والجواب عن:
أ- أنه ردٌ للتهمة بالكذب والنسيان.
ب (١) - أنه ينفي تخصيصه بالمتواتر. ولو قيل تخصيص الكتاب لا يكون على (٢) خلافه. قلنا كذلك ههنا.
جـ- أن خبر الواحد تترك به البراءة الأصلية اليقينية على أن الكتاب مقطوع المتن مظنون الدلالة والخبر بالعكس. وأيضاً لما دلً القاطع على وجوب العمل بخبر الواحد كان وجوب العمل به مقطوعاً فاستويا.
ولقائلٍ أن يقول (٣): في هذه الأجوبة نظر.
د (٤) - أن الِإجماع فَصلَ بينهما وضعف الِإجماع على التخصيص بخبر الواحد سبق فالجواب الفرق بأن التخصيص أهون.
تنبيه: حيث جوز عيسى والكرخي تخصيصه به إنما جوَّزا لِصيرورة العام مجازاً عندهما فيكون الكتاب مقطوعَ المتن مظنونَ الدلالة والخبر بالعكس فتعادلا.
стр. 387
" المسألة الثانية "
يجوز تخصيص الكتاب والسنّة المتواترة بالقياس عند الشافعي وأبي حنيفة ومالك والأشعري وأبي- الحسين البصري وأبي هاشم أخيراً. ومنع منه قوم- مطلقاً. وهو قول الجبائي وأبي هاشم أولاً. وفصل عيسى والكرخي كما تقدم. وقال ابن سريج (١) وكثير من فقهائنا يجوِّز بالقياس الجلي لا الخفي.
ثم قيل الجلي قياس المعنى والخفي قياس الشبه (٢). وقيل الجلي ما يفهم علته (٣) كما يفهم تعليل قوله ﵇: "لا يقضي القاضي وهو غضبان" (٤). بأنه يدهش عن تمام الفكر ليتعدى إلى الجائع (٥). وقيل: هو ما ينقض القضاء بخلافه.
وقال الغزالي (٦): إن تعادل العام والقياس توقفنا وإلا رجحنا الأقوى (٧). وتوقف القاضي أبو بكر وإمام الحرمين- رحمهما الله- فيه والخلاف جارٍ في خصيص كل عام بقياس أصله من جنسه، وإن كان العام كتاباً أو سنةً متواترةً وأصل القياس خبر واحدٍ، فالجواز أبعد وعلى العكس أقرب.
لنا: ما تقدم في المسألة السالفة، والمعارضتان الأخيرتان (٨) بجوابهما فيها آتية ههنا (٩).
стр. 388
احتجوا بوجوه:
أ- القياس فرع النص فكان أضعف منه فلئن قيل: هو فرع نصٍ آخر.
قلنا: لكن النصوص متساويةُ المقدمات، واختص القياس بزيادة (١) ضعف (٢).
ب- حديث معاذ (٣) يدل على تأخير الاجتهاد عن النص.
стр. 389
جـ- شرط القياس أن لا يرد (١) النص وفاقاً.
والجواب عن:
أ- أنه رب نص مقدماته مع مقدمات القياس لا تزيد على مقدمات نص آخر.
ب- أنه يمتنع تخصيص الكتاب بالسنّة المتواترة.
جـ- أن شرطه أن لا يدفع كل ما اقتضاه النص والنزاع في دفع بعضه (٢).
" المسألة الثالثة "
دلالة المفهوم (٣) بتقدير كونه حجة أضعف من دلالة المنطوق، ففي تخصيص المنطوق به نظر (٤).
стр. 390
" الفصل الخامس" في بناء العام على الخاص إذا تعارض خبران عام وخاص فله أحوال
" الحالة الأولى: أن يعلم تقارنهما "
فالخاص يخصص العام وقيل بتعارضهما في قدر الخاص.
لنا وجوه:
أ- ما سبق قبل (١).
ب- الخاص أقوى دلالة إذ العام يجوز إطلاقه بدون إرادة ذلك الخاص.
جـ- إذا قال السيد- اشترِ كلَّ ما في السوق من اللحم. ثم قال عقيْبه: لا تشتر لحم البقر فُهمَ إخراجه منه.
فإن قلتَ (٢) يحمل قوله في الخيل زكاة على التطوع. وقوله: ليس في ذكور الخيل زكاة على نفي الوجوب.
قلتُ: هذا لا يتأتى في قولنا: أوجبتُ الزكاة في الخيل. وأيضاً ذلك يصرف اللفظ عن ظاهره في الِإناث بلا دليل.
стр. 391
" الحالة الثانية: أن يعلم تأخر الخاص "
فإن ورد قبل وقت العمل بالعام كان تخصيصاً للعام، وجوازه فرع تأخير البيان عن الخطاب.
وإن ورد بعده كان نسخاً له لا تخصيصاً إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة.
" الحالة الثالثة: أن يعلم تأخير العام "
فيبنى العام على الخاص عند الشافعي وأبي الحسين. وقال أبو حنيفة والقاضي عبد الجبار العام ينسخ الخاص.
لنا: الوجوه المذكورة (١).
احتجا بوجوه:
أ- قول ابن عباس: (كنا نأخذ بالأحدث فالأحدث).
ب- لفظان تعارضا فقدم الأخير، كما في العكس وفيه احتراز عن العقل المخصص.
جـ - القياس على ما (٢) إذا فصل آحاد العموم، لأن كل منهما في قوة الآخر.
واحتج ابن العارض (٣) على التوقف. بأن الخاص أخص في الأعيان
стр. 392
وأعم في الأزمان، لتناوله ما بين ورود الخبرين فاستويا (١).
