← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 19235

التحصيل من المحصول

السراج الأرموي

Полный текст (781 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

التي علمنا بوجودها وسنشير لمكان وجودها وأرقامها وصفة كل منها بالتفصيل، فليرجع إليه في موضعه، وهو المبحث التالي لهذا المبحث. وهو بلا شك أجل مختصرات المحصول كما ستعرف هذا أثناء مطالعتك له، وقد ارتبط بهذا المختصر كتبٌ أخرى سنتكلَّم عليها بعد قليل إن شاء الله تعالى. ٩ - اختصره: شهاب الدين أبو العباس أحمد بن إدريس القرافي، المتوفى سنة ٦٨٤ هـ. وسماه (تنقيح الفصول في اختصار المحصول في الأصول) وجعل كتابه التنقيح مقدمة لكتابه الذخيرة في الفقه، ثم لما رأى النَّاس قد أقبلوا عليه وضع له شرحًا سماه (شرح تنقيح الفصول) وهذا الشرح قد طبع مرتين: المرة الأولى في سنة ١٣٠٦ هـ في المطبعة الخيريَّة في الجمالية في القاهرة في ٣٠٨ صفحات. والمرة الثَّانية فيها تبويب وتنسيق بتحقيق طه عبد الرؤوف سعد عام ١٣٩٣ هـ في ٤٦٤ صفحة، طبع شركة الطباعة الفنية المتحدة بالعباسية. ويوجد مختصر لتنقيح الفصول لم يعلم مختصره، وهو مطبوع ضمن مجموع متون في دمشق من ص ٤٠ - ٧٩، ويوجد منه نسخة في المكتبة الأزهرية برقم ٩٠٨. ١٠ - شرحه شهاب الدين أبو العباس أحمد بن إدريس القرافي المتوفى سنة ٦٨٤ هـ المتقدم الذكر صاحب التنقيح، وسماه "نفائس الأصول في شرح المحصول" ويوجد منه نسخة مخطوطة في دار الكتب المصرية في ثلاثة مجلدات تقرب من ١٧٠٠ صفحة، وهو شرح عظيم هائل يعتبر موسوعة في الأصول. ١١ - أحمد (١) بن كمال الدين أحمد بن نعمة المقدسي النابلسي المولود سنة ٦٢٢ هـ والمتوفى سنة ٦٩٤ هـ في دمشق، تلميذ عز الدين بن

стр. 72

عبد السلام وأبي عمرو عثمان بن الصلاح، وأستاذ شيخ الإِسلام ابن تيمية له كتاب جمع فيه بين المحصول لفخر الدين الرَّازيّ والأحكام لسيف الدين الآمدي، قال ابن كثير وهو موجود عندي بخط مؤلفه. ١٢ - اختصره (١): مجد الدين دقيق العيد المتوفى سنة ٧٠٢ هـ، والمولود عام ٦٢٤ هـ والد الإِمام تقي الدين ابن دقيق العيد قاضي قضاة المالكية، وسماه مختصر المحصول. ١٣ - اختصره: محيي الدين سليمان بن عبد القوي الحنبلي المتوفى سنة ٧١٠ هـ. ١٤ - اختصره علاء الدين علي بن محمَّد بن خطاب المغربي ثم المصري الباجي الشَّافعيّ، المتوفى سنة ٧١٤ هـ، وسماه غاية السول مرتب على أربعةَ عشرَ نوعًا موجود منه نسخة خطية في دار الكتب المصرية ضمن مجاميع برقم (٢٠٩) ومكتوبة في الرابع من شوال سنة ٧٠٩ هـ، بخط محمَّد بن محمَّد الشَّافعيّ ورقمها العام (٢١٧٣٣ ب)، قياس الورقة ١٨/ ٢٨ سم وموجود منه نسخة خطية أخرى في باريس برقم ١/ ٦٥٥٩، ونسخة ثالثة في الرباط برقم (١٣٢) ونسخة رابعة في جامع الزيتونة بتونس برقم ٤/ ٣٦/ ١٨٣١. ١٥ - يوجد شرح ضخم جدًا للعلّامة محمَّد بن عبد الرَّحِيم الهندي الأرموي أبي عبد الله صفي الدين الشَّافعيّ، المتوفى سنة ٧١٥ هـ بدمشق تلميذ القاضي سراج الدين الأرموي، يوجد منه نسخة مصورة في دار الكتب المصرية برقم ١٦٢ أصول فقه ورأيت المجلد الثالث منه وهو يبدأ بباب القياس، وهو يقع في ١٩٣ ورقة كبيرة جدًا وفي آخره نقص لا يتجاوز الورقة. ١٦ - شرحه شمس الدين محمَّد بن محمَّد الجزري المتوفى سنة ٧٣٣ هـ في ثلاثة مجلدات. ١٧ - علق عليه أحمد بن عثمان بن صبيح الجوزقاني المتوفى سنة ٧٤٤ هـ،

стр. 73

والمولود سنة ٦٨١ هـ. والمشهور بتاج الدين التركماني، وذكر ذلك صاحب كشف الظنون (١). ١٨ - تلخيص المحصول لا يعلم مؤلفه وتوجد منه نسخة مخطوطة في مجلد بقلم معتاد وقديم في مكتبة الجامع الأَزْهَر حرسه الله برقم (١١٥) ٤٤٩٣. مكتوبة عام ٨٧٥ هـ. وبها خروم، وبأوراقها تلويث وترقيع في ١٣٨ ورقة. أوله: رب تمم بخير. أما بعد: أحمد الله رب العالمين والصلاة والسلام على نبيه خاتم النبيين وعلى آله وصحبه وسلم الطاهرين الطيبين. فإن أصول الفقه من أشرف العلوم الشرعية الغامضة فيه مجال البحث الدقيق، ومتسع الإتقان والتحقيق، وهو المتوسط بين الحكمة النظرية التي هي علم الكلام وبين الحكمة العملية السياسية التي هي الفقه، فمن لم يطلع عليه لم يتمكن من استنباط الأحكام، ولا يوثق باجتهاده ... ثم قال: (إني وجدت الكتب المؤلفة في هذا الفن غير خالية عن الانحراف عن الحق). وأن كتاب المحصول هو المتداول في زماننا، وهو وإن نقل أكثر ما في كتاب المعتمد والمستصفى والبرهان، ولكن الانحراف في تصرفاته أكثر، فأحببت أن أنظر في هذا الفن، وأظهر ما فيه من الانحراف وسميت كتابي هذا: (تلخيص المحصول لتهذيب الأصول). وأول اعتراض اعترض به مصنف هذا الكتاب على الِإمام الرَّازيّ هو (قوله الشرعية احترازًا عن العقلية). ثم ذكر أن إدراك الأحكام بالعقل لا يخرجها عن كونها شرعية. ثم اعترض على قوله: (العملية احترازًا عن العلمية)، ومثل له بالإجماع قائلًا: إنه علم بكيفية عمل ولا يجوز للمجتهد متى وجد الإجماع في صورةٍ أن يخالفه.

стр. 74

تنبيهات الأول (١): يوجد كتاب باسم المحصول في أصول الفقه للقاضي أبي بكر بن العربي المتوفى سنة ٥٤٣ هـ. الثاني (٢): يوجد كتاب في أصول الفقه باسم التحصيل، للإمام أبي منصور عبد القادر بن طاهر البغدادي الشَّافعيّ المتوفى سنة ٤٢٩ هـ، وهو صاحب الكتاب المشهور "بالفرق بين الفرق" في المذاهب. الثالث (٣): يوجد كتاب في أصول الفقه أَيضًا يسمى المحصول للسيد محسن بن حسن الكاظمي الشيعي المتوفى سنة ١٢٤٠ هـ، وهو شرح لوافية الأصول.

стр. 75

كتَابُ التّحْصِيل وعَدَدُ نُسُخهَ الموَجُوَدَة وَمَكان وُجُودهَا وَصفَتها ما إن وضعتُ خطة البحث في هذه الرسالة وأبلغت بالموافقة على تسجيلها حتَّى شرعت أبحث عن نسخ هذا الكتاب في شتى الفهارس العربية والأجنبية، وأراسل بعض من لهم اهتمام بهذا الشأن، وبذلتُ في ذلك من الوقت ما يقارب العام، فما من مكتبة خطر ببالي وجوده فيها حتَّى راسلتها، وبحمد الله تعالى استطعت معرفة وجود أكثر من عشر نسخ موزعة على مكتبات العالم العربية والأجنبية الغربية والشرقية، مما يدل على أن هذا الكتاب قد كان متداولًا عند طلاب العلم، وبالفعل فقد قال حاجي خليفة في كشف الظنون (١): (وهو مشهور متداول) فانتشار هذا الكتاب يثير العجب ويبعث على الارتياح، ويبهج النفس في آنٍ واحد، ويشعر الباحث بطمأنينة النفس، ويغلب على الظن أن الكتاب له أهمية عظمى، حيث إن نسخه كانت موزعةً على القارات الثلاث أوروبا وآسيا وإفريقيا وفي بلدان متعددة منها. مع أن العصر الذي صنف فيه عصر الحروب والمعارك، ولم يأت على الأمة الإِسلامية أيام أحلك من تلك الأيام فالفوضى ضاربة أطنابها لذهاب هيبة الحاكم، وتمزق الأمة الإِسلامية إلى دويلات وإمارات على رأس كل منها هو يحكى انتفاخًا صولة الأسد. ودماء جارية بلا رحمة، وفلول هاربة أمام المارد التتاري الذي أخذ يسيل من جهة المشرق بعنفوانه ووحشيته يمر على الحدائق الغناء فيذرها يبابًا، وكأنما أسراب من الجراد دهمت البلاد تأكل الأخضر واليابس، ومع هذا كله نجا هذا العدد من النسخ، أنَّه ليبعث

