← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 19235

التحصيل من المحصول

السراج الأرموي

Полный текст (781 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

أدلة الِإجماع. ثم لا نسلم أن الإجماع يشتمل على قوله، وأن قوله صواب إذ يجوز عندهم (١) فتوى الإمام بالكفر والفسق خوفاً وتقية، فلعله خاف مخالفة الخلق فأفتى بالباطل. ثم الخطأ لعله صغيرة فلم يقدح في العصمة. فإن قلتَ: الصغيرة منفرة. قلت: العجز الشديد والفتوى بالكفر والفسق مع الإيمان المغلظة، أكثر تنفيراً مع تجويزكم إياه.

стр. 492

" الفصل الثَّاني" فيما من الِإجماع وقد أخرج عنه وفيه مسائل " المسألة الأولى " إذا اختلف العصر الأول على قولين في مسألة، فالأكثرون منعوا من القول الثالث. وجوزه الظاهريون والحقُّ أنَّه إن لزم خلاف ما أجمعوا عليه لم يجز كما إذا قال بعضهم في الجد مع الإخوة: المال كله للجد. وقال الباقون: له وللإخوة. فصرف الكل إلى الِإخوة يخالف إجماعهم على أن للجد شيئًا منه. وإن لم يلزم جاز إذ المحذور ذلك. احتجوا: بأن تجويز القول الثالث يبطل ما أجمعوا عليه من وجوب (١) الأخذ بأحد القولين، ويستلزم بطلانهما المستلزم لِإجماعهم على الخطأ. والجواب عن: أ - بأنه مشروط بأن لا يظهر وجه ثالث (٢) وهذا الشرط حذفوه في سائر الإجماعات. ب- أنَّا لو قلنا: المصيب واحد لا يلزم من تجويز القول به حقيته إذ الاجتهاد الخطأ قد يعمل به. وإن قلنا: كل مجتهد مصيب لم يلزم من حقيته بطلانها. " المسألة الثَّانية " إذا لم يفصلوا بين مسألتين، فإن نصوا على عدم الفصل بينهما في كل حكمٍ أو في معين فمتى دلنا دليل على ثبوته في إحداهما، وجب مثله في

стр. 493

الأخرى وإن لم ينصوا عليه وعلم اتحادهما في المأخذ كما قيل. من وَرَّثَ العمة أو الخالة ورث الأخرى، ومن منع لاتحادهما في أنهما من ذوي الأرحام فكذلك، لكنَّه أضعف الإجماعات (١). وإن لم يعلم جاز الفصل بينهما إذ ليس فيه مخالفة الإجماع لا في الحكم ولا في علته. ولأنه لو امتنع (٢) ذلك (٣)، لوجب على من وافق الشَّافعي في مسألة لدليل موافقته في الكل. وللمانعين مطلقًا: أن ذلك خلاف ما أجمعوا عليه من عدم الفصل ووجوب الأخذ بقول أي طائفة كانت. والجواب عن: أ - لا نسلم أن ذلك إِجماع على عدم الفصل. ب- ما سبق. وللمجوزين مطلقًا: أن ابن سيرين (٤) عمل في زوج وأبوين بقول عامة الصّحابة فقال: للأم ثلث ما يبقى. وفي زوجة وأبوين يقول ابن عباس: للأم ثلث المال. وقول الثوري (٥) الجماع ناسياً يفطر دون الأكل ناسياً (٦) مع اتحادهما في الطريقة.

стр. 494

" المسألة الثالثة " يجوز حصول الإجماع بعد الخلاف، خلافًا للصيرفي. لنا: إجماع الصّحابة على إمامة أبي بكر بعد خلافهم واجماع التّابعين على منع بيع أم الولد بعد خلاف. وله (١): ما مضى بجوابه. " المسألة الرابعة " اتفاق أهل العصر الثَّاني على أحد قولي أهل العصر الأول حجة، خلافًا لكثير من المتكلمين وفقهاء الشَّافعية والحنفية. لنا: الآيات السابقة والقياس على الإجماع بعد التردد والفكر. احتجوا بوجوه: أ- قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (٢). والاتفاق الحادث لا ينفي التنازع السابق فوجب الرد. ب- قوله ﵇: "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" (٣). جـ- لو كان حجةً لكان قول إحدى الطائفتين إذا ماتت الأخرى حجة فكان قولهم حجةً بالموت.

стр. 495

د- ولكان ذلك على دليل لا يخفى على أهل العصر الأول. هـ- ذلك إحداث لقول ثالث، وقد سبق بطلانه. و- موتهم وحياتهم سواء. إذ تحفظ أقوالهم ويحتج بها وعليها ولا إجماع مع تلك الأقوال حال حياتهم. ز- لو كان حجة لنقض القضاء بخلافه. وأهل العصر الأول أجمعوا على عدمه. والجواب عن: أ - أن التعلق بالإِجماع رَدَّ إلى الله والرسول وأن أهل العصر الثَّاني لم يتنازعوا، فلم يجب عليهم الرد، إذ المعلق بالشّرط عدم عند عدمه. ب (١) - أنَّه خص عنه (٢) الاقتداء بهم في التوقف حال الاستدلال، فكذا محل النزاع. جـ- أن قولهم: إنَّما يكون حجة لا بالموت بل بالاندراج تحت الآيات. د- أنَّه يجوز خفاء (٣) ذلك الدليل على بعضهم. هـ- أنَّه مشروط بعدم القطع بعده، كما أن (٤) قطعهم بجواز التوقف حال الاستدلال مشروط بعدم القطع بعده. و- أن بقاء أقوالهم على وجه يمنع من الإجماع بعدهم ممنوع، وبمعنى آخر لا يضر. ز- أن لا ننقض الحكم المصادر في زمانهم بل المصادر في زمان حصول الإجماع. " المسألة الخامسة " إذا انقسمت الأمة قسمين، ثم مات أحدهما أو كفر كان قول الثَّاني

