← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 19235

التحصيل من المحصول

السراج الأرموي

Полный текст (781 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

والجهاد فرض كفاية. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (١). والحلق نسك ليس بمباح. ب- المعارضة "بقول الأب لابنه. أخرج إلى المكتب بعد منعه منه إذ يفهم منه الوجوب". تنبيه: من قال بأن (٢) الأمر بعد الحظر للإباحة، اختلفوا في النهي الوارد بعد الوجوب. فقيل إنه للإباحة قياسًا. وقيل: إنه للتحريم. " المسألة الرابعة " قيل: الأمر مفيدٌ للتكرار. وقيل للمرة الواحدة لفظًا. وقيل: بالتوقف. ثم قال الحنفية: إنه مفيد للفور (٣). وقيل: للتراخي. وقيل: بالتوقف إما لدعوى الاشتراك أو عدم العلم بالواقع. والحق أنَّه يفيد الاشتراك بين الكل. لوجوه. أ- إنه استعمل في كل واحدٍ شرعًا وعرفًا والأصل الحقيقة الواحدة لكن المرة الواحدة ضرورية فدل اللفظ عليه (٤) معنى. ب- قال أهل اللغة: لا فرق بين من يفعل وافعل إلَّا في الخبرية والأمرية. لكن يفعل الخبر (٥) لا يفيد شيئًا من القيود سوى المرة الواحدة بجهة المعنى.

стр. 282

جـ- لو قال: افعل مرةً أو مرارًا أو حالًا أو استقبالًا لم يكن نقضًا ولا تكرارًا. د- صحة تقسيمه إلى كل واحدٍ يدل على إفادته للمشترك. هـ - حمله على التكرار يقتضي استغراق العمر بفعل المأمور به. إذ لا إشعار للفظ بوقت وليس البعض أولى فإنَّه باطل إجماعًا ولأنه يلزم منه (١) أن يكون كل أمرٍ ناسخًا لما قبله (٢). حجة التكرار وجوه: أ- تمسك (٣) أبو بكر ﵁ علي تكرار الزكاة بقوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ ولم ينكر أحد فكان إجماعًا. ب- القياس على النهي (٤). ب- لو لم يفده لكان ورود النسخ والاستثناء عليه بداءً ونقضًا. د- إنه ليس بعض الأوقات أولى فيحمل على الكل. هـ - طريقه الاحتياط (٥).

стр. 283

حجة الفور وجوه: أ- قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَن لا (١) تَسْجُدَ﴾ (٢). ب- قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ﴾ (٣) وقوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ (٤). جـ - إنه يفهم من أمر السيد عبده (٥) بالسقي الفور والأصل الحقيقة. د (٦) - الأمر يفيد وجوب الفعل في الحال كما يفيد النهي وجوب الانتهاء في الحال ولأن الأمر بالشيء نهي (٧) عن تركه. والانتهاء عن الترك في الحال إنما يكون (٨) بالفعل في الحال. هـ- لا يجوز التأخير لا إلى بدل لأنه ينفي الوجوب. ولا إلى (غير) (٩) بدل وإلاَّ لسقط التكليف به، إذ البدل ما يقوم مقام المبدل من كل الوجوه. وليس الأمر للتكرار ليقال يقوم مقامه في الوقت الأول. وقد قام مقامه مرةً واحدةً. و- لا يجوز التأخير لا إلى غير (١٠) غاية لأنه ينفي الوجوب ولا إلى غاية لأنها إن لم تكن معلومة لزم تكليف ما لا يطاق. وإن كانت معلومة كانت زمانًا يظن المكلف أنَّه لو لم يشتغل به فيه (١١) لفاته إجماعًا. لكن ذلك الظن إن لم يكن لِإمارة فلا عبرةَ به. وإن كان لإمارةٍ كانت هي المرض الشديد (١٢) أو علو السنن وفاقًا. لكن كم من شابٍ يموت فجأة وذلك

стр. 284

ينفي الوجوب في علم الله تعالى مع (١) ظاهرٍ يقتضيه. ز- القياس على وجوب اعتقاد الوجوب على الفور بجامع المسارعة إلى امتثال الأمر. ح- إِن الأمر وإيجاب العقد يستدعيان الفعل والقبول فيقتضيان الفورَ قياسًا. ط- طريقه الاحتياط (٢). حجة الاشتراك: الاستعمال وحُسْنُ الاستفهام. والجواب عن: أ (٣) - إنَّ ذلك لدليلٍ خاص. ب- إن الانتهاء عن الفعل أبدًا ممكن، ولأن النهي كالنقيض للأمر لامتيازه عنه بحرف السلب، ونقيض الكلي الجزئي. جـ- إنَّ النسخ قرينةٌ في إرادة التكرار والاستثناء يمنعه القائل بالفور. والمانع منه يقول: فائدتُه دفع التخيير بين ذلك الوقت وبين سائرِ الأوقات. د- إنَّ الوقت الأول أولى إن قلنا بالفور وإلَّا حُمل على المشترك. هـ- إنَّ العلم بأنه ليس للتكرار يؤمن من الضرر على أن الخوف في التكرار حاصل لأنه قد يكون معصيةً كما إذا قال لعبده. اشتر اللحمَ أو ادخل الدار. أ- من وجوه الفور (٤). أن ذلك للقرينة. ب- إن المراد (٥) من المغفرة ما يقتضيها وليس في الآية تعيينه. سلمنا لكن للآية دلالةٌ خارجيةٌ عن نفس اللفظ.

стр. 285

جـ- المعارضة بأمرِ السيد بما لا يعلم حاجته إليه حالًا وحُسْن تعليل السيد ذم عبده عند (١) التأخير معارض بحسن اعتذار العبد بأنه لم يأمره بالتعجيل ولم يعلم أن في التأخير مضرةً. د- إنَّ النهي يفيد التكرار (٢). وعن البواقي: النقض بقوله: افعل في أي وقتٍ شئت وبالواجبات الموسعة. وعن السابع: جواب آخر وهو أن الاعتقاد غير مستفاد من اللفظ بل من العقل. وآخر عن الثامن: إن الجامع وصفٌ طردي (٣). وعن وجهي الاشتراك: ما سيأتي في العموم. ولقائل أن يقول (٤): طريقة الاحتياط غير منقوضةٍ إذ لا خوف ثمة. فرع: من قال الأمر (٥) المطلق لا يفيد التكرار. اختلفوا في المقيد بصفةٍ كقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (٦) أو بشرط كقوله: إن كان زانيًا فارجموه والمختار أنَّه لا يفيده بحسب اللفظ ويفيده من جهة الأمر بالقياس.

