← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 19235

التحصيل من المحصول

السراج الأرموي

Полный текст (781 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

(المقدمة) الخامسة الحسن والقبح: بمعنى ملاءمة الطبع ومنافرته. وصفة الكمال والنقص عقلي (١) وبمعنى ترتب الذم عاجلًا والعقاب آجلًا على الفعل وعدمه عندنا شرعي، وعند المعتزلة عقلي. وهو الموصوف بصفة لأجلها استحق فاعله الذم والعقاب، استقل العقل بمعرفته ضرورة كالكذب الضار، أو نظراً كالكذب النافع. أو لا يستقل كصوم يوم العيد إذ الشرع يعرف اتّصافه بما لأجله قبح. لنا: إن فاعل القبيح إن لم يتمكن من تركه كان فعله اضطرارياً. وإن تمكن ولم يتوقف ترجح فاعليته على تاركيته على مرجح كان اتفاقياً. وإن توقف لم يكن ذلك المرجح منه، ويجب الفعل عنده لئلا يتسلسل (٢) ولا يلزم خلاف ما فرض من المرجح التام، وحينئذ يكون اضطرارياً. والاضطراري والاتفاقي لا يقبحان عقلًا بالاتفاق.

стр. 177

ولقائل أن يقول: وجوب الشيء بشرط غيره لا ينافي إمكانه وقدرة الغير عليه، وإلَّا لزم نفي قدرة الله تعالى. فإن قلت الفرق أن مرجح فاعليته تعالى يحصل (١) باختياره. قلت (٢): فالكلام في فاعليته لذلك المرجح كما في الأول فلزم (٣) التسلسل في أفعاله تعالى أو الاعتراف بالمنع المذكور. ادّعى الخصم العلم الضروري بقبح الكذب الضار، وزعم أنه لا يستفاد من الشرع لحصوله لمنكريه، وأن المقتضي لقبحه (٤) كونه كذلك بالدوران. ومنهم مَن استدل بأوجه: أ- المختص بالوجوب لو لم يختص بما يقتضيه (٥) لترجح أحد الجائزين على الآخر بلا مرجع. ب- لو حسن من الله كل شيء لحسن منه أظهار المعجزة على يد الكاذب والتبس النبي بالمتنبي. جـ - ولحسن منه الكذب فلم يعتمد على أخباره. د- العاقل يختار الصدق على الكذب إذا استويا فدلّ على أن كونه صدقاً يقتضي حسنه. هـ- ما لا يعلم قبل الشرع لا يرد به الشرع. والجواب (٦): المعلوم بالضرورة الحسن والقبح بمعنى الملاءمة والمنافرة. ولا يقال: الظلم ملائم لطبع (٧) الظالم، ولا ينفر الطبع عن خطاب الجماد، وإنشاد قصيدة غراء في شتم الملائكة والأنبياء بصوت طيب مع العلم الضروري بقبحه لأن الظلم لولاه من طبع الظالم لما دفع (٨) عن نفسه.

стр. 178

وإنما رغب فيه لمعارضة أخذ المال وحكم العقل بحسن الإِحسان لإِفضاء ذلك الحكم إلى وقوعه وبقبح الكذب لمخالفته لمصلحة (١) العالم. ويقبح خطاب الجماد لأنه اشتغال بما لا يفيد. ويقبح الإِنشاد المذكور لأنه مقابلة أرباب الفضائل بالشتم المخالف (٢) لمصلحة العالم. فرجع الكل إلى ملاءمة الطبع. سلّمناه: لكن لا نسلّم تعليل قبح الظلم بكونه ظلماً والدوران لا يفيد العلية لما يأتي بعد. كيف (٣) والمفهوم من الظلم أنه إضرار غير مستحق. والعدم لا يكون جزء علة الوجود وإلا لانسد (٤) باب معرفة وجود (٥) الصانع، ولا شرطاً لتأثير العلة إذ العلية تدور معه، ولا سبب سواه فيعلل (٦) به ويعود (٧) المحذور. ولقائل أن يقول: لما فُسر القبح بالأمر العدمي كما سبق لا يتوجه هذا (٨). والجواب عن أوب: أن الرجحان بلا مرجح إن لم يجز لزم الجبر كما سبق وبطل القبح العقلي. وإن جاز اندفع الأول وورد الثاني عليكم لجواز خلق المعجزة لا لغرض أو لغرض غير التصديق. لا يقال خلق المعجزة على يد الكاذب وإن لم يوجب التصديق لكنه يوهمه وأنه قبيح لأن إيهام القبيح إذا لم يوجبه لا يقبح إذ التقصير من المكلف في قطعه لا في محل القطع كإنزال المتشابهات.

стр. 179

ولقائل أن يقول (١): الجواب مبني على الدليل المذكور وقد سبق ضعفه. ثم لا حاجة (٢) في جواب الثاني إلى الترديد. بل جوابه: أن حسن الشيء لا يوجب وقوعه بل قد يجزم بانتفائه، وهاهنا كذلك. وجواب الأول منع الملازمة إذ ليس المرجح منحصراً في صفة الفعل. وعن "جـ" أنه وارد عليكم بحسن الكذب لإنقاذ النبي وفي المتوعد (٣) ظلماً. لا يقال: الحسن هو التعريض ثم المقتضي قد يتخلف الأثر عنه لمانع. لأن الخبر إنما يصير تعريضاً بصرفه عن ظاهره بطريق لا يتنبه السامع اليه وحينئذٍ لا يمكن القطع بإجراء كلام الله تعالى على ظاهره إلا إذا علم أنه ليس ثمة مصلحة تقتضي صرفه عن ظاهره ولا طريق إليه البتة. بل غايته أن لا يعلم ذلك لكن عدم العلم لا يدل على العدم. وأما تخلف الأثر عن المؤثر العقلي فمُحال. وإلا كان عدم المانع جزءاً منه. ولو جاز ذلك لجاز في كل كذب أن لا يكون قبيحاً لمانع (٤) وعاد الإِلزام. وعن "د" أن اختيار الصدق للألف العام. فإن العقل لا يأتي بما يخالف نظام العالم. وعن "هـ" أن الموقوف على الشرع ليس تصور الحسن والقبح بل التصديق بهما. التفريع: مهما بطل الحسن والقبح العقلي لم يجب شكر المنعم عقلاً. ولا يكون قبل الشرع حكم لكن الأصحاب أبطلوا قول المعتزلة في المسألتين تفريعاً على القول بالحسن والقبح العقلي.