стр. 496

حجة لاندراجه تحت أدلة الِإجماع. ولو رجع أحدهما إلى قول الآخر كان حجةً عند من يقول بالإجماع في المسألتينِ السالفتين، بل أولى لكون هذا القول قولًا لكل أمة. وكون الأول مرجوعاً عنه ههنا دون ثمة. ومن لم يقل به فمن اعتبر في الإجماع انقراض العصر منهم من جوَّزه، ومنهم من لم يعتبر فمنهم من أحاله ومنهم من جوَّزه ومنع حجيته. والمختار أنَّه حجة للاندراج تحت أدلة الِإجماع، واتفاق الصّحابة في الإمامة بعد خلافهم فيها. " المسألة السادسة " انقراض العصر (١) غير معتبر في الإجماع خلافًا لبعض الفقهاء والمتكلمين. منهم ابن فورك. لنا: أدلة الِإجماع، وأنه لو اعتبر ذلك لم ينعقد إجماع، إذ حدث من التّابعين مجتهدون في زمان الصّحابة فجاز لهم مخالفتهم وكذا حدث في عصر التّابعين وغيرهم. فإن اعتبر انقراض عصر المجتهدين (٢) عند حدوث الحادثة. قلنا: يجوز حدوث التّابعين عند حدوث الحادثة، فيجوز لهم المخالفة وكذا في كل عصر فلم يعلم إجماع. احتجوا (٣) بوجوه: أ - لما سئل علي ﵁ عن بيع أمهات الأولاد قال: كان رأيي ورأي عمر أن لا يبعن فرأيت بيعهن (٤) فقال عبيدة (٥) السلماني (٦): رأيك في

стр. 497

الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك (١). فدلً على أن علياً خالف الإجماع. ب- الصدِّيق كان يرى التسوية في القسم ولم يخالفه أحد، ثم خالفه عمر بعد ذلك (٢). جـ- الِإنسان ما دام حيًا يتفحص فلا يستقر إجماع. د- ذلك يقتضي كونهم شهداء على أنفسهم وقال تعالى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ (٣). هـ- القياس على قول النَّبيُّ ﵇ فإنهْ لا يستقر كونه حجةً في حياته. والجواب عن: أ - أنَّه أراد بالجماعة علياً وعمر لا كل الأمة. ب- أنَّه روى منازعة عمر إياه. جـ- أنَّه أراد بعدم (٤) الاستقرار عدم حصول الإجماع فهو باطل. وإن أراد (٥) عدم كونه حجة فهو ممنوع. د- أن الشهادتين لا تتنافيان. هـ- منع الجامع (٦).

стр. 498

" فرع" كثير ممن لم يعتبر الانقراض في الِإجماع القولي اعتبره في السكوتي، لاحتمال أن السكوت للفكر فإذا مات تبينا رضاه. وهو ضعيف، لأنَّ السكوت (١) إذا دل على الرضا دل في الموضعين وإلا فلا. " المسألة السابعة " الإجماع المروي بالآحاد حجةْ خلافًا للأكثرين. لنا: أنَّه ظن وجوب العمل به فوجب. ولأن الِإجماع حجة فجاز التمسك بمظنونه كغيره. ولأن أصل (٢) الِإجماع ظني لما بينا فكيف فرعه.

стр. 499

" الفصل الثالث" فيما ليس من الِإجماع وأدخل فيه "وفيه مسائل" " المسألة الأولى " قول بعضهم وسكوت الباقين ليس بإجماعٍ ولا حجةً وهو مذهب (١) الشَّافعي. وقال الجبائي: بأنه إجماع وحجة بعد انقراض العصر. وقال أبو هاشم: ليس بإجماع ولكنه حجةً وقال ابن أبي هريرة: إن كان القول من حاكم لم يكن إجماعاً ولا حجةً، وإلا كان إجماعًا وحجةً. لنا: أن السكوت يحتمل صدوره من الراضي والساخط (٢). والمجتهد إن كان لا يرى الِإنكار فرضًا. أو يرى تركه صغيرة أو قيام غيره مقامه فيه، أو ينتهز فرصة المكنة منه أو أنَّه في الفكر بعد. فلا يدل على الرضا وهو معنى قول الشَّافعي لا ينسب إلى ساكتٍ قول. احتج الجبائي: بأن من اعتقد خلاف ما انتشر أظهر إذ لا تقية، ولو كان هناك تقية لانتشر. وجوابه: ما سبق من احتمالات السكوت. احتج أبو هاشم: بأن النَّاس يحتجون بقول الصّحابة ما لم يعرف مخالف. وجوابه المنع.

