← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 19235

التحصيل من المحصول

السراج الأرموي

Полный текст (781 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

ب- "الفاء" قد تدخل على التعقيب والأصل عدم التكرار. جـ- التعقيب يخبر عنه وبه دون "الفاء". والجواب: أنَّه استدلال في مقابلة النص فكان الأول مجازًا والثاني تأكيدًا وفي الثالث بحث دقيق مذكور في "المحرر" (١). " المسألة الثالثة " " في" للظرفية تحقيقًا أو تقديرًا كما في قوله تعالى: ﴿فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ (٢) لتمكن المصلوب على الجذع تمكن الشيء في المكان وقيل: إنه للسببية، ولم يذكره أهل اللغة. " المسألة الرابعة " المشهور أن "مِنْ" ترد لابتداء الغاية نحو (سرت من البصرة) وللتبعيض نحو (باب من حديد) وللتبيين كقوله (٣) تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ (٤) وصلة نحو: (ما جاءني من أحدٍ) والحق (٥) إنه "للتمييز" لاشتراك الكل فيه. وإلى: لانتهاء الغاية. وقيل بإجماله لِإدخاله الغاية في قوله تعالى: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ (٦) وإخراجه إياها في قوله تعالى: ﴿إِلَى اللَّيْلِ﴾ (٧) وهو ضعيف لتوقف إجماله على اشتراكه بين الدخول وعدمه وقد بينا امتناعه (٨). والحق إنه إنما (٩) تدخل غايةً لا تتميز عن ذي الغاية حِسًا.

стр. 247

" المسألة الخامسة " (١) " الباء" الداخل على فعل متعد بنفسه للتبعيض خلافًا للحنفية. فإنا نفرق ضرورةً بين قولنا (مسحت المنديلَ وقولنا مسحت بالمنديل) في إفادة الأول: الشمول، والثاني: التبعيض. احتجوا بأمرين: أ- قولنا: كتبت بالقلم وطفت بالبيت، إنما يفيد إلصاق الفعل بالمفعول به. ب- قال ابن جني: كون الباء للتبعيض لم يعرفه أهل اللغة (٢). والجواب عن: أ- إن النزاع في فعلِ متعد بنفسه والطواف هو الدوران حول جميع البيت. ب- إنه شهادة على النفي.

стр. 248

" المسألة السادسة " " إنما" للحصر نقله أبو علي (١) عن النحاة. وقال الأَعمش (٢): (وإنما العزة للكاثر) (٣) وقال الفرزدق (٤): (وإنما يدافع (٥) عن أحسابهم أنا أو مثلي) (٦). ولأن "إنَّ" للِإثبات "وما" للنفي. والأصل عدم التغير بالتركيب. ولا يقتضي "إنَّ" إثبات غير المذكور. و"ما" نفي المذكور وفاقًا فتعيَّن عكسه. احتجوا بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ (٧). وجوابه أنَّه للمبالغة.

стр. 249

" الفصل التاسع" " في كيفية الاستدلال بالخطاب " وفيه مسائل " المسألة الأولى " لا يجوز أن يرد في القرآن والأخبار ما لا يفهم خلافًا للحشوية (١). إذ التكلم به هذيان وهو نقص. ولأن وصف القرآن بكونه هدى وشفاء وبيانًا ينفيه. احتجوا بأمور: أ- إنَّ الحروف التي في أوائل السور. وقوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ (٣) وما شابهه لا يفيد شيئًا. ب- يجب الوقف على قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلاَّ الله﴾ (٤) وإلاّ لعاد الضمير في قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا﴾ إلى الله تعالى وللراسخين. وأنه محال وحينئذ لا يعلم تأويل المتشابهات. جـ- إنه تعالى خاطب الفُرس بالعربية ولا إفهام.

стр. 250

والجواب عن: أ- إنها أسماء السور ﴿كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ ضرب مثل في القبح ﴿عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾. وأمثالها تأكيد. ب- إن موضع الوقف والراسخون في العلم والضمير يعود إلى الراسخين إذ التخصيص أهون من التكلم بما لا يفيد. هـ - إن الفرس يتمكنون من الفهم بالرجوع إلى العرب. " المسألة الثَّانية " لا يجوز أن يرد فيهما ما يعني به غير ظاهره ولا يدل عليه خلافًا للمرجئة (١). لنا: إنه بالنسبة إلى غير ظاهره مهمل، وقد بينا امتناعه. لا يقال: المهمل ما لا يفيد. وما ظاهره الوعيد يفيد تخويف الفساق. فإن عنيت به غير المفهم فهو أول المسألة لأن فتح هذا الباب ينفي الاعتماد على أخبارهما لجواز كون المقصود غير الِإفهام. " المسألة الثالثة " قيل (٢) الدليل اللفظي لا يفيد اليقين لأنه مبني على نقل اللغة والنحو والتصريف وعدم الاشتراك والمجاز والإِضمار (٣) والنقل والتخصيص والتقديم والتأخير والناسخ والمعارض العقلي وهما ظنيان. أما الأول: فلما تقدم من عدم عصمة الرواة وبلوغهم التواتر. ولأن