стр. 286

أما الأول فلوجوه: أ- لو قال لعبده: إن دخلتَ السوقَ فاشترِ اللحم. أو لامرأته إن دخلتِ الدار فأنت طالق. أو لوكيله إن دخلتَ الدار فطلق زوجتي. أو قال: إن شفى الله مريضي فله عليَّ كذا لا يفيد التكرار. ب- القياس على الخبر بجامع دفع ضرر التكرار (١). جى- صحة تقسيمه إلى التكرار وعدمه. وأما الثاني: فلأن ترتيب الحكم علي الوصف يشعر بعليته (٢) له. وإلَّا لما قَبُحَ أن يقال: (إن كان الرَّجل جاهلًا فأكرمه وإن كان عالمًا فأهنه) إذ الجهلُ لا ينافي حسن الِكرام لشجاعة أو لنسب أو غيرهما. والعلم لا ينافي حسن الإهانة لفسقٍ أو حمقٍ أو غيرهما. والحكم يتكرر بتكرر العلة باتفاق القائسين. ولا ينقض بما ذكرنا منِ الصور لأنه يفيد العلية فيها. إلَّا أن الحكم لا يتكرر بتكرر ما جعله العبدُ علةً. حتَّى لو قال أعتقتُ غانمًا لسواده لا يُعتق سالم مع سواده. لا يقال: إنه قد يفيد العلة في هذه الصورة فقط لأنا نقيس عليها باقي الصور بجامع زيادة قبول الحكم المذكور معه علته. أو نبين ذلك في صور كثيرة. ونقول لا بد فيها من مشترك وهو ما ذكرناه، إذ الأصل عدم غيره. " المسألة الخامسة " الأمر والخبر المعلق بشيء بكلمة "إن" عدمٌ عند عدمه خلافًا للقاضي أبي بكر وأكثرِ المعتزلة. لنا وجهان: أ- إن النحاةَ سموا الكلمة "إن" بحرف الشرط والأصل عدم النقل

стр. 287

والمجاز، والشرط ما ينتفي الحكم عند انتفائه. يقال الوضوء شرط صحة الصلاة. والحول شرط وجوب الزكاة (١). والأصل الحقيقة. وأشراط الساعة إنما سميت بها لانتفاء الساعة عند انتفائها. لا لأنها علامات لئلا يلزم المجاز في تسمية ما ليس بعلامة شرطًا. ب- قال يعلى (٢) بن أمية لعمر ﵁: (ما بالنا نقصر الصلاة وقد أمِنا) فقال: عجبتُ مما عجبتَ منه فسألت رسول الله ﷺ فقال: "صدقةٌ تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته" (٣). لا يقال: إنما تعجَّبَ لأن الأصل (٤) الإتمام وحالة الخوف مستثناة، ثم معارضة (٥) بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ (٦). وبقوله تعالى: ﴿أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ﴾ (٧). وبقوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ (٨). وقوله تعالى: ﴿وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (٩). وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ (١٠) ولجواز تنجيز الطلاق بعد التعليق (١١).

стр. 288

لأنا نجيب عن: أ- بأن آيات الصلاة لا تشعر بالإتمام. ولا نسلم أن الأصل هو الإتمام إذ قالت (١) عائشة (٢) ﵂: (كانت صلاة السفر والحضر ركعتين فأقرت صلاة السفر وزِيد في صلاة الحَضر) (٣). وعن الآية الأولى: بمنع النهي عند عدم إرادة التحصن. (فإنهن إذا لم يُردنَ التحصن يردن (٤) البغاء). والإكراه على المراد ممتنع (٥). وعن باقي الآيات (٦): إن ظاهر (٧) الشرط يمنع منه بدليل التعجب المذكور لكنه لا يمتنع مخالفة الظاهر لمعارض. ولقائلٍ أن يقول: لِمَ (٨) كان مخالفة هذا الظاهر أولى من مخالفة ظاهر قولهم إن كلمة "إنْ" للشرط (٩). أو أن الشرط ما ينتفي الحكم عند انتفائه

стр. 289

والتعجب محتمل لما سبق، ومعارض بأن ما قلنا لا يوجب مخالفة الدليل بخلاف ما قلتم. وعن الأخير: إن المنجز عندنا غير المعلق حتى لو وجد الشرط بعد تنجيز الثلاث في نكاحٍ آخر يقع المعلق. " المسألة السادسة " الحكم المقيد بعدد إن كان معلول ذلك العدد ثبت (١) في الزائد لوجوده فيه. كما لو حرم جلد مائة أو حكم بدفع القلتيْن حكم النجاسة. وإلَّا لم يلزم كما لو أوجب جلد مائة. والناقص عن ذلك العدد إن كان داخلًا فيه والحكم إيجاب أو إباحة ثبت فيه كما لو أوجب أو أباح لجلد مائة. وإن كان تحريمًا فلا يلزم. وإن لم يكن داخلًا فيه كالحكم بشهادة شاهدٍ واحدٍ فإنَّه لا يدخل في الحكم بشهادةِ شاهدينْ فالتحريم قد ثبت فيه بطريق الأولى. وبالإباحة والإيجاب لا يلزمان فيثبت أن قصر الحكم على عدد لا ينفيه عما زاد ونقص إلَّا لمنفصل (٢). احتج المخالف بقوله ﵇ لما نزل قوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ (٣) والله لأزيدنَّ على السبعين (٤). عقل ﵇ نفي الحكم عن الزيادة. وبأن الأمة عقلت من تحديد جلد القاذف بثمانين نفي الزيادة.

