← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 19235

التحصيل من المحصول

السراج الأرموي

Полный текст (781 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

ويدل على جواز التأخير في المشترك. أنه (١) وإن كان مجملًا من حيث إفادته لمعنى من المعنيين، لكنه ظاهر من حيث إفادته لأحدهما، وهذا القدر يصلح أن يراد تعريفه. إذ قد يقول الرجل لغيره: لي إليك حاجة مهمة أوصيك بها. وقد يقول: رأيت رجلًا في موضع (٢) كذا. وغرضه الِإعلام بهذه الجملة لكراهته وقوف غيره عليه. ثم يبين بعد ذلك. وقد يقول الملك لغيره: وليتك البلد الفلاني. فاخرج إليه وأنا أكتب إليك تفاصيل ما تعمل. ويقول أحدنا لغلامه: إني آمرك أن تبع غلامًا أبينه لك غدًا، لهذا وضعت في اللغة ألفاظ مبهمة، وتأخير بيان المجمل مثله (٣). فإن قلتَ: الغرض من الأمر الفعل. والِإبهام يخل بالغرض من التمكن وأما الاعتقاد فتابع قلت: الغرض هو الفعل وقت الحاجة والعلم قبله. احتجوا: بأنه لو جاز ذلك لجاز خطاب العربي بالزنجي ولا يفرق بأن العربي لا يفهم من الزنجي شيئًا، لأنه إن اعتبر في حسن الخطاب الوقوف على كمال المراد حصل المطلوب وإن كُفي الوقوف عليه من بعض الوجوه فالعربي يعلم أن المراد إما الأمر أو النهي أو غيرهما. والجواب المعتبر: إفادة الخطاب فهم ما وضع له في الجملة مع التمكن من معرفة ما هو المراد منه، وهذا غير حاصل في النقض (٤). " المسألة الثانية " يجوز للنبي ﵇ تأخير ما يوحِى إليه إلى وقت الحاجة، إذ تقديم الإِعلام في الشاهد قد يكون قبيحًا. وقد يكون تركه قبيحًا وقد يستويان. وكذلك قد يعلم الله تعالى اختلاف مصلحة المكلف في التقديم والتأخير، فلا يجب التقديم مطلقًا.

стр. 422

احتجوا. بقوله تعالى: ﴿بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ (١). والجواب: لا نسلم أن الأمر للفور. سلمنا. لكن المراد القرآن. إذ هو (٢) المفهوم من المُنَزَّل.

стр. 423

" الفصل الرابع" في المبيَّن له وفيه مسائل " المسألة الأولى " يجب البيان لمن أُريد إفهامه لئلا (١) يلام التكليف بما لا سبيل إلى معرفته. ولا يجب لمن لم يرد إفهامه. إذ لا تعلق له بالخطاب. ثم كل منهما قد يراد منه العمل بمقتضى الخطاب وقد لا يراد منه ذلك. والأول والثاني كالعلماء بالنسبة للخطاب المتعلق بأفعالهم والمتعلق بأحكام الحيض. والثالث كأمتنا بالنسبة إلى الكتب الماضية. والرابع كالنساء بالنسبة إلى الخطاب المتعلق بأحكام الحيض. " المسألة الثانية " يجوز إسماع العام المخصوص بالعقل من غير التنبيه على ذلك المخصص وفاقًا، وكذا إسماع المخصوص بالسمع بدون إسماع (٢) ذلك المخصص، وهو قول النظام (٣) وأبي هاشم خلافًا لأبي الهذيل (٤) والجبائي.

стр. 424

لنا: أ (١) - أن كثيرًا من الصحابة سمعوا آيةَ الوصية (٢) ولم يسمعوا قوله ﵇: "نحن معاشر الأنبياء لا نورث" (٣). وسمعوا آية قتل المشركين ولم يسمعوا قوله ﵇: "سُنوا بهم سنة أهل الكتاب" (٤) إلى زمان عمر ﵁ والواحد منا كثيرًا ما يسمع عمومات مخصوصة دون سماع مخصصاتها وإنكاره مكابرة. ب - القياس على المخصوص بدليل العقل بجامع التمكن من معرفة المراد. احتجوا: بأن ذلك إغراء بالجهل ويستلزم جواز خطاب العربي بالزنجي، وقد سبق جوابهما. وبأن دلالة العام مشروِطة بعدم المخصص وتجويز ذلك يفضي إلى أنه لا يجوز التمسك بالعام إلَّا بعد الطواف (٥) في الدنيا للسؤال (٦) عن المخصص. وجوابه: أن العموم مظنون والظن حجة في العمليات.

стр. 425

الكَلاَم في الأَفعَال (١) وفيه مسائل " المسألة الأولى " قيل: (لا يجوز على الأنبياء ﵈ ذنبٌ ما بوجهٍ ما وهو قول الشيعة) (٢). وقيل: يجوز. ثم اختلفوا في الذنب الاعتقادي الذي لا يكون كفرًا. واتفقوا على أنه لا يجوز منهم الكفر خلافًا للفضيلية (٣) من الخوارج، إذ

стр. 426

قالوا (١) وقعت منهم ذنوب وكل ذنب عندهم كفر. وأجازت الشيعة اظهار الكفر تقيةً. ولا تغيير (٢) ما أنزل اليهم وإلَّا زال الوثوق بقولهم ولا الخطأ في الفتوى. وقيل بجوازهما سهوًا. أما الذنب الفعلي. فقيل يجوز عليهم الكبيرة والحشوية (٣) منهم قالوا بوقوعها. ومنع القاضي أبو بكر من وقوعها سمعًا. وقيل: لا تجوز عليهم كبيرة ولا صغيرة عمدًا ويجوز مؤولًا وقيل: ولا مؤولًا بل سهوًا، ويعاتبون به لاختصاصهم بزيادة المعرفة والتحفظ. قيل: لا تجوز عليهم كبيرة وتجوز صغيرة عمدًا وخطًا ومؤولًا، إلا ما ينفر كالكذب والتطفيف، وهو قول أكثر المعتزلة. وعندنا أنه لا يقع منهم ذنب قصدًا وأما سهوًا، فقد يقع بشرط أن يتذكروه في الحال ويُنبهوا على كونه سهوًا. المسألة الثانية مجرد فعله ﵇ يدل على الوجوب عند ابن سريج (٤) والإصطخري (٥) وابن خيران (٦) وعلى الندب عند قوم وينسب إلى الشافعي.

