لزمه ذلك، فإِن كان لها وإِلا أقام لها خادماً: إِما بشراء، أو كراءٍ، أو عارية، ويلزمه نفقته بقدر نفقة الفقيرين إِلا في النظافة. ولا يلزمه أكثر من نفقة خادم واحد، فإِن قالت: أنا أخدم نفسي وآخذ ما يلزمك لخادمي لم يكن لها ذلك. وإِن قال أنا أخدمك فهل يلزمها قبول ذلك؟ على وجهين.
فصل
وعليه نفقة المطلقة الرجعية وكسوتها ومسكنها كالزوجة سواء. وأما البائن بفسخ أو طلاق: فإِن كانت حاملًا فلها النفقة والسكنى وإِلا فلا شيء لها، وعنه لها السكنى. فإِن لم ينفق عليها بظنها حائلًا ثم تبين أنها حامل (١) فعليه نفقة ما مضى. وإِن أنفق عليها بظنها حاملًا فبانت حائلًا (٢) فهل يرجع عليها بالنفقة؟ على روايتين. وهل تجب النفقة للحامل لحملها أو لها من أجله؟ على روايتين:
إِحداهما أنها لها: فتجب لها حينئذ (٣) إِذا كان أحد الزوجين رقيقاً، ولا تجب للناشز ولا للحامل من وطء شبهة أو نكاح فاسد.
والثانية أنها للحمل: فتجب لهؤلاء الثلاث، ولا تجب لها إِذا كان أحدهما رقيقاً، وأما المُتَوَفّى عنها فإِن كانت حائلًا فلا نفقة لها ولا سكنى، وإِن كانت حاملًا فهل لها ذلك؟ على روايتين.
فصل
وعليه دفع النفقة إِليها في صدر نهار كل يوم، إِلا أن يتفقا على تأخيرها أو تعجيلها لمدة قليلة أو كثيرة فيجوز. وإِن طلب أحدهما دفع القيمة لم
стр. 387
يلزم الآخر ذلك، وعليه كسوتها في كل عام، فإِذا قبضتها فسُرقت أو تَلِفَتْ لم يلزمه عوضُها، وإِن انقضت السنة وهي صحيحة فعليه كسوة السنة الأخرى، ويحتمل أن لا يلزمه، وإِن ماتت أو طلقها قبل مضي السنة فهل يرجع عليها بقسط بقية السنة؟ على وجهين.
وإِذا قبضت النفقة فلها التصرف فيها على وجه لا يضر بها ولا ينهك بدنها، وإِن غاب عنها مدة ولم ينفق عليها فعليه نفقة ما مضى، وعنه لا نفقة لها إِلا أن يكون الحاكم قد فرضها لها.
فصل
وإِذا بذلت المرأة تسليم نفسها إِليه وهي ممن يوطأ مثلها، أو يتعذر وطؤها لمَرَض أو حيض أو رتقٍ ونحوه لزم زوجها نفقتها سواء كان الزوج صغيراً أو كبيراً، يمكنه الوطء أو لا يمكنه، كالعنين والمجبوب والمريض، وإِن كانت صغيرةً لا يمكن وطؤها لم تجب نفقتها ولا تسليمها إِليه (١) إِذا طلبها، فإِن بذلته والزوج غائب لم يفرض لها حتى يراسله الحاكم ويمضي زمن يمكن أن يقدم في مثله، وإِن منعت تسليم نفسها أو منعها أهلها فلا نفقة لها إِلا أن تمنع نفسها قبل الدخول حتى تقبض صداقها الحالَّ فلها ذلك وتجب نفقتها، وإِن كان بعد الدخول فعلى وجهين بخلاف الأجل.
وإِن سلمت الأمة نفسها ليلاً ونهاراً فهي كالحرة، وإِن كانت تأوي إِليه ليلاً وعند سيدها (٢) نهاراً فعلى كل واحد منهما النفقة مدة مقامها عندَهُ.
стр. 388
وإِذا نشزت المرأة أو سافرت بغير إِذنه، أو تطوعت بصوم أو حج أو أحرمت بحج منذور في الذمة فلا نفقة لها، وإِن بعثها في حاجة أو أحرمت بحجة الإِسلام فلها النفقة، وإِن أحرمت بمنذور معين في وقته فعلى وجهين. وإِن سافرت لحاجتها بإِذنه فلا نفقة لها، ذكره الخرقي، ويحتمل أن لها النفقة. وإِن اختلفا في نشوزها أو تسليم النفقة إِليها فالقول قولها مع يمينها، وإِن اختلفا في بذل التسليم فالقول قوله مع يمينه.
فصل
وإِن أعسر الزوج بنفقتها أو ببعضها أو بالكسوة خيرت بين فسخ النكاح والمقام، وتكون النفقة ديناً في ذمته، فإِن اختارت المقام ثم بدا لها الفسخ فلها ذلك، وعنه ما يدل على أنها لا تملك الفسخ بالإِعسار والمذهب الأول، وإِن أعسر بالنفقة الماضية، أو نفقة الموسر، أو المتوسط، أو الأدم، أو نفقة الخادم فلا فسخ لها، وتكون النفقة ديناً في ذمته، وقال القاضي يسقط، وإِن أعسر بالسكنى أو المهر فهل لها الفسخ؟ على وجهين. وإِن أعسر زوج الأمة فرضيت، أو زوج الصغيرة والمجنونة لم يكن لوليهن الفسخ ويحتمل أن له ذلك.
فصل
وإِن منع النفقة أو بعضها مع اليسار وقدرت له على مال أخذت منه ما يكفيها ويكفي ولدها بالمعروف بغير إِذنه، لقول النبي ﷺ لهند حين قالت له: إِن أبا سفيان رجل شحيح وليس يعطيني من النفقة ما يكفيني وولدي، قال: "خُذي مَا يَكفيكِ وَوَلَدَكِ بِالمَعْرُوفِ" (١). وإِن لم تقدر
стр. 389
أجبره الحاكم وحبسه، فإِن لم ينفق دفع النفقة إِليها من ماله، فإِن غيَّبه وصبر على الحبس فلها الفسخ، وقال القاضي: ليس لها ذلك، وإِن غاب ولم يترك لها نفقة ولم تقدر له على مال ولا الاستدانة عليه، فلها الفسخ إِلا عند القاضي فيما إِذا لم يثبت إِعساره، ولا يجوز الفسخ في ذلك كله إِلا بحكم حاكم [والله أعلم (١)].
باب نفقة الأقارب والمماليك
يجب على الإِنسان نفقة والديه وولده بالمعروف إِذا كانوا فقراء، وله ما ينفق عليهم فاضلًا عن نفقة نفسه وامرأته، وكذلك يلزمه نفقة سائر آبائه وإِن علوا وأولاده وإِن سفلوا ويلزمه نفقة كل من يرثه بفرض أو تعصيب ممن سواهم سواء ورثه الآخر أو لا: كعمته، وعتيقته، وحُكِي عنه إِن لم يرثه الآخر فلا نفقة له، فأما ذوو الأرحام فلا نفقة عليهم رواية واحدة، ذكره القاضي، وقال أبو الخطاب: يخرج في وجوبها عليهم روايتان.
وإِن كان للفقير وُرَّاثٌ (٢) فنفقته عليهم على قدر إِرثهم منه؛ فإِذا كان له أم وجد فعلى الأم الثلث والبقاي على الجد، وإِن كانت جدة وأخ فعلى الجدة السدس والباقي على الأخ، وعلى هذا المعنى حساب النفقات، إلاَّ أن يكون له أب فتكون عليه النفقة وحده.
ومن له ابن فقير وأخ موسر فلا نفقة له عليهما، ومن له أم فقيرة وجدة
стр. 390
موسرة فالنفقة عليها (١). ومن كان صحيحاً مكلفاً لا حرفة له سوى الوالدين فهل تجب نفقته؟ على روايتين.
ومن لم يفضل عنده إِلا نفقة واحد بدأ بالأقرب فالأقرب: فإِن كان له أبوان جعله بينهما فإِن كان معهما ابن ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها يقسمه بينهم.
والثاني يقدمه عليهما.
والثالث يقدمهما عليه.
وإِن كان له أب وجد أو ابن وابن ابن فالأب والابن أحق.
ولا تجب نفقة الأقارب مع اختلاف الدين وقيل في عمودي النسب روايتان.
وإِن ترك الإِنفاق الواجب مدة لم يلزمه عوضه.
ومن لزمته نفقة رجل فهل تلزمه نفقة امرأته؟ على روايتين.
فصل
وتجب نفقة ظئر الصبي على من تلزمه نفقته، وليس للأب منع المرأة من رضاع ولدها إِذا طلبت، وإِن طلبت أجرة مثلها ووجد من يتبرع برضاعه فهي أحق، وإِن امتنعت من رضاعه لم تجبر إِلا أن يضطر إِليها ويخشى عليه، ولا تجب عليه أجرة الظئر لما زَادَ على الحولين، وإِذا تزوجت المرأة فلزوجها منعها من رضاع ولدها إِلا أن يضطر إِليها.
