← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 19235

التحصيل من المحصول

السراج الأرموي

Полный текст (781 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

" الفصل الثَّاني" في أقسامه إنه إما مقطوع بصدقه أو بكذبه أو لا يقطع بواحدٍ منهما " القسم الأول" ما يقطع بصدقه (١) وطريقه التواتر أو غيره. والتواتر لغة: (مجيء واحدٍ بعد واحدٍ بفترة). قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾ (٢) أي رسولاً بعد رسول بفترة ويراد بالتواتر في المخبرين مجيؤهم على غير اتصال. وفي اصطلاح العلماء: (خبر قوم يحصل العلم بقولهم لكثرتهم). " المسألة الأولى " التواتر يفيد العلم عند الأكثرين. وقالت السمنية (٣) يفيد الظن القوي. وقيل يفيد العلم في الأمور المحاضرة دون الماضية.

стр. 527

لنا: أن كلَّ واحدٍ منا يجزم بوجود البلدان والأشخاص الغائبة كجزمه بوجود المشاهدات. احتجوا (١): بأن جزمنا بوجود جالينوس (٢) ليس كجزمنا بأن الواحد نصف الإثنين فدل على احتمال نقيضه المانع من اليقين، وليس أقوى من جزمنا بأن زيداً الذي رأيته الآن هو الذي رأيته بالأمس، وأنه ليس بيقيني لاحتمال وجود مثله إما للفاعل على المختار أو للشكل الغريب. فإن قلتَ البرهان يمنع هذا الاحتمال لافضائه إلى الشَّك في المشاهدات ووجود التلبيس من الله تعالى. قلتُ المشاهَد هو زيد لا كونه هو المرئي بالأمس. ولو كان الجزم بناءً على هذا البرهان لما حصل لمن لا يعرفه. والجواب: أن التشكيل في الضروريات لا يستحق الجواب. ولقائل أن يقول (٣): هذا ليس بجواب بل جواب الأول أن اليقينين قد يتفاوتان. وجواب الثَّاني: أن ذلك الاحتمال يقيِنِي الارتفاع.

стр. 528

" المسألة الثَّانية " حصول العلم عقيب التواتر ضروري. وقال أبو الحسين والكعبي وإمام الحرمين والغزالي (١) نظري وتوقف المرتضى فيه. لنا: حصول هذا العلم لمن لا نظر له كالعامة والصبيان والبله. فإن قيل: النظر فيه هو ترتب علوم بأحوال المخبرين، وهو سهل الحصول فلعله حصل لهم. ثم إنَّه معارض بوجوه: أ - أنا لا نعلم وجود المخبر عنه بالتواتر ما لم نعلم أنَّه لا داعي للمخبرين (٢) من الكذب، ولا ليس في المخبر عنه، ومتى كان كذلك امتنع كون الخبر كذباً فهو صدق (٣). ب - لو كان ضرورياً لعلمنا بالضرورة كوننا عالمين به. جـ - لو جاز أن يعلم غير المحسوس بالضرورة، لجاز أن يعلم المحسوس بالاستدلال. والجواب عن: أ (٤) - أنا نبين غموض هذا الاستدلال. ب (٥) - أن أصل الشيء قد يعلم ضرورةً دون كيفيته. جـ (٦) - منع الجامع.

