← Фикх шафии

Фикх шафии · id 19230

التدريب في الفقه الشافعي

سراج الدين البلقيني

Полный текст (1 801 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

ولو حَلَفَ فِي آخِرِ يَومٍ مِن الشَّهرِ على أن لا يَطأَها أربعةَ أشهرٍ وقَفَتْ معرفةُ الإيلاءِ لا الإيلاءُ، فإذا جاءَتْ أرْبعةُ أشْهُرٍ بالأَهلةِ بِطُلوعِ الهِلالِ فِي أثْناءِ النَّهارِ التاسِعِ والعِشرينَ وُقِفَ هو. ومَن قال: "لا أَطؤُها مِائةً وعِشرينَ يَومًا" وتَبيَّنَ بِالهِلالِ نُقصَانُ الشَّهرِ الأوَّلِ فقَدْ عُرِفَ أنَّه مُولٍ، وتُوُقِّفَ فِي وَقتِه (١)، ولَمْ أرَ مَن تعرَّضَ لِشيْءٍ مِن ذلك. * * * والمحلوفُ علَيه له صَريحٌ وله كِنايةٌ: فمِن الصريحِ (٢): " لا أُغَيِّبُ" أو "لا أُولِجُ" أو "لا أُدْخِلَ حَشَفتِي فِي قُبلِكِ"، أو "فِي فَرْجِكِ"، أو "لا أُجامِعُكِ بذَكَرِي" أو "لَا أَطَؤُكِ بذَكَرِي". ولِلْبِكرِ: "لا أفتضُّكِ بذَكِرِي"، وما كان مِن نَيْكٍ. وقالوا: لا يُدَيَّنُ فيما ذُكِرَ، وهو خلافُ مُقتضَى نَصِّ "الأمِّ" (٣). والمعتمدُ أنه يُدَيَّنُ حيثُ ذَكَرَ ما لا (٤) يُنافِيه اللفظُ بل أقبله ظاهرًا فيما يرجع إلى تَخصيصِ عُمومٍ كما فِي "لا أطؤُكِ بذَكَرِي"، وقالَ: "أردْتُ فِي الدُّبُرِ" وديَّنوه فِي "لا أطؤُكِ ولا أُجامِعُكِ".

стр. 1192

ومِن الكِنايةِ (١): " لا أُباضِعُكِ" و"لا أُباشِرُكِ" و"لا أَمَسُّكِ" و"لا أَغْشاكِ"، و"لا أَقْربُكِ"، "لا تَجمعُ رَأسِي ورَأسَكِ وِسادةٌ"، ولا يكونُ مُوليًا فيها إلا بِنيةِ الوَطءِ (٢). ونحوه: "ولأبعُدَنَّ عنْكِ" أو "لَتَطُولَنَّ غَيبَتِي عَنْكِ"، كِنايةً فِي الجِماعِ، والمُدَّةِ. ولِزَوجاتِه: "واللَّهِ لا أَطؤُكُنَّ" ولَمْ يُرِدْ كُلَّ واحدةٍ، فليس بِمُولٍ فِي الحالِ مِن (٣) الجميعِ (٤) , ولا مِن واحدةٍ بِعَينِها. فإذا وطِئَهُنَّ إلا واحدةً تعيَّنَتْ لِلْإيلاءِ، وهذا وَقْفُ (٥) التَّعيينِ لا وَقْفَ (٦) الإيلاءَ، وإنْ أَرادَ كُلَّ وَاحدةٍ أوْ صَرَّحَ به فمُولٍ مِن كُلِّ واحدةٍ. فإنْ وَطِئَ واحدةً مِنهُنَّ انحلَّتِ اليمينُ والإيلاءُ فيمَنْ لَمْ يَطأْ؛ على ما

стр. 1193

صحَّحُوه، وهو مقيَّدٌ بما إذَا وَطِئَ مُختارًا ذاكرًا حَلِفَه، وأنْ يكونَ الحَلِفُ (١) باللَّهِ تعالى، فلَو كان بِطلاقٍ أوْ بِعِتقٍ فلا انحِلالَ. وحيثُ انحلَّتِ اليَمينُ ارْتفَعَ الإيلاءُ كما إذا زَالَ مِلْكُه عنِ العَبدِ المَنذورِ عِتْقُه أوِ المُعلَّقِ عِتْقُه على وَطْئِها، وبَينُونةُ الضَّرَّةِ في "إنْ وطِئْتُكِ فَضَرَّتُكِ طَالقٌ" (٢). * * * * وقدْ يَنحلُّ الإيلاءُ ويَبْقى اليَمينُ (٣) في مَواضِعَ: منها: بَينونةُ المُولِي منها، ولا يَعودُ بِعَودِها على ما صحَّحُوه. ومنها: وَطْءُ المُولِي منها مُكرَهًا أو مجنونًا، أو استدخَلَتْ ذَكَرَه حيثُ لا حِنْثَ. ويُمْهَلُ المُولِي أرْبعةَ أَشهُرٍ مِن الإيلاءِ في حَقِّ مَن يَتمكَّنُ مِنْ وَطْئِها حسًّا وشَرعًا كما سَبقَ، ولا يُحتاجُ إلى ضَربِ القَاضِي، وتُحسَبُ هذِه المُدةُ في الرَّجعيةِ مِن رَجعَتِها، وفِي الرِّدةِ مِن الإسْلامِ.

стр. 1194

ولَو طَلَّقَ المُولِي منها رَجْعيًّا انقطَعتِ المُدَّةُ، وإنْ رَاجَعَها استؤنِفَتِ المُدَّةُ، وكذلك في الإسلامِ مِن الرِّدةِ حَيثُ لَمْ يَرتفِعِ النِّكاحُ. وأمَّا الرِّدةُ بعد المُدَّةِ إذا حَصلَ العَوْدُ إلى الإسْلامِ فلا تُستأنَفُ المُدَّةُ، ويُلزَمُ بِالفَيئةِ حَالًا على نَصِّ الإمامِ، وهو المُعتمَدُ، خِلافًا لِمَا جَزمَ به في "الروضة" (١) تَبَعًا للشَّرحِ. ولَو طَلَّقَ رَجْعيًّا ثم رَاجَعَها فإنَّ المُدةَ تُستأنَفُ، لأن الطَّلَاقَ أَحدُ المَقصودَينِ بعد المُدةِ. وما يُوجَدُ في المُدةِ مِن مَانعِ وَطْءٍ مِن غَيرِ إخلالِه بالنِّكاحِ، إن كانَ بالزَّوجِ لَمْ يَمنعْ مِنِ (٢) احتِسابِها فيُحتَسبُ (٣) مَعَ جَبٍّ طَارئٍ وفَيئةٍ باللِّسانِ، وتُنتظَرُ إفاقتُه للطَّلبِ، ومرضُهُ وإحرامُهُ وصَومُهُ. وإنْ كان بالزَّوجةِ حِسيٌّ قَطَعَ المُدةَ، أو شَرْعِي كذلك إلا الحَيضَ والنفاسَ. وما قَطَعَ في (٤) المُدةِ يَستأنِفُها بعد زَوالِه. وإذا انقَضتْ فالطَّلبُ للزَّوجةِ البالغةِ العاقِلةِ لا للْوليِّ، ولا لِمالكِ الأَمَةِ، ولو تَركَتْ حَقَّها لَمْ يَمنعْها ذلك مِن الطلبِ، ويُوجَّهُ الطَّلبُ للفَيئةِ (٥)،

стр. 1195

وإنما يُطالَبُ بالفَيئةِ (١) إذا لَمْ يَكنْ بها مانع مِنْ مَرَضٍ، وحَيضٍ ونَحوِها. وإن كانَ به وهو طَبعيٌّ فأمَّا للسانِ بأن يقولَ: "إذَا قَدَرْتُ فِئْتُ". واعتَبرَ الشيخُ أبو حامدٍ مع ذلك أن يقولَ: "نَدِمتُ على ما فعلتُ". ولا يُمْهَلُ للفَيئةِ باللِّسانِ. وفِي الشرعيِّ: كصَومِه وإحْرامِه يُطالَبُ بالطَّلَاقِ [على الأصحِّ. فإنْ وَطِئَ عاصيًا سَقطتِ المطالبةُ. وحيثُ لا مانِعَ به ولا بها، فاستَمْهَلَ للفَيئةِ أُمْهِلَ، وإن أبَى الفَيئةَ طُولِبَ بالطَّلَاقِ] (٢)، فإنْ أبَى طَلَّقَ القَاضي عليه، ولَو بغَيبتِهِ واحدةً، ويَقعُ (٣) رَجعيًّا بشَرْطِه، فإنْ رَاجعَها استُؤنِفَتِ المُدةُ كما سبَقَ. وإذا وَطِئَ بعْدَ الطَّلبِ أو قبْلَه جَائيًا لَزِمَه كفَّارةُ يَمينٍ إذا كان الحَلِفُ بالله، ولَو تَعدَّدَ الحَلِفُ ولو بقَصْدِ الاستِئنافِ على المُعتَمَدِ، وكذلك في غَيرِ الإيلاءِ (٤). * * *