стр. 391
فصل
وعلى السيد الإِنفاق على رقيقه قدر كفايتهم وكسوتهم وتزويجهم إِذا طلبوا ذلك إِلا الأمة إِذا كان يستمتع بها، ولا يكلفهم من العمل ما لا يطيقون، ويريحهم وقت القيلولة والنوم وأوقات الصلوات، ويداويهم إِذا مرضوا، ويركبهم عقبة إِذا سافر بهم، وإِذا ولي أحدهم طَعَامَهُ أطعمه منه (١) ولا يَسْتَرْضِعُ الأمة لغير ولدها إِلا أن يكون فيها فضل عن ريه، ولا يجبر العبد على المخارجة فإِن اتفقا عليها جاز.
ومتى امتنع السيد من الواجب عليه فطلب العبد البيع لزمه بيعه.
وله تأديب رقيقه بما يؤدب به ولده وامرأته، وللعبد أن يتسرى بإِذن سيده، وقيل ذلك ينبني على الروايتين في ملك العبد بالتمليك، ولو وهب له سيده أمة لم يكن له التسري بها إِلا بإِذنه.
فصل
وعليه إِطعام بهائمه وسقيها، وأن لا يحملها ما لا تطيق، ولا يحلب من لبنها ما يضر بولدها، وإِن عجز عن الإِنفاق عليها أجبر على بيعها، أو إِجارتها، أو ذبحها إِن كانت مما يباح أكله.
باب الحضانة
أحق الناس بحضانة الطفل والمعتوه أمه، ثم أمهاتها الأقرب فالأقرب، ثم الأب ثم أمهاته، ثم الجد ثم أمهاته، ثم الأخت للأبوين، ثم الأخت للأب، ثم الأخت للأم، ثم الخالة ثم العمة في الصحيح عنه.
وعنه الأخت من الأم والخالة أحق من الأب فتكون الأخت من الأبوين
стр. 392
أحق، ويكون هؤلاء أحق من الأخت من الأب ومن جميع العصبات، وقال الخرقي: وخالة الأب أحق من خالة الأم، ثم تكون للعصبة، إِلا أن الجارية ليس لابن عمها حضانتها لأنه ليس من محارمها.
وإِذا امتنعت الأم من حضانتها انتقلت إِلى أمها، ويحتمل أن تنتقل إِلى الأب، فإِن عُدِم هؤلاء كلهم فهل للرجال من ذوي الأرحام حضانة؟ على وجهين: أحدهما لهم ذلك فيكون أبو الأم وأمهاته أحق من الخال، وفي تقديمهم على الأخ من الأم وجهان.
ولا حضانة لرقيق ولا فاسق ولا كافر على مسلم، ولا لامرأة مزوجة لأجنبي من الطفل، فإِن زالت الموانع منهم رجعوا إِلى حقهم منها.
ومتى أراد أحد الأبوين النقلة إِلى بلد بعيد آمن ليسكنه فالأب أحق بالحضانة، وعنه الأم أحق، فإِن اختل شرط من ذلك فالمقيم منهما أحق.
فصل
وإِذا بلغ الغلام سبع سنين خير بين أبويه فكان مع من اختار منهما، فإِن اختار أباه كان عنده ليلاً ونهاراً. ولا يمنع زيارة أمه ولا تمنع هي تمريضه. وإِن اختار أمه كان عندها ليلاً وعند أبيه نهاراً ليعلمه الصناعة والكتابة ويؤدبه، فإِن عاد فاختار الآخر نقل إِليه، ثم إِن اختار الأول رد إِليه، وإِن لم يختر أحدهما أقرع بينهما.
وإِن استوى اثنان في الحضانة كالأختين قدم أحدهما بالقرعة. وإِن بلغت الجارية سبعاً كانت عند أبيها ولا تمنع الأم من زيارتها وتمريضها.
* * *
стр. 393
كتاب الجنايات
القتل على أربعة أضرب: عمد، وشبه عمد، وخطأ، وما أُجري مجرى الخطأ [بالقصاص أو الدية (١)].
فالعمد أن يقتله بما يغلب على الظن موته به عالماً بكونه آدمياً معصوماً. وهو تسعة أقسام:
أحدها: أن يجرحه بما له مور في البدن من حديد أو غيره، مثل أن يجرحه بسكين أو يغرزه بمسلة [فيموت إِلا أن يغرزه بإِبرة أو شوكةٍ ونحوهما في غير مقتل فيموت (٢)] في الحال ففي كونه عمداً وجهان: فإِن بقي من ذلك ضَمِناً حتى مات، أو كان الغرز بها في مقتل كالفؤاد والخصيتين فهو عمد محض.
وإِن قطع سلعة من أجنبي بغير إِذنه فمات فعليه القود، وإِن قطعها حاكم من صغير، أو وليُّه، فمات فلا قود لأن [له فعل ذلك وقد فعله لمصلحته فأشبه ما لو ختنه (٣)].
الثاني: أن يضربه بمثقل كبير فوق عمود الفُسطاط أو بما يغلب على الظن أنه يموت (٤) به: كاللت، والكوذين، والسندان أو حجر كبير، أو
стр. 394
يلقي عليه حائطاً أو سقفاً، أو يلقيه من شاهق أو يُعيد الضرب بصغير، أو يضربه في مقتل، أو في حال ضعف من مرض أو صغر أو كبر، أو حَرٍّ أو بردٍ أو نحوه.
الثالث: إِذا ألقاه في زبية أسد، أو أنهشه كلباً أو سبعاً أو حية، أو ألسعه عقرباً من القواتل أو نحو ذلك فقتله، [فيجب فيه القصاص (١)].
الرابع: إِذا (٢) ألقاه في ماء يغرقه، أو نار لا يمكن التخلص منهما: [إِما لكثرة الماء والنار، وإِما لعجزه عن التخلص لمرض أو ضعف أو صغر أو كونه في حفرة لا يقدر على الصعود منها (٣)].
الخامس: إِذا خنقه بحبل أو غيره، أو سَد فَمَه وأَنْفَه، أو عَصَر خصيتيه حتى مات.
السادس: إِذا (٢) حبسه ومنعه الطعام أو الشراب حتى مات جوعاً أو عطشاً في مدة يموت في مثلها غالباً فعليه القود (٤).
السابع: إِذا (٢) سقاه سماً لا يعلم به أو خلط سمّاً بطعام فأطعمه، أو خلطه بطعامه فأكله وهو لا يعلم به فمات [فإِن علم آكله به وهو بالغ عاقل، أو خلطه (٥)] بطعام نفسه [فدخل إِنسان منزله (٦)] فأكله بغير إِذنه فلا ضمان عليه، فإِن ادّعى القاتل بالسم أنني لم أعلم أنه سم قاتل لم يقبل قولُهُ
стр. 395
في أحد الوجهين ويقبل في الآخر ويكون شبهة عمد (١).
الثامن: أن يقتله بسحر يقتل غالباً [فيلزمه القود، لأنه قتله بما يقتل غالباً فأشبه قتله بالسكين (٢)].
التاسع: أن يشهدا على رجل بقتلٍ عمداً، أو زناً أو ردَّةٍ، فيقتل بذلك، ثم يرجعا ويقولا عمدنا قتله، أو يقول الحاكم علمت كذبهما وعمدت قتله، أو يقول ذلك الولي، فهذا كله وشبهه عمد محض موجب للقصاص إِذا كملت شروطه.
فصل
وشبه العمد أن يقصد الجناية بما لا يقتل غالباً فيقتل [إِما لقصد العدوان عليه أو لقصد التأديب له فيسرف فيه (٣)]: كالضرب بالسوط والعصا والحجر الصغير، أو لكزه (٤) بيده، أو يلقيه في ماء قليل، أو يقتله بسحر لا يقتل غالباً وسائر ما لا يقتل غالباً، أو يصيح بصبي أو معتوه وهما على سطح فيسقطان، أو يغتفل عاقلاً فيصيح به فيسقط ونحو ذلك [فهو شبه عمد إِذا قتل، لأنه قصد الضرب دون القتل، ويسمى خطأ العمد وعمد الخطأ لاجتماع العمد والخطأ فيه (٥)].
стр. 396
فصل
والخطأ على ضربين:
أحدهما: أن يرمي الصيد أو يفعل ما له فعله فَيَقْتُلُ إِنساناً فعليه الكفارة، والدية على العاقلة (١) بغير خلاف.
الضرب الثاني: أن يقتل في دار الحرب من يظنه حربياً ويكون مسلماً أو يرمي إِلى صف الكفار فيصيب مسلماً أو يتترس الكفار بمسلم ويخاف على المسلمين إِن لم يرمهم فيرميهم فيقتل المسلم، فهذا فيه الكفارة وفي وجوب الدية على العاقلة روايتان.
