← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 19235

التحصيل من المحصول

السراج الأرموي

Полный текст (781 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وهذه الرسالة التي وضعها الإِمام الشافعي، والتي قصصنا عليك خبرها قد اندثرت مع ما اندثر من تراث إسلامي على مر العصور وكر الدهور، ولكنها كانت موجودة حتى القرن الثامن الهجري، وتوجد منها نقول في بعض الكتب فنقل عنها أبو عمرو بن الصلاح، والحافظ البيهقي ومحيي الدين النووي والتاج السبكي وابن القيم الجوزية. والرسالة الموجودة الآن هي القاهرية التي وضعها بعد أن استقر في مصر (١) فأعاد النظر في الأولى، وتعديله في أبوابها لا يعتقد بأنه كثير. وقد أملاها بعد تأليفها على أصحابه المصريين وعلى رأسهم الربيع بن سليمان المرادي أبو محمد المصري المتوفى سنة (٢) ٢٧٠ هـ. ورواها أيضاً الإِمام أحمد بن حنبل (٣). وهذه الرسالة وصلت إلينا كاملة وطبعت عدة طبعات بالقاهرة. ورسم الشافعي في رسالته هذه المنهج الذي يجب أن يسير عليه كل مجتهد وجمع بين منهجي أهل السنة وأهل الرأي بحيث لا يطغى الرأي وتهمل السنة، ولا يجمد الفقه على ظواهر الألفاظ وقد بحث فيها مهمات قواعد هذا الفن، وكل ما زاده المتأخرون بعده كان من باب التتميم والتوضيح ومن المباحث التي تعرضت لها الرسالة: ١ - الناسخ والمنسوخ في الكتاب والسنة. ٢ - العام والخاص والمطلق والمقيد والمجمل والمبين والعام المراد به ظاهره والعام الذي لا يراد به ظاهره. ٣ - حجية خبر الواحد ومنزلة السنة ومكانتها. ٤ - القياس والاجتهاد وشروط المفتي. ٥ - الإجماع وغير ذلك من المباحث المهمة.

стр. 107

وقد أردف الشافعي ﵀ الرسالة بمؤلفات أخرى في أصول الفقه، لا زالت تعتبر المرجع كما كانت في الماضي كذلك ومنها: ١ - إبطال الاستحسان: الذي رد فيه على من قال بالاستحسان وقال في ذلك كلمته المشهورة: (من استحسن فقد شرع). ٢ - اختلاف الحديث: وفيه جمع بين الأحاديث المتعارضة، وكان هذا الكتاب الأول في بابه، حيث تبعه في ذلك ابن قتيبة (١) فألف كتابه (٢) مختلف الحديث والطحاوي (٣) فألف مشكل الآثار (٤). ٣ - جماع العلم: الذي عقده لإِثبات حجية خبر الواحد ووجوب العمل به والرد على من أنكره. دعوى الشيعة الإمامية أنهم السابقون لهذا الفن والرد عليها ادعت الشيعة الإِمامية أنها قد سبقت الإِمام الشافعي لهذا الفن، فقالوا: إن أول من دون فيه هو الإمام محمد الباقر بن علي زين العابدين المتوفى سنة ١١٤ هـ، وتابعه ابنه الإِمام أبو عبد الله جعفر الصادق المتوفى سنة ١٤٨ هـ.

стр. 108

قال آية الله السيد حسن الصدر: (اعلم أن أول من أسس أصول الفقه وفتح بابه وفتق مسائله الإِمام أبو جعفر محمد الباقر، ثم من بعده ابنه الإِمام وقد أمليا على أصحابهما قواعده وجمعوا من ذلك مسائل رتبها المتأخرون على ترتيب المصنفين برواياتٍ مسندةٍ إليهما متصلة الإِسناد) (١). وبعض الحنفية ادعت أيضاً أن واضع علم الأصول الإِمام قاضي القضاة أبو يوسف، ثم تابعه محمد بن الحسن - رحمهما الله -. ونقول: إن دعوى الإِمامية أن الإمام محمد الباقر ﵀ هو واضع علم الأصول، ودعوى الحنفية بأن أبا يوسف ومحمد بن الحسن قد سبقا الشافعي في وضع قواعد هذا الفن، إنما ما حدث منهم هو التكلم في قواعد لمسائل فقهية عارضة أو بينوا منهجهم في استنباط حكم من الأحكام، أو أوضحوا طريقة استدلالهم. وكل هذا لا يعارض دعوى كون الإِمام الشافعي ﵀ هو أول من صنّف مصنفاً شاملًا لمعظم أبواب هذا الفن الذي أتم بناءه الأصوليون من بعده، فلا تعارض بين الدعوتين. وقد أثبت الفقهاء والأصوليون والمؤرخون سبق الوضع للإِمام الشافعي كما تقدم في الكلام على سبب وضع "الرسالة"، وسنذكر أيضاً بعضاً من شهادات العلماء بذلك. قال جمال الدين الأسنوي المتوفى سنة ٧٧٢ هـ ﵀ في كتابه التمهيد: (إن الركن الأعظم والأمر الأهم في الاجتهاد إنما هو علم أصول الفقه. وكان إمامنا الشافعي ﵀ هو المبتكر لهذا العلم بلا نزاع وأول من صنف فيه بالإِجماع. وتصنيفه المذكور فيه موجود بحمد الله تعالى، وهو الكتاب الجليل المشهور المسموع عليه المتصل إسناده الصحيح إلى زماننا المعروف بالرسالة، الذي أرسل الإِمام عبد الرحمن بن مهدي من خراسان إلى الشافعي بمصر فصنفه له، وتنافس في تحصيله علماء عصره، على أنه

стр. 109

قد قيل: إن بعض من تقدم (١) على الشافعي نقل عنه إلمام ببعض مسائله في أثناء كلامه على بعض الفروع. وجواب عن سؤال السائل لا يسمن ولا يغني من جوع، وهل تعارض مقالة قيلت في بعض المسائل تصنيف كتابٍ موجود مسموع مستوعب لأبواب العلم) (٢) انتهى. قال الإِمام فخر الدين الرازي في كتابه مناقب الشافعي: (الناس كانوا قبل الإِمام الشافعي ﵁ يتكلمون في مسائل أصول الفقه ويستدلون ويعترضون، ولكن لم يكن لهم قانون كلي يرجعون إليه في معرفة دلائل الشريعة وكيفية معارضتها وترجيحاتها، فاستنبط الشافعي ﵀ علم أصول الفقه، ووضع للخلق قانوناً كلياً يُرجع إليه في مراتب أدلة الشرع. ثم قال: والناس وإن أطنبوا بعد ذلك في علم أصول الفقه إلَّا أن كلهم عيال على الشافعي فيه، لأنه هو الذي فتح هذا الباب، والسبق لمن سبق) (٣). قال جلال الدين السيوطي: أول من ابتكر هذا العلم الإمام الشافعي ﵁ بالإِجماع، وألف فيه كتاب الرسالة الذي أرسل به إلى عبد الرحمن بن مهدي، وهو مقدمة كتاب (٤) الأم. وعقد بدر الدين الزركشي المتوفى سنة ٧٩٤ هـ في كتابه البحر المحيط فصلاً بعنوان: الشافعي أول من صنَّف في أصول الفقه (٥). ويكاد يكون كل من أرخ لهذا الفن ذكر أن الشافعي ﵁ هو أول من صنف في هذا العلم، وبهذا البيان الشافي بطلت دعوي كون الإمام ﵀ مسبوقاً في تدوين هذا الفن.

стр. 110

٣ - علم الأصول في القرنين الثالث والرابع الهجريين ومن ورد ذكره في التحصيل من أصولي هذين القرنين لقد بينا أن أول كتاب برز إلى الوجود في علم أصول الفقه هو الرسالة، للإِمام محمد بن إدريس الشافعي ﵀. وكانت الرسالة شاملة لمعظم أبواب وفصول هذا الفن، ولكنها لم تكن مستوعبة لجميع مسائل هذا الفن. ثم أخذ هذا الفن ينمو في القرنين الثالث والرابع الهجريين، وذلك بالإِكثار من الأدلة على إثبات القواعد، وبحث المسائل التي لم تتعرض لها رسالة الشافعي، ولكن كما يظهر من أسماء هذه المصنفات أنها كانت في مواضيع من علم أصول الفقه وليست شاملةً لجميع أبحاث هذا الفن بالصورة التي عليها الكتب المتكاملة التي وجدت في القرنين الخامس والسادس، وكتب الشافعية كانت أشمل من غيرها لأنها كانت شارحةً للرسالة، والرسالة كما علمنا تحتوي على جزء كبير من مواضيع أصول الفقه. وتعرضت هذه الكتب الشارحة للرسالة إلى بسط ما قرره الشافعي والرد على اعتراضات المخالفين له من كتب غير الشافعية. ومعظم المصنفات في هذين القرنين لا نعرف منها إلا اسمها أو نقولاتٍ في كتبٍ أخرى منسوبة لها، لأنها ضاعت مع ما ضاع من التراث الإِسلامي في غزوا لتتار لبلاد الإِسلام، فمثلاً ذكر صاحب كشف الظنون عدة شروح للرسالة في هذين القرنين نذكر منها: ١ - شرح محمد بن عبد الله الصيرفي المتوفى سنة ٣٣٠ هـ، قال عنه أبو إسحاق الشيرازي في طبقات الفقهاء: أنه أعلم خلق الله بالأصول بعد الشافعي. ٢ - شرحها أبو الوليد حسان بن محمد النيسابوري الأموي، المتوفى سنة ٣٤٩ هـ. ٣ - شرحها محمد بن علي الشاشي القفال الكبير، المتوفى سنة ٣٦٥ هـ. ٤ - شرحها محمد بن عبد الله الشيباني أبو بكر الجوزقي، المتوفى سنة ٣٨٨ هـ. ٥ - شرحها عبد الله بن يوسف أبو محمد الجويني والد إمام الحرمين، المتوفى سنة ٤٣٨ هـ.

стр. 111

ولا نجد الأن من ذلك كله إلا بعض نقولٍ لا تشفي الغليل من شرح محمد بن عبد الله الصيرفي، ومن الكتب التي صنفت في القرن الثالث الهجري كما ذكر ابن النديم في الفهرست كتاب العموم والخصوص، والفصول في معرفة الأصول لإبراهيم بن أحمد المروزي صاحب المزني، ومن ذلك كتاب خبر الواحد وكتاب الاجتهاد. وكتاب إثبات القياس لعلي بن موسى القمي. ومن ذلك خبر الواحد، وإثبات القياس، وكتاب اجتهاد الرأي لعيسى بن أبان بن صدقة الحنفي المتوفى سنة ٢٢٠ هـ ومن ذلك: كتاب الإجماع. وإبطال التقليد وإبطال القياس، وكتاب خبر الواحد، وكتاب الخبر الموجب للعلم، وكتاب الخصوص والعموم وكتاب المفسر والمجمل، وكتاب الكافي لمقالة المطلبي، ومن ذلك كتاب العلل للإِمام أحمد بن حنبل، والناسخ والمنسوخ لأحمد بن حنبل أيضاً، وكلها كما ترى كتب مؤلفة في موضوعٍ واحد فقط. وقد استفاد القاضي سراج الدين الأرموي ﵀ في كتابه التحصيل تبعاً للإِمام الرازي ﵀ في المحصول من أقوال علماء هذين القرنين، فنقل عنهم أقوالاً كثيرةً وسنذكر طائفةً من علماء الأصول في هذين القرنين ممن وجدت لهم أقوالًا في التحصيل مرتبين حسب سنة الوفاة. ١ - عيسى (١) بن أبان بن صدقة الحنفي المتوفى سنة ٢٢٠ هـ، وهو أول من نقل عنه أنه صنف في أصول الفقه من الأحناف فيما أعلم وله كتب عدة في هذا الفن وهي: إثبات القياس، وكتاب خبر الواحد، وكتاب اجتهاد الرأي، وكتاب الحُجج، وكتاب الجامع. ٢ - إبراهيم (٢) بن سيَّار بن هانئ المعروف بالنظَّام المتوفى سنة ٢٢١ هـ، المعتزلي تلميذ أبي الهذيل العلاف وأستاذ الجاحظ له كتاب النكت، وهو الذي نفى فيه حجية الإِجماع، وطعن فيه على صحابة رسول الله ﷺ .