стр. 529

واستدل أبو الحسين على صدقه بأن أهل التواتر لا تكذب مع علمهم بكذبهم لا لغرض إذ الكذب جهة قبح مانعة من الفعل. ويمتنع الفعل مع المانع إلَّا لغرض أقوى، ولأنه يُترجح الممكن لا لمرجح ولا لغرض (١) هو كونه كذباً لأنَّه مانع لا داعي، ولا لغرض (٢) غيره، إذ داعي ذلك إما رغبة وإما رهبة دينية أو دنيوية اتفق غرض الكل أو اختلف. ولا رغبة دينية للكل، لأنَّ قبح الكذب صادف ديني وفاقاً، ولا دنيوية لأنها رجاء لعوض أو إسماع غريب وكثير منهم لا يرضى بالكذب لهما، ولا رهبة دينية لما تقدم، ولا دنيوية فإنَّها تكون من السلطان وهو لعجزه عن جمعهم للكذب، فإنَّه قد يخوفهم عن حديث ثم يشتهر ولم تختلف أغراضهم، لامتناع تساوي أحوال جماعة عظيمة أبعاضها جماعات عظيمة في قوة هذه الدواعي ولا يكذبون لا مع علمهم بكذبهم، لأنَّ ذلك إنَّما يمكن (٣) فيما يشتبه بغيره، والتواتر إخبارٌ عما علم وجوده بالضرورة، إذ شرطه استواء الطرفين والواسطة، ويعلم ذلك بإخبار كل لاحق من أهلية السابق للتواتر، أو بأن كل ما ظهر بعد خفاء أو قوي بعد ضعفٍ يجب اشتهار حدوثه ووقت حدوثه، كمقالات الجهمية (٤) والكرامية (٥)، وهذا ضعيفٌ إذ تقسيماته غير منحصرة. ولا قاطع بنفي كل قسم.

стр. 530

قوله: لا بد (١) لكذبهم من غرض. قلنا: لو كان كل فعل لغرض لزم الحبير لما سبق في أول الكتاب، وأنت (٢) لا تقول به وإلَّا بطل قولك. وقوله: ذلك الغرض لا يكون كونه كذباً ممنوع، فإنا نرى جمعاً عظيماً يعتادون الكذب حتَّى لا يصبروا عنه، وإن علموا أنَّه يضرهم عاجلاً وآجلًا. وجوازه من البعض مع أن حكم الشيء وحكم مثله يقتضي (٣) جوازه من الكل. كيف؟ ونحن نمنع القطع. وقوله: لا رغبة دينية إذ الكذب صارفٌ ديني وفاقاً. قلنا (٤): مطلقًا ممنوع، إذ كثير منهم يعتقد جواز الكذب المفضي إلى المصلحة، حتَّى يضعون (٥) أحاديث في فضائل الأوقات والعبادات للترغيب فيها. وقوله: الجمع العظيم لا يكذب إلَّا لعوض وإسماع الغريب. قلنا (٦): يقينًا ممنوع فجوازه من العشرة والمائة يوجب جوازه منهم، ويؤكده أنَّه يجوز أن يكذب أهل بلد فيه وباب إذا علموا أن غيرهم لو سمعوا به لم يذهبوا إليه، واختلت معيشتهم وإن كثروا جداً. وقوله: السلطان لا يمكنه إسكات الكل يقينًا ممنوع إذ جواز إسكات الألف والألفين يوجب جوازه في الكل. فإن قلتَ: أجد العلم الضروري بذلك. قلتُ هذا أضعف من العلم بوجود محمد وعيسى ﵉ فهو بالضروري أولى. وقوله: لم تختلف أغراضهم ممنوع إذ ليس من شرط أهل التواتر كون كل بعضٍ (٧) منهم أهل التواتر وإلا تسلسل.