والذي أُجري مجرى الخطأ:
كالنائم ينقلب على إِنسان فيقتله.
أو يقتل بالسبب (٢) مثل: أن يحفر بئراً أو ينصب سكيناً، أو حجراً، فيؤول إِلى إِتلاف إِنسان.
وعمد الصبي والمجنون.
فهذا كله لا قصاص فيه، والدية على العاقلة، وعليه الكفارة في ماله لأنه خطأ (٣).
стр. 397
فصل
وتقتل الجماعة بالواحد، وعنه لا يقتلون والمذهب الأول (١). وإِن جرحه أحدهما جُرحاً والآخر مائة فهما سواء في القصاص والدية، (٥) وإِن قطع أحدهما من الكوع، ثم قطعه الآخر من المرفق فهما قاتلان (٢).
وإِن فعل أحدهما فعلًا لا تبقى معه الحياة كقطع حشوته أو مريئه أو ودجيه ثم ضرب عنقه آخر فالقاتل هو الأول ويعزر الثاني.
وإِن شق الأول بطنه أو قطع يده ثم ضرب الثاني عنقه، فالثاني هو القاتل وعلى الأول ضمان ما أتلف بالقصاص أو الدية.
وإِن رماه من شاهق فتلقاه آخر بسيف قدَّه فالقاتل هو الثاني.
وإِن رماه في لجة فتلقاه حوت فابتلعه فالقود على الرامي في أحد الوجهين.
وإِن أكره إِنساناً على القتل فقتل فالقصاص عليهما.
وإِن أمر من لا يميز أو مجنوناً أو عبده الذي لا يعلم أن القتل محرم بالقتل فقتل فالقصاص على الآمر.
وإِن أمر كبيراً عاقلًا عالماً بتحريم القتل به فقتل فالقصاص على القاتل.
وإِن أمر السلطان بقتل إِنسان بغير حق مَنْ يعلم ذلك فالقصاص على القاتل وإِن لم يعلم فعلى الآمر.
وإِن أمسك إِنساناً لآخر ليقتله فقتله قتل القاتل وحبس الممسك حتى يموت في إِحدى الروايتين والأخرى يقتل أيضاً.
стр. 398
وإِن كتَّف إِنساناً وطرحه في أرض مسبعة أو ذات حيات فقتلته فحكمه حكم الممسك.
فصل
وإِن اشترك في القتل اثنان لا يجب القصاص على أحدهما: كالأب وأجنبي في قتل الولد، والحر والعبد في قتل العبد، والخاطئ والعامد، ففي وجوب القصاص على الشريك روايتان: أظهرهما وجوبه على شريك الأب والعبد وسقوطه عن شريك الخاطئ، وفي شريك السبع وشريك نفسه وجهان.
ولو جرحه إِنسان عمداً فداوى جرحه بسم، أو خاطه في اللحم، أو فعل ذلك وليه أو الإِمام فمات، ففي وجوب القصاص على الجارح وجهان.
باب شروط (١) القَصَاص
وهي أربعة:
أحدها: أن يكون الجاني مكلَّفاً فأما الصبي والمجنون فلا قصاص عليهما، وفي السكران وشبهه روايتان: أصحهما وجوبه عليه.
الثاني (٢): أن يكون المقتول معصوماً: فلا يجب القصاص بقتل حربي ولا مرتد ولا زان محصن وإِن كان القاتل ذمياً. ولو قطع مسلم أو ذمي يد
стр. 399
مرتد أو حربي فأسلم ثم مات، أو رمى حربياً فأسلم قبل أن يقع به السهم فلا شيء عليه، وإِن رمى مرتداً فأسلم قبل وقوع السهم به فلا قصاص عليه وفي الدية وجهان، وإِن قطع يد مسلم فارتد ومات فلا شيء على القاطع في أحد الوجهين، وفي الآخر يجب القصاص في الطرف أو نصف الدية، وإِن عاد إِلى الإِسلام ثم مات وجب القصاص في النفس في ظاهر كلامه، وقال القاضي إِن كان زمن الرِّدَّة مما تسري فيه الجناية فلا قصاص فيه.
فصل
الثالث (١) أن يكون المجني عليه مكافئاً للجاني، وهو أن يساويه في الدين والحرية أو الرق، فيقتل كل واحد من المسلم الحر أو العبد والذمي الحر أو العبد بمثله، ويقتل الذكر بالأنثى، والأنثى بالذكر في الصحيح عنه، وعنه يعطى الذكر نصف الدية إِذا قتل بالأنثى، وعنه لا يقتل العبد بالعبد إِلا أن تستوي قيمتهما ولا عمل عليه، ويقتل الكافر بالمسلم والعبد بالحر والمرتد بالذمي وإِن عاد إِلى الإِسلام نص عليه. ولا يقتل مسلم بكافر ولا حر بعبد إِلا أن يقتله وهو مثله، أو يجرحه ثم يسلم القاتل أو الجارح، أو يعتق ويموت المجروح فإِنه يقتل به.
ولو جرح مسلم ذمياً أو حرٌ عبداً، ثم أسلم المجروح وعتق (٢) ومات فلا قود وعليه دية حر مسلم في قول ابن حامد، وفي قول أبي بكر عليه في الذمي دية ذِّمي وفي العبد قيمته لسيده.
وإِن رمى مسلمٌ (١) ذمياً عبداً، فلم يقع به السهم حتى عتق وأسلم فلا قود، وعليه دية حر مسلم إِذا مات من الرمية، ذكره الخرقي، وقال أبو بكر
стр. 400
عليه القصاص و (١) لو قتل من يعرفه ذمياً عبداً فبان أنه قد أسلم وعتق فعليه القصاص، وإِن كان يعرفه مرتداً فكذلك، قاله أبو بكر، قال ويحتمل أن لا يلزمه إِلا الدية (٢).
فصل
الرابع: أن لا يكون أباً للمقتول، فلا يقتل الوالد بولده وإِن سفل، والأب والأم في ذلك سواء، ويقتل الولد بكل واحدٍ منهما في أظهر الروايتين، ومتى ورث ولده القصاص أو شيئاً منه أو ورث القاتل شيئاً من دمه سقط القصاص:
فلو قتل امرأته وله منها ولد، أو قتل أخاها فورثته، ثم ماتت فورثها ولده، سقط عنه القصاص.
ولو قتل أباه أو أخاه فورثه أخواه ثم قتل أحدهما صاحبه سقط القصاص عن الأول لأنه ورث بعض دم نفسه.
ولو قتل أحد الابنين أباه، والآخر أمه، وهي زوجة الأب، سقط القصاص عن الأول لذلك وله أن يقتص من أخيه ويرثه.
فإِن قتل من لا يعرف وادعى كفره أو رقَّه، أو ضرب ملفوفاً فَقَدَّه وادعى أنه كان ميتاً وأنكر وليه، أو قتل رجلاً في داره وادعى أنه دخل يكابره على أهله وماله فقتله دفعاً عن نفسه وأنكر وليه، أو تجارح اثنان وادعى كل واحد منهما أنه جرحه دفعاً عن نفسه وجب القصاص، والقول قول المنكر.
стр. 401
باب استيفاء القصَاص
ويشترط له ثلاثة شروط:
أحدها: أن يكون مستحقه مكلفاً: فإِن كان صبياً أو مجنوناً لم يجز استيفاؤه، ويحبس القاتل حتى يبلغ الصبي ويعقل المجنون، إِلا أن يكون لهما أبي فهل له استيفاؤه لهما؟ على روايتين. فإِن كانا محتاجين إِلى النفقة فهل لوليهما العفو على الدية؟ يحتمل وجهين. وإِن قتلا قاتل أبيهما أو قطعا قاطعهما قهراً احتمل أن يسقط حقهما، واحتمل أن تجب لهما دية أبيهما في مال الجاني، وتجب دية الجاني على عاقلتهما، وإِن اقتصا ممن لا تحمل ديته العاقلة، سقط حقهما وجهاً واحداً.
فصل
الثاني: اتفاق جميع الأولياء على استيفائه، وليس لبعضهم استيفاؤه دون بعض، فإِن فعل فلا قصاص عليه، وعليه لشركائه حقهم من الدية، ويسقط عن الجاني في أحد الوجهين، وفي الآخر لهم ذلك في تركة الجاني، ويرجع ورثة الجاني على قاتله، وإِن عفا بعضهم سقط القصاص وإِن كان العافي زوجاً أو زوجة، وللباقي حقهم من الدية على الجاني، فإِن قتله الباقون عالمين بالعفو وسقوط القصاص به فعليهم القود، وإِلا فلا قود وعليهم ديته، سواء كان الجميع حاضرين أو بعضهم غائباً، وإِن كان بعضهم صغيراً أو منوناً فليس للبالغ العاقل الاستيفاء حتى يصيرا مكلفين في المشهور عنه، وعنه له (١) ذلك.
