← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 19235

التحصيل من المحصول

السراج الأرموي

Полный текст (781 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وضع الجبهة على الأرض (١) لتخصيص كثير ممن حق عليه العذاب منهم. جـ - أراد بلفظ القرء في آية العدة الطهر والحيض لوجوب الاعتداد على المرأة المجتهدة بكل واحدٍ منهما بشرط أداء اجتهادها إليه. د- قول سيبويه (٢): قول القائل ويل لك (٣) دعاء، وخبر جعله مفيدًا لهما. والجواب (٤): لو صح ما ذكرتم لكان اللفظ موضوعًا للمجموع كما للآحاد لئلا يلزم استعماله في غير موضعه وحينئذٍ يكون مستعملًا في أحد مفهوماته لا في كلها لما بينا وقد عرفت ما فيما بيَّن (٥). التفريع: إن منع في المفرد فمنهم من جوز في الجمع نفياً وإثباتًا والحق المنع إذ قوله: اعتدي بالأقراء معناه بقرء وقرء. والمفرد لا يفيد إلاَّ واحدًا فكذا جمعه. وفي النفي نظر إذ لم يدلنا قاطع على أن الواضع ما استعمله لإفادة الكل. وقد يجاب عنه بأن النفي يرفع مقتضى الإِثبات وهو واحد ولو أريد به المسمى بهذا الاسم صار اللفظ كالمتواطئ. ولقائل أن يقول (٦): إذا كان الجمع معناه تعديد الأفراد جاز أن يفاد به الكلي كما بالمفردات. ولأنهم يجمعون العام لإِفادة الأشخاص المختلفة.

стр. 212

وإن جوز في المفرد فقد قال الشافعي وأبو بكر (١): المشترك (٢) إذا تجرد عن القرينة وجب حمله على جميع معانيه. وفيه نظر لأن اللفظ ما لم يوضع للمجموع لا يجوز استعماله فيه وحينئذ لو استعمله فيه مع أنه أحد المعاني لزم الترجيح بلا مرجح. والترجيح بالأحوط سنتكلم عليه. ولقائل أن يقول (٣): هذا ينفي الجواز أَيضًا فلا يتمسك به تفريعًا عليه. " المسألة الرابعة " الأصل عدم الاشتراك لوجوه: أ- إنه لولاه لما حصل فهم المخاطب ولا أفادت السمعيَّات الظن. ولقائل أن يقول (٤): ظن وضع اللفظ للمعنى يوجب حمله عليه

стр. 213

وإن احتمل وضعه لغيره احتمالًا سواء. وأنه كافٍ في الفهم والظن. ب - الانفراد أكثر للاستقراء وأنه آية الرجحان. وإنما يلزم من اشتراك الحروف، وكثير من الأسماء بين المعاني، واشتراك الفعل الماضي بين الخبر والدعاء، والمضارع بين الحال والاستقبال، والأمر بين الندب والوجوب كثرة الاشتراك لو لم تكن الأسماء المنفردة أكثر من الألفاظ المشتركة. جـ - الاشتراك يخل بالفهم ويوقع في الجهل بتعذر الاستكشاف لمهابة القائل أو استنكاف السامع عن السؤال. ويضر بالقائل بحمله (١) على ما يضره ولم يرده وذلك يوجب ظن عدمه. د - الحاجة إلى وضع الألفاظ المنفردة ضرورية لما سبق دون المشتركة (٢) لحصول التعريف الإِجمالي بالترديد فكان أولى. ولقائل أن يقول: هذان (٣) لا ينفيان وضع القبيلتين وهو السبب الأكثري (٤) للاشتراك. " المسألة الخامسة " المشترك إن تجرد عن القرينة بقي مجملًا، إن منعنا حمله على كل مفهوماته وإن كان معه قرينة، فإن اعتبرت بعض المفهومات تعيَّن. وإن

стр. 214

اعتبرت كلها وهي متنافية كان كالمتجرد. وإن لم تكن متنافية فقيل بتعارض القرينة والدليل المانع من استعماله في كل مفهوماته فتعيَّن الترجيح بينهما (١)، وهو خطأ. إذ الدليل المانع قاطع فلا تعارض. سلمناه. لكنه يحتمل كون اللفظ موضوعًا للمجموع كما للآحاد. أو (٢) أنه تكلم به مرتين. وإذ لا تعارض فليحمل (٣) على الكل. وإن ألغت القرينة بعضها والباقي واحد تعيَّن. وإن كان أكثر بقي مجملًا فيه (٤). وإن ألغت كلها والحقائق ومجازاتها متساوية بقي مجملًا في مجازاتها. وإن تساوت الحقائق دون مجازاتها أو بالعكس حمل على المجاز الراجح أو مجاز (٥) الراجحة. وإن لم تتساو الحقائق ولا مجازاتها، فإن ترجح مجاز الراجحة تعيَّن، وإلا طلب ترجيح آخر. " المسألة السادسة " جاز حصول المشترك (٦) في القرآن والأخبار. بل وقع في آية العدة وفي قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ (٧) فإنه مشترك بين الإِقبال والإِدبار. حجة (٨) المانع: إنه لو لم يقصد من اللفظ المشترك الإِفهام أو قصده بلا بيان لزم العبث أو تكليف ما لا يطاق. وإن بيَّن مقارنًا (٩) له كان تطويلًا

стр. 215

بلا فائدة وإلا أمكن أن لا يصل إليه (١) البيان فيبقى الخطاب مجهولًا (٢). والجواب (٣) على مذهبنا: أنه تعالى يفعل ما يشاء. وعلى مذهب المعتزلة ما سيأتي في تأخير البيان عن وقت (٤) الخطاب.