стр. 76

النفس على الارتياح ويزيد فيها الثقة، وإنني لا أدّعي أنني استقصيت، فقد يكون ما لم أعلم وجوده من النسخ أضعاف ما بلغني علمه، فكم من مكتبات خاصة لا أعرف اسمها ولا مكان وجودها وكم من فهارس لم تكتحل برؤيتها عيناي، ولكن القلب مطمئن جدًا إلى أن ما وصلني من النسخِ كافٍ جدًا للتحقيق لأنها في صورة جيدة جدًا، بل إحداها مقابلة على أصل المصنف زد على ذلك أن بعضها قد كتب قبل موت المصنف بسنوات فكل هذا يبعث على الارتياح. وبعد أن بلغني مكان وجود هذه النسخ حاولت الحصول عليها بالمراسلات، وبتكليف بعض من جمعتنا وإياهم أخوّة الإِسلام، ولكن يحز في نفسي أن أسطر هنا حقيقة أبت نفسي، إلَّا أن أسجلها لعل الأنّات والزفرات التي يطلقها طلاب العلم وهم يتنفسون الصعداء مما يلاحظونه من الفارق العظيم في خدمة العلم وتذليل عقباته وتسهيل سبله بين الغرب والشرق تصل لآذان من لهم الأمر، فيعيدوا النظر في أنظمة المكتبات وأسلوب المعاملات، إن هذه الورقات ليست مكان بث أحزاني وإظهار آلامي، ولكن أريد من ذلك العظة والعبرة فإحدى النسخ كانت في بلد عربي فأرسلت الرسالة تلو الرسالة بأرق العبارات وألطف الأساليب بل اضطررت إلى التملق، ولم أحظ بجواب سلبي أو إيجابي. ثم اغتنمت فرصة سفر أحد الإِخوان الذين نحبهم في الله لتلك البلاد. وذكرت لهم الحاجة إلى صورة من هذه المخطوطة، فكان الجواب قد أزعجنا صاحبك بكثرة رسائله، فأمر الإِذن ليس لنا ولكن لوزارة التعليم الأصلي، فإذا أذنت تطلب الوزارة النسخة، ثم نرسلها للعاصمة حيث تبعد حوالي مائتي كيلومتر، ثم يتم التصوير هناك وهذا العمل يستغرق نصف العام، وقد لا تسمح الوزارة بتصويرها وبعد جهدٍ جهيد تلطفوا وسمحوا له أن ينقل ما يوجد على البطاقة الخاصة بها من كلام ولم يسمحوا له برؤية النسخة لينقل لي ما طلبته من معلوماتٍ عنها. وفي المقابل طلبت صورة عن نسخة مدينة جوتا بألمانيا الشَّرقية فإذا بالصورة عندي خلال أسبوعين وبرفقها فاتورة دراهم معدودة لا أظنها تزيد عن أجرة البريد فهل من مدَّكر؟.

стр. 77

وأما بعض النسخ فقد اضطررت للسفر للحصول عليها؛ لأن أنظمة تلك البلاد لا تسمح بتصوير المخطوطات فيها بحجة أنها تراث لها، وينبغي المحافظة على التراث ومن شروط التصوير فيها أن يأتي طالب التصوير بصورة لمخطوطة نادرة غير موجودة عندها، أو أن يصورها باسم طالب يحمل جنسية تلك البلاد. وفعلًا سافرت لتركيا رغبة في الحصول على صورٍ لما يوجد فيها من مخطوطات هذا الكتاب، وهي خمس نسخ معظمها مكتوب في دمشق وتمكنت من تصوير ثلاثِ نسخ منها اصطحبتها معي، وهي التي مدار التحقيق عليها لجودة خطبها وتمامها، وإنني سأذكر في هذا البحث مكان وجود العشر نسخ التي بلغني علم وجودها وسترى أنها انتشرت في بلاد شتى فشملت: ألمانيا ولندن وإستانبول وفاس والقاهرة وبغداد ومدينة الرسول الأعظم على ساكنها أفضل الصلاة وأزكى السلام. وسأذكر معلوماتٍ وافية عن كل منها شاملة لتاريخ كتبها، ورقمها في المكتبة الموجودة فيها، وصفتها من حيث الجودة، وحسن الخط وامتداد التلف إليها وعدمه وقد استعملت في المقابلة من هذه النسخ خمسًا فقط، لأن أربعًا منها لم أتمكن من تصويرها والخامسة فيها نقص شديد، وقد رمزت للنسخ التي استعملت في المقابلة (أ، ب، جـ، د، هـ). والآن حان الوقت لنتكلم عن هذه النسخ. ١ - النسخة التي رمزنا لها "أ": وهي مصورة من مكتبة دماد إبراهيم الملحقة بالمكتبة السليمانية العامة في إستانبول في تركيا. ورقمها ٤٣٦، وعدد لوحاتها ثلاثٌ وثمانون ومائة لوحة. وهي مكتوبة بخط نسخ جيد جدًا، وحالتها كذلك، ويوجد في كل صفحة من صفحاتها سبعةَ عشرَ سطرًا. وفي كل سطرٍ حوالي اثنتي عشرةَ كلمة، وكثيرًا ما تكون كلماتها مشكولة وغالبا ما تكون الحروف غير منقوطة مما يصعب التفريق بين الياء والتاء في غالب الأحيان، وكان كاتبها يبرز الفقرات والأرقام والعناوين بخط متين، ويوجد بهامشها بعض التعليقات

стр. 78

اليسيرة وتبدأ صفحتها الأولى بقوله: "بسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم" رب تمم بفضلك نحمدك اللهمَّ والحمد من نعم أوليت ومنح أسديت، ونستعين بك والتوفيق للاستعانة بك من قدرٍ قدرت وقضاء قضيت ونسترشدك ونستهديك، فاهدنا إلى سبل الرشاد وسواء الصراط ولا تزغنا بعد إذ هديت، وأسر بأرواحنا إلى معارج قدسك ومدارج أنسك فيمن بروحه أسريت. وأجر على قلوبنا من سبحات جلالك ونفحات كمالك خير ما على قولب خلائقك أجريت ... إلى أن قال: أما بعد: (فلقد كانت الهمم فيما قبل لا تقصر عن الارتقاء إلى المراتب القاصية، ولا تفتر دون الوصول إلى المطالب العالية، والآن قد أفضى الحال بالأمم في تقصير الهمم إلى أن استكثروا اليسير واستكبروا النزر الحقير). وهذه النسخة كما يرى المطالع لها لم تبدأ بأي كلمة من الناسخ كغيرها من النسخ، حيث إن النسخ الأخرى قد بدأت بكلمات من ناسخيها وجميع صفحات هذه النسخة مرقمة. وقد ختمت هذه النسخة بقوله: (وإذ وفينا بالمقصود ختمنا الكتاب حامدين لله تعالى ومصلّين على نبيه ومحمَّد وآله أجمعين وسلّم تسليمًا كثيرًا). (كتابة الكتاب المسمى بتحصيل الأصول من كتاب المحصول بدمشق المحروسة في الرباط المسمى بالمنابع خارج المدينة في العشر الأوسط من شهر جمادى الأخرى سنة أربع وثمانين وستمائة. والحمد لله). وعلى الصفحة الأخيرة أختام ثلاثة: أحدها: يدل على أن واقفها هو إبراهيم باشا الصدر الأعظم والوزير للسلطان المغازي أحمد خان. والثاني: مكتوب عليه وقف دماد زادا وتكرر في الصفحات ٢٥، ١٦٢. والثالث: كتابته غير ظاهرة.

стр. 79

٢ - النسخة المرموز لها: "ب". وهي مصورة من مكتبة الجامع الجديد (Yeni Gami) الملحقة بالمكتبة السليمانية بإستانبول بتركيا. ومحفوظة برقم ٣٠٩. وعدد لوحاتها إحدى وسبعون ومائة لوحة وخطها أدق من خط نسخة "أ" وهي متقنة الكتابة، وبعض كلماتها مشكولة والحروف غير المنقوطة فيها أقل من نسخة "أ"، ويوجد في كل صفحةٍ من صفحاتها سبعةَ عشرَ سطرًا، وفي كل سطر أربعَ عشرَة كلمة تقريبًا، ويوجد بهامشها بعض التعاليق. وفي أثناء تجليد هذه النسخة وقع تقديم وتأخير في ترتيب أوراقها، وهو يبدأ من اللوحة الثَّانية عشرة منها وينتهي باللوحة العشرين. وقد اكتشفته أثناء المقابلة مع النسخ الأخرى، وهذه وإن كانت من أقدم النسخ المكتوبة وجدت فيها كثيرًا من السطور الساقطة. واللوحة الأولى من لوحات هذه النسخة مكتوبٌ عليها ما يلي: (كتاب التحصيل في أصول الفقه تصنيف الشيخ الإِمام الفاضل الزَّاهد ملك الفضلاء والحكماء، أفضل المتأخرين سراج الملة والدين عماد الإِسلام والمسلمين، أبو الثناء محمود بن أبي بكر بن أحمد الأرموي، متَّع الله المسلمين بطول بقائه). ومعلق (١) عليها: صاحب المطالع في المنطق، وهو أستاذ القاضي البيضاوي وتلميذ فخر الدين الرَّازيّ ومكتوب عليها أَيضًا، ملك العبد الضعيف الراجي رحمة الله تعالى محمود بن عبد القادر بن محمود بن عمر بن أبي بكر النشوي التَّمِيمِيّ، ويوجد عليها ختمان: الأول: ختم المكتبة وفيه رقم الكتاب الخاص وهو ٣٠٩ ورقمه العام وهو ٤/ ٢٩٧. الثاني: ختم وقف السلطان أحمد خان بن غازي.

стр. 80

ويوجد في بداية هذه النسخة مقدمة من كلام الناسخ، وهو قوله: (بسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم. وبه أستعين. قال سيدنا ومولانا الإِمام العلّامة سراج الدين الأرموي، متَّع الله المسلمين بطول مدته، وصرف المكاره عن سدته، نحمدك اللهمَّ والحمد من نعم أوليت، ومنح ابتديت). وهذه النسخة مختومة بقوله: (وإذ وفَّينا بالمقصود ختمنا الكتاب حامدين لله تعالى ومصلِّين على نبيه وآله أجمعين وسلّم تسليمًا كثيرًا تم الكتاب). وقع الفراغ في وقت الظهر يوم السبت التاسع من صفر سنة تسع وستين وستمائة على يد يوسف المعروف بابن مهذب الفقه، ومختومة بالختمين المتقدمين في الصفحة الأولى. وهذه النسخة بينها وبين النسخة المرموز لها "د" صلة رحم وثيقة فهي لا تكاد تفارقها، إذ التطابق عليهما ظاهر ويعرف التطابق والصلة بالتوافق في السقط والخطأ، وليس في التوافق في الصواب ولهذا ما سقط من إحداهما غالبًا يكون ساقطًا من الأخرى، ولا نعرف أيهما نسخت أولًا، حيث إن نسخة "د" لم نعرف تاريخ نسخها, ولكن يغلب على الظن أن نسخة "ب" متقدمة نسخًا على نسخة "د" والله أعلم. وامتازت نسخة "ب" و"د" بميزة خاصة، وهي أن ناسخ الأولى منهما كان يتابع المحصول أثناء النسخ، ولذا نجده أحيانًا يستبدل لفظ التحصيل بلفظ المحصول، بل وفي بعض الأحيان يضع أحد اللفظين في المتن واللفظ الآخر في الهامش. ٣ - النسخة المرموز لها "جـ": وهي مصورة من المكتبة المحمودية الملحقة بالحرم النبوي الشريف على ساكنة أفضل الصلاة وأزكى السلام ومحفوظة برقم (١٤) أصول فقه. وعدد لوحاتها ١٣٢ لوحة مقاسها ٢٠ × ١٣ سم، وفي كل صفحةٍ ٢٣ سطرًا،