стр. 112

٣ - داود (١) بن علي بن داود الأصبهاني الظاهري أبو سليمان المتوفى سنة ٢٧٠ هـ. له في الأصول: كتاب إبطال القياس، وكتاب خبر الواحد، وكتاب الخبر الموجب للعلم، وكتاب الحجة، وكتاب الخصوص والعموم، وكتاب المفسر والمجمل. ٤ - أحمد (٢) بن عمر بن سريج المتوفى سنة ٣٠٦ هـ، تلميذ المزني وأبو داود السجستاني ألف كتاباً في الرد على ابن داود الظاهري في إبطال القياس. ونقل ابن السبكي في طبقاته عن القاضي أبي بكر الباقلاني في التقريب، وعن الأستاذ أبي إسحاق في التعليقة أنهما قالا: (إن ابن سريج من الشافعية وغيره كانوا قد برعوا في الفقه، ولم تكن لهم قدم راسخة في علم الكلام، فطالعوا كتب المعتزلة فاستحسنوا عباراتهم وقولهم يجب شكر المنعم عقلاً فذهبوا إلى ذلك غير عالمين بما تؤدي إليه هذه المقالة) (٣). وبذلك يكون ابن سريج قد سبق القاضي أبا بكر الباقلاني والقاضي عبد الجبار بن أحمد في التصنيف على طريقة المعتزلة. ٥ - عبد الله (٤) بن أحمد أبو القاسم الكعبي المتوفى سنة ٣١٩ هـ، له آراء خاصة في الأصول اشتهرت عنه وهو قوله: إن المباح مأمور به، وإن العلم الحاصل من الخبر المتواتر نظري. ٦ - عبد السلام (٥) بن محمد بن عبد الوهاب أبو هاشم الجبائي المتوفى سنة ٣٢١ هـ، له كتاب في الاجتهاد وفي أصول الفقه. ٧ - أبو الحسن (٦) الأشعري علي بن إسماعيل المتوفى ٣٢٤ هـ، له كتاب في إثبات القياس وآخر في العام والخاص. ٨ - الحسن (٧) بن أحمد الاصطخري الشافعي المتوفى سنة ٣٢٨ هـ، له آراء في الأصول مشهورة منها: فعل النبي ﷺ إن كان مجرداً عن القرينة

стр. 113

الدالة على الوجوب يفيد الوجوب في حقه وحق أمته، ووافقه على ذلك ابن سريج المتقدم وابن أبي هريرة وابن خيران والحنابلة وجماعة من المعتزلة. ٩ - محمد بن عبد الله أبي بكر البغدادي الصيرفي (١) المتوفى سنة ٣٣٠ هـ، وقد دوَّن كتباً في الأصول غير شرح رسالة الشافعي السالف الذكر في غاية الأهمية، منها: كتاب لم يسبق له مثيل في الشروط، وكتاب البيان في دلائل الإِعلام في أصول الأحكام، وكتاب في الإِجماع. ١٠ - الحسن بن الحسين ابن أبي هريرة (٢) الشافعي المتوفى سنة ٣٤٥ هـ، له آراء خاصة في الأصول منها: تحريم الأفعال الاختيارية قبل البعثة. ١١ - عبيد الله بن الحسن بن دلَّال بن دلهم الكرخي (٣) المتوفى سنة ٣٤٠ هـ، له في الأصول رسالةٌ مطبوعة ذكر فيها الأصول التي مدار كتب أبي حنيفة عليها. اهتم بها نجم الدين النسفي. ١٢ - القفال (٤) الكبير الشاشي محمد بن علي بن إسماعيل المتوفى سنة ٣٦٥ هـ، شارح رسالة الشافعي ﵀، وله كتاب في أصول الفقه. ١٣ - أحمد بن علي أبي بكر الرازي الحنفي المعروف بالجصاص (٥) تلميذ أبي الحسن الكرخي وأبي العباس الأصم المتوفى سنة ٣٧٥ هـ، له كتاب الأصول، وهو كتاب جامع طويل حقق ولم يطبع جعله مقدمة لكتابه أحكام القرآن. ١٤ - المعافى بن زكريا النهرواني (٦) المتوفى سنة ٣٩٠ هـ، تفقه على مذهب ابن جرير الطبري. وله التحرير والمنقر في أصول الفقه. ١٥ - محمد بن محمد بن جعفر المعروف بابن الدقاق (٧) ويلقب بالخياط، أبو بكر المتوفى سنة ٣٩٢ هـ، له كتاب في أصول الفقه.

стр. 114

١٦ - إبراهيم (١) بن أحمد أبو إسحاق المروزي المتوفى في مصر سنة ٣٤٠ هـ، تلميذ ابن سريج له في الأصول: الفصول في معرفة الأصول، وكتاب العموم والخصوص. ١٧ - وأبو علي (٢) محمد بن خلاد البصري، تلميذ أبي علي وأبي هاشم الجبائيين صاحب كتاب الأصول والشرع. ١٨ - أبو مسلم (٣) الأصفهاني محمد بن علي بن بحر المعتزلي المتوفى سنة ٣٢٢ هـ، له جامع التأويل لمحكم التنزيل وناسخ الحديث ومنسوخه. ويوجد بعض علماء الأصول لم ينقل عنهم القاضي سراج الدين الأرموي تبعاً للإِمام الرازي، ومن هؤلاء الأبهري محمد بن عبد الله أبو بكر المالكي المتوفى سنة ٣٧٥ هـ، له كتاب في إجماع أهل المدينة وكتاب في الأصول، وكذلك عبد الواحد بن الحسين الصيمري المتوفى سنة ٣٨٦ هـ صاحب كتاب القياس والعلل في الأصول. وقد نقل عن عدد ضخم من علماء هذه الفترة غير الأصوليين وخاصة بالنسبة للأبحاث اللغوية وبعض مسائل الكلام، ومن هؤلاء. عباد بن سليمان الصيمري المتوفى سنة ٢٥٠ هـ، والخليل بن أحمد الفراهيدي المتوفى ١٧٠ هـ، ومحمد بن عبد الوهاب بن سلام الجبائي المعتزلي المتوفى سنة ٣٠٣ هـ، وسيبويه أبو بشر عمرو بن عثمان المتوفى بعد المئتين، وأبو عبد الله الحسين بن علي البصري المعتزلي المتوفى سنة ٣٦٩ هـ، وأبو الفتح عثمان بن جني المتوفى سنة ٣٩٢ هـ، أبو بكر محمد بن داود الأصفهاني المتوفى سنة ٢٩٧ هـ، وابن متويْه إبراهيم بن محمد بن الحسن المتوفى سنة ٣٠٢ هـ، والأصمعي عبد الملك بن قريب اللغوي المتوفى سنة ٢١٧ هـ، والمبرد أبو العباس محمد بن عبد الله البصري النحوي المتوفى سنة ٢٨٥ هـ، وأبو علي الحسن بن أحمد بن عبد الغفار

стр. 115

الفوي الفارسي النحوي المتوفى سنة ٣٧٧ هـ، والجرجاني أبو الحسن علي بن عبد العزيز الشاعر المتوفى سنة ٣٦٦ هـ، وأبو ثور إبراهيم بن خالد الكلبي البغدادي الفقيه المتوفى سنة ٢٤٠ هـ، والكسائي أبو الحسن علي بن حمزة النحوي اللغوي المتوفى بعد عام ١٨٢ هـ، والفراء أبو زكريا يحيى بن زياد النحوي المتوفى سنة ٢٠٧ هـ، والمزني إسماعيل بن يحيى أبو إبراهيم المصري الفقيه الشافعي المتوفى سنة ٢٦٤ هـ، وأبو الهذيل محمد بن الهذيل أبو عبد الله العلَّاف المعتزلي المتوفى سنة ٢٣٥ هـ، وابن خيران أبو علي الحسين بن صالح الفقيه الشافعي المتوفى سنة ٣٢٠ هـ، وأبو الحسين عبد الرحيم بن أبي عمرو الخياط المعتزلي المتوفى سنة ٣٥٠ هـ، وأبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد بن خالد الطبري المفسر المؤرخ المتوفى سنة ٣١٠ هـ، والحاكم أبو الفضل محمد بن محمد بن أحمد المروزي البلخي السلمي المتوفى سنة ٣٣٤ هـ، والجاحظ عمرو بن بحر أبو عثمان الفيلسوف الأديب المعتزلي المتوفى سنة ٢٥٥ هـ، وابن الراوندي الملحد الزنديق الحسين أحمد بن يحيى الفارسي الأصبهاني صاحب المصنفات التي فيها الكيد للإِسلام، المعاصر لأبي علي الجبائي وأبي الحسين الخياط، وعمرو بن عبيد بن باب أبو عثمان البصري التميمي بالولاء شيخ المعتزلة المتوفى في خلافة أبي جعفر المنصور، وابن علية إبراهيم بن إسماعيل الأسدي أبو إسحاق المحدث الجهمي الجدلي المتوفى سنة ٢١٨ هـ، والمازني النحوي أبو عثمان بكر بن محمد البصري المتوفى سنة ١٣٦ هـ، وبشر بن غياث المريسي تلميذ أبي يوسف القاضي رمي بالزندقة والكفر وكان جهمياً، وعثمان البتي أبو عمرو البصري المتوفى سنة ١٤٣ هـ، وعبيد الله بن الحسن العنبري القاضي المتوفى سنة ١٦٨ هـ، والأصم أبو بكر عبد الرحمن بن كيسان معاصر لأبي علي الجبائي وأبي الهذيل العلَّاف، وإسحاق بن راهويه إبراهيم بن مخلد الحنظلي التميمي المروزي المحدث تلميذ البخاري ومسلم وأحمد بن حنبل، وموسى بن عمران المعتزلي من الطبقة السابعة. ومن الطبيعي أنه نقل آراءً للصحابة رضوان الله عليهم والتابعين والأئمة الأربعة أصحاب المذاهب، بالإضافة إلى بعض الشعراء الجاهليين كشواهد