والجواب عن:
أ- أن قول الصحابي ضعيف الدلالة، فيخص بما إذا كان الحادث أخص.
ب- أن دلائلنا (٢) عين الفرق.
ب- أن المفصل لا يحتمل التخصيص.
د (٣) - أنه إنما يصح لو كان الخاص المتقدم نهياً والعام المتأخر أمراً، فلو انعكس الأمر كان العام المتاخر عاماً مطلقاً إذ الأمر لا يفيد التكرار.
" الحالة الرابعة: أن لا يعلم التاريخ "
فالخاص يخصص العامِ عند الشافعي، وتوقف فيه أبو حنيفة، إذ الخاصِ بين أن يكوِن منسوخاً ومخصصاً وناسخاً مقبولاً إن كان متواتراً.
ومردوداً إن كان آحاداً والعام متواتراً. وهذا الاحتمال الأخير يضعف ما تمسك به أصحابنا من أن الخاص مقدم قارن العام أو تقدم أو تأخر فقدم مطلقاً.
وتمسكوا أيضاً بأنه يجوز التخصيص بالقياس مطلقاً، فبخبر الواحد أولى.
وهو ضعيف أيضاً، لأن أصل ذلك القياس إن كان مقدماً على العام لم يصح القياس عليه عندنا، فكذا إذا لم يعلم تقدمه عليه، بل المعتمد أن فقهاء الأمصار في هذه الأعصار يخصصون أعم الخبرين بأخصهما بلا علم بالتاريخ. ولا يلزم علينا (٤) عدم تخصيص ابن عمر (٥) قوله تعالى:
стр. 393
﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ (١) بقوله ﵇: "لا تحرم الرضعة والرضعتان" (٢). وأنه لما سئل عن نكاح النصرانية حرمه بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ (٣) وجعله رافعاً لقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ (٤) مع خصوصه، لأنا إنما (٥) ادعينا إجماع أهل (٦) هذه الأعصار وأيضاً يحتمل أنه فعل ذلك لدليل.
تنبيه: من توقف حيث توقف يجب عليه الترجيح. فذكر عيسى بن أبان فيه وجوهاً: عمل الأمة بأحد الخبرين، أو عمل أكثرهم به (٧) مع عيبهم على من لم يعمل به أو شهرة رواية أحدهما. وزاد أبو عبدالله البصري وجهين: ورود أحدهما بياناً للآخر (٨)، أو تضمنه حكماً شرعياً.
قال أبو الحسين البصري: هذه الأمور أمارة تأخير أحد الخبرين إذ لو كان مقدماً منسوخاً (٩) لما كان كذلك. وهذا في تضمن الحكم الشرعي ضعيف.
стр. 394
" الفصل السادس" فيما يظن أنه من المخصصات وفيه مسائل
" المسألة الأولى "
الجواب الذي لا يستقل بنفسه (١) لذاته أو للعادة يفيد مع سببه، وكان السبب معاداً فيه، والمستقل إن ساوى السؤال فلا كلام (٢) فيه.
وإن كان أخص منه جاز إن نُبه في المذكور على حكم غيره، والسائل مجتهد لا يفوت باجتهاده مصلحة، وإن كان أعم لم يتخصص بالسبب، خلافاً (٣) للشافعي ﵁ ...........................
стр. 395
.......... والمزني (١) وأبي ثور إذ خصوص السبب لا يعارض مقتضى العموم لجواز منع الشارع من التخصيص به، ولأن آية السرقة واللعان والظهار وردت في أقوام بعينها مع عمومها (٢).
احتجوا: بأن المراد بيان ما سئل عنه وإلا تأخر البيان عن الواقعة فاختص به.
وجوابه: أنه يقتضي تخصيصه بذلك الشخص وذلك الزمان ثم ذلك السؤال الخاص، لعله اقتضى هذا الجواب العام.
تنبيه: دلالته على موضع (٣) السؤال أقوى وإن دلَّ على غيره.
стр. 396
" المسألة الثانية " (١)
مذهب الراوي لا يخصص (٢) عند الشافعي، خلافًا لعيسى بن أبان.
وقيل: إن وجد ما يقتضي تخصيصه خص بمذهبه وإلا فلا.
لنا: أن خلاف الراوي قد يكون لظنه ما ليس بدليل دليلًا فلا يعارض مقتضى العموم.
احتج الخصم: بأن مخالفته لا عن طريق يقدح في عدالته. والطريق إن كان محتملًا لذَكَرهُ إزالةً للتهمة عن نفسه، والشبهة عن غيره وإن كان قاطعًا اقتضى التخصيص.
وجوابه: إنه إنما يجب ذكره عند المناظرة، ولعلها لم تتفق، ثم لا يلزم من ذِكْرِه اشتهاره.
" المسألة الثالثة "
لا يخص العام بذكر بعضه (٣) خلافًا لأبي ثور.
لنا: أن البعض لا ينافي الكل والمخصص منافٍ.
احتج: بأن المفهوم حجة وأنه ينافي (٤) العموم.
стр. 397
وجوابه: أن دلالة العموم أقوى من دلالة المفهوم.
" المسألة الرابعة "
العادة إن علم وجودها في زمن النبي ﷺ وأنه ما منعهم (١) منها جاز التخصيص بها وإلا فلا، لكن المخصص بالحقيقة هو تقريره ﵇.
" المسألة الخامسة "
كونه مخاطبًا لا يخصص العام إن كان خبرًا وإن كان أمرًا جعل جزءًا فيشبه أن يُجعل مخصصًا.
