ب- دمج القاضي الأرموي ﵀ مسألتين مشهورتين في مسألة واحدة وهما:
الأولى: هل الأمر يفيد التكرار أم المرة الواحدة.
الثانية: هل الأمر على الفور أم على التراخي (١).
والذي دفع القاضي الأرموي ﵀ لدمج المسألتين كما يبدو والله أعلم - أن الرأي المختار في المسألتين كان واحداً، وهو أنهما يدلّان على القدر المشترك ولهذا كانت معظم الأدلة متحدة،
فحدث بذلك تشويش وخاصة في الاستدلال، لأن كل مسألة انفردت ببعض الأدلة، ولم أرَ في الكتب الأُصولية التي نظرتها أن أحداً جعلهما مسألةً واحدةً.
ثانياً: نقل القاضي الأرموي ﵀ عن الإِمام الغزالي تبعاً للإِمام الرازي في المحصول أربعة أوجه، للتفريق بين الحقيقة والمجاز فقال:
(أ- اطراد الحقيقة: فلا يقال واسأل البساط وهو ضعيف) (٢).
والناظر في هذا الوجه لا يفهم منه شيئاً إلا بعد الرجوع للمحصول أو المستصفى ليعرف المراد، ومراده أن الطريق الأول من طريق التفريق بين الحقيقة والمجاز، أن الحقيقة مطّردة والمجاز غير مطّرد. فلا يقال: واسأل البساط إلحاقاً لقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ وضعَّف هذا الطريق الإِمام الرازي في المحصول، وتابعه القاضي سراج الدين الأرموي بقوله: (وهو ضعيف) والضمير (هو) راجع للتفريق، والتفريق لم يتقدم وهذا يرد على ما يرد عليه في اللغة.
стр. 142
وقد ظهرت شخصية القاضي الأرموي ﵀ في اختصار المحصول في التبويب بالتقسيم، فكانت في غاية الدقة. فقد أحسن تنظيم الكتاب وتقسيمه إلى أبوابٍ وفصول ومسائل، وكثيراً ما كان يذيّل المسائل إما بتفريعات أو بتنبيهات.
وقد أكثر القاضي الأرموي ﵀ في تقسيماته وتعداد بعض الأمور من استعمال الحروف. وكان يستعملها بشكل عجيب لم يسبق لي الاطّلاع على مثله، حيث كان يركب الحروف الهجائية لتدل على الأرقام، ففي باب التراجيح ركّب حرفاً لتدل على ستةٍ وستين نوعاً.
وبرزت شخصية القاضي الأرموي ﵀ في التحصيل كمتكلمٍ ممسك بناصية فنه، عالم بأبعاده ومراميه خبير بدقائقه وخباياه. فظهر ذلك في الإِضافات الدقيقة والملاحظات اللطيفة التي أوردها على أدلة الإِمام الرازي في المحصول، والتي بينّاها في الجزء التحقيقي بياناً شافياً. وظهرت دقة علمه في ترتيب الأدلة، حيث كان في بعض الأحيان يقدم بعض الأدلة، ويؤخر أُخرى، وبعد السبر وجدت أن هذا لم يكن عبثاً، بل لأنه لمّح أن بعضها أقوى من الآخر فقدّم الأقوى. والإِضافات الدقيقة لبعض التعاريف وحذْف بعض الألفاظ منها لسد الخلل فيها، ومنع توجه الاعتراض عليها أيضاً يدل على مدى تمكنه من فنه. ومن ذلك ما تقدم ذكره من إضافة "مثل" و"ظن" لتعريف أبي الحسين البصري للقياس، لاحتمال ورود اعتراضين عليه وهما أن الحكم الحادث في الفرع ليس عين الحكم الموجود في الأصل، ولكي لا يدخل القياس الفاسد. ومن ذلك أيضاً استبداله كلمة "يعلم" بكلمة "يعرف" في تعريفه الفقه عند العلماء، وذلك لاحتمال ورود اعتراض عليه، وهو أن الفقه من باب الظنون فكيف يجعل علماً؟.
وظهرت شخصية القاضي الأرموي ﵀ في سلامة لغته، مع أنه أعجمي ولد في أذربيجان، ونشأ وترعرع فيها، ثم كانت دراسته على بني قومه من الأكراد ثم ختم حياته بالإِقامة في بلاد الروم، وكانت السلطة الحاكمة التى يعيش في ظلها سلجوقية ومع هذا كله، كانت لغته سليمة لا
стр. 143
لحن فيها، وانقادت له الألفاظ والتراكيب، وانسابت على سنان قلمه انسياب الماء الرقراق في الجدول الصافي، لا تكدره رواسب العجمة، فكانت عبارته سليمة نحوياً ودلالةً ودقةً.
وأما ما تكرر في كتابه من قلب الهمزة ياءً وَحذف همزة الممدود أو الهمزة في آخر الكلمة، فهذا أمر شائعٌ في ذلك الزمان رأيته في بعض المخطوطات الأُخرى، وهذا يحمل على أن اللغة العربية تميل للتسهيل في اللفظ، وحتى اليوم يوجد في كثير من الأقطار مَن يقلب الهمزة ياء ويحذف الهمزة من آخر الكلمة في اللفظ، وأما من ناحية الكتابة فالأمر فيها محمول على التضييق، فينبغي الالتزام بقواعد الإِملاء، وجميع نسخ التحصيل متوافقة في هذا المسلك من الكتابة، مما يدل على أن هذا التصرف ليس من النسّاخ، ومما ورد على هذا النحو ما رأيته في الصفحة الأولى أن كتابة (أنبيائك وأنبائك وخلائقك والفوائد) قد وردت مكتوبة على النحو الآتي: (أنبيايك، أنبايك وخلايقك، والفوايد).
وأما حذف الهمزة في آخر الكلمة فقد ورد منه في الصفحة الأولى: (النجبا والكرما والارتقا). وقد أصلحت ما حدث في المخطوطة بدون الإِشارة إليه في كل موضع لكثرته.
" الخاتمة "
لقد خلَّف سلف هذه الأمة لخلفها تراثاً ضخماً. فمنذ عصور الدولة الإِسلامية الزاهرة حتى يومنا هذا والمكتبة الإسلامية تستقبل مواليد جدداً في عالم المعرفة، ولكن لا يزال القديم يتميز بغزارة المادة العلمية، وتفوح منه رائحة الإِخلاص والتجرّد في تصنيفه من الأغراض الدنيويَّة التي لا بدّ وأن تضفي على المصنَّف بركةً وقوةً في التأثير في النفوس، وتشعر النفوس بانجذابٍ إليها لصفائها، وسلامتها مما شابَ غيرها من الأغراض الدنيوية.
ولا يزال يعيش الخلف عالةً على ما سطّرته أقلام السلف من تراثٍ ضخمٍ فني منه الشيء الكثير في ما مرّ على الأُمة الإِسلامية من حروب
стр. 144
طاحنة، ونقل منه ما نقل لخزائن مكتبات المستشرقين إبان غفوة الأُمة الإِسلامية واستهانتها بتراثها الضخم فملأت منه خزائن مكتبات أوربا. ومع هذا فقد بقي قسم ضخم ينتظر مَن يمدّ يده إليه ليُخرجه من غياهب سجنه، فيعيش عضواً فعّالًا في هذا المجتمع الإسلامي يؤدي دوره المطلوب منه.