стр. 500

احتج ابن أبي هريرة: بأن أحدنا قد يحضر مجلس الحاكم، ولا ينكر عليه إذا حكم بخلاف مذهبه. وجوابه: إن ذلك بعد تقرر المذاهب، وأمَّا عند الطلب فلا فرق عند الخصم. " فرع" من قال: إنه إجماع وحجة اختلفوا (١) حيث انتشر (٢) القول من البعض ولم يعرف مخالف. والحقُّ أنَّه إن كان فيما يعم به البلوى كان كالِإجماع السكوتي إذ لا بد لمن انتشر فيهم من قول، لكنَّه لم يظهر وإلا لم يكن إجماعًا ولا حجةً، لاحتمال ذهول البعض عنه. " المسألة الثَّانية " إذا تمسك أهل العصر بدليل أو ذكروا (٣) تأويلاً. وأهل العصر (٤) الثَّاني تمسكوا بآخر وذكر أو تأويلاً آخر لم يجز إبطال الأول وفاقاً، وإلا فقد أجمعوا على الباطل. والجديد إن أبطل القديم كاللفظ المشترك، إذا حمله الأول على معنى، والثاني على آخر، فإن لا يجوز حمله عليهما لم يصح وإلا صح إذ أهل كل عصر يستخرجوا أدلة وتأويلاتٍ جديدة ولا ينكر فكان إجماعًا. وللمانع وجوه: أ - قوله تعالى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٥).

стр. 501

ب- قوله تعالى: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (١). يقتضي أمر الأولين بكلِّ معروفٍ فما لم يؤمروا به لا يكون معروفاً بل منكرًا. جـ- لو صح الجديد لما ذهل الأولون عنه. والجواب عن: أ- أن ما لم يتعرض له المؤمنون نفياً وإثباتاً لا يقال فيه اتباع لغير سبيلهم كيف؟ والحكم بفساد الجديد ليس سبيلاً لهم فكان باطلاً. ب- أنَّه قوله: ﴿وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ يقتضي نهيهم عن كل منكرٍ. فما لم ينهون عنه لا يكون منكرًا بل معروفاً. جـ- أن الواحد يغني عن غيره فلم يطلبوه (٢). " المسألة الثالثة " قال مالك: إجماع أهل المدينة، حجة خلافًا للباقين. له: قوله ﵇: "إن المدينة لتنفي خبثها كما ينفي الكير خبث الحديد" (٣). وإنَّما ينتفي أصل الخبث بانتفاء كل أفراده، فانتفى (٤) الخطأ فإنَّه خبث. فإن قيل: ظاهره يقتضي أن من خرج منها كان خبثاً وهو باطل. إذ خرج منها علي وعبد الله (٥) بل قيل: ثلاثمائة ونيف من الصّحابة، انتقلوا منها

стр. 502

إلى العراق أمثل ممن بقي كأبي هريرة (١). ثم هو محمول على من كره المقام بها إذ كراهة ذلك مع جوار الرسول ﵇ ومسجده، وما ورد من الثناء على المقيم بها (٢) يدل على ضعف الدين. ثم هو (٣) مخصوص بزمان الرسول ﵇ والمراد الكفار. ثم إنه معارض بوجوه: أ- أدلة (٤) الإجماع لا تفضل بين بلدةٍ وبلدة. ب- المكان لا يؤثر في كون القول حجة. جـ- قولهم لو كان (٥) حجةً فيها، لكان حجةً إذا خرجوا منها، كقول الرسول ﷺ . والجواب عن: أ (٦) - أن ظاهره أن ما هو خبث يخرج منها لا ما ذكرتم. ب- جـ (٧) - أن التّقييد والتخصيص خلاف الأصل.

стр. 503

د (١) - أن أدلة الإجماع كما لا تُثبت لا تنفي. هـ- أنَّه لا يبعد تخصيص أهل بلدة بالعصمة كتخصيص أهل زمانٍ بها. و- أنَّه قياس طردي في مقابلة النص. " المسألة الرابعة " إجماع العترة ليس بحجة خلافًا للزيدية والإمامية. لنا: أن علياً خالف الصحابة كثيرًا، ولم يقل لأحدٍ: إن قولي حجة. احتجوا بوجوه: أ - قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ (٢). الآية والخطأ (٣) رجس. ب- قوله ﵇: "إنِّي تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي" (٤). جـ- أنهم مهبط الوحي والنبي منهم وفيهم والخطأ عليهم أبعد. والجواب عن: أ - أنَّه أراد أزواجه لسياق الآية. وسياقها والتذكير لا ينفي إرادتهن، بل حصرها فيهن وما روي أنَّه ﵇ لما نزلت الآية لف كساء على

стр. 504

علي (١) وفاطمة (٢) والحسن (٣) والحسين (٤). وقال ﵇ هؤلاء أهل بيتي. معارض بما روي أن أم سلمة قالت: قلت لرسول الله ﷺ : ألست من أهل البيت؟ فقال: "بلى إن شاء الله" (٥). فإن قلتَ: ظاهره يدل على حصر إرادة إزالة الرجس في أهل البيت وهو غير مراد فيحمل على زوال الرجس حملاً (٦) للسبب على

стр. 505

المسبب، وإذا زال كل رجس عنهم لزم عصمتهم ومن قال به قال المراد علي (١) وفاطمة والحسنان. قلت المفرد المعرف لا يعم. ب- أنَّه لا يجوز العمل بالآحاد عند الإمامية. وقبول بعض الأمة للاستدلال على إجماع العترة، والباقي الاستدلال على فضيلتهم لا يفيد القطع. ثم إنه يفيد وجوب التمسك بالكتاب والعترة. لا بالعترة وحدهم. جـ- أنَّه منقوض بأزواجه ﵇. " المسألة الخامسة " إجماع الأئمة (٢) الأربعة ليس حجة خلافًا لأبي خازم (٣). وقيل اجتماع الشيخين حجة. لأبي خازم: قوله ﵇: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عَضوا عليها بالنواجذ" (٤). وللآخرين: قوله ﵇: "اقتدوا باللذيْن من بعدي أبي بكرٍ وعمر" (٥). إنَّما يمكن الاقتداء بهما عند اتفاقهما.