" المسألة السادسة "
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ يتناول النبي أيضًا وقيل: لا، لأن منصبه يقتضي إفراده بالذكر، وهو ضعيف إذ لا مانع من دخوله فيه. وقال الصيرفي: إن كان الخطاب صدر (٢) بأمر الرسول ﷺ بالتبليغ كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ لم يتناوله وإلا تناوله.
" المسألة السابعة "
الكفر لا يخصص العام لما سبق في الأوامر ولا الرق، إلَّا في عبادة تختص بالمالكين، إذ لا مانع سوى وجوب خدمة السيد والدال عليه، كالعام
стр. 398
بالنسبة إلى الدال على وجوب العبادة لاختصاص كل عبادة بدليل فكان تخصيص ذلك بهذا أولى من العكس.
" المسألة الثامنة "
ذِكرُ العام في معرض المدح والذم لا يخصصه خلافًا لبعض (١) فقهائنا، إذ المدح والذم لا يعارض مقتضى العموم.
" المسألة التاسعة "
عطف الخاص على العام لا يخصصه خلافًا للحنفية إذ قالوا: قوله ﵇: "لا يقتل مؤمن بكافرٍ ولا ذو عهدٍ في عهده" (٢) أي بكافر. ثم الكافر الذي لا يقتل به ذو عهد هو الحربي (٣). فكذا الذي لا يقتل به المسلم وهو ضعيف. إذ قوله ﵇: "ولا ذو عهد في عهده"، كلام تام (٤) لا يحتاج إلى إضمار قوله بكافر. سلمنا، لكن العطف لا يقتضي اشتراك
المعطوف والمعطوف عليه من كل وجه.
стр. 399
" المسألة العاشرة "
تعقيب العام باستثناء أو صفة أو حكم لا يأتي في بعضه لا يخصصه به عند القاضي عبد الجبار، وقيل يخصصه به، وقيل بالتوقف وهو المختار.
والأول كقوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ (١). استثنى العفو بكناية راجعة إلى النساء ولم يصح العفو إلا من المكلفات.
والثاني كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ (٢). أي الرغبة في مراجعتهن.
والثالث كقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ (٣) وهما يختصان بالرجعيات.
لنا: أن مقتضى الكناية العود إلى كل ما سبق وليس تخصيصه لأعمال العموم الأول أولى من العكس فوجب التوقف.
стр. 400
" الفصل السابع " في حمل المطلق على المقيد لا يحمل عليه إن اختلف حكمهما وإن تماثل حكمهما "ففيه مسائل"
" المسألة الأولى "
إذا اتحد سبب الحكمين حمل المطلق على المقيد إذ المطلق جزءٌ من المقيد لما عرف فالآتي بالمقيد عامل بالدليلين. والآتي بالمطلق عامل بأحدهما، فكان الأول أولى.
فإن قيل: مقتضى الِإطلاق التمكن من أي فرد شاء، والتقييد يزيله فلمَ كان هذا (١) أولى من حمل الأمر بالمقيد على الندب.
قلنا: لأن التقييد مدلول عليه لفظًا، دون ذلك التمكن فكان بالرعاية أولى.
" المسألة الثانية "
إذا اختلف سبب الحكمين كتقييد الرقبة في كفارة القتل وإطلاقها في كفارة الظهار. فقال بعض أصحابنا: تقييد أحدهما يقتضي تقييد الآخر لفظًا، لأن القرآن كالكلمة الواحدة، ولأن الشهادة أطلقت مرارًا، وقُيدت بالعدالة مرة. وحمل الأول على الثاني وهو ضعيف، إذ إطلاق أحدهما لا يعد مناقضًا لتقييد الأخر. والقرآن كالكلمة الواحدة في عدم التناقض لا في كل شيء وذلك التقييد بالِإجماع.
стр. 401
وقالت الحنفية: لا يجوز تقييده بطريق، لأن ذلك إزالة المكنة المطلقة (١) فكان نسخًا وهو ضعيف، لأن القياس إذا دل على تقييده وجب العملِ به. ولو كان التقييد نسخًا لكان تقييده بالسلامة عن العيوب نسخًا.
وأيضًا الِإطلاق لا يزيد على العموم.
وأنه يجوز تخصيصه بالقياس فهذا أولى.
وقال المحققون من أصحابنا: جاز التقييد بالقياس على ذلك المقيد إن وجد القياس.
" المسألة الثالثة " (٢)
إذا أطلق في موضعٍ وقيد في موضعيْن بقيدين متضادين حمل المطلق على ما كان القياس عليه.
وعند الحنفية يبقى على إطلاقه، وكذلك على قول الأولين من أصحابنا إذ ليس تقييده بأحدهما أولى.
стр. 402
الكلام فى المُجمَل والمبَيَّن وفيه مقدّمة وفصول
стр. 403
المقدمة في تفسير ألفاظٍ أطلقت في هذا الباب
(١) البيان: وهو مَصدر بيَّن يقال بَيَّن (١) تِبيانًا وبيانًا، كما يقال كلَّم تكليمًا وكلامًا. وهو عبارة عن الدلالة.
وفي اصطلاح الفقهاء: (هو الدال على المراد بخطاب لا يستقل في الدلالة عليه.
(٢) المبيَّن: يقال للمحتاج إلى البيان بعد وروده عليه وللمستغني عنه.
(٣) المفسَّر: يقال للمحتاج إلى التفسير بعد وروده عليه وللمستغنى عنه أيضًا.
(٤) النص: وهو كلام تظهر إفادته لمعناه ولم يتناول أكثر منه.
