← Джавами‘

Джавами‘ · id 19234

بحوث وتحقيقات عبد العزيز الميمني

عبد العزيز الميمني

Полный текст (868 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

من العلماء منهم أبو سعيد، فأقام أبو سعيد بنيسابور وأملى بها المعاني والنوادر وكان لقي أبا عمرو، ثم ذكر ياقوت أن عبد الله أقدم معه جماعةً من أدباء الأعراب منهم: عرّام وأبو الْعَمَيثل (الشاعر الذي نشر له صاحبنا كرينكو الكتاب المأثور) وأبو العَيسجور، وأبو العَجَنَّس، وعَوْسجة، وأبو العُذافر وغيرهم؛ فتأدّب أولًا قُوّادة بأولئك الأعراب، وبهم تخرّج أبو سعيد؛ وكان وافى نيسابور مع عبد الله فصار لهم إمامًا في الأدب؛ ثم روى ياقوت أن بعض الأعراب الذين كانوا مع عبد الله اختصم في علاقة بينهم إلى صاحب الشُرطة بنيسابور، فسألهم بيّنة وشهودًا يعرفون فأعجزهم ذلك فقال أبو العيسجور: إن يبغِ مِنّا شهودًا يشهدون لنا ... فلا شهود لنا غيرُ الأعاريب وكيف يَبْغِي بنيسابور معرفةً ... مَن دارُه بين أرض الحَزن واللُوْب وكان أبو سعيد يختار المؤدّبين لأولاد قُوّاد عبد الله، ويبيّن مقدار أرزاقهم، (يقول العاجز الميمني كما كان أبو العمثيل الأعرابي يفعل مع الشعراء وهو الذي قدّم أبا تمام إلى عبد الله على ما هو معروف) ويطوف عليهم ويتعهّد مَن بين أيديهم من أولئك الصِبيان اهـ ثم ذكر في ذلك حكاية. فهذا الخبر بعد المقارنة بما في العين يشهد بأنّ الليث جمع العين بعد علم الخليل من علم هؤلاء الأعراب الذين كان عرّام في رعيلهم الأول، ومن علم أصحابهم كأبي (١) سعيد وغيره، ومن هذه الجهة أنكر كثير من علماء الأمصار كثيرًا مما جاء فيه ممّا لم يرووه عن شيوخهم وقد قعد بهم الكسلُ عن مشافهة عرب البوادي: وقديمًا كان في الناس الحَسَدْ. وممّا لا أكاد أقضي منه العجب أن أحدًا من أصحاب التراجم لم يذكر عَرّامًا، ولعلّ ذلك من أجل أنّه لا مؤلّف له، وكتابنا هذا أيضًا ممّا أملاه على أبي الأشعث الكندي فنسبوه بعدُ إلى السَكونيّ، وربّما يكون عرّام أُمّيّا والله أعلم وهذا النّديم ٤٧ يذكر جملة صالحة من الأعراب الذين أُخذت عنهم اللغة، ولكنّه ينسى صاحبنا؛

стр. 457

وقد ألمّ الحاجّ (١) خليفة بالكتاب إلمامة تدلّ على أنه لم يره رأي العين فخبط خبط عشواء. ولكن ياقوت ﵀ يزيدنا في بلدانه علمًا بعَرّام ومقامِه, وينبّهنا إلى ذلك، فقال في رسم (ثافل) بعدما روى قول عرّام في معنى الأيدع ثم أردفه بما قاله سائر اللغويين في ذلك، ما نصّه: والصواب عندنا قول عَرّام لأنه بدويّ من تلك البلاد وهو أعرف بشجر بلاده وفي رسم (زَبِيّة): كذا هو مضبوط في كتاب عرّام. فلنستشِر إذن باكتشاف أوّل ما كتبه العرب في البلدان، أو في جغرافيا الحجاز وتهامة، أملاه في مبتدإ القرن الثالث رجل طاف بلادها وبقاعها، وخِرِّيت جاب أغوارها ونجادها، وذاق من ثمارها وشرب من عيونها وبئارها، وخالط أحياءها وقبائلها، وسلك فجاجه ورقي قواعلها، فقتل أرضها خِبرة وخبرا، ووصف كلَّ ما فيها كَمَا شاء وعلى مَا رأى: إذا قال لم يترك مقالا لقائل ... بملتَقطات لا ترى بينها فصلًا كفى وشفى ما في النفوس فلم يدع ... لذي إربة في القول جِدّا ولا هزلا وصف كتاب أسماء جبال تهامة وسُكّانها وما فيها من القرى وما ينبت عليها من الأشجار وما فيها من المياه: يرويه في نسختنا الإِمام أبو سعيد السيرافي، عن أبي محمد عبيد الله بن عبد الله السّكّري، عن عبد الله بن عبد الرحمن الورّاق المعروف بابن (٢) أبي سعد، عن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الملك أبي الأشعث [الكِنديّ] , أملاه عليه عرّام بن الأصبغ السُلَمي [الأعرابي] الخ. ويقول البكري في (٣) مقدمة معجمه ما نصّه: جميع ما أُورده في هذا الكتاب عن السكوني فهو من كتاب أبي عبيد الله عمرو

стр. 458

ابن بشر بن مرثد السكوني في جبال تهامة ومحالّها، يحمل جميع ذلك عن أبي الأشعث الكندي عن عرّام بن الأصبغ السلميّ الأعرابيّ. وكذلك يقول ياقوت في رسم (النَقِرة): قال أبو عبيد الله السكوني هكذا ضبطه ابن أخت الشافعي بكسر القاف. فراوي نسختيهما إذن السَكوني، كما أن روايتنا عن ابن أبي سعد الوَرّاق ورواية ياقوت أوفقهما بروايتنا. وقد وقف الرجلان على كتاب عرّام، وانتشلا جُلّ ما فيه أو قُلْ كُلَّه، ولا تتحرَّج ولا تتأثّم، وأورداه في معجميهما كقول فصل ناطق في القضيّة حَسْمًا لمادّة الخلاف وتطبيقًا لمفصل الإصابة: إذا قالت حذَامِ فصدِّقوها ... فإنّ القول ما قالت حَذامِ ويظهر بعد مقابلة الروايتين أن نسخ الكتاب كانت مختلفة جِدَّ اختلاف منذ قديم، وقد أورث هذا الاختلاف المتوارَث، إلى اختلافات الورّاقين، وتصحيفات النُسّاخ الحادثة، تضاربا في الأقوال والمذاهب فاحشًا، وتشتتًا في تسمية الأماكن والبقاع وغيرها وضبطها ووصفها وتحديدها غير هَيِّن؛ وأنا لا أرى العناية برفعه الآن، ونحن في النصف الأخير من القرن الرابع عشر، إلَّا نوعًا من الخَبَل، وضربا في حديد بارد، فتركتُه على غَرّه الأوّل لهؤلاء الشرذمة النابتة في عصرنا الذين يملأون فراغ التاريخ بأوهامهم الفجّة الغير الناضجة، فيَضِلّون ويُضِلُّون، ويجتهدون بدون آلة ويخطئون، ولكن ذلك بعد التنبيه عليه، ولَفْت الأنظار إليه. وأرى في الختام أن أعرّف بهذه الخزانة وأنوّه بها، وهي تعزى إلى المفتي محمد سعيد خان بحيدر آباد كان، وهو جوهرة هذه العائلة العالمة العربيّة التي أقامت بسواحل جَنوب الهند أكثر من ثلثه قرون (بيجابور، كَوثه، بِيدر؛ زكات، مدراس) ومن هذه انتقل المرحوم سنة ١٢٨٤ هـ إلى حيدر آباد، بعد أن تبدّد شَمْل الإِمارات الوطنيّة الإِسلاميّة هناك، لِما عَمَّهم من الوَهْن والفَشَل والتخاذل أمام الأُمَّة القاهرة الأجنبيّة التي جاءتهم بما لا قِبَلَ لهم به، فضلًا عن الحِيَل والدسائس والمكايد، حيث قُلّد القضاء ثم الإِفتاء وتوفّى سنة ١٣١٢ هـ. وكان ورث مجموعة هذه الكتب عن أسلافه، وزاد إليها ما اقتناه من الأعلاق، فبلغت ٢١٢٠ نسخة خطّيّة، أغلبها في الفقه والحديث ومتعلقاته ومعظمها ممّا جُلب

стр. 459

من الأصقاع العربيّة الَّتي كانت لهم بها صِلَةٌ، وقد طبعوا عن هذه الخزانة بيانًا بالإِنكليزيّة ونشروه سنة ١٩٣٧ م، وقد جاء ذكر رسالتنا فيه في الصفحة الأخيرة ١٤. وأرى من واجب المروءة ذكر مديرها الشابّ الفاضل (شاه محمد غوث) وأقدّم له دواعي شكري الخالص والودّ المحض فإنه حفظه الله حبّس ساعات عمره لكلّ وارد وصادر لا يريد من أحد جزاء ولا شكورا. وقد تجشّم الصديق الفاضل المتفنّن الأستاذ عبد القدّوس الهاشمي نسخها فتمّ لي معارضتها بعد في إلمامتي القصيرة بحيدر آباد يوليه سنة ١٩٣٨ م. فشكري له رهن كشكري للأستاذ إبراهيم بن أحمد حمدي مُدير كتبخانة شيخ الإِسلام بالمدينة المنوّرة في قراءته الكتاب عليّ لِلْعراض حفظهم الله وأمتع بهم.