стр. 116

في اللغة يطول الأمر بذكرهم، والذي يهمنا ذكر الأصوليين الذين استفاد منهم القاضي الأرموي ﵀ تبعاً للإِمام الرازي في المحصول، ومعظم من ذكرناهم قد اندثرت كتبهم مع ما اندثر من الكتب ولكن آراءهم مدونةٌ في كتب من تبعهم التي لا تزال محفوظة في خزائن المكتبات، أو قدر لها الله أن ينفض عنها الغبار وتخرج لحيز الوجود وتطبع، وما علينا الآن إلا أن نتكلم عن عصر نضوج هذا العلم وهو القرن الخامس الهجري. ٤ - علم الأصول في القرنين الخامس والسادس الهجريين وذكر من وردت آراؤهم في كتاب التحصيل من الأصوليين في القرن الخامس الهجري اكتمل بناء علم أصول الفقه، بعد أن أرسى قواعده محمد بن إدريس الشافعي، وأصبح بناءً شامخاً يضاهي سائر علوم الشريعة بعد أن كان متأخراً عنها في النضوج، ولا نستطيع أن نجزم على يد من اكتمل البناء، لأنه ما من كامل إلا ويوجد أكمل منه. قال ابن خلدون: (ثم جاء أبو زيد الدبوسي من أئمتهم (الحنفية) فكتب في القياس أوسع من جميعهم، وتمم الأبحاث والشروط التي يحتاج إليها فيه، وكملت صناعة أصول الفقه بكماله وتهذيب مسائله، وتمهدت قواعده. ثم قال: (وعنى الناس بطريقة المتكلمين فيه، فكان من أحسن ما كتب فيه المتكلمون كتاب البرهان لإمام الحرمين والمستصفى للغزالي). ومن كلام ابن خلدون يظهر أن اكتمال الأصول الذي كتب على طريقة الحنفية كان على يد أبي زيد الدبوسي المتوفى سنة ٤٣٠ هـ، والكتب التي ألفت على طريقة المتكلمين كملت على يد إمام الحرمين عبد الملك بن يوسف الجويني المتوفى سنة ٤٧٨ هـ. ولا شك بأن هنالك كتباً قاربت الكمال وأصبحت من الأمهات التي يرجع إليها قبل البرهان لإِمام الحرمين، ومن ذلك المعتمد لأبي الحسن والعمد للقاضي عبد الجبار بن أحمد. ولا ننسى كتاب القريب للقاضي أبي بكر الباقلاني، ولكننا الآن لا نعرف ما فيه لأنه اندثر مع ما اندثر من تراثٍ

стр. 117

إسلامي في عصر الركود. ومعظم الكتب التي صنفت في هذه الفترة استفاد القاضي سراج الدين الأرموي منها. تبعاً للإِمام فخر الدين الرازي في المحصول. وسنذكر الآن الكتب التي ورد آراء أصحابها في كتاب التحصيل من علماء هذين القرنين مراعين في ذلك الترتيب الزمني حسب الإِمكان، ثم نذكر طائفة من الكتب التي لم يستفد منها. فلقد نقل القاضي الأرموي ﵀ آراءً لعلماء هذين القرنين من الأصوليين وهم: ١ - محمد بن الطيب بن محمد أبو بكر الباقلاني (١) المالكي المتوفى سنة ٤٠٣ هـ، له المقنع في أصول الفقه، وأمالي إجماع أهل المدينة، وذكروا له التقريب والإِرشاد قال ابن السبكي: (وهو أجل كتب الأصول، والذي بين أيدينا مختصره ويبلغ أربع مجلدات، ويحكى أن أصله كان في إثني عشر مجلداً، ولم نطلع عليه). انتهى ابن السبكي. ٢ - أبو حامد الإِسفرائيني (٢) أحمد بن أبي طاهر الشافعي المتوفى سنة ٤٠٦ هـ، له كتاب لم يصل إلينا وآراؤه المنقولة كثيرة في كتب الأصول. ٣ - ابن فورك (٣) محمد بن الحسن المتوفى سنة ٤٠٦ هـ، له آراء في الأصول، أكثر من النقل عنه الأسنوي في شرح المنهاج، والآمدي في الأحكام، وابن السبكي في جمع الجوامع، والإِمام الرازي في المحصول. ٤ - الأستاذ أبو إسحاق (٤) الإِسفرائيني إبراهيم بن محمد المتوفى سنة ٤١٨ هـ، قال ابن خلكان له رسالة في أصول الفقه. ٥ - أبو زيد الدبوسي (٥) عبد الله بن عمر المتوفى سنة ٤٣٠ هـ، له تأسيس النظر فيما اختلف فيه أبو حنيفة وصاحباه، وكتاب الأمد الأقصى. ٦ - أبو إسحاق الشيرازي (٦) إبراهيم علي بن يوسف الأصولي الجدلي

стр. 118

المتوفى سنة ٤٧٦ هـ، له كتاب في الأصول يسمى اللمع وله أيضاً شرحه. ٧ - المرتضى (١) علي بن الحسين بن موسى الشريف الإِمامي المتوفى سنة ٤٣٦ هـ، له في الأصول الذخيرة. ٨ - وأبو جعفر الطوسي (٢) الإِمامي محمد بن الحسن المتوفى سنة ٤٦٠ هـ، له العدة في الأصول. ويوجد عدد من كبار علماء الأصول في هذين القرنين لم يود لهم ذكر كتاب التحصيل تبعاً للمحصول، ومن هؤلاء: ١ - القاضي عبد الوهاب (٣) بن علي بن نصر أبو محمد المالكي تلميذ أبي بكر الأبهري، المتوفى سنة ٤٢٢ هـ، له في أُصول الفقه، الأدلة في مسائل الخلاف والإِفادة والتلخيص، وأوائل الأدلة، والإِشراف على مسائل الخلاف، وقد أكثر من النقل عنه القرافي في شرح التنقيح حتى أنه لم يكن ليترك رأيه في كل مسألة. ٢ - ابن حزم (٤) أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد المتوفى سنة ٤٥٦ هـ، صاحب الأحكام لأصول الأحكام المطبوع في ثمانية أجزاء، وصاحب المحلى كتاب الفقه العظيم وله تلخيص إبطال القياس، وله مسائل في أُصول الفقه وكلها على المذهب الظاهري. ٣ - القاضي أبو يعلى (٥) محمد بن الحسين المتوفى سنة ٤٥٨ هـ، أُستاذ أبي الخطاب - الكلوذاني. له في أُصول الفقه العدة، ومختصرها، والكفاية، ومختصرها. ٤ - فخر الإِسلام البزدوي (٦) علي بن محمد بن الحسين الحنفي المتوفى سنة ٤٨٢ هـ، له مؤلف عظيم في الأُصول يسمى كنز الوصول إلى معرفة

стр. 119

الأُصول. وقد اعتنى بكتابه هذا جماعة منهم عبد العزيز البخاري وسمّاه بكشف الأسرار. ٥ - محمد بن أحمد شمس الأئمة السرخسي (١) الحنفي المتوفى سنة ٤٨٣ هـ، له في أُصول الفقه أُصول السرخسي مطبوع في مجلدين. ٦ - أبو الخطاب (٢) الكلوذاني محفوظ بن أحمد الحنبلي المتوفى سنة ٥١٠ هـ، له في أْصول الفقه التمهيد. ٧ - أبو الوفاء (٣) علي بن عقيل الحنبلي المتوفى سنة ٥١٣ هـ، تلميذ أبي يعلى، وصاحب كتاب الفنون الكبير، وله في الأُصول كتاب عظيم أثنى عليه ابن تيمية في المسودّة وقال: إنه استفاد منه، واسمه الواضح ولا يزال مخطوطاً، منه نسخة في الظاهرية بدمشق وأُخرى في أمريكا. ومن النظر لهؤلاء الثمانية الذين لم ينقل عنهم القاضي سراج الدين الأرموي تبعاً للإِمام في المحصول مع تقدمهم عليه نجد أنهم ليسوا من الشافعية أو المعتزلة، فأبو يعلى وأبو الخطاب وأبو الوفاء من الحنابلة، والسرخسي والبزدوي من الحنفية، وابن حزم من الظاهرية، والقاضي عبد الوهاب من المالكية وكتاب المحصول لا يكاد يخرج عن ما في المعتمد لأبي الحسين البصري المعتزلي، والمستصفى لحجة الإِسلام الغزالي الشافعي الأشعري، وإنما ورد ذكر الإِمامية كثيراً لأن قسماً كبيراً منهم دخل في الاعتزال، ولهذا اهتم بآرائهم أبو الحسين البصري المعتزلي. وقد وردت آراء لبعض العلماء من غير الأُصوليين، لكنه عدد قليل جداً منهم أبو علي بن سينا المنطقي الكبير صاحب الإِشارات، المتوفى سنة ٤٢٨ هـ، والميداني صاحب الأمثال المتوفى سنة ٥١٨ هـ، وعبد القادر الجرجاني النحوي المتوفى سنة ٤٧٤ هـ. وعبد الله بن سعيد بن كلاب من فقهاء الشافعية وابن العارض المتوفى سنة ٤٤٨ هـ.

стр. 120

ولم نتعرض في الكلام على أُصول الفقه في هذين العصرين للكلام عن قواعد هذا الفن الأربع، التي حوت كل ما تقدمها، وكل ما جاء بعدها عالةٌ عليها، وذلك لأننا نريد أن نفردها ببحث خاص لأهميتها، ولأن اعتماد الإِمام في المحصول كان عليها مباشراً. قال ابن خلدون في تاريخه (١): (وعنى الناس بطريقة المتكلمين فيه، فكان من أحسن ما كتب فيه المتكلمون كتاب البرهان لإِمام الحرمين والمستصفى للغزالي وهما من الأشعرية، وكتاب العمد لعبد الجبار وشرحه المعتمد لأبي الحسين البصري وهما من المعتزلة، وكان الأربع قواعد هذا الفن وأركانه، ثم لخص هذه الكتب الأربعة فحلّان من المتكلمين المتأخرين، وهما الإِمام فخر الدين بن الخطيب في كتاب المحصول، وسيف الدين الآمدي في كتاب الأحكام. واختلفت طرائقهما في الفن بين التحقيق والحجاج. فابن الخطيب أميل إلى الاستكثار من الأدلة والاحتجاج، والآمدي مولع بتحقيق المذاهب وتفريع المسائل، وأما كتاب المحصول فاختصره تلميذه الإِمام سراج الدين الأرموي في كتاب التحصيل ...). لقد ذكرنا أن علماء الأصول أخذوا يسيرون بهذا الفن نحو الكمال رويداً رويداً، منذ أن وضع الإِمام الشافعي رسالته واتسم القرنان الثالث والرابع الهجريان بتصنيف الكتب ذات الموضوع الواحد على الغالب أو شرح الرسالة، وبمطلع القرن الخامس الهجري ظهرت الكتب التي صنفت وشملت معظم مواضيع علم الأصول، وذلك بوضع محمد بن أبي بكر الباقلاني كتابه التقريب. (وهو مفقود الآن، ولكنه كان موجوداً في عصر ابن السبكي حيث يقول في طبقاته (٢) أنه اطّلع عليه فقال: وكنت أغتبط بكلام رأيته للقاضي أبي بكر في التقريب والإِرشاد). واختصر هذا الكتاب إمام الحرمين (٣) أبو المعالي عبد الملك الجويني المتوفى سنة ٤٧٨ هـ وسمّاه