стр. 531

وقوله: الاشتباه في المحسوس ممتنع ممنوع، فإن (١) الحيوانات تتشابه بحيث يعسر التمييز، وهذا في الإنسان وإن كان نادرًا لكنه جائز، وأيضًا غلط (٢) الناظر مشهور والمسيح اشتبه بغيره قبل الصلب وإلاَّ لم يصلب. ومن اشتبه عليهم كانوا قريبين منه والنصارى يروون بالتواتر أنَّه بقي بعد الصلب وقبل الموت مدة طويلة، رآه جمع عظيم في النهار ونزل جبريل ﵇ في صورة دحية الكلبي (٣). فإن قلتَ: إنخراق العادةِ زمان النبوة جائز. قلت: أبو الحسين يجوِّز الكرامات بعده، وبتقدير امتناعها إنَّما يعرف بالبرهان، والعلم بخبر التواتر موقوف عليه، فوجب أن لا يعلم الخبر المتواتر من لم يعلمه ويؤكد احتمال الاشتباه تصور الإنسان عند شدة الخوف صوراً (٤) لا وجود لها في الخارج. سلمنا ذلك في الأمور المحاضرة (٤) لكن تمنع في الماضية. وقوله: كل لاحقٍ يخبر من أهلية السابق للتواتر بُهت (٥) صريح، فإن أكثر الفقهاء والنحاة لا يتصورون هذه الدعوى، فكيف العوام؟ فامتنع أن يعلموا ذلك (٦) ضرورة بل غايتهم سماعهم من قومٍ كثيرين. قوله: ما ظهر بعد خفاء وقوي بعد ضعف، يجب اشتهار حدوثه ووقت حدوثه (٧) منقوض باشتهار الأراجيف وبوقائع الأنبياء ﵈ مع كونها من الأمور (٨) العظيمة.

стр. 532

فإن قلتَ: ذلك لتطاول الزمان وعدم الدواعي. قلتُ: هذا يقدح في التواتر في الأمور الماضية، إذ شرطه استواء الطرفين والواسطة، وقد تقل (١) الرواة ولا يثبت ذلك، إلّا بأنه لو كان موضوعًا لاشتهر الوضع وزمانه، وذلك غير واجبٍ بعد طول المدة. ثم ما ذكرتم معارض بوجوه: أ - ما يفيده التواتر ليس علماً ضرورياً لما سلمتم، ولا نظرياً لحصوله لمن لا نظر له. ب - أن ذلك يتوقف على عدم اشتباه محسوس وقد بيَّنا اشتباهه. جـ - أنَّه إن حصل العلم مع جواز أن لا يحصل امتنع القطع بإفادته العلم، وإن حصل العلم (٢) مع الوجوب فالمؤثر فيه لا يجوز أن يكون قولَ كلٍ واحد، إذ قول الواحد لا يفيد العلم، ولأنه إن حصل قول الكل دفعة اجتمع على الأثر الواحد مؤثرات مستقلة، وإن حصل على التعاقب لزم تحصيل الحاصل، أو اجتماع المثلين. ولا يجوز أن يكون قول المجموع؛ لأنَّه لو لم يحدث عند الاجتماع ما لم يكن عند الانفراد لم يكن المجموع مؤثراً. وإن حدث عاد الكلام فيه وتسلسل، ولأن المؤثريَّة صفة وجودية لأنها نقيض اللامؤثرية (٣). فاتصاف المجموع بها يوجب حلول الصفة الواحدة في محال كثيرة، ولأن التواتر غالبًا يكون بوجود خبر بعد خبر. فلم يكن للمجموع وجود فلم يكن مؤثراً، ولأن كل واحد من الزنج لما لم يكن أبيض امتنع كون الكل أبيض كذلك ههنا. د - أن المؤثر إما آحاد الحروف أو المجموع وهما باطلان. أو الحرف الأخير بشرط وجود الباقي قبله، وأنه يوجب حصول المشروط عند عدم الشرط، أو هو بشرط مسبوقيته بالباقي، والمسبوقية عدمية وإلَّا كانت حادثة مسبوقة، وتسلسل والعدمي لا يكون جزء العلة ولا شرطها.