وإخراجٍ الكتب المخطوطة من المكتبات ينبغي أن يكون في ثوبٍ جذاب. خالياً مما يشوبه من التصحيف والتحريف الذي حدث فيها على أيدي النسّاخ. نقياً من الأخطاء النحوية التي تكدّر الصفاء، منسقاً منظماً بعناوين بارزة، وفهارس تنبئ عما يحتويه الكتاب فيوفر الوقت على الناظر
فيه، ويسهّل الوصول إلى المراد. ولا سبيل لذلك إلا بتحقيق الكتاب قبل نشره بجمع جميع نسخه ومقابلتها، وتحقيق مادته العلمية تحقيقاً دقيقاً.
وكتاب التحصيل كسائر الكتب المخطوطة كان في أمسّ الحاجة لمن يميط عنه اللثام، ويزيل عنه النقاب فيُظهره وضّاءً في ثوبٍ جذاب ظاهر العناوين، بارز الفقرات خالٍ من التصحيف والتحريف، تحيط به فهارس ترشد الناظر فيه لما يريده في يُسرٍ وسهولة، وتحفّ به أبحاث وتعليقات تخبر مَن رآه عن قيمته العلمية، وتعرفه بمصنفه وتظهر طول باعه ورسوخ قدمه في هذا الفن وسائر الفنون، لأن معرفة شخصية المؤلف تبعث في النفوس الاطمئنان والثقة فيما تجده في الكتاب.
فنسخ كتاب التحصيل العشر لم تخلُ كسائر نسخ المخطوطات - من اختلافات في ألفاظ كثيرة كما يظهر ذلك للناظر في هامش الجزء التحقيقي واضحاً جليّاً. وبعض هذه الألفاظ يخلّ بالمعنى إخلالاً بيِّناً، بل قد يؤدي إلى عكس المعنى المراد، وقد وجدتُ أن إحدى النسخ وهي النسخة التي رمزت لها في التحقيق "ب" قد حدث فيها تقديم وتأخير في ترتيب صفحاتها عند تجليدها وبعد كتابتها ولا يمكن إصلاح هذا الخلل إلا بمقابلتها بالنسخ الأُخرى. ولم يقف الأمر عند هذا بل وجدت سطوراً ساقطة بالكلية، وأحياناً كلماتٍ لا يمكن استدارك كل ذلك إلَّا بتحقيق الكتاب ومقابلة نسخه، ولو خرجت كل نسخةٍ على ما هي عليه لظهرت أخطاء علمية ولغوية يصعب تلافيها.
стр. 145
والتحصيل في حاجة أيضاً لتحقيق مادته العلمية، والتأكد من صحة نسبة الأقوال إلى أصحابها، وتوضيح بعض الإِبهامات والغموض الناتج عن الاختصار. وهو لم يخلُ من مواضع وقع فيها غموض وإيهام غير الظاهر، وقد تعرضت لبيان ذلك في المبحث المتقدم الذي بحث فيه مسلك الأرموي في
اختصار المحصول، ومن هذا الغموض ما كان نتيجةً لدمج مسألتين في مسألةٍ واحدةٍ.
وأما المادة العلمية فالقاضي سراج الدين الأرموي - رحمة الله - مختصر ملتزم بالمحصول في آرائه، إلا ما نبّه عليه من اعتراضات وتنبيهات على أدلة ضعيفة وإضافة أُخرى أقوى منها في نظره.
ولذا وجدت أنه تابعِ الإِمام الرازي في المحصول، وربما الإِمام الرازي ﵀ تابع من قبله في هفواتٍ علميةٍ قد تكون تصحيفاً تابع فيه اللاحق السابق ومن ذلك:
قد ورد في التحصيل (١) أن الذي قال له الرسول ﷺ : ما منعك أن تستجيب وقد سمعت قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾. لما دعاه فلم يجبه لأنه كان في الصلاة هو أبو سعيد الخدري. وبعد الرجوع للمحصول وجدت الأمر كما في التحصيل، ونظرت الأحكام لسيف الدين الآمدي فوجدت الأمر كما في التحصيل أيضًا.
وأما كتب السنة التي أوردت الحديث ومن بينها صحيح محمد بن إسماعيل البخاري، ذكرت أن صاحب القصة هو أبو سعيد بن المعلى وليس أبا سعيد الخدري. وما كان يعرف ذلك بدون تخريج الحديث من كتب السنة.
ونظير ذلك ورد في جميع نسخ التحصيل (٢) تبعاً للمحصول لفخر
стр. 146
الدين الرازي أن راوي قوله ﷺ : "لا تقض في شيءٍ واحدٍ بحكمين مختلفين". هو أبو بكر الصديق ﵁ وبعد تقصّي كتب الحديث عند تخريجه، وجدت أن أبا بكر ليس من رواة هذا الحديث، بل راويه هو أبو بكرة. وقد تأكدت من أن التصحيف قد وقع في المحصول والتحصيل، وليس في كتب الحديث، لأنه في إحدى طرقه في معجم الطبراني الكبير عن عبد الرحمن بن حوشب قال كتب أبو بكرة إلى ابنه وهو عامل على سجستان: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يقضيَنَّ أحد في أمر قضاءين". ولم تكن سجستان قد دخلت تحت ظل الدولة الإِسلامية في عهد الخليفة الراشد أبي بكر ﵁، ولم نعلم أحداً من أولاده وليّ سجستان.
ومن ذلك أيضاً ما ورد في جميع نسخ التحصيل (١) تبعاً للمحصول، أن القائل ليزيد بن المهلب بن أبي صفرة:
أمرتك أمراً جازماً فعصيتني ... فأصبحت مسلوب الإرادة نادماً
هو الحباب بن المنذر. والحباب بن المنذر هو الصحابي الجليل صاحب المشورة في غزوة بدر بردم العيون، وهو لم يعش إلى إمارة يزيد بن المهلب.
وبعد طلب هذا البيت في بطون كتب الأدب والتواريخ مدة طويلة، وجدت في تاريخ بغداد وفي تاريخ الطبري أن قائله هو الحصين بن المنذر الرقاشي البصري، حامل راية بكر بن وائل في معركة صفين وكان في جيش علي ﵁. وكيف يمكن معرفة هذا التصحيف الذي تابع فيه القاضي سراج الدين الأرموي فخر الدين الرازي في المحصول لولا البحث عن مكان ورود البيت أثناء تحقيق النص. ونظير ذلك كثير محله هوامش القسم التحقيقي.
стр. 147
وقد ورد في التحصيل تبعاً للمحصول نسبة بعض الأقوال لبعض العلماء بصورة قاطعة، مع أن أولئك العلماء لم يقولوا بذلك بل وردت عباراتٍ في كتبهم توهم ذلك فنسبت لهم أقوالٌ لم يقولوها.
ومثال ذلك ما ورد في التحصيل (١) تبعاً للمحصول من أن الإِمام حجة الإِسلام الغزالي ﵀ يقول: إنه لا بدّ من تحقّق العقاب على ترك الواجب. وبعد الرجوع للمستصفى للتحقّق من صحة نسبة هذا القول إليه، وجدت أن الإِمام الغزالي ﵀ قد زيَّف التعريف الذي يقول: بأن
الواجب ما يعاقب على تركه. ثم قال: لأنه قد يعفى عن العقوبة، وزيف تعاويف أُخرى، ثم نقل تعريف القاضي أبي بكر الباقلاني ﵀، وهو: (ما يذم تاركه ويلام شرعاً بوجه ما). ولم يعترض عليه ثم نقل عن القاضي أبي بكر الباقلاني أنه قال: (لو أوجب الله علينا شيئاً ولم يتوعد بعقاب على تركه لوجب، فالوجوب إنما هو بإيجابه لا بالعقاب). ثم قال الغزالي: (وهذا فيه نظر، لأنه ما استوى فعله وتركه في حقنا فلا معنى لوصفه بالوجوب، إذ لا نعقل وجوباً إلّا بأن يترجح فعله على تركه بالإِضافة إلى أغراضنا، فإذا اقتضى الترجيح فلا معنى للوجوب أصلًا). انتهى ما ورد في المستصفى.