стр. 290

والجواب عن: أ- إنه (١) لا ينفي الحكم عن الزائد ولا يوجبه فلعله ﵇ جوَّز المغفرة عند الزيادة. ب- إن ذلك للتمسك بالبراءة الأصلية. " المسألة السابعة " الحكم المقيد بالاسم لا يدل (٢) على نفي الحكم عما عداه خلافًا لأبي (٣) بكر الدقاق (٤). لنا وجوه: أ- إنه لا يدل عليه بلفظه إذ ليس فيه غيرُ ذكر زيد. ولا بمعناه. إذ قد يعلم الحكم فيهما ويخص أحدهما بالذكر لغرضٍ يخصه. ب- لو دلَّ عليه لما صحَّ القياس. إذ عدم الحكم في الفرع يثبت حينئذٍ بالنص. جـ- ولا يقال (٥) أكل زيد مع العلم بأن عمرًا أكل (٦). احتج المخالف: بأنه لا فائدة للتخصيص إلَّا نفي الحكم عما عداه. وجوابه: إن الغرض قد يختص بذكر أحدهما.

стр. 291

" المسألة الثامنة " تقييد الحكم بالصفة لا ينفي الحكم عما عداه وهو قول أبي حنيفة وابنِ سريج (١) والقاضي أبي بكر وإمام الحرمين (٢) وجمهور المعتزلة خلافًا للشافعي والأشعري ومعظم فقهاء أصحابنا. لنا وجوه: أ- أنَّه لا يدل عليه بلفظه لما (٣) عرف ولا بمعناه لأن إثبات الحكم في أحدِ القسمين لا يستلزم نفيه عن الآخر. لجواز أن يختصَّ الأول بوجوب البيان كمن يملك السائمةَ فقط أو بيَّن حكم الآخرِ بنصٍ، أو تكون الفائدة البيان بلفظ أقوى في الدلالة. وهو الخاص، أو بغير نصٍ وذلك إذا لم يدل حكم الأول على حكم الثاني من طريق الأولى كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ (٤) وهذا الجواز ينفي اللزوم وإن كان ظاهرًا احترازًا عن مخالفة الظاهر. ب- إنه ورد مع نفي الحكم عما عداه وعدمه. والأصل الحقيقة الواحدة. جـ- إن الصورتين المختلفتين يجوز اشتراكهما في الحكم والإخبار عنه واختلافهما فيهما عقلًا. فلا يدل الإِخبار عن الحكم في إحداهما على

стр. 292

ثبوته في الأخرى ولا على نفيه عنها. د- القياس على تقييد الحكم بالاسم بجامع صلاحية نفي الحكم عما عدا المذكور فائدة لتخصيص المذكور بالذكر. احتجوا بأمور: أ- أنَّه يفيد (١) عرفًا. إذ يستقبحِ قول القائل: الِإنسان الطَّويل لا يطير. ويعلل بأن القصير أَيضًا لا يطير والنقل خلاف الأصل. ب- التخصيص له فائدة ونفي الحكم عما عداه يصلح فائدةً فحمل عليه تكثيرًا للفوائد. ولأن المناسبة مع الاقتران دليل العليَّة. جـ- إن ترتب الحكم على الوصف يشعرُ بالعليَّة. والأصل تعليل الأحكام المتساويَة بالعلل المتساوية. والجواب عن: أ- النقض باستقباح قوله: زيد الطَّويل لا يطير. مع أن التقييد بالاسم لا ينفي الحكم عما عداه. وهذا مندفع لأنه تقييد بالصفة، ولو قال زيد لا يطير فإنما يستقبح لأنه بيان للواضحات لا لأنه عبث. ب- إن تخصيص القادر لا يتوقف على مرجح. إذ التخصيص بالأحكامِ المعينةِ من هذا القبيل. إذ لا حُسنَ ولا قبحَ عقلًا. وتخصيص إحداث العالم بوقتٍ معين منه. سلمناه لكن ما ذكرنا من الفوائد مرجحات. ولقائل أن يقول (٢): إن تلك الفوائد محتملة (٣).

стр. 293

جـ- لا نسلم أن الأصل ذلك لما سيأتي (١). " فرعان" الأول (٢): التقييد بالصفة إنما ينفي الحكم عما عداه ما لم يكن ثمة عادة يحتمل أنها السبب في التخصيص بالذكر كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ (٣) وقوله ﵇: "أيما امرأةٍ نكحت نفسها (٤) بغير إذن وليها" (٥). الثاني (٦): التقييد بالصفةِ في جنس إنما ينفي ذلك (٧) الحكم عما عداه في ذلك الجنس وقيل: ينفيه في غيره أَيضًا. لنا: إن دليل الخطاب مقتضى النطق وأنه لم يتناول غير ذلك الجنس. احتجوا: بأن السوْم كالعلة لوجوب الزكاة فينتفي حيث ينتفي. وجوابه: إن المذكور هو السوم في الغنم.

стр. 294

" المسألة التاسعة " في دخول الآمر تحت الأمر (١). الحق إنه يمكن قول القائل لنفسه افعل مريدًا للفعل من نفسه لكنه لا يسمى أمرًا لأن الاستعلاء أو المغايرة (٢) معتبرة في الأمر ولا يَحسنُ أَيضًا إذ الفائدةُ منه إعلام طلب الفعل. نعم لو حكى أمرَ الغير بلفظِ نفسه دخل فيه إن تناوله وإلاَّ فلا. وإن حكاه بلفظ ذلك الغير كقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ (٣) دخل فيه لعموم الخطاب للمكلفين. " المسألة العاشرة " إذا أمر عقب أمرٍ فإن اختلف المأمور بهما وجبا متفرقيْن إن لم يصح اجتماعهما عقلًا كالصلاة في مكانين، أو سمعًا كالصلاة والصدقة. وإن صح لم يتعين الجمع أو التفريق إلَّا لمنفصلٍ. وإن تماثلا فإن (٤) صح الزائد في ذلك المأمور به ولم يعطف الثاني على الأول قال أبو الحسين: الأشبه الوقف. وقال القاضي عبد الجبار يفيد غير ما أفاد الأول إن لم تمنع منه العادة كقوله: اسقني اسقني. أو التعريف كقوله: صل ركعتين صل الصلاة. إذ لام الجنس تصرف إلى المعهود وهو المختار إذ الأمر للإيجاب- وإيجاب الواجب محال ولأن إفادة فائدة زائدة أولى من إفادة التأكيد. وإن عطف عليه فإن (٥) لم يكن معرفًا له (٦) أفاد غيره وإن كان معرفًا

стр. 295

قال أبو الحسين: الأشبه الوقف لتعارض لَام التعريف وواو العطف. ولعلَّ (١) الثاني أولى إذ اللام قد تكون لتعريف الماهية أو لتعريف معهود آخر سابق. وإن لم يصح الزائد في ذلك المأمور به عقلًا كصوم يوم أو شرعًا كعتق زيد إذا كان يمكن توقفه على العدد كالطلاق فإن كانا عاميْن أو خاصيْن كان الثاني تأكيدًا للأول وإِن كان أحدهما عامًا والآخر خاصًا فإن لم يُعطف الثاني على الأول كان تأكيدًا وإن عطف عليه قيل دل واو العطف على أن الخاص غير مرادٍ من العام والأشبه الوقف لمعارضة ظاهر العموم إياه.