стр. 427

وعلى الإباحة عند مالك. وبتوقف في الكل عند الصيرفي وأكثر المعتزلة وهو المختار. لنا: أنه (١) يجوز كون ذلك الفعل ذنبًا - إن جوَّزنا الذنب عليه - ومباحًا ومندوبًا وواجبًا عامًا وواجبًا مختصًا به فامتنع الجزم. احتجوا على الوجوب بوجوه: أ - قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ (٢). والأمر هو الفعل وحرمة المخالفة توجب الموافقة. وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (٣) الآية، وهو وعيد على ترك التأسي به، وهو فعل مثل فعله وقوله (٤) تعالى: ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾ وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ (٥) والمتابعة فعل مثل فعل الخير. وقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ (٦). وما فعله أتاناه. وقوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ (٧) وفاعلٍ مثل فعل الخير (٨) طائع له. وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ (٩) الآية. بيَّن أنه إنما زوجها منه ليكون حكم أمته مساويًا لحكمه فيه.

стр. 428

ب - رجعت الصحابة إلى فعله "في التقاء الختانين" (١) لما اختلفوا فيه. و"واصلوا لما واصل" (٢) وخلعوا نعالهم في الصلاة لما خلع (٣). وأمرهم بالتحلل بالحلق عام الحديبية فتوقفوا فشكا إلى أم سلمة (٤) فقالت: اخرج إليهم فاحلق واذبح ففعل فحلقوا وذبحوا مسارعين (٥). وخلع خاتمه فخلعوا (٦) وكان عمر ﵁ يقبل الحجر الأسود ويقول: (إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك) (٧) وقال ﵇ لأم سلمة حين سألت عن قبلة الصائم: (ألا أخبرتيه أني أقبل وأنا صائم) (٨) وهذا يدل على تقرير (٩) وجوب العود إلى أفعاله عندهم.

стр. 429

جـ - أن حمل فعله على الوجوب أحوط فوجب المصير إليه. د- تعظيمه (١) ﵇ واجب وفعل مثل فعله تعظيم له كما في العرف فيجب قياسًا عليه (٢). والجواب عن الآية الأولى: أن الأمر حقيقة في القول فقط. سلمنا كونه حقيقة فيهما لكن حمله على القول أولى لقرينة ذكر الدعاء. سلمنا: لكنه أريد به القول إجماعًا، والمشترك لا يحمل على معنييه. سلمنا. لكن الهاء ضمير الله تعالى، لكونه أقرب وإن قال ورودها للحث على الرجوع إلىِ أقواله وأفعاله ﵇ قرينة عود الضمير إلى الرسول ﷺ ، وأيضًا لا امتناع في عوده إليهما. قلنا: العود إلى الله أيضًا مؤكد لذلك الحث وضمير الواحد لا يجوز عوده إليهما. قلنا: العود إلى الله أيضًا مؤكد لذلك الحث وضمير الواحد لا يجوز عوده إلى اثنين. سلمنا عود الضمير إلى الرسول ﷺ . لكن لا نسلم أن عدم فعل مثل فعله مخالفة له. فإن المخالفة لغة وإن كانت عدم فعل مثل فعل الغير لمضادتها الموافقة، وهي فعل مثل فعل الغير ولعدم قيام كل واحد من فعل مثل فعل الغير وعدمه مقام الآخر بوجه أصلًا، لكن الشرع زاد عليه وجوب الفعل المتروك، حتى لا يسمى ترك الحائض الصلاة مخالفة للمسلمين. وحينئذٍ بيان الوجوب بالمخالفة دورٌ وهو جواب آية التأسي. وعن آيتي (٣) المتابعة: منع العموم فإنه يوجب وجوب الفعل علينا واعتقاد عدم وجوبه بتقدير (٤) أنه لا يكون واجبًا عليه وأنه متناقض. وعن آية الإيتاء (٥): أن المراد الأمر لقوله تعالى: ﴿وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٦). لأنا بحفظ الأمر وامتثاله نصير كالأخذين له وهو كالمعطي.

стр. 430

وعن آية الطاعة (١): أنها موافقة الأمر أو الإرادة (٢) وإثباتهما (٣) بالفعل وعن آية زيد: أنها تنفي الحرج عن فعل مثل فعله ولا يلزم منه الوجوب. ب - أنه خبر واحد ولا يفيد العلم ولهم اثبات الظن به ثم الوجوب بالظن سيأتي في القياس، ولأن أكثر هذه الأخبار ورد في الصلاة والحج، فلعله ﵇ كان يُبيِّن لهم مساواته اياهم فيها. قال ﵇: "صلوا كما رأيتموني أصلي"، "خذوا عني مناسككم" (٤). ومسألة التقاء الختانين وتقبيل الحجر منه. وأما الوصال فلما قصدوا به إتيان الواجب كما في الصوم أنكر عليهم، ولا يعلم أنهم خلعوا نعالهم وجوبًا. وأيضًا يحتمل أنهم اعتقدوا وجوب الخلع عليهم (٥) لتقدم قوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (٦) اذ لا يترك مأمور به إلَّا لأمرٍ. كيف؟ وقد أنكر عليهم. ولما عللوا بفعله قال: أن جبريل أخبرني أن فيها أذى وذلك ينفي وجوب اتباعه ما لم يعرفوا وجه وقوعه. جـ - منع الاحتياط باحتمال حرمة الفعل على الأمة. د - أن ترك مثل فعل الملك قد يكون تعظيمًا له. احتجوا على الندب بوجوه: أ - آية الأسوة فإن قوله: (لكم) ينفي الوجوب. وقوله: (أسوة حسنة) ينفي الإباحة.

