← Джавами‘

Джавами‘ · id 19234

بحوث وتحقيقات عبد العزيز الميمني

عبد العزيز الميمني

Полный текст (868 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

وقال قوم (١): كلا رد وإبطال لما قبله من الخبر، كما أن كذلك تحقيق وإثبات لما قبله من الخبر. قال والكاف في قوله كلا كاف تشبيه، و"لا" نفي وتبرئة. وقال بعضهم: كلا تنفي شيئًا وتوجب غيره. فهذا ما قيل في كلا. وأقرب ما يقال في ذلك أن كلا تقع في تصريف الكلام على أربعة أوجه: أولها الرد، والثاني الردع، والثالث صلة اليمين وافتتاح الكلام بها كألا، والوجه الرابع التحقيق لما بعده من الأخبار. وسأذكر ما جاء منها في كتاب الله على ترتيب هذه الوجوه الثلاثة [كذا]. حكايته لمقالة من زعم (٢) أن كلا منحوتة من كلمتين وأن الكاف للتشبيه، والرد على قائل ذلك إن شاء الله تعالى. زعم بعض المتأخرين أن كلا رد وإبطال لما قبله من الخبر، كما أن كذلك تحقيق وإثبات لما قبله من الخبر، والكاف في كلا كاف تشبيه، وزعم أن أصل كلا التخفيف، إلا أنهم كانوا يكررون "لا" فيقولون: هذا الشيء كلا ولا (٣). ثم

стр. 492

حذفوا إحداهما وشددوا الباقي طلبًا للتخفيف. قال ومنه قول الشاعر (١): قبيلي وأهلي لهم ألاق مشوقهم ... لوشك النوى إلا فواقا كلا ولا قال (٢) وربما تركوه على خفته ولم يثقلوه. وذلك يقول ذي الرمة (٣): أصاب خصاصة فبدا كليلا ... كلا وانغلّ سائره انغلالا ومنه قول جرير (٤): يكون وقوف الركب فيها كلا ولا ... غشاشًا ولا يدنون رحلًا إلى رحل قلنا (٥) هذا كلام مدخول من جهتين: إحداهما أنه غير محفوظ عن القدماء من أهل العلم بالعربية. والثانية أنه مما لا يتأيد بدليل. والأمرين (كذا) كلا مشددة وكذا مخففة مبين جدًّا (٦) وذلك أن قول القائل هذا شيء كلا، إنما هو تشبيه الشيء -وحقارته وقلته وأنه لا محصول له- بلا، وذلك أن لا كلمة نفي. وأما كلا فكلمة مشددة بعيدة التشبيه بلا، واعتبار ما قلناه، أنك لو حملت قوله تعالى [المدثر ٣٥]: ﴿كَلَّا وَالْقَمَرِ﴾ على معنى أنه كلا ولا القمر لكنْتَ عند أهل العربية كلهم مخطئًا لأن كلا ولا ليس بموافق لقوله والقمر. فإن قال قائل فما الأصل فيها؟ قلنا: إن كلا كلمة موضوعة للمعاني التي قد ذكرناها مبنية هذا البناء، وهي مثل إن ولعل وكيف. وكل واحدة من هذه مبني بنا [ءً] يدل على معنى. فكذا كلا كلمة مبنية بناء يدل على المعاني التي نذكرها. وهذا قول قريب لا استكراه فيه. باب الوجه الأول من "كلا" وهو باب الرد اعلم أنك إذا أردت رد الكلام بكلا جاز لك الوقف عليها لأن المعنى قد تم عند

стр. 493

الرد. وذلك أن تقول [كذا] لقائل أكلت تمرًا؟ فتقول كلا أي إني لم آكله. فقولك كلا مبني على خبر قد ذكره غيرك ونفيته أنت، قال الله في قصة من قال (١) [مريم ٨٠، ٨١] ﴿لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا * أَطَّلَعَ الْغَيبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا * كَلَّا﴾ أي إنه لم يطلع ولم يتخذ العهد. وأصوب ما يقال في ذلك أن كلا رد للمعنيين جميعًا. وذلك أن الكافر أدى [؟ ادعى] أمرًا فكذب فيه، ثم قيل: أتراه اتخذ عهدًا أم اطلع الغيب. كلا أي لا يكون ذا ولا ذاك. وأما قوله تعالى [مريم ٨١]: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا * كَلَّا﴾ فكلا رد لما قبله وإثبات لما بعده؛ لأنهم زعموا أن الآلهة تكون لهم عزا. وذلك لقولهم [الزمر ٣] ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾. قيل لهم كلا أي ليس الأمر كما تقولون ثم جيء بعد بخبر وأكد بكلا وهو قوله ﴿سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ﴾. وأما قوله في سورة المؤمنين [١٠٢]: ﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ, كَلَّا﴾، فلها مواضع ثلاثة، أولها: لقوله ارجعون. فقيل له كلا أي لا ترد (٢). والثاني قوله تعالى اعمل صالحًا، فقيل له كلا، أي لست ممن يعمل صالحًا وهو لقوله [الأنعام ٢٨]: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ والموضع الثالث تحقيق لقوله إنها كلمة هو قائلها. وأما قوله في [الشعراء ١٣]: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ * قَال كَلَّا﴾ فهو رد في حالة وردع في أخرى. فأما إمكان [؟ مكان] الشرح فقوله أخاف أن يقتلون فقيل له كلا أي لا تخف هذا ردع. وأما الرد فقوله أن يقتلون فقيل له لا يقتلونك فنفى أن يقتلوه (٣) وأعلم أنهم لا يصلون إلى ذلك. وأما قوله في هذه السورة [الشعراء ٦١]: ﴿قَال أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَال كَلَّا﴾. فهو نفى لما قبله وإثبات لما بعده. وأما قوله في [سبأ ٢٧]: ﴿قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ كَلَّا﴾، فلها ثلاثة مواضع: أحدها أن تكون ردًّا على قوله أروني أي أنهم لا يرون ذلك وكيف يرون شيئًا لا يكون. والموضع الثاني قوله ألحقتم به شركاء فهو رد له أي

стр. 494

لا شريك له. والثالث أنها تحقيق لقوله بل هو الله العزيز الحكيم. وقال بعض أهل التأويل إنما رد على قوله ألحقتم به شركاء دون أن يكون ردًّا على قوله أروني، وذلك أن النبي ﷺ لما أمر بأن يقول لهم أروني قال لهم ذلك. فكأنهم قالوا هذه هي الأصنام التي تضرنا وتنفعنا فاروه أيضًا إياها فرد عليهم ذلك بقوله (١) بل هو أي إن الذي (٢) يضركم وينفعكم ويرزقكم ويمنعكم هو الله. ومعنى قوله أروني ها هنا أعلموني. وأما قوله في سورة سأل سائل [المعارج ١١ - ١٥]: ﴿لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ الآية كلا﴾. فرد لقولهم ثم ينجيه، أو رد لقوله لو يفتدى وقال في هذه السورة [المعارج ٣٩. ٤٠]: ﴿أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (٣٨) كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ [مِمَّا يَعْلَمُونَ] (٣٩)﴾ من نطفة كما خلقنا بني آدم كلهم، ومن حكمنا في بني آدم أن لا يدخل أحد منهم الجنة إلا بالإِيمان والعمل الصالح فلم يطمع كل امرئ منهم ليس بمؤمن ولا صالح أن يدخل الجنة ولا يدخلها إلا مؤمن صالح العمل. وأما قوله في سورة [المدثر ١٥، ١٦]: ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥) كَلَّا﴾ فهو رد أن لا يزد [كلا]. وذلك أن الوليد كان يقول ما أعطيت أعطيته إلا من خير [؟ عز] ولا حرمه غيري إلا من هوان. فإن كان ما يقوله محمَّد حقًّا فما أعطاه في الآخرة أفضل، فقيل له ثم يطمع أن أزيد كلا أي لا يكون ذلك. وكذلك قوله [الفجر ١٥ - ١٧]: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) - إلى قوله أَهَانَنِ (١٦) كَلَّا﴾. ومن الرد قوله [المدثر ٥٣,٥٢]: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً (٥٢) كَلَّا﴾. أي لا مفر. أكد ذلك بقوله لا وزر تأكيد [آ] لقوله كلا. ومنه [المطففين ١٣, ١٤]: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيهِ آيَاتُنَا قَال أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣) كَلَّا﴾. فهو رد أي أنها ليست بأساطير الأولين. ومن الرد قوله [الهمزة ٣, ٤]: ﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالهُ أَخْلَدَهُ (٣) كَلَّا﴾. أي ليس كما يظن فإن ماله لن يخلده. هذا ما في القرآن من النفي والرد بكلا. وما كان في أشعار العرب منه وهو كثير قول القائل: فقالوا (٣) قد بكيت فقلت كلا ... وهل يبكي من الطرب الجليد