стр. 296

" الفصل الثالث " في المباحث المعنوية والنظر في أمور " النظر الأول " .. في الواجب وهو بحسب نفسه إما معين أو مخيَّر .. .. وبحسب وقته إما مضيقٌ أو موسع .. .. وبحسب فاعله إما فرض عين أو فرض كفاية .. " المسألة الأولى " قالت المعتزلة: الأمر بالأشياء على التخيير يقتضي وجوب الكل على التخيير. وقالت الفقهاء: الواجب واحد لا بعينه ولا خلاف بينهما في المعنى (١) لإِرادة كل منهما أنَّه (٢) لا يجوز الإِخلال بجميعها، ولا يجب الإِتيان بجميعها وله اختيار أي واحدٍ كان. نعم ههنا مذهب يرويه المعتزلة عن أصحابِنا وأصحابُنا عنهم. وهو أن الواجبَ واحدٌ معين عند الله تعالى غير معين عندنا لكنه تعالى عَلِمَ أن المكلف لا يختار إلَّا ذلك ويدل على فساده أن معنى

стр. 297

الواجب (١) على التخيير يجيز ترك كلٍّ وجهٍ بشرط الإِتيان بالآخر. ومعنى الواجب عينًا ينافي ذلك التجويز (٢) عَلِمَ أنَّه يختار ذلك المعيَّن أولم يعلم. لا يقال: اختيار المكلف يجعله واجبًا أو يكون ما عداه مباحًا يَسقطُ الفرض به لأن الكلام فيما قبل الاختيار. والأمْة اتفقت على أنَّه إذا (٣) فعل أي واحدٍ كان فاعلًا لما كُلِّفَ به. احتجوا بأمرين (٤): أ - إذا أتى المكلف بالكل دفعةً سقط الفرض وأتى بالواجب واستحق (٥) ثواب الواجب. وذلك لا يجوز أن يكون لكل واحدٍ منها، ولا لمجموعها لعدم (٦) وجوب ذلك، ولا لواحد غير معين إذ لا وجود له بل لواحدٍ معين. ب - إذا ترك الكل استحق العقاب وعاد التقسيم (٧). حجة من (٨) قال الواجب واحدٌ لا بعينه إنه لو قال ابتعت قفيزًا من هذه الصبرةِ أو أعتقتُ عبدًا من عبيدي فالمعتق والمبتاع واحدٌ لا بعينه يتعين باختياره.

стр. 298

والجواب عن: أ - إنه يسقط الفرض بكل واحدٍ بمعنى أنَّ كلَّ واحدٍ يُعرفُ سقوط الفرض لا أنَّه يؤثر ليلزم اجتماع المؤثرات المستقلة على أثرٍ واحد. وكل واحد واجب على البدل على ما مر من التفسير. ثم هما لا زمان عليكم فإن الواجب عندكم ما يختاره المكلف. فإذا أتى بالكل فقد اختار الكل فلزم وجوب كل واحدٍ وسقوط الغرض بكل واحد. وأما استحقاق الثواب والعقاب فإنه يستحق الثواب على فعل الواجبات على البدل والعقاب على ترك الواجبات على البدل. وقيل يستحق ثواب الواجب على فعل أكثرها ثوابًا. وعقابه على ترك أدناها عقابًا. وعن الآخر أن كل واحدٍ من القفزان العبيد مبتاع، ومعتق على البدل بمعنى أنَّه لا اختصاص للابتياع، والعتق بمعيَّن وإنما يتعيَّن الملك والعتق المختار باختياره. فرعٌ: الأشياء المأمور بها على الترتيب أو البدل قد يَحرم الجمع بينها، كأكل الميتة والمباح في الترتيب. وتزويج المرأة من كفؤين في البدل وقد يباح كالوضوء والتيمم في الترتيب. وستر العورة بثوبين في البدل. وقد يستحب كخصال كفارة الإِفطار في الترتيب وخصال كفارة الحنث في البدل. " المسألة الثانية " الفعل إن زاد على الوقت، كان الأمر به تكليف ما لا يطاق، إذا لم يقصد منه إيجاب القضاء. كما لو طهرت الحائض وقد بقي من الوقت قدر ركعة. وإن نقص عنه فهو الواجب الموسع. والمنكرون له اختلفوا على أقوال .. الأول: قول بعض أصحابنا: إن الوجوب يختص بأول الوقت وما يؤتى به بعدُ قضاءٌ.

стр. 299

الثاني: قول بعض الحنفية: إنه يختص بآخر الوقت وما يؤتى به قبلُ تعجيل. الثالث (١): أن الآتي به في أول الوقت إن بقي مكلفًا إلى آخره كان ما فعله واجبًا إلا نفلًا. والمعترفون به وهم جمهور أصحابنا وأبو علي وأبو هاشم وأبو الحسين. فمنهم من لم يجوَّز ترك الفعل في أول الوقت إلَّا إلى بدل وهو العزم عليه (٢) وهم أكثر المتكلمين. والمختار وهو قول أبي الحسين: أنَّه لا حاجة إلى هذا (٣) العزم. لنا: أن الأمر تناول الوقت ولم يتعرض لجزء منه وجميع أجزائه قابل فكان حكمه إيقاع الفعل في أي (٤) جزء أراده المكلف. لا يقال: جواز ترك الفعل في أول الوقت ينفي وجوبه فيحمل على الندب. فإن قلتَ: يجوز ترك المندوب مطلقًا ولا يجوز ترك الصلاة في أولِ الوقتِ إلَّا لبدلٍ وهو العزم. قلتُ: قد نفيْنا جواز التأخير إلى بدلٍ في أن الأمر للفور ولأن الموجود ليس إلَّا الأمر بالصلاة. وأنه لا يدل على إيجاب العزم ولا في العقل ما يدل عليه لأنا نعلم أنَّه لو قال السيد (٥) لعبده. لا يجوز لك إخلاء جميع أجزاء (٦)