стр. 431

ب - تطابق الناس على التأسي به في أفعاله. جـ - أن فعله راجح الوجود اذ فعل راجح العدم ذنب. وفعلَ مساويه عبث، وهو ممنوع منهما لقوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ (١). الآية. ثم عدم الوجوب ثابت بالأصل فيثبت الندب. والجواب عن: أ - ما سبق من تفسير التأسي. ب - أن ذلك للقرائن مع الفعل. جـ - أن فعل المباح لغرض عاجل لا يكون عبثًا. واحتجوا على الإباحة: أن فعله إما واجب أو مندوب أو مباح، إذ لا يوجد منه ذنب والمشترك رفع الحرج عن الفعل. والأصل عدم الرجحان. وهذا يقتضي إباحة كل أفعاله، إلّا ما علم أو ندبيته وإباحته في حقه إباحة في حقنا بآية التأسي، إلّا فيما اختص به. والجواب: منع ذلك في حقنا. وآية التأسي نجيب عنها. " المسألة الثالثة " قال جماهير الفقهاء والمعتزلة: يجب التأسي به. أي: إذا علمنا أنه فعل فعلًا على وجهٍ تعبدنا بفعله على ذلك الوجه. وقال أبو علي (٢) بن خلاد يجب التأسي به في العبادات فقط. وقيل بمنعه مطلقًا. احتج أبو الحسين بآية الأسوة وآيتي الإتباع. فإن التأسي والإتباع (٣) فعل

стр. 432

مثل فعل الغير على وجه فعله وبرجوع الصحابة إلى أزواجه في قبلة الصائم (١) وإصباحه جنبًا (٢) وتزويجه ميمونة (٣) وهو حلال أو (٤) حرام. والاعتراض على الأول: أنه لا يفيد العموم كقوله: لك في الدار ثوب حسن والتأسي به في الجملة واجب حيث قال ﵇: "صلوا كما رأيتموني أصلي". و"خذوا عني مناسككم" (٥). كيف؟ والآية وردت بصيغة الماضي. ولا يقال. لا يقال (٦) فلان أسوة فلان ما لم يقتد به في كل شيء إلَّا ما خصه الدليل لأنا نمنع ذلك. فإن من تعلم نوعًا من العلم من إنسان يقال له في فلان أسوة حسنة. ويقال فلان أسوة فلان في كل شيء أو في بعض الأشياء. وعلى الثاني: أن الأمر بالماهية لا يفيد العموم والتمسك بأشعار ترتب (٧) على الاسم منقوض بقول السيد لعبده (٨): اسقني، وقم، وغيره من النقوض الكثيرة وعلى الِإجماع (٩) ما مر.

стр. 433

التفريع: إذا وجب التأسي به ﵇ وجب معرفة وجه فعله من الإباحة والندب والوجوب. وذلك إما بمعرفة أنه ﵇ نص أنه فعله على ذلك الوجه. أو أنه مخَّير بينه وبين ما ثبت كونه على ذلك الوجه، إذ التخيير بين مختلفي الجنس لا يجوز، أو بمعرفة وروده امتثالًا أو بيانًا لآية دالة على ذلك الوجه أو بمعرفة نفي القسمين الباقيين. فيعرف (١) نفي الوجوب (٢) والندب بالاستصحاب، ونفي الإباحة بقصد القربة. ويختص الندب والوجوب بمعرفة وقوع الفعل قضاء واجبٍ أو مندوب. والندب بمعرفة إدامة الفعل والإخلال به بلا نسخ. والوجوب بمعرفة وقوعه بأمارة الوجوب، كالصلاة بأذانٍ وإقامة ووقوعه جزاء لشرط موجب كالنذر. وأنه لو لم يجب لم يجز كركوعين في صلاة الخسوف، ثم الفعل إذا عارضه قول وعلم تقدم أحدهما، فإن تراخي المتأخر عن المتقدم نسخ حكمي المتقدم في حق من تناوله القول. اختص به ﵇ أو بأمته أو عمهما. وإن تعقب القول الفعل وعم القول له ولأمته أسقط حكم الفعل عن الكل. وإن اختص بأحدهما خصصه عن عموم حكم الفعل وإن تعقب الفعل القول (٣) وعم القول له ولأمته خصصه عن عموم القول. وإن إختص بالأمة ترجح القول على الفعل. إذ ترجيح (٤) الفعل يلغي القول ولا ينعكس. وإن اختص به جاز إن جوَّز نسخ الشيء قبل حضور وقته وإلا فلا. وإن لم يعلم تقدم واحد رجح القول لاستغناء دلالته عن الفعل من غير عكسٍ وليقين (٥) تناوله إيانا إذ الفعل بتقدير تقدمه لا يتناولنا.

стр. 434

" فرع" نهى ﵇ عن استقبال القبلة واستدبارها في قضاء الحاجة ثم استقبل بيت المقدس فيه في البنيان (١) فالشافعي خصص عموم النهي بفعله في البنيان، ليجوز استقبال القبلة في البنيان للكل. إذ فعله مع دليل وجوب التأسي أخص من عموم النهي. والكرخي جعل فعله من خواصه. والقاضي عبد الجبار توقف فيه. وإن عارضه فعل آخر بأن يقر ﵇ شخصًا على فعل ضده فيعلم خروجه عنه. أو يفعل ﵇ ضده في وقت يعلم لزوم مثله له فيه ما لم يرد ناسخ فيعلم نسخه عنه ثم النسخ والتخصيص بالحقيقة، إنَّما يلحق دليل وجوب التأسي به ودليل لزوم فعله ﵇ له في المستقبل. " المسألة الرابعة " قيل: إنه (٢) ﵇ لم يكن قبل نبوته متعبدًا بشرع (٣) من قبله. إذ لم يشتهر رجوعه إلى علماء شريعة ولا افتخار أهل شريعة به. ولا يعارض بأنه لم يشتهر عدم كونه على شريعةٍ، فإنَّ قومه لما لم يكن على شريعة لم يكن عدم كونه على شريعة بدعًا (٤) بخلاف العكس. وقيل: كان على شريعة لعموم الشرائع المتقدمة، ولأنه أَكلَ اللحم وركَب البهيمة وطاف بالبيت. والجواب (٥) عن: أ - منع عموم تلك الشرائع. ثم علمه أو ظنه بها وهو المراد من زمان الفترة. ب - أن ركوب البهيمة حسن عقلًا، لأن طريق حفظًا ونفعها بالعلف وأكل