стр. 495

فنفى (١) بذلك قولهم "قد بكيت". وقال ابن الدمينة: أردت لكيما تجمعينا ثلاثة ... أخي وابن عمي ضلة من ضلالك أردت بأن نرضى ويتفق الهوى ... على الشرك - كلا لا تظني كذلك وقال آخر: أليس قليلًا نظرة إن نظرتها ... إليك وكلا ليس منك قليل (٢) وصف النظرة بالقلة، ثم تدارك فنفى أن تكون نظرته إليها قليلة. باب كلا إذا كانت تحقيقًا لما بعدها وذلك قوله [كلا] لأضربنك ومنه كتاب الله [عبس ١١]: ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾ "إن" يكون تأكيدًا وكلا زيادة تأكيد. ومثله [النبأ ٥,٤] ﴿كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٤) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾. وكان بعض أهل التأويل يقول: هو (٣) رد شيء قد تقدم إلا أنه لم يذكر ظاهرًا وذلك قوله ﴿الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾ ثم قال كلا فهو رد على قوله مختلفون -ومعناها لا اختلاف فيه: ومن التحقيق قوله (عبس ٢٣) ﴿كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾ أي أنه لم يقض ما أمر به -وكان بعضهم يقول معناها إن- ومثله [المدثر ٥٣]: ﴿كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ ومنه [الانفطار ٩] ﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ وهو تحقيق لما بعده، ومنه [المطففين ٧]: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧)﴾ و [المطففين ١٨]: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ﴾ و [العلق ٦]: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى﴾ [العلق ١٥]: ﴿كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ﴾.

стр. 496

باب الردع وأما ما كان ردعًا فقوله (١) [التكاثر ١ - ٥]: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ [...] كَلَّا﴾ ردعهم عن التكاثر ثم أعاد أخرى فقال كلا، أي إنكم افتخرتم وتكاثرتم وظننتم أن هذا ينفع شيئًا، ثم أكد ذلك بقوله كلا ثم كلا إبلاغًا في الموعظة. ومنه قوله [عبس ١١,١٠]: ﴿فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (١٠) كَلَّا﴾. أي لا تفعل ذلك، ومنه [العلق ٢١] ﴿كَلَّا لَا تُطِعْه﴾. باب صلة الأيمان وأما ما كان من صلة اليمين فقوله [المدثر ٣٥]: ﴿كَلَّا وَالْقَمَرِ﴾ فهو صلة اليمين وتأكيد لها، ويقال إن معناها ألا والقمر أي والقمر. كذا كان أبو زكريا الفراء يقوله. هذا ما في القرآن. فإن سأل سائل عن كلا فقل: هي في كتاب الله على أربعة أوجه يجمعها وجهان: رد وردع وهما متقاربان، وتحقيق وصلة يمين وهما متقاربان (٢). فالرد مثل ﴿لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا﴾. وهو الذي يوقف (٣) عليه، والردع مثل قوله ﴿كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾، والتحقيق مثل ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾، وصلة اليمين مثل قوله ﴿كَلَّا وَالْقَمَرِ﴾. واعلم أنه ليس في النصف الأول من كتاب الله كلا. وما كان منه في النصف الآخر فهو الذي أوضحنا معناه حسب ما لاح واتجه. والله ولي التوفيق. (تم الكتاب والحمد لله وحده) "وصلى الله على سيدنا محمَّد وعلى آله وسلم" نسخته بلكنؤ (الهند) بإملاء صديقي الشيخ خليل بن محمَّد بن شيخي المرحوم الراوية حسين بن محسن الأنصاري الخزرجي السعدي اليماني حفظه الله، أواخر ذي الحجة الحرام سنة ١٣٤٣ هـ، حامدًا لله على أفضاله، ومصليًا على محمَّد وآله. وأنا العاجز عبد العزيز الميمني الأتري كرمه الله

стр. 497

فهرس ما جاء فيه "كلا" من كتاب الله سبحانه (١٩) مريم ٨٢، ٨٥ (٢٣) المؤمنون ١٠٢ (٢٦) الشعراء ١٤، ٦٢ (٣٤) سبأ ٢٦ (٧٠) المعارج ١٥، ٣٩ (٧٤) المدثر ١٦، ٣٥، ٥٣, ٥٤ (٧٥) القيامة ١١, ٢٠, ٢٦ (٨٠) عبس ١١، ٢٣ (٨٢) الانفطار ٩ (٨٣) المطفيين ٧، ١٤، ١٥، ١٨ (٨٩) الفجر ١٨، ٢٢ (٩٦) العلق ٦، ١٥، ١٩ (١٠٢) التكاثر ٣ - ٥ (١٠٤) الهُمزة ٤

стр. 498

كتاب "ما تلحن فيه العوام" للكسائي مما وضعه علي بن حمزة الكسائي للرشيد هارون رحمهما الله ولا بد لأهل الفصاحة من معرفته (من نسخة خزانة جامع بومباي الهند) "بفضل الأخوين الشيخين عبد القادر ومحمد يوسف الشافعيين" نسخه وصححه وعارضه بالمجاميع اللغوية وعلق عليه فوائد عبد العزيز الميمني الراجكوتي (لطف الله به) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كتاب ما تلحن فيه العوام للكسائي، منه نسخة كتبت في نحو القرن الثاني عشر بخزانة جامع بومباي (الهند) في مجموعة فيها: كفاية المتحفظ، ونسيم السحر، والمثلث لقطرب، والألفاظ الكتابية، والمنقوص والممدود للفراء. من مقتنيات الأخوين ناظر الجامع الشيخ عبد القادر، وصديقي العلامة الجليل الشيخ محمد يوسف كتكتي الكوكني الشافعي. فاظهرت لصديقي رغبتي في نشر مثله، فرحب بي وبسؤالي وأسعفني حفظه الله بمأمولي، واستنسخه مع كتاب الفراء وأنفذهما إليّ. ولكن النسخة -وقابلتها على الأصل ببومباي- مشوهة رديئة. فقمت بالأعمال اللازمة من التصحيح والمراجعة والمعارضة على كتب متقدمي اللغويين، كإصلاح المنطق لابن السكيت (مصر) وعلامته (ص)، والفصيح لثعلب مع شرح أبي سهل الهروي المتوفى ٤٣٣ هـ (مصر سنة ١٣٢٥) وعلامته (ف)، وأدب الكاتب لابن قتيبة (ليدن ١٩٠٥ م) وعلامته (ك)، وشرحه المسمى الاقتضاب لابن السيد البطليوسي وعلامته (سيد)، ودرة الغواص للحريري (لبسيك ١٨٧١ م)، وشرحه للخفاجي، واللسان، والتاج وغيرها.