стр. 216

" الفصل السادس" في الحقيقة والمجاز وفيه مسائل " المسألة الأولى " قال أبو الحسين (١): "الحقيقة ما أفيد بها في اصطلاح به التخاطب ما وضعت (٢) له فيه". والمجاز: "ما أفيد به في اصطلاح به التخاطب غير ما وضع له لعلاقة بينهما". وهذا (٣) القيد لم يذكره ولا بد منه ليخرج عنه الوضع الجديد. ومن يشترط (٤) الوضع في المجاز زاد فيه "معنى مصطلحًا عليه" وهذان يتناولان الحقيقة اللغوية والشرعية والعرفية ومجازاتها. وقال أبو عبد الله البصري (٥) أولًا: (الحقيقة ما انتظم لفظها معناها بلا

стр. 217

زيادة ونقصان (١) ونقل). والمجاز: (ما لا ينتظم لفظه معناه إما بزيادة (٢) أو نقصان أو نقل) وهو خطأ لأن المجاز بالزيادة والنقصان للنقل إلى موضوع آخر معنى وإعرابًا. أما معنى فلأن قوله: ليس كمثله شيء ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ لنفي مثل المثل وسؤال القرية وقد نقلا إلى نفي المثل وسؤال أهل القرية. وأما إعرابًا فلأنهما ما لم يغيرا إعراب الباقي لم يكونا مجازين كقولهم: جاءني (٣) زيد وعمرو، وقال (٤) ثانيًا الحقيقة: "ما أفيد بها ما وضعت له" والمجاز: "ما أفيد به غير ما وضع له". وقال ابن جني (٥): الحقيقة ما أقرت في الاستعمال على أصل وضعها في اللغة والمجاز بضده (٦) وهما متقاربان. وقال عبد القاهر النحوي (٧): (الحقيقة كل كلمةٍ أريد بها ما وقعت له في وضع واضعها وقوعًا لا يستند فيه إلى غيره) والمجاز: (كل كلمة أريد بها

стр. 218

غير ما وقعت له في وضع واضعها لملاحظة بينهما) وهذه الثلاثة تخرج الحقيقة الشرعية والعرفية عن حد الحقيقة وتدخلها في حد المجاز وأيضًا قوله في الأول منها (المجاز ما أفيد به غير ما وضع له) لا بد وأن يريد به مع القرينة وحينئذ (١) ينتقض باستعمال لفظ الأرض في السماء والأعلام المنقولة. واعلم أن لفظي الحقيقة والمجاز حقيقتان في المعنيين عرفيتان (٢). مجازان لغويان. إذ الحقيقة فعيلة من الحق وهو الثابت إذ يذكر في مقابلة الباطل الذي هو المعدوم. والفعيل بمعنى الفاعل أو المفعول. والتاء (٣) لنقل اللفظ من الوصفية إلى الإسمية. فلا يقال شاة أكيلة ونطيحة. ثم نقل إلى العقد. ثم إلى القول المطابق (٤) لأنهما بالوجود أولى من غير المطابق. ثم إلى اللفظ المستعمل في موضوعه، لأن استعماله فيه تحقيق لذلك الوضع. والمجاز مفعل من الجواز إما بمعنى التعدي وأنه مختص بالجسم فاستعماله في اللفظ مجاز للتشبيه ولأن بناء المفعل للمصدر أو الموضع لا للفاعل. فاستعماله في اللفظ المنتقل (٥) مجاز. وأما بالمعنى المذكور في مقابلة الوجوب والامتناع فإنه وإن أمكن حصوله في اللفظ لكنه يرجع إلى الأول. لأن الجائز لتردده بين الوجود والعدم كأنه ينتقل من أحدهما إلى الآخر. " المسألة الثانية " احتج الجمهور على الحقيقة اللغوية بأن ما استعمل فيه اللفظ إن كان ما وضع له كان حقيقة فيه وإلا مجازًا لكنه فرعها فلا بد منها وهو ضعيف إذ

стр. 219

المجاز فرع الوضع ونفي الوضع لمعنى ليس بحقيقة بل يتوقف بعده على استعمال اللفظ فيه وقد لا يتفق. نعم ها هنا ألفاظ مستعملة في موضوعاتها فهي حقائق فيها. والحقيقة العرفية: (هي اللفظة المنتقلة عن معناها إلى غيره (١) بعرف الاستعمال العام أو الخاص). ولا شك في إمكانها. ووقوع الثاني كألفاظ أهل العلم والصنائع. والنزاع في وقوع الأول. والحق ثبوت تصرف العرف في الألفاظ باشتهار مجازاتها في الاستعمال بحيث يستنكر معها الحقائق كتسمية قضاء الحاجة بالغائط الموضوع للمطمئن من الأرض. والمزادة بالراوية الموضوعة للجمل الذي يحملها وبتخصيصها ببعض مسمياتها كتخصيص الدابة المأخوذة من الدبيب. والملَك والجن المأخوذين من الألوكة التي هي الرسالة ومن الاجتنان ببعض ما هو كذلك. وأما على غير هذين الوجهين فلم يثبت. والحقيقة الشرعية: (هي اللفظة (٢) المستفاد وضعها للمعنى من الشرع). والقاضي أبو بكر منعها مطلقًا (٣). والمعتزلة أثبتوها مطلقاً وزعموا أنها أسماء أجريت على الأفعال كالصوم والصلاة. أو الفاعلين كالمؤمن والفاسق، وسموا الثاني بالأسماء الدينية تفرقة بينه وبين الأول. والمختار (٤) أن إطلاق هذه الألفاظ على هذه المعاني (٥) مجاز لغوي. لأن إفادتها لها لو لم تكن عربية لما كان القرآن كله عربياً. لأن كون اللفظ