стр. 460

الإِفصاح عن أبيات مشكلةِ الإِيضاح للفارقيّ ولا توجيه إعراب أبيات مُلْغَزَةِ الإِعراب للرُّمّانيّ (*) كنَّا أنا والسيدان عزّ الدين التنوخي وسعيد الأفغاني في يونية الماضي نتفرَّج في منتزه المهاجرين ونتجاذب أطراف أحاديث هي ألذّ من السلوى لدى كل عارف. وسألت الصديق الكريم الأفغاني عما سقط عليه من طرائف الأعلاق وضنائن الأسفار في رحلته إلى الغرب والمغرب سنة ١٩٥٦ هـ فأخبرني بكتاب الرمَّاني هذا ولم يزدني فيه شيئًا. إذ جاءني كتاب من معالي الأستاذ الزركلي من الرباط أخبرني فيه بصدوره من المطبع ثم لم يمض أيام إلَّا وكتاب الصديق ماثلٌ أمام عيني ٢٣/ ٩/ ٥٨ م دالًّا على ودّه وصفائه. ومنذ تناولت نسخته ما زالت الشكوك تخالجني والرِيَب والأوهام تساورني. ولمَّا تغلغلت إلى أعماقه وعرفت أن صاحب الكتاب يروي عن أبي علي الفارسيّ (م ٣٧٧ هـ) وأبي سعيد السيرافي (٣٦٨ هـ)، والرمانيُّ (٣٨٨) عصريُّهما (١) وفي طبقتهما، وزاد ضِغثًا على إبَّالة أنه شرح لُمَع ابن جني (صاحب أبي عليّ الذي نبغ في آخر حياة الرُّماني وبُعيد وفاته) - جزمت بأنه ليس للرمَّاني ألبتَّة. وكنت أذكر للحسن بن أسد الفارقي أبي نصر الشاعر الكاتب النحوي المقتول سنة ٤٨٧ هـ الذي تُرجم له في الأدباء (٣/ ٤٧ - ٥٤) والإِنباه (١/ ٢٩٤ - ٢٩٨) وعنهما في الفوات والشذرات وغيرهما - مؤلفًا في المعنى. فراجعت جُزازاتي التي كنت علَّقتها في رحلة سنة ١٩٣٦ وفهرست دار الكتب ومجلة المجمع فوجدت: أن الإِفصاح عن أبيات مشكلة الإِيضاح للفارقي توجد منه نُسخ ومعظمها أجلّ

стр. 461

وأقدم من نسخة باريس. إحداها بوليّ الدين بايزيد برقم ٢٨١٨ بقطع صغير في ٨٥ ورقة. وأخرى بالدار (فهرس النحو ١٢٠) أوّلها: أطال الله بقاءك وأدام عزّك ونعماءك (١) وحرس نفسك وعلاءك الخ. وهي من مقتنيات الشنقيطي في ٢٧١ ص والمسطرة ١٥ عن نسخة كتبت سنة ٦١٣ هـ. وفيها ص ١٥٨ جاء ذكر مختصر للإِفصاح سمّي فيه الأصل ألغاز الإِعراب في مجموعة للشنقيطي برقم ٣٦. ولعلّ هذا المختصره لعزّ الدين الزنجاني (والريحاني تصحيف) المتوفي سنة ٦٥٤. ومنه نسخة في خزانة بيت الجوهري بنابلس جاء ذكره في مجلة المجمع ص ٤٥٥ سنة ٢٤ م نُسخ سنة ٦٦٠. كما جاء فيه ذكر نسخة أخرى في ٥/ ٩٧ ولكني لست أملك هذه المجلدة. فظهر أن هذا خطأ عظيم أفسد على الصديق عمله وحَرَمه المعارضةَ بعدة نسخ جليلة كانت منه على طرف الثُمام قريبة المتناوَل. كما حَرَم الفارقيَّ البائسَ المسكينَ مؤلَّفين له من أنبل ما كتبه في حياته وذكرهما كلّ من ترجم له فلم يبق ما يدلّ على حياته. هذا على أن إضافتهما إلى ثَبَت مؤلَّفات الرمَّاني وهو في صفحتين مكتنزتين ما كان ليغني عنه فتيلًا. إذ لم يُعْرَفا له ألف سنة مضت على وفاته وقد نال دونهما شهرة لا يستهان بها. فلم يذكرهما له أحد ممن له. والثابت على نسخة باريس ليس بخطّ الأصل كما هو ظاهر. فإما أن يكون هذا الكاتب المتأخر اختلط عليه الحابل بالنابل أي الفارقي بالرمانيّ. أو أن يكون لما وجد الكتاب غُفلًا أثبت عليه اسم كُتيّب للرمّانيّ في المعنى نفسه إن ثبت أنه له. وذلك أن فهرست الدار المذكورة نفسها تذكر في ص ٧٩ الألغاز النحوية للرُّمَّاني أوله: الحمد لله على فضله وكرمه الخ ٣٠ ش مخطوطة بقلم مغربيّ، وهذا كما ترى غير المطبوع، ثم رآه بروكلمان فتبعه ولم يوفَّق لاستجلاء الحقيقة وربما يكون عرف إفصاح الفارقي فذكره في كتابه ولم يفرغ للعِراض فقلَّد من أتى بعده، ثم إلى اليوم هلمّ جَرّا. وهذه بعض معلَّقات على المطبوع: ١ - قوله في ص ١٢: لا يُعرف من مؤلفات الرُّمَّاني غير ثلثة- زد إليها رابعًا وهو شرح أصول ابن السَّرَّاج ومنه قطعة في مجموعة برقم ١٠٧٧ بكتبخانة سليم آغا في

стр. 462

اسكيدار من ق ٢٩٥ - ٣٢٦. وخامسًا وهو ثلاثة أجزاء من شرح الكتاب الثاني والرابع والخامس بأرقام ١٩٨٤ و ١٩٨٧ و ١٩٨٦ في ١٨١ و ١٩٧ و ٢٩٧ ورقة ولاءً بكتبخانة فيض الله، أملاه سنة ٣٦٧ هـ. ٢ - على قوله ص ٢٥: هنا فرق كبير بين أبيات المعاني وبين الألغاز النحوية التي أُلّف فيها الإِفصاح. وقد كان الرمانيّ سبقه بالتأليف فيها وتأخّر عنه ابن هشام وخالد الأزهري وقد طُبع كتاباهما ولأبي سعيد بن لُبّ منظومة مشروحة طبعت في (١) الأشباه للسيوطي. ولابن عربشاه كتاب فيها إلى غيرهم. يا ليت صديقي كان عارض عمله بها وقارن. ٣ - قوله ص ٣٠: يمتدّ إلى مائة سنة- ولكن ذلك لا يحتاج إلى امتداد في عمره وإنما ينقل كلام ثعلب كما ننقله نحن الآن من دون أن ندركه. ٤ - في ص ٧١: فنام ليلي تجلّى همّي غير متزن ولا متمعنٍ. وهو شطر معروف في الكامل ٧٩: فنام ليلي وَتجَلّى همّي وكذا الصواب من النوم في الكلمات الآتية على ما في الأصل لا كما غيَّره في المتن. والبيت برقم ٥٥ لرجل من لصوص البحرين على ما في الكامل ٧٠٠ طبعة ريط. ٥ - في ص ١٣٤: وجه الكلام وصوابه: أنشدناه أبو إسحاق (يريد الزجَّاج لا غير) [في] المصنَّف لأبي عبيد. والبيت برقم ١٢٦ من المعروف شعر عنترة في طبعات ديوانه وسمط اللآلي ٤٨٣ وحماسة ابن الشجري ومشروحًا في الخزانة ٣/ ٣٦٢ والعيني ٣/ ١٥٧. ٦ - في ص ١٨٥: في بيت الرُبيع بن ضَبُع وجاء مصحَّفًا (ولا أسادوا) ولم أجد مع طول البحث المقطوعة التي منها البيت ليُعرف أهو من همزيته أو داليته اهـ -

стр. 463

المقطوعة همزية معروفة وكنت نشرتها في مجلة الزهراء ٤/ ٢٣٥ عن التيجان قبل نشره وهي في طبعته هذه ١١٩ وهي في المعمرين برقم ٦ والمرتضى ١/ ٢٥٥ وشرحي أدب الكتاب لابن السيد والجواليقي ٣٦٩ و ٤٦٦ والخزانة ٣/ ٣٠٦. والبيت منها إذا عاش الفتى، البيت من شواهد الكتاب كتاب سيبويه. ٧ - في ص ٢٠٣: البيت برقم ١٨٣ لطفيل الغنوي من قصيدة في ديوانه برقم ٩ ومنها ثلثة أبيات في الحماسة فريتاغ ١٣٦ وبولاق ١/ ١٤٦. ٨ - في ص ٢١٢: الحافظو عورة، البيت ليس لابن الخطيم وإنما هو من كلمة في الرويّ لعمرو بن قيس الخزرجيّ وقد خرّجته في الخزانة السلفية ٤/ ٢٠٥. ٩ - في ص ٢٣٠ البيت لعمرو بن معد يكرب الزبيدي عزاه إليه سيبويه ١/ ٢٠٠. وفُتيّة فيه مصغر فتاةَ ولا يجوز فِتنة فإن البيت لا يتزن معه. (كراتشي) ٢٦/ ٩/ ١٩٥٨ عبد العزيز الميمني