стр. 533

هـ - حجة من منع إفادته العلم في الأمور الماضية أن التواتر حصل في أمورٍ ماضية، كنقلِ اليهود والنصارى والمجوس (١) والمانوية (٢) مع كثرتهم وتفرقهم شرقاً وغرباً أخبارًا من أمورٍ باطلةٍ عندنا قطعاً. فإن قلتَ استواء الطرفين والواسطة مفقود فيهم (٣) إذ قلَّ عدد اليهود في زمان بختنصر (٤)، والنصارى كانوا قليلين ابتداءً. وكذا القول في البواقي قلتُ: طريق العلم إلى الاستواء: إما نقل كل لاحق أهلية السابق للتواتر، وهم يدعون ذلك (٥) ادعاء المسلمين وتكذيب أحدهما تكذيب الآخر. وأمَّا الخبر لو كان موضوعًا لَعُرِفَ وقد عرف (٦) ضعفه وتصحيح جميع الفرق تواترهم به (٧). قوله لم يبقَ من اليهود عدد التواتر ممنوع، إذ فناء الأمة العظيمة المتفرقة شرقاً وغرباً إلى هذا الحد ممتنع. قوله: النصارى كانوا قليلين ابتداءً ممنوع، وإلا لم يبقَ شرع عيسى ﵇ حجة إلى ظهور شرعنا، واتفق المسلمون على بطلانه. وأعلم أن فساد بعض هذه الأسئلة والمعارضات أظهر من صحته، لكنا ذكرنا لبيان غموض هذا الاستدلال وخفائه بالنسبة إلى وجود محمد ﵇ ومكة وأنه بناء (٨) الواضح على الخفي وأن الحق مذهبنا.

стр. 534

" المسألة الثالثة " في شرائط التواتر ولا حاجة إلى اعتبار حال المخبرين، بل السامع يعتبر حال نفسه، فإن أفاده الخبر يقينًا عَلِمَ أنَّه متواتر، وشرطه أن لا يعلم السامع المخبر به ضرورة. قال المرتضى: وأن لا يعتقد نقيضه لشبهة أو تقليد، إذ الخبر عن نص إمامة علي عنده متواتر، ولم يفد العلم لبعضهم لاعتقاده نفيه لشبهة. واحتج عليه: بأن إفادة المتواتر العلم بالعادة، فجاز أن يختلف باختلاف الاعتقاد بخلاف الأخبار عن البلدان والحوادث العظيمة، إذ لا شبهة في نفيها ولا داعي يدعو العقلاء إلى اعتقاد نفيها، وشرطه (١) أن يكون المخبر به ضرورياً، إذ يجوز الالتباس في غير الضروري وأن يكون المخبرون عددًا. ثم قال القاضي أبو بكر: قول الأربعة لا يفيد العلم وتوقف في الخمسة. واحتج: بأن قول أربعة صادقين لو أفاد العلم لأفاده قول (٢) كل أربعة صادقين، إذ حكم الشيء حكم مثله، فلزم استغناء القاضي عن التزكية إذا شهد أربعة على الزنا؛ لأنَّه إن علم الزنا بقولهم قطع بصدقهم وإلا قطع بكذبهم فإن قيل: حصول العلم بالمخبر به فعل الله تعالى، فجاز اختلاف عادته في قول الأربعة مع أطرادها في قول الجمع العظيم كما اطردت في التكرار على البيت الواحد ألف مرَّة واختلفت فيه مرةً أو مرتين. ثم نقول عادته قد تطرد في لفظ الخبر دون لفظ الشهادة. كيف؟ وشرط الشهادة اجتماع المخبرين عند الأداء، وأنه يوهم الاتفاق على الكذب بخلاف الرّواية. ثم ما ذكرتم آتٍ في الخمسة وفي عدد أهل القسامة (٣)، فليقطع