стр. 1196

* ضابطٌ: ليس لنا يَمينٌ باللَّه تعالى يَحنَثُ فيها، ثُم لا تَجِبُ الكفَّارةُ على رأيٍ إلا في الإيلاءِ (١)، وقيل: بإِجرائِه في اليَمينِ المَحضةِ يَمنعُ وَطْءَ الزَّوجةِ، وسببُهُ: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦)﴾. * * *

стр. 1197

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كتاب الظهار أُخِذَ (١) ظَاهَرَ مِنْ لَفظِ الظَّهْرِ (٢) في صِيغتِه، وظاهَرَ هنا لغيرِ (٣) مُفاعَلَة كـ "عاقب" (٤). ومَصدرُ ظَاهَرَ ظِهَارٌ ومُظاهَرةٌ (٥)، ويقالُ: تَظَهَّرَ وتَظَاهَرَ لِغَيرِ معنى تفعَّلَ، وتَفَاعَلَ، ومصدَرُه تَظهُّرٌ وتَظَاهُرٌ.

стр. 1198

وأصلُه قولُه تعالى (١): ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ إلى قولِه: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾. والمرأةُ المُجادِلةُ المُشتكيةُ التي (٢) نزَلَ ذلك بِسَبَبِها خَوْلَةُ -على الصحيحِ- وفِي اسمِها ونَسبِها خلافٌ كثيرٌ، وزوْجُها أَوْسُ بنُ الصامِتِ. وروى يحيى بنُ أبي كَثيرٍ، قال: حدَّثنا أبو سلمةَ ومحمدُ (٣) بنُ عبدِ الرحمنِ بن ثَوبانَ أنَّ سلمةَ بْنَ صَخْرٍ الأنصاريَّ -أَحدُ بَنِي (٤) بَياضةَ- جَعلَ امرأتَه عليه كظَهْرِ أُمِّه حتى يَمضِيَ رَمضانُ، فلمَّا مَضَى نصفُ رَمضانَ وقَع علَيْها ليلًا، فأَتى رسولَ اللَّهِ ﷺ فذَكَرَ ذلك له (٥)، فقال له رسولُ اللَّه ﷺ : "أَعتِقْ رقَبةً"، قال: لا أَجِدُها، قال: "فَصمْ شَهْرَينِ مُتَتابِعَينِ"، قال: لا أسْتَطيعُ، قال: "أطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكينًا" قال: لا أجِدُ، فقال النبيُّ ﷺ لِفَرْوةَ (٦) بنِ عَمرٍو: "أعْطِهِ ذلكَ العَرَقَ" (٧)، وهو مِكْتَلٌ يأخُذُ خَمسةَ عَشرَ صاعًا (٨) إطْعامَ سِتِّينَ مِسكينًا، أخْرجَه الترمذي، وقال: هذا حَديثٌ حَسنٌ، ويقال: سلمانُ بنُ صَخْر (٩).

стр. 1199

وروى عِكرمةُ عنِ ابْنِ عبَّاسٍ ﵄: أنَّ رَجُلًا أتى النبيَّ (١) ﷺ قدْ (٢) ظَاهرَ مِن امرَأتِه فوَقعَ عليها فقال: يا رسولَ اللَّهِ، إني ظَاهرْتُ مِن امرأتِي فوقعْتُ عليها قبْلَ أَنْ أُكفِّرَ، فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "وما حَمَلَكَ عَلَى ذلِكَ يَرْحمُكَ اللَّهُ؟ " قال: رأيتُ خَلْخَالَها في ضَوءِ القَمَرِ، فقال: "لا تَقْربْهَا حتَّى تَفعَلَ ما أَمَرَك اللَّهُ". أخرجَهُ الترمذيُّ، وقال: هذا حديث حَسن صَحيح، وأخرجَه النَّسائيُّ وقال: المُرسَلُ أَوْلَى بالصَّوابِ مِن المُسنَدِ [-يعني مُرسَلَ عِكرِمَةَ، وأخرجَ ابنُ ماجه المُسنَدَ] (٣) (٤).

стр. 1200

ومِن ذلك تعلُّمُ (١) الردِّ على مَنْ قال: ليس في الظِّهارِ حَديثٌ صَحيحٌ. * * * وحُكمُه الأصليُّ مُجمَعٌ عليه، وهو حَرامٌ لِقَولِه تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾. ويكونُ منجَّزًا ومُعلَّقًا ومُطْلَقًا ومُؤقَّتًا، ولا ينجَّزُ مَشروطًا، فهو ممَّا يَقبَلُ التَّعليقَ، ولا يَقبَلُ الشَّرْطَ. ولا يَصحُّ إلا مِن زَوجٍ يَصحُّ طَلاقُه (٢). وإذا عاشَرَ الرَّجعيةَ، ومَضتِ الأقْراءُ أو الأشْهُرُ، لم يصحَّ ظِهارُها عند مَن لا يُصحِّحُ رَجْعتَها (٣).

стр. 1201

ومَنْ أوْقَعَ عليها الطَّلَاقَ ولَمْ يُصَحِّحْ رَجْعتَها لا يُمكِنُه أَنْ يُصحِّحَ ظِهارَها، إذْ لا سَبيلَ إلى إِعمالِه لِعدَمِ إمْكانِ العَودِ فيه بِخلافِ الرَّجعيةِ (١) وبذلك يَتبيَّنُ الرَّدُّ على مَنْ أوْقَعَ المُعاشرةَ المَذكورةَ بالطَّلَاقِ (٢). * * * * ضابطٌ: ليس لنا امرأةٌ يصحُّ ظِهارُها حيثُ لا تَصحُّ رَجعتُها إلا ثلاثًا، واحدةً على ما رُجِّحَ، وثِنْتَينِ على وجْهٍ: الواحدةُ المُبهَمةُ في: إحداكما طَالقٌ، لا تَصِحُّ رَجعتُها مع الإبْهامِ، ويَصحُّ ظِهارُها مع الإبهامِ. والثِّنتانِ (٣): الحامِلُ مِن الشُّبهةِ لا تَصِحُّ رَجعتُها على وَجهٍ، ويَصحُّ ظِهارُها (٤) قَطْعًا. وفِي حالةِ الإحْرامِ تَصِحُّ (٥) الرَّجعةُ على وَجْهٍ، ويَصِحُّ الظِّهارُ قَطْعًا. * * * ويُوقَفُ الظِّهارُ حيثُ يُوقَفُ الطَّلَاقُ في صُورٍ: الإسلامُ، والردةُ وغيرُها.