стр. 300

هذا الوقت عن الفعل، ولا يجب عليك إيقاعه في جميعها، ولك اختيار أي جزء شئتَ منها فإنه لا يحتاج إلى بدلٍ وإيجاب العزم من غير دليلٍ يدل عليه تكليفُ ما لا يطاق. ولأنه لو وجب العزم لوجب مَرةً واحدةً. إذ البدل إنما يجب على جهة وجوب الأصل فلا يكون الفعل في الجزء الأول والثاني من الوقت واجبًا ولا بدلَ له فيكون مندوبًا. لأنا نقول: الواجب الموسع في التحقيق يرجع إلى الواجب المخيِّر، كما سبق من تمثيله، يقول السيد لعبده: فوصفِ الفعل في كل واحدٍ من أجزاء الوقت بالوجوب، كوصف كلٍّ واحدٍ من الواجب المخيِّر بالوجوب، وحينئذٍ لا حاجةَ إلى العزم. واختار أكثر الأصحاب وأكثر المعتزلة في الجواب الفرق المذكور (١) وقد عرفت ضعفه. فرع: الواجب الموسع في جميع العمر إنما يجوز تأخيره إذا غلب على ظنه بقاؤه بعد ذلك (٢) ولم يجوِّز أبو حنيفة تأخير الحج لأن البقاء إلى سنةٍ لا يغلب على الظن. ويرى الشافعي (٣) ذلك غالبًا على الظن في حق الشاب الصحيح دون الشيخ المريض. " المسألة الثالثة " الأمر إذا تناول جماعةً فإن كان على سبيل الجمع فقد يكون فعل البعض شرطًا في فعل البعض كصلاة الجمعة. وقد لا يكون. وإن كان على سبيل البدل فهو فرضُ الكفاية. وذلك إذا كان الغرض يحصل بفعل البعض كالجهاد. ومناطُ التكليف فيه غلبةُ الظنِ فمن غلب على ظنه أن غيرَه لا يقوم به تعيَّن عليه. ومن غلب على ظنه أنَّ غيرَه يقوم به سقط عنه. وإن كان حصوله في حق الكل يفضي إلى أن لا يقوم به أحدٌ لأن الممكن تحصيل الظن بعدم قيام الغير به.

стр. 301

" النظر الثاني " في أحكام الوجوب وفيه مسائل " المسألة الأولى " (١) الأمر المطلق بالشيء أمرٌ بمقدماته المقدورة للمكلف.

стр. 302

وقالت الواقفية (١): إن كانت المقدمة سببًا للمأمور به كان أمرًا بها وإلا فلا (٢). لنا: إن الأمر اقتضى إيجاب الفعل على كلٍّ حالٍ إذ لا فرق بين قوله: أوجبت عليك الفعل في هذا الوقت وبين قوله: (ينبغي أن لا يخرج الوقت إلَّا وقد أتيْتَ به) فلو لم يقتضِ إيجاب المقدمة كان مأمورًا بالفعل حال عدمها وهو تكليفُ ما لا يطاق. لا يقال: الأمر مقيد بحال حصول المقدمة. فإن قلتَ: إنه خلاف الظاهر قلتُ: وإيجاب المقدمة مع أن الظاهر لا يقتضيه خلاف الظاهر أيضًا. لأن خلاف الظاهر رفع ما يقتضيه لا إثبات ما لا يقتضيه. وأيضًا لو قال السيد لعبده: اسقني والماء على مسافة لم تتقيد بحال قطع المسافة، وإلا لم يتوجه الأمر نحوه لو قعد عن قطعها. ولقائلٍ أن يقول: لمَّا كان حال عدم (٣) المقدمة من جملة الأحوال، كان تكليف مَا لا يطاق، إن لزم لازمًا على المذهبين، إلَّا أن تفسير (٤) تلك الأحوال بما عدا حالتي (٥): وجود ما يقتضي الأمر إيجابه، وعدمه، وحينئذٍ يمنع لزوم تكليف ما لا يطاق، إذ المحال هو الفعل مع عدم المقدمة. لا هو في حال عدمها والمكلف به هو الثاني.

стр. 303

" فروع" الأول: ما لا يتم الواجب بدونه (١) إما أن يكون وصلةً إليه أو لا. والأول: إما أن يستلزمه كالإِيلام الَّذي لا يتم بدون الضرب المستلزم إياه. وإما أن (٢) لا يستلزمه وهو إما أن يكونَ احتياجه إليه شرعيًّا كالوضوء والصلاة. أو عقليًا وهو: إما أن يمكن تحصيله من المكلف كبعض الآلات أو لا يمكن كالقدرة. والثاني: إنما يلزم مع الواجب، لأنه لا يمكن استيقان الواجب بدونه. إما للاشتباه به كصلاة نُسيَت من صلاتيْن، أو للمقاربة بينهما كغسل جزءٍ من الرأس مع غسل (٣) الوجه. الثاني: إذا تعذَّر ترك المحرم بدون تركِ غيره لالتباسه به فقد يكون متغيرًا في نفسه، كاختلاط النجاسةِ بالماء الطاهر (٤)، وقد لا يكون كاشتباه (٥) إناءٍ نجسٍ بإناءٍ طاهرٍ. وللفقهاء فيه خلاف والأقوى تحريم الكل تغليبًا للحرمة. الثالث: إذا اشتبهت منكوحته بأجنبية وجب الكف عنهما، لكن قيل: الحرام (٦) هو الأجنبية. وهو باطل لأن إثبات الحرج في الفعل ينفي حله. نعم حُرَّمتْ الأجنبية لكونها أجنبية والمنكوحة لاشتباهه بها. أما لو طلق إحدى امرأتيه أمكن القول بحلهما إذ