стр. 464

كتاب الإبْدال لحجة العرب أبي الطيب اللغوي (*) بتحقيق الأستاذ عز الدين التنوخي (عضو المجمع العلمي العربي) طبع الجزء الأول منه بمطبعة الترقي بدمشق، وعدد صفحاته ٤٠٠ بقطع الوسط لا غرو أن كتب المؤلفين الأقدمين التي جمعت شمل شذور اللغة وفرائدها، قد كانت في مبدإ الأمر رسائل لغوية تفرّقت شذرَ مذرَ في البلاد، ومن جملتها كتب ثعلب وأصحابه، والذين صنفوا معاجمهم الأولى لم ينصفوا علماء الكوفة، ولا قدَروا مؤلفاتهم حقَّ قدرها، ففاتهم بذلك جملة صالحة من اللغة ظلت كالضوالّ مبعثرة في هذه الرسائل الصغيرة، يشهد لذلك أنه ليس بأيدينا اليوم نسخة كاملة يعتمد عليها من مجالس ثعلب (١)، فما ظنك بما أُلّف بعد أبي العباس من مصنفات أصحابه كأبي علي القالي صاحب الأمالي وأبي القاسم ابن بَرهان، وابن خالويه وابن مقسِّم وأبي إسحاق الطبري، غلام أبي عمر الزاهد، وأبي عمر الزاهد المطرّز صاحب اليواقيت وأبي موسى الحامض وأبي عبيد المرزباني صاحب الموشَّح وجَعفر بن محمد الطيالسي صاحب المذاكرة عند المكاثرة، وأبي سليمان عبد السلام بن السَّمح راوي تآليف أبي عمر الزاهد، وهو الذي أدخلها الأندلس؛ أو من مصنّفات أصحاب هؤلاء كحجة العرب أبي الطيب اللغويّ، أو ما صُنِّف من بعده من كتب أئمة ثقات لم نقف لأكثرها على علم أو رسم. ثم إن أصحاب المعاجم الضخمة التي ألفت في القرن الرابع وما بعده قد انصرفوا عن الانتفاع بأتباع مدرسة الكوفة اللغوية، فلم يعبَأوا بهم ولا بآثارهم كما يجب، وآثروا علم مدرسة البصرة وأشادوا بذكر علمائها وكتبهم، ففاتهم بذلك فرائد لغة خلت منها معاجمهم بتةً، ولا نعرف من المتأخرين الأئمة من عني بلغة الكوفة وجمع فرائدها وشواردها من أصولها ودواوينها الصحيحة المضبوطة إلَّا صاحب

стр. 465

(العُباب الزاخر واللّباب الفاخر) وهو الإِمام الرضيّ الصاغاني العمريّ، أما سائر علماء اللغة فكان همَّ أكثرهم النقل والترتيب والاختصار والتفسير أو الجمع بين كتابين أو أكثر من دواوين اللغة. وتقدّم لي أن نبهّت في مقدّمة (المداخلات) لأبي عمر الزاهد (١) على ما فات صاحب اللسان من نوادر اللغة وشواردها التي وردت في هذه الرسالة الوجيزة، فما ظنك بكتب جليلة أخرى من مصنفات أبي عمر الزاهد وأبي الطيّب اللغويّ ممّا لم تظفر بها أيدينا، وظاهر أنها لو وصلت الينا لوصل إلينا بها علم غزير مما فات هذه المعاجم كلّها أو جلّها، وبما أوردناه من الشواهد يتحقق لك أنا اليوم في حاجة حاقَّة إلى العناية بأمثال هذه المصنفات الجليلة والتنقيب عنها، والعناية بما بقي من أجزائها مبعثرًا أو مرمومًا في كثير من الخزائن الخاصة حتى نتمكن من جمع شذور لغتنا العربية وفرائدها التي يفيد منها التأليف الحديث. هذا, ولعلك كنت قد قرأت في رسالة ابن القارح أمرَ تلك المسائل اللغوية التي سأل عنها سيف الدولة ابن خالويه وأبا الطيب اللغويّ، وكيف أجاب أبو الطيب من فوره عنها بقلم الحُمرة، وكيف عجز عن هذا ابن خالويه مع طول باعه، وذلك لاعتماده في اللغة على شيخه ابن دريد وعلم مدرسة البصرة خاصةً، ولاعتماد أبي الطيب على علم رجال الكوفة اللغويين الأثبات، ومثَل آخر ذكرته في مقدمة المداخلات (١)، وهو أمر امتحان علماء اللغة ببغداد لأبي عمر الزاهد في ثلاثين مسألة أملاها على ابن اليقاضي أبي عمر محمد بن يوسف وذكر غريبها وختمها ببيتين من الشعر، وكيف أن القاضي عرضَ على علماء اللغة هذه المسائل فتوقف فيها كثير منهم، وقال ابن دريد: هذه المسائل من موضوعات أبي عمر ولا أصل لشيء منها في اللغة، فبلغ ذلك أبا عمر فسأل القاضي إِحضارَ دواوين جماعة من قدماء الشعراء عيّنهم، ففتح القاضي خزانته وأخرج له تلك الدواوين، فلم يزل أبو عمر يخرج لكل مسألة شاهدًا من تلك الدواوين ويعرضه على القاضي حتى استوفاها كلها، ثم قال: وهذان البيتان أنشدهما ثعلب بحضرة القاضي فكتبهما بخطّه على ظهر الكتاب الفلاني فوجدهما القاضي على ظهره وبخطّه كما ذكر أبو عمر الزاهد المطرّز، وانتهت

стр. 466

القصّة إلى ابن دريد فلم يذكر أبا عمر بلفظة إلى أن مات، واعترفوا لأبي عمر بقوة الحفظ وسعة الاطلاع، ومما أجمع عليه العلماء أن من حفظَ حجةٌ على من لم يحفظ. فأين ليت شعري ضاعت مصنفات مدرسة الكوفة، أو في آية خزائن الأرض لا تزال مدفونةً؟ ولا أدلَّ على صدق أبي عمر الزاهد وتثبّته مما ينقله عن الأئمة والدواوين الموثوقة من شهادة الإمام الأزهري المحقق في ختام تهذيبه (١) حيث يقول: هذا آخر الكتاب الذي سمَّيته تهذيب اللغة، وقد حرصتُ أن لا أودعه من كلام العرب إِلا ما صحَّ لي سماعًا من أعرابيّ فصيح أو محفوظًا لإِمام ثقة، وأمَّا ما وقع في تضاعيف الكتاب لأبي بكر محمد بن دريد الشاعر واللَّيث بن المظفَّر مما لا أحفظه لغيرهما من الثقات، فإني قد ذكرت في أول الكتاب أني واقف في تلك الحروف، ويجب على الناظر فيها أن يفحص عن تلك الغرائب التي استغربناها وأنكرنا معرفتها، فإن وجدها محفوظة في كتب الأئمة أو في شعر جاهليّ أو بدويّ إسلاميّ علم أنها صحيحة، وما لم يصح له من هذه الجهة توقَّف عن تصحيحه. وأما النوادر التي رواها أبو عمر الزاهد وأودعها في كتابه فإِني قد تأملتها ولم أعثر منها على كلمة مصحفَّة ولا مُزالة عن وجهها أو محرفة عن معناها، ووجدت عُظم ما روي لابن الأعرابي وأبي عمرو الشيباني وأبي زيد وأبي عبيدة والأصمعي معروفًا في الكتب التي رواها الثقات عنهم والنوادر المحفوظة لهم، ولا يخفى ذلك على من درس كتبهم وعُني بحفظها والتفقّد لها. ولم أذهب فيما ألّفت وجمعت في كتابي هذا مذهبَ من تصدّى للتأليف فجمع ما جمع من كتب لم يحكم معرفتها, ولم يسمعها ممن أتقنها، وحمله الجهل وقلة المعرفة على تحصيل ما لم يحصله وتكملة ما لم يكمله حتى أفضى به ذلك إلى أن صَحَّف فأكثر وغيَّر فأخطأ، ولمّا تأملت ما ألفه عنها الطبقة وجنايتَهم على لسان العرب الذي نزل به الكتاب ووردت السنن والأخبار، وإِزالتَهم كلام العرب عما عليه صيغة ألسنتها، وإدخالهم فيه ما ليس من لغاتها، علمتُ أن المميِّزين من علماء اللغة قلُّوا في أقطار الأرض، وأن من درس تلك الكتب

стр. 467

ربما اغترَّ بها واستعملها واتخذها أصولًا فبنى عليها، وشهد الله أنّا قد خسرنا بضياعها خسرانًا لغويًّا مبينًا، ثم ها هو ذا أبو العلاء المعري الذي لا يُعلم له نظير في حفظ اللغة في مشارق الأرض ولا مغاربها، يذكر لنا في غفرانه قوله: ولا شكَّ أنه قد ضاع كثير من كتبه ومصنفاته: لأن الروم قتلوه وأباه في فتح حلب، ويذكر أن كتابه في (الاتباع) صغير على حروف المعجم في أيدي البغدايين، وهو دليل على أنه لم يطلع على الاتباع في غير بغداد وعلى أن سائر مصنفات أبي الطيب قد ضاعت، وما وجد لها أثر في حلب موطنه ولا في دمشق ولا غيرها، ومن علماء اللغة من ذكر أن إبدال أبي الطيب في عشرة أمثال إبدال ابن السكيت مما يدل بدون تأمل عميق على قيمة كتب أبي الطيب؛ أو ليس من حسن حظ اللغة العربية ويمن طالعنا أن نعثر في هذه العصور العصيبة المتأخرة على كتب من أصول اللغة لم يَعثر على مثلها من تقدَّمنا من علماء اللغة، ولا كتب لهم الاطلاع على فرائدها؛ وذلك مما يوجب علينا أن نعنى بها العناية كلها فنعارضها بدواوين اللغة، وننبه على ما فات معاجم اللغة منها، حتى نزيد في ثروة لغتنا التي نحن في أشدّ الحاجة إليها. وهذا كتاب (مراتب النحويين) لأبي الطيب اللغوي، فهو والحق يقال قد امتاز على سائر كتب التراجم كبغية الوعاة وكتابي السيرافي والزّبيدي بما اشتمل عليه من أسرار العربية وتاريخها إِذ تراه يحدّثك عن منشأ اللغة العربية. وما كان لعلماء المدرستين البصرية والكوفية من أثر بيِّن محمود في ترقية هذه اللغة؛ بيد أنا نجد الإِمام السيرافي في طبقات البصريين قد أشاد بعلماء البصرة وأوفى كيل الثناء عليهم، وأعرض ونأى بجانبه عن الكوفيين بل ألقاهم وراءَه ظهريًّا؛ أما أبو الطيب اللغوي فلم يقصر كلامه في المراتب على الكوفيين، بل اعترف بفضل كلٍّ من البصريين والكوفيين على السواء، فلا يضاهيه أيّ كتاب آخر صنف في هذا الموضوع قبله أو بعده، ولا يُقاس به كتاب أبي بكر الزُّبيديّ ولا كتاب السيرافيّ، فإن هذا السيرافي العالم الكبير رُحلة الطلاب وشارح الكتاب كان عفا الله عنه لا يرى علماء الكوفة من الأحياء الموجودين، فهولم يذكر أحدًا منهم في شرح الكتاب, لأنه كان لا يقيم لأحدٍ منهم وَزنًا، ولا يعترف بمكانهم أو مكانتهم، فهل يعدّ ليت شعري هذا من الإِنصاف؟ أما صاحبنا أبو الطيب اللغويّ فإنه لم يبخس الناسَ حقوقهم، بل أعطى كلِّ ذي حقٍّ حقَّه، واعترف بالفضل حيث وجده لأصحابه.