стр. 251

الأدباء لحنوا أكابر شعراء الجاهلية كما يشهد به كتاب الوساطة (١) بين المتنبي (٢) وخصومه الذي صنفه الجرجاني (٣). أما الثاني: فلأن غايته عدم الوجدان الذي (٤) لا يفيد إلَّا ظن العدم. ولا شك أن المبني على المظنون مظنون. والِإنصاف إفادة (٥) اليقين تتوقف على القرائن مشاهدة كانت أو معلومة بالتواتر. " المسألة الرابعة " الخطاب إن استقل بالِإفادة بلفظه (٦) حمل أولًا على الحقيقة الشرعية. ثم العرفية ثم اللغوية ثم المجاز. ويجب على كل طائفة حمله على ما يتعارف لئلا يخاطب بما يعني به غير ظاهره بلا قرينة. وإن استقل بها بمعناه فهي (٧) أقسام الدلالة الالتزامية التي سبقت وإن لم يستقل فالمضموم إليه قد يكون نصًا وهو قسمان: أ- أن يفيد أحدهما إحدى (٨) المقدمتين والآخر الأخرى كقوله تعالى:

стр. 252

﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ (١) مع قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (٢) الآية. ب- أن يفيد أحدهما حكمًا لشيئين والآخر بعضه لأحدهما فيتعين الباقي للآخر كقوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ (٣) مع قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ﴾ (٤). وقد يكون (٥) إجماعًا أو قياسًا أو شهادة حال المتكلم فإن كونه شارعًا يعين الحكم الشرعي من الخطاب المتردد بينه وبين الحكم العقلي. " المسألة الخامسة " إذا عُلم عدم إرادة ظاهرة الخطاب حُمل على مجازه المتعين في نفسه أو بتعيين الدليل إياه ابتداء. أو بنفي غيره. أو على الأقوى أو الكل على البدل إن انحصرت وجوه المجاز ومن يمنع استعمال اللفظ في معنيين مختلفين فإنَّه يوجب الدلالة المعينة. وإن لم ينحصر قال القاضي عبد الجبار: لا بد من دلالة معينة لتعذر العمل على الكل مع تعذر حصره علينا. واعترض أبو الحسين. بأن حمله على الكل على البدل ممكن. نعم يليق ذلك بمن (٦) يمنع استعمال اللفظ الواحد في معنيين مختلفين إذ اللفظ لم يوضع للتخيير. واعلم أن هذه الأقسام يتقدمها في اللفظ العام قسم وهو تعيين بعض ما يتناوله بنفي الدليل

стр. 253

غيره، وأن الدلالة المعينة لا بد منها، فيه مهما تردد المراد بين بعض ما يتناوله وما لا يتناوله لامتناع اجتماعهما. فرع: إذا دل دليلًا على إرادة ظاهرة وغير ظاهرة وهو معين حمل عليهما ولزم أن يقال اللفظ موضوع لهما لغة أو شرعًا، أو تكلم به مرتين. " المسألة السادسة " ثبوت حكم الخطاب فيما يتناوله مجازًا (١) لا يدل على أنَّه المراد به خلافًا للكرخي وأبي عبد الله البَصْرِيّ. مثال قوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (٢) فإنَّه يتناول المجامع بطريق الكناية. فوجوب التيمم عليه لا ينفي إرادة الحقيقة إذ المقتضي لإِرادتها موجود. وثبوت الحكم ثمة قد يكون لدليل (٣) آخر فلا يعارضه. احتجوا: بأن ذلك الحكم لا بد له من دليل ولا دليل سواه وإلا لنقل، والجمع بين الحقيقة والمجاز متعذر. وجوابه: لعل الإِجماع أغنى عن نقل ذلك الدليل.

стр. 254

الكلَام في الأوامِر وَالنّواهي وَفيهِ فصُول

стр. 255

" الفصل الأول" في المقدمات وهي سبع (١) " المقدمة الأولى " لفظ الأمر حقيقةٌ في القول المخصوص فقط عند الجمهور. وعند بعض الفقهاء (٢) مشترك بينه وبين الفعل. وعند أبي الحسين (٣) مشتركٌ بينهما وبين الشأن والشيء والصفة (٤) والطريق. حجتنا: النافي للاشتراك. ومنهم من تمسك بوجوه: أ- لو كان حقيقة في الفعل لاطرد. ب- ولاشتق منه الآمر والمأمور. ب- ولدخل فيه الوصف بالمطيع والعاصي، ومضادة النهي إياه، ومنع الخرس والسكوت، وانقسام الكلام إليه. د- ولما صح نفي الأمر عنه (٥).

стр. 256

وهو ضعيف (١). لأن اطراد الحقيقة ثم عدم الاطراد ههنا ممنوعان، وكذا لزوم الاشتقاق في الحقيقة، وكذا كون تلك الصفات لازمة لمطلق الأمر، وكذا صحة نفي الأمر مطلقًا عنه. وللفقهاء أمران: أ- إنه استعمل بمعنى الفعل. قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ (٥) وقال تعالى: ﴿تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ﴾ (٦) وقال تعالى: ﴿مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ﴾ (٧) وقال الشَّاعر: (لأمرٍ ما يسود من يسود) (٨) يُقال: (لأمرٍ ما جدعَ قصيرٌ أنفه) (٩). يُقال: (أمرٌ مستقيم، وأمرٌ عظيم، وأمرٌ هائل). ب- إنَّ جمعه بمعنى الفعل على أمور دليل الحقيقة. ولأبي الحسين: إنَّ تردد الذهن عند سماع لفظ الأمر بين الكل إلى سماع القرينة دليل الحقيقة فيه.