стр. 304

الطلاق شيء معين يستدعي محلًا معينًا. والموجود قبل (١) التعيين لا يكون طلاقًا. بل ما له (٢) صلاحية التأثير في الطلاق عند البيان. وقيل بحرمتهما تغليبًا للحرمة. فإن قلتَ: الله تعالى عَلِمَ ما بعينها فتكون (٣) هي المتعينة. قلتُ: الله تعالى يعلم الأشياءَ كما هي فيعلم قبل التعيين أنها غير متعينة وأنها ستتعين بالتعيين. الرابع: قيل الزيادة على الواجب غير المقدر كمسح الرأس توصف بالوجوب وهو باطل لأن جواز تركها ينفي وجوبها (٤). " المسألة الثانية " الأمر بالشيء نهي عن ضده خلافًا لجمهور المعتزلة وكثيرٍ منا. لنا: إن ما دل على الشيء دل على ما هو من ضروراته. والمنع من الترك من ضرورات الطلب الجازم فكان الأمر دالًا عليه التزامًا. ولأنه يمتنع الإِذن في الترك عند الطلب الجازم لتناقضهما، وهو المعني بقولنا. لا يقال: ليس هو من ضروراته لجواز الأمر بالمحال وجواز الأمر بالشيء عند الغفلة عن ضده وامتناع النهي عما لا شعور به، لأن يمتنع تصور

стр. 305

ماهية الإِيجاب بدون تصور المنع من الترك. نعم، قد لا يتصور أضداد الفعل الوجودية لكنه لا ينافيها بالذات بل بالعَرَض. فكان الأمر بالفعل نهيًا عن الترك بالذات وعن تلك الأضداد بالعرض. سلمنا الغفلة عن الضد. لكن سلمتم كون الأمر بالشيء أمرًا بمقدماته وإن غفل عنها فكذا ههنا. سلمنا لكنا ندعي أن الأمر بالشيء نهي عن ضده المشعور به ما لم يكلف (١) بما لا يطاق. ولقائل أن يقول (٢): لا نزاع في أن الدال على إيجاب الفعل دالٌ على المنع من الترك تضمنًا. بل النزاع في دلالته على المنع من أضداده الوجودية والدليل المذكور نُصبَ (٣) لا في محل النزاع مع إمكان نصبه فيه. " المسألة الثالثة " (٤) المختار وهو: قول القاضي أبي بكر أنَّه ليس من شرط الوجوب تحقق العقاب على الترك، خلافًا للغزالي.

стр. 306

لنا (١): جواز العفو عن الكبائر. وأن الواجب ما يذم تاركه شرعًا وبه (٢) زيَّف الغزالي ما قيل: إن الواجب ما يعاقب على تركه. " المسألة الرابعة " الوجوب إذا نسخ بقي الجواز خلافًا للغزالي (٣). لنا: إن المقتضي بالوجوب مقتضي للجواز بمعنى الإذن في الفعل، لكونه جزءًا منه والموجود لا يصلح معارضًا (٤) له، لجواز أن يكون رفع الوجوب يرفع المنع (٥) من الترك، فوجب بقاء الإِذن في الفعل. فإذا انضم إليه رفع المنع من الترك الحاصل من النسخ ثبت الإِذن في الفعل، والترك المشترك (٦) بين المندوب والمباح.

стр. 307

" المسألة الخامسة " ما يجوز تركه لا يجب فعله لتنافيهما. وقال الكعبي (١): المباح واجب لأنه ترك المحرم وهو واجب. وجوابه: إنه فردٌ من أفراد ما يترك به المحرم لا هو هو. وقال كثير من الفقهاء: يجب الصوم على المريض والمسافر والحائض، وما يؤتى (٢) به بعد العذر قضاءٌ لما وجب. وقيل: يجب على المريض والحائض دون المسافر. وعندنا لا يجب على المريض والحائض ويجب على المسافر صوم أحد الشهرين على البدل. احتجوا بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٣) وبأنه يسمى قضاءٌ وينوى قضاءً وهو يحكي وجوبًا سابقًا. ولأن القضاء يساوي الأداء فكان بدلًا عنه كغرامات المتلفات. والجواب أنَّه استدلال في مقابلة الضرورة (٤)، لاستحالة الجمع بين جوازِ الترك ووجوبِ الفعل.

стр. 308

" فروع" الأول (١): المندوب هل هو مأمور به. هذا بناء على أن الأمر حقيقة في ماذا؟ الثاني: المندوب لا يجب بالشروع فيه، خلافًا لأبي حنيفة (٢). لنا: قوله ﵇: "الصائم المتطوعٍ أمير نفسه إن شاء صام وإن شاء أفطر" (٣). ولأنه لو نوى صومًا يجوز له تركه. وقع كذلك لقوله ﵇: "ولكل امرئ ما نوى" (٤). الثالث: ليس المباح من التكليف، لأنه لم يرد تكليف بفعله بل باعتقاد

стр. 309

إباحته، وهما متغايران، والأستاذ أبو إسحاق سماه تكليفًا بهذا المعنى. الرابع: المباح حَسَنٌ إن عني به رفع الحرج عن فعله، وإن عني به ما يثاب على فعله (١) فلا. الخامس: قيل: المباح ليس من الشرع، لأن رفع الحرج كان معلومًا قبل السمع (٢)، وقيل: هو من الشرع، لأنه إنما يثبت بإذن الشرع في الفعل أو الترك أو بإخباره عن رفع الحرج عنهما، أو بانعقاد الإجماع على أن ما لم يرد فيه طلب من الشرع لا للفعل ولا للترك فهو مباحٌ، والخلاف لفظي لأنه إن عني بكونه من الشرع أنَّه أثبت حكمًا لم يكن فليس منه. وإن عني به أنَّه ورد به خطابُ الشرع فهو كذلك لما سبق (٣).