стр. 506

وجوابهما: أنهما كقوله ﵇: "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" (١). وهو لا يفيد أن قولَ كلِّ واحدٍ حجةٌ. " المسألة السادسة " إجماع الصّحابة مع مخالفة من لحقهم من التّابعين ليس بحجة خلافًا لبعضهم. لنا: أن الصّحابة رجعوا إلى قول (٢) التّابعين. سئل ابن عمر (٣) عن فريضة فقال: سلوها سعيد بن جبيرِ (٤) فإنَّه أعلم بها. وربما سئل أنس (٥) عن شيء فقال: سلوا مولانا الحسن (٦) فإنَّه سمع وسمعنا وحفظ ونسينا. وسئل

стр. 507

ابن عباس عن المنذر بذبح الولد فأشار إلى مسروق (١) ثم أتاه السائل بجوابه فتابعه. والباطل لا يرجع إليه. احتجوا بوجوه: أ - قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢). والمُقْدِم على المحرَّم لا يرضى عنه. ب- قوله ﵇: "لو أنفق غيرهم ملء الأرض ذهباً ما بلغ (٣) مد أحدهم" (٤). جـ- إنكار عائشة على أبي سلمة (٥) بن عبد الرحمن مخالفة ابن عباس (٦) في عدة المتوفى عنها زوجها (٧). والجواب عن: أ - أن الآية تختص بأهل بيعة الرضوان ولم يختصوا بالِإجماع.

стр. 508

ب- أنَّه لو أريد منه (١) ما ذكرتم لكان قول الواحد المخالف للتابعي حجة. جـ- أنه ربما أنكرت (٢)؛ لأنَّه خالف بعد الإجماع. أو في مقطوع به أو قبل أن صار مجتهداً أو لِإساءته الأدب في المناظرة، ثم قول عائشة ليس بحجة. " المسألة السابعة " اختلفوا في الِإجماع مع مخالفة المخطئ في الأصول، والحقُّ أنا إن لم نكفرهم، اعتبرنا قولهم، لأنهم مؤمنون، وإن كفرناهم، فلا. ثم لا يمكن إثبات كفرهم بإجماعنا لأنهم إنَّما يخرجون عن الِإجماع بكفرهم. فإثبات كفرهم به دور. وقول العصاة يعتبر لبقاء اسم الإيمان عندنا. " المسألة الثامنة " لا إجماع (٣) مع مخالفة الواحد والإثنين خلافًا لأبي الحسين الخياط (٤) من المعتزلة ومحمد بن جرير الطبري (٥) وأبي بكر الرازي. لنا: أن أبا بكر خالف وحده جميع الصّحابة في قتال مانعي الزكاة.

стр. 509

وابن عباس وابن مسعود خالفاً الكل في مسائل (١) الفرائض. ولم يقل أحد أن خلافهم غير معتبر. احتجوا بوجوه: أ - أن لفظ المؤمنين والأمة يتناولهم تناول السوداء للبقرة التي (٢) فيها شعرات بيض. والأسود للزنجي مع بياض حدقتيه وأسنانه. ب- قوله ﵇. "عليكم بالسواد الأعظم" (٣). جـ- قوله ﵇: "الشَّيطان مع الواحد" (٤). د- الإجماع حجة على المخالف وأنه يستدعي مخالفًا. هـ- إنكار الصّحابة على ابن عباس خلافه للباقين في الصرف. و- اعتمدوا في خلافة أبي بكر على الإجماع مع مخالفة سعد وعلي. ز- القياس على ترجيح الخبر بكثرة العدد. ح- سبيل المجمعين سبيل المؤمنين قطعًا، لأنهم أخبروا عن كونهم مؤمنين، ويستحيل اتفاق الجمع العظيم على الكذب دون الواحد والإثنين. ط- اعتبار ذلك لا يمنع انعقاد (٥) اجماع ما لاحتماله مخالفة الواحد والإثنين في الكل. والجواب عن: أ - أنَّه مجاز (٦) لصحة النفي عنهم وصحة استثناء الباقي.

стр. 510

ب (١) - أن الكل أعظم، وهو المراد وإلَّا تناول النصف الزائد بواحد. جـ - أنَّه ليس المراد كل واحد وإلا لم يكن قوله ﵇ وحده حجة. د - أنَّه حجة على مخالف يوجد بعده. هـ - أن الإنكار لمخالفته (٢) خبر أبي سعيد (٣). و- أن (٤) البيعة كافية في الإمامة. ز - أن الإجماع لا يحصل بقول كلِّ بعضٍ بخلاف الخبر. ح - أن المقطوع به كونهم مؤمنين، لا كونهم كل المؤمنين. ط - أنا نتمسك بالإجماع حيث يعلم كما في زمان الصّحابة. وأعلم أن المجتهد الخامل يعتبر قوله إذ من عداه بعض المؤمنين.

стр. 511

" الفصل الرابع" فيما يصدر عنه الِإجماع "وفيه مسألتان" " المسألة الأولى " لا يجوز صدور الإجماع عن شبهةٍ (١) خلافًا لقوم. لنا: أن القول لا لدلالة وأمارة خطأ والإجماع على الخطأ يقدح في الإجماع. احتجوا بوجهين (٢): أ - أن ما ذكرتم ينفي فائدة الإجماع. ب- وقع (٣) ذلك في بيع المراضاة وأجرة الحمام.