стр. 1202

وإذا عَلَّقَه وهو مُكَلَّفٌ فوُجِدَتِ الصِّفةُ، وهو غَيرُ مُكلَّفٍ صَحَّ، وصَريحُه الأصلِيُّ: "أنتِ على كظَهْرِ أُمِّي" (١). وهو مُشتمِلٌ على مُبتدأ، وخَبَرٍ (٢)، وَصِلَةٍ (٣)، والمَجرور معها، وكافِ التَّشبيهِ، والظَّهْر (٤)، ومُضاف، ومُضاف إليه. وتَخرُجُ مِن ذلك صُوَرٌ كثيرةٌ مِن جِهَةِ ما يُذكَرُ (٥) المُبتدَأُ ونَواسِخُه، والصِّلةُ (٦) ومجرُورَاتُها وما يشبَّهُ بِه غَيرُ الكَافِ، وما يُذكَرُ مِنْ غَيرِ الظَّهْرِ، وما يُذكَرُ مِن غَيرِ الأُمِّ مِن المَحارِم (٧) نَسَبًا ورَضَاعًا ومُصاهَرَةً، والأب، وغَير ذلك. وما يُذكَرُ مِن أُمِّ غَيرِه (٨) ونحوِ ذلك، فَلا يَتعيَّنُ لِلْمبتدأ "أنتِ" بلْ يقُومُ مَقامَه زَوجَتِي، أو هذه، أو سمَّاهَا، أو قالَ "هِيَ" بعد تقدُّمِ ذِكْرِها، أو قال جُملَتُكِ، أو كُلُّكِ، أو ذاتُكِ، أو جِسمُكِ، أو بِدنُكِ، أو شَخصُكِ، أو مُسَمَّاكِ، أو ذَكرَ جُزءًا شائعًا، أو بعْضًا متَّصلًا غيرَ مُلصَقٍ لَمْ يَصرْ (٩) حيًّا بِشَرطِ أَنْ

стр. 1203

يكونَ ظاهرًا مَحلًّا للاستِمتاعِ لا كقَلبٍ ودُبُرٍ (١)، خِلافًا لِمَنْ لَمْ يَشترطِ الظَّهرَ في ذلك، ويُلحِقُه (٢) بالطَّلَاقِ (٣). ومِنَ النَّواسخِ تَخرُجُ صُوَرٌ كَثيرةٌ، وما (٤) فيه مُقاربةٌ فلا ظِهارَ فيه، وما فيه إثْباتُ الظِّهارِ فهو صَريحٌ، كـ "ما برحْتِ عليَّ كظَهْرِ أُمِّي"، ونحوِه، ولو قال: "كنتِ عليَّ كظَهْرِ أُمِّي" رُوجعَ فإن قال: "صَدَرَ ذلك منِّي في هذا النِّكاحِ، وعدْتُ وكفَّرتُ" قُبِلَ مِنه. وكذا لَوْ قالَ: "في نكاحٍ قَبْلَه"، وإنْ أَطلقَ فهُو ظِهارٌ، ولو قال: "عَلِمتُكِ عليَّ كَظَهْرِ أُمِّي" فهذا صَريحٌ، لا "ظَنَنْتُكِ" و"وَجَدْتُكِ" ونحوُه ليس بِصَريحٍ على الأرْجحِ. والنواسِخُ مِنَ الحُروفِ نحوُ: "إنَّكِ" بالغٌ في الصَّراحةِ لا "كأنَّكِ" و"ليتَكِ" ونحوهما.

стр. 1204

ولو عَدَلَ إلى الجُملةِ الفِعْليةِ نحو: "صَيَّرْتُكِ" أو "جعلتُكِ" فصَريحٌ. ولو عَدَلَ إلى الابْتداءِ بِنَفسِه (١) نحو: "أنَا مِنْكِ مُظاهر" فإنْ كَسرَ الهاءَ فإقْرارٌ إنْ قَصَدَه، وإلا فكِنايةٌ، كما لو فَتحَها، ولو قال: "أنَا مَنْكِ كظَهْرِ أُمِّي"، فكقولِه: "أنا مِنْكِ طَالقٌ". وأما الصِّلاتُ فذَكرَ الشافعيُّ منها "علَيَّ" و"مَعِي" و"مِنِّي" وفتح الباب بقولِه: "وما أَشبَه ذلك". وأعلاها: "على"، ولا خِلافَ في انْعقادِ الظِّهارِ بها، وفيما سِواها خِلافٌ. وألحقَ بـ "معي" و"مِنِّي" (٢): "عندي" (٣) و"لي" و"إليَّ" و"قِبلي" و"جِهَتي" و"حكمي" و"حُلي" و"عِصْمتي" و"إباحتي" و"زوجتي" و"حوزتي" و"عُلقتي" و"حَقِّي". ولو قال: "أنتِ في داري كظَهْرِ أُمِّي" فإنْ أرادَ "في حَوزَتِي" فظِهارٌ، وإنْ لَم يُرِدْ ذلك كان مُؤَقَّتًا بالمَكانِ، ولَمْ يَذكرُوه، والأرْجحُ إلغَاؤُه، ولَمْ يَتعرَّضُوا لإبْداءِ اليَاءِ المَجرورةِ في "عليَّ". ولو قال: "أنتِ على زَوجِكِ" أو "على فُلانٍ"، وذَكرَ اسمَه، فكقَولِه: "عليَّ"، ولو قال: "على فَرجِي" أو "بعْضِي" أو "يَدِي" فكـ "عليَّ". ولو أَسقطَ الصِّلةَ فصحَّحَ المُتأخِّرونَ أنَّ الصَّراحةَ باقية، وقال الداركي:

стр. 1205

ليس بِصريحٍ، وصحَّحه بعْضُهم، وهو أرْجَحُ كما في "أنتِ عليَّ حرامٌ"، فإنه ليس صريحًا في الكفَّارةِ والفَرقُ عسر (١). ولا يُقبَلُ مع الصَّريحِ إرادةُ غَيرِ الظِّهارِ إلا في "بعضِكِ" ولو قالَ: "أَردتُ الدُّبُرَ" (٢). ولو عَدَلَ عنِ الكافِ إلى "مِثل" و"شَبه" و"عِدل" و"حُكم" و"نَظير"، فالصراحةُ باقيةٌ. ولو عَدَلَ عَن الظَّهْرِ إلى ما يَشملُه كـ "بَدن" و"جِسم" و"ذاتٍ" و"شبهها" أو إلى "قُبُلٍ" و"بَطنٍ" أو "صَدرٍ" أو "يدٍ" أو "رِجلٍ" أو "شَعَرٍ" فكالظَّهر على الأظْهرِ (٣). وما يُستعمَلُ لِلْكَرامةِ كـ "أبي" و"مِثل أُمِّي" و"عَيْنها" و"رُوحها" كِنايةٌ، وكذا "رأْسها" عند السَّرخسيِّ، ورُجِّحَ خِلافًا للعِراقيِّينَ (٤).

стр. 1206

ولو عَدَلَ عنِ الأُمِّ إلى "أُنثَى مُحرَّمةٍ" بِنَسبٍ أو رَضاعٍ أو مُصاهرةٍ فظِهارٌ بشَرطِ تَحريمِ الرَّضاعِ أو المُصاهَرةِ قبْلَ وِلادتِه [على ظاهر النَّصِّ، وكلامِهم، بلْ قِيلَ حمله على الأرْجحِ عندِي، ولَمْ يَذكرُوه. ومَن حَرُمتْ عليه قبْلَ وِلادتِه] (١) بغَيرِ ذلك فلا ظِهارَ بالتشبيهِ بها (٢) كما في أُمهاتِ المُؤمنينَ، وكذا من حَرُمَتْ بوَطْءِ شُبهةٍ على الأرْجحِ، وقلَّ (٣) مَن ذَكرَها. ولو شَبَّه بظَهْرِ (٤) مَن تحرُمُ بالبَاءِ أوبالتَّاءِ فكِنايةٌ في المُشبَّهِ بِه (٥). فإنْ نَوى الأُنثَى المُحرَّمةَ بنَسبٍ أو رَضاعٍ أو مُصاهرةٍ كما سبَقَ، فظاهِر (٦)، وإلا فَلا، أو بِظَهْرِ رَجُلٍ فلَغْوٌ. * * *

стр. 1207

فصل العَوْدُ (١) في الظِّهارِ المُطْلقِ في غَيرِ الرَّجعيةِ عِندَهم يُمكنُه (٢) أن يُمْسِكَها في نِكاحِه زَمنًا يُمكِنُه مُفارقتُها فِيه. وبعضهم يَقولُ: يُمكِنُه أَنْ يُطلِّقَ، فلا يُطَلِّقَ. وهو تعيينٌ (٣) غيرُ مُحَصِّلٍ للمَقصودِ؛ لأنَّه إنْ أُريدَ أقلُّ زَمنٍ يُمكِنُ فيه فِراقُ ما وَرَدَ عليه إذا لاعنَها عقِبَ (٤) الظِّهارِ، فإنه لا يكونُ عائدًا على النَّصِّ المُعتمَدِ. وإذا قال: "أنتِ طالقٌ على أَلْفِ دِرْهَمٍ" فلَمْ تَقبَلْ، فطلَّقَها عَقِبَه بِلا عِوَضٍ، فإنه لا يكونُ عائدًا. و"فلانةٌ بنتُ فلانِ ابنِ فلانٍ طالقٌ"، و"يا زينبُ أنتِ طالقٌ" و"فلانةٌ وفلانةٌ وفلانةٌ طَوَالقُ".