خرج بالكلام دليلِ العقل والقياس والمجمل مع المبين. فإن المبين قد لا يكون كلامًا، ولأن المجموع خطاب غير واحدٍ. وبظهور الِإفادة المجمل. وقوله تعالى: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ إنما يسمى نصًا بالنسبة إلى إفادة وجوب الصلاة، ومجملًا بالنسبة إلي تعيين الصلوات وبالأخير (٢) قوله. اضرب عبيدي فإنه لا يسمى نصا بالنسبة إلى زيدٍ لتناوله أكثر منه.
(٥) الظاهر: وهو ما لا يفتقر في إفادته معناه إلى غيره إفادة وحده أو مع غيره،
стр. 404
وبهذا امتاز عن النص امتياز العام عن الخاص، وهذان التعريفان لا ينافيان التعريفين المذكورين للنص والظاهر في اللغات (١).
ولقائلٍ أن يقول (٢): ما ذكره ههنا يقتضي كون النص قسمًا من الظاهر والمذكور ثمة يقتضي كونه قسيمًا له وبينهما تنافٍ (٣).
٦ - المجمل: (ما يفيد شيئًا من جملة أشياء معينًا في نفسه لا يعينه اللفظ).
بخلاف قولنا: (اضرب رجلًا) فإنه غير معين لجواز ضرب أي رجل كان.
٧ - المؤول والتأويل: احتمال يعضده دليل يصير به أغلب على الظن مما دلَّ عليه الظاهر.
٨ - المحكم.
٩ - المتشابه: وقد مرا في اللغات.
стр. 405
" الفصل الأول" في المجمل "وفيه مسائل"
" المسألة الأولى "
الدليل الشرعي إما أصل أو مستنبط منه، والثاني هو القياس ولا يمكن فيه إجمال والأول (١) إن كان قولًا أمكن إجماله عند استعماله في جميع ما وضع له (٢)، كالمشترك والمتواطئ إذا أُريد به واحدٌ ولا يدل على عينه، وعند استعماله في بعض ما وضع له كالعام المخصوص بصفة مجملة أو استثناء مجمل، أو بدليل منفصل مجمل، وعند استعماله لا في شيء مما وضع له كالألفاظ الشرعية إذا لم يعلم عين ما نقلت إليه والتي تعذرت حقائقها وتساوت مجازاتها.
وإن كان فعلًا أمكن إجماله إذا لم يقترن به ما يدل على وجه وقوعه.
" المسألة الثانية "
جاز ورود المجمل في الكتاب والسنّة لوروده في آية العدة، وقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ﴾ (٣).
احتجوا: بأن المجمل إن لم يبيَن لزم تكليف ما لا يطاق، وإن بُيِّن كان
стр. 406
تطويلًا بلا فائدة، ومخلًا بالفصاحة وموجبًا للحيرة، لجواز وصول المجمل دون البيان إلى المكلف.
وجوابه على أصلنا: أن الله تعالى يفعل ما يشاء. وعلى أصل المعتزلة لعل في إرداف المجمل بالبيان مصلحة لا نعلمها.
" المسألة الثالثة "
إضافة التحريم والتحليل إلى الأعيان تقتضي الِإجمال عند الكرخي.
وعندنا تفيد بحسب العرف تحريم الفعل المطلوب من تلك الأعيان فتحريم الميتة تحريم أكلها، وتحريم الأمهات تحريم الاستمتاع بهن (١).
لنا وجوه:
أ - أن سبق الذهن في العرف إلى هذه المعاني يدل على كونها حقائق عرفية.
ب - قوله ﵇: "لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها وباعوها وأكلوا (٢) ثمنها" (٣). يدل على أن تحريم الشحوم تحريم أنواع التصرف المعتاد فيها.
جـ - ملك الدار يفيد حل السكنى والبيع، وملك الجارية حل الوطء والاستخدام والبيع وإذا أجاز ذلك في إضافة الملك جاز في إضافة التحريم.
стр. 407
احتج (١): بأن العين لا تراد بالتحريم. بل فعلٌ يتعلق بها. وليس البعض أولى من البعض ولم يمكن إضمار الكل. إذ لا حاجة فوجب التوقف، ولأنه لو أفاد حرمة فعلٍ معين لكان هو المحرم في كل المواضع.
وجوابه: أن العرف يقتضي تحريم الفعل المطلوب منه.
" المسألة الرابعة "
قال بعض الحنفية: قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ (٢) مجمل لاحتمال إرادة كل الرأس وبعضه. وقيل يفيد الكل لولا المعارض، لأن الباء للِإلصاق. قال ابن جني. لا فرق بين قوله: (مسحت الرأس) وبين قوله: (مسحت بالرأس) والرأس اسم للكل فيتناوله وقال بعض الشافعية: إنه يفيد التبعيض، وقيل يفيد القدر المشترك بين الكل والبعض، وهو إمساس اليد بجزءٍ من الرأس إذ اللفظ مستعملٌ في البعض كما في الكل. كما يقال: مسحت يدي بالمنديل وبرأس اليتيم، والأصل الحقيقة الواحدة وهو قول الشافعي.
" المسألة الخامسة "
قال أبو عبد الله البصري: إذا دخل حرف النفي على الفعل كان مجملًا لأنه لا ينفيه. ولشى إضمار بعض الأحكام أولى. ولا يمكن إضمار الكل إذ لا ضرورة وقد يتناقض. فإن نفي الكمال يستلزم الصحة فإضمارها يتناقض فوجب الِإجمال.
وقيل: إن كان المسمى شرعيًا انتفى ولا إجمال. وقول القائل هذه صلاة فاسدة يحمل على اللغوي للتوفيق. وإن كان حقيقيًا وله حكم واحد فقط كالشهادة والاقرار فيما يسن ستره فلا إجمال، وإن كان أكثر كالجواز والفضيلة تحقق الِإجمال وهو قول الأكثر.
