافعيِّ فِي ذلك (٥)، ولَمْ يَذكُرْه (٦) القُدماءُ مِنْ أصحابِه. والمُعتمَدُ صِحَّةُ الإيلاءِ منهُما لإمْكانِ زَوالِ المَانعِ، ثم لا نَضربُ المُدَّةَ إلا بعد زَوالِ المَانعِ. وصحَّحوا الإيلاءَ مِنَ الصغيرةِ ولَو بِنتَ يَومٍ. ومَحلُّ صِحَّتِه عندنَا فِي مُطْلقٍ أوْ مُقيَّدٍ يَجيءُ فيه وقْتُ إمْكانِ وَطئِها معَ

стр. 1189

بَقاءِ زِيادةٍ على أرْبعةِ أشهُرٍ، كما تقدَّمَ، ويُمكِنُ أَنْ يُقالَ فِي ابتدائِه إنه مَوقوفٌ. * * * ضابطٌ: لا يُوقَفُ الإيلاءُ إلا فِي مَواضعَ: منها: هذا. ومنها: إيلاءُ المُرتدِّ أوْ مِن المُرتدةِ فِي زَمنِ العِدةِ، ويَجيءُ فِي الإسلامِ نحوُه، وحيثُ توقَّفْنَا فحصَلَتِ (١) البَينونةُ بانَ بُطلانُ الإيلاءِ والحَلِفُ باقٍ. * * * وخرَجَ بقَولِنا: "شرعًا": المُعتدةُ عَن وَطءِ الشُّبهةِ بزمانٍ يتحقَّقُ بَقاؤُه، بحيثُ لا يَبقَى مِن مُدةِ الإيلاءِ فَوقَ أربعةِ أشهُرٍ كما سَبقَ، ولا يخرُجُ بِه المُتحيِّرةُ لإمكانِ شِفائِها, ولا المُحْرِمَةُ ولو مِن بُعْدٍ لإمكانِ تَحلُّلِها. وأما المشرقيُّ يتزوجُ بالمغرِبيةِ ويُولِي منها، فإنه يَصِحُّ إيلاؤُه، وتُضرَبُ له المُدةُ حالًا على الأرْجَحِ، ويُطالبُه وكيلُها عندَ مُضيِّ المُدةِ بالفَيئةِ (٢) باللِّسانِ، وفِي نَصٍّ للشافعيِّ ما يقتضِيه. وقولُنا: "أو مُقيَّدًا بما فَوقَ أربعةِ أشهُرٍ بِزمانٍ يُمكِنُ الوَقْفُ فيه": هو مُقتضَى نَصِّ الشافعيِّ وكَلامِ الأصْحابِ، خِلافًا للإمامِ فِي اكتِفائِه بلَحظةٍ.

стр. 1190

وقولُنا: "بغايةٍ كذلك" يَدخلُ فيه ما إذَا قالَ: واللَّهِ لا أَطؤُكِ حتى تَحمِلي الحَبلَ، أو: تَحبَلِي وتَلِدِي فِي يَومٍ واحدٍ، ونحوُ ذلك ممَّا يُنَزَّلُ مَنزِلةَ المُطلَقِ، ويَدخلُ فيه قولُه: واللَّهِ لا أطؤكِ حتى يَنزِلَ عيسى ابنُ مريمَ ﷺ ، ونحوُ ذلك، أو: حتى يَموتَ زَيدٌ، فإنه مُولٍ؛ لأنَّه يُنَزَّلُ مَنزِلةَ الزَّائدِ على أرْبعةِ أشْهُرٍ (١). وقولُنا: "بِحيْثُ يُمْكنُ استِمرارُ الزَّوجيةِ إلى ذلك الزَّمانِ": يَخرجُ بِه (٢) مَن تَحقَّقَ انقِطاعُ زَوجيَّتِها بِطلاقٍ بائنٍ معلَّقٍ على زَمنٍ يَنقضِي بحيثُ لا تَبقَى مُدَّةُ الضَّربِ فإنه لا (٣) يَنعقِدُ الإيلاءُ حِينئِذٍ، ولَمْ أرَ مَن تعرَّضَ لذلك. واعتِبارُ اتِّحادِ (٤) الحَلِفِ يُخرِجُ ما إذا قال: "واللَّهِ لا وَطِئْتُكِ أرْبعةَ أشْهُرٍ، فإذَا مَضَتْ فواللَّهِ لا أطؤُكِ أرْبعةَ أشهُرٍ أُخرَى"، فإنه لا يَكونُ مُوليًا على الأصحِّ. وفِي المُنَزَّلِ منزِلتُه: "أنتِ عليَّ كظَهْرِ أُمِّي أرْبعةَ أشْهُرٍ، فإذا مَضَتْ فأنْتِ عليَّ كظَهْرِ أُمِّي أرْبعةَ أشْهُرٍ أُخرَى"، فإنَّه لا يكونُ مُوليًا.