стр. 402
وكل من ورث المال ورث القصاص على قدر ميراثه من المال حتى الزوجين وذوي الأرحام (١)، ومن لا وارث له وليه الإِمام: إِن شاء اقتص وإِن شاء عفى.
فصل
الثالث: أن يؤمن في الاستيفاء التعدي إِلى غير القاتل، فلو وجب القصاص على حامل، أو حملت بعد وجوبه، لم تقتل حتى تضع الولد وتسقيه اللبأ، ثم إِن وجد من يرضعه، وإِلا تركت حتى تفطمه ولا يقتص منها في الطرف حال حملها.
وحكم الحد في ذلك حكم القصاص. فإِن ادعت الحمل احتمل أن يقبل منها فتحبس حتى يتبين أمرها، واحتمل أن لا يقبل إِلا ببينة.
وإِن اقتص من حامل وجب ضمان جنينها على قاتلها، وقال أبو الخطاب: يجب على السلطان الذي مكَّنهُ من ذلك.
فصل
ولا يستوفى القصاص إِلا بحضرة السلطان، وعليه تفقد الآلة التي يستوفى بها القصاص، فإِن كانت كالَّة منعه الاستيفاء بها، وينظر في الولي إِن كان يحسن الاستيفاء ويقدر عليه أمكنه منه، وإِلا أمره بالتوكيل، وإِن احتاج إِلى أجرة فمن مال الجاني، والولي مخير بين الاستيفاء بنفسه إِن كان يحسن وبين التوكيل، وقيل ليس له أن يستوفي في الطرف بنفسه بحال، وإِن تشاح أولياء المقتول في الاستيفاء قدم أحدهم بالقرعة.
стр. 403
فصل
ولا يُستوفى القصاص في النفس إِلا بالسيف في إِحدى الروايتين، وفي الأخرى يُفْعل به كما فعل به (١): فلو قطع يده ثم قتله [فعل به ذلك، وإِن قتله (٢)] بحجر أو غرّقه أو غير ذلك فعل به مثل فعله، وإِن قطع يده من مفصل أو غيره أو أَوْضحهُ فمات، فعل به كفعله فإِن مات وإِلا ضربت عنقه، وقال القاضي يقتل ولا يزاد على ذلك رواية واحدة، وإِن قتله بمحرم في نفسه كتجريع الخمر واللواط ونحوه قتل بالسيف رواية واحدة. ولا تجوز الزيادة على ما أتى به رواية واحدة، ولا قطع شيء من أطرافه، فإِن فعل فلا قصاص فيه، وتجب فيه ديته سواء عفا عنه أو قتله.
فصل
وإِن قتل واحدٌ جماعةَ فَرَضُوا بقتله، قتل لهم، ولا شيء لهم سواه، وإِن تشاحوا فيمن يقتله منهم على الكمال، أقيد للول وللباقين دية قتيلهم، وإِن رضي الأول بالدية أعطيها وقتل للثاني.
وإِن قتل وقطع طرفاً قطع طرفه، ثم قتل لولي المقتول، وإِن قطع أيدي جماعة فحكمه حكم القتل.
باب العفو عن القصَاص
والواجب بقتل العبد أحد شيئين: القصاص أو الدية في ظاهر المذهب، والخيرة فيه إِلى الولي: فإِن شاء اقتص، وإِن شاء أخذ الدية، وإِن شاء عفا إِلى غير شيء، والعفو أفضل، فإِن اختار القصاص فله العفو
стр. 404
على الدية، وإِن اختار الدِّية سقط القصاص ولم يملك طلبه، وعنه أن الواجب القصاص عيناً وله العفو إِلى الدية وإِن سخط الجاني، فإِن عفا مطلقاً، وقلنا الواجب أحد شيئين، فله الدية، وإِن قلنا الواجب القصاص عيناً، فلا شيء له.
وإِن مات القاتل وجبت الدية في تركته، وإِذا قطع أُصْبُعاً عمداً فعفا عنه ثم سرى إِلى الكف أو النفس وكان العفو على مال فله تمام الدية، وإِن عفا على غير مال فلا شيء له على ظاهر كلامه، ويحتمل أن له تمام الدية، وإِن عفا مطلقاً انبنى على الروايتين في موجب العمد. وإِن قال الجاني عفوت مطلقاً، أو عفوت عنها وعن سرايتها، قال بل عَفَوْتُ إِلى مال، أو عفوت عنها دون سرايتها فالقول قوله مع يمينه، وإِن قتل الجاني العافي فلوليه القصاص أو الدية كاملة، وقال القاضي: له القصاص أو تمام الدية.
وإِذا وكل رجلاً في القصاص ثم عفا ولم يعلم الوكيل حتى اقتص فلا شيء عليه، وهل يضمن العافي يحتمل وجهين، ويتخرج أن يضمن الوكيل ويرجع به على الموكل في أحد الوجهين لأنه غرَّه، والآخر لا يرجع به ويكون الواجب حالاًّ في ماله، وقال أبو الخطاب: يكون على عاقلته.
وإِذا عفا عن قاتله بعد الجرح صح، وإِن أبرأه من الدية أو وصَّى (١) له بها فهي وصية لقاتل هل تصح؟ على روايتين.
إِحداهما تصح ويعتبر من الثلث.
ويحتمل أن لا يصح عفوه عن المال، ولا وصيته به لقاتل ولا غيره، إِذا قلنا إِنه يَحْدُث على ملك الورثة.
стр. 405
وإِن أبرأ القاتل من الدية الواجبة على عاقلته أو العبد من جنايته التي يتعلق أرْشها (١) برقبته لم يصح، وإِن أبرأ العاقلة أو السيد صح.
وإِن وجب لعبد قصاص، أو تعزير، أو قذف، فله طلبه والعفو عنه، وليس ذلك للسيد إِلا أن يموت العبد.
باب ما يوجب القصَاص فيما دون النّفس
كل من أقيد بغيره في النفس أقيد به فيما دونها ومن لا فلا، ولا يجب إِلا بمثل الموجب في النفس وهو العبد المحض، وهو نوعان:
أحدهما في الأطراف: فتؤخذ العين بالعين، والأنف بالأنف، والأذن بالأذن، والسن بالسن، والجفن بالجفن، والشفة بالشفة، واليد باليد، والرجل بالرجل، ويؤخذ كل واحد من الأصابع والكف والمرفق والذكر والأنثيين بمثله، وهل يجري في الإِلية والشفر على وجهين.
فصل
ويشترط للقصاص في الطرف ثلاثة شروط:
أحدها: الأمن من الحيف بأن يكون القطع من مفصل أو له حد ينتهي إِليه كما رنا لأنف وهو مَا لاَنَ منه، فإِن قطع القصبة، أو قطع من نصف الساعد أو الساق، فلا قصاص في أحد الوجهين، وفي الآخر يقتص من حد المارن، ومن الكوع والكعب، وهل يجب أَرش الباقي؟ على وجهين.
ويقتص من المنكب إِذا لم يخف جائفة، فإِذا أوضح إِنساناً فأذهب
стр. 406
ضوء عينه، أو سمعه، أو شمه، فإِنه يُوضِحُهُ، فإِن ذهب ذلك وإِلا استعمل فيه ما يذهبه من غير أن يجني على حدقته أو إِذنه أو أنفه، فإِن لم يمكن إِلا بالجناية على هذه الأعضاء سقط.
الثاني (١): المماثلة في الموضع: فتؤخذ كل واحدة من اليمنى واليسرى والعليا والسفلى من الشفتين والأجفان بمثلها، والإِصبع والسن والأنملة بمثلها في الموضع والاسم، ولو قطع أنملة رجل العليا وَقَطَعَ الوسطى من تلك الإِصبع من آخر لم يكن له عليا فصاحب الوسطى مخير بين أخذ عَقْلِ أنملته وبين أن يصبر حتى يقطع العليا ثم يقتص من الوسطى، ولا يُؤخذ شيء من ذلك بما يخالفه، ولا تُؤْخذ أصلية بزائدة، ولا زائدة بأصلية، وإِن تراضيا عليه لم يجز، فإِن فعلا أو قطعها تعدياً، أو قال اخرج يمينك فأخرج يساره فقطعها أجزأت على كل حال وسقط القصاص قاله أبو بكر (٢). وقال ابن حامد: إِن أخْرَجها دهشة أو ظناً أنها تجزئ فعلى القاطع دِيَتُها، وإِن كان مَنْ عليه القصاص مجنوناً فعلى القاطع القصاص وإِن كان عالماً بها أو أنها لا تجزئ، وإِن جهل أحدهما فعليه الدية، وإِن كان المقتص مجنوناً والآخر عاقلاً ذهبت هدراً.