стр. 408
وقد يقال: الحمل على (١) الجواز أولى لوجوه:
أ - اللفظ يدل على نفي الذات بالمطابقة وعلى نفي الصفات بالالتزام، فصار كالعام بالنسبة إليهما. تُركَ العمل به في الأول فعمل به في الثاني.
ب - المشابهة بين المعدوم وما لا يصح ولا يفضل أكثر منها بينه (٢) وبين ما يصح ولا يفضل (٣).
جـ - معنى قولنا: هذا لفلان. عود نفعه إليه. فقولنا: لا عمل له. معناه لا يعود نفعه إليه وأنه ينفي الصحة لاستلزامها عود النفع إليه.
" المسألة السادسة "
قيل آية السرقة مجملة في اليد، لأنه يطلق على العضو من المنكب والمرفق والكوع ومفصل (٤) الأنامل وفي القطع أيضًا، لأنه يطلق على الِإبانة وعلى الشق.
وجوابه: أن اليد هو العضو من المنكب فلا يقال قطعت يده بالكلية إلا اذا قطع من المنكب ويطلق على الباقي بالمجاز. والقطع هو الِإبانة فإذا أضيف إلى الجلد أفاد إبانة تلك الأجزاء.
стр. 409
" المسألة السابعة "
قيل قوله ﵇: "رفع عن أمتي الخطأ" (١). مجمل لما قيل في نفي الفعل (٢).
وجوابه: أنه يفيد في العرف نفي المؤاخذة على الفعل كما يفهم من قول السيد لعبده. رفعت عنك الخطأ.
стр. 410
" الفصل الثاني" في المبيَّن "وفيه مسائل"
" المسألة الأولى "
إفادة الخطاب بنفسه إما للوضع كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (١) أو لا وحينئذٍ إما للتعليل كما يكون الحكم في المسكوت عنه أولى وكقوله ﵊: "إنها من الطوافين" (٢). أو لا (٣) له. كما يدل الأمر بالشيء على وجوب شرطه وكقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (٤) فإن إضمار الأهل متعين.
" المسألة الثانية "
البيان بالقول ظاهر، وأما بالفعل فكالكتابة وعقد الأصابع وإِشارة وكما يفعل فعلًا يعلم بالضرورة من قصده (٥) كونه بيانًا. أو بالدليل العقلي كما يفعل في وقت الحاجة إلى العملِ بالمجمل ما يصلح بيانًا له فقط. أو اللفظِي كما يقول ما يدل على كونه بيانًا وأما بالترك فكما يترك التشهد الأول عمدًا،
стр. 411
فيعلم أنه ليس بشرط ولا واجب. أو يسكت عن حكم الحادثة بعد السؤال عنه فيعلم أنه لا حكم فيها للشرع. أو بتناول الخطاب له ولأمته فيترك قبل فعله فيعلم تخصيصه منه أو بعده فيعلم نسخه في حقه. فإن علم أن حكم الأمة كحكمه علم نسخه في حقهم وإلا فلا. واعلم أن الفعل لا يدل على الوجوب والترك يدل على عدمه.
" المسألة الثالثة "
قيل: لا يجوز وقوع الفعل بيانًا. فإن عنى به أنه لا يجوز في العقل أصلًا فهو باطل، فإنه ﵇ بيَن الصلاة والحج بفعله وقال: "خذوا عني مناسككم" (١). وقال: "صلوا كما رأيتموني أصلي" (٢). وهو أدل عليهما من الوصف. وان عنى افتقاره إلى قوله: "هذا الفعل بيان لهذا المجمل" فمسلم لكن المبين هو الفعل (٣) لتعليق الفعل بالمجمل. وان عنى به أنه لا يجوز في الحكمة (٤) فأصلنا يأباه. وعلى أصل المعتزلة يجوز كون البيان بالفعل أصلح.
احتج: بأن الفعل يطول فيتأخر البيان عن وقت الحاجة.
وجوابه: أن القول قد يكون أطول.
" المسألة الرابعة "
القول والفعل إذا تطابقا في كونهما بيانًا، فالبيان هو الأول والثاني تأكيد، وإن تنافيا فيه كقوله ﵇: "من قرن الحج إلى العمرة فليطف
стр. 412
لهما طوافًا واحدًا" (١) مع أنه قرن وطاف لهما طوافين فالقول مقدم، لأنه يدل بنفسه.
" المسألة الخامسة "
قال الكرخي: لا يجوز بيان المعلوم بالمظنون. والحق جوازه كجواز تخصيص القرآن بخبر الواحد والقياس.
" المسألة السادسة "
قيل: إذا كان المبيَّن واجبًا كان بيانه واجبًا فإن أريد أنه بيان لصفة شيء واجب صح. وإن أريد أنه يدل على الوجوب فلا. إذ ليس فيه ما يدل على الوجوب بل على صفة المبين. وإن أريد أن المبين إذا وجب بيانه على الرسول ﵊ وإلا فلا. فهو باطل، لأن بيان المجمل واجب مطلقًا وإلَّا فقد كلف بالمحال.