стр. 310

" النظر الثالث " في المأمور به وفيه مسائل " المسألة الأولى " (١) يجوز تكليف ما لا يطاق خلافًا للمعتزلة والغزالي. لنا وجوه: الأول: الكافر مأمور بالإِيمان وهو منه محال لإفضائه (٢) إلى انقلاب علم الله جهلًا. لا يقال: لو فرض الإِيمان بدلًا عن الكفر كان العلم (٣) أزلًا متعلقًا به دون الكفر فلم يلزم محال. ثم لو وجب كل ما علم الله تعالى وجودَه وامتنع كل ما علم عدمه لزم أن يكون العلم (٤) التابع للمعلوم مؤثرًا فيه. وأن يكون العلم قدرة. إذ لا معنى لها سوى الصفة المؤثرة. وأن لا يكون لنا اختيار وأن يكون العالم غنيًا عن المؤثر وأن لا يقدر الله تعالى على إيجاد شيء. ثم النزاع في

стр. 311

الممتنع لذاته لا للعلم ثم ما ذكرتم يقتضي كون كل تكليفٍ تكليفُ ما لا يطاق ولم يقل به أحدٌ. ثم هو معارضٌ بوجوه: أ - قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (١). وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٢). ب - إن تكليف العاجز عبثٌ وهو على الله تعالى محال. ج - المحال لا يتصور، إذ المتصور متميز، والمتميز ثابت. وما لا يتصور لم يكن إليه إشارة. والمأمور به إليه إشارة. د - لو جاز ذلك جاز أمر الجماد. لأنا نجيب عن: أ (٣) - بأن علمه لما تعلق بعدم الإِيمان أزلًا فلولا حصول متعلقه انقلب العلم جهلًا في الماضي. ولقائل أن يقول (٤): لا ينقلب (٥) العلم جهلًا بل يكون تعلقه (٦) أزلًا بالإِيمان، بدلًا عن تعلقه بعدمه. وهذا (٧) لازم لتلازم عدم الإِيمان مع تعلق العلم به أزلًا. ب، جـ - أنَّه لا يلزم من وجوب الشيء عند العلم كونه أثرًا له. د - بمنع استحالته. هـ، و- أن العلم تبع الوقوع التابع للقدرة فلم يمنع منها (٨).

стр. 312

ز - أن العلم بعدم الإيمان لمَّا نافى الإيمان، كان الأمر به زمان ذلك العلم أمرًا بالجمع بين المتنافيين. ج - أنا نقول به. وعن المعارضة الأولى: بقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ (١). ثم ظواهر النقل لا يعارض القواطع بل تؤول وإن لم نعلم عين التأويل. ب - أنَّه إن عنى بالعبث الخالي عن المصلحة منعنا استحالته. جـ - أن الحكم عليه بالامتناع يستدعي تصوره ولأنا نميز بين الجمع بين الضدين وبين قولنا الواحد نصف الاثنين. د - أن الأمر إعلام (٢) وهو في الجماد ممتنع. الثاني (٣): إنه تعالى أخبر (٤) عن عدم إيمان قوم فاستحالة الإيمان منهم لما سبق. الثالث: أمر أبا لهب (٥) بالإيمان. ومن الإيمان تصديق الله تعالى في كل ما أخبر عنه. ومما أخبر عنه أنَّه لا يؤمن فقد أمر بأنه لا يؤمن وهو جمع بين الضدين (٦). ولقائل أن يقول (٧): لو سُلم أن تصديق الله في كل ما أخبر عنه

стр. 313

من الإِيمان لم يلزم منه أمره بتصديق هذا الخبر عينًا إذ ما هو من الإِيمان من التصديق يجب أن يكون جمليًا. الرابع: دليل الجبر (١) المذكور في مسألة الحسن والقبح. الخامس: الأمر إما حال استواء الداعي إلى الفعل والترك والفعل فيها ممتنع. وأما حال رجحان الداعي إلى أحدهما، والراجح فيها واجب والمرجوح ممتنع لما مرَّ في الرابع. السادس: أفعال العبد مخلوقة لله تعالى إذ لو كانت مخلوقة له لكان عالمًا بتفاصيلها وليس كذلك وهذا مقرر في الكلام (٢) فلا قدرة للعبد على أفعاله. ولقائل أن يقول (٣): ذلك التقرير ضعيف يعرف في الكلام. السابع: الأمر قبل الفعل والقدرة مع الفعل إذ لا بد لها من متعلق موِجود لامتناع أن يكون المعدوم الَّذي هو نفي محض مستمر مقدورًا. لا قدرة للعبد حال وجود الفعل لامتناع إيجاد الموجود ولا قبله. إذ القدرة المتقدمة لو أثرت في الفعل المتأخر كان ذلك التأثير مغايرًا لوجود المقدور ويعود الكلام في تأثير القدرة في ذلك المغاير. والوجهان يشكلان بقدرة الله تعالى. التاسع: أمر الله تعالى بمعرفته في قوله: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إلَّا اللهَ﴾ (٤). فالمأمور إما العارف به، وتحصيل الحاصل محال، أو غير العارف

стр. 314

به وهو ما دام غير عارفٍ به يمتنع أن يعلم أنَّه مأمور بمعرفته. وهو تكليفُ ما لا يطاق. ولقائل أن يقول (١): ذلك أمر بمعرفة وحدانيته تعالى. سلمنا، لكن العلم بأمره تعالى يكفي فيه علمه به باعتبارٍ ما. العاشر: إنه ورد الأمر بالنظر في قوله تعالى: ﴿قُلْ انْظُرُواْ﴾ (٢) وأنه غير مقدور إذ لا قدرة على تحصيل التصور فإنه إن لم يكن مشعورًا به امتنع توجيه الذهن نحوه. وكذا إن كان (٣) لامتناع تحصيل الحاصل. وكذا إن كان (٤) مشعورًا به من وجه دون وجه. لأن الوجه الأول: معلوم مطلقًا، والثاني: مجهول مطلقًا وإذا امتنع تحصيل التصور امتنع تحصيل التصديق البديهي لوجوبه عند حصول تصور طرفيه، وامتناعه عند عدمه. وإذا امتنع تحصيل (٥) البديهي فكذا تحصيل النظري لوجوبه عند حصول التصديقين البديهيين (٦)، وامتناعه عند عدمه. فلم يكن الاستدلال مقدورًا. ولقائل أن يقول (٧): المعلوم باعتبار صادق عليه أمكن توجه الطلب نحوه. وإنما يمتنع ذلك في المجهول بجميع اعتباراته. ثم حضور (٨) التصديقات البديهية في الذهن كيف كان لا يوجب العلم

стр. 315

بالنتيجة. بل لا بد من ترتيب خاص وهو النظر وإذا كان هذا (١) الترتيب مقدورًا كانت العلوم النظرية مقدورة. " المسألة الثانية " (٢) قال الأكثرون منا ومنِ المعتزلة: الكافر مخاطب بفروع الشرع (٣) بمعنى أنَّه يعاقب على تركها خلافًا لجمهور الحنفية وأبي حامد الإِسفرائيني (٤) منا. وقيل: يتناوله النهي دون الأمر.