стр. 81

في كل سطرٍ حوالي أربعَ عشرةَ كلمة. ويوجد ميكروفلم منها في معهد المخطوطات التابع لجامعة الدول العربية بالقاهرة. خطها أشبه بالفارسي في قراءته صعوبة، ومعظم حروفها ليست منقوطة وخطها أدق من نسخة "أ، ب" وفي كتابتها رموز واصطلاحات تعرف بعد التمرن على قراءة النسخة ومقابلتها بغيرها ومن ذلك: أنَّه يكتب "لا" بخطين قائمين ويصور النُّون في آخر الكلمة كالزاي. وحينئذٍ كان يشير لها بالحاء، ولكنها وإن كانت من أضعف النسخ الموجودة خطًا فهي من أعظمها فائدةً لحواشيها، وتحقق ناسخها من المعنى حيث إن ناسخها كان يدرج بعض الألفاظ من عنده، وهي ألفاظ تفسيرية كوضع مرجع الضمير بدل الضمير، وله قيودات كثيرة جدًا ونافعة في تحليل المعنى، وبيان المراد في الهامش وكان أحيانًا يستبدل "أ" بالأول والزاي بالسابع دلالة على أنَّه متحقق مما ينقل. وناسخها مطَّلع على نسخة "أ، ب" بل نسخ نسخته منهما، إذ حيث ما سقط من إحداهما كثيرًا ما يثبته في الهامش، مما يدل على أنَّه بعد ما نسخه قابله بالنسخة الأخرى، ويظهر ذلك واضحًا في اللوحة "٧٣"، وفي بعض الأحيان يظهر أنَّه لم يتمكن من الترجيح بين لفظي النسختين فكان يدون إحدى اللفظتين في الأصل، ثم يشير إلى اللفظ الآخر في الهامش. وأولها: (بسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم، وبه نستعين. قال مولانا وشيخنا العلامة فريد الدهر وحيد العصر مظهر الحق ومثبت الحقائق ملك العلماء والأفاضل، أفضل المتقدمين والمتأخرين، سراج الملة والدين، حجة الإِسلام والمسلمين، أبو الثناء محمود بن أبي بكر الأرموي قدَّس الله سره. نحمدك والحمد من نعم أوليت ومن منح ابتديت ونستعين بك والتوفيق للاستعانة بك من قدر قدرت ومن قضاء قضيت). ويوجد على اللوحة الحادية عشرة أشعار بتاريخ وقف هذه النسخة، وهو غرة رجب سنة ١٣٢٠ هـ.

стр. 82

وختمت اللوحة الأخيرة بقوله: (وإذ وفينا بالمقصود، ختمنا الكتاب حامدين لله تعالى ومصلين على نبيه محمَّد وآله أجمعين ومسلمين تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين). وقع الفراغ من تحريره ليلة الأحد السادس من شهر الله الأصم الرجب عمت مغفرته على سائر المسلمين، وختمه الله بالخير والسرور في المدرسة ... غفر الله ... (١) فضلًا منه عن الآفات في سنة أربع وثمانين وستمائة. والحمد لوليه والصلاة على نبيه. وهذه النسخة مطابقة للنسخة التي كانت بين يدي بدر الدين محمد بن أسعد التستري صاحب حل عقد التحصيل, لأنها انفردت بذكر اعتراضٍ للقاضي الأرموي لم يوجد في سائر النسخ وقد ذكره بدر الدين التستري، وذلك في لوحة رقم ١٤ من حل عقد التحصيل. ٤ - النسخة المرموز لها "د": وهي ميكروفلم جاءني بالمراسلة من مكتبة البودليانا الملحقة بجامعة أكسفورد والنسخة محفوظة برقم ١/ ٢٦٧. خطها دقيق لكنه جميل في ١٢٤ لوحة، في كل صفحةٍ واحدٌ وعشرون سطرًا، في كل سطرٍ ثلاثَ عشرةَ كلمة تقريبًا. وهي مبدوءة: ببسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم وبه أستعين. قال مولانا وشيخنا الِإمام العلّامة فريد الدهر وحيد العصر مظهر الدقائق كاشف الحقائق ملك العلماء المتكلمين سراج الحق والدين قاضي قضاة المسلمين، أبو الثناء محمود بن أبي بكر الأرموي، أدام الله ظلال معاليه. (بسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم، نحمدك اللهم والحمد من نعم أوليت ومن منح ابتديت، ونستعين بك والتوفيق للاستعانة بك من قدر قدرت وقضاء قضيت ونسترشدك ونستهديك فاهدنا سبل الرشاد وسواء الصراط).

стр. 83

ويوجد في هذه النسخة نقص في آخرها يقارب الصفحة، والنقص ليس ناتجًا عن فقدان ورقة من آخرها بعد نسخها, لأن لفظ الختام موجود فيها. فقد يكون النقص من النسخة المنقولة منها أو سهوًا من الناسخ نفسه، حيث لم يقلب الصفحة لأن الناسخ ختم النسخة بقوله: (ولا يعارض بقول النافي تم الكتاب، وحسبنا الله ونعم الوكيل والحمد لله وحده) ولم يذكر تاريخ نسخها ولا اسم ناسخها. وبعد الاطلاع على نسخة دار الكتب المصرية، وجدت أن فيها نقصًا بقدر النقص الذي في هذه النسخة، إلَّا أن كاتبها لم يذكر لفظ الختام في آخرها بل وضع نقطًا مما يدل على أنَّه كان شاعرًا بنقصها، وبذلك تكون هذه النسخة منسوخة من نسخة دار الكتب والله أعلم. وقد تقدمت إشارتنا لعلاقة هذه النسخة مع نسخة "ب". ٥ - النسخة المرموز لها "هـ": وهي مصورة من مكتبة دماد زادا الملحقة بمكتبة مراد ملا في إستانبول بقرب جامع محمَّد الفاتح، ورقمها القديم ٦٢٩ ورقمها الجديد ٤٣٦. عدد لوحاتها ١٨١ لوحة، في كل صفحةٍ سبعةَ عشرَ سطرًا، في كِل سطرٍ حوالي عشر كلمات. وهي منقوطة ومشكولة وخطها واضح جدًا. وموجود في حوالي عشرين موضعًا منها إثبات مقابلتها على أصل المصنف في اللوحات (٢٨، ٣١، ٤٠، ٤٢، ٤٧، ٥٠. ٦٠، ٧٠، ٨٠، ٩٠، ٩٢، ٩٧، ١٠٠، ١١٠، ١٢٠، ١٢٢، ١٣٠، ١٤٠، ١٥٠، ١٦٠، ١٧٠). ومثبت على صفحتها الأولى أن واقفها الشيخ جاويش زاده أفندي سنة ١٠٧٣ هـ، وفي مكان آخر مكتوب أن واقفها نعمة الله خاتون بنت الشيخ جاويش زادة. ومختومة بختم وقف الشيخ أحمد الشهير بجاوش زادة، ويوجد ختم آخر يدل على أن واقفها الشيخ أحمد الشهير بدماد زادا سنة ١١١٧ هـ في أماكن متفرقة من المخطوطة. بدأت النسخة بقوله: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وما توفيقي إلا بالله

стр. 84

عليه توكلت، قال شيخنا وسيدنا وإمامنا وعلّامة دهرنا الشيخ الِإمام العالم العامل الكامل سيد العلماء وأوحدهم بقية السلف سراج الدين أبو الثناء محمود بن أبي بكر الأرموي متَّعنا الله بطول حياته آمين، نحمدك اللهَ والحمد من نعم أوليت ومنح ابتديت، ونستعين بك والتوفيق للاستعانة بك من قدر قدرت وقضاء قضيت، ونسترشدك ونستهديك فاهدنا إلى سبيل الرشاد وسواء الصراط، ولا تزغنا بعد إذ هديت). ويوجد على الصفحات الأولى حواشي كثيرة جدًا ومفيدة تنتهي باللوحة الرابعة والعشرين، وبعدها تكاد تكون الحواشي معدومة إلَّا من تصحيح المقابلة. وفي الصفحة الأخيرة يقول: (وإذ وفينا بالمقصود ختمنا الكتاب حامدين لله تعالى ومصلين على نبيه محمَّد وآله وأصحابه أجمعين إلى يوم الدين). (ووافق الفراغ من نسخه يوم السبت ثامن رجب المبارك سنة خمس وخمسين وستمائة بمدينة دمشق المحروسة، غفر الله لكاتبه ولقارئه ولمن نظر فيه ولجميع المسلمين برحمتك يَا أرحم الراحمين، بلَغ مقابلة بأصل المصنف فصح والله أعلم بالصواب). ولم يذكر اسم كاتبها وهذه النسخة تعتبر أقدم النسخ التي حصلت عليها، إذ نسخت قبل موت المصنف بحوالي سبعة وعشرين عامًا. وهي أَيضًا أصح النسخ نظرًا لمقابلتها بأصل المصنف ويغلب على الظن أن كاتبها من تلاميذ المؤلف والله أعلم. وهذه النسخ الخمسة المتقدمة تمت مقابلتها، وهي التي حصلت على صور منها وأما النسخ الآتية فلم أحصل على نسخ منها سوى مخطوطة جوتا بألمانيا. ولم أقابلها للنقص الشديد في أولها وآخرها، وقد استطعت الحصول على معلومات عن النسخ الأخرى سأذكرها للفائدة. ٦ - نسخة أخرى موجودة في مكتبة ولي الدين جار الله أفندي الملحقة بالسليمانية، محفوظة برقم ٤٤٤ في صفحة ٢٧ من فهرس المكتبة

стр. 85

المذكورة. وعدد أوراق النسخة ٢٢١ ورقة، ومقاسها ٢٠ × ٩ سم في كل صفحةٍ عشرون سطرًا، وفي كل سطرٍ سبع كلماتٍ تقريبًا فرغ من كتابتها في أوائل شهر ربيع الآخر سنة ٧٠٧ هـ. وموجود على الصفحة الأولى منها: هذا كتاب تحصيل الأصول من كتاب المحصول من أهم المهمات في هذا الفن، ويليه حاشية متعلقة ببيان اعتراضات صاحب التحصيل على صاحب المحصول المبدوءة بقوله: (ولقائل أن يقول) وعلى ظهر الورقة الأولى: بسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم. رب تمم بحمدك اللهم، والحمد من نعم أوليت ومنح أسديت ونستعين بك والتوفيق للاستعانة بك من قدر قدرت وقضاء قضيت، ونسترشدك ونستهديك فاهدنا إلى سبيل الرشاد وسواء الصراط فلا تزغنا بعد إذ هديت. وفي الصفحة الأخيرة: (وإذ وفينا بالمقصود ختمنا الكتاب حامدين لله تعالى ومصلين على نبيه محمَّد وآله وأصحابه أجمعين إلى يوم الدين. وقع الفراغ منه في أوائل شهر ربيع الآخر سنة سبع وسبعمائة، اللهم اغفر لصاحبه ولجميع المُؤْمنين والمؤمنات برحمتك يَا أرحم الراحمين. وأما الاعتراضات الملحقة بالنسخة فقد كتبت بخط دقيق وعدد أوراقها سبع ورقات، في كل صفحةٍ خمسة وأربعون سطرًا في كل سطر أربعَ عشرةَ كلمة، ولكن الأرضة قد عبثت بهذه النسخة عبثًا بالغًا مما قلل من قيمتها. وبدأت هذه الاعتراضات بقوله: (بسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم وبه نستعين. رب كما أنعمت علي بالتوفيق اهدني إلى معرفة الحق بالتحقيق، وزدني علماً واجعل لي في العالمين ذكرًا جميلًا. عليك توكلت لا آله إلَّا أَنْتَ اتخذتك وكيلًا، وصل على نبيك المصطفى محمَّد وعلى آله بكرةً وأصيلًا وبعد: فهذا بيان للإِيرادات التي أوردها صاحب التحصيل على الإِمام، وإيضاح لتلك الاعتراضات حررته على سبيل الإدخال والله ولي التوفيق. ولقائل أن يقول: (بالحبر الأحمر) إنما يتم الإِشكالان بإثبات الحصر في الأقسام المذكورة إلى آخره. الإِشكالان أحدهما ما أورده على قوله: ليس