стр. 220

عربيًا حكم يحصل له بإفادته لمعناه، وتسمية البقر (١) بالأسود مع نقط بيض فيه وتسمية الشِّعر بالفارسي مع كلمات عربية فيه مجاز لجواز (٢) الاستثناء لكنه عربي لقوله تعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ (٣) وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ (٤). فإن قيل: هذا يقتضي كون هذه الألفاظ موضوعة لما استعملته (٥) العرب فيه فلم تتناول محل النزاع. سلمناه: لكن القرآن حقيقة في بعض الكتاب أيضًا لوجوه: أ- لو حلف لا يقرأ القرآن حنث بالبعض (٦). ب- القرآن مشتق من القراءة والقرء وهو الجمع وأنه حاصل في البعض والخارج عن الكتاب لا يسمى به للعرف. جـ - يقال هذا كل القرآن وهذا بعض القرآن والتكرار والنقص خلاف الأصل. د- أنه تعالى أراد بالقرآن المذكور في سورة يوسف نفسها، فلا يلزم من عربية القرآن عربية كل الكتاب، ويدل عليه أن الحروف في أوائل السور غير عربية والمشكاة (٧) حبشية والأستبرق (٨) والسجيل (٩) فارسيان، والقسطاول (١٠) رومي.

стр. 221

ثم ما ذكرتم معارض بوجوه (١): أ - هذه (٢) المعاني حدث تعقلها فلا بد من حدوث أسمائها كالولد يحدث فيوضع له اسم. ب - الإِيمان في اللغة التصديق وفي الشرع فعل الواجبات لوجوه: ١ - فعل الواجبات هو الدين لقوله تعالى: ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ (٣). فإنه يرجع إلى جميع (٤) ما تقدم والدين الإِسلام لقوِله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (٥) والإِسلام الإِيمان، وإلَّا لم يقبل ممن ابتغاه لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ (٦). ولما صح استثناء المسلمين من المؤمنين لكن صح في قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٧). استثناء المسلمين من المؤمنين. ٢ - قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ (٨) أي أعمالكم، وقيل: صلاتكم إلى بيت المقدس. ٣ - قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٩) والرسول لا يستغفر للفاسق حالة (١٠) فسقه فلم يكن مؤمنًا.

стр. 222

٤ - قاطع الطريق يُخزى يوم القيامة لقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (١). مع قوله حكاية عنهم: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ (٢) فإن عدم تكذيبهم فيه يدل على أنه صدَّقهم فيه. والمؤمن لا يخزى يوم القيامة لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ (٣). ٥ - لو كان الإِيمان نفس التصديق لما سُمي الشخص بعد الفراغ منه مؤمنًا لانتفاء شرط (٤) صدق المشتق ولكان كل مصدِّقٍ ولو بالجبت والطاغوت مؤمنًا. ولكان المصدق بالله الساجد للشمس مؤمنًا. ولما جامع الشرك الإِيمان بالله لكنه يجامعه لقوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ (٥). جـ - الصلاة في اللغة المتابعة أو الدعاء أو عظم الورك. ولم تفد في الشرع شيئًا منها. إذ لم (٦) يخطر بالبال عند سماعها. ولأن صلاة المنفرد والإِمام لا متابعة فيها ولا يكون (٧) رأسه عند عظم ورك غيره وصلاة الأخرس لا دعاء فيها. د - الزكاة في اللغة الزيادة، وفي الشرع تنقيص مخصوص. والصوم في اللغة الإمساك، وفي الشرع إمساك خاص. والجواب عن: أ - إن هذا يقتضي وضع هذه الألفاظ لمعانٍ هي عند العرب حقائق فيها أو مجازات وتسمية الشيء باسم جزئه مجاز مشهور عندهم كتسمية الزنجي

стр. 223

بالأسود والدعاء جزء المسمى بالصلاة. بل الجزء المقصود لقوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ (١). لا يقال شرط المجاز تصريح أهل اللغة بتجويز النقل وهو بدون تعقل المنقول إليه ممتنع. لأنا نمنع شرطية التصريح على أنهم صرحوا بتجويز نقل اسم الجزء إلى الكل فيتناول هذا. ب- إجماع الأمة على أنه تعالى لم ينزل إلَّا قرآناً واحداً والوجوه الأربعة معارضة بما يقال في كل آيةٍ وسورة إنه بعض القرآن. ولقائل أن يقول: هذا لا يعارض الوجوه (٢) لصدقه في المقول على الجزء والكل بالاشتراك اللفظي أو المعنوي (٣). جـ - إن تلك الحروف عندنا أسماء السور (٤)، وأنه لا امتناع في توافق العربية (٥) للغة أخرى في مثل لفظ المشكاة. أ- إنه يكفي فيها المجاز بتخصيص (٦) بعض الألفاظ ببعض مواردها وعن الوجوه الخمسة في ب: إنَّ لفظة "ذلك" (٧) للوحدان والذكران فلا ينصرف إلى أمور كثيرة ولا إلى إقامة الصلاة. فلا بد من إضمار. وإضماركم الذي أمرتم به ليس أولى من إضمار الإِخلاص والدين (٨)، إذ يدل

стр. 224

عليهما قوله تعالى (١): ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (٢). بل إضمارنا أولى لأنه تقرير اللغة: والمراد من قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ (٣). التصديق بوجوب تلك الصلاة وبقية الآيات معارضة بآيات تدل على محلية القلب للإِيمان كقوله تعالى: ﴿كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ﴾ (٤). وقوله تعالى: ﴿وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ (٥). وقوله تعالى: ﴿يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ (٦). وبقوله ﵇: "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك" (٧). وبآيات تدل على ترتب الأعمال الصالحة على الإِيمان كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ (٨). وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا﴾ (٩). وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ﴾ (١٠). وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ (١١). وبآيات تدل على مجامعة الإِيمان للمعاصي كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ (١٢). وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ (١٣).