стр. 1208

وابتياعُ الزَّوجةِ الأمَةِ عقِبَ (١) الظِّهارِ وتَعليقُ طَلاقِها على دُخولِه دارًا فبَادرَ ودَخلَها، وفسْخُها نكاحَه عَقِبَ ظِهارِه كما قالُوه، وتكريرُ ظِهارِها لا بقَصْدِ الاستِئنافِ. وأيضًا فلا بُدَّ في ذلك مِن مَعرفَةِ أنَّه ظَاهرَ، ولَو في تَعليقِ الظِّهارِ بِفِعْلِ غَيرِهِ أو بفِعلِ نفْسِهِ على المُعتَمَدِ. ولو جُنَّ عَقبَ (٢) الظِّهارِ فلا عَوْدَ. وكذا لَو ارْتدَّ أحدُهما، أوْ حَصلَ إسلامٌ يَقتضي الفُرقةَ، فالضابطُ أَنْ يُمسكَها عَارفًا بأنَّه ظَاهر زمنًا ما (٣) يُمكنُه أَنْ يُفارقَها فيه، غيرَ مُكَرِّرٍ لفظَ الظِّهارِ، بغَيرِ قصْدِ الاستِئنافِ، ولَمْ يَحصُلْ شُروعٌ فيما يَقتضِي الفُرقةَ بِحَسبِ العادةِ. ويُعتبَرُ الزمانُ بحسَبِ الإمكانِ، فإذا أَمكنَه اللِّعانُ لَمْ يَكنْ عَائدًا حتى يُمسكَها قَدْرًا يُمكنُه (٤) اللِّعانُ، نصَّ عليه في "الأُمِّ" و"المختصر" ولَمْ يَذكرُوه. وعلى هذا: فإنْ كان على شخصٍ (٥) بحسَبِ حَالتِه، وفِي الرَّجعيةِ بالرَّجعةِ، وفِي الإسْلامِ والرِّدةِ لا بدَّ مِن إمْساكٍ بعد زَوالِ المُقتضي لِلْفُرقةِ

стр. 1209

على ما سَبقَ. والعَودُ في المؤقَّتِ بالوَطءِ، مُختارًا عالِمًا بأنَّه مُظاهِر، وإذا حَصَلَ العَودُ حَرُمَتْ كالحائِضِ حتى تكفِّرَ. وقد سَبقتِ الكفَّارةُ في "كتاب الصيام"، واللَّهُ أعْلَمُ. * * *

стр. 1210

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كتاب اللعان هو مَصدرُ "لاعَنَ": فَفَاعَلَ (١) مصدَرُه "فِعال"، وأصلُه: "فِيعال" بكَسْرِ الفَاءِ، وسُمِعَ ضَاربَ ضِيرابًا، ثم خُفِّف على فِعال، وكلامُ بعضِهم يقْتَضِي أنَهما أصْلَانِ. وله مصْدَرٌ آخَرُ، وهو مُفاعَلَة، وهو مُطِّردٌ لا يَنكسِرُ (٢). وهذا المَصدرُ يَدُلُّ غالبًا على أمْرٍ صادِرٍ مِن جَانِبَينِ (٣)، وهو هنا مِن جانِبِ الرَّجلِ لَفْظًا، ومِن جانِبِ المَرأةِ معنى. * * *

стр. 1211

وهو لُغةً: مَأخوذٌ مِن اللَّعنِ وهو الإبعَادُ، لِبُعدِ أحَدِ المُتلاعنَينِ بِكَذِبِه مِن حَضرةِ اللَّه تعالى. وقيل: لِما فِيه مِن لَعْنِ الزَّوجِ نفْسَه. ويقالُ: "التَعَنَ": إذا لَعَنَ نفْسَه، و"لاعَنَ": إذَا لاعَنَ غيرَه. * * * وشرْعًا: كلماتٌ مَعْلومةٌ جُعِلتْ حُجةً للمُضطرِ إلى قذْفِ مَن لَطَخَ فِرَاشَهُ وأَلْحَقَ العارَ به (١). . كذا في "شرح الرافعي". لكن الاضطرارُ ليس بِشَرطٍ لِمَا سَيأتِي فِيمَنْ له بَيِّنةٌ. وتَرَكَ جانِبَ المرأةِ، فيُرادُ في غَيرِ المَملوكةِ، ودفعًا للحَدِّ عَن المَرأةِ، وسِترًا لَها. * * * * وأصلُه: الكتابُ والسنةُ والإجماعُ. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ الآياتِ. وصَحَّتِ الأحاديثُ عنِ النبيِّ ﷺ في ذلك. وهو مُجمَعٌ عليه، والعملُ به قَلِيلٌ. والرَّجُلُ مدَّعٍ، وجُعِلَ القَولُ في جانِبه بالكلماتِ المَخصوصةِ للضرورة (٢)

стр. 1212

التي لَحِقتْهُ بالتَّلويثِ فهو قَريبٌ مِن اللَّوْثِ (١) الذي بِسبَبِه جُعلَتِ الأيْمان في جَانِبِ المُدَّعِي. * * * * وشُروطُ صِحَّتِهِ [مِن جِهَةِ الرَّجلِ] (٢) -إذا لَمْ ينفِ ولدًا ولا حَمْلًا- ثَلاثَةَ عَشَرَ شَرْطًا: * أحدُها: الزَّوجيةُ، فلا يُلاعِنُ واطِئُ الشُّبهةِ، ولا السيِّدُ، ولا الأجْنَبيُّ (٣) في قَذْفِ الأجْنبيِّ إلا الذي قَذَفَه بِزَنى امْرأتِهِ، سواءٌ نُسِبَ الزِّنَى إليْها وصدَّقَتْه (٤)، أو كذَّبتْه، أو قال: "زَنى بِكِ وأنْتِ مُكرَهةٌ" فإنه يلاعِنُ زوجَتَه لِيسقُطَ عنه حَدُّ القَذْفِ لِلْأجنَبِيِّ (٥). وكلُّ مَوضعٍ قُلْنا: "لا يُلاعِنُ فيه الزوجةَ لِزَوالِ المُقتضي لذلك" فإنه

стр. 1213

يُلاعِنُ لِدفْعِ حَدِّ القَذْفِ لِلْمَرمِيِّ (١) به إذا طَلَبه، وكذا لِلْعُقوبةِ (٢) غير (٣) الحَدِّ إذا طَلَبَها. * الثاني: صِحةُ الزَّوجيةِ، فلا (٤) يُلاعَنُ في النِّكاحِ الفاسِدِ (٥). * الثالثُ: سَبْقُ قَذفٍ منه (٦)، ولَو بإِقامَتِها البيِّنَةَ عندَ سُكوتِه (٧)، فلَو لَمْ يَسبِقْ مِنه قذفٌ، وثَبَتَ زِناهَا بالبيِّنةِ أو بإِقْرارِها، فإنه لا يُلاعِنُ على المَذهبِ المُعتمَدِ عند الجُمهورِ، وجوَّزَه ابنُ سَلمةَ. * الرابعُ: أن لا يَثبُتَ زِناهَا مَع وُجودِ القَذفِ، فإنْ ثَبتَ بِبيِّنةٍ أو بإقرارِها، فلا لِعَانَ على الأصَحِّ، وعلى ذلك يُحمَلُ قولُه تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ أو إنَّه (٨) خَرجَ مَخرَجَ الغالبِ (٩) فلا مَفهومَ له، فيُلاعِنُ وإنْ كان لَه بيِّنةٌ. * الخامسُ: أن لا يَحلِفَ يَمينَ الرَّدِّ في دَعواه علَيها بالزِّنى فإنْ حَلَفَ فلا