стр. 257

والجواب عن. أ- إن المراد من الآية الأولى والثانية القول أو الشأن لصدقه على الفعل ومن الثالثة القول لتقدم قوله تعالى: ﴿فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ﴾ (١) أي أطاعوا أو الشأن الصادق على الفعل والثلاث البواقي لتعذر إجرائها على ظاهرها إذ فعل الله تعالى ليس واحدًا ولا كلمح البصر في السرعة ولا حصل الجري والتسخير بفعله بل بقدرته محمولة (٢) على الشأن. سلمنا استعماله فيه لكنه مجاز إذ هو أولى من الاشتراك. ب- إن الأمور جمعه بمعنى الشأن. ثم لا نسلم أن الجمع علامة الحقيقة. وعن دليل أبي الحسين (٣): منع تردد الذهن بين الكل، بل السابق إليه الأول. " المقدمة الثَّانية " قال القاضي أبو بكر: "الأمر هو القول المقتضي طاعة المأمور بفعل المأمور به. وارتضاه الأصحاب وهو ضعيف (٤). إذ الطاعة عندهم موافقة الأمر. والمأمور مشتق. من الأمر فتعريفه بهما دور (٥) لتوقف معرفتهما على معرفته. وقالت المعتزلة: (هو قول القائل لمن دونه افعل أو ما يقوم مقامه). وهو ضعيف لوجوه: أ- إن الأمر يوجد دون هذا اللفظ بأن يوضع له لفظٌ آخر أو يُعبر عنه بلغةٍ

стр. 258

أخرى. وقولنا (١): أو ما يقوم مقامه إنما يدفع (٢) لو عني به ما يقوم مقامه في الدلالة على طلب الفعل وحينئذٍ يصير الأمر هو: (القول الدال على طلب الفعل) ويضيع التعرض بخصوص افعل. ولقائل أن يقول: هذا (٣) تغيير العبارة. ب- عكسه بأن يصدر من نائمٍ أو ساهٍ أو حاكٍ أو سابق إليه لسانه أو قبل وضعه لمعنى. ولقائل أن يقول: لا نسلم أنَّه قول (٤) القائل لغيره افعل (٥). هـ - إن العلو غير معتبر لما نبين (٦). بل الأمر طلب الفعل بالقول استعلاءً ومنهم من لم يعتبر القيد الأخير. " المقدمة الثالثة " تصور ماهية الطلب أوَّلي، إذ كل أحدٍ يفرق بالضرورةِ بين طلب الفعل وطلب الترك، وبينهما وبين المفهوم من الخبر. ويعلم ضرورة أن ما يصلح لأحدَهما جوابًا لا يصلح للآخر. وهي (٧) غير الصيغة لأنها لا تختلف باختلافها بل هي صفة المتكلم كعلمه وقدرته، والصيغة تدل عليها. وأنها (٨) غير الِإرادة خلافًا للمعتزلة لوجوه: أ- أنَّه تعالى أمر الكافر بالِإيمان ولم يرده منه لوجهين.

стр. 259

الأول: إن صدوره (١) منه مع علمه تعالى بعدمه محال. وتمامه في مسألة تكليف ما لا يطاق والعالم باستحالة الشيء لا يريده وفاقًا. ولأن الإِرادة صفة مرجحة لأحد (٢) جانبي الجائز. الثاني: إن صدور الكفر منه يتوقف على مرجحٍ يخلقه الله ويجب الفعل عنده لما عرف. وخالق الموجب مريد لموجبه، فلو أراد الِإيمان منه والحالة هذه لزم إرادته للضدين (٣). وهو باطل وفاقًا. ولا يقال: الأمر هو اللفظ الدال على إرادةِ العقاب بتقدير الترك. لأنه لو كان كذلك لتطرق إليه التصديق والتكذيب. ولأنَ العقاب قد يسقط بالعفو أو التوبة، والخلف في خبره تعالى محال. ب- يصح أن يقال أريد هذا الفعل منك ولا آمرك به. وأن يأمر الحكيم عبده بما لا يريده إظهارًا لتمرده. جـ- إنَّا نبين جواز النسخ قبل وقت (٤) الامتثال. ولا تجتمع الِإرادة والكراهية في فعلٍ واحد في وقتٍ واحد. واحتجوا (٥) بأمرين: أ- الطلب الذي وضع الأمر (٦) له معلوم للعقلاء وغير الإِرادة غير معلوم. ب- إنه لو لم تعتبر الِإرادة في الأمر (٧) لصح الأمر بالماضي والحال كالخبر.

стр. 260

والجواب عن: أ (١) - إن أمرهم بما لا يريدون دليلُ علمهم به. ب- طلب الجامع على أن من يجوَّز تكليف ما لا يطاق يجوزه. " المقدمة الرابعة " ترجيح الفعل أعم منه مع المنع من الترك. ومنه مع عدمه. ولكل منهما (٢) لفظ يدل عليه عربيًا كان أو غيره. والأمر (٣) اسمٌ للفظ لا للترجيح لوجوه: أ- قال أهل اللغة الأمر من الضرب اضرب. ب- لو علق (٤) العتق على الأمر لا يحصل بالإِشارة إلى معناه. ولا يعارض بما لو أشار بعد الخرس لأنا نمنع المسألة. جـ - جعله حقيقة في اللفظ مجازًا في المعنى أولى من العكس لاستلزام الدليل المدلول من غير عكس. د- لو عُلم خطران المعنى بباله لا يقال له إنه (٥) أمرَ. هـ - المتبادر إلى الفهم عند سماع لفظ الأمر اللفظ (٦). احتجوا بأمرين: أ- قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ (٧) الآية كذبهم مع صدقهم في