стр. 180

مسألة: شكر المنعم لا يجب عقلاً خلافاً للمعتزلة (١). لنا قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (٢)، ولأنه لا يجوز أن يجب لا لفائدة لكونه عبثاً. ولا لفائدة تعود إلى الله تعالى لتنزهه عنها. ولا إلى العبد لأنها إما جلب منفعةٍ. وهو غير واجبٍ عقلاً. فالمفضي إليه أولى. ولأن أداء الواجب لا يقتضي غيره. ولأن توسيطً الشكر يكون عبثاً لإِمكان إيقاعه بجميع المنافع بدونه وإما دفع مضرّة إما عاجلة- والمضرّة العاجلة لا تدفع مضرّة عاجلة- وإما آجلة. وأنه تعالى لا يضرّه الكفر ولا يسرّه الشكر، فلا نقطع بها. بل يحتمل العقاب على الشكر (٣). لأنه تصرف في ملك الغير بدون إذنه بلا ضرورة، ومجازاة للمولى (٤) على نعمه وشكر لنعمه التي (٥) هي بالنسبة إلى خزانة الله أقل من كسرة خبز (٦) بالنسبة إلى خزانة ملك، ولأنه قد لا يليق به تعالى. فإن قيل: لِمَ لا يجوز أن يجب لدفع ضررٍ عاجل وهو خوف العقاب على الترك، فإنه (٧) راجح على خوف العقاب على الفعل: إذ فاعل الشكر أحسن حالاً من تارِكه. ثم ما ذكرتم ينفي الوجوب الشرعي أيضاً (٨). وهو (٩) في مقابلة ما تقرر في بداية العقول من وجوب شكر المنعم. ثم نقول الشكر طريق آمن فاقتضى العقل وجوب سلوكه. ولأنه لو لم يجب عقلاً لما وجب النظر في المعجزة أيضاً عقلاً إذ لا فرق بينهما وأنه يفضي إلى إفحام الأنبياء. إذ المكلف يقول

стр. 181

لا أنظر في معجزتك ما لم يجب ولا يجب إلَّا بالشرع ولا يثبت الشرع إلا بالمعجزة. والجواب: أن الرجحان ممنوع في حق مَن لا يضرّه الكفر ولا يسرّه الشكر. وما ذكرنا وإن نفى الوجوب شرعاً لكن المدعى أن القبح العقلي ينفي الوجوب العقلي، وتقرر وجوب شكر منعم شأنه ما ذكرناه في البداية ممنوع. ولا نسلّم أن الشكر طريق آمن لما سبق. والإِفحام المذكور لازم على المذهبين. لأن وجوب النظر نظري فللمكلف أن يقول لا أنظر في المعجزة ما لم يجب النظر ولا يجب إلا بنظري فلا أنظر. ولقائل أن يقول: لِمَ لا يجوز أن يجب لفائدة هي منفعة العبد. ولا نسلّم أن جلب المنفعة لا يجب عقلًا إذ المنافع تختلف فيه (١). ولا نسلّم أن أداء الواجب لا يقتضي غيره. سلّمناه: لكنه لا ينفي الوجوب لفائدة هي منفعة العبد. إذ تلك الفائدة قد تكون نفس الشكر، إذ عندنا وجب الشكر لكونه شكراً. ولا نسلم أن توسيط الشكر عبث. إذ تلك الفائدة قد يمتنع حصولها بدونه لما سبق. فإن عُني بالفائدة أمر زائد على نفس كونه شكراً منعنا الحصر. إذ عندنا الشيء قد يجب لكونه ذلك الشيء. ولا نسلم أن المضرّة العاجلة لا تدفع مضرّة عاجلة فوقها. فقد (٢) يكون ضرر خوف العقاب مثلاً (٣) راجحاً على ضرر الإِتيان بالشكر وضرر خوف العقاب عليه. وحديث الإِفحام ضعيف جداً. ومن جانبكم (٤) أضعف. فإن لم يأت بالنظر إلا بعد معرفة وجوبه فقد يعرف وجوبه بالعقل قبل دعوى النبوّة.

стр. 182

مسألة: في حكم الأشياء قبل الشرع (١). ما يضطر المكلف إليه كالتنفس يؤذن (٢) فيه قطعاً إن لم يجز تكليف ما لا يُطاق. وما لا (٣) (يضطر المكلف إليه) فهو عند معتزلة البصرة (٤) وبعض فقهاء الشافعية والحنفية مباح.

стр. 183

وعند معتزلة بغداد وبعض الإِمامية (١) وأبي علي بن أبي هريرة (٢) منّا محظور وعند الأشعري (٣) والصيرفي (٤) وبعض الفقهاء على الوقف بمعنى لا حكم أو بمعنى لا نعلم.

стр. 184

لنا: ماسبق (١). للأولين (٢) وجهان: أ- أنه انتفاع خالٍ من أمارة المفسدة لا يضر المالك فحسن لدوران الحسن معه في الاستنشاق (٣) والاستظلال بحائط الغير. ب- الله تعالى خلق الطعوم في الأجسام لغرض وإلا (٤) كان عبثاً وليس يعود إلى الله تعالى لاستحالته، بل إلى العبد. وليس هو غير نفعه بالاتفاق. ونفعه بإدراكها أو استحقاق الثواب باجتنابها لكون تناولها مفسدة وأنه يتوقف (٥) على ميل النفس إليها الموقوف على إدراكها (٦) أو الاستدلال بها الموقوف على معرفتها الموقوفة على إدراكها ولازم المطلوب مطلوب. وللآخرين (٧): إنه تصرف في مُلْك الغير (٨) بغير إذنه فقبح كما في الشاهد. ولهما على إبطال قولنا (٩): إن التصرّف محظور إن كان ممنوعاً عنه وإلا فمباح.