стр. 1214

لِعانٍ. * السادسُ: أَنْ لا يَحدُثَ زِناها بعد القَذفِ، فإنْ حَدثَ، فلا لِعانَ، لِسُقوطِ الحَدِّ، خِلافًا للمُزنيِّ (١). * السابعُ: أَنْ يَقذِفَها بِزنًى مُطْلَقٍ، أو مُضافٍ إلى نِكاحِه، فإنْ قَذَفَها بزنًى مُضافٍ إلى ما قَبْلَ نِكاحِه لَم يُلاعِنْ قَطْعًا (٢). * الثامنُ: أَنْ تَطلُبَ هِيَ العُقوبةَ الوَاجبةَ لها، فإن عَفَتْ عنها فَلا لِعانَ على الأصحِّ، وكذا لو سَكتَتْ فلَمْ (٣) تَطْلُبْ، ولَمْ تعفُ على الأصحِّ عند الأكثرينَ، خِلافًا لِما صَحَّحه الإمامُ، كذا في "الشرح"، و"الروضة" (٤)، والأصحُّ ما صحَّحه الإمامُ، وهو قَضيةُ النُّصوصِ (٥). فعلَى هذا الشَّرطِ عَدَمُ عَفوِها لا طَلبِها، وعلى المَنعِ إذا قَذفَ مُكلفةً فحَنِثَ، فليس له اللِّعانُ فإذا حَصلَ التَّكليفُ والطَّلبُ لَاعنَ. * التاسعُ: قيامُ الزَّوجيةِ (٦) حالةَ القَذفِ، فلَو حَصَلتْ فُوقَة لا رَجعةَ فيها، ثم قَذفَها بِزنًى مُضافٍ إلى حَالةِ نِكاحِه، أو مُطلَقٍ، فإنه لا يُلاعِنُ على

стр. 1215

الصحيحِ، وقيل: لَه اللِّعانُ إنْ أَضافَ الزِّنى إلى حالةِ النِّكاحِ. * العاشرُ: أن لا يُنكِرَ الزَّوجُ القَذفَ وزِنَاها، فإن قال: "ما قذفتُكِ، وما زَنَيْتِ"، فقَامَتْ (١) عليه البيِّنةُ، فإنه يُحَدُّ ولا لِعَانَ، لأنَّه (٢) شَهِدَ بعِفَّتِها، فكيف يُحقِّقُ زِناهَا بلِعانِه، فإنْ أنْشَأ قَذْفًا بِزنًى يُمكِنُ حُدوثُه بعد ذلك فلاعَنَ له سَقطَ الحَدُّ عنِ الأوَّلِ، على الأصحِّ (٣). * الحاديَ عشرَ: أن لا يعاقَبَ لِلْقَذْفِ، فإنْ عُوقِبَ بالحَدِّ أو بغَيْرِه، وتَمَّتِ العُقوبةُ فلَمْ يَبْقَ منها شَيْءٌ، فلا يَصِحُّ لِعانُه بعد ذلك، ويَجرِي مِثلُ هذا في عُقوبةِ التَّعزِيرِ إذا انْتَهى الحالُ فيه، ولَمْ يَذكرُوه. * الثانيَ عشرَ: أَنْ يَكونَ قَذْفُهُ يُمكِنُ (٤)، فحيث كان كاذبًا قَطْعًا، فإنه يُعَزَّرُ، ولا يُلاعِنُ، وتَعزيرُه لِلأذَى معه (٥). * الثالثَ عَشرَ: أن لا يُحَدَّ لِقَذفٍ سابقٍ منه لِزوجته (٦)، فإن حُدَّ لِقَذفٍ سابقٍ منه (٧)، ثم قَذفَ (٨) به فلا حَدَّ، ويُعزَّرُ، ولا يُلاعَنُ على الصحيحِ.

стр. 1216

وإنْ قذَفَها بِزِنًى آخَرَ حادِثٍ على فِراشِهِ فرجَّحَ البَغويُّ التَّعزيرَ، ورجَّحَ أبُو الفَرجِ الزاز الحَدَّ، ولا يُلاعَنُ فيهما على الأصحِّ، كذا في "الروضة" (١) تَبَعًا للشرحِ. والصوابُ: أنه يُلاعِنُ، لأنَّه زَوْج قاذِفٌ تَتناوَلُه الآيةُ الشريفةُ، ولَمْ يَظهَرْ كذِبُه في هذا القَذْفِ. وأمَّا إذا أَزادَ المُلاعِنُ نفْيَ ولدٍ أوْ حَمْلٍ فلا يُعتبَرُ الشَّرطُ الأوَّلُ ولا الثاني، فيصِحُّ اللِّعانُ مِن واطِئٍ بِشُبهةٍ أو في نِكاحٍ فاسِدٍ لِنفْي الوَلدِ، وكذا لِنفْي الحَملِ على الأظْهرِ، ونفي ولدِ الأَمَةِ سَيأتي. * * * * وأما الثالثُ: فهلْ يُستغنَى هُنا عنِ القَذفِ بالشهادةِ؟ قال المَاورْديُّ: فيه وَجْهانِ مُحتمَلانِ، الاستِغناءُ وعدمُه، [ولمْ يُرجِّحْ شَيئًا مِنهُما، والأرْجحُ الاستِغناءُ] (٢). وإذا كان هُناكَ حَمْلٌ فقَولانِ، مَنصوصُ "المختصر" (٣) أنه لا يُلاعِنُ حتى تَضعَه. قال المَاورْديُّ: واختارَه أكثَرُ أصحابِنَا. وما نقَلَه عن اختِيارِ الأكْثرِ هو مَنصوصُ "الأُمِّ" (٤) أيضًا، وصحَّحه الشيخُ أبو حَامدٍ، وهو المَذهبُ المُعتمَدُ، بِخِلافِ ما سبق في وَاطِئِ الشُّبهةِ وما

стр. 1217

سَيأتِي في البائِنِ، لِسقُوطِ الحَدِّ فيهما بِلِعانِه تَبَعًا لِنَفْي الحَملِ، وهنا الحَدُّ ساقِطٌ بثُبوتِ زِناهَا، فيُجرَّدُ اللِّعانُ لِنفْي الحَملِ فاعتُبِرَ فيه التيقُّنُ بالوِلادةِ. وليس لنا صُورةٌ لا يُلاعَنُ فيها لِنفْي الحَمْلِ على المَذهبِ إلا هذه. وقدْ يُتخيَّلُ إلْحَاقُ صُورةِ العَفْوِ بها والأقرَبُ الفَرْقُ؛ لأنَّه يُريدُ فيها أن يَخْرُجَ بتَنْجيزِ لِعانِه عنْ حُكمِ القَذفِ، وليستِ المسألةُ في "الروضة" ولا في أَصلِها. ولا تُلاعِنُ الزَّوجةُ هنا مُعارضةً لِلِعانِه قَطْعًا، وما وقَعَ في "الروضة" (١) تَبَعًا للشرحِ (٢) مِنْ إثْباتِ خِلافٍ في ذلك: وَهْمٌ؛ لأنَّ الحَدَّ قَدْ لَزِمَها فلا فَائدةَ لِلِعانِها (٣). * وأمَّا الرابعُ فهُوَ كالثالثِ. * وأما الخامسُ والسادسُ فلَهُ فيهِما اللِّعانُ لِنَفي الوَلدِ، وكذا لِنَفي الحَمْلِ قَطْعًا كالزَّوجةِ، وفيها طَريقة ضَعيفة بإثْباتِ قَولَينِ. * وأمَّا السابعُ فإنَّه يُلاعَن فيه لِنَفْي الوَلدِ الذي ادَّعى أنه مِن الزِّنَى السابقِ على نِكاحِه، ويُمكِنُ لُحوق بِه على الصَّوابِ، خِلافًا لِمَا في "المنهاج" (٤) تَبَعًا للمحررِ (٥)، فإنْ كان حَمْلًا فلَه نَفْيُه باللِّعانِ تَفريعًا على القَولَينِ