стр. 499

والغرض أن تعلم أن هؤلاء اقتبسوا منه في معظم الأبواب إن لم نقل إنهم اختلسوها برمتها. وليس هذا ببدع فقد ذكر ابن خلكان في ترجمة الفراء أنه وقف على كتاب (البهاء) له رأى فيه أكثر الألفاظ التي توجد في الفصيح وهو في حجم الفصيح، وعلى الحقيقة ليس لثعلب في الفصيح سوى الترتيب وزيادة يسيرة، وفي كتاب البهاء أيضًا ألفاظ ليست في الفصيح، وليس في الكتابين اختلاف إلا في شيء قليل اهـ. أقول وسماه ابن النديم (ص ٦٧) البهي ألفه لعبد الله بن طاهر، ومثله ما ذكره العلامة ابن السيد (١٤١) أن ابن قتيبة نقل هذه الأبواب (لعله يريد أبواب الخيل) كلها من كتاب الديباجة لأبي عبيدة، أليس إذًا بممكن أن يكون كتابنا هذا منهلًا سائغًا محجوبًا عن العيون ارتوى منه الوارد والصادر والأول والآخر ولم يدلوا عليه لئلا يكدروه. وبهذا يظهر لك فضل كتيب الكسائي هذا، فإن متأخري اللغويين لم يميزوا بين الغث والسمين، وخلطوا فصيح الكلام بغيره، ودونوا جميع اللغات من غير تنبيه على المستعمل منها والمهجور والمقبول والمردود. وهاك مثالًا لذلك قولهم: جبنة بضم فضم فتشديد، وهذا الضبط هو الفصيح كما قد تنبه له الخفاجي، ولكن اللسان والتاج يقدمان عليه لغتي الضم والضمتين. وبحثت عن اللغات الشاذة في التعليق ونبهت على صور الكلمات الملحونة بعلامة (ل) أي كما كان يلفظ بها زمن الكسائي وما يقرب منه أخذًا من الكتب المذكورة سابقًا. وقد لقيت في هذا العراض عرق القربة، إلا أنه يصغر بجنب مقام الكسائي من اللغة، وإعجابنا معاشر المسلمين بهارون، رحمهما الله. وقد نقبت عن الكتاب في جلّ المظانّ الحاضرة لعلَّي أقف منه على عين أو أثر، أو خبر، فلم يقدر لي الظفر بالوطر. غير أنه معزو إليه في الأصل كما قد أثبت صورته هنا: وأما مضمون الكتاب فجله لا يلائم ما رواه اللغويون عن الكسائي فانظر الأعداد ٢ و ١٩ و ٦٤ و ٨٧ و ١٠٢ وفيه ما يلايمه بعض الملايمة أو تمامها، وانظر العددين ٦٢ و ٩٠. وفيه مما فات القاموس واستدركه البلكرامي: المسرحة للمشط، ورجال كثير ونساء كثير، والناطف لنوع من الحلوى. وفيه من خلاف المشهور قوله: لا يقال

стр. 500

ضحية ولا أهرقت ولا سكن من غضبه ولا نصحته أو شكرته. وقوله قربوس بالضم، وإن الجهد في قولهم جهدت به كل الجهد بالضم لا بالفتح، فلا أدري أهي أقوال له شاذة أم الذي وصلنا من اللغة ليس على غره الأول. والله أعلم. ٦ ربيع الآخر سنة ١٣٤٤ هـ عبد العزيز الميمني بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ اللهم صل على محمَّد وآله الطاهرين هذا كتاب ما تلحن فيه العوام مما وضعه علي بن حمزة الكسائي للرشيد هارون. ولابد لأهل الفصاحة من معرفته. (١) تقول حرَصت بفلان، بفتحر الراء. وقال الله [يوسف ١٠٣]: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ولا تقول تحرص بفتح الراء قال الله تعالى [النخل ٣٧]: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾. (٢) وتقول ما نقمت منه إلا عجلته. بفتح القاف لا يقال غيره. قال الله : [البروج ٨] ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إلا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ﴾. (٣) وتقول دعه حتى يسكت من غضبه بالتاء. ولا يقال يسكن بالنون. قال الله : [الأعراف ١٥٤ ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ﴾. (٤) وتقول قد نفِد المال والطعام، بكسر الفاء. قال الله تعالى [الكهف ١٠٩]: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا [لِكَلِمَاتِ رَبِّي] لَنَفِدَ الْبَحْرُ﴾.

стр. 501

(٥) وتقول عجزت عن الشيء، بفتح الجيم، ومنه قول الله تعالى ذكره [المائدة ٣١]: ﴿أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ﴾. (٦) وتقول كسرت ظُفُر زيد. بضم الظاء والفاء جيمعًا. قال الله تعالى [الأنعام ١٤٦]: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾. (٧) وتقول قد صرفت فلانًا، وقد صرف وجهه عني بغير ألف. ولا يقال قد [أ] صرفت فلانًا. قال الله [التوبة ١٢٧]: ﴿ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ وتقول قد صرفت الكلبة إذا طلبت المعاظلة. (٨) وتقول قد اشتريت بطانة جيدة، بكسر الباء قال الله جل ذكره [آل عمران ١١٨]: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾. (٩) وتقول أنا على المضيّ إلى فلان بتشديد الياء. قال الله [يس ٦٧]: ﴿فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ﴾. (١٠) وتقول شكرت لك، ونصحت لك. ولا يقال شكرتك ونصحتك. وقد نصح فلان لفلان وشكر له. هذا كلام العرب. قال الله تعالى [البقرة ١٥٢]: ﴿وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [هود: ٣٤] ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ﴾. (١١) وتقول عسيت أن أكلم زيدًا. بفتح السين. قال الله [محمد ٢٢]: ﴿فَهَلْ عَسَيتُمْ إِنْ تَوَلَّيتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾.

стр. 502

(١٢) وتقول قد أريت فلانًا موضع زيد بغير واو، ولا يقال أوريت فإنه خطأ، قال الله تعالى [طه ٥٦]: ﴿وَلَقَدْ أَرَينَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا﴾ وقال [الأعراف ١٤٣]: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيكَ﴾. وتقول قد أوريت النار إذا أشعلتها بالواو قال الله تعالى [الواقعة ٧١]: ﴿أَفَرَأَيتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾. وقال عدي بن زيد في شاهد ذلك: وأطف حديث السوء بالصمت إنه ... متى يور نارًا للعتاب تأججًا (١٣) وتقول وقع القوم في صَعود وهَبوط وحَدور -مفتوحات الأوائل- وكذلك السَحور سَحور الصائم والفَطور أيضًا على مثال فَعول، قال الله [المدّثر ١٧]: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾. وكذلك الرَكوب، قال الله تعالى [يس ٧٢]: ﴿فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ﴾. (١٤) وتقول شُد ثوبك، وشد عليه بضم الشين. قال الله تعالى [محمد ٤]: ﴿فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾. (١٥) وتقول ذره ودعه وذر الأمر. ولا يقال وذرته ولا ودعته. قال الله تعالى [الحِجر ٣]: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا﴾، ولا يقال منه فعلته ولكن تركته. (١٦) وتقول جَهدت به كل الجُهد، والجيم الأولى مفتوحة والثانية مضمومة، قال الله [التوبة ٧٩]: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إلا جُهْدَهُمْ﴾. (١٧) وتقول دمعت عيني بفتح الميم. (١٨) وتقول بخصت عينه بالصاد، ولا يقال بخست بالسين، إنما البخس والنقص أن تنقص الرجل حقه.