стр. 185

والجواب عن: أ- بمنع حكم العقل في الأصل. ئم تضعيف (١) الدوران بما سيأتي (٢). ب- بالنقض (٣) بالطعوم المهلكة. ولقائل أن يدفع (٤) النقض بأنه يمكن الانتفاع بالمؤذي (٥) بالتركيب مع ما يصلحه بل الجواب بمنع الحصر ثم بمنع توقف المعرفة على التناول حالة التكليف فإنّا لا نسمّى فعل غير المكلف مباحاً. جـ- بمنع عدم الإِذن. د- إنه غير وارد إلَّا على الجزم بعدم الحكم. ولا نسلّم أن المباح ما لم يمنع عنه، بل ما أعلم فاعله أنه لا حرج عليه أقدم أو أحجم وإلا كان فعل البهيمة مباحاً. (المقدمة) السادسة لما كان أُصول الفقه: جملة طرق الفقه والكيفيتين (٦). والطريق إما عقلي- ولا مجال له عندنا في الأحكام (٧). وعند المعتزلة حكمه في المنافع الإِباحة وفي المضار الحظر- وإما سمعي وهو إما منصوص أو مستنبط.

стр. 186

والمنصوص قول مَن لا يجوز عليه الخطأ، وهو الله تعالى ورسوله ﷺ ومجموع الأُمة (١) أو فعله. والنظر في القول مقدّم إذ الفعل لا يدل إلَّا معه. وهو إما (٢) في ذاته وهو باب الأمر والنهي، أو في عوارضه بحسب متعلقاته وهو باب العموم والخصوص، أو بحسب كيفية دلالته وهي نسبة بين (٣) الذات ومتعلقاته، وهو باب المجمل والمبين، وبعده باب الأفعال ثم النسخ لأن الدلالة قد ترد لرفع الحكم. وإنما قدّم على الإِجماع والقياس لأنهما لا ينسخان ولا ينسخ بهما، ثم الإِجماع. ويقدم على الكل اللغات لافتقاره إليها، ثم الأخبار إذ المتمسك قد لا يشاهد المنصوص (٤)، ثم المستنبط وهو القياس (٥)، ثم التراجيح، ثم الاجتهاد، ثم الاستفتاء ثم نختم بذكر ما اختلف فيه كونه طريقاً. خاتمة: معرفة أحكام الله تعالى واجبة إجماعاً وهي إما بالاستدلال أو السؤال من مستدل دفعاً للتسلسل. ولا بدّ للمستدل من طريق. وأُصول الفقه هي تلك الطرق، وما يتوقف عليه الواجب المطلق وكان مقدوراً فهو واجب لما سيأتي فهذا العلم واجب وليس فرض عين لما نبيِّن من جواز الاستفتاء (٦) فهو فرض كفاية.

стр. 187

الكَلَام في اللّغَات وفيه فصول

стр. 188

الفصل الأول في أحكامها الكلية وفيه مسائل " المسألة الأولى " الكلام يطلق على المعنى القائم بالنفس والأصوات المقطعة، والنظر (١) في الثاني. قال أبو الحسين "هو المنتظم من حروف مسموعة متميزة متواضع عليها" وزيد فيه صادرة عن قادرٍ واحد. فالنظام (٢) هو: التأليف المختص بالأجسام فأطلق على الحروف للتشبيه. والمراد بالحروف الزائد على الواحد ظاهراً كان "كقم" أو في الأصل "كق" إذ أصله "قي" نقول في التثنية "قِيا" والحد يدخل الكلمة في الكلام. والنحاة تخالف الُاصوليين فيه وتخرج "ياء النسبة ولام التعريف" عنه مع أنهما (٣) كلمة وكل كلمة كلام. فالأولى أن يقال: المنطوق به الدال على معنى بالاصطلاح إن لم يكن جملة مفيدة فهو الكلمة، وإن كان فهو الكلام وربما زيد فيه أو نقص فلا يبقى معه كلاماً. والجملة المفيدة إن تركبت من جملتين فهي الشرطية نحو: "إن كانت الشمس طالعة فالنهار موجود" وإلا فهي الاسمية نحو: "زيد قائم" أو الفعلية نحو: "قام زيد". تنبيه: النداء جملة مفيدة وفي كونها من الأقسام بحث.

стр. 189

المسألة الثانية دلالة الألفاظ لو كانت لذواتها لما اختلفت بالُأمم ولاهتدى إليها كل عاقل. وخالف عباد (١) بن سليمان محتجاً بأنه لو لم يناسب الاسم معناه (٢) لترجح الجائز بلا مرجح. وجوابه: إن التخصيص من الله تعالى كتخصيص إيجاد العالم بوقت معين، ومن الناس كتخصيص الأعلام بالأشخاص. ثم إن كان وضع الكل من الله تعالى وهو مذهب الأشعري وابن فورك (٣) سمي توقيفياً. وإن كان من الناس وهو مذهب أبي هاشم (٤) وأتباعه سمي اصطلاحياً. وقيل: في ابتداء اللغات لابدّ من اصطلاح (٥) دون الباقي (٦) وقيل: بالعكس وهو مذهب الُأستاذ أبي إسحاق (٧).

стр. 190

وتوقف (١) جمهور المحققين في الكل، لأنه يمكن أن يخلق الله تعالى فيهم علماً ضرورياً بأن هذه الألفاظ وضعت لهذه المعاني. وبأن يضع الواحد اللفظ للمعنى ويعرفه غيره بإيماء أو إشارة ويساعده غيره عليه كتعليم الوالد لغته ولده. ولا جزم بواحد لضعف دليله فوجب التوقف. حجة التوقف وجوه: أ- قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ (٢) دلّ أن الأسماء توقيفية فكذا الأفعال والحروف. لأنه لا قائل بالفرق، ولأن التكلّم بها وحدها متعذر، ولأنها إنما سمِّيت أسماء (٣) لكونها علامة على معانيها. ب- قوله تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا﴾ (٤). وإنما يصح الذم لو كان غيرها من الأسماء توقيفياً. ج- قوله تعالى.: ﴿وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ﴾ (٥) وليس المراد اختلاف تأليفاتها لأنه في غير الألسن أبلغ بل اختلاف لغاتها. فى- إنه لا بدّ في الاصطلاح من تعريف الغير ما في الضمير بطريق يدل لا بالاصطلاح لئلا يتسلسل، بل بالتوفيق. وبه تمسك الُأستاذ لكنه قال هذا في الابتداء، أما في الدوام فقد يحصل اصطلاح، بل هو معلوم الوقوع.