стр. 86

له أن يفعله، والآخر ما أورده على قوله: يستحق فاعله الذم، إنما يتمان إذ لو أثبت أن استعمال الأول في الموارد الأربعة منحصر، واستعمال الثاني أَيضًا منحصر في الموضعين، ثم أقام الدليل على امتناع إرادة كل واحدٍ من حيث هو هو، ومن حيث أن المعنى المشترك يتناوله، ولم تقم الدلالة على الحصر وهو ظاهر إذ ثم قسم آخر وهو المراد. وهو أنَّه ليس له أن يفعله لأن الفعل يمنعه. وأيضًا أنَّه لم تقم الدلالة على امتناع الِإرادة, لأن امتناع الاشتراك بين الأول والرابِع يوجب امتناع الاشتراك بين كل واحدٍ منهما وبين الباقين، وفي الثاني أَيضًا معنى آخر وهو المراد وهو الإِيجاب فإنَّه يقال: المؤثر يستحق الأثر أي يوجبه والتخلف في الكذب النافع للمانع فلا يقدح. وختم التعليقات بقوله: ولقائلٍ أن يقول: الِإثبات أعم منه بصيغة العموم الضمير في "منه" يرجع إلى الإِثبات وقيده بصفة العموم حتَّى يصح تفصيله عليه. ٧ - نسخة أخرى موجودة في خزانة القرويين بمدينة فاس بالمغرب ورقمها ١٣١١/ ٨٠، ولم أتمكن من الحصول على صورة منها رغم تكرار المحاولة، وكل ما استطعت عليه هو السماح بنقل المعلومات المدونة على البطاقة الخاصة بها في المكتبة، وما وجد في البطاقة أنقله حرفيًا: (الأصول شرح المحصول في أصول الفقه للرازي كتب عليه أنَّه شرح للأرموي، ولم نعرف من هو الأرموي هذا إذ عندنا أرمويان وكل منهما اختصر المحصول، ثم بعد هذا تبين أنَّه شرح محمود بن أبي بكر سراج الدين الأرموي ذكروا له من كتبه التحصيل من المحصول. وتوفي سنة ٦٨٢ هـ جزء متوسط بخط مشرقي واضح كتب فيه المتن بالأحمر. السفر الأول منه فقط مبتور الطرفين أول الموجود منه الكلام على الحسن والقبح العقليين، وآخره موضوع استعمال المشترك المفرد، انتهى ما على البطاقة). وكما يظهر لا نعلم متى كتبت ومن كاتبها, ولا عدد أوراقها ولا حال الأجزاء الأخرى.

стр. 87

٨ - نسخة أخرى: موجودة في دار الكتب المصرية، ومحفوظة برقم ٧٧١ عدد أوراقها ١٧٩ ورقة، وصفحاتها صغيرة في كل صفحةٍ تسعةَ عشرَ سطرًا في كل سطرٍ حوالي ثمان كلمات. والعناوين وأوائل المسائل مكتوب بالحبر الأحمر. أصابتها الرطوبة ولا يوجد نقص في أولها - وآخرها به نقص يقارب الصفحة. موافقة في نقصها إلى مخطوطة البودليانا بجامعة أكسفورد. أولها: (نحمدك اللهم والحمد من نعم أوليت ومنح أسديت، ونستعين بك والتوفيق للاستعانة بك من قدرٍ وقضاءٍ قضيت، نسترشدك ونستهديك فاهدنا إلى سبيل الرشاد وسواء الصراط). وأما آخر سطرين من المخطوطة فهما: (أما الحكم الوجودي فيمكن إثباته بوجوه: أ- قال به مجتهد فلاني فيكون حقًا لقوله ﵇: "ظن المؤمن لا يخطئ". ترك العمل به في العامي، إذ لا يستند فيه إلى وجهٍ صحيح ولا يعارض بقول النافي لأن ... ولم يذكر فيهما تاريخ النسخ ولا اسم الناسخ). ٩ - نسخة أخرى في مكتبة "لا له لي" الملحقة بالمكتبة السليمانية بإستانبول بتركيا. وردت في صفحة ٥٣ من فهرس المكتبة برقم ٧٠٥، ولم أتمكن من مشاهدتها. ١٠ - نسخة أخرى موجودة في مكتبة جوتا برقم ٩٣٤ في ألمانيا مقطوع من أولها حوالي تسع ورقات، فتبدأ من قوله: هـ: الاصطلاح يمنع الأمان عن الشرع لجواز تبدل اللغات وآخرها به نقص كثير جدًا. ١١ - نسخة بالمكتبة القادريَّة الملحقة بجامع الشيخ عبد القادر الكيلاني ببغداد، منسوخة بخطٍ معتاد في القرن الثاني عشر، عليها تمليك لعبد الرَّحْمَن القادري من السيد فيض الله سنة ١١٧٩ هـ. عدد أوراقها ١٨٩ ورقة في كل صفحةٍ سبعة عشر سطرًا، مقاس ١٧.٥ × ١٣.٥ سم.

стр. 88

أولها: (نحمدك اللهمَّ، والحمد من نعمٍ أوليت، ومن منحٍ أسديت، ونستعين بك ...) وآخرها: (وإن نقص من حركة الفاء وزيد فيها حرف المضارعة فهذه الأقسام التي كسبها وأمثلتها. والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلَّم على سيدنا محمدٍ وآله وصحبه أجمعين). عَلَاقة كِتَاب التَّحْصِيل بِمَا تقدّم عَلَيْه منْ كتُب الأصُول يحسن بنا قبل أن نبين علاقة كتاب التحصيل من المحصول، للقاضي سراج الدين أبي الثناء محمود بن أبي بكر الأرموي مع الكتب التي تقدمته، ولها علاقة وثيقة معه سواء أكانت مباشرة أم غير مباشرة، كاستمداد معلوماته منها أو مشاركته لها في استمداد المعلومات أن نذكر لمحة موجزة عن نشأة هذا العلم وتطوره حتَّى عصر سراج الدين الأرموي القرن السابع الهجري، وسنقسم الكلام في ذلك على أربعة أقسام: ١ - التشريع قبل تدوين علم أصول الفقه وهذه الفترة تبلغ حوالي القرنين من الزمان تعبدًا منذ أن بزغت شمسِ المعرفة بانبعاث نور الوحي السماوي، ليبدد الظلام الدامس الذي كان مخيمًا على جزيرة العرب بصورةٍ خاصة، وعلى سائر أرجاء المعمورة بصورة أعم، حيث أخذ النور يطارد الظلام، وفلول الظلم والكفر تهرول أمام جحافل الحق وجنود الله، وأخذ الوحي السماوي ينزل على قلب خير البشر منذ تلك اللحظة المباركة التي التقي فيها جبريل ﵇ بخاتم الأنبياء في مكان تعبده في غار حراء في قمة جبل النور، إلى أن أصبح الشَّافعيّ ﵁ مرجع العلوم وموسوعة الفقه في زمانه في أواخر القرن الثاني الهجري. كان الوحي في عهد رسول الله ﷺ ينزل منجمًا حسب الحوادث بلسان عربي مبين، وكان القرآن معجزة الرسول ﷺ الخالدة، حتَّى تحدى الله به أفصح من وجد على ظهر البسيطة على ثلاث مراحل (١): ففي المرة الأولى

стр. 89

أن يأتوا بمثله، وفي المرة الثَّانية أن يأتوا بعشر سورٍ، وفي المرة الثالثة أن يأتوا بسورةٍ من مثله، ولكن من أين لكلام البشر أن يضاهي كلام الله تعالى أو يدانيه. واعترف صناديد قريش في أنفسهم بأن القرآن معجزة، وإن ظلوا في ضلالهم يعمهون. وكان الرسول ﷺ هو المرجع في الأحكام، والقاضي في الخصومات، فينتظر الوحي فينزل الوحيِ بالقول الفصل، والصحابة رضوان الله عليهم إذا بلغهم ذلك ما عليهم، إلَّا أن يقولوا سمعنا وأطعنا، وكان الرسول ﷺ يقضي في بعض الأمور بدون انتظارٍ للوحي. فإذا حدث أن قضى في أمرٍ بخلافِ الأولى، نزل الوحي يسدده لأن الرسول ﷺ لا يُقَرُّ على الخطأ. وَذلك كما حدث في قصة أسارى بدرٍ، وكما حدث في إعراضه عن ابن أم مكتوم ﵁ قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى وَهُوَ يَخْشَى فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾ (٢). وقد ساعد على تطبيق الأحكام وفهم دقائقها أنها كانت تنزل منجمةً حسب الحوادث، وما على الصَّحَابَة رضوان الله عليهم إلَّا أن يُلحقوا بها كل ما ضارعها من الحوادث. وكانت الصَّحَابَة في عهد رسول الله- ﷺ لاتساع الدولة الإِسلامية يجتهدون فيما يعترض لهم من حوادث، لعدم تمكنهم من مراجعة رسول الله ﷺ لبعده عنهم، وقد سنّ ذلك ﷺ وعلمهم إياه بفعله وورد في ذلك من

стр. 90

السنة الشيء الكثير، ومن ذلك قوله ﷺ لعمر بن الخطاب لما سأله عن قبلة الصائم: "أرأيتَ لو تمضمضت بماء ثم مججته أكنت شاربه" (١). وكذلك قوله للخثعميَّة لما سألته عن قضاء الحج عن الميت "أرأيتِ إن كان على أبيك دينٌ فقضيته أكان يجزئ. فقالت: نعم. قال: فدين الله أحق بالقضاء" (٢). ولم يكتف الرسول- ﷺ بأنه اجتهد ليعلمهم ذلك، بل أمرهم بذلك ودرّبهم عليه ومن ذلك حديث معاذ المشهور (٣) عندما أرسله قاضيًا لليمن. وزاد على ذلك أنَّه حثّهم عليه، ورغّبهم فيه لعلمه صلوات الله وسلامه عليه أنَّه سيجدُّ للنَّاس أقضية بعد أن يلحق بربه تحتاج إلى أحكام. ولا وحي بعد وفاته، فلا بد أن يطمئن قبل أن يلحق بالرفيق الأعلى على أن ما خلفه من تراثٍ كافٍ لسد كل ما تحتاجه أمته من أحكام، ولهذا أطلقها صراحةً واطمأن على ذلك حيث قال: "تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلَّا هالك". وقال: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وعترتي" (٤). وقد روى عمرو بن العاص ﵁ أنَّه سمع رسول الله ﷺ يقول: "إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر" (٥). وهذا حث على الاجتهاد ليس بعده حث، حيث رتّب على الاجتهاد الخطأ أجر فإذن كانت مصادر التشريع في عهد رسول الله- ﷺ .