стр. 225

والملازمة (١) الأولى متعارضة والثلاث (٢) الباقية لا تفيد. فإنا نسلم أن الإيمان في الشرع ليس نفس التصديق بل تصديق النبي ﵇ في كل أمر ديني علم بالضرورة مجيئه به. وعن جـ (٣)، د، أنهما ينفيان كون تلك الألفاظ حقائق لغوية لا مجازات. " فروع" الأول: النقل خلاف الأصل لتوقفه على الوضع اللغوي ثم نسخه ثم وضع جديد. ولإِخلاله بالفهم ولأن الأصل بقاء ما كان على ما كان (٤). الثاني: في الألفاظ الشرعية المتواطئ وفاقًا. واختلف في المشترك. والحق وقوعه إذ لفظة الصلاة مستعملة في معان لا يجمعها جامع كصلاة الأخرس والقاعد وصلاة الجنازة والصلاة بالإِيماء على مذهب الشافعي فهو بالاشتراك. ولقائل أن يقول (٥): الفعل الواقع على أحد الوجوه المخصوصة جامع إياها فلم لا يجوز وضع لفظ الصلاة له.

стр. 226

وأما الترادف (١) فالأظهر أنه لم يوجد إذ الترادف خلاف الأصل فيقدر بقدر الحاجة (٢). الثالث: الأقرب أنه لم يوجد فعل شرعي كما وجد إلاسم للاستقراء ولأن الفعل يتبع المصدر. فيكون كونه شرعيًا بالعرض تبعًا (٣) لكون المصدر شرعيًا لا بالذات. الرابع: صيغ العقود اخبارات لغة فإذا استعملت في الشرع لاستحداث الأحكام فالأقرب أنها إنشاءات لوجوه: أ- لو كان قوله أنت طالق إخبارًا عن الماضي أو الحال لامتنع تعليقه. أو عن المستقبل لما وقع الطلاق كما لو قال ستصيرين طالقًا (٤). ب- لو كان إخبارًا كاذبًا لما اعتبر ولو كان صادقًا لما توقف وقوع الطلاق عليه لئلا يلزم الدور لتوقف صدق الخبر (٥) على وقوع المخبر عنه. جـ - الأمر بالتطليق (٦) يقتضي القدرة عليه ولا قدرة إلَّا على اللفظ فهو المؤثر في الطلاق.

стр. 227

د- لو أضاف إلى الرجعية وقع، وإن صدق دون الوقوع (١). " المسألة الثالثة (٢) " المجاز إما في مفردات الألفاظ كإطلاق الأسد على الشجاع أو المركب (٣) دون مفرداته كقوله (٤): أشاب الصغير وأفنى الكبير ... كر الغداة ومر العشي (٥) أو فيهما كقوله: (أحياني اكتحالي بطلعتك) فإن المفردات ونسبة بعضها إلى بعض مجاز. ومنهم من منع المجاز في المفرد بأن اللفظ لا يفيد المعنى المجازي بدون القرينة وهو معها لا يحتمل غيره، فكان حقيقة فيه وهو ضعيف. إذ المجاز لفظ لا يفيد إلا مع القرينة ودلالة القرينة ليست وضعية ليكون المجموع حقيقة. والمجاز المفرد على إثني عشر وجهًا (٦):

стр. 228

أ - إطلاق اسم السبب على المسبَّب كان السبب قابليًا كقولهم: سال الوادي أو صُوريًا: كتسمية اليد بالقدرة. أو فاعليًا كتسمية المطر بالسماء. أو غائيًا: كتسمية العنب بالخمر. ب - عكسه (١) كتسمية المرض والمذلة (٢) العظيمين بالموت ويحتمل كون هذا المجاز من باب المشابهة. والأول أقوى لاستلزام العلة المعينة للمعلول المعين من غير عكس. والعلة الغائية أولى الجميع لاجتماع العلية والمعلولية فيها. جـ - تسمية الشيء باسم شبيهه وهو المسمى بالمستعار. د - تسمية الشيء باسم ضده كتسمية جزاء السيئة سيئة (٣) ويمكن جعله مجازًا للمشابهة. هـ - تسمية الجزء باسم الكل. و- عكسه. والأول أولى لأن الكل يستلزم الجزء بلا عكس. ز - تسمية إمكان الشيء باسم وجوده كتسمية الخمر في الدن بالمسكر. ح - إطلاق المشتق بعد زوال المشتق منه. ط - المجاز بالمجاورة كتسمية الشراب بالكأس ويمكن جعله مجازًا بسبب (٤) القابل. ي - المجاز بسبب نقل أهل العرف اللفظ العرفي إلى معنى آخر كتسمية الكلب بالدابة. وهذا وإن كان حقيقة لغوية لكنه مجاز عرفي. ويمكن جعل هذا مجازًا للمشابهة. يا - المجاز بالزيادة والنقصان وقد سبقا (٥). يب - تسمية المتعلق باسم المتعلق كتسمية المعلوم عِلمًا.

стр. 229

" المسألة الرابعة " (١) المجاز لا يدخل بالذات إلا في أسماء الأجناس. فإن الحرف إن ضُمَّ إلى ما ينبغي ضمه إليه كان حقيقة وإلا كان مجازًا في التركيب. ومجازية الفعل والاسم المشتق تابعة للمصدر والمشتق منه. والعلم لا علاقة بين مسماه وبين الأصل، وإنها (١) شرط المجاز. " المسألة الخامسة " (٢) لا بد من السمع في استعمال المجاز لأن النخلة تطلق على الِإنسان الطويل دون غيره، ولأنه لا يعار الأبخر - اسم الأسد - وإن شابهه فيه. ولقائلٍ أن يقول (٣): لعل المعتبر المشابهة في أخص الصفات وأشهرها (٤). حجة المخالف وجهان: أ- الاتفاق على توقف استخراج وجوه المجاز على تدقيق النظر. ب- إذا قلت للشجاج أنه أسد فالتعظيم إنما يحصل بإعارة معناه دون لفظه فوجب الجواز حيث حصلت. والجواب عن: أ- إنَّ الموقوف جهات حسن المجاز لا نفسه. ب- إن الإِعارة أمر تقديري فيجوز منع الواضع منه في بعض الصور.