стр. 1218

السابِقَينِ. ويَسقطُ الحَدُّ باللِّعانِ في الصُّورتَينِ. * وأما الثَّامنُ فإنه يُلاعنُ في صُورِه كلِّها (١) لِنفْي الوَلدِ ولِنفْي الحَمْلِ، ويَتخرَّجُ فيه القَولانِ. * وأمَّا التاسعُ فإنه يُلاعنُ فيه لِنفْي الوَلدِ ولِنفْي الحَمْلِ على النَّصِّ في "المختصر"، وهو المُعتمَدُ خِلافًا لِنصِّ "الجامع". ولو ماتَتِ الزَّوجةُ ثم قَذفَها وهناك ولدٌ يَنفِيه، كان له نفيُهُ باللِّعانِ، والحملُ يَندُرُ تَصويرُه، فإنِ اتَّفقَا جاءَ فيه الخِلافُ، والأرجحُ يلاعَنُ، وإن كان يُمكِنُ الكشفُ في الحالِ بشَقِّ بَطْنِها وإخْراجِه منهَا كما يُلاعَنُ في نَفْي الحَمْلِ عند الطَّلْقِ. * وأمَّا العاشِرُ فيَتعذَّرُ فيه تَصويرُ ولَدٍ بِنَفْيٍ (٢)، فإنْ فُرِضَ أنَّه نَفَى نَسَبَ ولَدٍ ظَهرَ بعد ذلك (٣) ونَسبَه إلى وَطءٍ هِيَ فيه مُكرَهةٌ أو نائمة ونحوُ ذلك مِمَّا (٤) لا يُنافِي مما أَقرَّ به مِن عِفَّتِها، فلَه اللِّعانُ لِنفْي الوَلدِ. وفِي نَفْي الحَمْلِ الطَّريقانِ السابِقانِ. ومَنْ أكذَبَ نفسَه في القَذْفِ لا يُلاعِنُ، فإنْ ظَهرَ نسبٌ (٥) بعْدَ ذلك جاءَ

стр. 1219

فيه ما تقدَّمَ. * وأما الحادي عَشرَ: فإذا ظَهرَ فيه ولد كان له نفْيُه قَطْعًا، وفِي الحَملِ الطريقانِ. * وأما الثانيَ عشرَ: فلا شَيءَ فيه. * وأما الثالثَ عشرَ: فإذا (١) كان هُناكَ ولد كان له نفْيُه باللِّعانِ قَطْعًا، وفِي الحَملِ الطريقانِ. وشَرْطُ نفْيِ الحَملِ في الصُّورِ كلِّها على ما خَرَّجْتُه انتفاءُ احتِمالِ أنه تَوْءَمٌ لَمَّا انفصَلَ ولَحِقَ به، فإنِ احتَمَلَ ذلك امتَنعَ نفيُهُ عنه لاحتِمالِ أن يكونَ لاحِقًا به، ولا يَجوزُ نفي أحَدِ التوءَمَينِ دُونَ الآخَرِ. ولو نسب (٢) المرأةَ إلى وَطءِ شُبهةٍ وجَبَ لها التَّعزيرُ على الأصحِّ، وله دَفْعُهُ باللِّعانِ. فإنْ كان هناكَ ولَدٌ أو حَمْلٌ، فمَنْ أَجازَ نفْيَ الوَلدِ باللِّعانِ هُنا (٣)، أَجازَ نفْيَ الحَملِ على ما سَبَقَ، ومَنْ مَنعَ وهو الأكثَرُ وقال (٤): يُعرَضُ على القَافَةِ إمَّا مُطْلَقًا أو عند تَصديقِ الوَاطئِ (٥)، فيَمتنِعُ عِندَه (٦) نفْي الحَمْلِ هُنا.

стр. 1220

وفِي كُلِّ صُورةٍ يُعرَضُ فيها على القَائفِ (١)، وإذا عُرِض هنا على القَائفِ فألْحَقَه بالزَّوجِ لَحِقَه (٢) ولا لِعانَ، كذا في "الروضة" (٣) تَبَعًا للشَّرحِ نقْلًا عن البغَويِّ وغيرِهِ، وليس بمعتمَدٍ، بل لَهُ اللِّعانُ كما جَزمَ به جَمْعٌ مِنَ الأصحابِ، لأنَّ قولَ القائفِ إنما جُعِلَ حُجَّةً لأَحدِ المُدَّعِيَيْنِ لا أنه (٤) يُثبِتُ نَسبًا لازمًا على مُنكِرٍ. * * * ويَترتبُ على لِعانِ الرجلِ أحكامٌ كثيرةٌ: * منها: قَطعُ النِّكاحِ قَطْعَ بَينونةٍ، ولو كانتْ رَجعيةً. فأمَّا اللِّعانُ بعد مَوتِها، فإنه مُعْضَلٌ مِنْ حَيثُ أنَّه هَلْ يُقتصَرُ فيه على دَفعِ الحَدِّ والنَّفي كالبائِنِ حتَّى يَرِثَ منها ويُغَسِّلَها ويَتولَّى دفْنَها، ولو كان قَبْلَ الدُّخولِ استقَرَّ المُسمَّى، أو (٥) يَمْنَعُ جَميعَ ما ذُكِرَ. ويَرتَفِعُ النِّكاحُ كما في الفَسخِ بِعَيبٍ بعدَ المَوتِ على وَجْهٍ أمْ يُفَرَّقُ فلا يَرفَعُ (٦) النِّكاحَ، ولكنْ يَرْفَعُ ما يُصادِفُه مِن إرثٍ وغُسْلٍ ونحوِه (٧)، هذا فيه احتِمالات مُشكلات، وقدْ جَزمَ المَاورْديُّ وجَماعةٌ بإرْثِه منها، وقَضيتُه

стр. 1221

إثْباتُ الكُلِّ. * وللثَّالثِ شاهِدٌ مِن النصِّ والمَعْنى: * أمَّا النصُّ: فقَولُ الشافعيِّ ﵁: "وَأَيُّهُمَا مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُكْمِلَ الزَّوْجُ اللِّعَانَ وَرِثَ صَاحِبُهُ وَالْوَلَدُ غَيْرُ مَنْفِيٍّ حَتَّى يُكْمِلَ ذَلِكَ كُلَّهُ" (١)، فظَاهِرُ الغَايةِ أنها (٢) تتعلَّقُ بهما (٣). * وأمَّا المَعنى (٤): فلِأنَّ اللِّعانَ يرفَعُ ما يُصادِفُه مِن الحِلِّ (٥) في البَائنِ وغَيرِها، فكذلك يَرفعُ الإرثَ والغُسْلَ ونحوَه، وهذا أرْجحُ. * ومنها: تَحريمُ الزَّوجةِ مُؤبَّدًا بِلا خلافٍ، فإنْ لَمْ يَتَرَتَبْ على لِعانِه (٦) قَطْعُ نِكاحٍ -كما في لِعانِ المَوطُوءةِ بِشُبهةٍ وفِي النِّكاحِ الفاسدِ والبَائنِ- فإنَّها تَحرُمُ مُؤبَّدًا على الأصحِّ، وقيل: لا تَحرُمُ، وقيل: تَحرُمُ كالمُستوفَى عَددُ طَلاقِها.

стр. 1222

* ضابطٌ: ليس لنا امرأةٌ تَلحَقُ بِمَن (١) استَوفَى إلَّا مَن ذَكرْنَا على وَجهٍ، وهذانِ الحُكمانِ مُستمرَّانِ ولو أَكْذَبَ نَفْسَه (٢). * * * * ومنها: نفي نَسَبٍ لَمْ يَستقرَّ (٣)، ويُمكِنُ إلْحاقُه بِه (٤) مِن ولَدٍ ولَو ميتًا (٥) وأولادٍ وحُمِلَ على ما سَبقَ بِشَرطِ ذِكْرِ نفْيِه عنه في الكَلِماتِ على ما سَيأتِي، ويَرْتفعُ ما يَترتَّبُ على النَّسبِ مُطْلَقًا إلا حُرْمةَ نِكاحِ المَنفيةِ التي لَمْ يَدخُلْ بِأمِّها على الأصَحِّ، وإِجراءُ (٦) الخِلافِ في قِصاصٍ مِنه وَحَدِّهِ بقَذْفِها والقَطعِ (٧) بالسَّرقةِ وقَبول الشهادةِ: ضعيفٌ، ومَتى أَكْذبَ نفْسَه هُنا لَحِقَه المَنفيُّ. * ومنها: سُقوطُ عُقوبةِ قَذْفِها؛ مِن حدٍّ -ولو بعضهِ- أو (٨) تَعزيرٍ إلا تَعزيرَ تَأدِيبٍ. * ومنه: ما سبَقَ في الثالثَ عشرَ.