стр. 261

اللفظ وقول عمر ﵁: (زوَّرتُ في نفسي كلامًا) (١). وقول الأخطل (٢): إنَّ الكلامَ لفي الفؤادِ وإنما ... جُعل اللسان على الفؤادِ دليلا (٣) ب- لو سميت الألفاظ كلامًا لكان كونها معرفات لما في النفس والكتابة والإِشارة كذلك. والجواب عن: أ- إن الشهادة هي الِإخبار عن الشيء مع العلم (٤) به. وقوله زوَّرتُ أي قدرت. ولا يلزم منه كونه في النفسِ، كما يقال قدرت في نفسي دارًا وبناءً. ولا نسلم كون الشَّاعر عربيًا. سلمناه: لكنه محمول على المقصود من الكلام. ب- منع القياس في اللغة. فرعٌ: الأمر اسم لمطلق اللفظ (٥) لا للفظ العربي. إذ العربي يسمي الفارسيّ إذا أتى بلفظ يدل على ذلك الترجيح بلغته آمرًا وأما أنَّه لمطلق اللفظ (٥) الدال على أي ترجيحٍ فيعرف من أن الأمر للوجوب أو ليس.

стр. 262

" المقدمة الخامسة " (١) دلالة هذه الصيغة على الطلب يكفي فيها الوضع. وقال أبو علي وأبو هاشم يتوقف بعده على إرادة أخرى تؤثر في صيرورتها أمرًا. لنا وجوه: أ- القياس على سائر الألفاظ (٢). ب- إنها لو توقفت على الِإرادة وأنها أمرٌ باطني لما أمكن الاستدلال بالصيغة على الطلب. جـ - الأمرية ليست صفةً لمجموع الحروف إذ لا وجودَ لها ولا لآحادها إذ لا واحدَ منها بأمرٍ. احتجا (٣): بأنا نميز بين كون الصيغة طلبًا أو تهديدًا ولا مميزَ إلَّا الإرادة. وجوابه: إنها مجاز في التهديد. والأصل الحقيقة إلَّا لمعارض. " المقدمة السادسة " قال أصحابنا (٤) لا يعتبر في الأمر علو رتبة الآمر (٥) خلافًا للمعتزلةِ (٦)

стр. 263

لقوله تعالى حكايةً عن فرعون (١): إذ قال لقومه ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ (٢) وقال عمرو (٣) بن العاص لمعاوية (٤): أمرتك أمرًا جازمًا فعصيتني ... وكان من التوفيقِ قتل ابن هاشمِ (٥) وقال دريد (٦) بن الصِّمة لنظرائه ولمن هو فوقه: أمرتهم أمري بمنعرج اللوى ... فلم يستبينوا الرشد إلَّا ضُحى الغدِ (٧) وقال الحصين بن المنذر (٨) ....................................

стр. 264

........... ليزيد (١) بن المهلب أمير خراسان والعراق: أمرتك أمرًا جازمًا فعصيتني ... فأصبحت مسلوبَ الِإمارةِ نادما ولا الاستعلاء خلافًا لأبي الحسين البَصْرِيّ لما يقال في العرف "فلانٌ أمرَ فلانًا" على وجه (٢) الرفق واللين "نعم لو بالغ في التواضع لا يسمى أمرًا عرفًا وإن سُمي لغةً". احتجوا: باستقباح العرف قول القائل: أمرت الأمير. قال أبو الحسين: اعتبار الاستعلاء أولى. فإن من قال لغيره استعلاء افعل يقال إنه أمره وإن كان أعلى رتبةً ولهذا يصفونه بالجهل والحمق. الجواب: منع الاستقباح.

стр. 265

" المقدمة السابعة " قد يقوم الأمر والنهي مقام الخبر كقوله ﵇: "إذا لم تستح فاصنع ما شئت" (١). أي صنعتَ ما شئت. وبالعكس كقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ (٣) وقوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ (٤). وجه المجاز أن الخبر يشابه الأمر في الدلالة على الوجود والنهي في الدلالة على العدم.

стр. 266

" الفصل الثاني" في المباحث اللفظية وفيه مسائل " المسألة الأولى " صيغة افعل مستعملةٌ في خمسةَ عشرَ وجهًا. ١ - الإِيجاب: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (١). ٢ - الندْبُ: "فكاتبوهم". ويقرب منه التأديب كقوله ﵇: "كل مما يليك" (٢). ٣ - الإرشاد: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا﴾ (٣) وهو لمنافع الدنيا. ٤ - الإباحة: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ (٤). ٥ - التهديد: اعملوا ما شئتم. ويقرب منه الإِنذار. كقوله تعالى: ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا﴾ (٥). ٦ - الامتنان: ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ (٦). ٧ - الإِكرام: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ﴾ (٧).

стр. 267

٨ - التسخير: ﴿كُونُوا قِرَدَةً﴾ (١). ٩ - التعجيز: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ (٢). ١٠ - الِإهانة: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ (٣). ١١ - التسوية: ﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا﴾ (٤). ١٢ - الدعاء: "اللهم اغفر لي". ١٣ - التمني: (ألا أيها الليل الطويل ألا انجلِ) (٥). ١٤ - الاحتقار: ﴿أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ (٦). ١٥ - التكوين: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٧). ثم إنها ليست حقيقةً في الكل وفاقًا. لكن قيل: هي مشتركة بين الوجوب والندب والإِباحة والتنزيه والتحريم. وقيل: بين الثلاثة الأولى. وقيل: حقيقةٌ في الإِباحة. لنا: التفرقة الضرورية بين مدلولات صيغ افعل ولا تفعل وإن شئت افعل وإن شئت لا تفعل. ولا يقال: لعل ذلك لعرف طارئ. ثم الاستعمال في هذه المعاني يعارضه لأن الأصلَ عدم التغيير. والمجاز أولى من الاشتراك ووجه المجازِ المضادة (٨).