стр. 512

والجواب عن: أ - أنَّه ينفي انعقاد الِإجماع عن دلالة أو أمارة وأن فائدة الِإجماع الكشف عن دليل (١) من غير حاجة إِلى معرفة عينه. ب- أنَّه (٢) عن دليل لم ينقل استغناءً بالِإجماع عنه. " المسألة الثَّانية " يجوز صدوره عن الإمارة، وابن جرير (٣) منع إمكانه، وبعضهم منع وقوعه، وبعضهم جوَّز وقوعه في الجليًة فقط. لنا: أنَّه وقع. شاور عمر الصّحابة في حد الشارب فقال علي: (إنه إذا سكر هذى وإذا هذى افترى وحد المفتري ثمانون) (٤). وقال عبد الرحمن بن عوف: (هذا حدّ وأقل الحد ثمانون) (٥). نصوا على الاجتهاد فلا يكون الِإجماع لنص استغنى به عنه، وأجمعوا على إمامة أبي بكر الصِّديق، بالقياس على تقديم النَّبيُّ إياه في الصَّلاة. احتجوا بوجوه: أ - الإمارة خفية. فامتنع أن يجمع الخلق العظيم المختلف الدواعي كجمعهم لطعام واحد وكلام واحد في ساعةٍ واحدةٍ، بخلاف الدلالة

стр. 513

فإنها قوية والشبهة كالدلالة عند من يثبت بها، والدواعي إلى الجمع والأعياد (١) ظافرة. ب - من يعتقد بطلان الحكم بالأمارة لا يحكم بها. جـ - مخالف ما صدر عن الاجتهاد لا يفسق ولا يمنع منه. والمجمع عليه بخلافه فتنافيا (٢). والجواب عن: أ - النقض باتفاق الشَّافعية والحنفية على قولي إماميهما. ب- أن الخلاف في صحة القياس حادث، وأن الإمارة قد تشتبه بالدلالة، وأنه ينتقض لصدوره عن العموم وخبر الواحد. جـ - أن تلك الأحكام ثابتة، ما لم تصر المسألة إجماعية. فرع: موافقة الإجماع لخبر لا يدل على أنَّه لأجله، لجواز قيام الدليلين على مدلول، خلافًا لأبي عبد الله البصري.

стр. 514

" الفصل الخامس" في المجمعين "وفيه مسألتان" " المسألة الأولى " إنَّما امتنع الخطأ على أمتنا للدلالة السمعية، وهي واردة بلفظ المؤمنين والأمة وهو عام يتناول الكل، وخروج البعض (١) لدليل منفصل، فلا عبرة بقول الخارج من الملة (٢)، إذ لا يتناوله لفظ المؤمنين والأمة (٣) في عرف شرعنا. ولا يعتبر قول الكل إلى يوم القيامة (٤)، إذ لا يمكن الاستدلال به، لأنَّ ما دل على الإجماع، دل على وجوب التمسك به، ولا يمكن التمسك بقول (٥) الكل لا قبل يوم القيامة ولا بعده. ولا يعتبر قول العوام خلافًا للقاضي أبي بكر. لنا وجوه: أ - قول العامي خطأ لأنه حكم بغير دلالة وأمارة، فلو كان حكم المجتهد خطأً أيضاً لأجمعت (٦) الأمة عليه. ب - المعصوم (٧) من الخطأ من يتصور منه الإصابة.

стр. 515

جـ - خواص الصّحابة وعوامهم أجمعوا على أنَّه لا عبرة بقول العوام. د - القياس على الصبي والمجنون. احتج (١): بأن دليل الإجماع يوجب متابعة الكل. وجوابه: أنَّه لا ينفي وجوب متابعة العلماء. وقد بيَّنا وجوبها ولا يعتبر كل فنٍ قول من ليس مجتهداً فيه؛ لأنَّه كالعامي بالنسبة إليه. والحقُّ أن الأصولي المتمكن من الاجتهاد إذا لم يحفظ الأحكام يعتبر قوله فيها، خلافًا لقوم فإنَّه مميز بين الحق والباطل بخلاف الحافظ للأحكام فقط. ولو بقي من المجتهدين - نعوذ بالله- واحد كان قوله حجةً، لاندراجه تحت أدلة الِإجماع. نعم: من قال الإجماع حجة لكشفه عن الدليل، اعتبر في المجمعين حد التواتر. " المسألة الثَّانية " إجماع غير الصّحابة حجة خلافًا لأهل الظاهر. لنا: أدلة الإجماع. احتجوا بوجوه: أ - أدلة الإجماع لا تتناول غير الصّحابة لما سبق، فلا يكون إجماع غيرهم حجة إذ لا طريق إلَّا تلك الأدلة. ب - إجماع غيرهم لا يجوز أن يكون لقياس لما مر (٢) من قبل ولا لنصٍ إذ لا يصل إليهم إلَّا من الصّحابة. فكانوا أولى بالإجماع. جـ - الإجماع لا يعرف إلَّا من قوم محصورين كالصحابة دون غيرهم لتفرقهم شرقاً وغرباً.