стр. 1191

ولو حَلَفَ فِي آخِرِ يَومٍ مِن الشَّهرِ على أن لا يَطأَها أربعةَ أشهرٍ وقَفَتْ معرفةُ الإيلاءِ لا الإيلاءُ، فإذا جاءَتْ أرْبعةُ أشْهُرٍ بالأَهلةِ بِطُلوعِ الهِلالِ فِي أثْناءِ النَّهارِ التاسِعِ والعِشرينَ وُقِفَ هو. ومَن قال: "لا أَطؤُها مِائةً وعِشرينَ يَومًا" وتَبيَّنَ بِالهِلالِ نُقصَانُ الشَّهرِ الأوَّلِ فقَدْ عُرِفَ أنَّه مُولٍ، وتُوُقِّفَ فِي وَقتِه (١)، ولَمْ أرَ مَن تعرَّضَ لِشيْءٍ مِن ذلك. * * * والمحلوفُ علَيه له صَريحٌ وله كِنايةٌ: فمِن الصريحِ (٢): " لا أُغَيِّبُ" أو "لا أُولِجُ" أو "لا أُدْخِلَ حَشَفتِي فِي قُبلِكِ"، أو "فِي فَرْجِكِ"، أو "لا أُجامِعُكِ بذَكَرِي" أو "لَا أَطَؤُكِ بذَكَرِي". ولِلْبِكرِ: "لا أفتضُّكِ بذَكِرِي"، وما كان مِن نَيْكٍ. وقالوا: لا يُدَيَّنُ فيما ذُكِرَ، وهو خلافُ مُقتضَى نَصِّ "الأمِّ" (٣). والمعتمدُ أنه يُدَيَّنُ حيثُ ذَكَرَ ما لا (٤) يُنافِيه اللفظُ بل أقبله ظاهرًا فيما يرجع إلى تَخصيصِ عُمومٍ كما فِي "لا أطؤُكِ بذَكَرِي"، وقالَ: "أردْتُ فِي الدُّبُرِ" وديَّنوه فِي "لا أطؤُكِ ولا أُجامِعُكِ".

стр. 1192

ومِن الكِنايةِ (١): " لا أُباضِعُكِ" و"لا أُباشِرُكِ" و"لا أَمَسُّكِ" و"لا أَغْشاكِ"، و"لا أَقْربُكِ"، "لا تَجمعُ رَأسِي ورَأسَكِ وِسادةٌ"، ولا يكونُ مُوليًا فيها إلا بِنيةِ الوَطءِ (٢). ونحوه: "ولأبعُدَنَّ عنْكِ" أو "لَتَطُولَنَّ غَيبَتِي عَنْكِ"، كِنايةً فِي الجِماعِ، والمُدَّةِ. ولِزَوجاتِه: "واللَّهِ لا أَطؤُكُنَّ" ولَمْ يُرِدْ كُلَّ واحدةٍ، فليس بِمُولٍ فِي الحالِ مِن (٣) الجميعِ (٤) , ولا مِن واحدةٍ بِعَينِها. فإذا وطِئَهُنَّ إلا واحدةً تعيَّنَتْ لِلْإيلاءِ، وهذا وَقْفُ (٥) التَّعيينِ لا وَقْفَ (٦) الإيلاءَ، وإنْ أَرادَ كُلَّ وَاحدةٍ أوْ صَرَّحَ به فمُولٍ مِن كُلِّ واحدةٍ. فإنْ وَطِئَ واحدةً مِنهُنَّ انحلَّتِ اليمينُ والإيلاءُ فيمَنْ لَمْ يَطأْ؛ على ما

стр. 1193

صحَّحُوه، وهو مقيَّدٌ بما إذَا وَطِئَ مُختارًا ذاكرًا حَلِفَه، وأنْ يكونَ الحَلِفُ (١) باللَّهِ تعالى، فلَو كان بِطلاقٍ أوْ بِعِتقٍ فلا انحِلالَ. وحيثُ انحلَّتِ اليَمينُ ارْتفَعَ الإيلاءُ كما إذا زَالَ مِلْكُه عنِ العَبدِ المَنذورِ عِتْقُه أوِ المُعلَّقِ عِتْقُه على وَطْئِها، وبَينُونةُ الضَّرَّةِ في "إنْ وطِئْتُكِ فَضَرَّتُكِ طَالقٌ" (٢). * * * * وقدْ يَنحلُّ الإيلاءُ ويَبْقى اليَمينُ (٣) في مَواضِعَ: منها: بَينونةُ المُولِي منها، ولا يَعودُ بِعَودِها على ما صحَّحُوه. ومنها: وَطْءُ المُولِي منها مُكرَهًا أو مجنونًا، أو استدخَلَتْ ذَكَرَه حيثُ لا حِنْثَ. ويُمْهَلُ المُولِي أرْبعةَ أَشهُرٍ مِن الإيلاءِ في حَقِّ مَن يَتمكَّنُ مِنْ وَطْئِها حسًّا وشَرعًا كما سَبقَ، ولا يُحتاجُ إلى ضَربِ القَاضِي، وتُحسَبُ هذِه المُدةُ في الرَّجعيةِ مِن رَجعَتِها، وفِي الرِّدةِ مِن الإسْلامِ.