стр. 230

" المسألة السادسة " (١) المجاز المركب عقلي كقوله تعالى: ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ﴾ (٣) إذ الإِخراج والانبات مستندان إلى الله تعالى، وهوحكمٌ عقلي. فنقله نقل لحكم عقلي لا للفظ لغوي. ولا يقال (٤): جاز أن يكون لفظ أخرج موضوعًا لصدور الخروج عن القادر فاستعماله في غيره يكون مجازًا لغوياً. لأن (٥) أمثلة الأفعال لو دلت على خصوصية المؤثر لكان لفظ أخرج خبرًا تامًا (٦). وقولنا أخرجه القادر تكرارًا. سلمنا: لكنها لا تدل على تعين القادر. وإلا لزم الاشتراك بحسب كل قادرٍ فإذا أضيف إلى غير القادر الذي صدر عنه (٧) لا يكون التعبير واقعًا في مفردات الألفاظ بل في الإِسناد. ثم القرائن الحالية أو المقالية يتميز هذا المجاز عن الكذب. " المسألة السابعة " (٨) جاز دخول المجاز في الكتاب والسنّة كما في قوله تعالى: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾ (٩) وقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ (١٠). ومنع منه أبو بكر الأصفهاني (١١) محتجًا بأمور:

стр. 231

أ - المجاز يصحح وصف من صدر عنه (١) بالمتجوز. ب - إنه يقتضي عجزه عن الحقيقة. جـ - وروده في القرآن يوجب الإِلباس إذ لا ينبئ بنفسه. د - كلامه تعالى حق فله حقيقة ولا شيء من الحقيقة بمجاز. والجواب عن: أ - إنَّ أسماء الله تعالى توقيفية. سلمنا كونها اصطلاحية لكن لفظ المتجوز يوهم كونه فاعلًا لما لا ينبغي. ب - إن العدول عن الحقيقة قد يكون لأغراضٍ أخرى. جـ - إنه لا إلباس مع القرينة. د - إن كلامه تعالى حق بمعنى الصدق دون (٢) كونه مستعملًا في موضوعه. " المسألة الثامنة " الداعي إلى المجاز اختصاص لفظة بالعذوبة أو صلاحية (٣) الشعر والسجع وأصناف البديع، أو اختصاص معناه بالتعظيم، أو التحقير أو زيادة البيان أو تلطيف الكلام، إذ لفظ الحقيقة يوقف على المقصود بتمامه، فلا يبقى إليه شوق والمجاز الذي هو ذكر اللازم يوقف عليه من وجهٍ دون وجه فيتعاقب بسبب (٤) الشعور والحرمان لذات وآلام فيحصل حالة كالدغدغة النفسانية فلأجله كان التعبير بالمجاز ألذ.

стр. 232

" المسألة التاسعة " قال ابن جني: أكثر اللغة مجاز. أما في الأفعال فلأن قولك (قام زيد) يفيد المصدر المتناول لكل الأفراد الممتنع صدورها منه، وهو ضعيف. إِذ المصدر يفيد الماهية دون كليتها أو جزئيتها. وقال: قولك "ضربتُ زيدًا" مجازٌ إذا ضربتَ بعضه. واعترض أبو محمَّد بن متوْيه (١)، بأن المتألم كله وهو ساقط. إذ الكلام في لفظ الضرب وهو: إمساس الحيوان بعنف دون التألم. ثم قولك (ضربتُ زيدًا) مجاز من وجه آخر، إذ زيد عبارة عن الأجزاء الباقية من أول عمره إلى آخره. وربما لم يُمس شيء منها. وقولك (رأيت زيدًا) مجاز إذ المرئي لونه وسطحه دون أجزائه الكامنة فيه (٢) وليعلم أن هذا مجاز في التركيب. " المسألة العاشرة " المجاز خلاف الأصل لوجوه: أ- شرط المجاز حصول القرينة إذ لا معنى للحقيقة إلا ما يحمل عليه بلا قرينة لكن الأصل عدم القرينة. ب- إنه يتوقف بعد الوضع على النقل وعلته دون الحقيقة فكان أندر (٣). جـ - السابق إلى الفهم هو الحقيقة وأنه دليل رجحانها.

стр. 233

د- استدل الكل بالاستعمال على الحقيقة. قال ابن عباس (١) ﵁: ما كنت أعرف معنى الفاطر حتى اختصم إلى شخصان في بئر فقال أحدهما: (فطرها أبي. أي اخترعها) (٢). وقال الأصمعي (٣): ما كنت أعرف الدَّهاق حتى سمعت جاريةً تقول: (إسقني دهاقًا) أي ملآنًا. هـ - لولا (٤) أن الأصل هو الحقيقة لما فهم المراد دون الاستفهام. إذ الأصل ليس هو المجاز وفاقًا. " فروع" (٥) الأول: إذا دار اللفظ بين الحقيقة المرجوحة والمجاز الراجح فالأول أولى عند أبي حنيفة (٦) والثاني عند أبي يوسف (٧). وقيل يستويان فرجحان كل منهما على الآخر من وجه.