стр. 268

" المسألة الثَّانية " الأمر للوجوب عند أكثر الفقهاء والمتكلمين. وللندب عند أبي هاشم. وللمشترك بينهما (١) عند قوم ويليق بمذهبهم حمله (٢) على الندب باستصحاب جواز الترك. وقيل: إنه حقيقة فيهما. وقيل: لا يدري أنَّه حقيقة فيهما أو في أحدهما وهو قول الغزالي (٣). لنا وجوه: أ- إنه تعالى ذمَّ على مخالفة الأمر بقوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ (٤) إذ ليس مستفهمًا. وبقوله: ﴿وَإِذَا (٥) قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ﴾ (٦). لا يقال: الأمر قد يفيد الوجوب في لغةٍ أو لقرينة (٧) وأيضًا إنَّما ذمَّهم لا لترك الركوع بل لأنهم لم يعتقدوا حقيَّة الأمر بدليل قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ (٨). لأن ترتب الذم على مجرد مخالفة الأمر يفيد أنها هي المنشأ له، واستحقاق الويل بالتكذيب لا ينفي استحقاق الذم بترك الركوع، إذ الكافر عندنا يعاقب بترك العباداتِ كما يعاقب بترك الإِيمان.

стр. 269

ب- الزام الأمر يقتضي لزوم المأمور به لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (١). والقضاء: الإلزام. والمراد الخِيَرة في المأمورِ به لاستحالةِ خيرة المكلف فيَ أمر الله والزام ما لا يقتضي لزوم شيءٍ لا يقتضي لزومه كالقضاء بإباحته. ولقائلٍ أن يقول (٢): سبق الذهن إلى إيجاد معنى الأمريْن يوجب حملَ الأوَّل على الشيء وإن كان مجازًا فيه. جـ - تارك ما أمرَ الله به مخالفٌ لأمره إذ مخالفة الأمر تقابل موافقته وهي الِإتيان بالمأمورِ به. ومخالف أمره يستحق العقاب لقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٣) وإنما يحسن الأمر بالحذر عن العذاب بعد قيام المقتضي له. لا يقال: الاعتراض من وجوه: أ- موافقة الأمر الإتيان بمقتضاه كما يقتضيه (٤) أو اعتقاد حقيته (٥). ب- إنه أمرٌ بالحذر عن المخالف، لا أمرُ المخالفِ بالحذر. هـ - إنَّ المأمور ليس مخالف الأمر. بل المخالف عن الأمر. ولا يجعل عن صلةٍ لأنها خلافُ الأصلِ.

стр. 270

د- إنه يحسن الأمر بالحذر لاحتمال المحذور (١). وأنه حاصل إذ المسألة اجتهاديَّة. سلمناه: لكن لفظ الأمر مفردٌ فلا يعم. لأنَّا نجيب عن: أ- بأن سبق الذهن إلى ما ذكرنا (٢) يلغى ذلك القيد واعتقاد حقية الأمر موافقة دليل حقيته (٣) لا له (٤). ب- إنه لو كان أمرًا بالحذر عن المخالف لكان الحذر مسندًا إلي مفعوله. وإسناد الفعل إلى فاعله أولى ولكان لا يتعين المأمور بالحذر إذ ليس في سياق الآية سوى المتسللين لواذًا (٥) وهم المخالفون. وحذر الإنسان عن نفسه محالٌ. ولكان قوله: أن تصيبهم إلى آخره ضائعًا. إذ الحذر لا يتعدى إلى مفعوليْن. جـ- إن النحويين قالوا: كلمة "عن" للمجاوزة والبعد. يقال: جلس عن يمينه أي متراخيًا عنه في الجهةِ التي يليها، ومخالفة الأمر بعدٌ عنه، فذكر بلفظ "عن". د- استقباح العرف الأمر بالحذر بدون المقتضي. هـ (٦) - إن جواز الاستثناء يفيد عمومه ولأن ترتيب الحكم على الوصف يشعر بالعليَّةِ ولأن استحقاق العقاب في الفرد لاقتضاء مخالفة الأمر عدم المبالاةِ بالأمر المناسب للزجر.

стр. 271

ولقائلٍ أن يقول (١): مناقضة الأول ستأتي (٢). د- تارك المأمور به عاص لقوله تعالى: ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ (٣) وقوله تعالى: ﴿وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ (٤). وقوله تعالى: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾ (٥). والعاصي يستحق العقابَ بالنص. لا يقال: لو كان ترْك المأمور به معصيةً لكان قوله تعالى: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (٦) تكرارًا ولم يصح تقسيمُ الأمر إلى أمرِ إيجاب وأمر استحباب. ثم آية المعصية حكايةُ حالٍ فلا تعم وآية العقاب مختصة بالكفار بقرينةِ الخلود. لأنَّا نجيب عن: أ- يحمل قوله تعالى: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾. على المستقبل وما قبله على الماضي. ب- إن تسميةَ المستحب مأمور به مجاز محافظة على عموِم قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ﴾ (٧) أولى من جعل المستحب مأمورًا به محافظة (٨) على صيغ الأوامر لأنه أحوط. ولأن الاستحباب لازم للوجوب ولا ينعكس.