стр. 468

كتاب الإبدال إن الاختلاف اللغويَّ فيما بين اللغات، ساميّةً كانت أم آريّة، يكون من جهتين: إحداهما جوهرية أصليَّة، وهي المتعلقة بأصول الكلمات أي الحروف التي تتركب منها، والثانية فرعية لما يقع من اختلاف في بعض أحرف الكلمات لا في سائرها, ولئن كانت الجهة الأولى تفرّق وتشتت ترتيب الكلمات فتختلف مسافةُ حروفها، ويتباعد أو يتقارب بعضها من بعض، فإن الكلمات في الجهة الثانية يأخذ بعضها بحَجز بعض، وتدنيها من صواحباتها اللغوية ونظائرها البدلية، فتتقارب في جميع اللهجات واللثغات واللُّغيات بحيث تتشابه ألفاظها وتأتلف أشكالها وتراكيبها، وتتجمَّع فتكون أُسَرًا لغوية مشمولةً برعاية أمّ واحدة؛ ولعلَّ ابن السراج حين ألف كتابه في الاشتقاق الأكبر، أو أبا الفتح ابن جني حين تابعه فتكلم على هذا الاشتقاق، إنما كانا يتناجَيان حين ينحيان هذا المنحى، وهذا هو السبب الذي من أجله كان (كتاب الإبدال) لأبي الطيب اللغوي الكبير هو ضالتَنا المنشودة. فكان عمودًا فقريًّا مترابط الفقرات والحلقات، بعد أن لبث حينًا من الدهر، وكثير من حلقاته مفقودة، ولم يبق منها إلَّا قليل: فلولاه لانقصم ظهر اللغة واختلَّ من هذه الجهة أمرها, لذلك يكاد الحزن يذيب شغاف القلب حين نذكر ما صنعه الدُّمستق بحلب، أو ما صنعه من قبلُ هولاكو ببغداد فخسرنا ما خسرنا من كنوز اللغة وذخائر العلم والأدب. وبما بيَّناه نرى لزامًا علينا -بعد أن فقدنا ما فقدناه من تُراث العربية، وبعد أن أحرقَ هولاكو أمهات كتب اللغة والأدب وأصولها المضبوطة- أن نقدر مجهود الإِمام الصاغاني حقَّ قدره، فهو الذي ارتشف لمصنَّفاته اللغوية من تلك المنابع اللغوية الثَّرة وعيونها الفياضة قبل إِغراق كتبنا في دجلة، وقد حُرم من الاطلاع على تلك الأصول المضبوطة المروية عن الثقات الأثبات كلُّ من جاء بعد الصاغاني أو عاصره من اللغويين؛ ولقد ظلت بغدادُ مدينةُ السلام مركزَ العلم واللغة والأدب خمسةَ قرون متوالية، ولم يستفد العلماء من هذه المدينة الفاضلة الاستفادة المرجُوَّة، ولذلك جاءت كتبُ الصاغاني وعبابه الزاخر الذي اعتمد على تلك الأصول المضبوطة قبل غرقها محرَّرة ومنقحةً التنقيحَ كله.

стр. 469

هذا، ولما زرتُ مكتبة آل عابدين بدمشق وقفت على مجموعة خطية فريدة نادرة، والرسالة الأولى منها (كتاب المثنَّى) لحجة العرب أبي الطيب اللغوي، وكان رفيقي في هذه الزيارة العلمية أخي العزّ التنوخيّ المفتون باللغة وفنونها وشواردها، وأردت يومئذٍ اشتراءَ هذه المجموعة فحال حرص الدكتور أبي اليسر عابدين على مخطوطات خزانته دون الظفر بذلك، وكنت أعلم ما بينَ الأستاذ أبي قيس وبين أبي اليسر من الإِخاء والمودَّة الموروثة من الآباء فقلت، وقد نبَّهتُ به عمرًا: ليس لنشر هذه المجموعة وتحقيقها أحد غيرك ممن توفَّرت له شرائط النشر العلمي، بيد أن الأستاذ التنوخيّ لبث مشغولًا عن ذلك بمشاغل التدريس ومذاهلهِ، ومع ذلك ما برحتُ، أنا وصديقنا سالم الكرنكويّ، نكتب إليه ونحثّه على نشر كتاب المثنَّى وسائر رسائل تلك المجموعة اللغوية، ثم ألحَّ المجمع العلمي العربي عليه بنشره بعد أن قررَّ طبعَه على نفقاته، وما تمكَّن مع ذلك كله من تحقيق رغبتنا, ولا صحّت له عزيمة على الشروع في التحقيق حتى أنعم الله عليه بنعمة التقاعد (المعاش) فتفرَّغ له من بعد لأي وطول عهد، وفَرط حضّ منا وصدّ، وجاءنا بأخِرةٍ (كتابُ الإبدال) من خير ما نُشر في هذه العصور المتأخرة التي قلّت فيها الرغبة الصادقة في درس اللغة والبحث عن فرائدها وشواردها: ذلك أنه ليس لها مغانم مادية من ورائها, ولكم بحث الأستاذ التنوخي في الكتاب عن شواهد الإِبدال التي بلغت نحو ستمائة شاهد من كلام العرب، ولا يوجد كثير منها في المصادر المعروفة، وتمكن بعد صدق البحث والتنقيب من عزوها إلى قائليها، واهتمّ بتفسير غوامض التعبير، واستدرك من حروف الإِبدال كثيرًا من الفوائت التي عثر عليها في أمهات كتب اللغة مما زادت به فائدة الكتاب، ثم نشر بأمانة جميعَ حواشيه وطُرره اللغوية المروية عن أئمة اللغة، أو المنقولة عن كتبهم بخطوطهم، وقد ضاع أكثرها، أَجَلْ، ما كان ليطلعنا على كل ذلك إلَّا مَن ذاق لذة العلم، وألف الصبر على مشاقِّه، لذلك أهنئ العزَّ التنوخي على عمله هذا المبرور، وعلى ما كابده في تحرير كتابه وتصحيحِه بالاختلاف المستمرّ إلى المطبعة للإشراف على تجاربه التي لا ينبغي الاعتماد في تصحيحها على العمَّال، ولا سيما كتب اللغة التي تفسد ألفاظها بطمس حرف، أو انتقال نقطة إلى غير موضعها، ممَّا يجعل أمر التصحيح على أمثالهم عقبةً كؤودًا، ونحن في زمن قلَّ فيه الاهتمام بأمر الطبع، وضعفت الصلة بين

стр. 470

الناشرين والمطابع، وفسد النشر باعتماد كثير من الأساتذة الناشرين على تلامذتهم الأغرار، وجُهّال العمَّال الأغمار، فازداد بذلك التشويه والتصحيف والتحريف، والنشر العلمي كما بيَّناه لا يضطلع به إلا مَن رزقه الله فهمًا في اللغة دقيقًا، وطبعًا عربيًّا صحيحًا، وكان له عناية فائقة بتمحيص المسائل وتحقيق نصوصها ثم أُوتي صبرًا كصبر أيوب، مما اجتمع للعز التنوخي، ولذلك كله جاء (كتاب الإِبدال) على ما رأيتُ، بريئًا من التصحيف سليمًا من التحريف، ما خلا هَنات تعدُّ من طَبَع الطَّبع، وهو ممَّا يشهد للمحقّق باضطلاعه وسعة اطلاعه على أسرار العربية، ولا يجتمع ذلك إلا لقليل من علماء اللغة المحققين وفي مقدمتهم العزُّ التنوخيُّ، فالحمد لله على ذلك، وأنا مع هذه الكلمة المنصفة الصادقة أحثُّه من متابعة جهوده لنشر الجزء الثاني من الإِبدال، وما بقي من آثار أبي الطيب اللغويّ الحلبي، وحقيق به ذلك، لِأَنَّ أَبَا قيس التنوخيّ شاميّ كأبي الطيب فجزاه الله على تحقيقه هذا خيرًا، وأبقاه للعلم والأدب، وخدمة لغة العرب. العاجز عبد العزيز الميمني ٢٩/ ٧/ ٦٠ م بدمشق

стр. 471

حول نسخة شرح أبي جعفر اللَّبلي على الفصيح) (*) (١) وقفت على مقال الأستاذ العلّام شيخ الإِسلام بتونس وكبير علمائها محمد الطاهر بن عاشور. وكنت استسعدتُ برؤيته حفظه الله في جامع الزيتونة ثم بداره العامرة في مرسى جرّاح يومي ٢١ أو ٢٢ مايس سنة ١٩٥٨ م وتفرّجت على بعض نوادر خزانته العامرة. وذكّرني بعض ما كان تجمّع في جزازاتي ومذكّراتي أو حفظته واعيتي فيما يتعلّق بالفصيح وشرح اللبلي وغيره مما لا يخلو عن فائدة زائدة أو يُلقي ضوءًا من بعض زوايا مقاله الممتع وله الفضل بدءًا وعَوْدا. لم يكن غرضي فيما نشرته من مقدمة شرح اللبلي التعريفُ به أو التنويه بمكانه. ولكنني لما سرت إلى دمشق الفيحاء يوليه سنة ١٩٦٠ م بدعوة من وزارة ثقافتها وجرى ذكر الصاغاني وعُبابه في مجلس ضمّ لمّة من الأصدقاء الكرام كالأستاذ عزّ الدين التنوخي وصاحبي أحمد راتب النفاخ وو ..... حفزت همم القوم لطبعه وتعميم نفعه، وكتبت في ذاك مقالًا نبَّهت فيه على مقام الصاغاني وفائدة كتبه في مجلة المجمع. ورأيت تمام الفائدة في نشر مقدمة عُبابه المحتوية على ثبت بأسماء اللغويين ومؤلفاتهم التي لم يبق لها اسم ولا رسم بعد كارثة بغداد. ولما رأيت اللبلي كان قد قام بمثل هذا العمل في القرن السابع نفسه أحببت عرض أول شرحه أيضًا حتى يتسنّى لنا معرفة دواوين اللغة وأصولها في مشارق الأرض ومغاربها أو بغدادها وأندلسها. وهذه شذور أحلّي بها جيد مقاله الزاهي الزاهر: -