стр. 234

الثاني: اللفظ في أول وضعه ليس بحقيقة ولا مجاز إذ شرطهما الاستعمال بعده. الثالث: اللفظ بحسب الوضع الواحد بالنسبة إلى المعنى الواحد لا يكون حقيقة ومجازًا (١) معاً. أما بحسب الوضعين أو بالنسبة إلى المعنيين فنعم. الرابع: الحقيقة قد تصير مجازًا (٢) وبالعكس إذ الحقيقة العرفية كانت مجازًا لغوياً والحقيقة اللغوية صارت مجازًا عرفيًا. الخامس: المجاز في معنى حقيقة في غيره بأن يستعمل في موضوعه ولا ينعكس. إذ لا يلزم من وضع اللفظ لمعنى تجوز نقله إلى غيره لمناسبةٍ بينهما. ولقائل أن يقول (٣): إن ادعيت لزوم إمكان الحقيقة للمجاز فهو مسلم لكن هذا ينعكس. وإن ادعيت لزوم الفعل فممنوع (٤) إذ المجاز فرع الوضع العاري عنهما. فإن التزم أنه حقيقة فقد ناقض ما بيَّن في إثبات الحقيقة اللغوية. السادس: يفرق بين الحقيقة والمجاز بنص الواضع عليهما أو على أحدهما أو

стр. 235

خواصهما أو خواص أحدهما. وبفهم (١) أهل اللغة المعنى أو إفهامه إياه دون القرينة وبتعليق اللفظ بما يستحيل تعليقه (٢) به. وباستعماله (٣) له فيما ترك استعماله فيه. وفرق الغزالي (٤) ﵀ بأمور (٥): أ - اطراد (٦) الحقيقة: فلا يقال واسأل (٧) البساط. وهو ضعيف إذ المثال لا يصحح دعوى عامة. وأيضًا إذا أراد بالاطراد الاستعمال في موارد نص الواضع فالمجاز كذلك (٨). وإن أراد به الاستعمال (٩) في غيرها وأنه قياس في اللغة ولا يقول هو به.

стр. 236

وأيضًا الحقيقة قد لا تطرد بأن يمنع منه العقل (١). كالدليل لا يقال على الله تعالى إلا مقيداً وإن جعل حقيقة في فاعل الدلالة. أو السمع (٢). فلا يقال لله تعالى فاضل سخي. أو اللغة فلا يقال لغير الفرس أبلق. فإن شرط فيه كون الملون باللونين فرسًا جاز أن يشرط في المجاز وصفًا لا يطرد فاستويا فيها. ب - جواز (٣) الاشتقاق منها. فلفظ الأمر بمعنى القول يشتق منه الأمر والمأمور ولا يشتق منه بمعنى الفعل. وهو أيضًا تمسك بالمثال ومنقوض بقولهم للبليد حمار وللجمع حمر. وبأن الرائحة لا يشتق منها اسم (٤). جـ - اختلاف جمع اللفظ باختلاف معناه يوجب كونه مجازًا في أحدهما. فلفظ الأمر بمعنى القول يجمع على أوامر وبمعنى الفعل على أمور. وهو ضعيف إذ لا إشعار لاختلاف الجمع بالحقيقة والمجاز. د - إذا استعمل لفظ (٥) معناه الحقيقي يتعلق (٦) بشيء فيما لا يتعلق بشيء كان مجازًا فيه. كما (٧) يقال القدرة (٨) على الشاب الحسن الصورة وهو ضعيف إذ قد يكون له بحسب حقيقةٍ متعلق دون الأخرى.

стр. 237

" الفصل السابع" (١) في تعارض أحوال (٢) الألفاظ وهو من عشر أوجه إذ الاحتمالات المخلة بالفهم خمسة: (الاشتراك والنقل والمجاز والإِضمار والتخصيص). وإنما تركنا احتمال الاقتضاء إذ الاقتضاء إثبات شرط يتوقف عليه وجود المذكور دون صحة اللفظ. " المسألة الأولى " النقل أولى من الاشتراك لأنه حقيقة منفردة في كل الأوقات. لا يقال الاشتراك أولى لوجوه (٣). أ - إنه لا يقتضي (٤) النسخ. ب - إنه لم ينكره أحد من المحققين.

стр. 238

جـ - إنه لا يتوقف بعد الوضع على نسخه ثم وضع جديد. د- إنه أقل احتمالًا للخطأ إذ يتوقف فيه عند الجهل بالقرينة لما تقدم، والمنقول يحمل على المعنى الأول عند الجهل بالنقل. هـ - أنه أقل مفسدة لأنه أكثر وجوداً ولأن المنقول قد يعتقد كونه مشتركًا بسماع (١) استعماله في المعنى الثاني. لأن النقل إذا وجد يجب اشتهاره فتزول المفاسد. ولقائل أن يقول (٢): اشتهار النقل كيف يزيل نسخ الوضع الأول وتوقفه عليه وعلى وضع جديد وقلة وجوده. سلمناه لكن التواتر لا يحصل إلا متدرجًا والمفاسد قائمة قبله ولأنهما إنما يتعارضان في لفظ لا يعلم كونه منقولًا ولا مشتركًا. نعم لو تعارض لفظ منقول مع آخر مشترك في آيتين (٣) مثلًا، فالتمسك بالمنقول أولى لاقتضاء النقل إرادة معين دون الاشتراك. ولا يرد عليه (٤) شيء من تلك الوجوه (٥). " المسألة الثانية " المجاز أولى من الاشتراك لكثرته وإفادته المراد وجدت القرينة أولًا. لا يقال: الاشتراك أولى لوجوه (٦):

стр. 239

أ- المجاز يقتضي النسخ (١). ب- إنه يحمل على غير المراد لو وجدت القرينة ولم تسمع (٢). جى- إنه يتوقف بعد الوضع على ما يناسب الحقيقة ثم تعذرها. د- إلغاء إحدى الحقيقتين (٣) يعين الأخرى وإلغاء الحقيقة لا يعين مجازًا لكثرته. هـ - تعيين إحدى الحقيقتين لتساويهما يحصل بأدنى قرينة. و- إفادة المشترك أحدهما لا عينًا حقيقة. ز- الاشتراك يوجب كثرة البحث عن القرينة لتعذر العمل بدونها لأنا نعارض الوجوه بفوائد المجاز. " المسألة الثالثة " الإِضمار أولى من الاشتراك لتخصيص الِإجمال فيه ببعض الصور والِإضمار وإن احتاج إلى قرينة أصله وقرينة موضعه وقرينة تعين المضمر لكن في صورة واحدة، كيف والِإضمار إيجاز. وهو من محاسن الكلام. قال ﵇: "أوتيت جوامع الكلم فاختصر ليَ الكلام اختصارًا" (٤) " المسألة الرابعة " التخصيص أولى من الاشتراك لأنه أولى من المجاز الأولى (٥) منه.