стр. 91

الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه والسنّة المطهرة بأنواعها الثلاثة القولية والفعلية والتقريرية، والاجتهاد في استنباط الأحكام منهما الذي حثّ عليه ودرّب قضاته في حياته ﵊. وبعد وفاته ﷺ اجتهدت الصَّحَابَة فيما اعترضها من حوادث ومن طبيعة الاجتهاد أن تختلف الآراء فقد تجد في المسألة الواحدة أقوالًا متعددة لهم مما يدل على أن الحكم فيها كان عن اجتهادٍ لا عن نص، ولو كان عن نص ما اختلفوا أبدًا لأنهم كانوا يعظمون النصوص فلا يخالفونها أبدًا، وكان إذا نزلت بهم نازلة سألوا عن من سمع فيها شيئًا عن رسول الله ﷺ ، ومن ذلك لما عرض لعمر ﵁ أمر المجوس، وهل يأخذ منهم الجزية، توقف في ذلك حتَّى سأل أصحاب رسول الله ﷺ ، فشهد عبد الرَّحْمَن بن عوف ﵁ على أن رسول الله ﷺ قال: "سُنوا بهم سنة أهل الكتاب" (١). فأخذ منهم الجزية. وكذلك لما جاءت الجدة تطلب الميراث من أبي بكرٍ ﵁ سأل صحابة رسول الله ﷺ هل سُمع منه في ذلك شيء. "فأخبر المغيرة بن شعبة أن الرسول ﷺ أعطاها السدس" (٢). وشهد له محمَّد بن مسلمة بذلك. وغير ذلك من الحوادث كثير جدًا. وهذا يدل على أن الصَّحَابَة رضوان الله عليهم لا يلجأون للاجتهاد إلَّا بعد أن يستنفذوا الوسع في عدم وجود النص، سواء أكان من القرآن أم من السنّة المطهرة بأقسامها الثلاثة، ولم يتجرأ أحد منهم أن يترك النص الصريح للعقل أبدًا. وقد اجتهد الصَّحَابَة في أحكام كثيرة ونقلت لنا الكتب بين صفحاتها الكثير من آرائهم، وقد ساعدهم في ذلك ما خلفه لهم رسول الله ﷺ من تراثٍ عظيم فيه خبر ما قبلهم وما بعدهم، وقد كانوا على دراية تامة بألفاظ القرآن ومرامي التشريع، وبأسباب النزول لأنهم عاصروا التنزيل، ورافقوا تطبيق الأحكام، وكانوا على علم بالسنة المطهرة يحفظونها عن ظهر قلب غضة طرية يتذكرون المجالس التي قيلت فيها والحوادث التي نزلت من

стр. 92

أجلها، ويذكرون مع ذلك الرسول ﷺ فيشعرون بالهيبة، ويدفعهم ذلك لإجلالها واحترامها والمسارعة للعمل بموجبها، وكانت الألسن لم تفسد بعد ولم يستشر داء المعجمة إلى الأفهام والألسنة فكانوا على علم بالمطلق والمقيد والعام والخاص والمجمل والمبين والمنطوق والمفهوم ومدلولات الألفاظ على المعاني، والناسخ والمنسوخ، حتَّى كان عبد الله بن مسعود ﵁ يقول في عدة الحامل المتوفى عنها زوجها أنَّه وضع الحمل، وكان يقول: آية النساء الصغرى نزلت بعد آية عدة الوفاة ومن شاء باهلته (١). وكان كبار الصَّحَابَة رضوان الله عليهم يرسمون لمن دونهم منهج الاجتهاد، ويحثونهم عليه ويدربونهم عليه بنوعٍ من الحذر, لأن الخطأ في الأحكام أمر خطير وتعتبر رسائل عمر بن الخطاب ﵁ في ذلك إلى قضاته أساسًا رصينًا بنى عليه من جاء بعده، ومن أعظم هذه الرسائل رسالته إلى أبي موسى الأَشْعريّ ﵁ والتي جاء فيها: (الفهم الفهم فيما أدلي إليك مما ليس في كتاب ولا سنة، ثم قس الأمور عند ذلك واعرف الأمثال). وقد ذكرتها بطولها في أول كتاب القياس من القسم التحقيقي، لما لهذه الرسالة من أهمية عظمى في التشريع الِإسلامي على وجه العموم والقضاء على وجه الخصوص. وكتبَ عمر ﵁ أَيضًا إلى قاضيه شريح يقول: (إذا حضرك أمر لا بد منه، فانظر ما في كتاب الله فاقض به، فإن لم يكن فَبما قضى به الرسول ﷺ ، فإن لم يكن فَبما قضى به الصالحون وأئمة العدل، فَإِنْ لم يكن فأنت بالخيار، فإن شئتَ أن تجتهد رأيك فاجتهد رأيك، وإن شئت أن تؤامرني فآمرني ولا أرى مؤامرتك إياي إلَّا خيرًا لك والسلام) (٢). ونقل البغدادي عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنَّه قال: (يَا أيها

стр. 93

النَّاس أنَّه قد أتى علينا زمان لسنا نقضي ولسنا هناك، وأنه قد قدر أن بلغنا من الأمر ما ترون فمن ابتلي منكم بقضاءٍ فليقض بما في كتاب الله، فإن لم يكن في كتاب الله فليقض بما قضى به النَّبِيّ ﷺ ، فإن لم يكن في كتاب الله ولا في قضاء رسول الله ﷺ ، فإن الحلال بين والحرام بيَن، وشبهات بين ذلك، فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك) (١). ونقل عن جمهور من الصَّحَابَة رضوان الله عليهم أنَّهم استعملوا القياس. فنقل عن ابن عباس ﵁ أنَّه قال: (ألا يتقي الله زيد بن ثابت يجعل ابن الابن إبنًا، ولا يجعل أبي الأب أبًا). ونقل عن علي وزيدٍ ﵄ أنهما شبها الأخ والجد بغصنيْ شجرة وجدوليْ نهر، وشركا بينهما في الميراث. وقد ذكر النظام (٢) أن الذين استعملوا القياس من الصَّحَابَة عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وأبي بن كعب وزيد بن ثابت ومعاذ بن جبل وأبو الدَّرداء وأبو موسى الأَشْعريّ وعائشة وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر. وبهذا يظهر أنَّه قد أصبح الاجتهاد مصدرًا بارزًا ظاهرًا في التشريع الإِسلامي أكثر من عهد رسول الله ﷺ ، حيث كانت الحاجة للاجتهاد في حياة الرسول ﷺ قليلة لوجوده بينهم، فيقضي هو فيها أو ينتظر الوحي من رب العباد. ومن البديهي أن تظهر أقوال مختلفة في المسألة الواحدة، إما لاختلاف وجهات النظر في دلائل النصوص إذا لم تكن جلية أو لمشابهة المسألة أكثر من أصل، ومن ذلك ما أورده صاحب التحصيل تبعًا لما تقدمه من كتب الأصول مسألة الحرام (٣) اختلف فيها الصَّحَابَة على خمسة أقوال (٤): أولها: أن التحريم في حكم الطلاق الثلاث، وهو منقول عن علي

стр. 94

وزيد بن ثابت وابن عمر ﵃، وعمدتهم في ذلك أنَّه كناية عن الطلاق وأدرجوه تحت آية الطلاق ونزَّلوه على أعظم أحواله. ثانيها: أنَّه في حكم الطلقة الواحدة، وهو منقول عن عبد الله بن مسعود وغيره. وبعضهم قال: إنها طلقة واحدة بائنة، وبعضهم قال: إنها رجعية، وعمدتهم في ذلك أنَّه كناية عن الطلاق وأدرجوه تحت آية الطلاق، ولكن نزلوه على أقل أحواله. ثالثها: أنَّه يمين تلزم فيه الكفارة وهو منقول عن أبي بكر وعمر وعائشة ﵃، وذلك لأنهم تمسكوا بقوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ (١). نزلت لما حرَّم النَّبِيّ على نفسه مارية القبطية (٢) فالله جعل حكمه حكم اليمين. رابعها: أنَّه في حكم الظهار، وهو المنقول عن ابن عباس ﵄، وذلك لأنه اعتبره كناية عن الظهار وأدرجه تحت قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ (٣) الآية. خامسها: أنَّه ليس بشيء، وهو منقول عن علي ﵁ وعن مسروق (٤)، وذلك لأنه من لغو الكلام الذي لا يترتب عليه حكم, لأن المحلل والمحرم هو الله جل شأنه، ولا عبرة بتحريم العبد وتحليله، وشبهوه بمن يحرم على نفسه نوعًا من الطعام. فكل قول من هذه الأقوال كما يظهر للناظر فيها لم يكن قولًا بالتشهي، ولا نابعًا من هوى النفس، بل كل قولٍ له مستند لو لم يكن غيره لأيقن الناظر فيه أنَّه صحيح فمنشأ الاختلاف بين أقوالهم له ما يبرره، وهو أمر لا مفر منه. وسبحان الله الذي تنزهت أقواله عن التعارض، وعصمت عن الاختلاف. قال

стр. 95

تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ (١). ومن ذلك أَيضًا المسألة المشتركة أو المشركة في الفرائض المشهورة، ومن ذلك أيضًا اختلافهم في توريث الجد مع الأخوة (٢)، وغير ذلك لا حصر له. وعلى العموم فقد ذكر محمَّد بن أبي بكر المعروف بابن القيم الجوزية (٣) في كتابه إعلام الموقعين (٤) نيفًا وثلاثين صحابيًا أُثر عنهم القياس، والذين اشتهروا منهم بذلك تقدم ذكرهم قبل صفحتين. والناظر في فقههم يدرك أن لهم طرقًا في الاستنباط واضحةً، وإن لم يدونوها ويذكروا لها أسماءًا اصطلاحية. فكانت هذه الأسس التي اعتمدوا عليها عبارة عن سليقةٍ سليمة وقريحةٍ وقَّادة وفطنةٍ خارقة ودراية بأهداف التشريع ومرامي الأحكام، ويلمس الناظر في فقههم أنَّهم كانوا يأخذون بعين الاعتبار تحصيل المصالح ودفع المفاسد وسد الذرائع، وغير ذلك من الأسس التي بني عليها الفقه الإِسلامي الشامخ البناء المتين الأساس. ومع هذا فقد كانوا رضوان الله عليهم يهابون من القول بآرائهم، خوفًا من أن تزل الأقدام بعد الثبوت, لأن الأمر خطير والخطب جسيم، وكانوا