стр. 413
" الفصل الثالث " في وقت البيان وفيه مسألتان
" المسألة الأولى "
من منع تكليف ما لا يطاق منع تأخير البيان عن وقت الحاجة. ومن جوَّزه جوز، وأما تأخيره عن وقت الخطاب فجائز عندنا، سواء كان الخطاب ظاهرًا أريد خلافه كبيان التخصيص والنسخ والاسم الشرعي والنكرة إذا أريد بها معيَّن، أو لا كالمتواطئ والمشترك ومنع منه جمهور المعتزلة إلَّا في النسخ. ومنع أبو الحسين منه فيما له ظاهر وزعم أن البيان الِإجمالي كافٍ كما يقول هذا العام مخصوص، وهذا الحكم سينسخ وجوَّز فيما لا ظاهر له إلى وقت الحاجة. وذكر هذا التفصيل (١) من أصحابنا أبو بكر القفال (٢)، وأبو إسحاق المروزي (٣) وأبو بكر الدقاق ويدل على جواز تأخيره عن وقت الخطاب في الجملة قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ (٤) وثم للتراخي لتواتره عند أهل اللغة.
فإن قيل: ثم قد تستعمل بمعنى الواو كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾ ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، ثم المراد بالبيان إظهاره بالتنزيل.
стр. 414
نعم هو خلاف الظاهر ولكن تخصيص عود الضمير لبعض القرآن مع أن ضاهره العود إلى كله خلاف الظاهر، ثم المراد البيان التفصيلي. سلمنا: لكن المراد جمعه في اللوح المحفوظ والبيان متأخر عنه. ثم الآية تقتضي وجوب تأخير البيان ولا قائل به.
والجواب عن:
أ - أن (١) ثُمَّ في الآيات لتأخير الحكم.
ب - أن المراد بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾ (٢) إنزاله، لأنه أمر ﵇ باتباع قرآنه وإنما يمكنه اتباعه بعد إنزاله. فاستحال إرادته بالبيان.
سلمنا إمكانها. لكنها (٣) خلاف الظاهر. وظاهر الضمير لا يقتضي عوده إلى كل القرآن إذ القرآن أيضًا حقيقة في بعضه بدليل الحنث به. سلمنا أنه مجاز فيه لكن هذا المجاز أولى من ذلك إذ البيان لا يستلزم التنزيل.
جـ (٤) - أنه تقييد وهو خلاف الظاهر.
د - أنه تعالى أخَّر البيان عن القراءة الواجب على النبي اتباعها.
هـ - أنا نقول به (٥) ويدل على جوازه في النكرة أمره تعالى بني إسرائيل بذبح بقرة موصوفة، إذ الهاء في قوله تعالى: ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ﴾ (٦). إنها
стр. 415
بقرة صفراء إنها بقرة لا ذلول (١)، تعود إلى المأمور به أولًا، لأنها في قوله ما هي عائدة إليه وتطابق السؤال والجواب واجب وليست ضمير الشأن والقصة، لأنها غير مذكورة والعود إلى المذكور أولى، ولأن قوله بقرة صفراء لا تفيد حينئذٍ إلَّا بإضمار، والأصل خلافه، ولأن الصفات المذكورة عند السؤال المتأخر ليست صفة بقرة أخرى وجبت عنده بعد نسخ الأولى لوجوب تحصيل الصفات المذكورة أولًا إجماعًا بل صفة الواجبة أولًا (٢). ثم إنه لم يبين لهم إلا بعد سؤال.
فإن قيل: الآية تقتضي وجوب (٣) تأخير البيان عن وقت الحاجة ولا تقولون به. ثم الواجب ذبح بقرةٍ مطلقةٍ لِإطلاق اللفظ ولذمه تعالى إياهم على السؤال بقوله تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ (٤) ولا ذم عند الِإبهام ولقول ابن عباس: لو ذبحوا أية بقرة أرادوا لأجزأت ولكنهم شددوا فشدد الله عليهم (٥). سلمنا: لكن يجوز تقديم البيان التام بدون التبيين فسألوا لذلك. سلمنا: لكن يجوز تقديم البيان الِإجمالي لقول موسى ﵇: إن البقرة ليست مطلقة وتأخير البيان التفصيلي جائز عند أبي الحسين.
والجواب عن:
أ - أنه إنما يقتضيه لو اقتضى الأمر الفور (٦) وأنه ممنوع.
ب - أن المراد خلاف مقتضى الِإطلاق لما تقدم. وذمهم يجوز أن يكون لتوقفهم عن الفعل بعد استكمال البيان بعد السؤال. وقول ابن عباس مرجوح بالنسبة إلى الكتاب.
стр. 416
جـ - أنهم لو لم يتبينوا لسألوا التفهيم، ولأن البيان كان بالوصف المذكور، وأنه لا يخفى على العارفين باللغة.
د - أنه لو كان كذلك لذكره الله تعالى إزالةً للتهمة.
ويدل على جواز تأخير المخصص (١) تأخير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ (٢) عن قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ (٣) ورد حين قال ابن الزبعري (٤). أليس عبد الملائكة والمسيح "وما" يتناول من يعقل لقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ (٥) وقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ (٦). ولفهم ابن الزبعري مع أنه من الفصحاء ولعدم تخطئته ﵇ إياه ولاتفاق أهل اللغة على وروده. بمعنى (الذي) (٧) المتناول للعقلاء. ولأنه لو قال: (ما لي صدقة) دخل فيه العقلاء، ولأن الاحتراز بقوله من دون الله، إنما يصح إذا اندرج فيه.
فإن قيل: الخطاب مع العرب وأنهم إنما عبدوا الأوثان. سلمنا: لكن خص بدليل عقلي علموه. وهو أنه لا يجوز تعذيب الغير بفعل الغير. وإنما انتظر النبي ﵇ ليتأكد البيان العقلي باللفظي. سلمنا لكنه خبر واحدٍ (٨) والمسألة علميَّة.
والجواب عن:
أ (٩) - أن عبادة بعض العرب للملائكة والمسيح مشهورة، وقد ذكره
стр. 417
الواحدي (١) وغيره في سبب نزوله (٢)، ولأن الخطاب لو كان مع عبدة الأوثان لما ورد السؤال.