стр. 472

- الشنقيطي إذا أُطلق يراد به الكبير محمد محمود التركزي كما قد ترّجاه سيدي. - تلقيب اللبلي بصدر الدين لم يُعرف في المغرب ويظهر أنه لقب نفسه لما صار إلى مصر والشام محاكاة للمشارقة إذ ذاك. وإِنما أثبتّه على ما في نسخة الشرح بالدار، راجع فهرست اللغة ص ٧. وأمثال هذه الألقاب لم تُعرف في المغرب ولا راجت في سوقه. ولابن جبير كلام في ذلك في رحلته. - وترجمة اللبلي أوفى وأوسع في نفح الطيب الأزهرية ١/ ٤٢٠. - ص ٢٠٠ س ١٤: عبد الله الأزدي. - وأما ابنُ رشيد (ككميت) الفهري أحد الآخذين عنه فهو هذا المعروف صاحب الرحلة الضخمة مَلْءِ العَيبة فيما جُمع بطول الغيبة في الوجهة إلى مكة وطيبة أبو عبد الله محمد بن عمر الفهري المولود سنة ٦٥٧. كان وصل القاهرة سنة ٦٨٤ وفيها حجّ. ثم رجع في العام التالي وتوفي سنة ٧٢١ بفاس فكان لقاء اللبلي له قبل وفاته (سنة ٦٩١) بسبعة أعوام. لا ما ترجّاه السيد أنه فهري آخر كان توفي سنة ٧٧٩. فإن ذلك ضرب من المُحال. - وسَرَد المقري ثبتًا بمؤلفات اللبلي يصلح الرجوع إليه. - وأما بُغية الآمال فكان وَسَمَه باسم شيخ العِزّ آبن عبد السلام. ورأيت منه أُمّا عتيقة جليلة كتبت سنة ٦٩١ في حياة اللبلي بخزانة بانكي بور. وهي في ٧٢ ص والمسطرة ١٢ س بالخط المغربي. ويتلوه في المجلد الصفات والحِلى أرجوزة في الخيل لابن المناصف القرطبي (وكنت نسختها لنفسي سنة ١٣٤٦). وثبت عليهما خط محمد بن جابر الوادياشي الرّحال شيخ لسان الدين بن الخطيب بالإِقراء والإجازة. - جاء ذكره في مقدمة الخزانة. ثم تجد ما نقل عنه فيها ٣/ ٤٨ و ٣٦٧ - و ٣٦٩ و ٢/ ٤ كما في إقليدها للعاجز. وقال المقري في شرح اللبلي أنه لم يشِذَّ فيه شيء من فصيح كلام العرب اهـ وقد سَدّدَ وقاربَ.

стр. 473

- وما نقله في مأخذ الفصيح أعرف فيه غيره أيضًا وهو: قال ابن خلكان في ترجمة الفرّاء رقم ٧٦٩ أن له كتاب البهاء (ابن النديم ص ٦٧ البهيّ ألَّفه لعبد الله بن طاهر) وهو صغير الحجم. ووقفت عليه بعد أن كتبت هذه الترجمة. ورأيت فيها أكثر الألفاظ التي استعملها أبو العباس ثعلب في كتاب الفصيح وهو في حجم الفصيح غير أنه غيرهُ. ورتبة على صورة أخرى. وعلى الحقيقة ليس لثعلب في الفصيح سوى الترتيب وزيادة يسيرة، وفي كتاب البهاء أيضًا ألفاظ ليست في الفصيح قليلة. وليس في الكتابين اختلاف إلا في شيء قليل انتهى فهذا كلام خبير بصير. يقول العاجز: وكنت وقفت سنة ١٩٣٦ باستنبول على نسخة من البهيّ وفي النفس منها شيء. ولعلي عرفت منه نسخة أخرى يضًا. - قوله في ابن ناقيا شارح الفصيح أنّ صوابه ابن باقيا بالباء. العاجز: صوابه بالنون لا غير كما ضبطه ابن خلكان في ترجمته باسم عبد الله وذكر شرحه هذا أيضًا. توفي سنة ٤٨٥ وله مقامات تسع طبعها صاحبنا الخواجه الدكتور o. Rescher سنة ١٣٣١ باستنبول في مجموعة ص ١٢٣ - ١٥٣. - وأما شرح ابن دُرُسْتُوَيه فإن منه نسخة جليلة بخط إسماعيل بن الجواليقي سنة ٥٧١ في خزانة عارف حكمة بالمدينة رأيتها في حجتي سنة ١٣٧٦ هـ. - وأما شرح الأصفهاني فلم أعرف صاحبه وقد اتفق أن زرت خزانة رامبور سنة ١٩٢٨ م فوجدت بها نسخة من شرح الأصفهاني أبي القاسم عبد الله بن عبد الرحيم في ٣٤ ص فاستنسختها وهو شرح مقتضب. والأصفهانيان أخلّ بترجمتهما بغية الوعاة. والتندفيري بالتاء والنون. تصحيفان والصواب التُدْميري أبو العباس أحمد بن عبد الجليل ونسخة شرحه التصريح لشرح غريب الفصيح بكتبخانة نور عثمانية رقم ٣٩٩٢ في ٩٧ ق بقطع صغير. - وشرح المرزوقي أشهر من نار على علم، ومنه نسخة بكتبخانة كوبرولوزاده رقم ١٣٢٣ في ١٩٦ ق و ١٦ س. نسخت سنة ٥٨٤. بقطع مستطيل قليل العرض جدًّا وهي أصل وإمام.

стр. 474

- وأما التلويح للهروي فله ثلاث طبعات فيما رأيت. الأولى بمطبعة وادي النيل ١٣٨٥ - ٩ وأما نسخة المحمصاني التي قرأها على الشنقيطي وطبعها الخانجي سنة ١٣٢٥، فما هي بنسخة خطية، وإنما هي من طبعة وادي النيل بنصها وفصها. وليس لهؤلاء المرحومين فيها كبيرُ عمل يُذكر. فهذه الطبعة ثانية لم يعرف السيد غيرها. والثالثة طبعة عبد المنعم الخفاجي بمصر ١٣٦٨ هـ. وأصل التلويح هو أسفار كتاب الفصيح شَرَح وبَسَط فيه مهذَّب الفصيح له أيضًا. ومنه نسخة عتيقة جدًّا في ١٢٥ ق بكتبخانة شهيد على برقم ٢٥٩٢. وفي حجتي سنة ١٣٧٦ رأيت في ٢٨ يونيه سنة ١٩٥٧ عند الأستاذ عبد القدّوس الأنصاري صاحب مجلة المنهل بجدّة نسخة الإسفار هذا بخطّ مؤلفه الهرويّ نفسه. وعليها خط التسمع لابن أبي الرجال الشيباني سنة ٤٢٧ وبقيت عند صالح الفُلاني. فبادرت بإعلام صديقي خير الدين الزركلي تَوًّا. فوعدني بتصويرها ونشر صورة غلافها في الأعلام له ٧ / بعد ص ١٦٨. فالحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا. فيا ليت بعض المحققين طبع الأسفار عن هاتين النسختين وذكر العاجز بخير. - وأما الفصيح فإن طبعة الأستاذ فإن Barthe سنة ١٨٧٦ م بلبسيك قديمة ولكن دون شرح. * * * خاتمة المطاف ومسك الختام في نسخة شرح اللبلي وبقيتُ بعد وقوفي على القطعة من أوله سنة ١٩٣٥ في بحث وتنقيب. ولكل ساقطة كما يقال لاقطة. إلى أن هداني الله وله الحمد في حجتي المذكورة إلى نسخة مغربية كاملة في مجلدتين ضخمتين. أولاهما عن نسخة اللبلي في ٢٤١ ق متينة. والأخرى مثلها ولعلها بخط اللبلي نفسه في ٢٤٧ ق وعليهما خط المؤلف. وأنا مزمع على بثّ سره ونشر خبيئة أمره لكل من استوثق منه بنشره وإحيائه إن شاء الله.