стр. 96

يحلون القول بالقياس وينزلونه منزلة الميتة للمضطر فلا يقدمون عليه إلَّا بعد نفاذ السبل في الحصول على حكم صريح من كتاب الله أو سنّة نبيه ﷺ . فروى عبد الرَّحْمَن بن مهدي عن حماد بن زيد عن سعيد بن المسيّب عن محمَّد بن سيرين قال: (لم يكن أهيب لما لا يعلم بعد رسول الله ﷺ من أبي بكر وعمر. وأنها نزلت بأبي بكر فريضة فلم يجد لها في كتاب الله أصلًا ولا في سنة رسول الله ﷺ أثرًا. فقال: أقول فيها برأي، فإن يكن صوابًا فمن الله وإن يكن خطأً فمني وأستغفر الله) (١). وأخرج أبو عبيد في فضائل أبي بكر، وعبد بن حميد عن إبراهيم التَّمِيمِيّ قال: (سئل أبو بكر الصديق عن قوله تعالى: ﴿وأبا﴾ فقال: أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلتُ في كتاب الله ما لا أعلم) (٢). وقد ورد عن بعض من أثر عنهم القياس من الصَّحَابَة ذم القياس، وقد اعتنى بنقل هذه الآثار أبو علي محمَّد بن حزم (٣) صاحب ملخص إبطال القياس، ونقل طائفةً منها الِإمام الدَّارميّ (٤) في سننه (٥)، ونقلها أَيضًا ابن

стр. 97

عبد البر النمري (١) في كتابه جامع (٢) بيان العلم وفضله، فنقلوا عن علي بن أبي طالب ﵁ أنَّه قال: (لو كان الدين يؤخذ قياسًا لكان باطن الخف أولى بالمسح من أعلاه) (٣). ونقلوا عن ابن عمر ﵁ أنَّه قال: (من أراد أن يقتحم جراثيم جهنم فليقل في الجد برأيه) (٤). ونقلوا عن ابن عباس ﵁ أنَّه قال: (يذهب قراؤكم وصلحاؤكم ويتخذ النَّاس رؤساء جهالًا يقيسون الأمور برأيهم) (٥). ونقلوا عن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵁ أنَّه قال: (السنة ما سنه رسول الله، لا تجعلوا الرأي سنّة المسلمين) (٦). وقد وردت آثارٌ أخرى كثيرة جدًا أَيضًا عن تلاميذهم من كبار التابعين، والتناقض بين فعل الصَّحَابَة رضوان الله عليهم وهذه الأقوال لا يليق بهم أبدًا، فلذا لا مناص من الجمع بين هذه الأقوال وما ورد عنهم من القول بالقياس أن هذه الأقوال محمولة على القياس المذموم، وهو الذي يكون قبل التفتيش والتدقيق عن وجود النص. والقياسِ مع وجود النص باطل عند كل من يعتد بقولهم من علماء الإِسلام وقد صرَح أئمة الفقه بذلك قال الإِمام مالك: (كلٌّ يؤخذ من قوله ويرد عليه إلَّا صاحب هذا القبر). وقال الشَّافعيّ: (إذا خالف رأي قول رسول الله ﷺ فاضربوا به عرض الحائط). وقد يكون ذمهم للقياس الفاقد لشرائط القياس أو ما يتعارض مع عمومات الشريعة

стр. 98

السمحة، ويحمل ما ورد عنهم من العمل بالقياس على القياس الصحيح المتوفر فيه شروط صحة القياس. وعلى العموم فإن التجرؤ على القول بالقياس بدون الإلمام بما ورد غير محمود، وينبغي الإقدام على ذلك بعد استفراغ الوسع في البحث عن النص، وأن يكون الإقدام مع الحذر الشديد حتَّى لا يُحرم ما أحل الله ولا يُحلل ما حرم الله عصمنا الله من ذلك. وينبغي أن لا نغفل عن نقطةٍ هامة جدًا يتميز بها اجتهاد صحابة رسول الله ﷺ ، وينبغي أن نجعلها دائمًا أمام عيوننا وفي قلوبنا لنتأسى بهم ونهتدي بهداهم، ألا وهي الرجوع للحق ولو كان مرًا، والتنازل عن آرائهم إذا ظهر الصواب مع غيرهم مهما كانت صفة الذي معه الحق فهذا خليفة خليفة رسول الله ﷺ أمير المؤمنين، وماذا عساه يستحق من الألقاب لو عاش في هذا الزمان، وماذا عساه يستحق من الألقاب لو عاش في هذا الزمان، وماذا عساه يستحق من الأوسمة والنياشين لو قُدِّر له العيش في هذه الأيام يعتلي المنبر يريد أن يحدد المهور رأفةً وشفقةً بشباب هذه الأمة، وحرصًا على المصلحة العامة واستئصالًا لآفةٍ اجتماعية قد يستشري ضررها لجسم الأمة الإِسلامية، فإذا بامرأة عجوز تنهض من مجلسها وتقول: اتق الله يا عمر، كيف تقول ذلك، والله جل شأنه يقول: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ (١). فينزل عن المنبر حامدًا الله شاكرًا له. ويعلنها صريحة مدوية على مسمع ومرأى من مئات الصَّحَابَة. (أصابت امرأة وأخطأ عمر). وتناقلها التاريخ عبر العصور وبين سطور الكتب لكي نعتبر بها ونتعظ بما نسمع. وهو الذي وقف قبلها على المنبر وخطب النَّاس وقال: (من رأى منكم فيَّ اعوجاجًا فليقوِّمه). فينهض رجل من ضعفاء الصَّحَابَة فيقول: (والله لو رأينا فيك اعوجاجًا لقومناه بسيوفنا). فيرد عليه بقوله: (الحمد لله الذي وجد في المسلمين من يقوِّم اعوجاج عمر بسيفه). وهو الذي سنّ لقضاته الرجوع إلى الحق حيث يقول

стр. 99

في رسالته لأبي موسى الأَشْعريّ ﵁: (لا يمنعنك قضاء قضيته بالأمس راجعت فيه نفسك وهديت فيه لرشدك أن تراجع الحق، فإن الحق قديم، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل) (١). وكانوا يرجعون للحق لا تأخذهم في ذلك لومة لائم، ويتنازلون عن آرائهم لآراء غيرهم، وقد صرحوا بذلك كثيرًا في موسوعات الفقه الإِسلامي، فاجتهادهم يختلف عن كثير ممن جاء بعدهم بعصور حيث كانوا يدورون في فلك غيرهم، أو يجهدون أنفسهم في الحصول على الأدلة المؤيدة لمذهبهم ويسوؤهم الإقلاع عن مذهب إمامهم مع وضوح الحق مع غيره وضوح الشمس في رابعة النهار، مع أن الله رزقهم من العلم ما أوصلهم إلى رتبة الاجتهاد فكفروا بالنعمة وأساؤوا استعمالها ولم ينطلقوا من قيودٍ ما أنزل الله بها من سلطان، فالعصمة لله وحده جل شأنه، ثم لرسوله ﷺ في ما أمره بتبليغه اتفاقًا، ولم تثبت العصمة لبشرٍ بعده ولم يدع من أنزلوهم منزلة المعصومين العصمة لأنفسهم، بل ثبت عنهم رضوان اللهَ عليهم نفي العصمة عن أنفسهم وأجازوا على أنفسهم الخطأ. ثم انقرض عهد الصَّحَابَة رضوان الله عليهم وظهر عصر التابعين، وكان من أعظم فقهاء التابعين الحسن البَصْرِيّ وإبراهيم بن يزيد النَّخَعيّ وسعيد بن المسيّب وعروة بن الزُّبير ومحمَّد بن سيرين وعطاء بن أبي رباح وغيرهم، وكبار التابعين سلكوا مسلك الصَّحَابَة رضوان الله عليهم في استنباط الأحكام من الكتاب والسنة، والأخذ بما أجمع عليه الصحابة، ثم الاستئناس بأقوالهم وما صدر عنهم من أحكام وكانوا يجلون آراء الصَّحَابَة ويلتزمون بها إذا عرفوها. فروي عن أبي حنيفة النُّعمان ﵁ أنَّه قال: (وما جاء عن الصحابة فعلى الرأس والعين وما جاء عن التابعين فهم رجال ونحن رجال). ونقل صاحب إعلام الموقعين عن الإِمام الشَّافعيّ ﵁ أنَّه قال عن الصَّحَابَة: (أدوا إلينا سنن رسول الله- ﷺ ، وشاهدوه والوحي ينزل عليه

стр. 100

فعلموا ما أراد رسول الله ﷺ عاماً وخاصاً وعزماً وإرشاداً، وعرفوا من سننه ما عرفناه وجهلناه، وهم فوقنا في كل علمٍ واجتهاد وورعٍ وتقوى وعقل، وآراؤهم لنا أحْمدُ وأولى بنا من آرائنا عند أنفسنا) (١). وعن الحسن بن عبد الله قال: قلت لِإبراهيم النخعي أكلَّ ما أسمعك تفتي به سمعته فقال: لا. فقلت: تفتي بما لم تسمع. فقال: (سمعت الذي سمعت وجاءني ما لم أسمع فقسته بالذي سمعت) (٢). وفي هذه الفترة أيضاً لم تظهر قواعد مدونة للاستنباط يرجع إليها، ومع هذا فالناظر في فقههم يقطع ويجزم أنهم كانوا يُصدرون أحكامَهم عن ضوابط وقواعد تكاد تكون فردية فمثلاً الإمام مالك ﵁ أدخل مصدراً جديداً في التشريع، وهو عمل أهل المدينة وإجماعهم. وكذلك قال بالمصالح المرسلة وكذلك وضع ضوابط لرواية الحديث، وكان أيضًا للإِمام أبي حنيفة ﵁ أصول يستنبط الأحكام بموجبها ولكن لم تجمع وتدون في فصول وأبواب. وخلال هذه الفترة بدأت تلوح في الأفق طريقتان (٣) متمايزتان لاستنباط الأحكام، فالأولى تنحو نحو التمسك بظواهر الألفاظ، والوقوف عند ظواهر النصوص وهؤلاء لهم سلف من الصحابة رضوان الله عليهم، وقصة قول الرسول ﷺ للصحابة رضوان الله عليهم بعد الرجوع للمدينة من غزوة الخندق: "لا يصلين أحد العصر إلَّا في بني قريظة". مشهورة مسطورة في كتب المغازي والسير وكتب الفقه والسنّة. فبعضهم لم يصل العصر إلَّا في بني قريظة عملاً بظاهر النص مع أن الصلاة أدركته في الطرَيق، والبعض الآخر صلى في الطريق لأنه فهم من قول النبي ﷺ حثهم على الإِسراع في السير، ولما عرضوا الأمر على الرسول ﷺ أقر كلا الفريقين فيما فهم وفيما عمل، ولكن