стр. 191

هـ (١) - الاصطلاح يرفع الأمان عن الشرع (٢) لجواز تبدل اللغات. حجة الاصطلاح وجهان: أ- قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ (٣) دلّ على تقدم اللغة على البعثة المتوقف عليها التوقيف. ب- حصول التوقيف إما بخلق (٤) الله تعالى علماً ضرورياً بوضعه هذه الألفاظ إما في غير عاقل وهو بعيد جداً أو في عاقل، وأنه يتضمن العلم به تعالى فيكون ضرورياً وأنه ينافي التكليف بمعرفته وإما بطريق آخر ولا يتسلسل بل ينتهي إلى الاصطلاح. والجواب عن: أ- إن التعليم هو الفعل الصالح لحصول العلم. يقال علّمته فما تعلم. والإِقدار على الوضع كذلك. ثم العلم الحاصل بعد الوضع بإيجاده تعالى ولأن الاسم مشتق من السمو أو السمة. فما يكشف عن حقيقة شيء اسم وتخصيصه بالألفاظ لعُرفٍ طارئ. فلعله أراد بالأسماء الصفات من صلاحية المخلوقات للمصالح. سلّمنا أنه ينافي وضع آدم ﵇. لكنه لا ينافي وضع مَن سبقه من خلق الله تعالى. ب- إن الذم لاعتقاد تحقّق الإِلهية في الصنم. جـ- المعارضة بمجاز آخر وهو الإِقدار على اللغات. د- النقض بتعليم الولد ولده. سلّمنا توقيف لغة فلم تتعين هذه. هـ- إن التغير لو وقع لاشتهر وسنجيب عن النقض بمعجزات الرسول ﷺ وأمر الإِقامة في الأخبار. و- منع توقف التوقيف على البعثة.

стр. 192

ز- أنه يجوز أن يخلق الله تعالى العلم الضروري (١) بأن واضعاً وضع لا أنه تعالى وضع، سلّمناه فَلِمَ لا يجوز أن يعلم المجنون بالعلم الضروري بعض الأحكام الدقيقة؟. المسألة الثالثة الإِنسان لاحتياجه إلى غيره يحتاج إلى تعريفه ما في ضميره بطريق. واختيرت العبارة طريقاً لسهولتها فإنها من كيفية التنفس الضروري ولوجودها عند الحاجة وانقضائها عن انقضائها. ولإِمكان الإِفادة بها كان ما في الضمير موجوداً أولاً، محسوساً أولاً. ولقلة لزوم الاشتراك فيها (٢). ثم لو كان لكل معنى لفظ والألفاظ متناهية دون المعاني لوجد لفظ مشترك بين معاني غير متناهية وهو مُحال لافتقار الوضع لذلك (٣). ومعرفته منّا إلى تعقلها مفصلًا. نعم ما تشتد الحاجة إلى التعبير عنه يجب الوضع له للداعي التام مع القدرة. وما لا يعرفه العوّام لا يكون اللفظ المشهور موضوعاً له كلفظ الحركة لما يقوله مثبتوا الحال من المعنى الموجب لكون الذات متحركاً. المسألة الرابعة ليس الغرض من وضع الألفاظ المفردة إفادة معانيها المفردة لتوقف إفادتها إياها على العلم بها. بل التمكّن من إفادة المعاني المركبة بتركيب الألفاظ ويكفي في تلك الإِفادة العلم بوضع الألفاظ المفردة بحركاتها المخصوصة (٤) لتلك المعاني وانتساب بعضها إلى بعض بالنسب المخصوصة فلا يلزم الدور.

стр. 193

ولا وضعت الألفاظ للدلالة على ما في الخارج بل في الذهن، أما المفردة فلاختلافها عند تغير الصورة (١) الذهنية واستمرار الخارجية (٢)، وأما المركبة فلأن قولك "زيد قائم" لا يفيد قيام زيد وإلا لم يكن كذباً بل حكمك به. نعم قد يستدل بالحكم على الوجود الخارجي إذا عرفت (٣) براءته عن الخطأ. ولقائل أن يقول (٤): اختلاف اللفظ الموضوع للخارجي ممنوع في نفس الأمر، وجواز إطلاق اللفظ على الشيء مشروط باعتقاد أنه كذلك في الخارج. والكذب في المركب إنما يمتنع لو كانت دلالته قاطعة. المسألة الخامسة معرفة العربية واجبة لتوقف معرفة شرعنا على معرفة القرآن والأخبار الواردين بها. ولا طريق إليها بالعقل بل بالنقل أو بالمركب منهما. كما يعلم (٥) كون الجموع للعموم بالعقل بواسطة نقل جواز الاستثناء منها وأنه إخراج ما لولاه لدخل. والنقل إما متواتر يفيد العلم أو آحاد يفيد (٦) الظن. فإن قيل التواتر ممنوع إذ (٧) اختلف في أكثر الألفاظ دوراناً على الألسن كلفظ