فصل
الثالث (٣): استواؤهما في الصحة والكمال: فلا تُؤْخذ صحيحة بشلاَّء، ولا كاملة الأصابع بناقصة، ولا عين صحيحة بقاتمة، ولا لسان ناطق بأخرس، ولا ذكر صحيح بأشل، ولا ذكر (٤) فحل بذكر خصي ولا
стр. 407
عنين، ويحتمل أن يؤخذ بهما، إِلا مارن الأشم الصحيح يؤخذ بمارن الأخشم والمخزوم والمستحشف، وأذن السميع بأذن الأصم الشلاء في أحد الوجهين، ويؤخذ المعيب من ذلك كله بالصحيح وبمثله إِذا أمن من قطع الشلاء التلف، ولا يجب له مع القصاص أَرْش في أحد الوجهين، وفي الآخر له دية الأصابع الناقصة، ولا شيء له من أجل الشلل، واختار أبو الخطاب أن له أَرْشه. وإِن اختلفا في شلل العضو وصحته فأيهما يقبل قوله؟ ففيه وجهان.
فصل
وإِن قطع: بعض لسانه، أو مارنه، أو شفته، أو حشفته، أو أذنه، أخذ بمثله، يقدر بالأجزاء كالنصف والثلث والربع، وإِن كسر بعض سنه برد من سن الجاني مثله إِذا أمن قلعها، ولا يقتص من السن حتى ييأس من عودها، فإِن اختلفا في ذلك رجع إِلى قول أهل الخبرة، فإِن مات قبل اليأس من عودها فعليه ديتها ولا قصاص فيها، وإِن اقتص من سن فعادت غرم سن الجاني، ثم إِن عادت سن الجاني رُدَّ ما أخذ، وإِن عادت سن المجني عليه قصيرة أو معيبة فعلى الجاني أرش نقصها.
فصل
النوع الثاني (١) الجروح فيجب القصاص في كل جرح ينتهي إِلى عظم: كالمُوَضَّحَةِ، وجرح العضد والفخذ والساق والقدم، ولا يجب في غير ذلك من الشجاج والجروح كما دون المُوَضَّحِةِ (٢) إِلا أن يكون أعظم من
стр. 408
المُوَضَّحَة، كالهاشِمَةِ، والمُنَقِّلَةِ، والمَأْمُومَةِ، فله أن يقتص مُوَضِّحَةً، ولا شيء له على قول أبي بكر، وقال ابن حامد: له ما بين دية موضحة ودية تلك الشَّجَّةِ: فيأخذ في الهَاشِمَةِ خمساً من الإِبل وفي المنقلةِ عشراً.
ويعتبر قدر الجرح بالمساحة: فلو أَوْضَحَ إِنساناً في بعض رَأْسِهِ مقدار ذلك البعض جميع رأس الشاج وزيادة كان له أن يوضحه في جميع رأسه، وفي الأرش للزائد وجهان.
فصل
وإِن اشترك الجماعة في قطع طرف، أو جرح موجب للقصاص وتساوت أفعالهم بمثل أن يضعوا الحديدة على يده ويتحاملوا عليها جميعاً حتى تبين فعلى جميعهم القصاص في إِحدى الروايتين، وإِن تفرقت أفعالهم أو قطع كل إِنسان من جانب فلا قصاص رِواية واحدة.
وسراية الجناية مضمونة بالقصاص أو الدية: فلو قطع إِصبعاً فتأكلت أخرى إِلى جانبها وسقطت من مفصل، أو تأكلت اليد وسقطت من الكوع وجب القصاص في ذلك، وإِن شل ففيه ديته دون القصاص.
وسراية القود غير مضمونة فلو قطع اليد قصاصاً فسرى إِلى النفس فلا شيء على القاطع.
ولا يقتص من الطرف إِلا بعد برئه، فإِن اقتص قبل ذلك بطل حقه من سراية جرحه، فلو سرى إِلى نفسه كان هدراً، وإِن سرى القصاص إِلى نفس الجاني كان هدراً أيضاً.
* * *
стр. 409
كتاب الدِّيِّات
كل من أتلف إِنساناً أو جزءاً منه بمباشرة أو سبب فعليه ديته، فإِن كان عمداً محضاً فهي في مال الجاني حالّة، وإِن كان شبه عمد أو خطأ أو ما أُجْرِي مجراه فعلى عاقلته.
ولو ألقى على إِنسان أفعى، أو القاه عليها فقتلته، أو طلب إِنساناً بسيف مجرد فهرب فوقع في شيء تلف به، بصيراً كان أو ضريراً، أو حفر بئراً في فنائه أو وضع حجراً أو صب ماءً في طريق، أوْ بالت فيها دابته ويده عليها، أو رمى قشر بطيخ فيها فتلف به إِنسان وجبت عليه ديته، وإِن حفر بئراً ووضع آخر حجراً فعثر به إِنسان فوقع في البئر فالضمان على واضع الحجر.
وإِن غصب صغيراً فنهشته حية أو أصابته صَاعِقَةٌ ففيه الدية وإِن مات بمرض فعلى وجهين.
وِإن اصطدم نفسان فماتا فعلى عاقلة كل واحد منهما دية الآخر، وإِن كانا راكبين فماتت الدابتان فعلى كل واحد منهما قيمة دابة الآخر، وإِن كان أحدهما يسير والآخر واقفاً فعلى السائر ضمان الواقف ودابته، إِلا أن يكون في طريق ضيق (١) قاعداً أو واقفاً فلا ضمان فيه، وعليه ضمان ما تلف به.
وإن أركب صبيين لا ولاية له عليهما فاصطدما فماتا فعلى عاقلته ديتهما.
стр. 410
وإِن رمى ثلاثة بمنجنيق فقتل الحجر إِنساناً فعلى عاقلة كل واحد منهم ثلث ديته، وإِن قتل أحدهم ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: يلغى فعل نفسه وعلى عاقلة صاحبيه ثلثا الدية.
والثاني: عليهما كمال الدية.
والثالث: على عاقلته ثلث الدية لورثته وثلثاها على عاقلة الآخرين، وإِن كانوا أكثر من ثلاثة فالدية حالّة في أموالهم.
وإِن جنى إِنسان على نفسه أو طرفه خطأ فلا دية له، وعنه على عاقلته ديته لورثته، ودية طرفه لنفسه.
وإِن نزل رجل بئراً فخر عليه آخر فمات الأول من سقطته فعلى عاقلته ديته، وإِن سقط ثالث فمات الثاني به فعلى عاقلته ديته، وإِن مات الأول من سقطتهما فديته على عاقلتهما، وإِن كان الأول جذب الثاني، وجذب الثاني الثالث، فلا شيء على الثالث، وديته على الثاني في أحد الوجهين، وفي الثاني على الأول والثاني نصفين، ودية الثاني على الأول، وإِن كان الأول هلك من وقعة الثالث احتمل أن يكون ضمانه على الثاني، واحتمل أن يكون نصفها على الثاني، وفي نصفها الآخر وجهان.
وإِن خر رجل في زبية أسد فجذب آخر، وجذب الثاني ثالثاً، وجذب الثالث رابعاً فقتلهم الأسد، فالقياس: أن دم الأول هدر وعلى عاقلته دية الثاني، وعلى عاقلة الثاني دية الثالث، وعلى عاقلة الثالث دية الرابع.
وفيه وجه آخر: أن دية الثالث على عاقلة الأول، والثاني نصفين، ودية الرابع على عاقلة الثلاثة أثلاثاً، وروي عن علي ﵁ أنه قضى للأول بربع الدية، وللثاني بثلثها، وللثالث بنصفها، وللرابع بكمالها على من حضرهم، ثم رفع إِلى النبي ﷺ فأجاز قضاءه، فذهب أحمد إِليه توقيفاً.
стр. 411
ومن اضطر إِلى طعام إِنسان أو شرابه وليس به مثل ضرورته فمنعه حتى مات ضمنه، نص عليه، وخرج عليه أبو الخطاب: كل من أمكنه إِنجاء إِنسان من هلكة فلم يفعل وليس ذلك مِثْلُهُ.
ومن أفزع إِنساناً فأحدث بغائط فعليه ثلث ديته وعنه لا شيء عليه.
فصل
ومن أدب ولده أو امرأته في النشوز، أو المعلم صَبِيَّهُ، أو السلطان رعيته ولم يسرف، فأفضى إِلى تلفه لم يضمنه، ويتخرج وجوب الضمان على ما قاله فيما إِذا أرسل السلطان إِلى امرأة ليحضرها فأجهضت جنينها، أو ماتت، فعلى عاقلته الدية.