стр. 503

(١٩) وتقول ودِدت أني في منزلي بكسر الدال الأولى، قال بعض الأعراب: أحب بنيتي ووددت أني ... حفرت لها برابية قبيرا (٢٠) وتقول شمِمت الريحان مثله بكسر الميم قال الشاعر: ألا ليت أني قبل تدلو منيتي ... شممت الذي ما بين عينيك والفم (٢١) [و] تقول عضِضت اللقمة بكسر الضاد، وكذلك غصِصت بالطعام؛ وكذلك صمِمت أيضًا، ومسِست بكسر السين وبررت والدري. قال الشاعر في شاهد عضضت: ألآن لما أبيض مسرُبتي ... وعضضت من نابي على جذم وقال آخر في شاهد صممت: صممت ..... وكدت أعمى ... عن الأكبر الذي حُدثت أمس (٢٢) وتقول سخرت بفلان بالباء قال الله جل وعز [الحجرات ١١]: ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيرًا مِنْهُمْ﴾ - بالميم [كذا]. (٢٣) ويقال هذا خصم وأنت خصمي بفتح الخاء، ولا يقال بكسر الخاء، قال

стр. 504

الله [الحج ١٩]: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ فإذا جمعت قلت هم الخصوم يا هذا. (٢٤) وتقول جلست على شاطئ النهر بالألف، والدليل على ذلك قول الله تعالى [القصص ٣٠]: ﴿مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيمَنِ﴾. (٢٥) وتقول تأذيت بالدخان بتخفيف الخاء قال الله تعالى [الدخان ١٠]: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ قال الكميت بن زيد الأسدي: وأيسار إذ الأبرام أمسوا ... لغشيان الدواخن آلفينا (٢٦) وتقول قد شغلني فلان عن عملي، وشغلته بغير ألف، قال الله تعالى [الفتح ١١]: ﴿شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا﴾. (٢٧) وتقول قد وعدت فلانًا خيرًا، ووعدته شرًّا بغير ألف، قال الله تعالى [إبراهيم ٢٢]: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ﴾. فإذا لم تُظهر الخير والشر وأردت الوعيد قلت قد أوعدته، قال كعب بن زهير بن أبي سلمى قصيدة [كذا] يمدح فيها رسول الله ﷺ : أنبئت أن رسول الله أوعدني ... والعفو عند رسول الله مأمول (٢٨) وتقول صندوق بضم الصاد وزنبور وبهلول، والهلول من الرجال السيد والجمع البهاليل. وكذلك أيضًا يقال عصفور وقرقور وقربوس. قال الشاعر في شاهد ذلك: للقمة بجريش الملح آكلها ... ألذ من سورة تحشى بزنبور

стр. 505

وأكلة قدمت للهلك صاحبها ... كحبَّة الفخ دقت عنق عصفور وكذلك برغوث وطنبور وغرمول الفرس وهو قضيبه وكذلك صعلوك. (٢٩) وتقول هي طرسوس بفتح الطاء والراء جميعًا، ومثله أسود حالك وحَلكوك. قال أبو زيد الأنصاري: عقيل وعامر يقولون في ذلك طرسوس بضم الطاء وتسكين الراء، ويزعمون أنهم ليسوا يعرفون حلكوكا اسمًا ثابتًا. (٣٠) وتقول سَمور وشبوط وكلوب وسفود، وكل ما كان على فعول بتشديد العين مفتوح الأول، وكذلك دبوق وعبود وحسون، إلا حرفين فإن العرب تكلمت بهما بالضم والفتح وهما السبوح والقدوس، وبعضهم يقول السُبوح والقَدوس. (٣١) وتقول هذا بصل حِريف بكسر الحاء وتشديد الراء، وخل ثقيف بتشديد القاف، ورجل عنين كما قالوا سكير إذا كان كثير السكر وخمير إذا كان يشرب الخمر وعربيد [كذا] وهذا كله على مثال فعيل. وإنما تكلموا بهذه الأحرف على مثال قول الله تعالى [المطففين ٧]: ﴿لَفِي سِجِّينٍ (٧) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ﴾ وكما قال [الفيل ٤]: ﴿تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ﴾ فتشدد لأنه مبني على مثل فعيل. فافهم وقس عليه إن شاء الله تعالى. (٣٢) وتقول هافت المحبرة بفتح الميم وضم الباء على مثال مفعلة، وكذلك

стр. 506

جلست في المشربة، وكذلك مررت بالمقبرة وكذلك حلقت مسربتي والمسرُبة شعر الصدر. ومن صفة النبي صلى الله عليه وآله أنه كان دقيق المسربة: وما كان من الآلات مما يرفع ويوضع مما في أوله ميم فاكسر الميم أبدًا إذا كان على مفعل ومفعلة تقول في ذلك هذا مِشعل ومثقب ومقود ومنجل ومبرد ومقنعة ومصدغة ومجمرة ومسرحة ومشربة ومرفقة ومخدة ومحسة ومظلة فهذا كله مكسور الأول أبدًا، سوى منخل ومسعط ومدهن ومدنَّ ومكحلة، فإن هذه الأحرف جاءت عن العرب بضم الميم. (٣٣) وتقول عليَّ بالطِنجير بكسر الطاء. وكذلك الحلتيت والجرجير والبطريق والقنديل أبدًا. ومثله في كتاب الله [فاطر ١٣]: ﴿مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾. وكذلك دهليز. (٣٤) وتقول خرجنا في رفقة عظيمة بضم الراء. ومثله من الكلام جُلبة وجبلة والجلبة قشر القرحة وأثرها وجمعها جلب، قال الشاعر: أصبر من عَود بجنبيه جُلب ويقال رفقة أيضًا بكسر الراء. (٣٥) وتقول صعدت ذِروة الجبل أي أعلاه بكسر الذال. والجرية بفتح الجيم المرة الواحدة. وتقول هي بغيتي. لا يقال في هذه الحروف إلا بالكسر.

стр. 507

(٣٦) وتقول جراب كبير بكسر الجيم مثل حمار وجوار وخمار. ويقال أنا في جوار زيد وله جوار قديم بكسر الجيم. ويقال سوار المرأة للذي يكون في يدها، ويقال إسوار بالألف وبغير ألف، قال الشاعر في السوار: ألا طرقت بعد الهدوء نوار ... تهادى، عليها دملج وسوار (٣٧) وتقول هذه زبيل بإسقاط النون، قال الشاعر: لخرط قتادة ولحملُ فيل ... وماء البحر يغرف في زبيل ويقال أترج وإجانة وإجاص، هذه الأحرف بإسقاط النون. (٣٨) وتقول غسلت رأسي بخطمي بكسر الخاء، وعندي غسلة بكسر الغين قال علقمة بن عبدة:

стр. 508

كأن غسلة خطميٍّ بمشفرها ... في الخد منها وفي اللحيين تلغيم وتقول للرجل امض راشدًا أنقى الله غسَلك؛ لأن الغسل هو الخطمى قال الشاعر [لعل هنا خرمًا]: قالت أرى رجلًا في كفه كتف ... أو يخصف النعل لهفًا آية صنعا (٣٩) وتقول كبد أيضًا بفتح الكاف وكسر الباء، قال الآخر: أو كان بالفرد لحوال [كذا] لانصدعت ... من دونه كبد المستعصم الفرِد ويقال هذه فَخِذ أيضًا بفتح الفاء وكسر الخاء، قال الشاعر: على فخذيه من بُراية عودها ... شبيه سمى البهمى إذا ما تفتّلا وتقول هذه كرش الشاة بفتح الكاف وكسر الراء. وكذلك الفحث والحفث، وهو مثل الرمانة أسفل كرش البعير. (٤٠) تقول فلان حسن الفقه أي الذكاء. (٤١) وتقول فعلت [كذا] الميزاب -بغير راء- وهي الميازيب.