стр. 435

اللحم حسنٌ عقلًا إذ لا يضر حيوانًا. والطواف لا يحرم من غيرِ شرع، وتوقف فيه قوم. وأما بعد نبوته فقال جمهور المعتزلة وكثير من الفقهاء بنفيه. وقال قوم من الفقهاء كان متعبدًا بشرع من قبله إلا ما نسخه الدليل. ثم قيل كان ذلك شرع إبراهيم وقيل شرع موسى وقيل شرع عيسى ﵈. واعلم بأنه إن أريد بتعبده بشرع من قبله أن الله تعالى يوحي إليه بمثل (١) أحكام ذلك الشرع كُلًا فهو باطل لمخالفة شرعنا شرع من قبلنا (٢) في أحكام كثيرة. أو بعضًا وأنه لا يقتضي إطلاق القول بأنه متعبد بشرع من قبلنا (٢)، لإيهامه التبعية مع أصالة شرعه. وإن أريد أنه تعالى أمره باقتباس الأحكام من كتبهم فهو أيضا باطلٌ لوجوه: أ- لو كان كذلك لرجع إلى كتبهم ولو في واقعة ولما توقف إلى نزول الوحي، فإنه لم يعلم خلو تلك الشريعة عن حكم الواقعة، لتوقفه على البحث والطلب الشديد وعدم اشتهارها منه. ولم يرجع، لأنه لم يشتهر، ولأنه غضب حين طالع عمر ﵁ ورقة من التوراة وقال ﵇: "لو كان موسى حيًا لما وسعه إلَّا اتباعي" (٣). ورجوعه إلى التوراة في الرجم لم يكن لإثبات الشرع، لأنه لم يرجع في غيره إليها ولأنها محرفة عنده، ولأن قول من أخبره بوجود الرجم فيها لم يفد العلم بل كان لتقريره (٤) عليهم لما حكموه فيه.

стр. 436

لا يقال: الملازمة ممنوعة فإن (١) نقل تلك الأحكام تواترًا يغني عن الرجوع إلى كتبهم، ونقلها آحادًا يمنع قبولها لكفر النقلة. لأنا نقول: جاز أن (٢) ينقل بالتواتر متن الدلائل، لكن الاستدلال (٣) به يتوقف على نظر دقيق، فكان يجب أن يشتهر عنه ذلك للنظر والبحث. ب - لو تعبد بشرع قوم لوجب على علماء الأعصار الرجوع إلى كتبهم لوجوب التآسي به، وعدمه منهم ينفي وجوبه، ولكان حفظها علينا فرض كفاية كالقرآن والأخبار. جـ - أنه ﵇ صوب معاذًا في الحكم بالاجتهاد عند عدم الكتاب والسنة، وتعبده بشرع من قبله يوجب الرجوع إلى كتبهم قبل الاجتهاد، إذ لفظ الكتاب المذكور في الحديث ينصرف إلى القرآن لسبق الفهم إليه. فإن قلت في القرآن آيات دالة على الرجوع إليها، فلم نحتج إلى ذكره كالِإجماع. قلت: عدم تعلم معاذ التوراة والِإنجيل وتمييز المحرف منهما عن غيره ينفي ذلك احتجوا: بقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ﴾ (٤). وقوله تعالى: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (٥). وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ (٦). وقوله تعالى: ﴿أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ (٧) وقوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ (٨).

стр. 437

والجواب عن: أ (١) - أن كل النبيين لم يحكموا بكل التوراة، فالمراد أن كلهم حكموا ببعض ما فيها أو بعضهم حكموا بكل ما فيها. وأنه لا يضرنا. ب - أن المراد هدى كلهم، وهو ما اتفقوا عليه، وهو الأصول. جـ - أنه يقتضي تشبيهه الوحي بالوحي لا (٢) تشبيه الموحى به بالموحى به. د - أن الملة هي الأصول. يقال (٣) الشافعي وأبو حنيفة على ملةٍ واحدة ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ واندراس شريعة إبراهيم ﵇. هـ - أنه يقتضي أنه تعالى أمر محمدًا ونوحًا بإقامة الدين وأمرهما بإقامة الدين لا يقتضي اتحاد دينهما، كما أن أمر الاثنين بأداء الحقوق، لا يقتضي اتحاد حقوقهما - كيف؟ والآية تدل على أنه ﵇ تعبد بما وصى به نوحًا بأمر مبتدئ.

стр. 438

التحصيل من المحصول تأليف سراج الدين محمود بن أبي بكر الأرموي (المتوفى سنة ٦٨٢ هـ) دراسة وتحقيق الدكتور عبد الحميد علي أبو زنيد [الجزء الثاني]

стр. 439

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 440

الكَلامُ في النَّسْخ وفيه فصول " الفصل الأول" في حقيقة النسخ وفيه مسائل

стр. 441

" المسألة الأولى " النسخ في اللغة: الإبطال. يقال نسخت الريح آثار القدم. ونسخت الشمس الظل، والأصل الحقيقة الواحدة. وقال الفقهاء: هو النقل والاستعمال المذكور مجاز إذ الناسخ هو الله تعالى. ومعارض باستعماله في النقل. يقال: نسخت الكتاب ومنه تناسخ (١) الأرواح والقرون والمواريث، والأصل الحقيقة الواحدة. والجواب عن: أ (٢) - أن الناسخ هو الله تعالى بمعنى أنه مؤثر المؤثر. وأيضاً تمسكناً بإطلاق اسم النسخ على الإزالة، لا بإسناد النسخ الى الريح والشمس. ب- أن الإزالة أعم منٍ النقل، فإنه إزالة عن موضع ثم وضع في آخر، وجعل اللفظ حقيقة في العام أولى. وأما في اصطلاح العلماء: فقال القاضي أبو بكر واختاره (٣) الغزالي (أنه خطاب دال على ارتفاع حكم ثابتٍ بخطابٍ متقدم على وجه لولاه لكان ثابتاً مع تراخيه عنه). وقولنا بخطاب متقدم احتراز عن رفع حكم العقل بالإيجاب ابتداء.