стр. 516

د- الصّحابة أجمعت على أن ما لا يكون مجمعًا عليه بينهم يكون فيه مجال (١) للاجتهاد. هـ - قول الصحابي لا يهجر (٢) لما تقدم فلعل واحدًا منهم قال بخلاف قول التّابعين، فلا يكون قولهم حجةً، إذ الشَّك في الشرط يوجب الشَّك في المشروط، وليس كاحتمال التخصيص والنسخ في الظواهر (٣)، فإنهما يزيلان حكم الظواهر (٤) والأصل عدمهما. والجواب عن: أ - أنَّه يقتضي أن لا يكون قول الباقين حجةً إذا مات واحد من الصّحابة الحاضرين. ب- لعل تلك الواقعة ما وقعت في زمان الصّحابة، فلم يتفحصوا عن دلالة ما معهم من النصوص. جـ - أن تعذر العلم به مسلم. والكلام في كونه حجة لو وقع. د- ما سبق غير مرَّة (٥). هـ- أنَّه ينفي كون إجماع الصّحابة حجة لاحتمال وفاة أحدهم قبل وفاة رسول الله ﷺ .

стр. 517

" الفصل السادس" فيما ينعقد الِإجماع عليه "وفيه مسائل" كل ما يتوقف العلم يكون الإجماع حجة على العلم به كإثبات الصانع وعلمه بالجزئيات، وإثبات النبوة لا يمكن إثباته بالإجماع. وما لا يتوقف عليه (١) يمكن كإثبات الوحدانية وحدوث الأجسام. " المسألة الأولى " الإجماع في الآراء والحروب حجة إذ أدلة الإجماع مطلقة، ومنهم من أنكر (٢)، ومنهم من جعله حجة بعد استقرار الرأي. " المسألة الثَّانية " منع الأكثرون من خطأ شطر الأمة في مسألة، وخطأ الشطر الآخر في أخرى لئلا يلزم خطأ الكل. وجوَّز الأقلون إذ المخطئ في كل مسألة بعض الأمة. " المسألة الثالثة " لا يجوز إجماع الكل على الكفر، لأنَّ إيجاب أتباع سبيل المؤمنين مشروط بوجود سبيلهم، وذلك ينفي إجماعهم على الكفر.

стр. 518

وجوَّزه قوم (١) إذ لا يكون سبيلهم إذا كفروا سبيل المؤمنين (٢) ولا قولهم قول الأمة. " المسألة الرابعة " يجوز إجماعهم على عدم العلم بما لم يكلفوا به، إذ لا يلزم (٣) منه محذور. وللمخالف: أنَّه لو وقع لكان ذلك سبيلهم فلزم حرمة تحصيل العلم.

стр. 519

" الفصل السابع" في حكم الإِجماع " المسألة الأولى " جاحد المجمع عليه لا يكفر خلافًا لبعض الفقهاء. لنا: أن أصل الإجماع مظنون لما سبق فكذا هو، ومنكر المظنون لا يكفَّر إجماعاً. ولأن العلم بالإجماع خارج عن ماهية الإسلام لحكمه ﵇ بإسلام الكفار من غير معرفتهم يكون الإجماع حجة، فكذلك العلم (١) بتفاريعه. " المسألة الثَّانية " الإجماع المصادر عن الاجتهاد حجة خلافًا للحاكم صاحب المختصر (٢). لنا: أدلة الإجماع.

стр. 520

احتج بوجهين: أ - من سبيلهم إثباته بالاجتهاد. ب- من سبيلهم جواز القول بخلافه. والجواب عن: أ (١) - أن سبيلهم إثباته بطريق كيف كان وتعيينه غير معتبر بالإجماع. ب- أن (٢) تجويز القول بخلافه مشروط بعدم الاتفاق. " المسألة الثالثة " منع الأكثرون من جواز الإجماع بعد الإجماع لإِفضائه إلى خطأ الأمة. وقال أبو عبد الله البصري: يجوز إذ لا امتناع في أن يكون الإجماع مشروطاً بعدم آخر. لكن لما أجمعوا على أن كل ما أجمعوا عليه في عصر وجب في كل عصر أمنا وقوع هذا وهو الأولى. " المسألة الرابعة " لا يجوز أن يعارض الإجماع قول الرسول ﵊. وقد علم إرادة كل واحد منهما ظاهر كلامه للتناقض. ثم أن علم إرادة أحدهما للظاهر قدم وإلا فإن أمكن (٣) تخصيص أحدهما بالأخر، خصص به وإلا تعارضا.

стр. 521

الكلام في الأخبَار وفيه فصول " الفصل الأول" في المقدمات

стр. 522

" المقدمة الأولى " الخبر حقيقة في القول المخصوص لسبق الفهم إليه عند الِإطلاق ومجاز في غيره كقوله: (تخبرني العينان ما القلب كاتم). وقول المعري (١): نبيٌّ من الغربان ليس على شرع (٢) ... يخبرنا أن الشعوب إلى (٣) صدع ويقال أخبر الغراب بكذا. " المقدمة الثَّانية " قيل في حده: إنه (الذي يدخله الصدق أو الكذب) وإنه (الذي يحتمل التصديق والتكذيب). وهما باطلان، لأنَّ الصدق والكذب نوعا الخبر