стр. 509

(٤٢) وتقول هو السبع بفتح السين وضم الباء، وكذلك الضبع. (٤٣) وتقول هي وقر حطب ووقر حنطة، وكل ما يحمل فهو وقر. قال الله ﵎ [الذاريات ٢]: ﴿فَالْحَامِلَاتِ وقْرًا﴾. وتقول في أذنيه وقر بفتح الواو وهو رجل موقور إذا كان به صمم، وقال الله تعالى: [فصلت ٥]: ﴿وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ﴾. (٤٤) وتقول هي المحلبة [؟] بفتح الميم وهو حب المحلب بفتح الميم، والمحلب بكسر الميم الإناء الذي يحلب فيه. (٤٥) وتقول قد أشكل على هذا الأمر -بالألف- قال الشاعر: وإذا الأمور عليك يومًا أشكلت ... فلما يزينك لا يشينك فاعمد (٤٦) وتقول قد حرمته، والحمد لله الذي حرمك، بغير ألف، وقد حُرمه، قال عبيد: من يسأل الناس يحرموه ... وسائل الله لا يخيب (٤٧) وتقول جرو لولد الكلب بكسر الجيم، وكذلك ثوب رخو، وكذلك رطل

стр. 510

للذي يكال فيه، قال الشاعر: لها رطل تكيل الزيتَ فيه ... وفلاج يسوق لها حمارا (٤٨) وتقول هذه أتان للأنثى من الحمير بغير هاء، فإذا كانت ثلاثًا قلت ثلاث أتن. هي الأتن الصحف والرسل، قال الشاعر: فأشهد أن رحمك من زياد ... كرحم الفيل من ولد الأتان والأتان أيضًا الصخرة الراسية في جوف الماء والأودية، قال الشاعر: هل تلحقني بأخرى الحي إذ شحطوا ... جُلذية كأتان الضحل علكوم فشحطوا بعدوا. وجلذية ناقة شديدة قوية. وكذلك العلكوم شبهها من قوتها بالصخرة. والضحل الماء القليل. (٤٩) وتقول غثت نفسي ولا يقال غثيت بالياء، وكذلك غلت القدر بلا ياء. (٥٠) وأغلقت الباب فهو مغلق ولا يقال مغلوق قال حاتم الطائي [كذا]: ولا أقول لقدر القوم قد غليت ... ولا أقول لباب الدار مغلوق (٥١) ويقال قصُّ الشاة وقصصها بالصاد ولا يقال بالسين. والقس بالسين هو قس النصارى. (٥٢) ويقال عندي قريس طيب بالسين، وقرَس البرد، ويومنا قارس بالسين -

стр. 511

واللبن قارص بالصاد إذا كان حامضًا. (٥٣) ويقال هذا ثوب صفيق بالصاد، ووجه فلان سفيق بالسين، وإنما تكلمت العرب بهذا فرقًا بين صفاقة الوجه وصفاقة الثوب. (٥٤) ويقال جورب بفتح الجيم، وكذلك رجل كوسج، وكل ما أشبه هذا. (٥٥) ويقال هذه امرأة جميل، وليلة مطير، وعين كحيل، ولحية دهين بغير

стр. 512

هاء وكذلك كل ما كان على فعيل [؟] وكذلك كف خضيب وحمارة وديق قال الله تعالى [الشورى ١٧]: ﴿لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾. وقد بنت العرب فعيلًا بغير هاء أيضًا، ومنه قول الله جل ذكره: ﴿لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ لأنه على فعيل، وقال الله تعالى [الذاريات ٢٩]: ﴿وَقَالتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ ولم يقل عقيمة، وكذلك دراعة جديد. وقد يكون فعيل أيضًا للجميع فتقول في الدار نساء كثير، وهذه حباب جديد، قال الشاعر: يا عاذلاتي لا تردن ملامتي ... إن العواذل لسن لي بأمين فقال بأمين ولم يقل بأمينة وذلك أنه جمعه على لفظ فعيل. وقد بنت العرب فعولًا بغير هاء أيضًا من ذلك هذه امرأة ولود وكسوب وخدوم وودود ورمكة عضوض وجموح وعثور وأم نزور إذا كانت قليلة الولادة قال الشاعر: بغاث الطير أكثرها فراخًا ... وأم الصقر مقلات نزور ومنه قوله تعالى [التحريم ٨]: (يا أيها الذين أمنوا ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾. وقد بنت العرب مفعالًا بغير هاء منه قولهم امرأة مكسال ومطعان ومغناج ومبهاج ومضحاك، قال الله جل ثناؤه [النبأ ٢١]: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا﴾. وقال ذو الرمة: غراء [في العين] مبهاج إذا سفرت ... وتحرج العينُ فيها حين تنتقب ويقال امرأة طالق وطاهر وحائض وريح عاصف كل هذه الأحرف بغير هاء فإن قال لك وقد قال الله تعالى [الأنبياء ٨١]: ﴿وَلِسُلَيمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً﴾ فأثبت الهاء، قيل هذا على مبالغة المدح. والعرب قد تدخل الهاء في فعيل وفعول على مبالغة المدح. قال الأعشى: أيا جارتب بيني فإنك طالقة ... كذاك أمور الناس غاد وطارقة وكذلك قولهم رجل شتامة وغلامة وطلابة وجماعة وبذارة وسيارة في البلاد وجوالة، ورجل راوية وباقعة وداهية، ورجل لجوجة وصرورة وهو الذي لم يحج قط. (٥٦) ويقال قد نقه فلان بفتح القاف، ونقهت الحديث إذا فهمته بكسر القاف قال الشاعر:

стр. 513

يا أيها البدر الكريم الأروع ... أنقه عني ما أقول وأسمع (٥٧) ويقال عليّ ثياب جدد بضم الدال والجدد بفتح الدال هي الجبال، قال الله جل ثناؤه [فاطر ٢٧]: ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ﴾. (٥٨) ويقال نكلت عنه بفتح الكاف. (٥٩) وتقول رمكة كميت، ويرذون كميت، يكون المذكر والمؤنث فيه سواء. فإن قال قائل فلم هذا؟ فقل لأنه لا يحسن أن تقول رمكة كمتاء ولا برذون أكمت كما قالوا أبلق وبلقاء، وأدهم ودهماء، وأصفر وصفراء. (٦٠) وتقول هذه جبنَّة وهو الجبن بتشديد النون وضم الباء، قال الشاعر: كأنها جبنة لم تعصر ... أو بيضة مكنونة لم تعبر (٦١) وتقول مشيت حتى أعييت بالألف ولا تقول عييت إنما يقال في الأمر

стр. 514

الذي ينسد عليك فيقال فلا تكن بأمره من العي قال الشاعر: تزحزحي عني يا برذونة ... إن البراذين إذا جرينه مع العتاق ساعة أعيينه (٦٢) ويقال برذون وبرذونة، وغلامة وغلام، ورجل ورجلة، وشيخ وشيخة قال الشاعر: بانت على إرم رابية ... كأنها شيخة رقوب وقال آخر: وتضحك مني شيخه عبشمية ... كأن لم تري قبلي أسيرًا يمانيا (٦٣) ويقال سبت وسبتان وأسبت وسبوت وأسبات، وأحد وأحدان وآحاد مثل أس الحائط وأساس وأس أجود، وإثنين وإثناوان وأثانين يا هذا وأثاني كما ترى، وثلاثاء وثلاثاوان وثلاثوات وأثلثة، وأربعاء وأربعاوان وأربعاوات وأرابيع، وخميس وخميسان وخميساوات وأخمسة، وجمعة وجمعتان وجمعات وجمع.