стр. 535

بالإفادة في الثَّانية (١) وعدمها في الأولى. والجواب: الأسئلة الثلاثة لا جواب عنها، والفرق بين الأربعة والخمسة: أن الحاكم إذا لم يعلم الزنا بقولهم، لا يقطع بانتفاء الحجة لجواز كون الأربعة شاهدين للزنا دون الخامس، فوجب البحث بخلاف الأربعة. وأما أهل القسامة فتحلف عند أهل العراق خمسون من المدَّعى عليهم أنَّه ما قتل ولا عرف قاتلاً. وعند الشَّافعي ﵁ يحلف خمسون من المدعين، كل منهم بحسب ظنه، فمخبر كل منهم غير مخبر الآخر، والحقُّ أن ذلك العدد غير معلوم، إذ لا عدد إلَّا ولا يبعد عقلًا صدور الكذب عنه ولا يتميز (٢) عن الزائد والناقص بواحدٍ فيه. والمعتبرون ذكروا وجوهاً: أ - إثنا عشر عدد نقباء موسى ﵇. ب - عشرون وهو قول أبي الهذيل لقوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ (٣). وإنَّما خصهم بالجهاد، لأنَّ خبرهم يفيد العلم. جـ - أربعون لقوله تعالى: وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤) وكانوا أربعين. د - سبعون لقوله تعالى: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا﴾ (٥). هـ - ثلاثمائة وبضع عشر عدد أهل بدر (٦). و- عدد بيعة الرضوان ولا تعلق لشيء بالمسألة. فإن قيل: لو عرف كمال العدد بالعلم، تعذر الاستدلال به على العلم (٧).

стр. 536

قلنا: لا نستدل به على العلم بل المرجع فيه الوجدان. ثم كل (١) ما يشترط في المشاهدين يشترط في الناقلين عنهم، ويعبر عنه باستواء الطرفين والواسطة، وقيل يعتبر في المخبرين أن لا يحصرهم عدد ولا يحويهم بلد وهو باطل. إذ خبر أهل الجامع عن سقوط المؤذن من المنارة يفيد العلم. واعتبر اليهود اختلاف دينهم. وقيل يعتبر اختلاف نسبهم وهما باطلان، إذ التهمة لو حصلت لم يحصل العلم مطلقًا، وإلا حصل العلم مطلقًا (٢). وشرط ابن الراوندي (٣) وجود المعصوم سيهم، وهو باطل، إذ المفيد قول المعصوم لا خبر التواتر. " المسألة الرابعة " في التواتر المعنوي كما إذا اشتركت الأخبار الجزئية الكثيرة في كل واحدٍ كالسخاوة مثلًا، فيصير ذلك الكلي مروياً بالتواتر إذ راوي الجزئي بالمطابقة روى الكلي بالتضمن.

стр. 537

" الطَّريق الثَّاني" من طرق صدق الخبر غير المتواتر أ - معلومية المخبر عنه ضرورةً أو نظرًا. ب - صدوره من الله تعالى باتفاق المسلمين واختلفوا في أن الدال عليه عقلي أو نقلي. قال الغزالي: يدل عليه وجهان: الأول: إخبار الرسول ﷺ عن امتناع الكذب عليه. الثَّاني: أن كلامه قائم بذاته، ويمتنع الكذب في كلام النَّفس على من يمتنع عليه الجهل. والاعتراض على الأول أن صدق الرسول موقوف على تصديقه تعالى إياه بالمعجزة، فمعرفة صدقه تعالى من صدق الرسول دور. فإن قلتَ: تصديق الله تعالى إياه بالمعجزة كقوله: أنت رسولي وهو إنشاء لا يحتمل التصديق والتكذيب يقول الرجل لغيره: أنت وكيلي. قلت (١): لا يلزم من كونه إنشاءً صدق الرسول في كل ما يقول. بل من تصديقه إياه فيه ولزم الدور. وعلى الثَّاني: أن الكلام في أصول الفقه ليس في كلام النَّفس، وأيضًا كبرى الدليل غير بديهية في البرهان. وقالت المعتزلة: يدل عليه أن الكذب قبيح، وهو على الله تعالى محال.