стр. 194

الله تعالى اختلافاً كثيراً أهو سوري (١) أو عربي مشتق (٢) أو موضوع مع اختلاف كثير فيما اشتق منه. وما وضع له أهو الذات أو كونه قادراً أو معبوداً أو بحيث تتخير العقول في إدراكه أو غيره. وكذا الإِيمان والصلاة وغيرهما. ولأن شرطه استواء الطرفين والواسطة. ولم يعلم ولا يعتمد على أنه لو تغير لاشتهر. إذ ليس وضع لفظ معين لمعنى واقعة عظيمة ولأنه منقوض بما يتكلم به العرب الآن من ألفاظ وإعرابات فاسدة. وبالألفاظ المنقولة إذ لا يعلم مَن غيَّر ولا متى غُيِّر. ثم اشتهر أخذ اللغات عن جمع خاص كالخليل (٣) وغيره مع قلتهم وعدم عصمتهم والقطع بأن الكل لم ينقل كذباً لا يفيد القطع بصدق واحد معين. والآحاد لا تفيد الظن ما لم تسلم عن القدح والمعارضة. ورواة اللغة جرَّح (٤) بعضهم بعضاً. وقال بعضهم زيد في اللغة وآخر نقص منها. وبعد إفادتها الظن كيف نقطع بشيء من مدلولات القرآن والأخبار. والتمسك بالمركب موقوف على امتناع التناقض على الواضع ولا علم به. والإِجماع فرع هذا الطريق فإثباته به دور. والجواب: أنّا نعلم ضرورة أن الألفاظ المشهورة كالأرض والسماء وغيرهما كانت في زمان النبي ﷺ مستعملة في معانيها المعلومة. وأكثر القرآن منها. وما ليس منها لا يثبت به إلا الظن. ويثبت وجوب العمل به بالإِجماع. ويثبت الإِجماع بآية ألفاظها منها ويزول الإِشكال.

стр. 195

" الفصل الثاني" في تقسيم الألفاظ دلالة اللفظ على تمام مسمّاه هي المطابقة. وعلى جزئه التضمّن. وعلى لازمه الالتزام وليعتبر في الكل كونه كذلك احترازاً عن اللفظ المشترك بين الشيء وجزئه أو لازمه وفي الالتزام اللزوم الذهني إذ لا فهم دونه. لا الخارجي لحصول الفهم دونه كما في الصدين والاستدلال بتلازم (١) الجوهر والعرض. وعدم استعمال لفظ أحدهما في الآخر ضعيف (٢) إذ دلالة اللفظ غير استعماله، ولأنه استدلال بانتفاء الشيء ومع تحقّق غيره على عدم اعتبار الغير. والدّال بالمطابقة مفرد إن لم يدل جزء منه على شيء حين هو جزؤه، ومركب إن دلّ (٣) جزء منه كذلك وما يدل جزء منه دون جزء غير موجود (٤). والمفرد جزئي أن منع نفس تصور معناه من الشركة، وكلّي إن لم يمنع وهو إن دلّ على تمام الماهية كان مقولًا في جواب ما هو؟ بحسب الشركة والخصوصية إن صلح لذلك حالتي الجمع والإِفراد بالسؤال كالنوع بالنسبة إلى أفراده. وبحسب الشركة فقط إن صلح له (٥) حالة الجمع فقط كالجنس بالنسبة إلى أنواعه. وبحسب الخصوصية فقط إن صلح له (٥) حالة الإِفراد فقط كالحدّ بالنسبة إلى محدوده.

стр. 196

وإن دلّ على جزء الماهية فإن لم يكن مشتركاً بينها وبين ماهية ما غيرها كان فصلًا قريباً. وإن كان تمام المشترك كان جنساً قريباً أو بعيداً. وإن لم يكن تمام المشترك كان بعضاً منه مساوياً له دفعاً للتسلسل. وكان (١) فصلاً بعيداً لصلاحيته لتمييز الماهية. عن شيء ما في ذاته. ولو فسر الفصل بتمام المميز لم يكن حصر (٢) الجزء في الجنس والفصل والأجناس تنتهي في الارتقاء إلى ما لا جنس فوقه وهو جنس الأجناس. والأنواع في النزول إلى ما لا نوع تحته وهو نوع الأنواع. وإن دلّ على (٣) الخارج عن الماهية فهو إما لازم لها أو لشخصيتها بوسط وهو المقرون بقولنا "لأنه" حين قال لأنه كذا. أو بغير وسط. وإما غير لازم بوطء زواله أولًا. وأيضاً الخارج خاصة إن اختص بالماهية وإلا فعرض عام (٤). وأيضاً المفرد إن لم (٥) يستقل بالمفهومية فهو الحرف. وإن استقل ودلّ على زمان معيق لمعناه فهو الفعل. وإلا فهو الاسم. فإن كان مسمّاه جزئياً مضمراً فهو المضمر وإن كان مظهراً فهو العَلَم. وإن كان كلياً هو نفس الماهية فهو اسم الجنس عند النحاة. وإن كان موصوفية أمر ما بصفةٍ فهو المشتق. ثم حصول الكلي بإن كان في بعض تلك المواضع أولى أو أقدم فهو المشكك (٦) والا فهو المتواطئ وأيضاً المفرد إن وافقه غيره في معناه

стр. 197

سميا مترادفين (١) وإلا فمتباينين (٢). وأيضًا إنه قد ينسب لمعنى غير واحد. فإن وضع أولًا لمعنى ثم نقل إلى غيره لا لمناسبة بينهما فهو المرتجل (٣). أو لمناسبة فإن ترجح المنقول إليه سمي منقولاً شرعيًا أو عرفياً أو اصطلاحيًا على اختلاف الناقلين. وإلا سمي بالنسبة إلى الأول حقيقة وإلى الثاني مجازًا. ومنه المستعار وهو المنقول للمشابهة. وإن وضع لهما وضعًا أولًا فهو المشترك إن نسب إليهما. والمجمل إن نسب إلى كل واحدٍ منهما. وأيضًا المفرد إن لم يحتمل غير معنى فهو النص وإن احتمله سواء سمي مجملًا (٤) وإلَّا سمي بالنسبة إلى الراجح ظاهرًا (٥). وبالنسبة إلى المرجوح مؤولًا. والنص الظاهر يشتركان في الرجحان. والمجمل والمؤول في عدمه. واللفظ (٦) بالنسبة إلى الأول يسمى محكماً وإلى الثاني متشابهًا. ولا يحسن جعل الظاهر من قبيل وضع اللفظ لمعنيين (٧). وأما المركب فإما أن يفيد طلب شيء إفادة أولية فإن كان المطلوب