стр. 515

(٦٤) وتقول أحددت السكين بالألف، وحدت المرأة على زوجها إذا لبست الحداد فهي تحد تحديدًا [؟] وأحددت [؟] أنا فأنا أحد حدة من الغضب، وأحددت [؟] حدود الدار فأنا أحد، وأحددت [؟] الرجل فأنا أحده من الضرب حدًّا. (٦٥) وتقول صحا السكران إذا أفاق بغير ألف، وأصحت السماء فهي تصحي إصحاء بألف، وتقول أصحو هي أم غيم؟ ويقال يومٌ غير، قال الشاعر: كم من زمان [قد] عمرت حرسا ... يومين غيمين ويومًا شمسا نستأنف الغد ونمضي الأمسا ويقال هذا يوم مغيوم أيضًا قال علقمة: حتى تذكر بيضات وهيجه ... يوم رذاذ عليه الريح مغيوم (٦٦) وتقول عندي كوز صفر بضم الصاد. قال النابغة: كأن شواظهن بجانبيه ... نحاس الصفر تضربه القيون والصفر بكسر الصاد الخالي من كل شيء، قال الشاعر:

стр. 516

ولا تظهرن للناس إلا تجملًا ... وإن بت صفر الكف والبطن طاويا وقال حاتم طيء: ترى أن ما قدمت لم يك ضرني ... وأن يدي مما بخلت به صفر (٦٧) وتقول خاصمت فلانًا فكان ضلعك على، والضلع الميل، والضلع بكسر الضاد هي ضلع الإنسان وأنشد: هي الضلع [العوجاء أنت تقيمها ... ألا أن تقويم الضلوع انكسارها] (٦٨) ويقال عندي دقيق سميذ بالياء لأنه على فعيل. ولا يقال سمذ لأنه فعل وليس في كلام العرب فعل إلا القليل. (٦٩) ويقال عندي جدي سمين بفتح الجيم، فإذا جمعت قلت ثلاثة أجد، وكذلك لحى وثلاثة ألح، وجرو وثلاثة أجر، والكثير الجراء والجداء ولا تقل جداي. (٧٠) وتقول دواة ودواتان ودوي، قال الشاعر: لو يكتب الكتاب عرفك فرغوا ... ليس الدوى وأنفدوا الأقلاما (٧١) وتقول هات المرآة على مثال المرعاة قال الشاعر: والشمس كالمرآة في كفِّ الأشلِّ

стр. 517

(٧٢) وتقول هي الأضحية ولا يقال الضحية، وقد جاء الأضحى. قال بعض الأعراب: يا قاسم الخيرات يا مأوى الكرم ... قد جاءت الأضحى وما لي من غنم وكذلك هي الأرجوحة والأرجوزة والأحدوثة، ولا تقل حدثة (؟ حدوثة). لا تكونوا قومنا أحدوثة ... كبني طسم وكالحي إرم وكذلك أعجوبة أيضًا. (٧٣) ويقال فلان معدِن العلم. ولا يقال معدن بفتح الدال. (٧٤) ويقال كبت الله عدوك بغير ألف قال الله تعالى [المجادلة ٥]: ﴿كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾. (٧٥) وتقول قد خصيت الفحل بغير ألف وهو الخصاء، ولا يقال الإِخصاء. (٧٦) وتقول قد شيب الرجل وشيَّخ وشاخ.

стр. 518

(٧٧) وتقول عليَّ بالدجاج بفتح الدال، قال جرير: لما تذكرت بالديرين أرقني ... صوت الدجاج وقرع بالنواقيس (٧٨) وتقول شهدنا إملاك فلان بالألف، وهذا ملاك الأمر بإسقاط الألف. (٧٩) وتقول عقدت الخيط والحبل وأشباهه بلا ألف، وتقول أعقدت العسل والناطف بالألف فهو معقد، والخيط معقود. (٨٠) وتقول أتيتك يوم عرفة بغير ألف ولام، ووقفت على دجلة. (٨١) ويقال هو الكتان بفتح الكاف. (٨٢) وتقول فرخ وأفرخ، قال العجاج: يا ابن كسيب ما علينا مَبذخ ... قد غلبتك فيلق تصيَّخ لما أتت باب الأمير تصرخ ... است حبارى طار عنها الأفرخ والفراخ جمع الجميع.

стр. 519

(٨٣) وتقول هديت العروس إلى زوجها بغير ألف، وأهديت إلى البيت هديًا. (٨٤) ويقال صدقته الحديث بغير ألف، وأصدقت المرأة صداقًا وهو الصداق. (٨٥) ويقال مَسك الشاة وهو جلدها، والمسك بالكسر هو الطيب الذي يشم. وكل جلد فهو مسك. (٨٦) ويقال عاث في البلاد وعثا إذا أفسد. (٨٧) تقول أقبسته العلم بالألف، وقبسته النار بلا ألف. (٨٨) ويقال عندي درهم بكسر الدال وفتح الهاء. (٨٩) ويقال حاطك الله بعونة بغير ألف. (٩٠) وتقول دع الثوب حتى يجف بكسر الجيم. (٩١) ويقال رمان [إ] مليسي وعنب ملاحي.

стр. 520

(٩٢) وتقول عندي منا دهن ومنوان وأمناء كثيرة. (٩٣) وتقول رجل جنب ورجلان جنب ونسوة جنب للمذكر والمؤنث سواء. (٩٤) وتقول ما لقي الناس من الجدري؟ بضم الجيم وفتح الدال. (٩٥) وتقول هو الخوان، للذي يؤكل عليه، بكسر الخاء. (٩٦) ويقال عقار بفتح العين. (٩٧) وتقول دفقت الإِناء وهرقته، ولا يقال أدفقت ولا أهرقت. (٩٨) وتقول فسد الشيء بفتح السين، وكذلك سبحت بفتح الباء. (٩٩) وتقول قد ذهب القر وأقبل الدفء قل الله [النحل ٥]: ﴿لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ﴾.

стр. 521

(١٠٠) ويقال فص الخاتم بفتح الفاء، ويأتيك بالأمر من فصه أيضًا قال الشاعر: وآخر تحسبه أنوكًا ... ويأتيك بالأمر من فصه أي من عينه وصوابه. (١٠١) ويقال خاتم بفتح التاء، وخاتم الشيء آخره بكسر التاء [و] منه قول الله [الأحزاب ٤٠]: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾. (١٠٢) ويقال المال ينمو، والخضاب وأشباهه ينمي، قال الشاعر: يا حب ليلى لا تَغير وازدد ... وانم كما ينمي الخضاب في اليد * * * تم الكتاب بعون الملك الوهاب، والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمَّد وآله وصحبه أجمعين الطيبين الطاهرين * * * تم نسخه ثانية وعراضه على كتب اللغة وتعليق الفوائد وتصحيحه على يد العاجز عبد العزيز الميمني الراجكوتي وصلى الله على صيدنا محمَّد نبي الرحمة وسلم وعلى ذويه وحزبه غرة جمادى الآخرة سنة ١٣٤٤ هـ وديسمبر سنة ١٩٢٥ م

стр. 522

رسالة شيخ الطريقة محيي الدين بن عربي إلى الإِمام ابن خطيب الري المعروف بالفخر الرازي نسخها وأبرزها وصححها عبد العزيز الميمني الراجكوتي الأثري بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، وعلى وليي في الله فخر الدين محمَّد، أعلى الله همته. أما بعد فأنا نحمد إليك الله الذي لا إله إلَّا هو. وقال رسول الله ﵇ "إذا أحب أحدكم أخاه فليعلم إياه أني أحبك". ويقول الله تعالى: [العصر ٣]: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾. وقد وقفت على بعض تواليفك، وما أيدك الله تعالى به من القوة المتخيلة، وما تتخيله (١) من الفكر الجيد. متى تستعذب (٢) النفس كسب بدنها فإنها لا تجد حلاوة الجود والوهب، وتكون ممن أكل من تحت رجله. والرجل من أكل من فوقه. كما قال الله تعالى: [المائدة ٦٦]: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاة﴾ الآية. وليعلم وليي وفقه الله أن الوراثة الكاملة هي التي تكون من جميع الوجوه لا من