стр. 1223

* ومنها: سُقوطُ عقوبةٍ تتعلَّقُ بالمَرمِيِّ (١) به المُعيَّنِ مِنْ حَدٍّ أو تَعزيرٍ، وإن لَمْ يَذكُرْه في لِعانِه على المَذهبِ المُعتمَدِ، وهو مُتقضَى نُصوصِه في كُتبِه كلِّها خِلافًا لمَنْ صَحَّحَ غَيرَ ذلك. * ومنها: أنَّه لَمْ يَفسُقْ بِقَذْفِه إيَّاهَا، ولوِ التَعنَتْ على الأصحِّ مِن احتِمالِ وَجهَينِ. ذكرَهُما المَاورديُّ. * ومنها: سُقوطُ حَضانتِها في حَقِّه، ولو بِزِنًى آخَرَ، ولو لاعَنتْ على المَذهبِ فيهما، وما وقَعَ في "الروضة" ليس بِمُعتمَدٍ. * ولِلسُّقوطِ شَرْطانِ: ١ - أحدُهما: أنه (٢) لا يَنسبُه لِمَا قبْلَ نِكاحِه، وِفاقًا لِمَا جَزمَ به الماورْديُّ، وهو الأرْجحُ، خِلافًا لِمَا جِزمَ به في "الروضة" ونقَلَه الشرحُ عن المتولِّي، فلِعانُهُ (٣) قاصرٌ على ما بعْدَ نِكاحِه، بِخلافِ مَن ثَبَتَ زِناهُ بعْدَ القَذفِ بِحُجَّةٍ. الثاني: أَنْ تكونَ زَوجةً، فالمَوطُوءةُ بِشُبهةٍ ونَحوِها لا تَسقُطُ حَضانتُها على الأصحِّ، قلتُه تَخريخًا ممَّا ذَكرُوه في إيجابِ الحدِّ عليها. وتَسقُطُ حضَانةُ الزَّوجةِ بالنِّسبةِ إلى [الأجْنبيِّ على وَجْهٍ في غَيرِ مَن لاعَنَتْ وقَذَفَها بِزنًى آخَرَ. * * *

стр. 1224

ومنها:] (١) إثباتُ حَدِّ الزِّنى على الزَّوجةِ، فأمَّا المَوطُوءةُ بِشُبهةٍ ونحوِها فلا يلزَمُ حَدُّ الزِّنَى على الأصحِّ. ومنها: جَوازُ نِكاحِ أُختِها، وأَربعٍ سِواهَا في عِدَّتِها، كذا في "زيادة الروضة" (٢). ولا يُقتَصرُ على ما ذُكرَ بلْ كُلُّ حكمٍ يتعلَّقُ بالبَينونة (٣) في الأبْوابِ كلِّها غَيرَ عَقدِ النِّكاحِ وغَيرَ المُحللِ آتٍ هنا. ويتشطَّرُ الصَّداقُ به (٤) قَبْلَ الدُّخولِ على مُقتضَى نَصِّ "الأُمِّ" أنَّ الفُرقةَ مِن قِبَلِهِ، وأنَّه كالخُلعِ. وأَثْبتَ الإمِامُ والغَزَّاليُّ فيه خِلافًا، وهو غَيرُ مَعروفٍ فبعُدَ عليه حينئِذٍ سُقوطُ الكُلِّ بِه، والمُتعةُ كالتشطرِ (٥). ومنها: إيجابُ أرْبعِ كَفاراتٍ على الحانِثِ مِنهُما (٦) على الأصحِّ. ويَختصُّ اللِّعانُ مِن جِهَةِ المَرأةِ باعتِبارِ زَوجِيَّتِها، ويُقدَّمُ لِعانُ الزَّوجِ، وحينئِذٍ يَترتَّبُ عليه رَفْعُ العُقوبةِ عنها، وانتِفاءُ فِسْقِها، فتُقبَلُ شَهادتُها ويَبقَى ما يليه بِنظرٍ أو وَصيةٍ أو حَضانةٍ ونحوِها.

стр. 1225

وشرْطُ المُلاعَنِ منها: أَهليَّةُ اليَمينِ، فالمَعروفُ أنَّ اللِّعانَ يَمينٌ مُؤكَّدةٌ بِلَفظِ (١) الشَّهادةِ. * * * وكلماتُ اللِّعانِ خَمسٌ: أربعُ شَهاداتٍ، والخامسةُ الموجِبةُ. ولا يُعْتَدُّ بشَيءٍ مِنها إلا بتَلقِينِ الحاكِمِ أو المُحكَّمِ. ولا يُحتاجُ إلى أَمْرِه خِلافًا لِمَا جَزمُوا به تَبَعًا لِظاهِرِ النَّصِّ، لأنَّ عُمدةَ الشافعيِّ في ذلك حديثُ رُكانةَ وليس فيهِ أَمْرٌ، وإنما فيه تَلقينٌ. وجَعلَ الشافعيُّ التلقينَ فيه أمْرًا، ولا يَكفِي المحكَّمُ إلا أن يكونَ مُكلَّفًا ويُحكَّمَ، قاله (٢) في "التَّتمةِ". ولا يُحتاجُ إلى تَحكيمِ المَرميِّ (٣) به، إذ لا دُخولَ له في المُحاكمةِ، ولا يَجِبُ عليه (٤) حَدُّ الزِّنَى على ما رجَّحْتُه الآنَ (٥)، إذِ المُحكَّمُ لا يَدخلُ في حُدودِ اللَّه تعالى، ولا مَدخلَ لِمالكِ الزَّوجِ ولا لِمالكِ الزَّوجةِ في ذلك. وما وَقعَ في "الروضة" (٦) تَبَعًا للشرحِ و"التتمة" ما يُخالِفُ ذلك: وَهْمٌ.

стр. 1226

وأمَّا المالكُ لها فجَزمَ فيه المَاورْديُّ وغيرُه، بأنه يُلاعِن بينهُما (١) كما يُقيمُ الحدَّ علَيهما، وليس ذلك بالمُعتمَدِ لِمَا فيه من الأُمورِ المُختصَّةِ بالأَمَةِ. فنصوصُ الشافعيِّ قاضيةٌ بذلك. ويَلزَمُهم دُخولُ المرأةِ المَالكةِ لهُما، والفاسِقِ والكافِرِ (٢) في ذلك، وهو خرْقٌ عظِيمٌ. فيَقولُ الزَّوجُ أربعَ مَراتٍ: "أَشْهدُ باللَّهِ إنِّي لَمِن الصادقِينَ فيما رَمَيْتُ بهِ فُلانةً مِن الزِّنَى"، ويُسمِّيها إنْ كانَتْ غَائبةً، ويَرفَعُ في نَسبِها بِحَيثُ تَتميزُ، وإنْ كانتْ حاضرةً كفَتِ الإشارةُ إليها على الأرْجحِ (٣). وما ذُكِرَ في الشَّهاداتِ الأرْبعِ ظَاهرُ كلامِ الشافعيِّ وأصحابِهِ أن يُعتبَرَ الفِعلُ والاسْمُ والحَرفُ (٤) والتَّرتيبُ والتَّتابُعُ. ويُخَرَّجُ مِن مُخالفةِ ذلك مَسائِلُ كثيرةٌ مِن جِهةِ الإثْباتِ (٥) بِغيرِ الهَمزةِ