стр. 121

التلخيص، ومعظم الآراء المنقولة عن أبي بكر الباقلاني في كتب الأُصول أخذوها من هذا الكتاب. ثم صنّف إمام الحرمين كتابه الشهير "البرهان" الذي ظهرت فيه شخصيته وتكاملت فيه سائر أبواب أُصول الفقه، وهو من أهم كتب الأصول على طريقة المتكلمين، كما ذكر ابن خلدون. وإمام الحرمين في هذا الكتاب لم يلتزم بآراء مَن تقدمه من الأشاعرة والشافعية، وقد شرح هذا الكتاب عالِمان من المالكية هما أبو عبد الله المازري (١) المتوفى سنة ٥٣٦ هـ ولم يتم شرحه، وأبو الحسن الأنباري المتوفى سنة ٦١٨ هـ، والبرهان مخطوط بدار الكتب المصرية برقم (٢٥) أُصول فقه، وطبع في قطر سنة ١٣٩٩ هـ. ثم ظهرت كتب تلميذ إمام الحرمين (٢) حجة الإِسلام محمد بن محمد الغزالي المتوفى سنة ٥٠٥ هـ، وهو الذي وصفه أُستاذه إمام الحرمين بأنه بحر مغدق وهي: ١ - تهذيب الأُصول: قال في مقدمة المستصفي (٣): (اقترح عليَّ بعض طلبة العلم وضع كتاب أقصر من تهذيب الأُصول وأطول من المنخول فأجبتهم لذلك). ٢ - المنخول: وهو أقصر من المستصفى ومتقدم عليه في التأليف، وفي الغالب كان يلتزم فيه آراء أُستاذه إمام الحرمين. ٣ - شفاء الغليل. ٤ - المستصفى: وهو آخر ما ألّف في الأصول فظهرت فيه شخصيته المستقلة، وهو أهم كتبه وقد قدّم لهذا الكتاب مقدمة عظيمة المنفعة، ذكر فيها أُسس علم المنطق وأفاض فيها، وخاصة ما يتعلق بالحدّ والشرط

стр. 122

والدليل وأقسامه، ثم قسّمه إلى أقطاب أربعة واستوعب كتابه معظم دقائق علم الأُصول إلا النادر، وله آراء خالف فيها من تقدّمه فلم يكن مقلِّداً، وبعضها لم يرتضها مَن جاء بعده. وأما المعتزلة: فقد وضع القاضي عبد الجبار (١) بن أحمد المعتزلي المتوفِى سنة ٤١٥ هـ، كتاباً عظيماً سمّاه "العمد". وقد كان هذا الكتاب مماثلاَ في الأسلوب والمنهج لكتاب التقريب للقاضي أبي بكر الباقلاني، إلَّا أنه كان يخالفه في بعض المسائل الكلامية. ثم تصدى لشرح هذا الكتاب أبو الحسين البصري المعتزلي المتوفى سنة ٤٣٥ هـ، تلميذ القاضي عبد الجبار بن أحمد في كتاب عظيم سمّاه المعتمد (٢). وقد تقدم كلام ابن خلدون أن هذه الكتب الأربعة - العمد والمعتمد والبرهان والمستصفى - أصبحت أركان هذا الفن، وأنها انتهت إلى كتابين عظيمين هما الأحكام لسيف الدين الآمدي، والمحصول للإِمام فخر الدين بن الخطيب الرازي رحمهما الله. قال جمال الدين الأسنوي (٣): والمحصول استمداده من كتابين لا يكاد يخرج عنهما. غالباً، أحدهما المستصفى لحجة الإِسلام الغزالي، والثاني المعتمد لأبي الحسين البصري حتى رأيته ينقل منهما الصفحة أو قريباً منها بلفظها، وسببه على ما قيل: (إنه كان يحفظهما). ورأيت في نسخة مخطوطة في مكتبة الجامع الأزهر برقم (١١٥) ٤٤٩٣ لم يعلم مؤلفها ويظن أنه الشنواني أنه قال: (إني وجدت الكتب المؤلفة في هذا الفن غير خالية عن الانحراف عن الحق، وإن كتاب المحصول هو المتداول في زماننا، وهو وإن نقل أكثر ما في كتاب المعتمد والمستصفى والبرهان ولكن الانحراف في تصرفاته أكثر.

стр. 123

وبالجمع بين النقلين يظهر أن الإِمام الرازي اعتمد في تأليف كتابه المحصول على ثلاثة كتب هي (المعتمد والمستصفى والبرهان). والقاضي أبو الثناء سراج الدين الأرموي في كتابه التحصيل التزم باختصار كتاب المحصول لفخر الدين محمد بن عمر الرازي، فلم يذكر فيه آراءً لعلماء لم ينقل عنهم الإِمام الرازي، وإنما كان ينبّه على أدلة لم يرتضها لعدم وجود اعتراضات عليها أو وجود غيرها أقوى منها، وقد يضيف دليلاً ارتضاه، أو يدمج مسألة في مسألةٍ أُخرى، وسنذكر ذلك بالتفصيل مع الأمثلة في طريقته في الاختصار بعد المبحث التالي. والإِمام الرازي صرف النظر عن آراء معاصريه من الأُصوليين، حيث إنه التزم بما ورد في الكتب التي اعتمد عليها، ولم نجد أثراً لأمثال الكيا الهراسي علي بن محمد المتوفى سنة ٥٥٤ هـ، زميل حجة الإِسلام في الدراسة، الذي له كتاب في أُصول الفقه أكثر من النقل عنه صاحب إرشاد الفحول محمد بن علي الشوكاني، ولم يذكر ابن برهان أحمد بن علي الشافعي المتوفى سنة ٥٢٠ هـ صاحب البسيط والوسيط والأوسط والوجيز في أُصول الفقه وعلّامة زمانه أبا المظفر السمعاني منصور بن محمد المتوفى سنة ٤٨٩ هـ، صاحب قواطع الأدلة والاصطلام والبرهان. والإِمام المازري محمد بن علي المتوفى سنة ٥٣٦ هـ شارح كتاب البرهان بالإِضافة إلى ما سبق ذكرهم من الأحناف والحنابلة، والحنابلة على وجه الخصوص لم يرد في التحصيل أي نقل عنهم، ولعلَّ السبب في ذلك هو تأخرهم في التأليف في هذا الفن وأول مَن دوّن منهم في الأصول كما أعلم، هو القاضي أبو يعلى بن الفراء المتوفى سنة ٤٥٨ هـ. وأما المعتزلة فقد كان لهم النصيب الأوفر وذلك لاعتماد الإِمام في المحصول في الدرجة الأولى على المعتمد لأبي الحسين البصري المعتزلي فذكر منهم: العلاَّف والجاحظ والنظَّام والكعبي وأبا علي وأبا هاشم الجبائيين وابن الراوندي وعبيد الله بن الحسن العنبري والقاضي عبد الجبار، وأبا الحسين الخياط وعمرو بن عبيد وغيرهم.

стр. 124

وأما الشيعة الإِمامية فقد أكثر من النقل عنهم، وذلك لأنهم التزموا بالاعتزال وبذلك نكون قد ألممنا بعلاقة كتاب التحصيل بكل ما تقدم عليه من كتب علم الأصول ومدى وكيفية ارتباطه به، وسنذكر في المبحث التالي علاقة كتاب التحصيل بما بعده من الكتب. الكتُبُ الّتي تأثّرَت بالتّحصِيل تدل نسخ كتاب التحصيل على أن الأرموي انتهى من تأليفه قبل عام ٦٥٥ هـ قطعاً، حيث إن النسخة المرموز لها "هـ" والموجودة في مكتبة دماد زادا الملحقة بمكتبة مراد ملا بإستنبول قد فرغ من نسخها سنة ٦٥٥ هـ. ويغلب على الظن أنه قد ألّفه قبل عام ٦٤٥ هـ، حيث انتهى ناسخ رسالته التي في أمثلة التعارض من نسخها سنة ٦٤٥ هـ، ويغلب على الظن أن التحصيل قد تم تأليفه قبلها. ونقطع بأن الكتاب قد ألّف في دمشق، وذلك أنه لم يسافر ليستقر في قونية إلا في أواخر عام ٦٥٥ هـ على ما في مقدمة كتاب لطائف الحكمة، المطبوع بالفارسية حيث التحق في آخر ذلك العام بخدمة السلطان أبي الفتح عز الدين كيكاوس بن كيخسرو من سلاجقة آسيا الصغرى، حيث قدّم له كتابه المشهور (لطائف الحكمة) وكتبه باسمه. ومعظم نسخ الكتاب كما يذكر ناسخوها نسخت في دمشق، وكانت الحركة العلمية آنذاك في عنفوان قوتها، والقدح المعلى فيها للأكراد، لأن الحكم كان في يد بني أيوب فكان في دمشق سلطان العلماء العز بن عبد السلام الكردي، وشيخ دار الحديث أبو عمرو عثمان بن الصلاح الشهرزوري الكردي، وابن خلكان المؤرّخ المشهور الكردي وغيرهم. وكان سراج الدين الأرموي على اتصال بهم، فابن خلكان وابن الصلاح زميلاه في الدراسة على كمال الدين بن يونس والعز بن عبد السلام رفيقة في السفر إلى مصر سنة ٦٤٧ هـ، حيث تشرّفا بلقاء آخر ملوك بني أيوب في مصر السلطان الملك المعظم غياث الدين توران شاه ابن الملك الصالح نجم الدين أيوب، المتوفى قتلاً على يد مماليك أبيه سنة ٦٤٨ هـ.

стр. 125

حيث تناظرا معه في حديث: "نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه" (١) مع جماعة من العلماء (٢). وانتشار نسخ كتابه في معظم أرجاء المعمورة دليل قاطع على ذيوع هذا الكتاب وانتشاره والاستفادة منه، وقد صرّح بذلك حاجي خليفة في كتابه كشف الظنون حيث قال في التعريف بالتحصيل: (وهو كتاب معروف متداول). والنسخ التي بلغني علم وجودها كانت موزعة توزيعاً يثلج الصدر ويبعث في النفس الطمأنينة إلى أهمية الكتاب، وأنه تلقاه طلاب العلم بالنسخ والاستفادة فإحدى نسخه موجودة في جامع القرويين بمدينة فاس بالمغرب الأقصى برقم ١٣١١/ ٨٠، وأُخرى في ألمانيا الشرقية بمكتبة جوتا برقم ٩٣٤، وأُخرى في لندن في مكتبة البودليانا التابعة لجامعة أكسفورد برقم ١/ ٢٦٧، وأُخرى في دار الكتب المصرية بالقاهرة برقم ٧٧١ أُصول فقه، وأُخرى بمدينة الرسول الأعظم على ساكنها أفضل الصلاة وأتم السلام برقم ١٤ أُصول فقه، وأربعة في عاصمة الخلافة الإِسلامية سابقاً إستانبول وأُخرى بالمكتبة القادرية ببغداد. ولا شك أنه يوجد نسخ أُخرى لم يبلغني مكان وجودها حيث لا يعقل أن تخلو مكتبات دمشق عن هذا الكتاب، وخاصة أن معظم النسخ نسخت هناك. واستقصاء التفتيش في خزانات مكتبات العالم يحتاج إلى وقت طويل. وأما على وجه الخصوص، فقد استفاد منه تلميذاه اللذان استطعنا معرفتهما وهما: تاج الدين الكردي (٣) الذي اشتغل مدرِّساً في مدرسة أزنيق

стр. 126

عندما أسّسها أورخان، وكان من العلماء الذين يُشار لهم بالبَنَان في دولة بني عثمان عند تأسيسها فحصل من العلوم شيئاً كثيراً وبرع في جميعها وتمهّر في الفقه، ولم تذكر التراجم له تراثاً علمياً لنرى مدى تأثره بكتاب التحصيل. وأما تلميذه الآخر فهو صفي الدين (١) أبو عبد الله محمد بن عبد الرحيم الهندي الأرموي الشافعي المتكلم الأشعري الأصولي. شارح المحصول في ثلاثة مجلدات ضِخام، شيخ الذهبي ومناظر ابن تيمية وبسبب هذه المناظرة سجن ابن تيمية. وقد قدم على سراج الدين الأرموي ولازمه في مدينة قونية ببلاد الروم بعد سنة ٦٦٧ هـ. ولا شك بأنه استفاد من التحصيل حيث أنه شرح المحصول، وكِلا الكتابين يخرجان من مشكاة واحدة، وقد استفاد من كتاب صفي الدين الهندي صاحب إرشاد الفحول حيث أكثر من النقل عنه. وأما الكتب المطبوعة المشهورة المتداولة فلم نجد نقلاً فيها من التحصيل إلَّا في نهاية السول للإِمام جمال الدين الأسنوي المتوفى سنة ٧٧٢ هـ، فلا يكاد يغفل ذكر اسمه في مسألة من المسائل، وخاصة ما كان فيه مخالفاً للإِمام فخر الدين الرازي. وكان كثيراً ما يصوِّبه ويرجح ما ذهب إليه. وقد نقل عنه أيضاً البدخشي في شرحه للمنهاج المسمى "مناهج العقول" في مواضع معدودة، ومن ذلك ما ورد في صفحة (١٤١) من الجزء الأول. وقد نقل عنه أيضاً شمس الدين محمد بن محمود الأصفهاني المتوفى ٦٧٨ هـ، تلميذ تاج الدين الأرموي صاحب الحاصل. حيث أثبت ذلك الإِمام جمال الدين الأسنوي (٢) في نهاية السول في مسألة إعمال المشترك في جميع مفهوماته غير المتضادة. وقد تكون هناك نقول أُخرى في هذا الكتاب عن التحصيل بلا شك.