стр. 101

كان هذا الخلاف عند الصحابة لا يدعو للمشاحنة والقذف بالتُّهم، بل كان يعذر بعضهم بعضاً فيما ذهب إليه. والذين التزموا بهذه الطريقة هم أهل الحجاز تلاميذ عبد الله بن عمر، وعلى رأسهم سعيد بن المسيِّب، وذلك لأن السنة كانت بين أيديهم وفي صدورهم نقيةً صافيةً لم تمتد لها أيدي الوضاعين ولا ألسنتهم، وكانوا على معرفة بسقيمها وصحيحها. وفي الحقيقة أنهم لم يهملوا العقل، لأن العقل السليم لا يتعارض مع النقل الصحيح، ولكن يقفون عند النصوص ولا يلجأون للرأي إلا نادراً. وكان ما عندهم من الآثار كافٍ لما عندهم من الحوادث لقلة ما يحتاجونه من الأحكام لبعدهم عن مركز الخلافة. وأهل الحديث في الحجاز يختلفون قليلاً عن أهل الحديث في العراق، وهم الذين حدث التصادم بينهم وبين أهل الرأي. وأما الطريقة الثانية فهي طريقة أهل الرأي وكان هؤلاء في العراق وهم تلاميذ الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود الهذلي ﵁، وهؤلاء اهتموا بالبحث عن علل الأحكام اعتقاداً منهم أن أكثر الأحكام الشرعية معقولة المعنى، والمقصود من شرعيتها مصالح العباد. وذكر بعض المؤرخين للتشريع الإِسلامي أن سبب تمسكهم بالرأي أن بضاعتهم كانت في الحديث مزجاة، وهذا الكلام يحتاج إلى برهان ودليل، ولكن الذي يظهر لي أن سبب تمسكهم بالرأي أن المشرق كان مركزاً لوضاعي الحديث، نظراً لظهور الفرق الإسلامية الكثيرة بعد التحكيم، وعلى رأسهم الشيعة. ثم هؤلاء تفرقوا إلى شيع وأحزابٍ سخرت من يضع الحديث تأييداً لأرائهم وتقويةً لمذهبهم، زد على ذلك ظهور جماعة من السذج، أخذوا يضعون الأحاديث على زعمهم حسبةً لله ترغيباً للناس في الإِقبال على قراءة القرآن وغير ذلك من الأذكار، وقالوا: إن الرسول ﷺ قد قال: "من كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار". ولم يقل: "من كذب لي". ولما كثر الوضع في الحديث تعسر عليهم معرفة السقيم من الصحيح بسهولة، وهذا السبب نفسه هو الذي أدى إلى ظهور صيارفة للحديث في المشرق لم تشهد الدنيا من يضارعهم أو يدانيهم حتى في جميع أرجاء الدولة الإِسلامية على

стр. 102

وجه العموم والحجاز على وجه الخصوص، فمن الذي يقارب محمد بن إسماعيل البخاري ومسلم بن الحجاج وأبا داود والترمذي وإسحاق بن راهويه وأحمد بن حنبل وغيرهم من أئمة السنة، ولا يوجد في الحجاز من يقارب هؤلاء إلَّا مالك بن أنس ﵀. وكان من أشهر تلاميذ ابن مسعود علقمة وإبراهيم والنخعي - رحمهما الله -. وكان من دوافع انتشار الرأي وجود الخلافة في بغداد التي نتج عنها كثرة الحوادث التي في حاجة إلى أحكام متجددة باستمرار، وظهور طريقتين للاستنباط بينهما تغاير طفيف لا غبار عليه، لأن طبيعة الاجتهاد يؤدي لذلك وقد حدث بين الصحابة ما يماثل ذلك، كما مثلنا له باختلافهم في فهم لفظ الرسول ﷺ عند أمرهم بالصلاة في بني قريظة. ولكن الأمر لم يقف عند هذا الحد، بل احتدم النزاع بين الفريقين، فأسرف كل فريق في الطعن على الآخر. فعاب أهل الرأي على أهل الحديث الجمود عند ظواهر النصوص وعدم التدبر وإشغال الفكر في الاستنباط. وكان أهل الحديث (١) يعيبون على أهل الرأي بأنهم يأخذون في دينهم بالظن ويحكمون العقل في الدين، ولكن كما يبدو أن كفة أهل الرأي كانت راجحة وطعنهم على أهل الحديث كان شديداً لأن السلطان كان معهم، ولأنهم أقدر على الحجاج واللجاج. قال الإِمام الرازي: (أما أصحاب الحديث فكانوا حافظين لأخبار رسول الله ﷺ ، إلا أنهم كانوا عاجزين عن النظر والجدل وكلما أورد عليهم أحد من أصحاب الرسول سؤالًا أو إشكالًا أُسقط في أيديهم عاجزين) (٢). وظهر متعصبون لكلا المدرستين واتسع الخلاف وزادت الشقة واحتدم النزاع وأخذ كل فريق ينتصر لمذهبه ولطريقة شيخه.

стр. 103

٢ - الشافعي واضع علم الأصول قد بيّنا فيما تقدم أنه لم يكن هناك قواعد مدونة في هذا الفن، لا في عهد رسول الله ﷺ ولا عهد صحابته رضوان الله عليهم أجمعين، ولا عهد التابعين. وقد بينا أن الحاجة أصبحت ماسةً لوضع قواعد لهذا الفن بعد أن تأسست المدارس الفقهية في العراق والحجاز، واحتدم النزاع بينهما، وكادت أن تدب الفرقة بين الصفوف والشقاق بين الفريقين فاستدرك هذا الوضع عالم الحديث في المشرق عبد الرحمن بن مهدي (١) المتوفى سنة ١٩٨ هـ، لأنه عاش تلك الفرقة واكتوى بنارها وأدرك أنه لا بد من وجود قواعد مدونة لتكون مرجعاً لفض النزاعات، ولتكون قاعدة للنقاش والمناظرات، ولم يكن هذا بالأمر الهين فابتكار نظام وقواعد ثابتة وأساس محدد في غاية الأهمية والخطورة، ومن الذي ستكون عنده المؤهلات للتصدي لهذا الأمر العظيم. فهذا لا يتسنى إلا لمن اطلع اطلاعاً واسعاً إن لم يكن تاماً على مصادر التشريع الإِسلامي، وملماً بشتى المذاهب بالحجاز والمشرق، وأن يكون حجة في اللغة العربية، ومطبوعاً على الذكاء الخارق والقريحة الوقّادة الذي بهما يصل لأغوار الأشياء ومقاصدها وغاياتها. وأن يكون متسربلًا بلباس التقوى والإِخلاص في النية والعمل التي بهما تذلل الصعاب. قال الشافعي ﵁: شكوت إلى وكيعٍ سوء حفظ ... فأرشدني إلى ترك المعاصي وقال: إن علم الله نورٌ ... ونور الله لا يهدى لعاصي

стр. 104

ولا يحوز على هذه الصفات من البشر إلا النادر. وأدرك عبد الرحمن بن مهدي ﵀ أنه ليس لها إلَّا الشافعي عالم قريش الذي كان جديراً بها وأهلًا لها. فكان ﵀ حجةً في اللغة وملماً بالكتاب والسنة، وعالماً بفقه أهل الحجاز، حيث حفظ الموطأ على الإِمام مالك في المدينة، وكان عالماً بفقه أهل العراق، حيث تتلمذ على محمد بن الحسن الشيباني صاحب الإِمام أبي حنيفة. فجمع بين أسس المدرستين وأما فطنته وذكاؤه فيكفينا فيهما ما روي أنه كان إذا أراد قراءة كتاب وضع يده على الصفحة المقابلة لئلا يلمحها نظره فيحفظ الصفحتين معاً فيتشوش حفظه وكفاه أنه استنبط من حديث: (يا نقير ماذا فعل النغير سبعين مسألة وهو مستلق على فراشه). وذكر مثل ذلك يطول. ولقد كان اختيار الإِمام عبد الرحمن بن مهدي (١) موفقاً. فأرسل رسالةً للإِمام الشافعي يسأله فيها وضع قانون كلي يضبط مناهج الاستنباط، ووضع كتاب جامع يبين مراتب السنة وكيفية الاحتجاج بها، فصادف هذا الطلب رغبةً في نفس الإِمام الشافعي. واستحثه على إجابة طلب عبد الرحمن بن مهدي المحدث علي بن المديني حيث قال: قلت لمحمد بن إدريس الشافعي: أجب عبد الرحمن بن مهدي عن كتابه، فقد كتب إليك يسألك وهو متشوق إلى جوابك. قال: فأجابه الشافعي وهو كتاب الرسالة ووضعها الإِمام الشافعي وهو في مكة على الراجح، وأرسلها له مع الحارث (٢) بن سريج النقال الخوارزمي المتوفى سنة ٢٣٦ هـ. وأقبل الناس على الرسالة ودرسوها ووجدوا فيها بغيتهم وضالتهم المنشودة، وهي تلك القواعد الأصولية التي كان يعييهم البحث قبل العثور عليها. وخرج أهل الحديث بها من

стр. 105

جمودهم وساعدتهم على نصرة السنة. وأقبل عليها أيضاً أهل الرأي واهتموا بها، وأصبحوا يشعرون بوزن أهل الحديث، لأنه أصبح لهم قواعد وأسس يناظرون عليها. وكان في هذه الرسالة ما تمس حاجة أهل الرأي إليه مثل متى يقبل خبر الواحد ومتى يرد؟ ومتى يحتج بالقياس ومتى يرد؟ وما شروط صحة القياس؟. وعلى العموم أصبحت رسالة الشافعي مناراً يهتدي به السالكون سبل الأحكام الشرعية بمأمن من الزلل والخروج عن الجادة، وبها تحول الصراع الذي كان بين الفريقين إلى مناظراتٍ علميةٍ هادفة لها آداب وضوابط يحترمها معظمهم، فتقاربت بها وجهات النظر وضاقت شقة الخلاف والنزاع، وتكون مذهب وسط يعتمد على المنقول ويستخدم العقل في الاستنباط وفعلاً ساعدت على تنمية الثروة الفقهية. ولهذا الكتاب وما تبعه من كتب مفيدة سنذكرها بعد قليل استحق الشافعي أن يسمى بناصر السنة لكثرة دفاعه عنها. قال الرازي في كتابه مناقب الإِمام الشافعي: "أن أبا زرعة الرازي نقل عن سعيد بن عمر البرادعي أنه قال: وردت الري فدخلت على أبي زرعة فقلت: يا أبا زرعة سمعت حميد بن الربيع يقول: سمعت أحمد بن حنبل يقول: (ما علمت أحداً أعظم منةً على الإسلام في زمن الشافعي من الشافعي، فقال أبو زرعة: قد صدق أحمد ولا أحداً أدرأ عن سنن رسول الله ﷺ من الشافعي، ولا أحداً أكشف لسوءات القوم مثل ما كشف الشافعي) (١). وقال أبو حاتم الرازي: (لولا الشافعي لكان أصحاب الحديث في عمى). وقال الإمام أحمد: لولا الشافعي ما عرفنا فقه الحديث. وقال: (كانت أقضيتنا في أيدي أصحاب أبي حنيفة ما تنزع حتى رأينا الشافعي فكان أفقه الناس في كتاب الله وسنّة رسول الله ﷺ ).