стр. 442

وإنما قلنا على وجه لولاه لكان ثابتاً إذ به تحقق الرفع. وقولنا: مع تراخيه احتراز عن المتصل. وهذا فاسد، لأنه حد للناسخ لا للنسخ، ولأنا نبطل تفسير النسخ بالرفع، ولأن الناسخ والمنسوخ قد يكونا فِعلاً حيث يعلم أن الغرض منه إزالة حكم كان ثابتاً بفعل أو غيره، وإن لم يوجد خطاب يدل على وجوب متابعته ﵇، ولأن الإجماع يرفع جواز الأخذ بكلا القولين ولا يجوز النسخ به. وقد يجاب عنه أنا نحد النسخ لا النسخ الجائز. والأولى أن يقال: (الناسخ طريق شرعي يدل على أن مثل الحكمٍ الثابت بطريق شرعي لا يوجد بعده متراخياً عنه بحيث لولاه لكان ثابتا) ونريد بالطريق الشرعي (١) المشترك بين قول الله ورسوله وفعله (٢). والإجماع والعقل والعجز ليست طرقاً شرعيةً بهذا التفسير والتقييد بالشرط والصفة والاستثناء متصل (٣). ولو أمَر بفعل واحد ثم نهى عنه متراخياً لا يثبت حكم الأمر لولا النهي فخرج الكل. " المسألة الثانية " (٤) قال القاضي: النسخ رفعٌ: أي الحكم المتأخر يزيل المتقدم. وقال الأستاذ أبو إسحاق: إنه بيان، أي انتهى الأول ثم حصل بعده الثاني. وهذا يشبه الخلاف في بقاء الأعراض. فإن من قال ببقائها. قال الباقي يبقى (٥) إلى طريان ضده ثم يزول به ومن قال بعدم بقائها. قال الحاصل ينعدم بذاته ثم يحصل ضده بعده وتلك الدلائل نفياً وإثباتاً آتية ههنا.

стр. 443

احتج من أنكر الرفع بوجوه: أ- أنه ليس ارتفاع الحاصل بحدوث الحادث أولى من اندفاع الحادث بحصول الحاصل، وليس الحادث لحدوثه أقوى، إذ عدم الباقي حال بقائه ممتنع كعدم الحادث حال حدوثه، ولأن الباقي إن حدث له ما لم يكن حال حدوثه فذلك لحدوثه مساوٍ للحادث فلم يترجح الحادث على الباقي لذلك الأمر، وإن لم يحدث استوى الباقي لحدوثه للحادث. وإذ لا أولوية لأحدهما، لم يحصل أحدهما. ب- حصول الثاني مشروط بزوال الأول فتعليله به دور. ب- الحادث إن وجد حال وجود الأول لم ينافه وإن وجد حال عدمه لم يعدمه لامتناع إعدام المعدوم. وليس كالكسر مع الانكسار، الذي هو زوال تأليفات هي أعراض غير باقية، فلا يؤثر الكسر في إزالتها. د- المرفوع ليس خطاب الله تعالى لقدمه ولا تعلقه، لأنه عدمي أو قديم وإلا لكان الباري تعالى محلاً للحوادث وهذه الوجوه على القاضي ألزم، لتعويله عليها في امتناع إعدام الضد بالضد. احتج إمام الحرمين: بأن علم الله تعالى إن (١) تعلق باستمرار الحكم الأول أبدا، أو إلى وقت معين فامتنع (٢) زواله أبداً، لوجب (٣) في ذلك الوقت، وإلا انقلب العلم جهلاً، وإثبات الواجب والممتنع محال. وهذا ضعيف لجواز تعلقه بزواله في ذلك الوقت بالحادث، وذلك لا يمنع زواله به. كما لم يمنع (٤) تعلق علمه بحدوث العالم في وقتٍ معين بالمؤثر من حدوثه فيه وبه.

стр. 444

ولقائل أن يقول على: أ- لا نسلم أنه لا أولوية، إذ العلة التامة لعدم الشيء تنافي وجوده وبالعكس ولولا الأولوية، لامتنع حدوث العلة التامة لعدم ولا لوجود (١). ب- لا نسلم أنه مشروط به ولا يلزم من منافاة الشيء لغيره كون وجوده مشروطاً بزواله، كالعلة مع عدم المعلول. ب- أن إثبات العدم ليس إعدام المعدوم، كما أن إثبات الوجود ليس إيجاد الموجود. د- أن حدوث التعلق لا يوجب كون الباري محلاً للحوادث. احتج من أثبته بوجهين: أ- النسخ في اللغة الإزالة، وكذا في الشرع إذ الأصل عدم التغيير ولما سبق في نفي الألفاظ الشرعية. ب- تعلق الخطاب بالفعل يمتنع أن يكون عدمه لذاته، وإلا لم يوجد بل لمزيل وهو الناسخ. والجواب عن: أ- أن الظني لا يعارض اليقيني. ب- أنه تعلق به إلى ذلك الوقت فلا يفتقر عدمه بعده إلى معدم. " المسألة الثالثة " النسخ واقع ومنعه بعض اليهود (٢) عقلاً وبعضهم سمعاً وأنكره بعض المسلمين أيضاً.