стр. 272

جـ- أنَّه رتَّبَ اسم (١) المعصية على (٢) مخالفة الأمرِ فتكون هي (٣) المقتضي لاستحقاقه. - إن الخلود هو (٤) المكث الطَّويل. تقرير آخر: بأن العصيان هو الامتناعِ. لهذا سميت العصا عصًا. والاجتماع عصا. يقال: شققت عصا المصلين أي اجتماعهم. وهذا كلام يستعصي على الحفظ وحطب يستعصي على الكسر. وقال ﵇: "لولا أنا نعصي الله لما عصانا" (٥). أي لم يمتنع عن إجابتنا وترك الفعل بعد الأمر المقتضي له امتناع عنه. واسم العاصي يختص بتارك الواجبًا وفاقًا. ولأن (٦) العاصي هو المخالف لما منع منه. وإلا لكنا عصاةً بتصدقنا اليوم بعد مجرد (٧) الأمر بالصلاة غدًا. ولقائلٍ أن يمنع الملازمةَ بجواز اختصاص العصيان بالامتناع عما حث عليه بلفظ إفعل. هـ - قوله ﵇ لأبي سعيد بن المعلى (٨) لما دعاه فلم يجبه لأنه كان (٣)

стр. 273

في الصلاة ما منعك أن تستجيبَ وقد سمعت قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ (١). فلولا أنَّ الأمرَ للوجوب لما صحَّ ذلك. إذ (٢) حينئذٍ لا يكون سؤالًا عن العذر. إذ الصلَاة عذرٌ في تركِ كلام لا يجب. ولا ذمًا على ترك الاستجابة. إذ لا ذمَ على ترك ما لم يجب. ويجوز التمسك بخبر الواحد في مسألة علميَّة تكون وسيلةً إلى العمل. و- قوله ﵇: "لولا أنْ أشق على أمتي" (٣) الحديث. وكلمة لولا لانتفاء الشيء لوجِود غيره. والسؤال مندوبٌ مع وجود المشقة فلا يكون المندوب (٤) مأمورًا به. ولقائلٍ أن يمنع (٥) انتفاء أمر الله تعالى عند انتفاء أمر النَّبِيّ ﷺ حتَّى يبين تلازمهما. ثم هذا يفيد أن بعض المندوب ليس بمأمورٍ به. ولعلَّ الخصم يقول إنَّ بعضه أَيضًا مأمور به. ز- قالت بريرة (٦) للنبي ﵇: "أتأمرني بذلك؟ فقال: لا. إنما أنا

стр. 274

شفيع" (١). أثبت الشفاعة الدالة على الندبيَّة مع نفي الأمر. ح- تمسك الصَّحَابَة رضوان الله عليهم بالأمرِ في قوله ﵇: (سُنوا بهم سنةَ أهلِ الكتاب) (٢). وقوله ﵇: "فليغسله سبعًا" (٣). وقوله ﵇: "فليصلها إذا ذكرها" (٤). على الوجوب ولم ينكر عليهم. فكان إجماعًا لما سيأتي في القياس. ولا يعارض بأنهم لم يرتبوه على مثل قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا﴾

стр. 275

وقوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا﴾. وقوله تعالى: ﴿فَاصْطَادُوا﴾ لأن التمسك بما لا يفيد الوجوب عليه لا يجوز. ويجوز تخلف الحكم عن المقتضي لمانعٍ. ط- أنَّه ليس (١) حقيقةً في الندب فقط لأن الواجب مأمور باتفاق الأمة وصرح كثير من الأصوليين بأن المندوب غير مأمور به فيمتنع مثله. ولا هو حقيقةٌ فيه وفي الوجوِب إذ الاشتراك خلافُ الأصل. ولا في المشترك بينهما إذ جعله مجازًا فيه حقيقةً في الوجوب أولىَ من العكس (٢) لما عرف. فتعين جعله حقيقةً في الوجوب فقط. ي- اقتصار العقلاء في تعليل حسن (٣) ذم العبد إذا ترك ما أمره به سيدُه على أنَّه ترك ما أمر به، يدل على أنَّ ترك المأمور (٤) به عِلةٌ لحُسْن الذم. ولا يقال إنما ذموا لكراهية السيد تركه أو لأن الشارع (٥) أوجبَ طاعة السيد أو إيصال النفع إليه. ثم إنه معارض بما أنَّه لا يذم لو كان ما أمر به معصيةً. لأن الاقتصار على القدر المذكور ينفي اعتبار الكراهة. والشرع إنما يوجب طاعة السيد وإيصال المنافع إليه فيما يوجبه (٦) السيد عليه. حتَّى لو قال لك أن تفعله وأن لا تفعله لا يجب عليه ذلك. والمعصيةُ لما خرجت بدليل وجب فيما وراءها حمل كلامهم على ظاهره. يا- الأمر يفيد الوجود فليمنع من العدم (٧) كالخبر بجامع تكميل المقصود من

стр. 276

الوضع (١) له. لا يقال لعلَّ الأمر يفيد أولويَّة الوجود لأن الفعل إنما يشعر بالمصدر لا بأولويته. يب- الأمر يفيد رجحان مصلحة الوجود لامتناع الأمر بما فيه مفسدة راجحة أو مساوية والإذن في تركه إذنٌ في تفويت المصلحة الخالصة وأنه قبحٌ عرفًا فكذا شرعًا لقوله ﵇: "ما رآه المسلمون قبيحًا فهو عند الله قبيح" (٢) تُرك العمل به في المندوبات فيبقى فيما عداها. ولا يقال: إلزام المكلف استيفاء المصلحة الخالصة (٣) لنفسه قبيح عرفًا فكذلك شرعًا لأن ذلك (٤) ينفي أصل التكليف. ولقائلٍ أن يقول: لما انتقض كل (٥) منهما وجب الترجيح (٦). يج- لأمر يفيد رجحان الوجود على العدم وأنه (٧) لا يخلو عن الإذن في الترك والمنع منه والمفضي إلى الراجح راجح في الظن فالمنع من الترك راجحٌ في الظن فوجب العمل به لقوله ﵇: "اقض بالظاهر" (٨). وقياسًا على الشهادة والفتوى وقيم المتلفات وأروشَ