стр. 198

ذكره (١) فهو الاستفهام وإن كان تحصيله فهو مع الاستعلاء أمر ونهي: ومع التساوي التماس. ومع الخضوع سؤال وإما أن لا يفيده فإن احتمل التصديق كان خبراً وإلا تنبيهاً ومنه التمنّي والترجّي والقَسَم والنداء. والدال بالالتزام إما مفرد - فإن كان معناه الالتزامي شرطًا للمطابقي سمي اقتضاء عقلية (٢) كانت الشرطية أو شرعية (٣) - وإما مركب وهو إما أن يكون الالتزامي مكمِّلًا للمطابقي كدلالة تحريم التأفيف على تحريم الضرب أولا يكون. وهو إما ثبوتي كدلالة قوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ (٤) مادّاً إلى تبين الخيط الأبيض على صحة صوم المصبح جنبًا. أو عدمي كدلالة تخصيص الشيء بالذكر على نفي ما عداه. واعلم أن اللفظ قد يدل على لفظ مفرد أو مركب قال على معنى أو غير دال. والأول كلفظ الكلمة والاسم، والثاني (٥): كلفظ الخبر، والثالث (٦): كحرف المعجم الدال على لفظ لا يفيد. ولم يوجد الرابع (٧) إذا لتركيب للإفادة.

стр. 199

" الفصل الثالث" في الأسماء المشتقة وفيه مسائل المسألة الأولى قال الميداني (١): الاشتقاق (٢) أن تجد بين اللفظين تناسبًا في المعنى والتركيب فتردّ أحدهما إلى الآخر. وأركانه: اسم وضع لمعنى. وآخر له نسبة إلى ذلك المعنى. ومشاركتهما في الحروف الأصلية. وتغير يلحق ذلك الاسم في حرف أو حركة أو فيهما بزيادة أو نقصان أو بهما. " المسألة الثانية " (٣) لا يصدق المشتق بدون المشتق منه لاستحالة الكل بدون الجزء.

стр. 200

وجوّزه أبو علي (١) وأبو هاشم. إذ قالا العلم والقدرة والحياة (٢) معانٍ توجب العالميَّة والقادِريَّة والحيية الثابتة لله تعالى دونها. ولا بدون (٣) بقائه خلافًا لأبي علي بن سينا (٤) وأبي هاشم. إذ يصدق بعد الضرب أنه ليس بضارب لصدق الأخص منه وهو قولنا ليس بضارب في الحال

стр. 201

فلا يصدق قولنا ضارب. لأن استعمال أهل اللغة كل واحد منهما لتكذيب الآخر يدل على عدم تناقضهما وتناولهما لزمان معين. وإذ ليس هو غير الحاضر وفاقًا فهو عينه. ولقائل أن يقول (١): لا نسلم أن قولنا ليس بضارب في الحال سلبٌ أخصٌ بل سلبُ أخصٍ كقولنا: الحمار ليس بحيوان ناطق. ثم لا نسلم تناولهما للزمان الحاضر. إذ الفرق بين قولنا ضارب وبين قولنا ضارب في الحال معلوم بالضرورة من أهل اللغة. وكذا في السلب. وهذا يصلح ابتداء دليل في المسألة. وإنما يستعملان في التكاذب عند توافق المتخاطبين على إرادة (٢) زمان معين حاضر أو غيره. ثم إنه معارض بما أنه يصدق في الحال أنه ضارب في الماضي وأنه أخص من قولنا ضارب فليصدق. ولهما وجوه: أ- صحة تقسيم الضارب إلى الضارب في الماضي والحال. ب- اتفاق أهل اللغة على أن اسم الفاعل إذا كان بمعنى الماضي لا يعمل عمل الفعل إذ يدل على جواز إطلاقه بمعنى الماضي والأصل فيه الحقيقة. جـ - لو شرط البقاء لما كان اسم المخبر والمتكلم حقيقة إذ لا يوجد معناهما دفعة ولا اسم المؤمن عندما لا يكون الشخص متلبسًا بمعنى الإِيمان. والجواب عن: أ- النقض بصحة تقسيمه إلى الحال والمستقبل. ب- المعارضة باتفاقهم على أنه إذا كان بمعنى المستقبل عمل عمل الفعل.

стр. 202

ولقائل أن يقول (١): فيما ذكرناه تقليل المجاز فكان أولى. جـ - أن المعتبر وجود آخر جزء مما لا يوجد دفعة. ودعوى الإِجماع على عدم الفرق ممنوع. والتسمية المذكورة مجاز، إذ لا يقال للصحابة كفره (٢) ولليقظان نائم باعتبار ما مضى. ولقائل أن يقول: الحقيقة قد تهجر لمعارض (٣) من تعظيم أو عرف أو غيرهما (٤). " المسألة الثالثة " المعنى الذي له اسم يجب أن يشتق منه لمحله اسم. ولا يجوز أن يشتق لغير محله منه اسم. والمعتزلة تخالف أصحابنا فيهما إذ قالوا: الله تعالى متكلم بكلام يخلقه في جسم. ولا يسمى ذلك الجسم متكلماً وتمسكوا (٥) بأن القتل قائم بالمقتول ولا يسمى قاتلًا وأجيبوا بأن القتل هو التأثير القائم بالقاتل. وأجابوا بأن التأثير نفس وقوع الأثر. وإلا فإن كان حادثًا تسلسل وإلا لزم قدم الأثر وتقدم النسبة على المنتسبين. وأيضًا المكي والحداد مشتقان مما يمتنع قيامه بمحل الاشتقاق.

стр. 203

ولقائل أن يقول (١): العلم بأن التأثير غير وقوع الأثر ضروري ثم لا برهان على وجوب الانتهاء إلى أثر أخير بل إلى مؤثر أول. والتسلسل في الثاني ممنوع وتقدم النسبة على محلها ممتنع دون المنسوب إليه كالتقدم. ولعل الأصحاب لا تدعي ذلك إلَّا في المشتق من المصادر. تنبيه: المشتق لا يدل على حقيقة ما سميَ به بل على (٢) أنه أمر ما له المشتق (٣) منه.