ولا أدري كيف نسب هذا القول للغزالي ﵀ حيث إنه لم يصرّح بتحقق العقاب على ترك الواجب، بل زيّف التعريف الذي دل على ذلك، ولعلّ هذا قد صدر عنه في كتاب غير المستصفى، ولكن المعتمد في أقواله ما جاء في المستصفى، لأنه آخر ما صنّف في فن الأُصول وظهر فيه استقلال شخصيته وأما قوله: (وفيه نظر). بعد نقله ما نقل عن القاضي أبي بكر الباقلاني ليس كافياً في نسبة هذا القول إليه، بل قد يكون النظر من جهة أُخرى.
стр. 148
ومن ذلك ما ورد في التحصيل (١) تبعاً للمحصول ومعظم كتب الأصول كمختصر ابن الحاجب والأحكام لسيف الدين الآمدي من أن الإِمام الشافعي ﵀ يقول بأن العبرة بخصوص السبب وليس بعموم اللفظ، وسبب ما وقع فيه الأُصوليون من الخطأ في نسبة هذا القول للإِمام الشافعي أن إمام الحرمين في البرهان قال: (إنه الذي صح عندي من مذهب الشافعي). ثم نقله عنه الإِمام الرازي في المحصول وغيره من علماء الأُصول.
والصحيح أن الإِمام الشافعي ﵀ قد نصّ على أن السبب لا أثر له، فقال في الأُم في باب ما يقع به الطلاق ما نصه: (وما يصنع السبب شيئاً إنما يصنعه الألفاظ، لأن السبب قد يكون ويحدث الكلام على غير السبب. فإذا لم يصنع السبب بنفسه شيئاً لم يصنعه لما بعده، ولم يمنع ما بعده أن يصنع ما له حكم)، وهذا يدفع ما نسبه إمام الحرمين للإِمام الشافعي.
والِإمام فخر الدين الرازي ﵀ قد كشف عن عدم صحة هذه النسبة للإِمام الشافعي في كتابه مناقب الشافعي، حيث قال: (إنه التبس على ناقل هذا القول عن الشافعي، وذلك لأن الإِمام الشافعي ﵀ يقول: إن الأَمة تصير فراشاً بالوطء حتى إذا أتت بولد يمكن أن يكون من الوطء لحقه سواءً اعترف به أم لا لقصة عبد بن زمعة لما اختصم هو وسعد بن أبي وقاص في المولود. فقال سعد: هو ابن أخي عهد إليَّ أنه منه. وقال عبد بن زمعة هو أخي، ولد على فراش أبي من وليدته فقال النبي ﷺ ، الولد للفراش وللعاهر الحجر، وذهب أبو حنيفة إلى أن الأَمة لا تصير فراشاً بالوطء، ولا يلحقه الولد إلَّا إذا اعترف به، وحمل الحديث المتقدم على الزوجة وأخرج
الأمة من عمومه. فقال الشافعي: إنَّ هذا قد ورد على سبب خاص وهي الأمة لا الزوجة، قال الإِمام. فخر الدين الرازي فتوهم الواقف على هذا الكلام أن الشافعي يقول: إنَّ العبرةَ بخصوص السبب ومراده أن خصوص السبب لا يجوز إخراجه عن العموم بالإِجماع، والأمة هي السبب في ورود العموم فلا يجوز إخراجها).
стр. 149
وما تقدم يُظهِر مدى الحاجة لمقابلة النسخ قبل نشر الكتاب، ومدى الحاجة لتحقيق النَص بالتأكد من صحة نسبة الأقوال لأصحابها، وتظهر ضرورة تخريج الأحاديث والأشعار والآثار وذلك لتصحيح ما ورد في الكتاب من تصحيف وتحريف أثناء النسخ، وكانت الحاجة أيضًا ماسّة لتخريج الآيات القرآنية بذكر اسم السورة التي وردت فيها ورقمها في السورة مع التأكد من صحتها وفعلاً وجدت أيضاً بعض الأخطاء - وإن كانت يسيرة في بعض الآيات. ولقد كانت عدد الآيات الواردة في النص ليست بالقليلة فقد بلغت ثلاثمائة واثنتين وأربعين آية، جعلت لها فهرساً خاصاً في آخر القسم التحقيقي، وأما الأحاديث النبوية والآثار فقد بلغت في النص ثمانية أحاديث ومائتين، وأفردتها أيضاً بفهرس خاص في آخر القسم التحقيقي. وأما الأشعار والأمثال فكانت قليلةً جداً حيث بلغت واحداً وعشرين نصاً.
لقد كان من الضروري أيضاً أثناء التحقيق الترجمة لبعض الأعلام الواردة في النص، وذلك لمعرفة ما لهم من مصنفات وزمن وفاتهم ليكون الناظر في الكتاب على بصيرةٍ مما يجده منسوباً لهم، وقد بلغ عدد الأعلام المترجم لهم مائة وخمسة وثمانين علماً. كانت الترجمة لبعضهم في غاية المشقّة، وذلك لورود الاسم مصحفاً أحياناً، وورود اسمه فقط أو كنيته فقط وهو غير مشهور بذلك مثل أبي خازم القاضي، ومثل الحاكم صاحب المختصر ومثل ابن علية والقاشاني ومويس بن عمران. ولكن بحمد الله بعد البحث والتدقيق في بطون الكتب الناقلة عنهم استطعت كشف التصحيف ومعرفة المجهول منهم.
وكذلك ترجمت للطوائف والفِرَق الواردة في النص، وذكرت أرقام الصفحات التي وردت فيها وجعلت لها فهرساً في آخر القسم التحقيقي.
أما القسم الدراسي فكانت فائدته لا تقلّ عن القسم التحقيقي، والنتائج فيه تربو على القسم التحقيقي. فالقاضي سراج الدين الأرموي ﵀ قبل التنقيب عن آثاره والبحث عن شخصيته لم تكن شخصيته واضحةَ المعالم بارزة الحدود. فقد كان في أذهان العلماء مرتبطاً فقط
стр. 150
بالتحصيل الذي يذكر تبعاً كلما ذكر المحصول ولا يعرف ما يحتويه هذا الكتاب، ومرتبطاً أيضاً بكتابه المشهور مطالع الأنوار في المنطق والحكمة، والآن ظهرت شخصيته على حقيقتها فقد استطعنا معرفة أربعة عشر مصنفاً له لم يطبع منها إلَّا ثلاثة فقط، ومؤلفاته موزعة في علوم شتى وليست محصورة في أصول الفقه والمنطق.
وشخصيته لم تكن واضحةً لعامة الناس فحسب، بل التبس أمره على أعظم مَن اشتغل بمعرفة أحوال العلماء ومصنفاتهم، وهو صاحب هداية العارفين في أسماء المؤلفين وآثار المصنفين إسماعيل باشا البغدادي (١)، الذي نسب للقاضي سراج الدين محمود بن أبي بكر الأرموي ثلاثة مصنفات ليست له. بل هي لأرموي آخر اشترك معه في الاسم واسم الأب والنسبة وهو محمود بن أبي بكر الأرموي الصوفي المتوفى سنة ٧٢٢ هـ بدمشق.