стр. 277

الجنايات وتعيين القبلة ولأن العمل بالمرجوح لا يجوز عقلًا. يد- الوجوب له لفظ مفرد لشدة الحاجةِ إلى تعريفه الداعية إلى الوضعِ المقدور عليه بلا مانع. وليس ذلك سوى الأمر وفاقًا. لا يقال: لم لا يكفي القرينة والمركب. ولا نسلم عدم المانع. إذ توقيف اللغة مانع. ثم هو منقوض بشدةِ الحاجةِ إلى تعريف معنى الحال والاستقبال والاعتمادات والروائح. ومعارض بشدةِ الحاجةِ إلى تعريف أصل الترجيح والندب وتعريف الوجوب أو (١) الندب مبهمًا. وبأنه لو كان له لفظ مفرد لاشتهر لشدة الحاجة إلى الَتعبير به. لأنا نجيب عن: أ (٢) - بأن التعريف باللفظ أسهل. والمفرد على اللسان أخف فيغلب ذلك على الظن كسائر الألفاظ المفردة. ب- بأن الأصل عدم المانع والتوقيف.

стр. 278

النقض بزيادة (١) الحاجة إلى تعريف معنى الوجوب لتكررها. المعارضة الأولى: بأن جعله حقيقةً في الوجوب مجازًا في الترجيح أولى من العكس لما عرف. ب- بأن الحاجة إلى تعريف ما لا يجوز الِإخلال (٢) به أمس. هـ - بأن الاشتراك خلاف الأصل (٣). د- بأن الاشتهار إنما يجب فيما (٤) لا يعارضه ما لا يظهر الفرق بينهما إلَّا بوجهٍ غامض. يه- حمله على الوجوب يفيد القطع بعدم مخالفة الأمر وعلى غيره يفيد الشك فيه لجواز أن يكون المأمورُ به واجبًا. ويتركه بناءً على جواز تركه فوجب العمل على الوجوب لقوله ﵇: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" (٥). ولأن ترجيح الطريق الآمن على المخوف واجب عقلًا. وأما أمر الاعتقاد (٦) فهو متعارض.

стр. 279

لا يقال: العلم بأنه لغير الوجوب لغة. وأنه لا يجوز تجريده عن القرينة عند وجوب (١) المأمور به بنفي هذا الشك لأن النظر إلى مجرد ما ذكرنا يوجب ما ذكرنا ودعوى العلم معارضة (٢). احتجوا بأمور: أ- العلم بكونه للوجوب لا يجوز أن يكون للعقل إذ لا مجال له في اللغة. ولا للنقل المتواتر وإلا لعرفه كل واحدٍ ولا لآحادٍ إذ المسألة علميَّة وهذه حجة من ينفي الدراية (٣)، فإنَّها واردة على من يدعي الوضع لمعين ولو بالاشتراك (٤). ب- قال أهل اللغة: لا فرق بين الأمر والسؤال إلَّا في (٥) الرتبة ثم السؤال لا يفيد الوجوب. جـ - إنه ورد في الكتاب بمعنى الوجوب وبمعنى الندب والأصل عدم الاشتراك والمجاز. فكان حقيقة في القدر (٦) المشترك بينهما وأنه لا إشعار (٧) له بواحدٍ منهما. والجواب عن: أ- إنه يجوز أن يعرَّف بالمركب من العقل والنقل كما سبق (٨) في بعض الوجوه، ولا نسلم كون المسألة علميَّة.

стр. 280

ب- إنَّ السؤال أَيضًا إيجاب. فإن السائل قد يقول أعطني ألبتة ولا تخيب رجائي وإن لم يجب المسؤول. جـ- إن ما سبق من الأدلة دلَّ على المجاز. " المسألة الثالثة " الأمر بعد الحظر والإِذن (١) للوجوب خلافًا لبعض أصحابنا. لنا: إن المقتضي قائم لما سبق (٢) والموجود لا يصلح معارضًا إذ يجوز الانتقال من الحظر إلى الوجوب كما منه (٣) إلى الإباحة والعلم به ضروري (٤). احتجوا بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾ (٥) وبقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ (٦). وبقوله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ (٧). والأصل الحقيقة. ويقول السيد لعبده: افعل بعد منعه منه إذ لا يفهم منه الوجوب. والجواب عن (٨): أ- المعارضة بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا﴾ (٩).

стр. 281

والجهاد فرض كفاية. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (١). والحلق نسك ليس بمباح. ب- المعارضة "بقول الأب لابنه. أخرج إلى المكتب بعد منعه منه إذ يفهم منه الوجوب". تنبيه: من قال بأن (٢) الأمر بعد الحظر للإباحة، اختلفوا في النهي الوارد بعد الوجوب. فقيل إنه للإباحة قياسًا. وقيل: إنه للتحريم. " المسألة الرابعة " قيل: الأمر مفيدٌ للتكرار. وقيل للمرة الواحدة لفظًا. وقيل: بالتوقف. ثم قال الحنفية: إنه مفيد للفور (٣). وقيل: للتراخي. وقيل: بالتوقف إما لدعوى الاشتراك أو عدم العلم بالواقع. والحق أنَّه يفيد الاشتراك بين الكل. لوجوه. أ- إنه استعمل في كل واحدٍ شرعًا وعرفًا والأصل الحقيقة الواحدة لكن المرة الواحدة ضرورية فدل اللفظ عليه (٤) معنى. ب- قال أهل اللغة: لا فرق بين من يفعل وافعل إلَّا في الخبرية والأمرية. لكن يفعل الخبر (٥) لا يفيد شيئًا من القيود سوى المرة الواحدة بجهة المعنى.