стр. 204

" الفصل الرابع" في الترادف والتوكيد وفيه مسائل " المسألة الأولى " المترادفان: هما اللفظان المفردان الدالان على مسمى واحد باعتبار واحد. والقيد الأول احتراز عن الرسم (١) والحد (٢). والأخيران: عن الموضوعين لذاتين ولذات وصفة (٣). والتأكيد: هو اللفظ الموضوع لتقوية ما يفهم من آخر. وبه يفرق بينه وبين الترادف، والفرق بينه وبين التابع أن التابع وحده لا يفيد.

стр. 205

" المسألة الثانية " جواز الترادف والتأكيد معلوم بالضرورة واستقراء اللغات يدل على وقوعهما، وأنكر الملاحدة (١) التأكيد وقوم الترادف. وزعموا أن ما يظن أنه (٢) من المترادفة فهو من المتباينة تباين (٣) الصفتين أو الصفة والموصوف. ثم الداعي إلى الترادف: التسهيل والإِقدار على الفصاحة برعاية الوزن والقافية والسجع وأصناف البديع والتمكن من التعبير بأحدهما إذا نسي الآخر ووضع القبيلتين (٤) واشتهاره. وإلى التأكيد ما يأتي من فوائد. وقيل: الأصل عدم الترادف لإِخلاله بالفهم عند اختلاف علم المتخاطبين بالمترادفين. " المسألة الثالثة " النظر إلى اتحاد معنى المترادفين يوهم صحة (٥) إقامة كل واحد منهما مقام الآخر (٦) وليس كذلك إذ قد يختص أحدهما بصحة ضمه إلى غيرهما كالمترادفين من لغتين لكنه (٧) قد يمتنع ذلك كما في المترادفين من لغتين. واعلم أن أحد المترادفين قد يكون أجلى فيكون شرحًا للآخر وقد يختلف الجلاء بالأمم.

стр. 206

" المسألة الرابعة " قد يؤكد الشيء بنفسه بأن يكرر، وبغيره. فالمختص (١) بالمفرد النفس والعين وبالمثنى كلا وكلتا وبالجمع أجمعون واكتعون (٢) وأبصعون والكل وهو (٣) أم الباب.

стр. 207

" الفصل الخامس" في الاشتراك وفيه مسائل " المسألة الأولى " المشترك (١): هو اللفظ الواحد المتناول لعدد معان من حيث هو كذلك بطريق الحقيقة على السواء. خرج بالقيد الأول: المتباينان. وبالثاني: العلَم. وبالثالث: المتواطئ. وبالرابع: ما تناوله العدد أو لبعضه بالمجاز. وبالخامس: المنقول. ثم قيل: هو واجب في اللغة لأن الألفاظ متناهية فلو وزعت على المعاني وهي غير متناهية وجب الاشتراك. ولأن اللفظ العام كالوجود واجب في اللغة. ووجود كل شيء عين ماهيته فوجب الاشتراك. وجوابه ما تقدم: أنه لم يوضع للمعاني الغير متناهية (٢) لفظ مفرد. ولا نسلم وجوب الاشتراك. وإن سلمنا المقدمتين إذ يجوز وضع لفظ الوجود لأمر عام وقيل هو ممتنع لمفاسد الاشتراك من إخلاله بالفهم التام وغيره. وجوابه: إن تلك المفاسد لا توجب النفي كما في أسماء الأجناس. ويدل على إمكانه أن ذكر الشيء إجمالًا قد يكون غرض المتكلم حيث لا يعلم التفصيل أو يكون ذكره مفسدة. والوضع (٣) يتبع الغرض، ولأن القبيلتين

стр. 208

قد تضعان ثم يشتهر الوضعان. وقيل: لم يقع. وما يظن مشتركًا فهو متواطئ أو حقيقة في معنى مجازٌ في آخر، فالعين وضع للجارحة المخصوصة ثم نقل إلى الدينار والشمس (١) والماء لمشابهتها إياها في الصفاء والضياء. وغالب الظن وقوعه لتردد الذهن عند سماع القرء (٢) بين الطهر والحيض بلا قرينة. ثم المشترك قد لا يصدق أحد مفهوميه على الآخر كالقرء وقد يصدق صدق الجزء على الكل كالممكن. أو صدق الصفة على الموصوف كالأسود إذا سُمي به شخص أسود. " المسألة الثانية " إطلاق المشترك بين النقيضين لا يفيد، فوضع اللفظ لذلك عبث. ولقائل أن يقول: هذا لا ينفي ما يحصل من وضع القبيلتين (٣). ثم سبب وقوع الاشتراك ما مضى وسبب معرفته هو سماع تصريح أهل اللغة به (٤) أو وجدان دليل كون اللفظ حقيقة بالنسبة إلى معنيين. وزيد فيه (٥) الاستعمال وحسن الاستفهام وسيأتي ضعفهما.

стр. 209

" المسألة الثالثة " جوز الشافعي (١) والقاضي أبو بكر ﵄ استعمال المشترك المفرد في معانيه على الجمع وهو قول الجبائي والقاضي عبد الجبار (٢). ومنع آخرون وهو قول أبي هاشم وأبي الحسين (٣) البصري والكرخي (٤). ثم المانع يرجع إلى القصد عند بعض وإلى الوضع عند بعض وهو المختار. إذ الموضوع للمفردات ما لم يوضع للمجموع لم يجز استعماله فيه وحينئذٍ لو استعمل في جميع معانيه لزم أن يحصل الاكتفاء بكل مفرد لاستعماله فيه وأن لا يحصل ولا بواحد لاستعماله في المجموع وهو محال. ولقائل أن يقول (٥): النزاع في استعماله في كل واحد من المفهومات