ب - أن تعذيب المعبود للرضا بالعبادة جائز. وقد يتوهم الرضا فيصح السؤال.
ب - أن اتفاق المفسرين على ذكره في سبب نزول الآية ينفي ذلك. سلمنا لكن خبر الواحد يفيد الظن. والأدلة اللفظية لا تفيد إلا إياه.
والدليل على غير أبي الحسين: القياس على جواز تأخير التخصيص في الأزمان عكسًا بجامع نفي إيهام العموم في المجمل (٣).
فإن قيل: حكم الخطاب معلوم الانقطاع بالموت واحتمال النسخ لا يمنع العمل في الحال، وقد عدما في التخصيص.
قلنا: قوله صل كل يوم جمعة عام في الدوام فسقوط التكليف بالموت لا ينفي عمومه فيما قبله. وأيضًا لما كان عامًا في الدوام لغة، مع أنه يقيد بالحياة والمكنة جاز مثله في العموم.
ولقائلٍ (٤) أن يضعف هذا بأن جوازه في العموم معلوم لكن شرطه
стр. 418
وجود المخصص والمخصص العقلي معلوم في الأزمان دون الأعيان.
قوله: احتمال التخصيص يمنع العمل في الحال، قلنا: لا يمنع منه وقت الحاجة ولا يضر المنع قبله.
دليل آخر في المسألة (١): أجمعنا على جواز موت كل مكلفٍ بالخطاب العام قبل وقت الفعل وموته، حينئذٍ يخصصه من الخطاب ولم يتقدم بيان.
احتج أبو الحسين على المنع من تأخير بيان ما استعمل في غير ظاهره بوجهين:
أ- العموم خطاب لنا: فإن قصد إفهامنا (٢) بظاهره، فقد أراد الجهل منا أو بغير ظاهره، فقد أراد منا ما لا سبيل إليه. وإن لم يقصد إفهامنا انتقض كونه خطابًا لنا. إذ الخطاب معناه قصد الِإفهام ولكان ذلك إغراءً لنا بالجهل. إذ ظاهره يفيد أنه قصد إفهامنا. ولكن ذلك (٣) عبثًا إذ لا فائدة للخطاب إلا قصد الِإفهام ولجاز خطاب العربي بالزنجي والنائم واليقظان بالتصويت والتصفيق، ثم يبيته بعد (٤) مدة ولا يفرق بأن العربي يفهم الأمر بشيء في قوله تعالى: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ لأنه يجوز (٥) أن يكون المراد من الأمر غيره ثم يبينه فاستويا. بل خطاب الزنجي بالعربي أولى بالجواز، إذ لا يدعوه ظاهره إلى اعتقاد غير المراد.
ب - لو جاز ذلك لتعذر معرفة وقت العمل، لجواز أن يقوِل: صلوا غدًا ويريد بعد غد وبعد بعده وهلم جرًا، إذ يسمى الكل غدًا مجازًا. ولو بينِ في الغد صفة الفعل ثم قال: افعل الآن، جاز أن يريد به زمانًا متراخيًا.
стр. 419
والجواب عن (١) "أ" بوجهين:
أ - أنه ينتقض (٢) بعدم جواز اعتقاد العموم من العام وقت طلب الأدلة العقلية والسمعية.
فإن فرق بأن علم المكلف بكثرة السنن والأدلة كالِإشعار بالتخصيص. قلنا: يجوز وجدان المخصص فيما معه من الأدلة في ثاني الحال، كتجويز حدوث مخصص في ثاني الحال، فمنع أحدهما من اعتقاد العموم في الحالِ كمنع الآخر منه.
وينتقض بزمان البيان بكلامٍ طويل وفعل طويل، وبتأخيره بزمانٍ قصير، وبتأخير بيان الجمل (٣) المعطوف عليها إلِى الفراغ من
المعطوف، لِإتيان التقسيم المذكور فيه وإن لم يعد تأخيرًا، وتجويز ورود شرط على الكلام فيما بعد. إن منع الحمل على الظاهر منع تجويز ورود المخصص بعده منه.
ولقائلٍ أن يقول: الاحتمالان المذكوران في الصورتين راجحان على الاحتمال المذكور في صورة النزاع، فمنع الراجح من الحمل على الظاهر لا يستلزم منع المرجوح منه.
وينتقض أيضًا بجواز موت كل مخاطب قبل الفعل، وينتقض على غير أبي الحسين من المعتزلة بتأخير بيان النسخ إجمالًا وتفصيلًا، حيث اقتضى اللفظ الدوام.
ب - أن الغرض الِإفهام بمعنىِ إفادة الظن بالظاهر لا اليقين. وحينئذٍ لا يكون ناقضًا للخطاب ولا مُغريًا بالجهل ولا عابثًا وبهذا يخرج خطاب الزنجي بالعربي فإنه لا يفيد ظنه بشيء، ويمتنع أن يكون الغرض الِإفهام المفيد اليقين إذ الأدلة (٤) اللفظية لا تفيده لما سبق. وظن الظاهر لا يمنع ورود
стр. 420
المخصص عليه كما أن ظن نزول المطرِ من الغيم الرطب شتاءً، لا يمنع تخلف المطر عنه وإلا كان الظن يقينًا (١).
جواب آخر: إن اللفظ مع المخصص يفيد الخاص، ومع عدمه العام واحتمالها سواء، فصار كالمجمل والمتواطئ وليس هذا عدولًا إلى القول بالاشتراك، إذ اللفظ وحده يفيد العموم إلا أن شرطه عدم المخصص والشك في الشرط يوجب الشك في المشروط.