وإِن سلم ولده إِلى السابح ليعلمه فغرق لم يضمنه، [ويحتمل أن تضمنه العاقلة، وإِن أمر كبيرٌ (١) عاقلاً ينزل بئراً أو يصعد شجرة فهلك لم يضمنه (٢)] إِلا أن يكون الآمر السلطان فهل يضمنه؟ على وجهين، وإِن وضع جرة على سطح فرمتها الريح على إِنسان فتلف لم يضمنه.
باب مقادير دِيَّات النَّفْس
دية الحر المسلم: مائة من الإِبل، أو مائتا بقرة، أو ألفا شاة، أو ألف مثقال مِنَ الذهب (٣) أو اثنا عشر ألف درهم. فهذه الخمسُ أصولٌ في الدية، إِذا أحضر مَنْ عليه الدية شيئاً منها لزمه قبوله.
وفي الحلل روايتان:
стр. 412
إِحداهما ليست أصلاً في الدية.
وفي الأخرى أنها أصل، وقدرها مائتا حلة من حلل اليمن كل حلة بردان.
وعنه أن الإِبل هي الأصل خاصة وهذه أبدال عنها، فإِن قدر على الإِبل وإِلا انتقل إِليها، فإِن كان القتل عمداً أو شبه عمد وجبت أرباعاً: خمس وعشرون بنت مخاض، وخمس وعشرون بنت لبون، وخمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة، وعنه أنها: ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة في بطونها أولادها. وهل يعتبر كونها ثنايا؟ على وجهين، وإِن كان خطأ وجبت أخماساً: عشرون بنت مخاض، وعشرون ابن مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون حقة، وعشرون جذعة.
ويؤخذ في البقر النصف مسنات، والنصف أتبعة، وفي الغنم النصف ثنايا، والنصف أجذعة ولا تعتبر القيمة في شيء من ذلك أن يكون سليماً من العيوب، وقال أبو الخطاب: يعتبر أن يكون قيمة كل بعير مائة وعشرين درهماً، فظاهر هذا أنه يعتبر في الأصول كلها أن تبلغ دية من الأثمان والأول أولى.
ويُؤخذ من الحلل المتعارف: فإِن تنازعا فيها جعلت قيمة كل واحدة ستين درهماً.
فصل
ودية المرأة نصف دية الرجل ويساوي جراحها جراحه إِلى ثلث الدية، فإِذا زادت صارت على النصف، ودية الخنثى المشكل نصف دية ذكر ونصف دية أنثى، وكذلك أرْش جراحه.
стр. 413
فصل
ودية الكتابي نصف دية المسلم، وعنه ثلث ديته، وكذلك جراحهم ونساؤهم على النصف من دياتهم، ودية المجوسي والوثني ثمانمائة درهم، ومن لم تبلغه الدعوة فلا ضمان فيه، وعند أبي الخطاب: إِن كان ذا دين ففيه دية أهل دينه وإِلا فلا شيء فيه.
فصل
ودية العبد والأمة قيمتهما بالغة ما بلغت، وعنه لا يبلغ بها دية الحر، وفي جراحه إِن لم يكن مقدراً من الحر ما نقصه، وإِن كان مقدراً في الحر فهو مقدر في العبد من قيمته: ففي يده نصف قيمته، وفي موضحته نصف عشر قيمته سواء (١) نقصته الجناية أقل من ذلك أو أكثر، وعنه أنه يضمن بما نقص، اختاره الخلال، ومن نصفه حر ففيه نصف دية حر ونصف قيمته، وهكذا في جراحه، وإِذا قطع خصيتي عبد أو أنفه أو أذنيه لزمته قيمته للسيد ولم يزل ملكه عنه، وإِن قطع ذكره ثم خصاه لزمته قيمته لقطع الذكر، وقيمة مقطوع الذكر، وملك سيده باق عليه.
فصل
ودية الجنين الحر المسلم إِذا سقط ميتاً غرة عبد أو أمة قيمتها خمس من الإِبل موروثة عنه كأنه سقط حياً، ذكراً كان أو أنثى. ولا يقبل في الغرة خنثى ولا معيب ولا من له دون سبع سنين، وإِن كان الجنين مملوكاً ففيه
стр. 414
عشر قيمة أمه ذكراً كان أو أنثى، وإِن ضرب بطن أمة فعتقت ثم أسقطت الجنين ففيه غرة، وإِن كان الجنين محكوماً بكفره ففيه عشر دية أُمِّهِ، وإِن كان أحد أبويه كتابياً والآخر مجوسياً اعتبر أكثرهما دية، وإِن سقط الجنين حياً ثم مات ففيه دية حر إِن كان حراً أو قيمته إِن كان مملوكاً إِذا كان سقوطه لوقت يعيش في مثله، وهو أن تضعه لستة أشهر فصاعداً، وإِلا فحكمه حكم الميت، وإِن اختلفا في حياته ولا بينة ففي أيهما يقدم قوله؟ وجهان.
فصل
وذكر أصحابنا أن القتل تغلظ ديته: بالحَرَمِ، والإِحرَامِ، والأشهر الحُرُمُ، والرَّحِمِ المُحَرَّمِ، فيزاد لكل واحد ثلث الدية، فإِذا اجتمع الحرمات الأربع وجب ديتان وثلث. وظاهر كلام الخرقي أنها لا تغلظ بذلك وهو ظاهر الآية والأخبار، وإِن قتل المسلم كافراً عمداً أضعفت الدية لإِزالة القود كما حكم عثمان بن عفان ﵁.
فصل
وإِذا جنى العبد خطأ فسيده بالخيار بين فدائه بالأقل من قيمته، أو أَرْش جنايته، أو تسليمه ليباع في الجناية، وعنه إِن أبى تسليمه فعليه فداؤه بأَرْش الجناية كله، فإِن سلمه وأبى ولي الجناية قبوله وقال بعه أنت فهل يلزمه ذلك؟ على روايتين. وإِن جنى عمداً فعفا الولي عن القصاص على رقبته فهل يملكه بغير رضا السيد؟ على روايتين. وإِن جنى على اثنين خطأ اشتركا فيه بالحصص، فإِن عفا أحدهما أو مات المجني عليه فعفا بعض ورثته فهل يتعلق حق الباقين بجميع العبد أو بحصتهم منه؟ على وجهين.
وإِن جرح حراً فعفا عنه ثم مات من الجراحة ولا مال له، وقيمة العبد
стр. 415
عشر ديته واختار السيد فداءه وقلنا يفديه بقيمته، صح العفو في ثلثه، وإِن قلنا يفديه بالدية، صح العفو في خمسة أسداسه وللورثة سدسه، لأن العفو صح في شيء من قيمته وله بزيادة الفداء تسعة أشياء، بقي للورثة ألف إِلا عشرة أشياء تعدل شيئين، اجبرْ وقابلْ يخرج الشيء نصف سدس الدية، وللورثة شيئان فتعدل السدس والله أعلم (١).
باب دِيات الأعضاء ومنافعها
ومن أتلف ما في الإِنسان منه شيء واحد ففيه الدَّيَةُ، وهو:
الذكر، والأنف، واللسان الناطق، ولسان الصبي الذي يحركه بالبكاء.
وما فيه منه شيئان ففيهما الدية وفي أحدهما نصفها:
كالعينين، والأذنيني، والشفتين، واللحيين، وثديي المرأة، وثندوتي الرجل، واليدين، والرجلين، والإِليتين، والأنثيين، وأسكتي المرأة.
وعنه في الشفة السفلى ثلثا الدية وفي العليا ثلثها، وفي المنخرين ثلثا الدية وفي الحاجز ثلثها، وعنه في المنخرين الدية وفي الحاجز حكومة، وفي الأجفان الأربعة الدية، وفي كل واحد ربعها، وفي أصابع اليدين الدية، وفي أصابع الرجلين الدية، وفي كل أصبع عشرها، وفي كل أنملة ثلث عقلها إِلا الإِبهام فإِنها مفصلان ففي كل مفصل نصف عقلها، وفي الظفر خمس دية الإِصبع، وفي كل سن خمس من الإِبل إِذا قلعت ممن قد ثغر، والأضراس والأنياب كالأسنان، ويحتمل أن يجب في جميعها دية واحدة.
стр. 416
وتجب دية اليد والرجل في قطعهما من الكوع والكعب، فإِن قطعهما من فوق ذلك لم يزد على الدية في ظاهر كلامه، وقال القاضي: في الزائد حكومة.
وفي مارن الأنف، وحشفة الذكر، وحلمتي الثديين، وكسر ظاهر السن، دية العضو كاملة، ويحتمل أن يلزم من استوعب الأنف جدعاً دية وحكومة في القصبة، وفي قطع بعض المارن، والأذن، والحلمة واللسان، والشفة، والحشفة، والأنملة، والسن، وشق الحشفة طولاً، بالحساب من ديته يُقَدَّرُ بالأجزاء.
وفي شلل العضو، أو ذهاب نفعه، والجناية على الشفتين بحيث لا ينطبقان على الأسنان، وتسويد السن والظفر بحيث لا يزول ديته، وعنه في تسويد السن ثلث ديتهاو وقال أبو بكر: فيها حكومة.