وهذه الكتب الثلاثة هي:
١ - تهذيب المحكم والمحيط الأعظم لابن سيده في اللغة.
٢ - ذيل النهاية لابن الأثير في غريب الحديث.
٣ - مختصر شرح السنّة للبغوي.
وبعض مَن ترجم له ذكر في مصنفاته أيضاً لوامع الأسرار، وهو ليس له، بل هو شرح لكتابه مطالع الأنوار لقطب الدين الرازي التحتاني المتوفى سنة ٧٦٦ هـ.
وجميع التراجم التي اطّلعت عليها للقاضي سراج الدين الأرموي ﵀ لم تظهره كما هو حيث لم تذكر له إلَّا جزءاً من مصنفاته، ولعل كونه عاش فترة نضوجه العلمي في بلاد الروم من أهم الأسباب في ذلك، وعندما أدركت هذه النقطة طفقت أبحث عن شخصيته من خلال الكتب المدونة بالفارسية والتركية، وفعلاً حصلت على نتائج باهرة ومعلومات قيِّمة، واكتشفت له مصنفات لم تذكرها له التراجم في الكتب العربية ومن ذلك:
стр. 151
١ - شرح الوجيز لأفضل الدين الخونجي.
٢ - شرح كتاب التهذيب للشيرازي في الجدل.
٣ - رسالة في علم الكلام عثرت عليها بطريق الصدفة في مكتبة الحرم المكّي أثناء مطالعتي فيها.
٤ - ذكرت التراجم العربية أن له أسئلة على المحصول نقلاً عن فهارس المخطوطات، وبعد مطالعة هذه المخطوطة المُشار إليها، وجدت أنها ليست الاعتراضات المعروفة التي أثبتها في التحصيل، بل هو كتاب ضخم أشبه بالشرح للمحصول وقد سمّاه (مقاصد العقول من معاقد المحصول).
وقد شرحت كل هذا مفصلًا في فصل مصنفاته من القسم الدراسي.
ولعل المستقبل يكشف عن مصنفاتٍ أُخرى للقاضي الأرموي- ﵀ ومن خلال بحثي في الكتب الفارسية عرفت أنه كان يقرض الشعر، وقد وصفه معاصروه بأنه وصل لمرتبة الاجتهاد.
وأما بالنسبة لمنزلته وفضله، فقد كشفتُ عن المناظرات التي كان يحضرها برفقة سلطان العلماء عز الدين بن عبد السلام في ردهات قصور بني أيوب، وأثبتُ سفارته للإمبراطور فردريك الثاني من قِبَل سلاطين بني أيوب، وكشفتُ النقاب عن ما وصل إليه من الجاه والمنصب في دولة سلاجقة الروم
حيث كان قاضياً للقضاة.
ومن خلال دراسة شخصية القاضي سراج الدين الأموري- ﵀ في كتب التراجم والتواريخ العربية والفارسية والتركية ظهر- ﵀ أنه من كبار علماء عصره وأنه متقن لشتى الفنون، وخاصة علمي أُصول الفقه والمنطق والحكمة، وأنه مصنف متقن واضح الشخصية فيما كتب وليس إمعةً يقول كما يقول غيره بدون سَبْر وتمحيص. فكان يُبدي رأيه ويظهر ما يتلجلج في صدره ومع هذا كان كريم الخلق لطيف العبارة، بعيداً عن مُماراة العلماء، ولذا كان يبدأ ما يعنّ له من ملاحظات بقوله: ولقائلٍ أن يقول:
стр. 152
وهذه الملاحظات تدل على دقةِ فهمه وشدةِ فطنته ورسوخ قدمه في فنه، فرحم الله القاضي الأرموي تلقاء ما قدم للمكتبة الإسلامية من تراث ضخم.
ونفع الله طلبة العلم بما أنتج إنه سميع مجيب، وسبحان ربك رب العزّة عمّا يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
стр. 153
مراجع القِسم الدّراسي
- إتمام الدراية لقرّاء النقاية: لجلال الدين السيوطي، طبع بمصر بالمطبعة الميمنية بهامش العلوم للسكاكي سنة ١٣١٧ هـ.
- آداب الشافعي: لأبي حاتم الرازي طبع السعادة سنة ١٣٧٢ هـ، تحقيق الدكتور عبد الغني محمد عبد الخالق.
- أُصول أبي زهرة: طبع دار الثقافة العربية للطباعة سنة ١٩٧٣ م.
- أُصول السرخسي: تحقيق أبي الوفا الأفغاني، طبع دار الكتاب العربي سنة ١٣٧٢ هـ.
- أُصول الخضري: الطبعة الخامسة سنة ١٩٦٥ م، طبع مطبعة السعادة بمصر.
- الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل: تأليف قاضي القضاة مجير الدين الحنبلي طبع دار الجيل ببيروت سنة ١٩٧٣ م.
- آثار البلاد وأخبار العباد: لأبي الحسين زكريا القزويني، المتوفى سنة ٦٨٢ هـ.
- البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع: لمحمد بن علي الشوكاني، الطبعة الأولى سنة ١٣٤٨ هـ بمطبعة السعادة بالقاهرة.
- تاريخ التشريع الإِسلامي: للخضري، مطبعة عيسى البابي الحلبي سنة ١٣٤٣ هـ.
- تاريخ التشريع الإِسلامي: لعبد اللطيف السبكي وجماعة، طبع الاستقامة سنة ١٩٤٦ م.
стр. 154
- تاريخ المذاهب الإِسلامية: لمحمد أبي زهرة، طبع دار الفكر العربي سنة ١٩٧٦ م.
- تاريخ ابن خلدون المسمى بالعبر وديوان المبتدأ والخبر: طبع الأعلمي بيروت سنة ١٣٩١ هـ.
- تاريخ الإِسلام السياسي والديني: للدكتور حسن إبراهيم حسن، طبع النهضة المصرية سنة ١٩٦٧ م.
- تاريخ الخلفاء: للسيوطي تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، الطبعة الثالثة سنة ١٣٨٣ هـ بمطبعة المدني.
- تأويل مختلف الحديث: لابن قتيبة الدنيوري المتوفى سنة ٢٧٦ هـ، طبع دار القومية العربية للطباعة والنشر سنة ١٣٨٦ هـ.
- تراث العرب العلمي: لقدري طوقان، طبع دار مصر للطباعة بدون تاريخ.
- ترجمة المثنوي: لمحمد بن عبد السلام كفافي، طبع صيدا المكتبة العصرية.
- التعريف بالمؤرخين: للعزاوي، طبع بغداد سنة ١٩٥٧ م.
- التمهيد: لجمال الدين الأسنوي، الطبعة الثانية ١٣٨٧ هـ، طبع مكتبة النهضة العربية بمكة.
- توالي التأسيس بمعالي محمد بن إدريس: لابن حجر العسقلاني، طبع بولاق سنة ١٣٠١ هـ.
- تهذيب الأسماء واللغات: للنووي، طبع المنيرية القاهرة.
- جامع كرامات الأولياء: تأليف يوسف بن إسماعيل النبهاني المتوفى ١٣٥٠ هـ، تحقيق إبراهيم عطوة طبع مصطفى البابي الحلبي سنة ١٣٩٤ هـ.
- الدارس في تاريخ المدارس: للنعيمي، تحقيق جعفر الحسني دمشق سنة ١٣٧٠ هـ.
- الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة: لابن حجر العسقلاني، تحقيق محمد سيد جاد الحق طبع مطبعة المدني.
- ذيل مرآة الزمان: طبع حيدر أباد الهند سنة ١٩٥٥ م.
стр. 155
- ذيل الروضتين: لأبي شامة المقدسي الدمشقي المتوفى سنة ٦٦٥ الطبعة الثانية ١٩٧٤ م، دار الجيل.
- دليل المخطوطات: للسيد أحمد الحسيني، طبع المطبعة العلمية- سنة ١٣٩٧ هـ.
- الرسالة: للإِمام الشافعي، تحقيق أحمد محمد شاكر مطبعة الحلبي سنة ١٣٥٨ هـ.
- رحلة ابن بطوطة: طبع دار التراث بيروت.
- ريحانة الأدب في تراجم المعروفين بالكنية واللقب: تأليف محمد علي مدرس.
- السلوك في أخبار دول الملوك: للمقريزي، تحقيق الدكتور محمد مصطفى زيادة طبع القاهرة سنة ١٩٤١ م.
- سيرة صلاح الدين الأيوبي: لأبي شداد، تحقيق الدكتور جمال الدين الشيال الطبعة الأولى سنة ١٩٦٤ م.
- الشقائق النعمانية في علماء الدولة العثمانية: لأحمد مصطفى طاش كبري زادة المتوفى سنة ٩٦٨ هـ، المطبوع على هامش وفيات الأعيان بالمطبعة الأميرية.
- الشيعة وفنون الإِسلام: للسيد حسن الصدر طبع صيدا سنة ١٣٣١ هـ.
- الطالع السعيد الجامع لأسماء فضلاء الصعيد: لكمال الدين جعفر بن تغلب الأدفوي الشافعي المتوفى سنة ٧٤٩ هـ.
- طبقات الفقهاء: لأبى إسحاق الشيرازي، طبع بغداد سنة ١٣٥٦ هـ، وطبع بيروت سنة ١٩٧٠ م.
- العقد المنظوم في ذكر أفاضل الروم: بهامش الجزء الثاني لوفيات الأعيان بولاق ١٢٩٩ هـ.
- الفتوح: للبلاذري، طبع مطبعة الموسوعات القاهرة سنة ١٣١٩ هـ.
- فرق الشيعة: للنوبختي طبع محمد كاظم الكتبي القاهرة سنة ١٩٥٩ م.
- الكنى والألقاب: للشيخ عباس القمي، طبع المطبعة الحيدرية بالنجف الأشرف سنة ١٣٧٦ هـ.
стр. 156
- الموسوعة الثقافية: بإشراف الدكتور حسين سعيد، طبع دار الشعب سنة ١٩٧٢ م، حقوق الطبع لمؤسسة فرانكلين للطباعة والنشر بالقاهرة.
- مذكرة في تاريخ علم أُصول الفقه: لفضيلة أُستاذنا الدكتور عبد الغني محمد عبد الخالق لم تطبع.
- مشكل الآثار: لأبي جعفر الطحاوي، طبع دائرة المعارف النظامية الكائنة بحيدر آباد الدكن بالهند سنة ١٣٣٣ هـ.
- المعرفة: للحاكم النيسابوري دار الكتب سنة ١٩٣٧ م.
- مناقب الشافعي: للشيخ مصطفى عبد الرازق.
- مناقب الشافعي: لفخر الدين محمد بن عمر الرازي، طبع حجر القاهرة سنة ١٢٧٩ هـ.
- نكت الهميان: للصفدي تحقيق أحمد زكي، طبع الجمالية بمصر سنة ١٩١١ م.
стр. 157
المراجع غير العربيّة
- الأوامر العلائية في الأمور العلائية: لحسين محمد علي الجعفري الرودكي الشهير بابن بي بي المتوفى سنة ٦٧٩ هـ، طبع بأنقرة سنة ١٩٥٦ م.
- بزورزم: للعزيز الأسترابادي، طبع إستانبول سنة ١٩٢٨ م.
- مكتوبات مولانا جلال الدين الرومي: طبع إستانبول سنة ١٣٥٦ هـ.
- مسامرة الأخبار ومسايرة الأخبار: لكريم الدين محمود الآقسرائي، طبع بأنقرة سنة ١٩٤٤ م.
- مناقب العارفين: لأحمد الأفلاكي المولوي، طبع بأنقرة سنة ١٩٥٩ - ١٩٦١ م.
- مناقب الشيخ أوحد الدين الكرماني: مجهول المؤلف، طبع في طهران سنة ١٩٦٩ م.
- لطائف الحكمة: تأليف سراج الدين الأرموي، بتصحيح غلامجسين يوسفي بطهران.
- رسالة فريدون بن أحمد سبهسالار.
- رسالة در أحوال مولانا جلال الدين الرومي.
- لغت نامة دهخدا (دائرة المعارف الفارسية).
- دانشمندان أذربيجان.
١ - Brocklman,g,١٦١٤,s,١\ ٨٤٨,٦٤٩.
٢ - Mingana Catalugae of Arabic manuseripts. ٦٦٩.
ملاحظة: لم أذكر جميع المراجع المستعملة في القسم الدراسي، حيث أن بعضها قد ذكر في القسم التحقيقي.
стр. 158
التحصيل من المحصول
تأليف
سراج الدين محمود بن أبي بكر الأرموي المتوفي سنه ٦٨٢ هـ
دراسة وتحقيق
الدكتور عبد الحميد على أبو زنيد
القِسْم التَحقِيقيّ
الجزء الأوّل
стр. 159
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)
رَبّ تَمِّم بفضْلِكَ (٢)
نحمدك اللَّهمّ والحمد من نعم أوليت ومنح أسديت (٣) ونستعين بك والتوفيق للاستعانة بك من قدر قدرت وقضاء قضيت ونسترشدك ونستهديك، فاهدنا الى سبيل (٤) الرشاد وسواء الصراط، ولا تزغنا بعد اذ هديت. واسرِ
стр. 160
بأرواحنا إِلى معارج قدسك ومدارج (١) أنسك فيمن بروحه (٢) أسريت. وأجر على قلوبنا من سبحات جلالك ونفحات كمالك خير ما على قلوب خلائقك (٣) أجريت. وأمددنا بالإعانة على الإِبانة (٤)، وأملنا على الغواية إلى الدراية. ولا تجعلنا من جملة مَن أضللت. ولا تحشرنا في زمرة مَن أغويت.
ونبتهل إِليك ونرغب في أن تصلي على جملة أنبيائك وحَملة أنبائك أفضل ما على أحدٍ صليت، واخصص من بينهم بأجل تسليم سلمت وأكمل تحيةٍ حييت مولانا وسيدنا محمداً عبدك ورسولك وصفيّك وخليلك الذي بلغ ما أنزلت وأبلغ ما أوحيت، ثم (٥) آله الخيرة النجباء وأصحابه البررة الكرماء الذين لم يعصوا ما أمرت ولا فعلوا ما نهيت وسلم تسليماً (٦).