стр. 106

وهذه الرسالة التي وضعها الإِمام الشافعي، والتي قصصنا عليك خبرها قد اندثرت مع ما اندثر من تراث إسلامي على مر العصور وكر الدهور، ولكنها كانت موجودة حتى القرن الثامن الهجري، وتوجد منها نقول في بعض الكتب فنقل عنها أبو عمرو بن الصلاح، والحافظ البيهقي ومحيي الدين النووي والتاج السبكي وابن القيم الجوزية. والرسالة الموجودة الآن هي القاهرية التي وضعها بعد أن استقر في مصر (١) فأعاد النظر في الأولى، وتعديله في أبوابها لا يعتقد بأنه كثير. وقد أملاها بعد تأليفها على أصحابه المصريين وعلى رأسهم الربيع بن سليمان المرادي أبو محمد المصري المتوفى سنة (٢) ٢٧٠ هـ. ورواها أيضاً الإِمام أحمد بن حنبل (٣). وهذه الرسالة وصلت إلينا كاملة وطبعت عدة طبعات بالقاهرة. ورسم الشافعي في رسالته هذه المنهج الذي يجب أن يسير عليه كل مجتهد وجمع بين منهجي أهل السنة وأهل الرأي بحيث لا يطغى الرأي وتهمل السنة، ولا يجمد الفقه على ظواهر الألفاظ وقد بحث فيها مهمات قواعد هذا الفن، وكل ما زاده المتأخرون بعده كان من باب التتميم والتوضيح ومن المباحث التي تعرضت لها الرسالة: ١ - الناسخ والمنسوخ في الكتاب والسنة. ٢ - العام والخاص والمطلق والمقيد والمجمل والمبين والعام المراد به ظاهره والعام الذي لا يراد به ظاهره. ٣ - حجية خبر الواحد ومنزلة السنة ومكانتها. ٤ - القياس والاجتهاد وشروط المفتي. ٥ - الإجماع وغير ذلك من المباحث المهمة.

стр. 107

وقد أردف الشافعي ﵀ الرسالة بمؤلفات أخرى في أصول الفقه، لا زالت تعتبر المرجع كما كانت في الماضي كذلك ومنها: ١ - إبطال الاستحسان: الذي رد فيه على من قال بالاستحسان وقال في ذلك كلمته المشهورة: (من استحسن فقد شرع). ٢ - اختلاف الحديث: وفيه جمع بين الأحاديث المتعارضة، وكان هذا الكتاب الأول في بابه، حيث تبعه في ذلك ابن قتيبة (١) فألف كتابه (٢) مختلف الحديث والطحاوي (٣) فألف مشكل الآثار (٤). ٣ - جماع العلم: الذي عقده لإِثبات حجية خبر الواحد ووجوب العمل به والرد على من أنكره. دعوى الشيعة الإمامية أنهم السابقون لهذا الفن والرد عليها ادعت الشيعة الإِمامية أنها قد سبقت الإِمام الشافعي لهذا الفن، فقالوا: إن أول من دون فيه هو الإمام محمد الباقر بن علي زين العابدين المتوفى سنة ١١٤ هـ، وتابعه ابنه الإِمام أبو عبد الله جعفر الصادق المتوفى سنة ١٤٨ هـ.

стр. 108

قال آية الله السيد حسن الصدر: (اعلم أن أول من أسس أصول الفقه وفتح بابه وفتق مسائله الإِمام أبو جعفر محمد الباقر، ثم من بعده ابنه الإِمام وقد أمليا على أصحابهما قواعده وجمعوا من ذلك مسائل رتبها المتأخرون على ترتيب المصنفين برواياتٍ مسندةٍ إليهما متصلة الإِسناد) (١). وبعض الحنفية ادعت أيضاً أن واضع علم الأصول الإِمام قاضي القضاة أبو يوسف، ثم تابعه محمد بن الحسن - رحمهما الله -. ونقول: إن دعوى الإِمامية أن الإمام محمد الباقر ﵀ هو واضع علم الأصول، ودعوى الحنفية بأن أبا يوسف ومحمد بن الحسن قد سبقا الشافعي في وضع قواعد هذا الفن، إنما ما حدث منهم هو التكلم في قواعد لمسائل فقهية عارضة أو بينوا منهجهم في استنباط حكم من الأحكام، أو أوضحوا طريقة استدلالهم. وكل هذا لا يعارض دعوى كون الإِمام الشافعي ﵀ هو أول من صنّف مصنفاً شاملًا لمعظم أبواب هذا الفن الذي أتم بناءه الأصوليون من بعده، فلا تعارض بين الدعوتين. وقد أثبت الفقهاء والأصوليون والمؤرخون سبق الوضع للإِمام الشافعي كما تقدم في الكلام على سبب وضع "الرسالة"، وسنذكر أيضاً بعضاً من شهادات العلماء بذلك. قال جمال الدين الأسنوي المتوفى سنة ٧٧٢ هـ ﵀ في كتابه التمهيد: (إن الركن الأعظم والأمر الأهم في الاجتهاد إنما هو علم أصول الفقه. وكان إمامنا الشافعي ﵀ هو المبتكر لهذا العلم بلا نزاع وأول من صنف فيه بالإِجماع. وتصنيفه المذكور فيه موجود بحمد الله تعالى، وهو الكتاب الجليل المشهور المسموع عليه المتصل إسناده الصحيح إلى زماننا المعروف بالرسالة، الذي أرسل الإِمام عبد الرحمن بن مهدي من خراسان إلى الشافعي بمصر فصنفه له، وتنافس في تحصيله علماء عصره، على أنه

стр. 109

قد قيل: إن بعض من تقدم (١) على الشافعي نقل عنه إلمام ببعض مسائله في أثناء كلامه على بعض الفروع. وجواب عن سؤال السائل لا يسمن ولا يغني من جوع، وهل تعارض مقالة قيلت في بعض المسائل تصنيف كتابٍ موجود مسموع مستوعب لأبواب العلم) (٢) انتهى. قال الإِمام فخر الدين الرازي في كتابه مناقب الشافعي: (الناس كانوا قبل الإِمام الشافعي ﵁ يتكلمون في مسائل أصول الفقه ويستدلون ويعترضون، ولكن لم يكن لهم قانون كلي يرجعون إليه في معرفة دلائل الشريعة وكيفية معارضتها وترجيحاتها، فاستنبط الشافعي ﵀ علم أصول الفقه، ووضع للخلق قانوناً كلياً يُرجع إليه في مراتب أدلة الشرع. ثم قال: والناس وإن أطنبوا بعد ذلك في علم أصول الفقه إلَّا أن كلهم عيال على الشافعي فيه، لأنه هو الذي فتح هذا الباب، والسبق لمن سبق) (٣). قال جلال الدين السيوطي: أول من ابتكر هذا العلم الإمام الشافعي ﵁ بالإِجماع، وألف فيه كتاب الرسالة الذي أرسل به إلى عبد الرحمن بن مهدي، وهو مقدمة كتاب (٤) الأم. وعقد بدر الدين الزركشي المتوفى سنة ٧٩٤ هـ في كتابه البحر المحيط فصلاً بعنوان: الشافعي أول من صنَّف في أصول الفقه (٥). ويكاد يكون كل من أرخ لهذا الفن ذكر أن الشافعي ﵁ هو أول من صنف في هذا العلم، وبهذا البيان الشافي بطلت دعوي كون الإمام ﵀ مسبوقاً في تدوين هذا الفن.

стр. 110

٣ - علم الأصول في القرنين الثالث والرابع الهجريين ومن ورد ذكره في التحصيل من أصولي هذين القرنين لقد بينا أن أول كتاب برز إلى الوجود في علم أصول الفقه هو الرسالة، للإِمام محمد بن إدريس الشافعي ﵀. وكانت الرسالة شاملة لمعظم أبواب وفصول هذا الفن، ولكنها لم تكن مستوعبة لجميع مسائل هذا الفن. ثم أخذ هذا الفن ينمو في القرنين الثالث والرابع الهجريين، وذلك بالإِكثار من الأدلة على إثبات القواعد، وبحث المسائل التي لم تتعرض لها رسالة الشافعي، ولكن كما يظهر من أسماء هذه المصنفات أنها كانت في مواضيع من علم أصول الفقه وليست شاملةً لجميع أبحاث هذا الفن بالصورة التي عليها الكتب المتكاملة التي وجدت في القرنين الخامس والسادس، وكتب الشافعية كانت أشمل من غيرها لأنها كانت شارحةً للرسالة، والرسالة كما علمنا تحتوي على جزء كبير من مواضيع أصول الفقه. وتعرضت هذه الكتب الشارحة للرسالة إلى بسط ما قرره الشافعي والرد على اعتراضات المخالفين له من كتب غير الشافعية. ومعظم المصنفات في هذين القرنين لا نعرف منها إلا اسمها أو نقولاتٍ في كتبٍ أخرى منسوبة لها، لأنها ضاعت مع ما ضاع من التراث الإِسلامي في غزوا لتتار لبلاد الإِسلام، فمثلاً ذكر صاحب كشف الظنون عدة شروح للرسالة في هذين القرنين نذكر منها: ١ - شرح محمد بن عبد الله الصيرفي المتوفى سنة ٣٣٠ هـ، قال عنه أبو إسحاق الشيرازي في طبقات الفقهاء: أنه أعلم خلق الله بالأصول بعد الشافعي. ٢ - شرحها أبو الوليد حسان بن محمد النيسابوري الأموي، المتوفى سنة ٣٤٩ هـ. ٣ - شرحها محمد بن علي الشاشي القفال الكبير، المتوفى سنة ٣٦٥ هـ. ٤ - شرحها محمد بن عبد الله الشيباني أبو بكر الجوزقي، المتوفى سنة ٣٨٨ هـ. ٥ - شرحها عبد الله بن يوسف أبو محمد الجويني والد إمام الحرمين، المتوفى سنة ٤٣٨ هـ.
следующие страницы →