стр. 127

وقد اهتم بالكتاب جماعة من كبار الأصوليين جاؤوا بعد القاضي سراج الدين الأرموي، وعلى رأسهم الإِمام بدر الدين محمد بن أسعد التستري الشيعي المتوفى سنة ٧٣٢ هـ، شيخ جمال الدين الأسنوي، وشارح مختصر ابن الحاجب الذي كثيراً ما كان يحيل إليه داخل كتابه الذي سمّاه "حل عقد التحصيل". وهذا الكتاب ليس شرحاً مستغرقاً لكتاب التحصيل بل اختصّ بتوضيح بعض ما ورد مبهماً غامضاً في التحصيل، والنسخة المصوّرة عندي من دار الكتب المصرية تقع في ١٤٧ لوحة مكتوبة بخط دقيق، ورقمها في دار الكتب المصرية ١٤ م أُصول فقه. وذكر أنه صنّفه للصدر الأعظم أحمد بن علي البناني. وقد تكلم فيها على معظم اعتراضات القاضي سراج الدين الأرموي، وحل كثيراً من الغموض الناتج عن الاختصار، وقد بيّن سبب تأليفه كتابه هذا في مقدمته حيث قال: (قد ساقني القدر إلى أن صرفت بعض زمن التحصيل في البحث في كتاب التحصيل للقاضي العلّامة سراج الدين محمود الأرموي ﵀، فوِجدته مشتملاً على فوائد هذه الصناعة، وعيون قلائد هذه البضاعة، متضمناً لأقسام الحسن والكمال، مستحقاً لصرف الهمّة إليه في الأيام والليالي لما فيه من حُسْن النظم مع صغر الحجم، واختصاصه بإيرادات لطيفة ونكات ظريفة من قبله مكمّلة تدل على جودةِ قريحةِ موردها وكثرة تحقيقه وقوة مظنته وشدة تدقيقه. غير أن المحقّقين في هذه الأقطار أحجموا عن تدريسه، والمشتغلين في هذه الديار عن تحصيله، لما فيه من المواضع الصعبة واللطائف الغريبة والمضايق المنغلقة والمواقف العميقة. فأجبت بعد استدعاء المحقِّقين والتماس المشتغلين أن أكشف القناع عن وجوه مخدرات لا تُغني عن التدقيق في الأنظار. وأرفع الحجاب عمّا يفتقر إلى التعمّق في الأفكار ...) (١). ولم يذكر في النسخة التي عند اسم ناسخها ولا تاريخ نسخها، ويوجد نسخ كثيرة (٢) من حل عقد التحصيل منها نسخة في المكتبة الملحقة بجامع

стр. 128

بايزيد بإستانبول رأيتها وتصفحتها (١). وأما الأسئلة التي أوردها القاضي سراج الدين الأرموي في كتابه التحصيل، فقد جمعها أحد نسّاخ كتاب التحصيل في آخر النسخة وتكلم عليها، وهي محفوظة في مكتبة وليّ الدين جار الله أفندي الملحقة بالمكتبة السليمانية العامة بإستانبول برقم ٤٤٤ في صفحة ٢٧ من الفهرس، والمكتوِبة سنة ٧٠٧ هـ، وتبلغ سبع لوحات بخط دقيق جداً في كل صفحة ٤٥ سطراً، في كل سطرٍ عشر كلمات. وهذه الأسئلة شرحها محمد بن يوسف (٢) الجزري المتوفى سنة ٧١١ هـ في كتاب مستقل لم أتمكن من معرفة مكانه ولا الاطّلاع عليه. وعلى العموم فإنه يظهر مما كتبته عن مَن استفاد من التحصيل للقاضي سراج الدين الأرموي ليس على سبيل الحصر، بل قد تكشف لنا الأيام التي أخذ يُظهر فيها كثير من التراث الإِسلامي المدفون تحت طبقات الغبار على رفوف المكتبات، الذي بُدئ في تحقيقه وطبعه، ومما ذكرنا يظهر مدى اهتمام مَن جاء بعده بهذا الكتاب ومدى أهميته وعظم منزلته بين كتب الأُصول، ولعلّ اكتفاء الناس بالنقل عن المحصول مباشرة قلّل من النقل عن التحصيل حيث اتحد منبعهما واستوى مشربهما.

стр. 129

مَسْلَكُ القَاضِي سِرَاج الدّين الأَرمَويّ في الاخِتِصَار وَمَدَى إلتزامه بآراء الإِمَام فخر الدّين الرّازي لقد بيَّن القاضي سراج الدين محمود بن أبي بكر الأرموي في صدر كتابه التحصيل الدافع الذي دفعه إلى اختصار المحصول، وبيّن منهجه الذي رسمه لنفسه ليسير عليه بياناً شافياً حيث قال: (لقد كانت الهِمم فيما قبل لا تقصر عن الارتقاء إلى المراتب القاصية، ولا تفتر دون الوصول إلى المراتب العالية، والآن فقد أفضى الحال بالأُمم في تقصير الهِمم إلى أن استكثروا اليسير، واستكبروا النذر الحقير، حتى أن الكتاب الذي صنّفه الإِمام العالم العلّامة فخر الملة والدين، حجة الإِسلام والمسلمين، ناصر الحق مغيث الخلق محمد بن عمر الرازي، نوَّر الله ضريحه، في أُصول الفقه وسمّاه بالمحصول، مع نظافة نظمه ولطافة حجمه، يستكثره أكثرهم ولا يقبل عليه أيسرهم. على أنه يشتمل من الفوائد على جملٍ كافية، ويحتوي من الفرائد على قوانين متوافية، ثم إن بعض مَن صدقت فيه رغبته وتكاملت فيما يحتويه محبته التمس مني أن أُسهّل طريق حفظه بإيجاز لفظه ملتزماً بالإِتيان بأنواع مسائله، وفنون دلائله، مع زياداتٍ من قبلنا مكملة، وتنبيهات على مواضع منه مشكلة، لا على سبيل استيفاء الفكر واستكمال النظر لإِخلاله بالمقصود من هذا المختصر، وأجبته إليه مستعيناً بالله ومتوكلاً عليه، وسمّيته بتحصيل الأُصول من كتاب المحصول ليتوافق اسمه ويتطابق لفظه ومعناه. والله وليّ التوفيق والمعين وعليه أتوكل وبه أستعين). بهذه الكمات بيَّن الإِمام سراج الدين الأرموي ﵀ منهجه، وأُسسه التي شرع يختصر كتاب المحصول بموجبها، وفعلاً فقد التزم بالمنهج الذي وضعه، وسار على الخطة التي رسمها، فلم يكد يفارقها. وقد تتبعت التحصيل مع المحصول كلمة كلمة وفقرة فقرة ومسألة مسألة فما وجدته خرج عن منهجه. ومسلك القاضي الأرموي هذا في الاختصار هو المنهج القويم لأي

стр. 130

مختصر، فالاختصار هو ضغط المعنى في ألفاظ أقل مع عدم التصرّف في الآراء المنقولة في الكتاب، إلَّا على سبيل التنبيه مع إظهار أن ما أدخل ليس من الأصل. والأرموي ﵀ كان إذا ما عنَّ له تدوين ملاحظة ابتدأها بقوله: (ولقائلٍ أن يقول) تمييزاً لها عن ما ورد في الكتاب، وعبارته هذه تدل على ذوق سليم وأدب رفيع كان يتحلى به القاضي سراج الدين الأرموي، حيث أنه ينسب الملاحظة أو الاستدراك لمجهول تواضعاً منه، ووأداً لغريزة حب الظهور لأن العلم لا يتعلم ليُمارى به العلماء، ولا ليُقال فلان أعلم من فلان، فروى ابن ماجه عن ابن عمر ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "مَن طلب العلم ليباهي به العلماء أو ليُماري به السفهاء وليصرف وجوه الناس إليه فهو في النار". ورواه أيضاً عن ابن دريك بلفظ: "مَن طلب العلم لغير الله أو أراد به غير الله فليتبوأ مقعده من النار". وما نبّه عليه القاضي الأرموي ﵀ لم يكن كله اعتراضاً وردّاً لما ذهب إليه الإِمام محمد بن عمر الرازي ﵀، بل وجدته بعد التقصّي له في كتابه أن أغلبه كان تنبيهاتٍ على أدلةٍ ضعيفةٍ لا تقف أمام مناظرات الخصوم، ويوجد ما هو أقوى منها، فيسدّ بالتنبيه على ذلك ثغرة قد تنفتح على دليل الإِمام الرازي أو خلل قد ينفذ للاستدلال به، وقد أحصيت هذه التنبيهات والاعتراضات فوجدتها نيِّفاً وثمانين، جمعها أحد النسّاخ أيضاً في آخر إحدى مخطوطات التحصيل بعد أن نسخها. والمخطوطة هذه محفوظة برقم ٤٤٤ في مكتبة وليّ الدين جار الله أفندي الملحقة بالمكتبة السليمانية بإستنبول بتركيا. وقد تصدى لبيان معظم هذه التنبيهات والاعتراضات الإِمام بدر الدين محمد بن أسعد التستري المتوفى سنة ٧٣٢ هـ في كتابه حل عُقَد التحصيل، فكان غالباً يقرّها، وكان في بعض الأحيان يبيِّن عدم وجاهتها وعدم رضائه بها. وقد أفردها بمصنف مستقل محمد بن يوسف الجزري، المتوفى سنة ٧١١ هـ بكتابه المسمى أجوبة أسئلة القاضي الأرموي على التحصيل، ولم أتمكن من معرفة مكان وجوده.