ولقائلٍ أن يقول (٢): الِإفهام بمعنى إفادة ظن (٣) الظاهر إرادة ظن الكاذب وأنه ممتنع. وأما تسوية الاحتمالين (٤) ممنوع لا كالمجمل والمتواطئ.
ب (٥) - أن اللفظ (٦) المعيِّن للوقت (٧) يفيد اليقين بقرائن. فإن لم يوجد قرينة وحصر الوقت المدلول عليه باللفظ غلب على الظن إفادة اللفظ الوجوب فيه، والظن يكفي في وجوب العمل، وظن عدم المخصص لا يكفي في القطع بالعموم.
стр. 421
ويدل على جواز التأخير في المشترك. أنه (١) وإن كان مجملًا من حيث إفادته لمعنى من المعنيين، لكنه ظاهر من حيث إفادته لأحدهما، وهذا القدر يصلح أن يراد تعريفه. إذ قد يقول الرجل لغيره: لي إليك حاجة مهمة أوصيك بها. وقد يقول: رأيت رجلًا في موضع (٢) كذا. وغرضه الِإعلام بهذه الجملة لكراهته وقوف غيره عليه. ثم يبين بعد ذلك.
وقد يقول الملك لغيره: وليتك البلد الفلاني. فاخرج إليه وأنا أكتب إليك تفاصيل ما تعمل. ويقول أحدنا لغلامه: إني آمرك أن تبع غلامًا أبينه لك غدًا، لهذا وضعت في اللغة ألفاظ مبهمة، وتأخير بيان المجمل مثله (٣).
فإن قلتَ: الغرض من الأمر الفعل. والِإبهام يخل بالغرض من التمكن وأما الاعتقاد فتابع قلت: الغرض هو الفعل وقت الحاجة والعلم قبله.
احتجوا: بأنه لو جاز ذلك لجاز خطاب العربي بالزنجي ولا يفرق بأن العربي لا يفهم من الزنجي شيئًا، لأنه إن اعتبر في حسن الخطاب الوقوف على كمال المراد حصل المطلوب وإن كُفي الوقوف عليه من بعض الوجوه فالعربي يعلم أن المراد إما الأمر أو النهي أو غيرهما.
والجواب المعتبر: إفادة الخطاب فهم ما وضع له في الجملة مع التمكن من معرفة ما هو المراد منه، وهذا غير حاصل في النقض (٤).
" المسألة الثانية "
يجوز للنبي ﵇ تأخير ما يوحِى إليه إلى وقت الحاجة، إذ تقديم الإِعلام في الشاهد قد يكون قبيحًا. وقد يكون تركه قبيحًا وقد يستويان. وكذلك قد يعلم الله تعالى اختلاف مصلحة المكلف في التقديم والتأخير، فلا يجب التقديم مطلقًا.
стр. 422
احتجوا. بقوله تعالى: ﴿بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ (١).
والجواب: لا نسلم أن الأمر للفور. سلمنا. لكن المراد القرآن. إذ هو (٢) المفهوم من المُنَزَّل.
стр. 423
" الفصل الرابع" في المبيَّن له وفيه مسائل
" المسألة الأولى "
يجب البيان لمن أُريد إفهامه لئلا (١) يلام التكليف بما لا سبيل إلى معرفته. ولا يجب لمن لم يرد إفهامه. إذ لا تعلق له بالخطاب. ثم كل منهما قد يراد منه العمل بمقتضى الخطاب وقد لا يراد منه ذلك. والأول والثاني كالعلماء بالنسبة للخطاب المتعلق بأفعالهم والمتعلق بأحكام الحيض.
والثالث كأمتنا بالنسبة إلى الكتب الماضية. والرابع كالنساء بالنسبة إلى الخطاب المتعلق بأحكام الحيض.
" المسألة الثانية "
يجوز إسماع العام المخصوص بالعقل من غير التنبيه على ذلك المخصص وفاقًا، وكذا إسماع المخصوص بالسمع بدون إسماع (٢) ذلك المخصص، وهو قول النظام (٣) وأبي هاشم خلافًا لأبي الهذيل (٤) والجبائي.
стр. 424
لنا:
أ (١) - أن كثيرًا من الصحابة سمعوا آيةَ الوصية (٢) ولم يسمعوا قوله ﵇: "نحن معاشر الأنبياء لا نورث" (٣). وسمعوا آية قتل المشركين ولم يسمعوا قوله ﵇: "سُنوا بهم سنة أهل الكتاب" (٤) إلى زمان عمر ﵁ والواحد منا كثيرًا ما يسمع عمومات مخصوصة دون سماع مخصصاتها وإنكاره مكابرة.
ب - القياس على المخصوص بدليل العقل بجامع التمكن من معرفة المراد.
احتجوا: بأن ذلك إغراء بالجهل ويستلزم جواز خطاب العربي بالزنجي، وقد سبق جوابهما. وبأن دلالة العام مشروِطة بعدم المخصص وتجويز ذلك يفضي إلى أنه لا يجوز التمسك بالعام إلَّا بعد الطواف (٥) في الدنيا للسؤال (٦) عن المخصص.
وجوابه: أن العموم مظنون والظن حجة في العمليات.
стр. 425
الكَلاَم في الأَفعَال (١) وفيه مسائل
" المسألة الأولى "
قيل: (لا يجوز على الأنبياء ﵈ ذنبٌ ما بوجهٍ ما وهو قول الشيعة) (٢).
وقيل: يجوز. ثم اختلفوا في الذنب الاعتقادي الذي لا يكون كفرًا.
واتفقوا على أنه لا يجوز منهم الكفر خلافًا للفضيلية (٣) من الخوارج، إذ