стр. 240

" المسألة الخامسة " المجاز أولى من النقل لأنه لا يتوقف إلا على القرينة وهي متيسرة والنقل يتوقف على اتفاق أهل اللسان على تغيير الوضع وأنه متعسر أو متعذر. لا يقال: النقل إذا وجد يجب اشتهاره فيحصل الفهم. والحقيقة إذا تعذرت قد يخفى (١) وجه المجاز لأنا نعارضه بفوائد المجاز، وبأن الحقيقة (٢) تعين على فهم المجاز لتناسبهما بخلاف المنقول عنه. " المسألة السادسة " الإِضمار أولى من النقل كما في المجاز (٣) " المسألة السابعة " التخصيص أولى من النقل لأنه أولى من المجاز الأولى (٤) منه. " المسألة الثامنة " المجاز والإِضمار سيَّان لاستوائهما في الحاجة إلى القرينة وتوقع الخفاء وإعانة الحقيقة على الفهم، إذ الِإضمار إسقاط شيء من الكلام يدل عليه الباقي. " المسألة التاسعة " التخصيص أولى من المجاز لأنه يحصل المراد عرفت القرينة (٥) أم لا،

стр. 241

ولأن اللفظ العام دليل على كل الأفراد. فإذا تعذر البعض حمل على الباقي، والحقيقة إذا تعذرت لم تحمل على المجاز إلا بعد تأمل. " المسألة العاشرة " التخصيص أولى من الِإضمار لرجحانه على ما يساويه (١) " فروع" الأول: الاشتراك راجح على النسخ، وهو تخصيص في الأزمان. فإن ترجح عليه التخصيص في الأعيان فلأنه يحتاط في النسخ أكثر منه في التخصيص إذ يصير الخطاب بعده كالباطل ولهذا جاز التخصيص بالقياس وخبر الواحد دونه (٢). ولقائل أن يقول (٣): هذا لا يقتضي رجحان الاشتراك على النسخ بل طريقه ترجح مفاسد النسخ على مفاسد الاشتراك. الثاني: التواطؤ أولى من الاشتراك وهو ظاهر. وإذا تناول اللفظ الشيء بالجهتين كان اعتقاد جهة (٤) التواطؤ أولى كتناول الأسود الزنجي المسمى به. الثالث: الاشتراك بين علمين أولى. ثم بين علم ومعنى ثم بين معنيين لقلة الاختلال بقلة الموارد.

стр. 242

" الفصل الثامن" " في تفسير حروف تشتد الحاجة إلى معرفة (١) معانيها في الفقه" وفيه مسائل " المسألة الأولى " أجمع (*) إنحاة البصرة والكوفة على أن واو العطف (٢) لمطلق الجمع ونص عليه سيبويه (٣) في سبعة عشر موضعًا من كتابه. وقيل: إنه للترتيب. لنا وجوه: أ - إنه لا يفيد الترتيب في قوله تعالى: في البقرة ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ (٤) وعكسه في الأعراف (٥). مع اتحاد القصة. ولا في قوله تعالى: ﴿وَاسْجُدِي وَارْكَعِي﴾ (٦) وكثير من الآيات، ولا في قول السيد اشتر اللحم والخبز، ولا في قولنا: تقاتل زيد وعمرو. والاشتراك والمجاز خلاف الأصل.

стр. 243

ب - لو كان للترتيب لكان قولنا: جاءني زيد وعمرو عند مجيئهما معًا كذبًا ولكان إردافه بقولنا بعده أو قبله تكرارًا أو نقضًا. ولما سألت الصحابة ﵃ عما يبدأ به في السعي بين الصفا والمروة. ج - قال أهل اللغة واو العطف في الأسماء المختلفة كواو الجمع في الأسماء المتماثلة وذلك لا يفيد الترتيب. حجة المخالف أمور (١): أ - قوله ﵇ (٢) لمن قال: "من أطاع الله ورسوله فقد اهتدى ومن عصاهما فقد غوى" قل: (من عصى الله ورسوله فقد غوى) (٣). وقول عمر ﵁ لمن أنشد: (كفى الشيب والإِسلام للمرء ناهيًا) (٤).

стр. 244

لو قدمت الإِسلام على الشيب لأجزتك وقول الصحابة لابن عباس ﵃ لم تأمرنا بالعمرة قبل الحج وقد قال الله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (١). ب- لو قال لغير المدخول بها أنت طالق وطالق طلقت واحدة. ب- الترتيب في الذكر له سبب والترتيب في الوجود صالح له فيضاف إليه إلا لمعارض. د- الترتيب بصفة التعقيب له "الفاء" وبصفة التراخي له "ثم" ومطلقه تمس الحاجة إلى تعريفه فليكن له لفظ وما ذلك إلا "الواو" ولا يعارض بمثله لأنا نرجحه بأنه لو جعل حقيقة في الترتيب أمكن جعله مجازًا في الجمع للزومه إياه من غير عكس. والجواب عن: أ- إن المعصيتين متلازمتان. فالأمر بالدلالة على ما قلنا أولى. لكن الإِفراد بالذكر أكثر تعظيمًا فأمره به. وحمل أثر عمر ﵁ على أن الأدب تقديم الأفضل. وأثر ابن عباس ﵄ معارض بأمره بتقديم العمرة. ب - إن الطلاق الثاني لا يفسر الأول فبانت (٢) به وقوله طلقتين يفسره والكلام بآخره. جـ - إنه لا يقتضي إفادة الواو للترتيب. د- معارضة الترجيح بزيادة الحاجة إلى التعبير عن العام.