(سبب اختصار المحصول وطريقة الأرموي في الاختصار) (٧):
أما بعد: فلقد كانت الهمم فيما قبل لا تقصر عن الارتقاء إلى المراتب القاصية، ولا تفتر دون الوصول إلى المطالب العالية. والآن فقد أفضى الحال بالُأمم في تقصير الهمم إلى أن استكثروا اليسير، واستكبروا النزر الحقير، حتى أن الكتاب الذي صنّفه الإِمام العالم العلّامة فخر الملّة والدين حجة الإِسلام والمسلمين ناصر الحق مغيث الخلق (٨) محمد بن عمر الرازي نوَّر
стр. 161
الله ضريحه في أُصول الفقه وسمَّاه بالمحصول مع نظافة نظمه ولطافة حجمه يستكبره (١) أكثرهم ولا يقبل عليه أيسرهم على أنه يشتمل من الفوائد على جملٍ كافية ويحتوي (٢) من الفرائد على قوانين متوافية. ثم أن بعض مَن صدقت فيه رغبته وتكاملت فيما يحتويه محبته التمس منّي أن أُسهّل طريق
حفظه بإيجاز لفظه ملتزماً بالإِتيان (٣) بأنواع مسائله وفنون دلائله مع زيادات
من قِبلنا مكمّلة وتنبيهات على مواضع منه مشكلة لاعلى سبيل استيفاء الفكر واستكمال النظر لإِخلاله بالمقصود من هذا المختصر ... فأجبته (٤) إليه مستعيناً ومتوكلًا عليه وسمّيته بتحصيل الأصول من كتاب المحصول ليتوافق اسمه ومسماه ويتطابق لفظه ومعناه والله الموفق والمعين (٥)، وعليه أتوكل وبه أستعين.
المقدمة الأولى
أُصول الفقه مركب (١). فيتوقف معرفته على معرفة مفرداته من حيث يصح تركبها. فالأصل (هو المحتاج إليه) (٢).
والفقه عند العلماء: (العلم بالأحكام (٣) الشرعية العملية التي لا يعرف بالضرورة كونها من الدين إذا حصل (٤) بالاستدلال على أعيانها) (٥).
وإنما جعل الفقه علماً لقطع المجتهد بوجوب العمل بموجب ظنه فالحكم معلوم وقع (٦) الظن في طريقه وخرج عنه العلم بالذوات والصفات (الحقيقية) (٧).
стр. 164
وبالأحكام (١) الشرعية العملية. العقلية والعلمية ككون الإِجماع (٢) حجةً والعلم بوجوب الصوم والصلاة وعلم المستفتي (٣).
وإضافة اسم المعنى لغيره لاختصاص المضاف بالمضاف إليه في معنى لفظ (٤) المضاف فإذن أُصول الفقه: "جميع طرق الفقه من حيث هي طرق وكيفيتي الاستدلال وحال المستدل بها" (٥).
والطريق: "ما يفضي النظر الصحيح- وهو ترتيب أُمور (٦) مطابقة لمتعلقاتها في الذهن ليتوسل بها إلى غيرها- فيه إلى العلم أو الظن" (٧).
стр. 165
والأول يسمى دليلاً، والثاني أمارة. والكيفية الأولى: بيان شرائط الاستدلال والثانية: بيان وجوب الاجتهاد على المجتهد والاستفتاء على غيره.
(المقدمة) الثانية
إذا تصور أمر وحكم به على غيره كان تصديقاً (١). فإن كان جازماً كان جهلاً (٢) إن لم يطابق، وتقليداً (٣) إن طابق ولم يكن لموجب. وعِلماً (٤) إن كان لموجب عقلي أو حسّي أو مركب. والأول يسمى علماً بديهياً (٥) إن كفى تصور طرفيه لحصوله، وإلا نظرياً (٦) والثاني عِلماً بالمحسوسات. والثالث بالمتواترات إن كان الحس سمعاً. وإلا فبالمجربات (٧) أو بالحدسيات (٨).
وإن لم يكن جازماً وتساوى طرفاه سُمي شكاً (٩) وإلا فالراجع ظناً (١٠) والمرجوح وهماً.
стр. 166
تنبيهان (١)
الأول (٢): من التصور ما هو بديهي وإلَّا لدار أو تسلسل وهما يمنعانه.
والعلم منه (٣) إذ كل أحدٍ يعلم أنه عالم بجوعه وشبعه بلا كسب.
والتصديق مسبوق بالتصور وكذا الظن.
الثاني: الظن هو الاعتقاد الراجح من اعتقادي الطرفين ويغايره اعتقاد الراجح من الطرفين فقد لا يكون معه اعتقاد آخر. والأول: ظن صادق أو كاذب والثاني: فيه التقسيم من رأسي (٤).
(المقدمة) الثالثة
قال أصحابنا (٥): الحكم الشرعي: هو الخطاب (٦) المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير. لا يقال: هذا يقتضي قِدم الحكم وأنه يمنع من وصف الفعل بالحل، ومن صِدقِ قولنا: حلَّ هذا بعد أن لم يحل، ومن تعليله بالحادث كالملك وخروج (٧) الحكم بالسببية والشرطية والصحة والفساد. وتعلق الضمان بفعل الصبي. لأن الحكم يحل (٨) الفعل. قوله:
стр. 167
رفعت الحرج عن فاعله (١) والفعل متعلقه (٢) وهو لا يتصف بالمتعلق وإلا
стр. 168
اتصف المعدوم بصفةٍ ثبوتية لو تعلق به غيره، والمراد من قولنا حل تعلق الإِحلال به، ومن التعليل: التعريف، ومن سببيَّة الشيء إيجاب الفعل عنده، ومن صحة العقد: الإِذن في الانتفاع بالمعقود عليه ومن تعليق الضمان بفعل الصبي تكليف الولّي بأدائه من مال الصبي (١).
(المقدمة) الرابعة للحكم تقسيمات
التقسيم الأول:
الخطاب إما أن يقتضي الفعل جازماً وهو الإِيجاب (٢) أو غير جازم وهو الندب، أو الترك جازماً وهو التحريم، أو غير جازمٍ وهو الكراهة (٣) وإما أن لا يقتضيها وهو التخيير والإِباحة.
قال القاضي أبو بكر (٤): الواجب ما يذم تاركه شرعاً على بعض الوجوه (٥).
стр. 169
وقولنا يذم خير من قولنا يعاقب ويتوعد بالعقاب ويخاف العقاب لاحتمال عفو الله تعالى: واستحالة الخلف في خبره. وخوف الشاكّ في وجوب الفعل من العقاب على تركه.
وإنما قيد بالشرع ليوافق مذهبنا (١)، وببعض الوجود ليدخل فيه الموسع والمخيَّر وفرض الكفاية (٢) ولا تدخل فيه السنّة وإن قُوتل أهل بلد على تركها إصراراً لما نجيب عنه.
والفرض يرادف الواجب، وعند الحنفية يفارقه باستناده إلى قاطع. قال أبو زيد (٣) الفرض (٤): هو التقدير، والوجوب: السقوط. فخصص الفرض بالأول لأنه المعلوم التقدير علينا، وهو ضعيف إذ ليس الفرض هو المقدّر قطعاً كالواجب (٥) ليس هو الساقط قطعاً (٦).
стр. 170
المحظور: ما يذم فاعله شرعاً. وأسماؤه المعصية- أي فعل ما نهى الله عنه. وهي (١) عند المعتزلة (٢): فعل ما كرهه الله تعالى. وهو مبني على خلق الأعمال وإرادة الكائنات، والمحرم ويقرب من المحظور. والذنب: أي المنهي عنه المتوقع عليه المؤاخذة والمزجور عنه والمتوعد عليه (٣) أي من الشرع. والقبيح وسنفسِّره (٤).
المباح: ما أعلم فاعله أو دلّ على (٥) أنه لا يترجح أحد طرفيه على الآخر شرعاً (٦) وأسماؤه: الحلال والطِّلْق. وقد يقال الحلال لما لا ضرر في فعله وإن حرم تركه كدم (٧) المرتد.