стр. 445

احتج بعض المثبتين: بإجماع الأمة. وبأن نبوته ﵇ لا تصح إلا مع النسخ وقد صحت. وبأنه جاء في التوراة أنه تعالى قال لنوح عند خروجه من الفلك: (إني قد جعلت كل دابةٍ مأكلاً لك ولذريتك وأطَّلقتُ ذلك لكم كنبات العشب ما خلا الدم فلا تأكلوه) ثم حرم كثيراً من الحيوان على موسى وبني إسرائيل. وكان آدم يزوج الأختَ من الأخ، ثم حرمه الله تعالى على موسى. والأول ضعيف، إذ لا إجماع مع الخلاف، وكذلك الثاني لجواز تأقيت الشريعة المتقدمة إلى وقت ورود المتأخرة، وذلك لا يكون نسخاً، كما أن إباحة الإفطار بالليل لا يكون نسخاً لإيجاب الصوم إلى الليل، وهذا ما عوَّل عليه من أنكر النسخ من المسلمين إذ قال: ثبت في القرآن أن موسى وعيسى بشرا بشرع محمدٍ ﵇، وأوجبا الرجوع إليه عند ظهوره وكذا يقول في الإلزامين. والمعتمد قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ (١). ووجه الاستدلال: أن صحة التمسك بالقرآن إن توقفت على صحة النسخ وقد صح لصحة نبوته ﵇ فيصح النسخ، وإن لم يتوقف تمسكنا بالآية المذكورة. ولقائلٍ أن يقول (٢): ملزومية الشيء لغيره لا تقتضي وقوعه ولا صحة وقوعه. احتج منكروه عقلاً: بأن الفعل إن كان حسناً قبح النهي عنه، وإن كان قبيحاً قبح الأمر به.

стр. 446

ومنكروه شرعاً بوجهين: أ- ثبت بالتواتر قول موسى ﵇: (تمسكوا بالسبت ما دامت السموات والأرض). ب- نص الشارع على شرع موسى فإن لم ينص على دوامه استحال نسخه، لأن الأمر المطلق لا يقتضي التكرار، وإن نص عليه، ولم ينص على أنه ينسخه امتنع نسخه، وإلا لزم التلبيس وأن لا يعرف دوام شرعنا وأن لا يوثق بوعده ووعيده، ولا يمكن معرفته بالإجماع، لأنه فرع الآية والخبر وعدم الوثوق بهما حينئذٍ ولا بالمتواتر، لأنه لم (١) ينقل بالتواتر إلا اللفظ فلعل المراد غير ظاهره. وإن نص أيضاً على أنه ينسخه لزم الجمع بين كلامين متناقضين، وأن ينقلا بالتواتر وإلا لجاز مثله في شرعنا، ولأنهما من الوقائع العظيمة، وحيئنذٍ يمتنع إنكار الجمع العظيم للنسخ. والجواب عن: أ (٢) - أن الفعل قد يكون مصلحةً في وقت الأمر، ومفسدةً في وقت النهي. ب (٣) - منع التواتر فإنه لم يبق (٤) من اليهود عدد التواتر في زمان بختنصر (٥) وأيضا لفظ التأبيد جاء في التوراة للمبالغة في العبد أنه يستخدم ست سنين ثم يعتق في السابعة. فإن أبى العتق فإنه تثقب أذنه ويستخدم

стр. 447

أبداً. وفي البقرة التي امروا بذبحها (يكون ذلك سنةً أبداً) ثم انقطع ذلك عندهم. وفي قصة دم الفصح (أمروا بأن يذبحوا الجمل ويأكلوا لحمه ملهوجاً (١) ولا يكسروا منه عظماً ويكون لهم هذا سنة أبداً). ثم زال ذلك التعبد. وفي السفر الثاني: (قربوا إليَّ كل يوم خروفين خروفاً غدوة وخروفاً عشية قرباناً دائماً لاحقاً بكم) فكذلك ههنًا. جـ- أنه نص على دوامه وأنه ينسخه في الجملة. وهو قول أبي الحسين في وجوب البيان الِإجمالي. قوله وجب أن تنقلا بالتواتر. قلنا: نعم لو بقي من الناقلين عدد التواتر، لكن بختنصر لم يُبق من اليهود عدد التواتر. أو نقول نص على الأول دون الثاني، وهو قول الجماهير من المعتزلة، ومن أصحابنا فى جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب. قوله: يلزم التلبيس. قلنا: سبق الجواب عنه في مسألة تأخير البيان عن الخطاب. " المسألة الرابعة " يجوز نسخ القرآن خلافاً لأبي مسلم الأصفهاني (٢)

стр. 448

لنا وجوه: أ- نسخت آية عدة الوفاة حولًا بأربعة أشهر وعشراً واعتداد الحامل بالحمل، لا بالحول ليكون ذلك تخصيصاً (١). ب- نسخت آية الأمر (٢) بتقديم صدقة بين يدي نجوى الرسول ﷺ ، وذلك الأمر لم يكن ليمتاز المنافق عن غيره، حتىٍ إذا حصل هذا الغرض لا يبقى (٣) الأمر وإلا لكان من لم يتصدق منافقا، لكنه روي أنه لم يتصدق غير علي (٤) ﵁، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ (٥). جـ- نسخت آية الأمر بثبات الواحد للعشرة (٦).

стр. 449

د- قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ (١) الآية ولم يرد إزالتها عن اللوح المحفوظ إذ لا تختص ببعض القرآن. هـ- نسخت آية التوجه إلى بيت المقدس، وليس التوجه إليه عند الِإشكال والعذر، لنفس بيت المقدس لمساواة غيره إياه فيه. و- قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾ (٢) والتبديل رفع الشيء وإثبات غيره مكانه، فيلزم رفع تلاوة الآية أو حكمها وأنه نسخ ولم يرد إنزال إحدى الآيتين بدلا عن الأخرى، إذ لا يجوز جعل المعدوم مبدلًا. احتج أبو مسلم بقوله تعالى: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ (٣). والنسخ إبطال. والجواب: أنه أراد أنه لم يسبقه كتاب يبطله (٤) ولا يسبق به. " المسألة الخامسة " يجوز نسخ الشيء قبل وقت فعله خلافاً للمعتزلة وكثير من الفقهاء. لنا: أنه تعالى أمر إبراهيم بذبح إسماعيل (٥) ﵉ وقد نسخه قبل فعله، لأنه لو أمره بمجرد المقدمات، وقد أتى بها أو ذبحه (٦) كما قيل بأنه كلما قطع من الحلق موضعاً وتعداه إلى غيره وصله الله تعالى، لكان قد أتى بالمأمور به فلم يحتج إلى الفداء.