стр. 523

بعضها. والعلماء ورثة الأنبياء، فينبغي للعاقل أن يجهد أن يكون وارثًا من جميع الوجوه، ولا يكون ناقص الهمة. وقد علم وليي وفقه الله أن حسن الطبيعة (١) الإنسانية إنما يكون بما يحمله من المعارف الإلهية وقبحها بضد ذلك. وينبغي للعالي الهمة أن لا يقطع عمره في معرفة المحدثات وتفاصيلها فيفوته حظه من ربه. وينبغي له أيضًا أن يشرح نفسه من سلطان فكره. فإن الفكر يُعلم مأخذه، والحق المطلوب ليس كذلك، وأن العلم بالله خلاف العلم بوجود الله. فالعقول تعرف الله من حيث كونه موجودًا ومن حيث السلب، لا من حيثية الإِثبات، وهذا خلاف (٢) الجماعة من العقلاء والمتكلمين، إلا سيدنا أبا حامد فإنه معنا في هذه القضية. ويجل الله سبحانه أن يعرفه العقل بنظره وفكره. فينبغي للعاقل أن يخلي قلبه عن الفكر إذا أراد معرفة الله من حيث المشاهدة. وينبغي للعالي الهمة أن لا يكون يتقيد (٣) عند هذا من عالم الخبال، وهي الأنوار المتجسدة الدالة على معان وراءها. فإن الخيال ينزل المعاني العقلية في القوالب الحسية كالعلم في صورة اللبن والفرآن في صورة [...] والد [...] في صورة [...]. وينبغي للعالي الهمة أن لا يكون معلمه مؤنثًا متعلقًا بالأخذ من النفس الكلية، كما ينبغي له أن لا يتعلق بالأخذ متفقير أصلًا، فكل ما لا كمال له إلا بغيره فهو فقير. فإذا حال كل ما سوى الله ، فارفع الهمة في أن لا تأخذ علمًا إلا منه سبحانه على الكشف. فإن عند المحققين أن لا فاعل إِلا الله، فأذن لا يأخذون إلا عن الله، لكن كشفًا لا عقلًا. وما فاز أهل الهمة إلَّا بالوصول إلى عين اليقين، أنفة بقاء مع علم اليقين. واعلم أن أهل الأفكار إذا بلغوا فيه العناية القصوى أداهم فكرهم إلى خيال المقلد المصمم، فإن الأمر أعظم من أن يقف فيه الفكر. فما دام الفكر فمن المحال أن يطمئن العقل ويسكن.

стр. 524

وللعقل (١) حد يقف عنده من حيث قوتها في التعرف (؟ التغرق) الفكري. ولها صفة القبول لما يهبه الله تعالى. فإذن ينبغي للعاقل أن يتعرض لنفحات الجود، ولا يبقى ماسورًا في قيد نظره وكسبه، فإنه على شبهة في ذلك. ولقد أخبرني من أثق به من إخوانك؛ وممن له فيك نية حسنة جميلة أنه رآك وقد تكتب يومًا، فسألك هو ومن حضرك عن مكانك فقلت: مسألة اعتقدتها منذ ثلاثين سنة تبين لي الساعة بدليل لاحٍ لي أن الأمر على خلاف ما كان عندي فنكبت (٢) وقلت: ولعل هذا الذي لاح لي أيضًا مثل الأول، فإذا قولك (٣). ومن المحال على العارف بمرتبة العقل والفكر أن يسكن أو يستريح، ولا سيما في معرفة الله تعالى: إذ من المحال أن يعرف ماهيته بطريق النظر. فما لك يا أخي تبقى في هذه الورطة، ولا تدخل طريق الرياضات والمجاهدات والخلوات التي شرعها رسول الله ﵇، فتنال ما نال من قال فيه سبحانه [الكهف ٦٥]: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَينَاهُ [رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ] مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ الآية. ومثلك من يتعرض لهذه الخطة الشريفة، والمرتبة العظيمة الرفيعة. وليعلم وليي أن كل موجود عند سبب (٤) ذلك السبب محدث مثله. فإن له وجهين وجه ينظر إلى سببه، ووجه ينظر به إلى موجده وهو الله سبحانه. فالناس كلهم ناظرون إلى وجوه أسبابهم، والحكماء كلهم من الفلاسفة وغيرهم إلا المحققون من أهل الله كالأنبياء والأولياء والملائكة فإنهم مع معرفتهم بالسبب ناظرون من الوجه الآخر إلى موجدهم. ومنهم من نظر إلى ربهم من وجه سببه لا من وجهه فقال حدثني ربي. وإليه أشار صاحبنا العارف بقوله: أخذتم علمكم عن الرسوم ميتًا عن ميت، وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت.

стр. 525

ومن كان وجوده مستفادًا من غيره فحكمه عندنا حكم لا شيء، فليس للعارف [أن] يقول غير الله ألبتة. ثم ليعلم وليّي أن الحق وإن كان واحدًا فإن له إلينا وجوهًا كثيرة مختلفة. فاحذر عند الموارد الإِلهيات وتجلياتها من هذا الفصل فليس الحق من كونه ربا عندك حكمه (١) كحكمه من كونه مهيمنًا، ولا حكمه من كونه رحيمًا حكمه من كونه منتقمًا، وكذلك جميع أسماء الله تعالى. واعلم أن الوجه الإِلهي الذي هو الله اسم جامع لجميع الأسماء، مثل الرب والقدير والشكور، وجميعها كالذات الجامع لما فيها من الصفات. فاسم الله مستغرق جميع الأسماء فتحفظ (٢) عند المشاهدة منه، فإنك لا تشاهده مطلقًا، فإذا ناجاك به وهو الجامع فانظر ما يناجيك به، وانظر المقام الذي تقتضيه تلك المناجاة أو تلك المشاهدة. فانظر أي (٣) اسم من الأسماء الإِلهية ينظر إليها. فذلك الاسم هو الذي خاطبك أو شاهدته، فهو المعبر عنه بالتحول في الصورة، كالغريق إذا قال يا الله فمعناه يا غياث أو يا منجي أو يا منقذ. وصاحب الألم إذا قال يا الله فمعناه يا شافي أو يا معافي وما أشبه ذلك، فقولي لك (؟) التحول ما ذكره مسلم في صحيحه: الباري يتجلى فينكر ويتعوذ منه فيتحول لهم في الصورة التي عرفوه فيها فيقرون بعد الإنكار، وهذا (٤) هو معنى المشاهدة هنا والمناجاة والمخاطبات الربانية. وينبغي للعاقل أن لا يطلب من العلوم إلا ما يكمل فيه (٥) ذاته وينتقل معه حيث انتقل، وليس ذلك إلا العلم بالله تعالى من حيث الوهب والمشاهدة. فإن علمك بالطب مثلًا إنما يحتاج إليه في عالم الأسقام والأمراض. فإذا انتقلت إلى عالم ما فيه مرض ولا سقم فمن تداوي بذلك العلم؟ فالعاقل لا يسعى من حيث أن لا يكون له غير [كذا] وإن أخذه من طريق الوهب كطب الأنبياء ﵈ فلا يقف معه (٦) وليطلب العلم بالله. وكذلك العلم بالهندسة إنما يحتاج إليه في عالم المساحة، فإذا انتقلت تركته في عالمه ومضت النفس ساذجة ليس عندها شيء. وكذلك الاشتعال