стр. 523

والتصديق والتكذيب إخباران عن الصدق والكذب، فتعريفه بهما يوجب الدور (١). واعترض على الأول بوجوه: أ - "أو" للترديد المنافى للتعريف (٢) وإسقاطه يوجب كون الخبر الواحد صدقاً وكذباً. ب- خبر الله تعالى لا يكون كذباً. ب- قولنا: محمدُ ومسيلمة كاذبان خبر ليس بصدقٍ ولا كذب. والجواب عن: أ، ب- أن المراد دخول أحدهما. ب- أنَّه خبران أحدهما: صادق. والآخر: كاذب. أو خبر واحد كاذب. وقال أبو الحسين البصري: (إنه كلام واحد (٣) يفيد بنفسه إضافة أمرٍ الى أمرٍ بنفي أو إثبات). وقولنا: (بنفسه) احتراز عن إفادة الأمر وجوب الفعل، فإنها تابعة لاستدعاء الفعل، وهذا باطل إذ عنده وجود الشيء عين ماهيته. فقولنا السواد موجود خبر مع عدم إضافة أمرٍ الى أمرٍ آخر. وأنه إن لم يقل آخر لكن الإضافة تشعر به. وأيضًا قولنا: الحيوان الناطق يفيد إضافة أمرٍ الى آخر وليس خبراً. ولو زيد فيه بحيث يتم الكلام معه. قلنا: إن عني بتمام الكلام إفادته لمفهومه، فالنعت كذلك. وإن عني به إفادته لتمام الخبر لزم الدور. ولقائلٍ أن يقول (٤): نعني بتمام الكلام صحّة السكوت عليه.

стр. 524

وأيضاً النفى والِإثبات نوعا الخبر. فتعريفه بهما دور والحقُّ أن تصور ماهية الخبر غني عن التعريف، إذ كل أحد يعلم بالضرورة أنَّه موجود وأنه ليس بمعدوم. وأنه خبر خاص ومتى استغنى الكل عن الاكتساب استغنى الجزء عنه. وأيضًا كل أحدٍ يميز بالضرورة بين معنى الخبر والأمر وبين موضعي (١) حسن الخبر وحسن الأمر، ولا ذلك إلَّا ببداهية تصور الخبر. فإن قلتَ: الخبر لفظ فكيف يكون تصوره (٢) بديهياً. قلتُ: إذا كان المعنى بديهي التصور، كان مطلق اللفظ الدال عليه بديهي التصور. " المقدمة الثالثة " قيل: لا بد في الخبر من الإرادة لصدوره (٣) خبرًا، وقال أبو علي وأبو هاشم، كون اللفظ خبراً صفة معللة بتلك الإرادة، وقد مضى هذا بإبطاله في الأمر. " المقدمة الرابعة " مدلول الخبر الحكم بالنسبة لا ثبوتها، وإلا لم يكن الخبر كذباً. ثم الحكم الذهني ليس هو الاعتقاد، إذ قد يحكم بالنسبة من لا يعتقدها. ولا الإرادة إذ قد يخبر عن الواجب والممتنع مع امتناع تعلق الإرادة بهما، فهو كلام النَّفس ولم يقل به إلَّا أصحابنا.

стр. 525

" المقدمة الخامسة " الأكثرون على أن الخبر إما صدق أو كذب، خلافًا للجاحظ (١) والمسألة لفظية؛ لأنَّه إن أريد بالصدق والكذب المطابقة وعدمها فلا واسطة. وإن أريد بهما المطابقة وعدمها مع العلم بهما، فعدم العلم بهما (٢) واسطة بين الصدق والكذب. احتج الجاحظ بوجوه: أ - قوله تعالى: ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ (٣). جعلوا إخباره عن نبوته حال جنونه في مقابلة الكذب، فلا يكونَ كذباً وقد اعتقدوا عدم مطابقته لِمَا أن الإخبار حال الجنون لا يكون عن اعتقاد. ب - من أخبر عن شيء ظاناً ثبوته لا يقال: إنه كذب إذا ظهر خلافه. جـ - أكثر العمومات مخصوصة ومقيدة وليست كاذبة. احتجوا: باتفاق الكل على تكذيب اليهود والنصارى في عقائدهم، مع عدم علم بعضهم بفسادها. والجواب: أن أدلة الِإسلام لما كانت جلية كان ذلك كالِإخبار مع العلم.

стр. 526

" الفصل الثَّاني" في أقسامه إنه إما مقطوع بصدقه أو بكذبه أو لا يقطع بواحدٍ منهما " القسم الأول" ما يقطع بصدقه (١) وطريقه التواتر أو غيره. والتواتر لغة: (مجيء واحدٍ بعد واحدٍ بفترة). قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾ (٢) أي رسولاً بعد رسول بفترة ويراد بالتواتر في المخبرين مجيؤهم على غير اتصال. وفي اصطلاح العلماء: (خبر قوم يحصل العلم بقولهم لكثرتهم). " المسألة الأولى " التواتر يفيد العلم عند الأكثرين. وقالت السمنية (٣) يفيد الظن القوي. وقيل يفيد العلم في الأمور المحاضرة دون الماضية.

стр. 527

لنا: أن كلَّ واحدٍ منا يجزم بوجود البلدان والأشخاص الغائبة كجزمه بوجود المشاهدات. احتجوا (١): بأن جزمنا بوجود جالينوس (٢) ليس كجزمنا بأن الواحد نصف الإثنين فدل على احتمال نقيضه المانع من اليقين، وليس أقوى من جزمنا بأن زيداً الذي رأيته الآن هو الذي رأيته بالأمس، وأنه ليس بيقيني لاحتمال وجود مثله إما للفاعل على المختار أو للشكل الغريب. فإن قلتَ البرهان يمنع هذا الاحتمال لافضائه إلى الشَّك في المشاهدات ووجود التلبيس من الله تعالى. قلتُ المشاهَد هو زيد لا كونه هو المرئي بالأمس. ولو كان الجزم بناءً على هذا البرهان لما حصل لمن لا يعرفه. والجواب: أن التشكيل في الضروريات لا يستحق الجواب. ولقائل أن يقول (٣): هذا ليس بجواب بل جواب الأول أن اليقينين قد يتفاوتان. وجواب الثَّاني: أن ذلك الاحتمال يقيِنِي الارتفاع.