стр. 450

فإن قيل: أمر بالمقدمات فقط لقوله تعالى: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ (١) ولو أمر بالذبح لصدق بعض الرؤيا. ولئن عارض بقوله تعالى: ﴿افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ (٢). فإنه يجب عوده إلى شيء والذبح مذكور سابقاً فعاد إليه. وبقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ﴾ (٣). والمقدمات ليست كذلك. قلنا: قوله: ﴿مَا تُؤْمَرُ﴾ مضارع فلا يعود إلى ما مضى في المنام والمقدمات مع الظن الغالب بأنه مأمور بالذبح بلاء عظيم. ثم ما ذكرتم يقتضي كون الشخص الواحد مأموراً ومنهياً عن فعل واحدٍ في وقتٍ واحدٍ من وجه واحد. إذ الكلام فيه وأنه باطل لأن ذلك الفعل في ذلك الوقت (٤) إن كان حسناً قبح النهي عنه. وإن كان قبيحاً قبح الأمر به. والجواب عن: أ- أن تصديق الرؤيا لا يدل على أنه أتى بكل المأمور به. ب- أنا لا نقول بالحسن والقبح. سلمنا: لكن جاز كون الفعل حسناً، إلا أن الأمر به لم يبق حسنا فحسن رفعه. وقد يحسن الأمر لا لمصلحة تحصل (٥) من الفعل، كما يقول السيد لعبده: اذهب إلى القرية غداً راجلًا، وغرضه رياضة العبد وتوطئة (٦) نفسه على الامتثال، مع علمه بأنه سيرفعه عنه غداً.

стр. 451

" المسألة السادسة " يجوز (١) نسخ الحكم لا إلى بدل، كما (٢) نسخت آية تقديم الصدقة (٣) لا إلى بدل ومنع منه قوم محتجين (٤) بقوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ (٥) الآية وجوابه: أن الآية تتناول اللفظ. سلمنا أنها تتناول الحكم، لكن إسقاط الحكم قد يكون خيراً. " المسألة السابعة " يجوز نسخ الحكم إلى ما هو أثقل. نُسخ التخيير بين الصوم والفدية بتعيين الصوم والحبس في البيوت إلى الجلد والرجم. وأمر الصحابة بترك القتال إلى نصبه، وثبات الواحد للعشرة، وإطلاق الخمر ونكاح المتعة إلى تحريمهما. وجواز تأخير الصلاة عند الخوف إلى إيجابها في القتال. وصوم يوم عاشوراء بصوم رمضان. وكانت الصلاة ركعتين فنسخت بأربع في الحضر. وخالف بعض أهل الظاهر محتجاً بقوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ (٦) وبقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْر﴾ (٧).

стр. 452

والجواب عن: أ (١) - أن الخير ما هو أجزل ثواباً وأصلحَ في المعاد. ب (٢) - أنه أراد به اليسر في الأخرة، دفعاً لتخصيصات غير محصورة. " المسألة الثامنة " يجوز نسخ التلاوة دون الحكم وبالعكس، لأنهما عبادتان منفصلتان، فجاز عقلاً صيرورة إحداهما مفسدة دون الأخرى، وفائدة بقاء التلاوة تحصيل (٣) العلم بأنه تعالى أزال مثل هذا الحكم عن العباد تفضلاً ورحمة. وقد نسخ الحكم دون التلاوة لما تقدم. والتلاوة دون الحكم فيما روي من قوله تعالى: (الشيخ والشيخة إذا (٤) زنيا فارجموهما ألبتة نكالًا من الله) (٥). وعن ابن عباس ﵁: (نزل في قتلى بئر معونة: بلغوا إخواننا أننا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا) (٦) وعن أبي بكر ﵁: (كنا نقرأ لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم) (٧).

стр. 453

والحكم والتلاوة معاً فيما روي عن عائشة (١) (فيما أنزل عشر رضعات يحرمن فنسخن بخمس) (٢). وروي أن سورة الأحزاب كانت تعدل سورة البقرة (٣). " المسألة التاسعة " يجوز نسخ الخبر عما يجوز تغيره ماضياً كان أو مستقبلاً وعداً أو وعيداً أو خبراً عن حكم، خلافاً لأبي (٤) علي وأبي هاشم وأكثر المتقدمين. لنا: أن قوله: عمرتُ نوحاً ألف سنة، ولأعذبن الزاني أبداً، وأوجبت الحج أبداً في التناول للأوقات كالأمر، فجاز نسخه. احتجوا: بأن نسخ الخبر يوهم الكذب ويستلزم جواز قوله: أهلكت عاداً ما أهلكتهم. والجواب عن: أ (٥) - أن نسخ الأمر أيضاً يوهم البداء. فإن قلتَ: النهي دل على أن الأمر لم يتناول ذلك الوقت. قلت: فالناسخ أيضاً دل على أن الخبر لم يتناول تلك الصورة.

стр. 454

ب- أن إهلاكهم لم يتكرر. فإن أراد بإهلاكهم ثانياً (١)، إهلاك بعضهم كان ذلك تخصيصاً. " المسألة العاشرة " إذا قال افعلوا هذا الفعل أبداً جاز نسخه، لأنه تأكيد لتناول الأزمان فهو كالكل المؤكد لتناول الأعيان، ولأن شرط النسخ وروده على ما يدل على الدوام، فالدال على الدوام لا ينافيه. وخالف قوم محتجين (٢): (بأن لفظ الدوام يفيد ما يفيده ذكر وقت وقت فلم يجز نسخه كذلك، وبأنه لو جاز ذلك لم يبق لنا طريق إلى العلم بالدوام). والجواب عن: أ (٣) - أنه يمنع من جواز النسخ أصلًا وينتقض بتخصيص قوله: جاءني القوم كلهم. ب- أن اليقين لا يحصل إلا من القرائن.