стр. 538

والاعتراض: أنَّه لا خبر يخالف المخبر عنه في الظاهر، إلَّا ويصح بإضمار أو تغيير، ومثله لا يقبح من الله تعالى إذ أكثر العمومات كذلك. فإن قلتَ: حيث لم يرد الظاهر يجب بيانه احترازًا عن التلبيس والعبث. قلتُ: إنما يكون تلبيسًا لو لم يحتمل غير الظاهر، ولما تقرر (١) في العقول احتمال المطلق مثلًا للمقيد بقيد غير مذكور، كان قطع المكلف بالإطلاق تقصيرًا منه لا تلبيسًا من الله تعالى، كما في المتشابهات وإنما يكون عبثًا لو لم يكن (٢) له غرض غير الظاهر، وقد يكون غرضه غيره كما في المتشابهات. فإن قلتَ: إنزال المتشابهة مشروط بإقامة الدليل على امتناع ظاهر اللفظ. قلتُ: نعم لكن لا يشترط علم (٣) سامع المتشابهة بذلك الدليل، فكذلك ههنا قد يوجد (٤) دليل ولا يعلمه سامع الظاهر، فدل (٥) على امتناع إرادته، إذ لا يلزم من عدم العلم بالشيء العلم بعدمه. وحينئذ ارتفع الوثوق عن الظاهر، فالصحيح أنَّه يدل عليه أن الصادق أكمل من الكاذب قطعًا. فلو كذب الله لكان الواحد منا عند صدقه أكمل منه من هذا الوجه. جـ- صدوره من الرسول ﵇. قال الغزالي (٦): دليل صدقه المعجزة، إذ يمتنع ظهورها على يد الكاذب، وإلا عجز الله تعالى عن تصديق رسله، والاعتراض أن تصديق الرسل على ذلك التقدير إن

стр. 539

أمكن (١) لم يلزم، وإن لم يمكن لم يوصف الله بالعجز كما في خلق نفسه. وإن كان عجزًا، فامتناع إظهار المعجزة على يد الكاذب عجز. وأيضًا إذا كانت قدرته على تصديق الرسل فرع عدم قدرته على إظهار المعجزة على يد الكاذب، لم يصح الاستدلال بالأول على الثاني، ثم إظهار المعجزة لما كان ممكنًا في نفسه كان ممكنًا عند دعوى الكاذب، وإلا انقلب الممكن لذاته ممتنعًا. ثم المعجزة إنما تدل على صدقه فيما ادعاه (٢). فلم قلتَ: إنه ادعى صدقه في كل الأمور؟ ولقائل أن يقول (٣): نقيض كل لازم يستدل به على نقيض ملزومه مع الفرعية المذكورة، والممكن في نفسه قد يمتنع عند وجود غيره. د- صدوره من كل الأمة. هـ- صدوره من الجمع العظيم في الوجدانيات. و- صدور أخبار مختلفة من أهل التواتر يدل على صدق أحدها. ز- القرائن وهو مذهب إمام الحرمين والغزالي والنظَّام. احتج المنكر بوجوه: أ- القرائن قد تكذب كما إذا حضرت الجنازة وكفن المريض مع البكاء والصراخ، ثم تبيَّن أنَّه مسبوت (٤) أو مغمى عليه، أو أظهر ذلك لئلا يقتله السلطان. ب- لو جاز ذلك في خبر الواحد لجاز في المتواتر.