стр. 131

وكانت معظم التنبيهات والاعتراضات موجهة للأدلة العقلية، وذلك لأنه فارس حلبتها ومغوارها الحاذق الذي كان له الباع الأطول فيها. ولهذا خلا القسم الأخير من هذه الاعتراضات لقلة المباحث الكلامية فيه، حيث أن آخر ما ورد من الاعتراضات كان في الفصل الثاني من التراجيح، ولم أجد شيئاً منها في الفصول الآتية (ترجيح الأخبار، الاجتهاد، المفتي، والمستفتي، الأدلة المختلف فيها). وكان القاضي الأرموي ﵀ يورد هذه التنبيهات بعبارةٍ موجزةٍ جداً، قد تصل إلى حدّ الإِلغاز، ولا يمكن أن يعرف الناظر المُراد منها إلَّا بعد الرجوع للمحصول، وحتى بعد الرجوع للمحصول قد يكون معرفة مراد الأرموي ﵀ من باب الاجتهاد. وليس هذا طابع جميع التنبيهات بل يوجد بعض التنبيهات الواضحة وضوح الشمس في رابعة النهار. ومن الاعتراضات التي ظهر عليها الإِبهام والإِلغاز. أ- ما أورده على أجوبة الإِمام الرازي عن أدلة مَن قال بعدم جواز تخصيص الكتاب بخبر الواحد حيث قال في التحصيل: (احتج القائل بعدم جواز التخصيص بما يلي: أ- الإِجماع: (إذ ردّ عمر خبر فاطمة بنت قيس. وقال: لا ندع كتاب ربنا وسنّة نبيِّنا بقول امرأة لا ندري لعلّها نسيت أم حفظت). ب - قوله ﵇: "إذا روي عني حديث فاعرضوه على كتاب الله، فإن وافق فاقبلوه وإن خالف فردّوه". جـ - الكتاب مقطوع فقدّم على الخبر المظنون. د- لو جاز تخصيصه به لجاز نسخه به بجامع تقديم الخاص). والجواب عن: أ- أنه ردٌّ للتهمة بالكذب والنسيان. ب- أنه ينفي تخصيصه بالمتواتر، ولو قيل تخصيص الكتاب لا يكون على خلافه قلنا: كذلك ههنا.

стр. 132

جـ - أن خبر الواحد تترك به البراءة الأصلية اليقينية على أن الكتاب مقطوع المتن مظنون الدلالة، والخبر بالعكس، وأيضاً لما دل القاطع على وجوب العمل بخبر الواحد كان وجوب العمل مقطوعاً فاستويا ... ولقائلٍ أن يقول: في هذه الأوجه نظر: (انتهى من التحصيل ..). فكيف يمكن أن يعرف هذا النظر الذي في الأجوبة، وإذا توصل الناظر في الأجوبة إلى خلل فيها فهل يكون موافقاً لما في ضمير القاضي سراج الدين الأرموي، فلا يعلم ما في ضميره على وجه القطع إلَّا الله جلّ شأنه، ولهذا لما أراد الإِمام بدر الدين محمد بن أسعد التستري أُستاذ جمال الدين الأسنوي أن يوضّح هذا الاعتراض قال: (لعله كانت بالنسبة للدليل الأول أن فاطمة بنت قيس لم تكن متهمةً بالكذب). وقوله: أصدقت أم كذبت لا يوجب تهمتها. وبالنسبة للدليل الثاني أنه لا يلزم من ترك العمل بخبر الآحاد ترك العمل بالخبر المتواتر لزيادة قوة المتواتر وبالنسبة للثالث، فإن البراءة الأصلية ربما يقدم عليها خبر الواحد لأنها ليست من الأدلة الشرعية) (١). ب- ومن ذلك ما أورده اعتراضاً على بعض الأحكام المتعلقة بكون الإِجماع ناسخاً للنص، أو لإِجماع آخر أو للقياس حيث قال: ولقائلٍ أن يقول: (في هذه الأقسام نظر ما فليتأمله الناظر). وهو يشبه المثال المتقدم في الإِبهام، وقد اجتهد بدر الدين التستري في معرفة ذلك مع عدم الجزم بما يقول ولهذا قال: إن محل النظر يحتمل أن يكون ما أقوله: ١ - عدم تسليم وقوع الإِجماع بخلاف النص، وكذلك قد ينسخ الإِجماع النص وذلك إذا كان الإِجماع مستنداً إلى نص راجح على النص المنسوخ، وحينئذٍ يكون الناسخ النص الراجح.

стр. 133

٢ - ما ذكر من عدم نسخ الإِجماع إجماعاً آخر سواء كان يفيد الحكم مطلقاً أم إلى وقت فهو منقوض بجواز نسخ نصٍ بنص، ويلزم كذلك عدم إمكان نسخ نصٍ بنص أصلاً. ٣ - عدم تسليم أن الإِجماع لا ينسخ القياس، لجواز أن يكون سند الإِجماع قطعياً أو ظنياً راجحاً. ٤ - يجوز نسخ النص بقياس يكون قطعي المقدمات، باعتبار أن يكون أصل القياس متأخراً عن نص متناول لما يتناوله القياس. ٥ - لا نسلم نسخ النص أو الإِجماع للقياس، فإن صحته مشروطة بعدم وجودهما فإذا وجد النص أو الإِجماع زال القياس لزوال شرطه (١). ولم يُجب القاضي سراج الدين الأرموي عن ما أورده من اعتراضات وتنبيهات، بل تركها للناظر الحاذق، والمتأمل النبيه. وهي كما قال بدر الدين محمد بن أسعد التستري تدل على علو كعب القاضي سراج الدين الأرموي في هذا الفن، ودقة فهمه وصفاء ذهنه، لأنها نكات لطيفة لا يتنبه إليها إلَّا مَن له قريحةٌ وقّادة وذكاء خارق وذهن عبقري، اعتاد النظر في عويصات علم الكلام، والاشتغال بدقائق الاستنباط والاجتهاد. وما كان لغير سراج الدين الأرموي أن يستدرك على الإِمام فخر الدين الرازي، الذي بهر علمه علماء زمانه، ومناظراته شهد له بها أقرانه، فإن كان القاضي الأرموي ﵀ قد لمح هذه الملاحظات، فهي إن دلّت على شيء إنما تدل على منزلته بين العلماء، ودقة فهمه وحذاقته لفن الأصول. وهذا لا يضير الإِمام الرازي ﵀، حيث إن العصمة لله وحده، وما من أحدٍ إلَّا يؤخذ منه ويردّ عليه إلَّا الرسول الحبيب صلوات الله وسلامه عليه. وكفى الرازي فخراً وعلوّاً في المنزلة وارتفاعاً في الرتبة أن يتلقى كتابه بالشرح والاختصار والتدقيق والتعليق عشرات من العلماء الأجلّة، فلم يوجد كتاب في فن الأُصول ذاع صيته وعمّت شهرته المشرق والمغرب والروم والعرب ككتاب المحصول،

стр. 134

وليس ذلك محل استغراب إذا اعلمنا أنه خلاصة كل ما كتب في هذا الفن قبله كما بينا ذلك وأيدناه بالنقل عن مؤرخ العلوم العلّامة ابن خلدون. وقد التزم القاضي الأرموي ﵀ بنقل الأقوال المنسوبة لأصحابها في المحصول، ولا يكاد يحذف أو يزيد اسماً ممّن نسبت إليهم الأقوال، ولهذا خلا كتاب التحصيل من ذكر آراء أقران الإِمام الرازي، والمتأخرين عنه تماماً. والإِمام الرازي نفسه التزم بنقل الآراء التي نسبها صاحب المستصفى وصاحب المعتمد لأصحابها ولم يتعرض لنقل آراء مَن تأخر عن هذه الكتب إلا ما ندر. ووجدتُ أن القاضي الأرموي ﵀ يغيِّر أحياناً نسبة القول من أبي حنيفة إلى الأحناف، وكأنه يسوّي بين النسبتين، ومن ذلك أن الإِمام الرازي في المحصول نسب القول بعدم جواز التعليل بالعلة القاصرة للإِمامٍ أبي حنيفة وأصحابه، ولكن القاضي الأرموي قال: وجوّزه الشافعي خلافاً للحنفية (١). ومن ذلك أيضاً ما وقع في مسألة إثبات التقديرات والحدود والكفّارات والرخص بالقياس، حيث نقل الإِمام فخر الدين الرازي الخلاف في جواز ذلك عن الإِمام أبي حنيفة وأصَحابه، وأما القاضي الأرموي قال خلافاً للحنفية (٢)، وجدت مثل هذا في عدة مواضع في الكتاب. وقد وجدت أن القاضي سراج الدين الأرموي قد أبدل كلمة الإِجماع في مواضع بلفظ الجمهور أو ما يقاربها، وكان موفقاً في ذلك لأن الإِمام نقل الإِجماع على أُمورٍ لا تسلم له أبداً، حيث هو نفسه نقل في موضع آخر الخلاف فيها. ولعله لم يكن يقصد بإطلاق لفظة الإِجماع الإِجماع الاصطلاحي المعروف. ولكن هذا الاحتمال أيضاً واهٍ، حيث إن الإِمام الرازي من عظماء علماء الأصول وعالم بمصطلحاتهم وعامل بها. ومن ذلك ما نقله الإِمام الرازي في أدلة مَن قال بالقياس: إن الدليل الرابع هو إجتماع الصحابة على العمل به ثم عدّد رهطاً من الصحابة عملوا به، وهذا لا يسمى

стр. 135

إجماعاً عند عامة الأصوليين لأنه نقل عن بعضهم إنكار القياس، وبعضهم حذّر منه. فالإِجماع لا يسلم للإِمام الرازي ولكن القاضي الأرموي قال: ومعتمد الجمهور هو أن بعض الصحابة عمل بالقياس (١). وكان اختصار القاضي الأرموي - رحمه الله تعالى- يتناول أحياناً بعض المعاني الإِضافية التي ليست أساسية، كبيان المحترزات بالتعريف أو حذف دليل ضعيف وكان هذا في مواضع معدودة. وهذا ليس عيباً في الاختصار لأن المحترزات بالقيود من الأشياء التي يدركها الناظر بالتأمل، وكان في بعض الأحيان يشير للمحترز عنه بذكر المثال، وصنيعه هذا من مستلزمات الاختصار التي لا محيد عنها، وإنما ذكرته لأُبيِّن أن اختصاره لم يتناول الفِكَر الأساسية، بل كان في الأمور الجانبية، ومن ذلك في المقدمة الأولى من الجزء التحقيقي لم يستوعب المحترزات الخارجة بقيود تعريف الفقه، وقد بيّنها الإِمام الرازي في المحصول. ولم يبيِّن القاضي الأرموي ﵀ ما خرج بقوله: (لا يعرف كونها من الدين بالضرورة)، وهو مثل الصلاة والصيام المعلومين من الدين بالضرورة، ولم يبيِّن ما خرج بقوله: (بالاستدلال على أعيانها) بما أخذه المقلّد من الأحكام فهو لا يسمى فقهاً لعدم أخذه الحكم بالدليل. وحدث مثل هذا في تعريف أُصول الفقه أيضاً، فلم يبيِّن القاضي الأرموي ﵀ ما خرج بقوله: (مجموع طرق الفقه) حيث خرج العلم ببابٍ واحد ككون القياس حجة، ولم يبيِّن ما خرج بقوله: (من حيث هي طرق) حيث خرج الفقيه والخلافي، لأنهما يبحثان في حجية الدليل في مسألة معينة. وأما حذفه لبعض الأدلة الضعيفة فلم يحدث إلَّا في موضعين أو ثلاثة في جميع الكتاب نبّهت عليها في مكانها ومن ذلك. أورد الإِمام الرازي ﵀ على تعريف القاضي أبي بكر الباقلاني للقياس ستة اعتراضات، ولم يورد القاضي سراج الدين الأرموي