стр. 245

" المسألة الثانية " " الفاء" للتعقيب حسب ما يمكن لإِجماع أهل اللغة عليه (١). ومنهم من استدل بأنه لو لم يفد التعقيب (٢) لما وجب دخوله على الجزاء إذا لم يكن ماضيًا أو مضارعًا لوجوب تعقيب الجزاء للشرط لكنه واجب. وقول الشاعر: "ومن يفعل الحسنات الله يشكرها" (٣) أنكره المبرد (٤). وزعم أن الرواية الصحيحة "ومن يفعل الخير فالرحمن يشكره". ولقائل أن يقول (٥): لم لا يجوز أن يجب دخول "الفاء" على المذكور عقيب الشرط ليجعله جزاء. ويكون التعقيب مقتضى الجزاء. حجة المخالف (٦) أمور: أ- قوله تعالى: ﴿لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ﴾ (٧). وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ (٨).

стр. 246

ب- "الفاء" قد تدخل على التعقيب والأصل عدم التكرار. جـ- التعقيب يخبر عنه وبه دون "الفاء". والجواب: أنَّه استدلال في مقابلة النص فكان الأول مجازًا والثاني تأكيدًا وفي الثالث بحث دقيق مذكور في "المحرر" (١). " المسألة الثالثة " " في" للظرفية تحقيقًا أو تقديرًا كما في قوله تعالى: ﴿فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ (٢) لتمكن المصلوب على الجذع تمكن الشيء في المكان وقيل: إنه للسببية، ولم يذكره أهل اللغة. " المسألة الرابعة " المشهور أن "مِنْ" ترد لابتداء الغاية نحو (سرت من البصرة) وللتبعيض نحو (باب من حديد) وللتبيين كقوله (٣) تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ (٤) وصلة نحو: (ما جاءني من أحدٍ) والحق (٥) إنه "للتمييز" لاشتراك الكل فيه. وإلى: لانتهاء الغاية. وقيل بإجماله لِإدخاله الغاية في قوله تعالى: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ (٦) وإخراجه إياها في قوله تعالى: ﴿إِلَى اللَّيْلِ﴾ (٧) وهو ضعيف لتوقف إجماله على اشتراكه بين الدخول وعدمه وقد بينا امتناعه (٨). والحق إنه إنما (٩) تدخل غايةً لا تتميز عن ذي الغاية حِسًا.

стр. 247

" المسألة الخامسة " (١) " الباء" الداخل على فعل متعد بنفسه للتبعيض خلافًا للحنفية. فإنا نفرق ضرورةً بين قولنا (مسحت المنديلَ وقولنا مسحت بالمنديل) في إفادة الأول: الشمول، والثاني: التبعيض. احتجوا بأمرين: أ- قولنا: كتبت بالقلم وطفت بالبيت، إنما يفيد إلصاق الفعل بالمفعول به. ب- قال ابن جني: كون الباء للتبعيض لم يعرفه أهل اللغة (٢). والجواب عن: أ- إن النزاع في فعلِ متعد بنفسه والطواف هو الدوران حول جميع البيت. ب- إنه شهادة على النفي.

стр. 248

" المسألة السادسة " " إنما" للحصر نقله أبو علي (١) عن النحاة. وقال الأَعمش (٢): (وإنما العزة للكاثر) (٣) وقال الفرزدق (٤): (وإنما يدافع (٥) عن أحسابهم أنا أو مثلي) (٦). ولأن "إنَّ" للِإثبات "وما" للنفي. والأصل عدم التغير بالتركيب. ولا يقتضي "إنَّ" إثبات غير المذكور. و"ما" نفي المذكور وفاقًا فتعيَّن عكسه. احتجوا بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ (٧). وجوابه أنَّه للمبالغة.

стр. 249

" الفصل التاسع" " في كيفية الاستدلال بالخطاب " وفيه مسائل " المسألة الأولى " لا يجوز أن يرد في القرآن والأخبار ما لا يفهم خلافًا للحشوية (١). إذ التكلم به هذيان وهو نقص. ولأن وصف القرآن بكونه هدى وشفاء وبيانًا ينفيه. احتجوا بأمور: أ- إنَّ الحروف التي في أوائل السور. وقوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ (٣) وما شابهه لا يفيد شيئًا. ب- يجب الوقف على قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلاَّ الله﴾ (٤) وإلاّ لعاد الضمير في قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا﴾ إلى الله تعالى وللراسخين. وأنه محال وحينئذ لا يعلم تأويل المتشابهات. جـ- إنه تعالى خاطب الفُرس بالعربية ولا إفهام.

стр. 250

والجواب عن: أ- إنها أسماء السور ﴿كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ ضرب مثل في القبح ﴿عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾. وأمثالها تأكيد. ب- إن موضع الوقف والراسخون في العلم والضمير يعود إلى الراسخين إذ التخصيص أهون من التكلم بما لا يفيد. هـ - إن الفرس يتمكنون من الفهم بالرجوع إلى العرب. " المسألة الثَّانية " لا يجوز أن يرد فيهما ما يعني به غير ظاهره ولا يدل عليه خلافًا للمرجئة (١). لنا: إنه بالنسبة إلى غير ظاهره مهمل، وقد بينا امتناعه. لا يقال: المهمل ما لا يفيد. وما ظاهره الوعيد يفيد تخويف الفساق. فإن عنيت به غير المفهم فهو أول المسألة لأن فتح هذا الباب ينفي الاعتماد على أخبارهما لجواز كون المقصود غير الِإفهام. " المسألة الثالثة " قيل (٢) الدليل اللفظي لا يفيد اليقين لأنه مبني على نقل اللغة والنحو والتصريف وعدم الاشتراك والمجاز والإِضمار (٣) والنقل والتخصيص والتقديم والتأخير والناسخ والمعارض العقلي وهما ظنيان. أما الأول: فلما تقدم من عدم عصمة الرواة وبلوغهم التواتر. ولأن
следующие страницы →