стр. 475

العباب الزاخر واللباب الفاخر وطريقة نشره المثلى (*) لئن كان علماء اللغة في شرقنا قد خالطوا الأعراب وجمعوا شوارد اللغة ونوادرها، وهم بعدَ الرواد الأقدمين من علماء اللغة: أبو بكر ابن دريد في جَمهرته وأبو منصور الأَزهري في تَهذيبه، فإن المغاربةَ من علماء اللغة الأندلسيين كالزُّبَيدي (١) وابن التيَّان وأبان بن السَّيِّد القرطبي لم يقصروا في خدمة اللغة فجاروا إِخوانهم المشارقة، وأنتجوا من مصنفات اللغة ما هو بالتقدير جدير. ثم طرَّس على آثارهما الجوهري، وأحمد بن فارس وأضرابهما فحرروا المفردات وفسروها، ثم نشأ في القرن السادس ابن سيده فألف المخصَّص على الأَجناس، وهو في الحقيقة من أجلِّ ما كتب في معناه وكأنَّه جَمع في سفره هذا جميعَ مصنفات الأقدمين التي لم يستطيعوا ترتبيبها كما يجب، ثم رأى أنْ يجمع هذه المفردات المبعثرة ويرتبها ترتيبَ العين قجمع شواردها في نحو عشرين مجلدًا، ولسوء الطالع أن هذا المعجمَ الضخم وهو (المحكم) لم تصلْ أيدي المشارقة إليه إِلا في أواخر القرن السادس أو السابع ولعلَّ الإِمام الصَّاغانيّ المتوَّفي سنة ٦٥٠ هـ لم تبلغه معاجمُ ابن سيدَه ولا كتابُ أبان وغيره من مُؤلَّفات الأندلسيين، كما أن ابن سيدَه البصير لم يصل إليه لسوء الحظ تهذيبُ الأزهري مِمَّا يدلُّ على أن المشارقة لم يطلعوا على ما صنف بالمغرب من أسفار اللغة إِلا آخر القرن السادس، كما أن هؤلاء الأئمةَ من المغاربة لم يَقفوا على ما كان ألفه المشارقة المحققون في ديارنا إِلا في القرن السادس. وهذا صاحب اللسان عبد الله محمد بن المكرَّم الذي خُلِقَ بعد ابن سيده بنحو

стр. 476

قرنين، ومع ذلك لم يتَوَفَّقْ للاستفادة من مُحكم ابن سيده، وقد بعثَ الله بدمشق حرسها الله مَن تولى الجمعَ بين المُحكَم والتهذيب والصَّحاح في عهد الملك المعظَّم ابن الملك العادل، فجمع بين المُحكَم والتهذيب والصَّحاح، بيد أنه مع كل هذه الجهود اللغوية لم ينشأ في القرن السادس وأوائل السابع رجلٌ عُني بجمع شواردِ هذه اللغة وفرائدها من جميع الكتب التي ألفها الرُّواة الأقدمون ثم أفنى عُمْرَهُ في الاشتغال بهذا الأمر الخطير، ولم يشتغل بغيره، ووقف على خزائن دور العلم ببغداد التي كانت تجمع ما صنفه المسلمون حتى كارثة هولاكو, لم يتوفر ذلك كله لغير الإِمام الصاغاني فألَّف تكملةَ الصحاح لِلجوهريّ، جاءت في ضعفي حَجمِه وجمعها في ست مجلدات ضخمة سماها مجمع البحرين، ثم رغب إليه الوزير ابن العلقمي في تأليف كتاب جامع لما تفرَّق من شُذور اللغة وشواردها، فلبَّى الطلبَ الذي يَهواه وصنف لنا العباب الزاخر إلى أن وافاهُ يومُهُ، وقد بلغ مادة (بكم) فقال فيه بعض حساده: إِنَّ الصَّغاني الذي ... حاز العلومَ والحِكَمْ كانَ قُصارَى أمرِهِ ... أَنِ انتهى إلى (بَكَمْ) بذلك يظهر لنا أنه ليسَ لدينا من نُعَوِّل عليه في اللغة العربية الصحيحة غيرُ الإِمام الصَّغانِي. ذلك الذي نضج علمُهُ وجمعَ شواردَ اللغة وفرائدها, لأنه كان في القرن السابع الذي لم يؤلِّف في اللغة أحدٌ مثلَه ولا من جاءَ من بعده، وهذا هو السبب الذي من أجله نعتقدُ أنه لا أنفع ولا أصلح من نشر العُباب الزاحر واللُّباب الفاخر؛ ومن يمن الطالع أن منه عدة نسخ في الخزائن ومنها ما هو بخطَّ المؤلف ولا غاية لمستزيد وراءَها، وخَطُّهُ النَّسخي جميل، كتبه بغاية الحِذْقِ والتمحيص مما لم نجد له نظيرًا، فمن واجب العرب العلمي والقوميّ بل من أجل أعمال مجمع اللغة العربية بدمشق، وقد خلق لحياةِ لسان العرب، أن يؤلف لجنةً لغوية تتالف من حُذَّاق اللغة وعُشَّاقها لتقومَ بنشر هذا السفر الجليل وبالأعمال العلمية التالية: أن يعارَض العُباب بسائر مؤلفات الصاغاني التي منها ولله الحمد نسخٌ في الأرض جليلة ثم يعارَضُ بمحكَم ابن سيدَه ولا مناصَ من ذلك، وحينما تبلغ اللجنة اللغوية مادة (بكم) تُتِمُّ هذه المادة وما بعدها من الأحرف القليلة الباقية بالرُّجوع إلى كتابه مَجمع البحرين بعد معارضة ما فيه بالتكملة والحاشية وصلتها وبالمحكم أيضًا،

стр. 477

مع مراجعة لسان العرب وتاج العروس وغيره من كتب اللغة الصحيحة وتُدَوَّن الملاحظات في الحواشي، وتستمر هذه اللجنة اللغوية المباركة على عملها هذا إلى أن يَتمَّ العباب فيتم لنا بتمامه (كتاب اللغة العربية) الذي لا ينوب عنه التاج ولا اللسان ولا غيرُهما مما لم يتوفرْ لأحدٍ من أئمة اللغة المحققين الأثبات ما توفر لإمامنا الصغاني العمري الذي لم تُفتح العينُ على مثله ﵀، وهذا لعمري تأويلُ رؤيا المجد الذي أخذ في تأليف معجم ضخم سماه (اللامع المُعْلَم العُجاب الجامعُ بينَ المحكم والعُباب) ولم يَتسنَّ له تصنيفهُ ولم أرَ منه نسخةً أو جزءًا في الخزائن التي وقفت عليها. عبد العزيز الميمني

стр. 478

حول كتاب (تتمة اليتيمة) و (طبقات الشعراء) و (مناقب بغداد) (*) كتب إلينا الأستاذ عبد العزيز الميمني عضو مجمعنا العلمي وأُستاذ الآداب العربية بجامعة عليكره في الهند ما يلي: اطلعت في الجزئين الأخيرين من مجلة المجمع على ما كتبه الخوري جرجس منش بشأن كتاب (تتمة اليتيمة) وأزيد عليه أنه يوجد منه نسخة جميلة كاملة في خزانة باريز. وإن الدكتور محمد اقبال الأستاذ بجامعة بنجاب في لاهور ومصحح كتاب (راحة الصدور) تاريخ السلاجقة الذي نشرته لجنة (تذكار حبيب) بلندره -كتب نسخة من كتاب (تتمة اليتيمة) المحفوظ في خزانة باريز وهو يريد أن يصححها ثم يطبعها ولكنه فيما علمت لا يمكنه إنجاز ذلك بسرعة وقد أَحلت على هذه النسخة في هوامش مصنفي الجديد (أبي العلاء). قال: وأزيد على مقال السيد عبد الله مخلص المنشور في مجلة المجتمع (ص ٥٥٢ - ٥٥٣ مجلد ٧) ما يلي: "نعم طبع طبقات الشعراء لمحمد بن سلام الجمحي عن نسخة خزانة مصر المحفوظ أصلها بالمدينة المنورة- لا عن طبعة مصر وقد كان ذلك بليدن سنة ١٩١٣ وبعناية المستشرق يوسف هيل والموجود في خزانة الآباء اليسوعيين ببيروت ليس إلا طبقات ابن قتيبة لا طبقات أبي عبيدة كما وهم المرحوم جرجي زيدان. قال: "وجاء في حاشية ص ٥٣٢ ما نصه: (وروي في مجلة: المدلفي) وصوابه الدلفي لا غير وانظر ترجمته في حاشية كتابنا (أبي العلاء) ص ٥٥. قال: وطبع الأستاذ محمد بهجة الآثري البغدادي كتاب ابن الجوزي في مناقب بغداد عن نسخة العلامة أحمد تيمور باشا وكتب في مقدمته ما نصه:

стр. 479

"هذا وإن نسبة هذه الرسالة إلى الشيخ عبد الرحمن ابن الجوزي لست بواثق بها ولا جازم بصحبتها فقد راجعت ما بين يدي من الكتب التي ترجم فيها ابن الجوزي وذكر أن فيها ما ينيف على مائة كتاب فلم أر بينها لهذه الرسالة ذكرًا وقد يجوز أن يكون من ترجمه لم يقف عليها أو لم يسمع بها فأَغفلها والله أعلم". أقول وقد وقفت على أن نسبتها إلى ابن الجوزي صحيحة وذلك في (رقم الحلل) للوزير لسان الدين ابن الخطيب ص ٢٨ حيث ذكر ولاية المقتدي والمستظهر والمسترشد والراشد والمقتفي. وقال: "وولي المقتفي محمد بن المستظهر وقارب الاستبداد وقد مات التركي أمير الجيوش سنجير وأظهر العدل حكى ذلك أبو الفرج الجوزي في مناقب بغداد". ولكني ثم أجد هذا في المطبوع ولعل في النسخة نقصًا. وفي مرآة الزمان لسبط ابن الجوزي (الجزء المطبوع في شيكاغو ص ٣١٢) أيضًا حيث عدد صاحبه تآليف جده قال وهو مجلد. ولم أر لابن الجوزي ترجمة أوفى من ترجمة سبطه له فقد أَفاض فيها القول وأطلق عنان القلم من ص ٣١٠ إلى ص ١٣٢٦ هـ.