стр. 136

- ﵀ سوى خمسة اعتراضات، فحذف خامس الاعتراضات وهو: (أن كلمة "أو" للإِبهام وماهية كل شيء معينة، والإِبهام ينافي التعيين)، وحذف هذا الاعتراض لضعفه لأن "أو" ليست دائماً للإِبهام. وطبيعة الاختصار جعلت القاضي سراج الدين الأرموي ﵀ يتصرف في تقسيمات الكتاب، فكثيراً: ما كان يحوِّل الأبواب إلى فصول، والفصول إلى مسائل، ومع هذا كان يحافظ على الأفكار الواردة، وهذا كثير جداً في الكتاب ومنه ما ورد في الكلام على اللغات حيث قسَّمه الإِمام الرازي إلى أبوابٍ، وقسّمه القاضي سراج الدين الأرموي إلى فصول ينطوي تحتها مسائل وجعل الكلام في اللغات باباً واحداً (١). ومن ذلك أيضاً أن الإِمام فخر الدين الرازي - رحمه الله تعالى- ذكر في بداية المحصول عشر مقدماتٍ ثم عدّدها واحدة تلو الأُخرى، ولكن القاضي الأرموي ﵀ في التحصيل ذكر أن المقدمات ست، وبعد التقصّي وجدته لم يحذف من المادة العلمية شيئاً، ولكنه دمج بعض المقدمات مع ما يناسبها لقوة ارتباطها بها وشدة تعلقها. وكل ما تقدم في هذا المبحث ذكرته إظهاراً لمسلكه، ولمس على سبيل إظهار مآخذ على كتابه لأنه لا بدّ للمختصر من فعل ما تقدم. وأما ما قد يكون عيباً في مسلك الاختصار في كتاب التحصيل فهما أمران، وهما أيضاً يدلّان دلالة واضحة على دقة فهمه وقوة قريحته ورسوخ قدمه في علم الأصول المركب من المعقول والمنقول، وإنما هما عيبان من زاوية أُخرى غير الزاوية التي يدلّان منها على سعة علمه وقوة عقله، وإنني حينما أكتب هذه الكلمات أشعر بشيء من الوجل، لأن النقد سهل والعمل صعب، ولكن الأمانة العلمية تلزمني بتدوين كل ما انطبع في ذهني عن هذا الكتاب لتلاوته المرة بعد المرة، ولمحت فيه ما لا يلمحه القارئ العجل. أما الأمر الأول: تصرفه في بعض التعاريف الواردة في الكتاب بما

стр. 137

يصلحها ويسدّ ثغرة فيها مع بقائها منسوبة لأصحابها مع عدم التنبيه على ذلك، والتعاريف نقلها مبني على التضييق في نظري، فلا يجوز التصرّف فيها أدنى تصرف، مع أن الأقوال قد يتجوّز في نقلها بما لا يحدث اختلافاً في المعنى. وهذا الِإصلاح الذي حدث في التعاريف يدل على دقة فهم القاضي الأرموي ﵀. ومن ذلك: قد عرَّف القاضي أبو بكر الباقلاني القياس كما ورد في المحصول بلفظ: (حمل معلومٍ على معلوم في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما بأمر جامع بينهما من حكم أو صفة أو نفيهما عنهما). والقاضي سراج الدين الأرموي ﵀ نقله في التحصيل منسوباً للقاضي أبي بكر الباقلاني بلفظ: (حمل معلوم على معلوم في إثبات حكمٍ لهما أو نفيه عنهما بجامع حكمٍ أو صفةٍ أو نفيهما) (١). فمن حيث المدلول التعريفان متقاربان إلَّا أن تعريف القاضي الأرموي كان أشد اختصاراً، وحبذا لو ذكر التعريفين لأن التعريف الثاني لا يمكن القول عنه أنه تعريف القاضي أبي بكر الباقلاني. وقد تصرف أيضاً في تعريف أبي الحسين البصري صاحب المعتمد للقياس، حيث أورده القاضي سراج الدين الأرموي في التحصيل منسوباً لأبي الحسين بلفظ: (تحصيل مثل حكم الأصل في الفرع لاشتباههما في علة الحكم في ظن المجتهد) (٢). والإِمام فخر الدين الرازي أورده في المحصول بلفظ: (تحصيل حكم الأصل في الفرع لاشتباههما في علة الحكم عند المجتهد). فالقاضي سراج الدين الأرموي ﵀ أضاف كلمة "مثل"، وذلك لأن الحكم الحادث في الفرع ليس عين الحكم الذي في الأصل، فتعبير الأرموي أدق وأبدل "عند المجتهد" بقوله: "في ظن المجتهد" وذلك لكي لا يدخل القياس الذي يعتقد المجتهد فساده لأنه ليس بقياس، وكان

стр. 138

القاضي الأرموي موفقاً في إضافة هاتين اللفظتين إذ بهما انسدّ خلل التعريف. ومن ذلك أيضاً: أورد القاضي الأرموي في التحصيل تعريف الحقيقة منسوباً لأبي الحسين البصري بلفظ: (ما أُفيد بها في اصطلاحٍ به التخاطب ما وضعت له فيه). وعرفها أبو الحسين البصري كما ورد في المعتمد (١) ونقله الإِمام فخر الدين الرازي في المحصول بلفظ: (ما أُفيد بها ما وضعت له في أصل الاصطلاح الذي وقع التخاطب به). ومدلول التعريفين واحد، مع أن التعريف الذي أورده القاضي الأرموي أشد اختصاراً. ومن ذلك أيضاً نقل القاضي الأرموي ﵀ عن العلماء أنهم عرفوا الفقه بلفظ: (العلم بالأحكام الشرعية العملية التي لا يعرف بالضرورة كونها من الدين إذا حصل بالاستدلال على أعيانها) (٢). وقد أورده الإِمام فخر الدين الرازي في المحصول بلفظ: (العلم بالأحكام الشرعية العملية المستدل على أعيانها بحيث لا يعلم كونها من الدين ضرورة). فاستبدل القاضي الأرموي كلمة يعلم بكلمة "يعرف"، وذلك للاعتراض الذي أورده الإِمام فخر الدين الرازي ﵀ ثم أجاب عنه وهو: أن الفقه من باب الظنون فكيف يجعل علماً، وأجاب أنه إذا غلب على ظن المجتهد مشاركة صورة بصورة قطع بوجوب العمل بما أدى إليه ظنه، فالحكم معلوم قطعاً، والظن واقع في طريقه. وأما الأمر الثاني: أن القاضي الأرموي ﵀ كان يقول في مواضع كثيرة. والجواب عن أ - من غير ذكر المجاب عنه وإذا نظر الإِنسان فيما تقدم لم يجد أشياءً مرقمة، وعندئذ يظهر أن الأجوبة عن أشياء لم ترد مرقمة، وهذا يشوِّش ذهن الناظر ويحتاج أحياناً إلى جهد في تعيين المُجاب عنها، لأنها قد تكون تقدمت قبل صفحات وهي مرقمة في ذهنه وهذا ورد كثيراً، وفي مواضع متعددة نبّهت على هذا في مواضعه بعد قراءة الأجوبة

стр. 139

ومعرفة ما أُجيب بها عنه. وفي بعض الأحيان كنت أضع ترقيماً لما أُجيب عنه موافقاً للأجوبة. وهذا يدل على سعة علمه ورجاحة عقله، ولكنه يشوِّش على الناظر فيه، ويؤخر عليه الوصول إلى معرفة المراد، ومن ذلك على سبيل المثال. قوله: احتجوا (القائلون بأن الكفّار غير مخاطبين بفروع الشريعة) بأن الصلاة مثلاً لا تجب عليه بعد الإِسلام وفاقاً ولا قبله لامتناعه، ولأنها لو وجبت لوجب قضاؤها كالمسلم بجامع تدارك المصلحة. والجواب عن: أ- أن ما ذكرتم لا ينفي العقاب على تركها. ب- النقض بالجمع، والفرق (أن وجوب القضاء عليه تنفير له عن الإِسلام) (١). ويقصد بالجواب عن أ- عن دليلهم الأول، وهو بأن الصلاة مثلاً لا تجب عليه بعد الإِسلام وفاقاً ولا قبله لامتناعه. ويقصد بالجواب عن ب- عن دليلهم الثاني وهو: لأنها لو وجبت لوجب قضاؤها كالمسلم بجامع تدارك المصلحة، وكلاهما لم يرد مرقماً. وقد برزت شخصية القاضي سراج الدين الأرموي ﵀ بروزاً واضحاً كمختصر متمكِّن من فنه ولغته، فقد كانت عباراته بقدر المعاني، فلا حشو ولا إلغاز. فلو حذفت كلمة من موضعها لحدث بها خلل كبير في التركيب. وأظهر قدرة فائقةً في إبراز المعاني الكثيرة في ألفاظ قليلة، وهذا من سمات الحكماء المتكلمين الذين كل حرف في كلامهم له وزن ومعنى. فالأسلوب العلمي الذي يعتني بالحقائق يختلف عن الأسلوب الأدبي الذي يعكس العواطف. واختصاره كتاب المحصول وهو لأعظم الحكماء العلماء المتكلمين في القرن السادس الهجري إلى الثلث مع عدم نقص المادة العلمية لَدليلٌ قاطع على التمكّن من لغته ودقة تعبيره، وكتاب علمي مثل هذا لا يتأتى اختصاره لأقل من ذلك إلَّا إذا كان الاختصار على حساب المعاني، وحينئذٍ تضيع القيمة العلمية للأصل.

стр. 140

وأما وضوح العبارة وسهولة إيصالها المعاني للناظر فيها فقد حالف القاضي الأرموي فيها الحظ، فقد خلا كتابه مما احتوت عليها المختصرات الأخرى من تعقيد اللفظ، والإِلغاز في التركيب، ولكن ليس معنى وضوح المعنى أنه واضح للقاصي والداني، بل واضح لمن اعتاد النظر في كتب هذا الفن، وكثيراً ما يتكلم إنسان بكلام واضح في ذهنه وضوح الشمس مع وجود غموض فيه على بعض الناس. وقد ألانَ الله له التراكيب فانسابت على قلمه فنمنم بها صفحات كتابه، كما ألانَ الله لسليمان الحديد فنسج منه الدروع فمعظم ما كتب واضح يدرك بالنظر الثاقب ودقة الفهم، ولم أجد العبارة قد خانت القاضي الأرموي ﵀ فلم توصل المعنى للقارئ لأول وهلة إلَّا في مواضع قليلة ناتجة عن اجتهاد الأرموي في الاختصار بقدر الإِمكان. نبّهت عليها في مواضعها وهي: أولاً: دمج القاضي سراج الدين الأرموي ﵀ مسألتين في مسألة واحدة في موضعين، فحدث بذلك التباس وتشويش في الفهم، مما يجعل الفهم صعباً إلا بالرجوع للمحصول. أ- الموضع الأول: دمج مسألة الاختلاف في صدق المشتق بدون المشتق منه بمسألة بقاء وجه الاشتقاق، هل هو شرط لصدق المشتق أم لا (١). ففي المسألة الأولى ارتضى القاضي الأرموي ﵀ تبعاً للإِمام الرازي - رحمه الله تعالى- عدم صدق المشتق دون المشتق منه، لاستحالة صدق الكل بدون الجزء، وخالفه في ذلك الجبائيان أبو علي وأبو هاشم. وارتضى في الثانية أن الاشتقاق شرط لصدق المشتق منه. وخالف في ذلك أبو علي بن سينا وأبو هاشم الجبائي المعتزلي، ونظراً لترابط المسألتين أراد القاضي الأرموي حرصاً منه على الاختصار أن يجعلهما مسألةً واحدة فحدث الالتباس.