المندوب: ما جاز تركه وترجح عليه فعله شرعاً ليخرج الأكل قبل
стр. 171
الشرع. وإنما ذمّ تارك جميع النوافل لأنه يدلّ على زهده في الطاعة واستهانته بها. وأسماؤه المرغب فيه أي بالثواب، والمستحب أي من الله تعالى، والنفل: أي الطاعة الغير واجبة، والتطوع أي الانقياد في قربة بلا حتم، والسنّة أي الطاعة غير الواجبة. لأنها تذكر في مقابلة الواجب. وقيل: ما يعلم وجوبه أو ندبيته بأمره ﵇ أو إدامة فعله فهو سنّة لأنها مأخوذة من الإِدامة. يقال: الختان من السنّة، والإِحسان (١) إذا كان نفلًا موصلًا إلى الغير قصداً.
المكروه: ما جاز فعله وترجح تركه شرعاً. وقد يقال بالاشتراك للمحظور وترك الأولى كترك صلاة (٢) الضحى وإن لم يرد عن تركها نهي.
" التقسيم الثاني ":
الفعل إن نهي عنه شرعاً فهو القبيح وإلا فهو الحسن. ولو فسر الحسن بما أذن فيه شرعاً خرج فعل الله تعالى، ولو فسر بما يصح من فاعله أن يعلم أنه غير ممنوع عنه شرعاً خرج عنه فعل البهائم والساهي والنائم دون فعل الله تعالى لأن الوجوب لا يمنع الصحة.
وقال أبو الحسين (٣): القبيح: هو الذي ليس للمتمكّن من فعله والعالم (٤) بحاله أن يفعله. ويتبعه أنه يستحق الذمّ فاعله، وأنه على صفةٍ
стр. 172
تؤثر في استحقاق الذم (١) والحسن ما يقابله (٢).
فنقول: قولنا ليس له أن يفعله يقال للعاجز عن الفعل والممنوع (٣) عنه حسّاً، ولمن به نفرة طبيعية، وللممنوع عنه شرعاً وشيء منها غير مراد ولا مشترك بينها يمكن تفسيره به لأن الأول إشارة إلى العدم والثاني (٤) إلى الوجود.
قوله: يستحق الذم فاعله. قلنا: قد يقال: الأثر (٥) يستحق المؤثر أي يفتقر إليه لذاته. والمالك يستحق الانتفاع بملكه أي يحسن منه. والأول باطل والثاني دور- لتفسيره الحسن بالاستحقاق.
ثم قالوا: الذم فعل أو قول أو ترك فعل أو قول ينبئ عن اتضاع حال الغير فنقول: إن عنوا بالاتضاع النفرة الطبيعية. خرج عنه فعل الله تعالى وإن عنوا به (٦) غيره فليبيِّنوا (٧).
ولقائل أن يقول (٨): إنما يتم الإِشكالان بإثبات الحصر في الأقسام
стр. 173
المذكورة ونفي كلٍّ منها بخصوصه وعمومه، ولم تقم الدلالة على واحدٍ منها.
والثالث مجرد مطالبة.
(التقسيم) الثالث
قالوا الخطاب قد يرد بجعل الشيء سبباً (١) وشرطاً ومانعاً. فلله تعالى في حق (٢) الزاني حكمان. وجوب الحد وجعل الزنا سبباً له. فنقول: إن عنوا بالسبب المعرّف فهو حق. وإن عنوا به المؤثر فهو باطل، إذ الحادث لا يؤثر في القديم ولأن حقيقة الزنا بعد الجعل إن بقيت كما كانت لم تؤثر كما
قبله وإلا فالمعدوم لا يؤثر. ولأن الصادر من الشّارع بعد الجهد إما الحكم فلم يكن الزنا مؤثراً أو موجبه وهو (٣) قول المعتزلة وسنبطله. أو غيرهما (٤) فلم يكن له تعلق بالحكم.
ولقائل أن يقول (٥) على الأول: لعلّهم أرادوا جعل الزنا سبباً لتعلّق
стр. 174
الحكم به وعلى الثاني: إنه يجوز بقاء الحقيقة مع طرآن (١) صفة المؤثرية.
وعلى الثالث: إن الصادر من الشارع المؤثريَّة (٢): وهي غيرهما ولها تعلق بالحكم.
(التقسيم) الرابع
الحكم قد يكون (٣) إما بالصحة أو بالبطلان. وأراد المتكلمون بصحة العبادة "موافقة الشرع"، والفقهاء "إسقاط القضاء"، وعليه تبتنى (٤) صلاة مَن ظن أنه متطهر (٥).
ومعنى صحة العقد: ترتب آثاره عليه. والبطلان (٦) والفساد يقابلانها (٧). وعند الحنفية الفاسد ما ينعقد بأصله دون وصفه كالربا.
ويقرب من صحة العبادة إجزاؤها. وإنما يوصف الفعل به لو أمكن أن لا يترتب أثره عليه. لا كمعرفة الله تعالى وردّ الودائع.
فإجزاء الفعل: أن يكفي الإِتيان به في سقوط التعبّد به. وقيل: هو إسقاط (٨) القضاء. وهو باطل لسقوط القضاء بالموت عند الإِتيان به بدون شرطه بلا إجزاء. ولتعليلنا وجوب القضاء بعد الإِجزاء ولأن القضاء يجب بأمر مجدد لما سنبيِّن.
стр. 175
ولقائل أن يقول (١): لو فسّر الإِجزاء بما يكفى الإِتيان به فى سقوط القضاء اندفع الوجهان الأولان.
(التقسيم) الخامس
العبادة إن أُدِّيت في وقتها بلا خلل فإن سبقه أداء بخلل سمِّيت إعادة وإلا أداء. وإن أُدِّيت خارج وقتها المضيق سميت قضاء إن وجد سبب وجوب الأداء وجب أو لم يجب أو (٢) لا يصح منه عقلاً كالنائم أو شرعاً كالحائض.
أو يصح منه لكن سقط الوجوب بسبب (٣) من جهة الله تعالى كالمرض، أو من جهته كالسفر. وقيل: إنما سمي قضاء في هذه الصور لأنه واجب الأداء وترك، وهو باطل إذ جواز الترك ينافي جزء (٤) ماهية الوجوب وهو المنع منه:
(التقسيم) السادس
ما جاز فعله سُمي (٥) عزيمة (٦) إن لم يوجد المقتضي للمنع منه ورخصة (٧) إن وجد، وجب كأكل الميتة في المخمصة أو لا كالإِفطار في السفر.
стр. 176
(المقدمة) الخامسة
الحسن والقبح: بمعنى ملاءمة الطبع ومنافرته. وصفة الكمال والنقص عقلي (١) وبمعنى ترتب الذم عاجلًا والعقاب آجلًا على الفعل وعدمه عندنا شرعي، وعند المعتزلة عقلي. وهو الموصوف بصفة لأجلها استحق فاعله الذم والعقاب، استقل العقل بمعرفته ضرورة كالكذب الضار، أو نظراً كالكذب النافع. أو لا يستقل كصوم يوم العيد إذ الشرع يعرف اتّصافه بما لأجله قبح.
لنا: إن فاعل القبيح إن لم يتمكن من تركه كان فعله اضطرارياً. وإن تمكن ولم يتوقف ترجح فاعليته على تاركيته على مرجح كان اتفاقياً. وإن توقف لم يكن ذلك المرجح منه، ويجب الفعل عنده لئلا يتسلسل (٢) ولا يلزم خلاف ما فرض من المرجح التام، وحينئذ يكون اضطرارياً. والاضطراري
والاتفاقي لا يقبحان عقلًا بالاتفاق.