стр. 316

لنا وجوه: أ- المقتضي لوجوبها قائم لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ (١). والكفر ليس بمانع إذ يمكنه رفعه أولًا كرفع الحديث ولهذا قلنا: الدهري (٢) مكلف بتصديق الرسول ﵇. ب - قوله تعالى: ﴿يَتَسَاءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ مَا سَلَكَكُمْ في سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ (٣) الآية. عللوا ذلك بتركهم الصلاة وغيره. ولو كذبوا لكذَّبهم الله تعالى فيه. إذ لا يستقل العقل بمعرفة كذبهم فيه ليكون ذكره بدون تكذيبهم بيانًا لعنادهم كما في قوله تعالى: ﴿قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ (٤). وقوله تعالى: ﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾ (٥) فلم يبق فيه فائدة زائدة يجب حمل كلامه تعالى عليها. لا يقال: تكذيبهم بيوم الدين مذكور. وأنه مستقل باقتضاء دخول سقر، فلم يجز إحالته على غيره. ثم المراد من المصلين المسلمين كما في قوله ﵇: "نهيت عن قتل المصلين" (٦). لئلا يلزم الكذب إذ أهل الكتاب منهم في سقر مع أنهم كانوا يصلون ويؤمنون بالغيب. سلمناه: لكن المراد قوم فعلوا هذه الأشياء ثم ارتدوا.

стр. 317

لأنا نجيب عن: أ (١) - بأن الحكم مرتب على القيود أجمع. والتكذيب مستقل باقتضاء دخول الجحيم لا باقتضائه في موضع معين. ب - أن هذا تأويل لا يأتي في قوله تعالى: ﴿لَمْ نَكُ نِطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ (٢). ثم الصلاة في عرف شرعنا لما كانت هي الأفعال المخصوصة لم يكن أهل الكتاب مصلين. جـ- (٣) أن لفظ المجرمين عام. د - قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ (٤). وكذلك قوله تعالى: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ (٥). ذمهم على الكل وكذلك قوله تعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ (٦). هـ - النهي يتناوله لوجوب الحد عليه فكذا الأمر بجامع التمكن من استيفاء المصلحة المدلول عليها بالتكليف. لا يقال: إنما وجب عليه الحد لالتزامه أحكامنا. والفرق أن الانتهاء عن المنهي عنه مع الكفر ممكن. لأنا نجيب عن: أ (٧) - إن من أحكام شرعنا أن لا يحد أحد بالفعل المباح.

стр. 318

ب - إن النية إن اعتبرت في الامتثال فالأقدام كالاحجام في الامتناع وإلا فكذلك في الإِمكان. احتجوا (١): بأن الصلاة مثلًا لا تجب عليه بعد الإسلام وفاقًا ولا قبله لامتناعه، ولأنها لو وجبت لوجب قضاؤها كالمسلم بجامع تدارك المصلحة. والجواب عن: أ (٢) - إن ما ذكرتم لا ينفي العقاب على تركها. ب (٣) - النقض بالجمع (٤)، والفرق أن وجوب القضاء عليه تنفير له عن الإِسلام. " المسألة الثالثة " فعل المأمور به يقتضي الإِجزاء بمعنى (٥) سقوط الأمر خلافًا لأبي هاشم (٦).

стр. 319

لنا: إن الأمر لم يتناول غير المأتي به لأنه تمام المأمور به فامتنع بقاؤه بعده لامتناع تناوله إياه بعده. ولأنه لو قال السيد لعبده افعل هذا فإذا فعلت، لا يجزئ عنك عُدَّ مناقضًا. احتجوا بوجوه: أ - النهي لا يقتضي الفساد فالأمر لا يقتضي الإِجزاء. ب - يجب إتمام الحج والصوم الفاسدين بلا إجزاء. ج - كون المأمور به سببًا لسقوط التكليف زائد على مدلول الأمر. والجواب عن: أ - إن النهي لا ينفي كون المنهي (١) عنه سببًا لغيره والأمر يقتضي فعل المأمور به فاستحال بقاؤه بعده. ب - إنه لا (٢) يجزئ عن الأمر بالحج والصوم بل عن الأمر بالإتمام (٣). جـ - إن الأمر يقتضي فعل المأمور به وهو يقتضي سقوط التكليف وهو المعني في اقتضائه للإجزاء. " المسألة الرابعة " الإِخلال بالمأمور به المؤقت (٤) لا يوجب القضاء لوجهين: أ - إن الأمر لم يتناول غير ذلك الوقت لغة فلم يدل عليه نفيًا ولا إثباتًا. ب - إن الأمر انفك عن إيجاب القضاء كما في الجمعة. ووجود (٥) الدليل بدون المدلول خلافُ الظاهر. وإثبات ما لا يدل عليه اللفظ ليس خلاف الظاهر.

стр. 320

وإن كان الأمر مطلقًا (١) فمن نفى الفور أوجب الفعل مطلقًا ومن أثبته لم يوجب القضاء إذا فات الفعل في أول وقت الإِمكان إلَّا لمنفصل محتجًا بما ذكرنا في الأمر المؤقت إلّا (٢) أبا بكر (٣) الرازي. فإنه قال الأمر اقتضى وجوب الفعل وأنه يقتضي كونه فاعلاً على الفور. واقتضى أيضًا كونه فاعلًا على الإِطلاق. فإذا فات الأول وجب بقاء الثاني. " المسألة الخامسة " الأمر بالأمر بالشيء كقوله ﵇: "مروهم بالصلاة" (٤) ليسِ بأمرٍ به وإن انضم إليه قوله: وكل من أمرته (٥) بشيء فقد أمرته به كان آمرًا به. لكن إنما جاء ذلك من القول الثاني.
следующие страницы →