стр. 480

كلمة في مناقب بغداد (*) قرأت المقال الممتع الذي كتبه الأستاذ يعقوب نعوم سركيس (٠٨: ٦٢٩)، واعترفت بالشك في عزو الكتاب، غير أن بثَّه بعزوه إلى حفيد ابن الجوزي الحافظ فيه كلام، فإن الأستاذ لم يتعرض للحوالة الأخرى التي هي أصدق من كل من نقل كلامه، وهو عزو سبط ابن الجوزي هذا الكتاب إلى جده، فإن شهادته مما لا يتطرق إليه أهون ارتياب. بقي أمر ذكر سنة ٦٣٤ هـ في هذا الكتاب فلعل حفيده هذا أو غيره يكون زاد في الكتاب شيئًا وليس ثمة أحد يكون نسب الكتاب إلى هذا الحفيد، فعزوه إليه مجرد تخرص. على كره (الهند): عبد العزيز الميمني الراجكوتي

стр. 481

أعلام الكلام ومقامة الانتقاد (لابن شرف) (*) كان بعض علماء تونس نشر في مجلة المقتبس (مقامة الانتقاد) باسم (رسائل الانتقاد) عن نسختين إحداهما تونسيّة فيها عدّة من المقامات (وكانت في الأصل عشرين كما جاء في مقدّمة المؤلف) وأخرى وُجدت باسكوريال وفيها هذه المقامة الواحدة فقط، والأولى كتبت في القرن السابع والأخرى في الخامس. ثم نشرهما عبد العزيز أفندي أمين الخانجي سنة ١٣٤٤ هـ عن نسخة حضرة أحمد بك طلعت باسم (أعلام الكلام). وذكر في مقدمتها أن الكتابين شيء واحد. ولما كنتُ اطّلعت على بعض اقتباسات هذه الرسالة أحببت أن أُعلّق أسطُرًا تنبيء عن جليّة الأمر: (١) ذكر ياقوت وصاحب المعالم في ترجمتيهما لابن شرف (١) أن له من التصانيف (أعلام الكلام) مجموع فيه فوائد ولطائف ومُلَح منتخبة. و (رسالة الانتقاد) وهي على طرز مقامة نقد فيها شعر طائفة من شعراء الجاهلية والإِسلام اهـ وهذا صريح في أن الكتابين مختلفان. (٢) وجدنا ابن الخطيب نقل عنها في ترجمة ابن هانئ من إحاطته (٢) وسماها (المقامات) والمنقول يوجد في هاتين الطبعتَين. وكذلك البديعي في الصبح المنْبئ (٣) نقل نَقْدَه لشعر أبي تمام والبحتري والمتنبيء وسماها (مقامه ابن شرف

стр. 482

التي ذكر فيها الشعراء) واقتباسه أيضًا يوجد في طبعتينا هاتين. فهذا كله دليل على أن الطبعتين شيء واحد، وهو مقامة الانتقاد أو مقامة مسائل الانتقاد أو رسالة الانتقاد. ولعل الناس كانوا يُفرزونه من جملة المقامات تارةً، وأخرى يَضُمُّونه إليها. وأما (أعلام الكلام) فلم أعثر على حوالة عليه، غير أن ابن الأبّار ذكر في تكملته (١) أن راشد بن سليمان اللخميَّ الطُليطليَّ يرويها عن ابن شَرَفَ سمعها عنه في رمضان سنة ٤٥٤ هـ. نعم يوجد في طبعة الخانجيّ زيادتان إحداهما نحو صفحة في ص ٢٤٧ (من رسائل البلغاء سنة ١٣٣١ هـ) وفي طبعة الخانجيّ في ص ٢٠ بعد قوله وبينهما عند قوم فرقانِ. وابتداء الزيادة من قوله "قال أبو الريان حدثنا الصولي الخ" وتنتهي على قوله "فلمّا عرفت أنه والده استحييت". والزيادة الأخرى بعد خاتمة المقامة من قوله "قال محمد وطلبتني نفسي بمعرفة الخ" وهي في ثماني صفحات وليس فيها غير سَرْد المختار من أشعار الشعراء من غير عَزْو. ومصدر وهم الخازجيّ أنه ورد في طرة نسخته "كتاب مسائل الانتقاد بلطف الفهم والافتقاد تأليف .... وهو إعلام (كذا) الكلام". وبآخره "كتبه المصطفى بن أحمد بن محب الدين الشافعيّ .... سنة ١٠١٣ هـ). وهذا الرجل ترجم له المحبّي في خلاصة الأثر (٢) وزعم الخانجي أنها نسخة ملوكية. ولكني لا أرى لها ترجيحًا على أختَيها لتأخّرها. وهذا المنقول يؤيّد أن الصواب في اسم الكتاب ما ذهبنا إليه ولكن قوله: "وهو أعلام الكلام" من زيادة الناسخ أضافها من عند نفسة بظَنٍّ لم يوفَّقْ فيه للصواب. والله أعلم. جامعة عليكر (الهند) عبد العزيز الميمني

стр. 483

بحوث وتحقيقات تأليف العلامة عبد العزيز الميمني [الجزء الثاني] «نصوص محققة» أعدها للنشر محمد عزير شمس تقديم شاكر الفحام مراجعة محمد اليعلاوي

стр. 484

دَار الغرب الإسلامي الطبعة الأولى ١٩٩٥ م دَار الغرب الإسلامي ص. ب: ٥٧٨٧ - ١١٣ بيروت جَمِيع الْحُقُوق مَحْفُوظَة. لَا يسمح بِإِعَادَة إصدار الْكتاب أَو تخزينه فِي نطاق إستعادة المعلومات أَو نَقله بِأَيّ شكل كَانَ أَو بِوَاسِطَة وَسَائِل إلكترونية أَو كهروستاتية، أَو أشرطة ممغنطة، أَو وَسَائِل ميكانيكية، أَو الاستنساخ الفوتوغرافي، أَو التسجيل وَغَيره دون إِذن خطي من الناشر.

стр. 485

بُحُوثٌ وتَحْقيقَات [٢]

стр. 486

القسم الثالث نصوص محققة

стр. 487

ثلاث رسائل أولها مقالة "كلَّا" وما جاء منها في كتاب الله لابن فارس والثانية كتاب (ما تلحن فيه العوامّ) للكسائي والأخيرة رسالة الشيخ ابن عربي إلى الإِمام الفخر الرّازي اعتنى بنسخها وتصحيحها والتعليق عليها عبد العزيز الميمني الراجكوتي

стр. 488

المقدمة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ طلبتني لجنة ندوة العلماء بلكنؤ (الهند)، في ذي القعدة الحرام سنة ١٣٤٣ هـ، لألقي عليهم خطبًا على أبي العلاء المعري (١) الذي كابدت في كتابي عليه عناء باهظًا. فقضيت طلبتهم، وزرت مدة مقامي بها صحبة صديقي السيد سليمان الندوي بعض دور الكتب الخصوصية، التي وجدت فيها خزانة المرحوم العلامة الشيخ عبد الحي اللكنوي أعمها نفعًا وأيسرها مؤونة على الطلاب والخطاب. فاستعرت منها مجموعة نحوية كتبت في آخر القرن الثالث عشر فيها رسائل لابن هشام، وابن همام، والتقي السبكي، وابن مالك، وابن تيمية وقد طبع بعضها في الأشباه للسيوطي. وفيها مما يهمني رسالتان: كتاب يفعول للصاغاني اللاهوري، إلا أن بعض المتسمين بالأدب قد سبقني إلى نشره في تونس، والأخرى هي هذه المقالة، فانتسختها وكانت بخط عجمي، مملوءة الوطاب بالتصحيف والتحريف، كأنها رسم عفا من أحقاب. تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد واختلست من ساعات الفراغ -التي كنت أقضيها في كتابين للسكائي والفراء- هنيهة، ونسختها ثانية، وعلقت عليها بعض فوائد نحوية. وهذه الرسالة فيها علم جم، وهي تفيدنا أكثر مما في مباحث المغني الدقيقة

стр. 489

وهمع الهوامع وشرح ابن يعيش. على أنها كافلة بفسر حرف من القرآن وحسبه إفادة. ورأيت المؤلف ذكرها في فقه اللغة (الصاحبي) له بعد حكايته قول ثعلب في تركب "كلا" والرد عليه بقوله "وقد ذكرنا وجوه كلا في كتاب أفردناه". وذكر البلكرامي في "التاج" أن أبا بكر بن الأنباري جمع أقسام "كلا" ومواضعها في كتاب الوقف والابتداء. وقد طبع للمؤلف رسالة في مثل هذا المعنى وهي "كتاب اللامات" في الجزء أول من مجلة إسلاميكا (Islamica)، بيد أن ناشرها حصل على نسخة قديمة. وبين يدي نسخة مسخها ناسخها، وظني أني تمكنت من ردها إلى الأصل، غير ألفاظ يسيرة لا يضر التصحيف فيها، وقد قيل: حسبك من القلادة ما أحاط بالعنق. وللصاحب جمال الدين القفطي رسالة سماها (المجلَّى، في استيعاب وجوه كلا) ذكرها ياقوت في معجم الأدباء ٥: ٤٨٤. ربيع الآخر سنة ١٣٤٤ هـ العاجز خادم العلم عبد العزيز الميمني الراجكوتي

стр. 490

مقالة "كلّا" وما جاء منها في كتاب الله لابن فارس صاحب "مجمل اللغة"، و "مقاييس اللغة"، و "الصاحبي في فقه اللغة" المتوفى سنة ٣٩٥ هـ نسخها وصححها ووشاها ببعض التعليقات عبد العزيز الميمني الراجكوتي كرمه الله تعالى بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قال أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا بن محمَّد بن حبيب رحمه الله تعالى: هذه -أكرمك الله وأيدك ووفقك- مقالة كلا، ومعنى ما جاء من هذا الحرف في كتاب الله تعالى، واختلاف أهل العلم في موضوعه، وأين تقع نفيًا، ومتى تقع تحقيقًا. وقد فسرنا ما لاح من ذلك واتجه، ودللنا على الأصح من ذلك بشواهد من غير إحالة. وبالله التوفيق. قال بعض أهل العلم (١) إن كلا تجيء لمعنيين: للرد، والاستئناف. وقال قوم: تجيء كلا بمعنى التكذيب. وقال آخرون (٢): كلا ردع، وزجر. وقال آخرون (٣): كلا تكون بمعنى حقًّا.