стр. 1227

وغَيرِ الفِعلِ، كـ "أُقْسِمُ" و"أَحْلِفُ" و"أُولي"، ونحوِها، و"شهدتُ" ونحوِه، وإسقاطِ الفِعلِ، وذِكْرِ واوٍ وياءٍ مَوضعَ التاءِ، وإسقاطِ الحَرفِ، وذِكْرِ اسمٍ مِن أسمائِه تعالى غَيرَ الجَلَالَةِ، وفتحِ هَمزةِ إنِّي أو (١) إسقاطِ لامِ لَمِن، وذِكْرِ صادِقٍ وإسْقاطِه، وذِكْرِ "لَقدْ زَنَتْ". وقَد ذَكرُوا في "أُقسِمُ" ونحوِه وجْهَينِ، وصحَّحُوا المنعَ مُراعاةً للنَّصِّ والتَّغليظِ، ولَمْ يَذكرُوا بَقيةَ ما أَشرْنَا إليه، والحُكْمُ فيه امتِناعُ غَيرِ الهَمزةِ وغَيرِ الفِعْلِ المُضارعِ بِصيغةِ الشَّهادةِ وامتِناعُ إسقاطِه. وفِي خَبَرٍ في البيهقيِّ ما يَقتضِي جَوازَهُ. ويَمتنِع غيرُ الباءِ وإسْقاطِ الحرفِ، ويَجُوزُ ذِكْرُ اسْمٍ أو (٢) وصْفٍ يَختَصُّ باللَّهِ تعالى كالرَّحمنِ ونحوِه على الأرْجَحِ. ويَمتنِعُ الإبْدالُ في غَيرِ ذلك إلَّا في قولِه: "إنِّي لَصادِق"، أو: "إنَّها زَنَتْ"، ولَمْ يَذكرُوا ذلك. والترتيبُ لابدَّ منه، وفِي التَّتابعِ خِلافٌ؛ صحَّحَ في "الروضة" (٣) الاشْتِراطَ، فيؤثِّرُ الفَصْلُ الطَّويلُ، والمذهبُ في القَسامةِ، وفِي "الشرح": الأشْبَهُ أنه لا تُعتبَرُ المُوالاةُ. ويُستثْنَى مِن قَولِه: "فيما رَميْتُها بِهِ مِن الزِّنى" ما إذا سَكَتَ عن الجوابِ (٤)

стр. 1228

دَعْواها أنه قَذَفَها، فقَامتْ عليه البيِّنةُ، فيقولُ في لِعانِهِ: "إنِّي لَمِنَ الصَّادِقِين فيما أَثْبَتَتْ (١) علَيَّ مِنْ رَمْيَتِي (٢) إيَّاها بالزِّنى"، كذا جَزَمَ به في "الروضة" (٣) تَبَعًا لأَصلِه، وهو مَردُودٌ، فإنه لَمْ يَعْترِفْ بالرَّمْي، فكيف يقولُ: "إنِّي لَمِنَ الصادقِينَ". وكذا لو أنْكَرَ، وقامتِ البينةُ، ولَمْ يَذكُرْ تأويلًا، ولو كان ذلك في رَدِّ اليَمينِ عليها كان مُمْكنًا؛ لأنَّه مُقِرٌّ تَقْديرًا (٤). والصوابُ أن يَقُولَ: "أَشْهدُ باللَّه إنِّي لا يَلزَمُنِي حَدُّ القَذفِ الذي ادَّعتْه". ومِمَّا (٥) يُستَثْنى ما إذا ثَبَتَ زِنَاهَا بِبَينةٍ أو بإِقْرارِها، واستُغْنِي عن قَذْفِه كما سَبقَ فيقولُ: "إنِّي لَمِنَ الصَّادِقِينَ في زنَاهَا" ولا يقولُ: "فيمَا رَمَيْتُها"، لأنَّه لَمْ يَرْمِها كذا قالَه المَاورْديُّ، وهو مَردودٌ، فإنَّ الصُّورةَ في نفْي ولَدٍ، أو حَمْلٍ على تَصويرٍ يَقتضِي اللِّعانَ، وذلك متعينٌ في الزنى، فهو كغَيرِهِ. وكلُّ مَوضِعٍ لَمْ يَرمِها بالزِّنى وجَوَّزْنَا له اللِّعانَ، فإنه لا يقولُ: "فيما رميْتُها بِه مِن الزِّنَى"، وإنما يقولُ ما يُناسِبُ الواقعَ. ففِي قولِه: "زَنَى بِكِ فلانٌ وأنتِ مُكرَهةٌ -أو نَائمةٌ" يقُولُ: "فيمَا رَمَيْتُ به فُلانا مِن الزِّنى بِكِ" وإنْ لَمْ يُسمِّه قال: "فيما ذكرْتُه مِن أنَّه زَنَى بها وهِيَ

стр. 1229

مُكرهةٌ" أو "نائمةٌ" وفِي الشُّبهةِ يَقولُ: "مِنْ وَطْءِ الشُّبهةِ". ولا (١) يَجِبُ عليها عُقوبةٌ في كُل مَوضعٍ لَمْ يَرمِها بالزِّنَى، ولا بما يُوجِبُ عليها تَعزِيرًا ويَذكُرُ (٢) في كلِّ شهادةٍ ما يَقتضِيه الحالُ. وَيُسَمِّي المَرميَّ به المُعَيَّنَ لِيَخرُجَ مِنَ الخلافِ، ويَذكُرُ النَّفيَ بِمَا يَقتضِيهِ الحالُ، فإنْ كانَ مِنْ زِنًى يقولُ: "مِنْ زِنى ما هو مِنِّي" هذا هو النَّصُّ. وصحَّحَ جَماعةٌ الاكتفاءَ بقَولِهِ: "مِنْ زنى". وعِندِي لا يَكفِي، بلْ يَقولُ: "مِن زِناه"، لِجَوازِ أَنْ تكونَ هيَ الزَّانيةَ دُونَه لِشُبهةٍ، فلا يَكونُ له اللِّعانُ حِينئذٍ على ما سَبقَ، وأَغْربَ المَاوَرْديُّ فقال: لا يَجُوزُ ذلك. ولَو أَغْفَلَ ذِكْرَ الولدِ في بَعضِ الكَلِماتِ احتاجَ إلى إِعادةِ لِعانِه. . كذا ذكَرُوه، وعِندِي يَنبنِي (٣) على ما سَبقَ، وفِي كَلامِ بَعضِهم ما يَقتضِيه. وتَرتيبُ الخامسةِ على الأرْبعِ مُعتبَرٌ في الأصحِّ. ويُستحَبُّ قبْلَ اللِّعانِ أَنْ يَعِظهَا الحاكِمُ ويقولَ لها: "إنَّ عَذابَ الآخِرةِ أَشَدُّ مِنْ عَذابِ الدُّنيا". ويُسَنُّ أَنْ يَقولَ الحاكمُ عِندَ شهاداتِ الزَّوجِ: "إنَّ اللَّهَ يَعلَمُ أنَّ أحَدَكما كاذِبٌ، فهَلْ مِنْكُمَا مِنْ تَائبٍ". . صحَّ ذلك في البخاريِّ وغَيرِه عَنِ النَّبيِّ

стр. 1230

- ﷺ (١)، ولَم يَذكُرُوه. فإذَا انْتَهى إلى الخَامسةِ قال الشافعيُّ في "الأُمِّ" (٢) و"المختص" (٣): (وَقَفَهُ الْإمَامُ وَذَكَّرَهُ اللَّهَ تعالى، وَقَالَ: "إنِّي أَخَافُ إنْ لَمْ تَكُنْ صَدَقْت أَنْ تَبُوءَ بِلَعْنَةِ اللَّهِ"، فَإِنْ رَاَهُ يُرِيدُ أَنْ يَمْضِيَ، أَمَرَ مَنْ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى فِيهِ، ويَقُولُ إنَّ قَوْلَك: "عَلَيَّ لَعْنَةُ اللَّهِ [إنْ كُنْت مِنْ الْكَاذِبِينَ] (٤) " مُوجِبَةٌ إنْ كُنْت كَاذِبًا، فَإِنْ أَبَى تَرَكَهُ وَقَالَ: قُل "عَلَيَّ لَعْنَةُ اللَّهِ إنْ كُنْت مِنْ الْكَاذِبِينَ فِيمَا رَمَيْتُ بِهِ فُلَانَةَ مِنْ الزِّنَى". .) هذا نصُّه. وفيهِ تقديمُ "عليَّ" والذي في القُرآن تَقديمُ اللَّعنةِ، وكأنَّ الشَّافعىَّ ﵁ رأى استواء الكلامَينِ، وأنَّ التَّرتيبَ في هذا لا يَلزَمُ، وهذا غيرُ ما تقدَّمَ في تَرتيبِ (٥) (٦) كلمات كُلِّ شهادةٍ. * * * ويُسَنُّ أَنْ يُلاعِنَ الرَّجلُ قَائمًا، وتَكونَ المَرأةُ جَالسةً، فإذا فَرغَ مِن لِعانِه أُقيمَتِ المَرأةُ، زادَ المَاورْديُّ: "وأُجلِسَ الرَّجُلُ" وهو غَريبٌ. فإذا فَرعتْ مِن اللِّعانِ، وظَهَرتْ له جرْءَتُها قالَ لَها: "مَهْ" كما قال ذلك (٧)
следующие страницы →