وفي العضو الأشل: من اليد والرجل: والذكر، والثدي، ولسان الأخرس، والعين القائمة، وشحمة الأذن، وذكر الخصي، والعنين، والسن السوداء، والثدي دون حلمته، والذكر دون حشفته، وقصبة الأنف، واليد، والأصبع الزائدتين حكومة، وعنه ثلث ديته، وعنه في ذكر الخصي والعنين كمال ديته، فلو قطع الأنثيين والذكر معاً، أو الذكر ثم الأنثيين لزمه ديتان، ولو قطع الأنثيين ثم قطع الذكر وجبت دية الأنثيين، وفي الذكر روايتان:
إِحداهما: دية.
والأخرى حكومة أو ثلث الدية.
وإِن أشَلَّ الأنف أو الأذن أو عوجهما ففيه حكومة، وفي قطع الأشل منهما كمال ديته.
وتجب الدية في أنف الأخشم والمخزوم وأذني الأصم، وإِن قطع أنفه
стр. 417
فذهب شمه، أو أذنيه فذهب سمعه، وجبت ديتان. وسائر الأعضاء إِذا أذهبها بنفعها لم تجب إِلا دية واحدة.
فصل في دية المنافع
وفي كل حاسة دية كاملة، وهي:
السمع، والبصر، والشم، والذوق. وكذلك تجب في الكلام والعقل، والمشي، والأكل والنكاح، وتجب في الحدب والصَّعَر وهو أن يضربه فيصير الوجه في جانب، وفي تسويد الوجه إِذا لم يزل، وإِذا لم يستمسك الغائط أو البول، ففي كل واحد من ذلك دية كاملة.
وفي نقص شيء من ذلك إِن علم بقدره: مثل نقص العقل بأن يجن يوماً ويفيق يوماً، أو ذهاب بصر إِحدى العينين، أو سمع إِحدى الأذنين.
وفي بعض الكلام بالحساب: يقسم على ثمانية وعشرين حرفاً، ويحتمل أن يقسم على الحروف التي للسان فيها عمل دون الشفوية: كالباء، والفاء، والميم.
وإِن لم يعلم قدره مثل أن صار مدهوشاً، أو نقص سمعه، أو بصره، أو شمه، أو حصل تمتمة أو عجلة، أو نقص مشيه، أو انحنى قليلاً، أو تقلست شفته بعض التقليس، أو تحركت سنه، أو ذهب اللبن من ثدي المرأة، ونحو ذلك، ففيه حكومة.
وإِن قطع بعض اللسان فذهب بعض الكلام، اعتبر أكثرهما: فلو ذهب ربع اللسان ونصف الكلام، أو ربع الكلام ونصف اللسان، وجب نصف الدية، فإِن قطع ربع اللسان فذهب نصف الكلام، ثم قطع آخر بقيته فعلى الأول نصف الدية وعلى الثاني نصفها، ويحتمل أن يجب عليه نصف الدية وحكومة لربع اللسان، وإِن قطع لسانه فذهب نطقه وذوقه لم يجب إِلا دية، وإِن ذهبا مع بقاء اللسان ففيه ديتان.
стр. 418
وإِن كسر صلبه فذهب مشيه ونكاحه ففيه ديتان، ويحتمل أن تجب دية واحدة.
وإِن اختلفا في نقص بصره أو سمعه فالقول قول المجني عليه، وإِذا اختلفا في ذهاب بصره أُرِيَ أهلَ الخبرة وقُرِّبَ الشيء إِلى عينه في وقت غفلته.
وإِن اختلفا في ذهاب سمعه أو شمه أو ذوقه: صيح به في أوقات غفلته، وتتبع بالرائحة المنتنة، وأطعم الأشياء المرة، فإِن فزع مما يدنو من بصره، أو انزعج للصوت، أو عبس للرائحة أو الطعم المر، سقطت دعواه، وإِلا فالقول قوله مع يمينه.
فصل
ولا تجب دية الجُرح حتى يندمل، ولا تجب دية سن ولا ظفر ولا منفعة حتى يُيْئَسَ من عودها، ولو قُلِع سِنٌ كبير أو ظفرٌ ثم نبت، أو رده فالتحم، أو ذهب سمعه أو بصره أو شمه أو ذوقه أو عقله ثم عاد سقطت ديته، وإِن كان قد أخذها ردها، وإِن عاد ناقصاً أو عادت السن أو الظفر قصيراً أو متغيراً فعليه أَرْشُ نقصه، [وعنه في قلع الظفر إِذا نبت على صفته خمسة دنانير، وإِن نبت أسود ففيه عشرة] (١) [وإِن قلع سن صغير ويئس من عودها وجبت ديتها، وقال القاضي فيها حكومة]. (٢)
وإِن مات المجني عليه فادعى الجاني عود ما أذهبه فأنكره الولي، فالقول قول الولي. وإِن جنى على سنه اثنان واختلفا فالقول قول المجني عليه في قدر ما أتلف كل واحد منهما.
стр. 419
فصل
وفي كل واحد من الشعور الأربعة الدية. وهي:
شعر الرأس.
واللحية.
والحاجبين.
وأهداب العينين. وفي كل حاجب نصفها، وفي كل هدب ربعها.
وفي بعض ذلك بقسطه من الدية، وإِنما تجب ديته إِذا أزاله على وجه لا يعود فإِن عاد سقطت الدية.
وإِن أبقى من لحيته ما لا جمال فيه: احتمل أن يلزمه بقسطه، واحتمل أن يلزمه كمال الدية.
وإِن قلع الجفن بهدبه لم تجب إِلا دية الجفن.
وإِن قلع اللحيين بما عليهما من الأسنان فعليه ديتهما ودية الأسنان.
وإِن قطع كفاً بأصابعه لم يجب إِلا دية الأصابع، وإِن قطع كفاً عليه بعض الأصابعِ دَخَلَ ما حاذى الأصابع في ديتها، وعليه أَرْشُ باقي الكف، وإِن قطع أَنْمُلةٍ بظفرها فليس عليه إِلا ديتها.
فصل
وفي عين الأعور دية كاملة، نص عليه، وإِن قلع الأعور عين صحيح [مماثلة لعينه الصحيحة (١)] عمداً فعليه دية كاملة ولا قصاص، ويحتمل
стр. 420
أن تُقْلَعَ عينه ويعطى نصف الدية، وإِن قلعها خطأ فعليه نصف الدية، وإِن قلع عيني صحيح عمداً خُيِّر بين قلع عينه ولا شيء له غيرها، وبين الدية.
وفي يد الأقطع نصف الدية وكذلك في رجله، وعنه فيها دية كاملة.
باب الشجاج وكسر العظام
الشجة اسم لجرح الرأس والوجه خاصة وهي عشر:
خمس لا مقدر فيها:
- أولها الحارصة التي تحرص الجلد أي تشقه قليلاً ولا تدميه.
ثم البازلة: التي يسيل منها الدم.
ثم الباضعة: التي تبضع اللحم.
ثم المتلاحمة التي أخذت في اللحم.
ثم السمحاق التي بينها وبين العظم قشرة رقيقة.
فهذه الخمس فيها حكومة في ظاهر المذهب، وعنه في البازلة بعير، وفي الباضعة بعيران، وفي المتلاحمة ثلاثة، وفي السمحاق أربعة.
فصل
وخمس فيها مقدر:
أولها المُوَضِحَةُ التي توضح العظم أي: تبرزه ففيها خمسة أبعرة، وعنه في موضحة الوجه عشرة، والأول المذهب، فإِن عمت الرأس ونزلت إِلى الوجه، فهل هي موضحة أو موضحتان؟ على وجهين.
وإِن أوضحه مُوضِحَتَيْن بينهما حاجز فعليه عشرة، فإِن خُرق ما بينهما
стр. 421
أو ذهب بالسراية صارا موضحة واحدة، وإِن خرقه المجني عليه أو أجنبي فهي ثَلاثُ مَوَاضِح، وإِن اختلفا فيمن خرقه فالقول قول المجني عليه، ومثله لو قطع ثلاث أصابع امرأة فعليه ثلاثون من الإِبل، فإِن قطع الرابعة عاد إِلى عشرين، فإِن اختلفا في قاطعها فالقول قول المجني عليه.
وإِن خرق ما بين الموضحتين في الباطن فهل هي موضحة أو موضحتان؟ على وجهين.
وإِن شج جميع رأسه سمحاقاً إِلا موضعاً منه أوضحه فعليه أرْش موضحة.
ثم الهاشمة وهي التي توضح العظم وتهشمه ففيها عشر من الإِبل، فإِن ضربه بمثقل فهشمه من غير أن يوضحه ففيه حكومة، وقيل يلزمه خمس من الإِبل.