стр. 141

ب- دمج القاضي الأرموي ﵀ مسألتين مشهورتين في مسألة واحدة وهما: الأولى: هل الأمر يفيد التكرار أم المرة الواحدة. الثانية: هل الأمر على الفور أم على التراخي (١). والذي دفع القاضي الأرموي ﵀ لدمج المسألتين كما يبدو والله أعلم - أن الرأي المختار في المسألتين كان واحداً، وهو أنهما يدلّان على القدر المشترك ولهذا كانت معظم الأدلة متحدة، فحدث بذلك تشويش وخاصة في الاستدلال، لأن كل مسألة انفردت ببعض الأدلة، ولم أرَ في الكتب الأُصولية التي نظرتها أن أحداً جعلهما مسألةً واحدةً. ثانياً: نقل القاضي الأرموي ﵀ عن الإِمام الغزالي تبعاً للإِمام الرازي في المحصول أربعة أوجه، للتفريق بين الحقيقة والمجاز فقال: (أ- اطراد الحقيقة: فلا يقال واسأل البساط وهو ضعيف) (٢). والناظر في هذا الوجه لا يفهم منه شيئاً إلا بعد الرجوع للمحصول أو المستصفى ليعرف المراد، ومراده أن الطريق الأول من طريق التفريق بين الحقيقة والمجاز، أن الحقيقة مطّردة والمجاز غير مطّرد. فلا يقال: واسأل البساط إلحاقاً لقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ وضعَّف هذا الطريق الإِمام الرازي في المحصول، وتابعه القاضي سراج الدين الأرموي بقوله: (وهو ضعيف) والضمير (هو) راجع للتفريق، والتفريق لم يتقدم وهذا يرد على ما يرد عليه في اللغة.

стр. 142

وقد ظهرت شخصية القاضي الأرموي ﵀ في اختصار المحصول في التبويب بالتقسيم، فكانت في غاية الدقة. فقد أحسن تنظيم الكتاب وتقسيمه إلى أبوابٍ وفصول ومسائل، وكثيراً ما كان يذيّل المسائل إما بتفريعات أو بتنبيهات. وقد أكثر القاضي الأرموي ﵀ في تقسيماته وتعداد بعض الأمور من استعمال الحروف. وكان يستعملها بشكل عجيب لم يسبق لي الاطّلاع على مثله، حيث كان يركب الحروف الهجائية لتدل على الأرقام، ففي باب التراجيح ركّب حرفاً لتدل على ستةٍ وستين نوعاً. وبرزت شخصية القاضي الأرموي ﵀ في التحصيل كمتكلمٍ ممسك بناصية فنه، عالم بأبعاده ومراميه خبير بدقائقه وخباياه. فظهر ذلك في الإِضافات الدقيقة والملاحظات اللطيفة التي أوردها على أدلة الإِمام الرازي في المحصول، والتي بينّاها في الجزء التحقيقي بياناً شافياً. وظهرت دقة علمه في ترتيب الأدلة، حيث كان في بعض الأحيان يقدم بعض الأدلة، ويؤخر أُخرى، وبعد السبر وجدت أن هذا لم يكن عبثاً، بل لأنه لمّح أن بعضها أقوى من الآخر فقدّم الأقوى. والإِضافات الدقيقة لبعض التعاريف وحذْف بعض الألفاظ منها لسد الخلل فيها، ومنع توجه الاعتراض عليها أيضاً يدل على مدى تمكنه من فنه. ومن ذلك ما تقدم ذكره من إضافة "مثل" و"ظن" لتعريف أبي الحسين البصري للقياس، لاحتمال ورود اعتراضين عليه وهما أن الحكم الحادث في الفرع ليس عين الحكم الموجود في الأصل، ولكي لا يدخل القياس الفاسد. ومن ذلك أيضاً استبداله كلمة "يعلم" بكلمة "يعرف" في تعريفه الفقه عند العلماء، وذلك لاحتمال ورود اعتراض عليه، وهو أن الفقه من باب الظنون فكيف يجعل علماً؟. وظهرت شخصية القاضي الأرموي ﵀ في سلامة لغته، مع أنه أعجمي ولد في أذربيجان، ونشأ وترعرع فيها، ثم كانت دراسته على بني قومه من الأكراد ثم ختم حياته بالإِقامة في بلاد الروم، وكانت السلطة الحاكمة التى يعيش في ظلها سلجوقية ومع هذا كله، كانت لغته سليمة لا

стр. 143

لحن فيها، وانقادت له الألفاظ والتراكيب، وانسابت على سنان قلمه انسياب الماء الرقراق في الجدول الصافي، لا تكدره رواسب العجمة، فكانت عبارته سليمة نحوياً ودلالةً ودقةً. وأما ما تكرر في كتابه من قلب الهمزة ياءً وَحذف همزة الممدود أو الهمزة في آخر الكلمة، فهذا أمر شائعٌ في ذلك الزمان رأيته في بعض المخطوطات الأُخرى، وهذا يحمل على أن اللغة العربية تميل للتسهيل في اللفظ، وحتى اليوم يوجد في كثير من الأقطار مَن يقلب الهمزة ياء ويحذف الهمزة من آخر الكلمة في اللفظ، وأما من ناحية الكتابة فالأمر فيها محمول على التضييق، فينبغي الالتزام بقواعد الإِملاء، وجميع نسخ التحصيل متوافقة في هذا المسلك من الكتابة، مما يدل على أن هذا التصرف ليس من النسّاخ، ومما ورد على هذا النحو ما رأيته في الصفحة الأولى أن كتابة (أنبيائك وأنبائك وخلائقك والفوائد) قد وردت مكتوبة على النحو الآتي: (أنبيايك، أنبايك وخلايقك، والفوايد). وأما حذف الهمزة في آخر الكلمة فقد ورد منه في الصفحة الأولى: (النجبا والكرما والارتقا). وقد أصلحت ما حدث في المخطوطة بدون الإِشارة إليه في كل موضع لكثرته. " الخاتمة " لقد خلَّف سلف هذه الأمة لخلفها تراثاً ضخماً. فمنذ عصور الدولة الإِسلامية الزاهرة حتى يومنا هذا والمكتبة الإسلامية تستقبل مواليد جدداً في عالم المعرفة، ولكن لا يزال القديم يتميز بغزارة المادة العلمية، وتفوح منه رائحة الإِخلاص والتجرّد في تصنيفه من الأغراض الدنيويَّة التي لا بدّ وأن تضفي على المصنَّف بركةً وقوةً في التأثير في النفوس، وتشعر النفوس بانجذابٍ إليها لصفائها، وسلامتها مما شابَ غيرها من الأغراض الدنيوية. ولا يزال يعيش الخلف عالةً على ما سطّرته أقلام السلف من تراثٍ ضخمٍ فني منه الشيء الكثير في ما مرّ على الأُمة الإِسلامية من حروب

стр. 144

طاحنة، ونقل منه ما نقل لخزائن مكتبات المستشرقين إبان غفوة الأُمة الإِسلامية واستهانتها بتراثها الضخم فملأت منه خزائن مكتبات أوربا. ومع هذا فقد بقي قسم ضخم ينتظر مَن يمدّ يده إليه ليُخرجه من غياهب سجنه، فيعيش عضواً فعّالًا في هذا المجتمع الإسلامي يؤدي دوره المطلوب منه. وإخراجٍ الكتب المخطوطة من المكتبات ينبغي أن يكون في ثوبٍ جذاب. خالياً مما يشوبه من التصحيف والتحريف الذي حدث فيها على أيدي النسّاخ. نقياً من الأخطاء النحوية التي تكدّر الصفاء، منسقاً منظماً بعناوين بارزة، وفهارس تنبئ عما يحتويه الكتاب فيوفر الوقت على الناظر فيه، ويسهّل الوصول إلى المراد. ولا سبيل لذلك إلا بتحقيق الكتاب قبل نشره بجمع جميع نسخه ومقابلتها، وتحقيق مادته العلمية تحقيقاً دقيقاً. وكتاب التحصيل كسائر الكتب المخطوطة كان في أمسّ الحاجة لمن يميط عنه اللثام، ويزيل عنه النقاب فيُظهره وضّاءً في ثوبٍ جذاب ظاهر العناوين، بارز الفقرات خالٍ من التصحيف والتحريف، تحيط به فهارس ترشد الناظر فيه لما يريده في يُسرٍ وسهولة، وتحفّ به أبحاث وتعليقات تخبر مَن رآه عن قيمته العلمية، وتعرفه بمصنفه وتظهر طول باعه ورسوخ قدمه في هذا الفن وسائر الفنون، لأن معرفة شخصية المؤلف تبعث في النفوس الاطمئنان والثقة فيما تجده في الكتاب. فنسخ كتاب التحصيل العشر لم تخلُ كسائر نسخ المخطوطات - من اختلافات في ألفاظ كثيرة كما يظهر ذلك للناظر في هامش الجزء التحقيقي واضحاً جليّاً. وبعض هذه الألفاظ يخلّ بالمعنى إخلالاً بيِّناً، بل قد يؤدي إلى عكس المعنى المراد، وقد وجدتُ أن إحدى النسخ وهي النسخة التي رمزت لها في التحقيق "ب" قد حدث فيها تقديم وتأخير في ترتيب صفحاتها عند تجليدها وبعد كتابتها ولا يمكن إصلاح هذا الخلل إلا بمقابلتها بالنسخ الأُخرى. ولم يقف الأمر عند هذا بل وجدت سطوراً ساقطة بالكلية، وأحياناً كلماتٍ لا يمكن استدارك كل ذلك إلَّا بتحقيق الكتاب ومقابلة نسخه، ولو خرجت كل نسخةٍ على ما هي عليه لظهرت أخطاء علمية ولغوية يصعب تلافيها.

стр. 145

والتحصيل في حاجة أيضاً لتحقيق مادته العلمية، والتأكد من صحة نسبة الأقوال إلى أصحابها، وتوضيح بعض الإِبهامات والغموض الناتج عن الاختصار. وهو لم يخلُ من مواضع وقع فيها غموض وإيهام غير الظاهر، وقد تعرضت لبيان ذلك في المبحث المتقدم الذي بحث فيه مسلك الأرموي في اختصار المحصول، ومن هذا الغموض ما كان نتيجةً لدمج مسألتين في مسألةٍ واحدةٍ. وأما المادة العلمية فالقاضي سراج الدين الأرموي - رحمة الله - مختصر ملتزم بالمحصول في آرائه، إلا ما نبّه عليه من اعتراضات وتنبيهات على أدلة ضعيفة وإضافة أُخرى أقوى منها في نظره. ولذا وجدت أنه تابعِ الإِمام الرازي في المحصول، وربما الإِمام الرازي ﵀ تابع من قبله في هفواتٍ علميةٍ قد تكون تصحيفاً تابع فيه اللاحق السابق ومن ذلك: قد ورد في التحصيل (١) أن الذي قال له الرسول ﷺ : ما منعك أن تستجيب وقد سمعت قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾. لما دعاه فلم يجبه لأنه كان في الصلاة هو أبو سعيد الخدري. وبعد الرجوع للمحصول وجدت الأمر كما في التحصيل، ونظرت الأحكام لسيف الدين الآمدي فوجدت الأمر كما في التحصيل أيضًا. وأما كتب السنة التي أوردت الحديث ومن بينها صحيح محمد بن إسماعيل البخاري، ذكرت أن صاحب القصة هو أبو سعيد بن المعلى وليس أبا سعيد الخدري. وما كان يعرف ذلك بدون تخريج الحديث من كتب السنة. ونظير ذلك ورد في جميع نسخ التحصيل (٢) تبعاً للمحصول لفخر
следующие страницы →