стр. 210

لا في كلها وبينهما فرق. ثم استعمال اللفظ في معنى لا يوجب الاكتفاء (١) به مع استعماله في غيره معه. كاستعمال العام في كل واحد من أنواعه وأفراد أنواعه. وأيضًا المحال المذكور يلزم من استعماله في كل واحد من المفردين فلا حاجة (٢) إلى المقدمة الأولى. وأيضًا إن عني بالوضع للمجموع ما يعم الحقيقة والمجاز لا يلزم من استعمال اللفظ في جميع معانيه استعماله في المجموع. وإن عني به المختص بالحقيقة لا يلزم من عدم الوضع له عدم جواز استعماله فيه. للمجوزين وجوه: أ- قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ (٣) والصلاة من الله تعالى رحمة (٤) ومن الملائكة استغفار. ب- قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ (٥). الآية. أراد بالسجود من الدواب الخشوع (٦) ومن الناس

стр. 211

وضع الجبهة على الأرض (١) لتخصيص كثير ممن حق عليه العذاب منهم. جـ - أراد بلفظ القرء في آية العدة الطهر والحيض لوجوب الاعتداد على المرأة المجتهدة بكل واحدٍ منهما بشرط أداء اجتهادها إليه. د- قول سيبويه (٢): قول القائل ويل لك (٣) دعاء، وخبر جعله مفيدًا لهما. والجواب (٤): لو صح ما ذكرتم لكان اللفظ موضوعًا للمجموع كما للآحاد لئلا يلزم استعماله في غير موضعه وحينئذٍ يكون مستعملًا في أحد مفهوماته لا في كلها لما بينا وقد عرفت ما فيما بيَّن (٥). التفريع: إن منع في المفرد فمنهم من جوز في الجمع نفياً وإثباتًا والحق المنع إذ قوله: اعتدي بالأقراء معناه بقرء وقرء. والمفرد لا يفيد إلاَّ واحدًا فكذا جمعه. وفي النفي نظر إذ لم يدلنا قاطع على أن الواضع ما استعمله لإفادة الكل. وقد يجاب عنه بأن النفي يرفع مقتضى الإِثبات وهو واحد ولو أريد به المسمى بهذا الاسم صار اللفظ كالمتواطئ. ولقائل أن يقول (٦): إذا كان الجمع معناه تعديد الأفراد جاز أن يفاد به الكلي كما بالمفردات. ولأنهم يجمعون العام لإِفادة الأشخاص المختلفة.

стр. 212

وإن جوز في المفرد فقد قال الشافعي وأبو بكر (١): المشترك (٢) إذا تجرد عن القرينة وجب حمله على جميع معانيه. وفيه نظر لأن اللفظ ما لم يوضع للمجموع لا يجوز استعماله فيه وحينئذ لو استعمله فيه مع أنه أحد المعاني لزم الترجيح بلا مرجح. والترجيح بالأحوط سنتكلم عليه. ولقائل أن يقول (٣): هذا ينفي الجواز أَيضًا فلا يتمسك به تفريعًا عليه. " المسألة الرابعة " الأصل عدم الاشتراك لوجوه: أ- إنه لولاه لما حصل فهم المخاطب ولا أفادت السمعيَّات الظن. ولقائل أن يقول (٤): ظن وضع اللفظ للمعنى يوجب حمله عليه

стр. 213

وإن احتمل وضعه لغيره احتمالًا سواء. وأنه كافٍ في الفهم والظن. ب - الانفراد أكثر للاستقراء وأنه آية الرجحان. وإنما يلزم من اشتراك الحروف، وكثير من الأسماء بين المعاني، واشتراك الفعل الماضي بين الخبر والدعاء، والمضارع بين الحال والاستقبال، والأمر بين الندب والوجوب كثرة الاشتراك لو لم تكن الأسماء المنفردة أكثر من الألفاظ المشتركة. جـ - الاشتراك يخل بالفهم ويوقع في الجهل بتعذر الاستكشاف لمهابة القائل أو استنكاف السامع عن السؤال. ويضر بالقائل بحمله (١) على ما يضره ولم يرده وذلك يوجب ظن عدمه. د - الحاجة إلى وضع الألفاظ المنفردة ضرورية لما سبق دون المشتركة (٢) لحصول التعريف الإِجمالي بالترديد فكان أولى. ولقائل أن يقول: هذان (٣) لا ينفيان وضع القبيلتين وهو السبب الأكثري (٤) للاشتراك. " المسألة الخامسة " المشترك إن تجرد عن القرينة بقي مجملًا، إن منعنا حمله على كل مفهوماته وإن كان معه قرينة، فإن اعتبرت بعض المفهومات تعيَّن. وإن

стр. 214

اعتبرت كلها وهي متنافية كان كالمتجرد. وإن لم تكن متنافية فقيل بتعارض القرينة والدليل المانع من استعماله في كل مفهوماته فتعيَّن الترجيح بينهما (١)، وهو خطأ. إذ الدليل المانع قاطع فلا تعارض. سلمناه. لكنه يحتمل كون اللفظ موضوعًا للمجموع كما للآحاد. أو (٢) أنه تكلم به مرتين. وإذ لا تعارض فليحمل (٣) على الكل. وإن ألغت القرينة بعضها والباقي واحد تعيَّن. وإن كان أكثر بقي مجملًا فيه (٤). وإن ألغت كلها والحقائق ومجازاتها متساوية بقي مجملًا في مجازاتها. وإن تساوت الحقائق دون مجازاتها أو بالعكس حمل على المجاز الراجح أو مجاز (٥) الراجحة. وإن لم تتساو الحقائق ولا مجازاتها، فإن ترجح مجاز الراجحة تعيَّن، وإلا طلب ترجيح آخر. " المسألة السادسة " جاز حصول المشترك (٦) في القرآن والأخبار. بل وقع في آية العدة وفي قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ (٧) فإنه مشترك بين الإِقبال والإِدبار. حجة (٨) المانع: إنه لو لم يقصد من اللفظ المشترك الإِفهام أو قصده بلا بيان لزم العبث أو تكليف ما لا يطاق. وإن بيَّن مقارنًا (٩) له كان تطويلًا

стр. 215

بلا فائدة وإلا أمكن أن لا يصل إليه (١) البيان فيبقى الخطاب مجهولًا (٢). والجواب (٣) على مذهبنا: أنه تعالى يفعل ما يشاء. وعلى مذهب المعتزلة ما سيأتي في تأخير البيان عن وقت (٤) الخطاب.
следующие страницы →