ثم المنقلة وهي التي توضح العظم وتهشم وتُنْقل عظامها، ففيها خمس عشرة من الإِبل.
ثم المأمومة وهي التي تصل إِلى جلدة الدماغ وتسمى أم الدماغ، وتسمى المأمومة آمة، ففيها ثلث الدية.
ثم الدامغة وهي التي تخرق الجلدة ففيها ما في المأمومة.
فصل
وفي الجَائِفَةِ ثلث الدية، وهي التي تصل إِلى باطن الجوف من بطن أو ظهر أو صدر أو نحر، فإِن خرقه من جانب فخرج من جانب آخر فهي جائفتان، وإِن طعنه في خده فوصل إِلى فمه ففيه حكومة، ويحتمل أن تكون جائفة، فإِن جرحه في وركه فوصِل الجُرْحُ إلى جوفه أو أوضحه فوصل الجرح إِلى قفاه، فعليه دية جَائِفةٍ ومُوضَحَةٍ وحكومة لجرح القفاء
стр. 422
والورك، وإِن أجافه ووسع آخر الجرح فهي جائفتان. وإِن وسَّع ظاهره دون باطنه، أو باطنه دون ظاهره فعليه حكومة، وإِن التحمت الجائفة ففتحها آخر فهي جائفة أخرى.
فصل
وفي الضَّلْع بعير، وفي التَّرقُوتَيْن بعيران، وفي كل واحد من الذراع والزند والفخذ والعضد والساق بعيران، وما عدا ما ذكرنا من الجروح وكسر العظام مثل: خرزة الصلب، والعصعص، ففيه حكومة. والحكومة إِن يقوم المجني عليه كأنه عبد لا جناية به ثم يقوم وهي به قد برأت فما نقص من القيمة فله مثله من الدية، فإِن كان قيمته وهو صحيح عشرين، وقيمته وبه الجناية تسعة عشر، ففيه نصف عشر ديته، إِلا أن تكون الحكومة في شيء فيه مقدر، فلا يبلغ به أرش المقدر، فإِذا كانت في الشجاج التي دون المُوضِّحةِ لم يبلغ بها أرْش المُوضِّحَةِ، وإِن كانت في أُصْبُع لم يبلغ بها دية الأُصْبُعِ، وإِن كانت في أنملة لم يبلغ بها ديتها، وإِن كانت مما لا تنقص شيئاً بعد الاندمال قومت حال جريان الدم: فإِن لم تنقص شيئاً بحال أو زادته حسناً فلا شيء فيها. والله أعلم.
باب العاقلة وما تحمله
عاقلة الإِنسان عَصَبَاتُهُ كلهم قريبهم وبعيدهم من النسب والولاء، إِلا عمودي النسبة: آباؤه وأبناؤه. وعنه أنهم من العاقلة أيضاً.
وليس على فقير، ولا صبي، ولا زائل العقل، ولا امرأة، ولا خنثى مشكل، ولا رقيق، ولا مخالف لدين الجاني حمل شيء، وعنه أن الفقير يحمل من العقل، ويحمل الغائب كما يحمل الحاضر.
стр. 423
وخطأ الإمام والحاكم في أحكامه في بيت المال، وعنه على عاقلته.
وهل يتعاقل أهل الذمة؟ على روايتين. ولا يعقل ذمي عن حربي، ولا حربي عن ذمي.
ومن لا عاقلة له أو لم تكن له عاقلة تحمل الجميع: فالدية أو باقيها عليه إِن كان ذمياً، وإِن كان مسلماً أخذ من بيت المال فإِن لم يمكن فلا شيء على القاتل، ويحتمل أن تجب في مال القاتل وهو أولى، كما قالوا في المرتد يجب أرْش خطئه في ماله، ولو رمى وهو مسلم فلم يصب السهم حتى ارتد كان عليه في ماله ولو رمى الكافر سهماً ثم أسلم، ثم قتل السهم إِنساناً فديته في ماله، ولو جنى ابن المعتقة ثم انجر ولاؤه، ثم سرت جنايته، فأرْش الجناية في ماله لتعذر حمل العاقلة فكذا هذا.
فصل
ولا تحمل العاقلة: عمداً، ولا عبداً، ولا صلحاً، ولا اعترافاً، ولا ما دون ثلث الدية، ويكون ذلك في مال الجاني حَالاً، إِلَّا غرة الجنين إِذا مات مع أمه فإِن العاقلة تحملها مع دية أمه وإِن ماتا منفردين لم تحملها العاقلة لنقصها عن الثلث، وتحمل جناية الخطأ على الحر إِذا بلغت الثلث، قال أبو بكر: ولا تحمل شبه العبد ويكون في مال القاتل في ثلاث سنين، وقال الخرقي تحمله العاقلة.
وما يحمله كل واحد من العاقلة غير مقدر لكن يرجع فيه إِلى اجتهاد الحاكم: فيحمل كل إِنسان منهم ما يسهل ولا يشق، وقال أبو بكر: يجعل على الموسر نصف دينار، وعلى المتوسط ربعاً، وهل يتكرر ذلك في الأحوال الثلاثة أو لا؟ على وجهين.
ويبدأ بالأقرب فالأقرب فمتى اتسعت أموال الأقربين لها لم
стр. 424
يتجاوزهم، وإِلا انتقل إِلى من يليهم فإِن تساوى جماعة في القرب وزع القدر الذي يلزمهم بينهم.
فصل
وما تحمله العاقلة يجب مؤجلاً في ثلاث سنين: في كل سنة ثلثه إِن كان دية كاملة، وإِن كان الواجب ثلث الدية كأرْش الجائفة وجب في رأس الحول، [وإِن كان نصفها كدية اليد، وجب في رأس الحول (١)] الأول الثلث، وباقيه في رأس الحول الثاني، وإِن كان دية امرأة أو كتابي فكذلك، ويحتمل أن يقسم في ثلاث سنين، وإِن كان أكثر من دية: كما لو جنى عليه فأذهب سمعه وبصره، لم يزد في كل حول على الثلث.
وابتداء الحول في الجرح من حين الاندمال، وفي القتل من حين الموت، وقال القاضي: إِن لم يسر الجرح إِلى شيء فحوله من حين القطع.
ومن مات من العاقلة قبل الحول أو افتقر سقط ما عليه، وإِن مات بعد الحول لم يسقط ما عليه.
وعَمْدُ الصبي والمجنون خطأ تحمله العاقلة، وعنه في الصبي العاقل أن عمده في ماله.
باب كَفَّارة القتل
من قتل نفساً مُحَرَّمَةً خطأ، أو ما أُجري مجراه أو شارك فيها، أو ضرب بطن امرأة فألقت جنيناً ميتاً أو حياً ثم مات، فعليه الكفارة مسلماً كان المقتول أو كافراً، حراً أو عبداً، وسواء كان القاتل كبيراً عاقلاً أو صبياً أو مجنوناً حراً أو عبداً.
стр. 425
ويكفر العبد بالصيام وعنه أن على المشتركين كفارة واحدة.
وأما القتل المباح كالقصاص والحد وقتل الباغي والصائل فلا كفارة فيه، وفي قتل العمد روايتان:
- إِحداهما لا كفارة فيه اختارها أبو بكر والقاضي.
- والأخرى فيه الكفارة.
باب القسامة
وهي الأيمان المكررة في دعوى القتل. ولا تثبت إِلا بشروط أربعة:
أحدها: دعوى القتل، ذكراً كان المقتول أو أنثى، حراً أو عبداً، مسلماً أو ذمياً، فأما الجراح فلا قسامة فيه.
الثاني: اللوث: وهو العداوة الظاهرة كنحو ما كان بين الأنصار وأهل خيبر، وكما بين القبائل التي يطلب بعضها بعضاً بثأر في ظاهر المذهب، وعنه ما يدل على أنه ما يغلب على الظن صحة الدعوى: كتفرق جماعة عن قتيل، ووجود قتيل عند من معه سيف ملطخ بدم، وشهادة جماعة ممن لا يثبت القتل بشهادتهم: كالنساء والصبيان ونحو ذلك، فأما قول القتيل فلان قتلني فليس بلوث. ومتى ادعي القتل مع عدم اللوث عمداً فقال الخرقي لا يحكم له بيمين ولا غيرها، وعن أحمد ﵁ أنه يحلف يميناً واحدة وهي الأولى، وإِن كان خطأ حلف يميناً واحدة.
الثالث: اتفاق الأولياء في الدعوى، فإِن ادعى بعضهم وأنكر بعض لم تثبت القسامة.
الرابع: أن يكون في المدعين رجال عقلاء. ولا مدخل للنساء والصبيان والمجانين في القسامة عمداً كان القتل أو خطأً. فإِن كانا اثنين أحدهما غائب أو غير مكلف فللحاضر المكلف أن يحلف ويستحق نصيبه