стр. 526

بكل علم تتركه النفس عند انتقالها إلى عالم الآخرة. فينبغي للعاقل أن لا يأخذ منه إلا ما مست الحاجة الضرورية إليه، وليجتهد في تحصيل ما ينتقل معه حيث انتقل. وليس ذلك إلا علمان خاصة العلم بالله، والعلم بمواطن الآخرة وما تقتضيه مقاماتها حتى يمشي فيها كمشيه في منزله فلا ينكر شيئًا أصلًا، فإنه من أهل العرفان لا أهل النكران، وتلك المواطن مواطن التمييز لا مواطن الامتزاج التي تعطي (١) الغلط، وليتخلص (٢) إذا حصل في هذا المقام أن يتميز من حزب (٣) الطائفة التي قامت عندما تجلى لها ربها: نعوذ بالله منك لست ربنا، ها نحن منتظرون حتى يأتينا ربنا. فلما جاءهم في الصورة التي عرفوه فيها أقروا به، فما (٤) أعظمها من حسرة! فينبغي للعاقل الكشف عن هذين العلمين بطريق الرياضة. وكنت أذكر الخلوة وشروطها وما يتجلى فيها على الترتيب شيئًا بعد شيء، لكن يمنع من ذلك الوقت، وأعني بالوقت علماء السوء الذين أنكروا ما جهلوا، وقيدهم التعصب وحب الظهور والرياسة عن الاذعان للحق والتسليم له إن لم يكن الإيمان به. والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. تمت على يد العاجز عبد العزيز الميمني أواخر محرم الحرام ١٣٤٤ هـ بحيدر أباد عن نسخة مشوهة

стр. 527

رسالة الملائكة من إنشاء أبي العلاء المعريّ أبرزها وصححها وشرحها (عبد العزيز الميمنيّ الراجكوتيّ السلفيّ الهنديّ) الأستاذ بالجامعة الإِسلامية في مدينة علي كره (الهند) لطف الله به وكرمه القاهرة ١٣٤٥ المطبعة السلفية - ومكتبتها

стр. 528

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كلمة للناشر رسالة الملائكة للمعرّيّ أخت رسالتي الغفران والطير في التمثيل، الذي لم يسبقه فيه عديل له أو مثيل. فهو إذًا ابن بَجْدَته، وعُيير وحده. وما مِلْتون الإنكليزي صاحب الفردوس الغابر إلَّا من الأتباع (١)، بيد أنّا أهل المشرق لم نحتفظ بمآثر أسلافنا ولم نؤمنها من بوائق الضياع. والرسالة وإن كان سبق لها نَشْر، إلَّا أنه لم يتنبه له فيما أظنِّ إلَّا شِرذمة نَزْر. على أن الطبعة كانت من التحريف والتشويه، بحيث يُمجّهَا طبع كل خامل ونبيه. ولم يخلُ من عِدّ أغلاط وتصحيفات، بَلْهَ السطورَ والصحيفات. ولم ننبّه منها إلَّا على فطرة من عِدّ، أو نهر مستمدّ. ولا أدّعي أنني برّأتها من كلّ عيب، أو جلوتُها جلاءَ الهديّ النقيِّة الجيب. وكيف ولم تصل يدي إلى نسخة منها أخرى، فكيف أتمكن من السَبْح في الصَرَى. إلا أنني ولا كفران لله أرى، أن "عند الصباح يحمد القومُ السُرَى". وقد بقي مع ما عانيتُه عدّة أغلاط، مطويةَ الرياط. حِرتُ في أمرها، فوكلتُها إلى أعرف مني بخبَرها وخُبرها. وبخزانة ليدن (هولاندة) منها نسخة فيا حبذا لو تولَّى بعض المستعربين عراض هذه عليها. ثم قدَّر الله مقابلتها على نُسخة خطيّة سَدَّت بعض الخلل وأنْعَشَتْ من الزَلَل (٢). ويظهر من فحواها أنها أُلَفت نحو سنة ٤٣٥ هـ تقريبًا. والله أعلم، مصححها وشارحها عبد العزيز الميمني السلفي الراجكوتي (الهندي) الأستاذ بالجامعة الإسلامية في على كره (الهند)

стр. 529

قال أبو الفضل المؤيّد بن الموفّق الصاحبيّ في كتاب (الحكم البوالغ في شرح الكلم النوابغ): رسالة الملائكة ألفها أبو العلاء المَعَريّ على جواب مسائل تصريفية ألقاها إليه بعض الطَلَبة (١) فأجاب عنها بهذا الطريق المشتمل على الفوائد الأنيقة، مع صورتها المستغرَبة الرشيقة: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ليس مولاي الشيخ أدام الله عِزّه بأول رائد ظَنَّ (٢) في الأرض العازبة فوجدها من النَبات قَفْرًا. ولا آخِرِ شائم ظَنَّ الخيرَ بالسحابة فكانت من قطَرٍ صِفْرًا. جاءتني منه فوائد كأنها في الحسن بناتُ مَخْرٍ (٣)، متمثلًا ببيت صَخْر (٤): لعمري لقد نَبَّهْتِ مَن كان نائمًا ... وأسمعتِ من كانت له أُذُنانِ إن الله يُسْمعُ من يشاء وما أنت بمُسْمِعٍ مَنْ في القبور. أولئكَ يُنادَوْن من مكان بعيد. وكنت في عُنْفُوان (٥) الشَبيبة أوَدُّ أنني من أهل العلم فَسجَنَتْنِي عنه سواجنُ (٦)، غادرتني مثل الكُرَةِ رَهْنَ المحَاجن (٧). فالآنَ مشيتُ رُويدًا، وتركت عمرًا للضارب وزيدًا. وما اُوْثرُ أن يزاد في صحيفتي خطأ في النحو، فيَخْلُدَ آمنَا من المحْو. وإذا صَدَقَ فجْر الِلمَّة فلا عُذْرَ لصاحبها في الكَذِب، ومن لمعذَّب العَطَش بالعَذِبِ (٨)؟

стр. 530

وصِدْق الشَعَر في المَفْرِق، يوجب صدق الإنسان الفَرِقِ (١). وكون الحالية بلا خُرُص (٢)، أجملُ بها من التخرُّص. وقيام النادبة بالمنَادب (٣)، أحسنُ بالرجل من القول الكاذب (٤). وهو أدام الله الجمال به يلزمه البحثُ عن غوامض الأشياء لأنه يُعتَمَد بسؤال رائحٍ وغادٍ، وحاضِرٍ يرجو الفائدَة وبادٍ. فلا غَرْوَ أن كشَفَ عن حقائق التصريف، واحتجّ للتنكير والتعريف. وتكلَّم على هَمْزٍ وإدغام، وأزال الشُبَه عن صُدور الطَغام. فأما أنا فحِلسُ البيت، إن لم أكن المَيتَ فشبيهٌ بالميت. لو أعرضتِ الأغربةُ عن النَعيب، إعراضي عن الأدب والأديب. لأصبحت لا تُحِسُّ نعيبًا (٥)، ولا يُطيق هَرِمُها زعيبًا. ولمّا وافى شيخُنا أبو فلان بتلك المسائل ألفيتُها في اللذّة كأنها الراح، يَستَفزُّ مَنْ سَمِعَها المِراحُ. وكانت الصهباءَ الجُرجانيّة طَرَقَ بها عميدُ كَفر، بعد ميل الجوزاء وسقوط الغَفْر (٦) وكان على يجباها (٧) جلب الينا الشمس وإياها. فلما جُليَتِ الهَدِيُّ ذكرتُ ما قال الأسدي: فقلت اصطبِحْها أو لغيري فأهْدِها ... فما أنا بعد الشيب، ويبك (٨)! والخمر تجاللتُ (٩) عنها في السنين التي مضت ... فكيف التصابي بعد ما كلَّا العُمر (١٠)
следующие страницы →