стр. 177
ولقائل أن يقول: وجوب الشيء بشرط غيره لا ينافي إمكانه وقدرة الغير عليه، وإلَّا لزم نفي قدرة الله تعالى. فإن قلت الفرق أن مرجح فاعليته تعالى يحصل (١) باختياره. قلت (٢): فالكلام في فاعليته لذلك المرجح كما في الأول فلزم (٣) التسلسل في أفعاله تعالى أو الاعتراف بالمنع المذكور.
ادّعى الخصم العلم الضروري بقبح الكذب الضار، وزعم أنه لا يستفاد من الشرع لحصوله لمنكريه، وأن المقتضي لقبحه (٤) كونه كذلك بالدوران. ومنهم مَن استدل بأوجه:
أ- المختص بالوجوب لو لم يختص بما يقتضيه (٥) لترجح أحد الجائزين على الآخر بلا مرجع.
ب- لو حسن من الله كل شيء لحسن منه أظهار المعجزة على يد الكاذب والتبس النبي بالمتنبي.
جـ - ولحسن منه الكذب فلم يعتمد على أخباره.
د- العاقل يختار الصدق على الكذب إذا استويا فدلّ على أن كونه صدقاً يقتضي حسنه.
هـ- ما لا يعلم قبل الشرع لا يرد به الشرع.
والجواب (٦): المعلوم بالضرورة الحسن والقبح بمعنى الملاءمة والمنافرة. ولا يقال: الظلم ملائم لطبع (٧) الظالم، ولا ينفر الطبع عن خطاب الجماد، وإنشاد قصيدة غراء في شتم الملائكة والأنبياء بصوت طيب مع العلم الضروري بقبحه لأن الظلم لولاه من طبع الظالم لما دفع (٨) عن نفسه.
стр. 178
وإنما رغب فيه لمعارضة أخذ المال وحكم العقل بحسن الإِحسان لإِفضاء ذلك الحكم إلى وقوعه وبقبح الكذب لمخالفته لمصلحة (١) العالم. ويقبح خطاب الجماد لأنه اشتغال بما لا يفيد. ويقبح الإِنشاد المذكور لأنه مقابلة أرباب الفضائل بالشتم المخالف (٢) لمصلحة العالم. فرجع الكل إلى ملاءمة الطبع.
سلّمناه: لكن لا نسلّم تعليل قبح الظلم بكونه ظلماً والدوران لا يفيد العلية لما يأتي بعد. كيف (٣) والمفهوم من الظلم أنه إضرار غير مستحق.
والعدم لا يكون جزء علة الوجود وإلا لانسد (٤) باب معرفة وجود (٥) الصانع، ولا شرطاً لتأثير العلة إذ العلية تدور معه، ولا سبب سواه فيعلل (٦) به ويعود (٧) المحذور.
ولقائل أن يقول: لما فُسر القبح بالأمر العدمي كما سبق لا يتوجه هذا (٨).
والجواب عن أوب: أن الرجحان بلا مرجح إن لم يجز لزم الجبر كما سبق وبطل القبح العقلي. وإن جاز اندفع الأول وورد الثاني عليكم لجواز خلق المعجزة لا لغرض أو لغرض غير التصديق. لا يقال خلق المعجزة على يد الكاذب وإن لم يوجب التصديق لكنه يوهمه وأنه قبيح لأن إيهام القبيح إذا
لم يوجبه لا يقبح إذ التقصير من المكلف في قطعه لا في محل القطع كإنزال المتشابهات.
стр. 179
ولقائل أن يقول (١): الجواب مبني على الدليل المذكور وقد سبق ضعفه. ثم لا حاجة (٢) في جواب الثاني إلى الترديد. بل جوابه: أن حسن الشيء لا يوجب وقوعه بل قد يجزم بانتفائه، وهاهنا كذلك. وجواب الأول منع الملازمة إذ ليس المرجح منحصراً في صفة الفعل.
وعن "جـ" أنه وارد عليكم بحسن الكذب لإنقاذ النبي وفي المتوعد (٣) ظلماً.
لا يقال: الحسن هو التعريض ثم المقتضي قد يتخلف الأثر عنه لمانع. لأن الخبر إنما يصير تعريضاً بصرفه عن ظاهره بطريق لا يتنبه السامع اليه وحينئذٍ لا يمكن القطع بإجراء كلام الله تعالى على ظاهره إلا إذا علم أنه ليس ثمة مصلحة تقتضي صرفه عن ظاهره ولا طريق إليه البتة. بل غايته أن لا يعلم ذلك لكن عدم العلم لا يدل على العدم. وأما تخلف الأثر عن المؤثر العقلي فمُحال. وإلا كان عدم المانع جزءاً منه. ولو جاز ذلك لجاز في كل كذب أن لا يكون قبيحاً لمانع (٤) وعاد الإِلزام.
وعن "د" أن اختيار الصدق للألف العام. فإن العقل لا يأتي بما يخالف نظام العالم.
وعن "هـ" أن الموقوف على الشرع ليس تصور الحسن والقبح بل التصديق بهما.
التفريع: مهما بطل الحسن والقبح العقلي لم يجب شكر المنعم عقلاً. ولا يكون قبل الشرع حكم لكن الأصحاب أبطلوا قول المعتزلة في المسألتين تفريعاً على القول بالحسن والقبح العقلي.
стр. 180
مسألة: شكر المنعم لا يجب عقلاً خلافاً للمعتزلة (١).
لنا قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (٢)، ولأنه لا يجوز أن يجب لا لفائدة لكونه عبثاً. ولا لفائدة تعود إلى الله تعالى لتنزهه عنها. ولا إلى العبد لأنها إما جلب منفعةٍ. وهو غير واجبٍ عقلاً. فالمفضي إليه أولى. ولأن أداء الواجب لا يقتضي غيره. ولأن توسيطً الشكر يكون عبثاً لإِمكان إيقاعه بجميع المنافع بدونه وإما دفع مضرّة إما عاجلة- والمضرّة العاجلة لا تدفع مضرّة عاجلة- وإما آجلة. وأنه تعالى لا يضرّه الكفر ولا يسرّه الشكر، فلا نقطع بها. بل يحتمل العقاب على الشكر (٣). لأنه تصرف في ملك الغير بدون إذنه بلا ضرورة، ومجازاة للمولى (٤) على نعمه وشكر لنعمه التي (٥) هي بالنسبة إلى خزانة الله أقل من كسرة خبز (٦) بالنسبة إلى خزانة ملك، ولأنه قد لا يليق به تعالى.
فإن قيل: لِمَ لا يجوز أن يجب لدفع ضررٍ عاجل وهو خوف العقاب على الترك، فإنه (٧) راجح على خوف العقاب على الفعل: إذ فاعل الشكر أحسن حالاً من تارِكه.
ثم ما ذكرتم ينفي الوجوب الشرعي أيضاً (٨). وهو (٩) في مقابلة ما تقرر في بداية العقول من وجوب شكر المنعم. ثم نقول الشكر طريق آمن فاقتضى العقل وجوب سلوكه. ولأنه لو لم يجب عقلاً لما وجب النظر في المعجزة أيضاً عقلاً إذ لا فرق بينهما وأنه يفضي إلى إفحام الأنبياء. إذ المكلف يقول