стр. 1194

ولَو طَلَّقَ المُولِي منها رَجْعيًّا انقطَعتِ المُدَّةُ، وإنْ رَاجَعَها استؤنِفَتِ المُدَّةُ، وكذلك في الإسلامِ مِن الرِّدةِ حَيثُ لَمْ يَرتفِعِ النِّكاحُ. وأمَّا الرِّدةُ بعد المُدَّةِ إذا حَصلَ العَوْدُ إلى الإسْلامِ فلا تُستأنَفُ المُدَّةُ، ويُلزَمُ بِالفَيئةِ حَالًا على نَصِّ الإمامِ، وهو المُعتمَدُ، خِلافًا لِمَا جَزمَ به في "الروضة" (١) تَبَعًا للشَّرحِ. ولَو طَلَّقَ رَجْعيًّا ثم رَاجَعَها فإنَّ المُدةَ تُستأنَفُ، لأن الطَّلَاقَ أَحدُ المَقصودَينِ بعد المُدةِ. وما يُوجَدُ في المُدةِ مِن مَانعِ وَطْءٍ مِن غَيرِ إخلالِه بالنِّكاحِ، إن كانَ بالزَّوجِ لَمْ يَمنعْ مِنِ (٢) احتِسابِها فيُحتَسبُ (٣) مَعَ جَبٍّ طَارئٍ وفَيئةٍ باللِّسانِ، وتُنتظَرُ إفاقتُه للطَّلبِ، ومرضُهُ وإحرامُهُ وصَومُهُ. وإنْ كان بالزَّوجةِ حِسيٌّ قَطَعَ المُدةَ، أو شَرْعِي كذلك إلا الحَيضَ والنفاسَ. وما قَطَعَ في (٤) المُدةِ يَستأنِفُها بعد زَوالِه. وإذا انقَضتْ فالطَّلبُ للزَّوجةِ البالغةِ العاقِلةِ لا للْوليِّ، ولا لِمالكِ الأَمَةِ، ولو تَركَتْ حَقَّها لَمْ يَمنعْها ذلك مِن الطلبِ، ويُوجَّهُ الطَّلبُ للفَيئةِ (٥)،

стр. 1195

وإنما يُطالَبُ بالفَيئةِ (١) إذا لَمْ يَكنْ بها مانع مِنْ مَرَضٍ، وحَيضٍ ونَحوِها. وإن كانَ به وهو طَبعيٌّ فأمَّا للسانِ بأن يقولَ: "إذَا قَدَرْتُ فِئْتُ". واعتَبرَ الشيخُ أبو حامدٍ مع ذلك أن يقولَ: "نَدِمتُ على ما فعلتُ". ولا يُمْهَلُ للفَيئةِ باللِّسانِ. وفِي الشرعيِّ: كصَومِه وإحْرامِه يُطالَبُ بالطَّلَاقِ [على الأصحِّ. فإنْ وَطِئَ عاصيًا سَقطتِ المطالبةُ. وحيثُ لا مانِعَ به ولا بها، فاستَمْهَلَ للفَيئةِ أُمْهِلَ، وإن أبَى الفَيئةَ طُولِبَ بالطَّلَاقِ] (٢)، فإنْ أبَى طَلَّقَ القَاضي عليه، ولَو بغَيبتِهِ واحدةً، ويَقعُ (٣) رَجعيًّا بشَرْطِه، فإنْ رَاجعَها استُؤنِفَتِ المُدةُ كما سبَقَ. وإذا وَطِئَ بعْدَ الطَّلبِ أو قبْلَه جَائيًا لَزِمَه كفَّارةُ يَمينٍ إذا كان الحَلِفُ بالله، ولَو تَعدَّدَ الحَلِفُ ولو بقَصْدِ الاستِئنافِ على المُعتَمَدِ، وكذلك في غَيرِ الإيلاءِ (٤). * * *
следующие страницы →