стр. 282

جـ- لو قال: افعل مرةً أو مرارًا أو حالًا أو استقبالًا لم يكن نقضًا ولا تكرارًا. د- صحة تقسيمه إلى كل واحدٍ يدل على إفادته للمشترك. هـ - حمله على التكرار يقتضي استغراق العمر بفعل المأمور به. إذ لا إشعار للفظ بوقت وليس البعض أولى فإنَّه باطل إجماعًا ولأنه يلزم منه (١) أن يكون كل أمرٍ ناسخًا لما قبله (٢). حجة التكرار وجوه: أ- تمسك (٣) أبو بكر ﵁ علي تكرار الزكاة بقوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ ولم ينكر أحد فكان إجماعًا. ب- القياس على النهي (٤). ب- لو لم يفده لكان ورود النسخ والاستثناء عليه بداءً ونقضًا. د- إنه ليس بعض الأوقات أولى فيحمل على الكل. هـ - طريقه الاحتياط (٥).

стр. 283

حجة الفور وجوه: أ- قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَن لا (١) تَسْجُدَ﴾ (٢). ب- قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ﴾ (٣) وقوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ (٤). جـ - إنه يفهم من أمر السيد عبده (٥) بالسقي الفور والأصل الحقيقة. د (٦) - الأمر يفيد وجوب الفعل في الحال كما يفيد النهي وجوب الانتهاء في الحال ولأن الأمر بالشيء نهي (٧) عن تركه. والانتهاء عن الترك في الحال إنما يكون (٨) بالفعل في الحال. هـ- لا يجوز التأخير لا إلى بدل لأنه ينفي الوجوب. ولا إلى (غير) (٩) بدل وإلاَّ لسقط التكليف به، إذ البدل ما يقوم مقام المبدل من كل الوجوه. وليس الأمر للتكرار ليقال يقوم مقامه في الوقت الأول. وقد قام مقامه مرةً واحدةً. و- لا يجوز التأخير لا إلى غير (١٠) غاية لأنه ينفي الوجوب ولا إلى غاية لأنها إن لم تكن معلومة لزم تكليف ما لا يطاق. وإن كانت معلومة كانت زمانًا يظن المكلف أنَّه لو لم يشتغل به فيه (١١) لفاته إجماعًا. لكن ذلك الظن إن لم يكن لِإمارة فلا عبرةَ به. وإن كان لإمارةٍ كانت هي المرض الشديد (١٢) أو علو السنن وفاقًا. لكن كم من شابٍ يموت فجأة وذلك

стр. 284

ينفي الوجوب في علم الله تعالى مع (١) ظاهرٍ يقتضيه. ز- القياس على وجوب اعتقاد الوجوب على الفور بجامع المسارعة إلى امتثال الأمر. ح- إِن الأمر وإيجاب العقد يستدعيان الفعل والقبول فيقتضيان الفورَ قياسًا. ط- طريقه الاحتياط (٢). حجة الاشتراك: الاستعمال وحُسْنُ الاستفهام. والجواب عن: أ (٣) - إنَّ ذلك لدليلٍ خاص. ب- إن الانتهاء عن الفعل أبدًا ممكن، ولأن النهي كالنقيض للأمر لامتيازه عنه بحرف السلب، ونقيض الكلي الجزئي. جـ- إنَّ النسخ قرينةٌ في إرادة التكرار والاستثناء يمنعه القائل بالفور. والمانع منه يقول: فائدتُه دفع التخيير بين ذلك الوقت وبين سائرِ الأوقات. د- إنَّ الوقت الأول أولى إن قلنا بالفور وإلَّا حُمل على المشترك. هـ- إنَّ العلم بأنه ليس للتكرار يؤمن من الضرر على أن الخوف في التكرار حاصل لأنه قد يكون معصيةً كما إذا قال لعبده. اشتر اللحمَ أو ادخل الدار. أ- من وجوه الفور (٤). أن ذلك للقرينة. ب- إن المراد (٥) من المغفرة ما يقتضيها وليس في الآية تعيينه. سلمنا لكن للآية دلالةٌ خارجيةٌ عن نفس اللفظ.

стр. 285

جـ- المعارضة بأمرِ السيد بما لا يعلم حاجته إليه حالًا وحُسْن تعليل السيد ذم عبده عند (١) التأخير معارض بحسن اعتذار العبد بأنه لم يأمره بالتعجيل ولم يعلم أن في التأخير مضرةً. د- إنَّ النهي يفيد التكرار (٢). وعن البواقي: النقض بقوله: افعل في أي وقتٍ شئت وبالواجبات الموسعة. وعن السابع: جواب آخر وهو أن الاعتقاد غير مستفاد من اللفظ بل من العقل. وآخر عن الثامن: إن الجامع وصفٌ طردي (٣). وعن وجهي الاشتراك: ما سيأتي في العموم. ولقائل أن يقول (٤): طريقة الاحتياط غير منقوضةٍ إذ لا خوف ثمة. فرع: من قال الأمر (٥) المطلق لا يفيد التكرار. اختلفوا في المقيد بصفةٍ كقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (٦) أو بشرط كقوله: إن كان زانيًا فارجموه والمختار أنَّه لا يفيده بحسب اللفظ ويفيده من جهة الأمر بالقياس.
следующие страницы →