стр. 528

" المسألة الثَّانية " حصول العلم عقيب التواتر ضروري. وقال أبو الحسين والكعبي وإمام الحرمين والغزالي (١) نظري وتوقف المرتضى فيه. لنا: حصول هذا العلم لمن لا نظر له كالعامة والصبيان والبله. فإن قيل: النظر فيه هو ترتب علوم بأحوال المخبرين، وهو سهل الحصول فلعله حصل لهم. ثم إنَّه معارض بوجوه: أ - أنا لا نعلم وجود المخبر عنه بالتواتر ما لم نعلم أنَّه لا داعي للمخبرين (٢) من الكذب، ولا ليس في المخبر عنه، ومتى كان كذلك امتنع كون الخبر كذباً فهو صدق (٣). ب - لو كان ضرورياً لعلمنا بالضرورة كوننا عالمين به. جـ - لو جاز أن يعلم غير المحسوس بالضرورة، لجاز أن يعلم المحسوس بالاستدلال. والجواب عن: أ (٤) - أنا نبين غموض هذا الاستدلال. ب (٥) - أن أصل الشيء قد يعلم ضرورةً دون كيفيته. جـ (٦) - منع الجامع.

стр. 529

واستدل أبو الحسين على صدقه بأن أهل التواتر لا تكذب مع علمهم بكذبهم لا لغرض إذ الكذب جهة قبح مانعة من الفعل. ويمتنع الفعل مع المانع إلَّا لغرض أقوى، ولأنه يُترجح الممكن لا لمرجح ولا لغرض (١) هو كونه كذباً لأنَّه مانع لا داعي، ولا لغرض (٢) غيره، إذ داعي ذلك إما رغبة وإما رهبة دينية أو دنيوية اتفق غرض الكل أو اختلف. ولا رغبة دينية للكل، لأنَّ قبح الكذب صادف ديني وفاقاً، ولا دنيوية لأنها رجاء لعوض أو إسماع غريب وكثير منهم لا يرضى بالكذب لهما، ولا رهبة دينية لما تقدم، ولا دنيوية فإنَّها تكون من السلطان وهو لعجزه عن جمعهم للكذب، فإنَّه قد يخوفهم عن حديث ثم يشتهر ولم تختلف أغراضهم، لامتناع تساوي أحوال جماعة عظيمة أبعاضها جماعات عظيمة في قوة هذه الدواعي ولا يكذبون لا مع علمهم بكذبهم، لأنَّ ذلك إنَّما يمكن (٣) فيما يشتبه بغيره، والتواتر إخبارٌ عما علم وجوده بالضرورة، إذ شرطه استواء الطرفين والواسطة، ويعلم ذلك بإخبار كل لاحق من أهلية السابق للتواتر، أو بأن كل ما ظهر بعد خفاء أو قوي بعد ضعفٍ يجب اشتهار حدوثه ووقت حدوثه، كمقالات الجهمية (٤) والكرامية (٥)، وهذا ضعيفٌ إذ تقسيماته غير منحصرة. ولا قاطع بنفي كل قسم.

стр. 530

قوله: لا بد (١) لكذبهم من غرض. قلنا: لو كان كل فعل لغرض لزم الحبير لما سبق في أول الكتاب، وأنت (٢) لا تقول به وإلَّا بطل قولك. وقوله: ذلك الغرض لا يكون كونه كذباً ممنوع، فإنا نرى جمعاً عظيماً يعتادون الكذب حتَّى لا يصبروا عنه، وإن علموا أنَّه يضرهم عاجلاً وآجلًا. وجوازه من البعض مع أن حكم الشيء وحكم مثله يقتضي (٣) جوازه من الكل. كيف؟ ونحن نمنع القطع. وقوله: لا رغبة دينية إذ الكذب صارفٌ ديني وفاقاً. قلنا (٤): مطلقًا ممنوع، إذ كثير منهم يعتقد جواز الكذب المفضي إلى المصلحة، حتَّى يضعون (٥) أحاديث في فضائل الأوقات والعبادات للترغيب فيها. وقوله: الجمع العظيم لا يكذب إلَّا لعوض وإسماع الغريب. قلنا (٦): يقينًا ممنوع فجوازه من العشرة والمائة يوجب جوازه منهم، ويؤكده أنَّه يجوز أن يكذب أهل بلد فيه وباب إذا علموا أن غيرهم لو سمعوا به لم يذهبوا إليه، واختلت معيشتهم وإن كثروا جداً. وقوله: السلطان لا يمكنه إسكات الكل يقينًا ممنوع إذ جواز إسكات الألف والألفين يوجب جوازه في الكل. فإن قلتَ: أجد العلم الضروري بذلك. قلتُ هذا أضعف من العلم بوجود محمد وعيسى ﵉ فهو بالضروري أولى. وقوله: لم تختلف أغراضهم ممنوع إذ ليس من شرط أهل التواتر كون كل بعضٍ (٧) منهم أهل التواتر وإلا تسلسل.
следующие страницы →