стр. 491

وقال قوم (١): كلا رد وإبطال لما قبله من الخبر، كما أن كذلك تحقيق وإثبات لما قبله من الخبر. قال والكاف في قوله كلا كاف تشبيه، و"لا" نفي وتبرئة. وقال بعضهم: كلا تنفي شيئًا وتوجب غيره. فهذا ما قيل في كلا. وأقرب ما يقال في ذلك أن كلا تقع في تصريف الكلام على أربعة أوجه: أولها الرد، والثاني الردع، والثالث صلة اليمين وافتتاح الكلام بها كألا، والوجه الرابع التحقيق لما بعده من الأخبار. وسأذكر ما جاء منها في كتاب الله على ترتيب هذه الوجوه الثلاثة [كذا]. حكايته لمقالة من زعم (٢) أن كلا منحوتة من كلمتين وأن الكاف للتشبيه، والرد على قائل ذلك إن شاء الله تعالى. زعم بعض المتأخرين أن كلا رد وإبطال لما قبله من الخبر، كما أن كذلك تحقيق وإثبات لما قبله من الخبر، والكاف في كلا كاف تشبيه، وزعم أن أصل كلا التخفيف، إلا أنهم كانوا يكررون "لا" فيقولون: هذا الشيء كلا ولا (٣). ثم

стр. 492

حذفوا إحداهما وشددوا الباقي طلبًا للتخفيف. قال ومنه قول الشاعر (١): قبيلي وأهلي لهم ألاق مشوقهم ... لوشك النوى إلا فواقا كلا ولا قال (٢) وربما تركوه على خفته ولم يثقلوه. وذلك يقول ذي الرمة (٣): أصاب خصاصة فبدا كليلا ... كلا وانغلّ سائره انغلالا ومنه قول جرير (٤): يكون وقوف الركب فيها كلا ولا ... غشاشًا ولا يدنون رحلًا إلى رحل قلنا (٥) هذا كلام مدخول من جهتين: إحداهما أنه غير محفوظ عن القدماء من أهل العلم بالعربية. والثانية أنه مما لا يتأيد بدليل. والأمرين (كذا) كلا مشددة وكذا مخففة مبين جدًّا (٦) وذلك أن قول القائل هذا شيء كلا، إنما هو تشبيه الشيء -وحقارته وقلته وأنه لا محصول له- بلا، وذلك أن لا كلمة نفي. وأما كلا فكلمة مشددة بعيدة التشبيه بلا، واعتبار ما قلناه، أنك لو حملت قوله تعالى [المدثر ٣٥]: ﴿كَلَّا وَالْقَمَرِ﴾ على معنى أنه كلا ولا القمر لكنْتَ عند أهل العربية كلهم مخطئًا لأن كلا ولا ليس بموافق لقوله والقمر. فإن قال قائل فما الأصل فيها؟ قلنا: إن كلا كلمة موضوعة للمعاني التي قد ذكرناها مبنية هذا البناء، وهي مثل إن ولعل وكيف. وكل واحدة من هذه مبني بنا [ءً] يدل على معنى. فكذا كلا كلمة مبنية بناء يدل على المعاني التي نذكرها. وهذا قول قريب لا استكراه فيه. باب الوجه الأول من "كلا" وهو باب الرد اعلم أنك إذا أردت رد الكلام بكلا جاز لك الوقف عليها لأن المعنى قد تم عند

стр. 493

الرد. وذلك أن تقول [كذا] لقائل أكلت تمرًا؟ فتقول كلا أي إني لم آكله. فقولك كلا مبني على خبر قد ذكره غيرك ونفيته أنت، قال الله في قصة من قال (١) [مريم ٨٠، ٨١] ﴿لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا * أَطَّلَعَ الْغَيبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا * كَلَّا﴾ أي إنه لم يطلع ولم يتخذ العهد. وأصوب ما يقال في ذلك أن كلا رد للمعنيين جميعًا. وذلك أن الكافر أدى [؟ ادعى] أمرًا فكذب فيه، ثم قيل: أتراه اتخذ عهدًا أم اطلع الغيب. كلا أي لا يكون ذا ولا ذاك. وأما قوله تعالى [مريم ٨١]: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا * كَلَّا﴾ فكلا رد لما قبله وإثبات لما بعده؛ لأنهم زعموا أن الآلهة تكون لهم عزا. وذلك لقولهم [الزمر ٣] ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾. قيل لهم كلا أي ليس الأمر كما تقولون ثم جيء بعد بخبر وأكد بكلا وهو قوله ﴿سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ﴾. وأما قوله في سورة المؤمنين [١٠٢]: ﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ, كَلَّا﴾، فلها مواضع ثلاثة، أولها: لقوله ارجعون. فقيل له كلا أي لا ترد (٢). والثاني قوله تعالى اعمل صالحًا، فقيل له كلا، أي لست ممن يعمل صالحًا وهو لقوله [الأنعام ٢٨]: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ والموضع الثالث تحقيق لقوله إنها كلمة هو قائلها. وأما قوله في [الشعراء ١٣]: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ * قَال كَلَّا﴾ فهو رد في حالة وردع في أخرى. فأما إمكان [؟ مكان] الشرح فقوله أخاف أن يقتلون فقيل له كلا أي لا تخف هذا ردع. وأما الرد فقوله أن يقتلون فقيل له لا يقتلونك فنفى أن يقتلوه (٣) وأعلم أنهم لا يصلون إلى ذلك. وأما قوله في هذه السورة [الشعراء ٦١]: ﴿قَال أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَال كَلَّا﴾. فهو نفى لما قبله وإثبات لما بعده. وأما قوله في [سبأ ٢٧]: ﴿قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ كَلَّا﴾، فلها ثلاثة مواضع: أحدها أن تكون ردًّا على قوله أروني أي أنهم لا يرون ذلك وكيف يرون شيئًا لا يكون. والموضع الثاني قوله ألحقتم به شركاء فهو رد له أي

стр. 494

لا شريك له. والثالث أنها تحقيق لقوله بل هو الله العزيز الحكيم. وقال بعض أهل التأويل إنما رد على قوله ألحقتم به شركاء دون أن يكون ردًّا على قوله أروني، وذلك أن النبي ﷺ لما أمر بأن يقول لهم أروني قال لهم ذلك. فكأنهم قالوا هذه هي الأصنام التي تضرنا وتنفعنا فاروه أيضًا إياها فرد عليهم ذلك بقوله (١) بل هو أي إن الذي (٢) يضركم وينفعكم ويرزقكم ويمنعكم هو الله. ومعنى قوله أروني ها هنا أعلموني. وأما قوله في سورة سأل سائل [المعارج ١١ - ١٥]: ﴿لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ الآية كلا﴾. فرد لقولهم ثم ينجيه، أو رد لقوله لو يفتدى وقال في هذه السورة [المعارج ٣٩. ٤٠]: ﴿أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (٣٨) كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ [مِمَّا يَعْلَمُونَ] (٣٩)﴾ من نطفة كما خلقنا بني آدم كلهم، ومن حكمنا في بني آدم أن لا يدخل أحد منهم الجنة إلا بالإِيمان والعمل الصالح فلم يطمع كل امرئ منهم ليس بمؤمن ولا صالح أن يدخل الجنة ولا يدخلها إلا مؤمن صالح العمل. وأما قوله في سورة [المدثر ١٥، ١٦]: ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥) كَلَّا﴾ فهو رد أن لا يزد [كلا]. وذلك أن الوليد كان يقول ما أعطيت أعطيته إلا من خير [؟ عز] ولا حرمه غيري إلا من هوان. فإن كان ما يقوله محمَّد حقًّا فما أعطاه في الآخرة أفضل، فقيل له ثم يطمع أن أزيد كلا أي لا يكون ذلك. وكذلك قوله [الفجر ١٥ - ١٧]: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) - إلى قوله أَهَانَنِ (١٦) كَلَّا﴾. ومن الرد قوله [المدثر ٥٣,٥٢]: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً (٥٢) كَلَّا﴾. أي لا مفر. أكد ذلك بقوله لا وزر تأكيد [آ] لقوله كلا. ومنه [المطففين ١٣, ١٤]: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيهِ آيَاتُنَا قَال أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣) كَلَّا﴾. فهو رد أي أنها ليست بأساطير الأولين. ومن الرد قوله [الهمزة ٣, ٤]: ﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالهُ أَخْلَدَهُ (٣) كَلَّا﴾. أي ليس كما يظن فإن ماله لن يخلده. هذا ما في القرآن من النفي والرد بكلا. وما كان في أشعار العرب منه وهو كثير قول القائل: فقالوا (٣) قد بكيت فقلت كلا ... وهل يبكي من الطرب الجليد

стр. 495

فنفى (١) بذلك قولهم "قد بكيت". وقال ابن الدمينة: أردت لكيما تجمعينا ثلاثة ... أخي وابن عمي ضلة من ضلالك أردت بأن نرضى ويتفق الهوى ... على الشرك - كلا لا تظني كذلك وقال آخر: أليس قليلًا نظرة إن نظرتها ... إليك وكلا ليس منك قليل (٢) وصف النظرة بالقلة، ثم تدارك فنفى أن تكون نظرته إليها قليلة. باب كلا إذا كانت تحقيقًا لما بعدها وذلك قوله [كلا] لأضربنك ومنه كتاب الله [عبس ١١]: ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾ "إن" يكون تأكيدًا وكلا زيادة تأكيد. ومثله [النبأ ٥,٤] ﴿كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٤) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾. وكان بعض أهل التأويل يقول: هو (٣) رد شيء قد تقدم إلا أنه لم يذكر ظاهرًا وذلك قوله ﴿الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾ ثم قال كلا فهو رد على قوله مختلفون -ومعناها لا اختلاف فيه: ومن التحقيق قوله (عبس ٢٣) ﴿كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾ أي أنه لم يقض ما أمر به -وكان بعضهم يقول معناها إن- ومثله [المدثر ٥٣]: ﴿كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ ومنه [الانفطار ٩] ﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ وهو تحقيق لما بعده، ومنه [المطففين ٧]: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧)﴾ و [المطففين ١٨]: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ﴾ و [العلق ٦]: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى﴾ [العلق ١٥]: ﴿كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ﴾.
следующие страницы →