стр. 455

" الفصل الثاني" في الناسخ والمنسوخ وفيه مسائل " المسألة الأولى " يجوز نسخ الكتاب بالكتاب عند الأكثرين، لما سبق على أبي مسلم الأصفهاني. ويجوز نسخ السنة المتواترة بمثلها، والأحاد بمثلها وبالكتاب وبالسنة المتواترة وفاقاً. وأما نسخهما بالأحاد فجائز عقلًا غير واقع سمعاً، خلافاً لبعض أهل الظاهر. لنا: رد الصحابة خبر الواحد الرافع لحكم الكتاب والسنة. قال عمر: (لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة، لا نعلم أصدقت أم كذبت) (١) وهذا ضعيف لا يدل على ردهم كل خبر ناسخ. احتجوا (٢) بوجوه: أ- القياس على التخصيص بجامع دفع الضرر المظنون. ب- القياس على سائر الأدلة في تقديم (٣) المتأخر على المتقدم.

стр. 456

جـ - قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ (١) نسخ بنهيه ﵇: "عن أكل كل ذي ناب من السباع" (٢). د - قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ (٣). نسخ بقوله ﵇: "لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها" (٤). هـ- آية الوصية للوالدين والأقربين نسخت بقوله ﵇: "ألا لا وصية لوارث" (٥). و- أهل قباء قبلوا نسخ القبلة (٦) بخبر الواحد، ولم ينكر عليهم الرسول ﵇. ز- أنه ﵇ كان ينفذ آحاد الولاة الى الأطراف ويبلغون الناسخ والمنسوخ.

стр. 457

والجواب عن: أ- أن الصحابة فرقت بينهما. وللخصم منعه. ب- أن المتواتر مقطوع المتن دون الآحاد. جـ- أنه يتناول الوحي إلى تلك الغاية، فلا ينسخه نهي بعده. د- أنه مخصوص بذلك الحديث، لتلقي الأمة إياه بالقبول. هـ- أن المتواتر قد يضعف نقله (١) استغناءً بالإجماع الحاصل منه. و- لعله ﵇ أخبرهم به أو علموه بالقرائن، نحو ارتفاع الضجة لكون المسجد قريباً منه ﵇. ز- ما سيأتي من ضعفه في باب خبر الواحد. " المسألة الثانية " نسخ السنة بالكتاب واقع، فإن وجوب التوجه إلى بيت المقدس وتحريم المباشرة ليسا في الكتاب ونسخا به. وآية صلاة الخوف نسخت ما أثبتته السنة من جواز التأخير إلى انجلاء القتال حيث قال يوم الخندق: (حشا الله قبورهم ناراً بحبسهم له عن الصلاة) (٢). وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ (٣) نسخ ما قرره النبي ﵇ من الصلح والعهد: وهذا ضعيف لجواز ثبوت تلك الأحكام بآيات نسخت تلاوتها. ولجواز نسخها بسنن تقدمت على الآيات.

стр. 458

ولم يجوزه الشافعي لقوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (١). فإنه يفيد كون كلامه بياناً للقرآن. فلو كان القرآن ناسخاً للسنة كان بياناً لها، فيكون كل منهما بياناً للآخر. والجواب: أنه لا يقتضي كون كل (٢) كلامه بياناً. وأيضاً المراد بالبيان الإبلاغ احترازاً عن الإجمال والتخصيص. " المسألة الثالثة " نسخ الكتاب بالسنة المتواترة واقع. وقال الشافعي لم يقع. احتجوا بوجهين: أ- آية الحبس (٣) نسخت بآية الجلد، ثم هي بالرجم (٤). فإن قلت: بل- نسخت بقوله تعالى: (الشيخ والشيخة). قلت: لم يكن ذلك قرآناً لقول عمر: (لولا أن يقول الناس زاد عمر في الكتاب لألحقتُ ذلك بالمصحف). وهذا ضعيف، لأن نسخ تلاوته تكفي في صحة قول عمر. ب- نسخت آية الوصية للوالدين (٥) والأقربين بقوله. ﵇: "ألا لا

стр. 459

وصية لوارث" (١). لأن آية الميراث لا تمنع الوصية لإِمكان الجمع بينهما، وهذا ضعيف، لأن كون الميراث حقاً للوارث يمنع صرفه إلى الوصية، وأيضاً الخبر خبر واحد، وإلا لبقي متواتراً، لأنه في واقعةٍ مهمة فتتوفر الدواعي على نقله. احتج الشافعي بوجوه: أ- قوله تعالى: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ (٢). وأنه يفيد أن الثاني من جنس الأول. كقوله: "ما آخذه من ثوب آتيك بخيرٍ منه" ويفيد أن الباري منفرد بالإِتيان به ويؤكده قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٣) ويفيد أن الثاني خير من الأول. ب- قوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (٤). والرفع ضد البيان. جـ- قوله تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ﴾ (٥) وَرَدَ لِإزالة التهمة، حين قال المشركون عند تبديل الآية بالآية: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾ (٦) فما لا ينزله روح القدس، لا يزيل التهمة. د- قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ﴾ (٧) الآية. هـ- إن ذلك يوجب النفرة.

стр. 460

والجواب عن: أ- أن قوله تعالى: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾. لا يفيد أن ذلك الخير ناسخ، لأنه رتبه على نسخ الآية فامتنع ترتب نسخ الآية عليه، وأيضاً المثال المذكور معارضٌ بمثالٍ آخر. وهو قول القائل: (من لقيني بحمد (١) لقيته بخيرٍ منه) وإن كان ذلك منحةً وعطاء. ولا نسلم أنه يفيد أن المنفرد بالِإتيان هو الله تعالى، أو نقول المراد بالِإتيان شرع الحكم، والسنة فيه كالكتاب والمنفرد بالرفع هو الله تعالى وإن ظهر بالسنة، والسنة (٢) قد تكون خيراً إن أريد بالخير الأصلح في التكليف والأنفع في الثواب. ب- النسخ لا ينافي البيان كالتخصيص. جـ- أن من يتهم الرسول يشك في نبوته، فلا يزول اتهامه إياه بنسخ الكتاب بالكتاب أو بالسنة بل بالمعجزات. د- أن المبدِّل بالحقيقة هو الله تعالى، وإن كان الناسخ خبراً، وقوله تعالى: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ (٣) يدل على أنه لا ينسخ إلا بوحي، وأنه قد لا يكون قرآناً بل خبراً. هـ- أن النفرة زائلة بما يدل على أنه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى. إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (٤).
следующие страницы →