стр. 540

ب- ولا طرد كخبر التواتر. والجواب عن: أ- أن القدح في واحدٍ لا يقدح في كل واحد. ب- أن القرائن قد تفيد وغيرها قد يفيد كيف؟ والنظَّام يقول به في التواتر وتلك القرائن، العلم بأنه ما جمعهم جامع رغبةً أو رهبةً أو التباس. جـ- أن الاطراد في الخبر مع القرائن لازم كيف؟ وحصول العلم بالعادة وأنها قد تختلف في بعض الصور دون البعض. ح- ترك الرسول تكذيب المخبر عن أمر ديني لم يتقدمه بيان أمِنَا (١) تغيره، أو عن أمر دنيوي (٢) استشهد به وادعى علمه بالمخبر عنه، أو علم الحاضرون علمه (٣) به، ويدل عليه أن السكوت يوهم التصديق، وإيهام تصديق الكاذب لا يجوز وقيل سكوته تصديق مطلقًا. ط- قيل: سكوت جماعة عظيمة عن تكذيب الخبر (٤) يدل على صدقه، لامتناع السكوت مع عدم علمهم بكذبه، إذ يبعد أن لا يعلمه واحدٌ مع علمهم (٥) به لقيام الداعي، فإن من استُشْهِدَ على خبر يعلم كذبه وجد في الصبر عنه مشقة، وزوال الصارف، إذ لا يجمعهم رغبةً ولا رهبةً على كتمان (٦) المعلوم، ولهذا لا يجتمعون على كتمان الرخص والغلاء وهذا لا يفيد إلَّا الظن (٧) لما عرفت. ي- زعم أبو هاشم والكرخي وأبو عبد الله البصري: أن الإِجماع على موجب الخبر يدل على صدقه، وهو باطل إذ قد يعمل بالخبر المظنون، ولأن الإِجماع قد يكون لدليلٍ آخر.

стр. 541

احتجوا: بأن نعلم من عادتهم أنهم لا يجمعون لما لم يقطعوا بصحته. وجوابه: منع العادة إذ أجمعوا لخبر عبد الرحمن (١). يا- قال بعض الزيدية (٢): بقاء النقل مع توفر الدواعي على إبطاله يدل على صحته، كخبر الغدير (٣) والمنزلة (٤)، فإنه سلم نقلهما في زمان بني أمية وهو باطل، إذ الأحاد قد تشتهر بحيث يعجز العدو عن إخفائها، ولأن صوارف بني أمية عارضتها دواعي الشيعة كيف؛ والممنوع يشتد داعيه بالمنع. يب- قال كثير من الفقهاء والمتكلمين: تمسك بعض الأمة بالخبر وتأويل الباقي اتفاق على قبوله وصدقه وهو ضعيف. إذ خبر الواحد مقبول. فإن قلتَ: ذلك في العمليات والمسألة علمية (٥). قلتُ: مَن أوَّلَ طعن فيه بأنه من الآحاد كيف؟ وعدم الطعن لا يفيد الصحة.

стр. 542

" القسم الثاني من الخبر" ما يقطع بكذبه أ - ما علم عدم المخبر عنه ضرورةً أو نظرًا ومنه قول من لم يكذب قط "أنا كاذب " إذ المخبر عنه بكذبه ليس هذا الخبر، وإلا تأخر الشيء عن نفسه رتبة (١). بل ما قبله وهو صادق فيه فكذب في هذا. ولقائلٍ أن يقول (٢): لِم لا يجوز اتحاد الخبر والمخبر عنه بكذبه، فإن قول منَ لم يتكلم في يومٍ قط "أنا كاذب" في هذا اليوم خبر اتحد مع المخبر عنه بكذبه. ثم الغرض يأتي في الصدق أيضًا. نعم قوله: كل إخباراتي كاذبة كاذب، لأنه إن صدق خبرٌ منها كذب هذا وإلا كذب هذا أيضًا (٣). وإذا نقل عنه ﵇ خبر علم أنَّه غير مطابق، فإن احتمل تأويلًا قريبًا حمل عليه، وإلَّا قطع بكذب النقل أو بأنه كان معه ما يصح به ولم ينقل. ب - ما لم ينقل متواترًا مما لو وجد لتوفرت الدواعي على نقله متواترًا، لتعلق الدين به كأصول الشريعة، أو لغرابته كسقوط المؤذن من المنارة، أولهما

стр. 543

كالمعجزات وجوزت الشيعة في مثله أن لا يظهر لخوف وتقية. لنا: لو جاز هذا لجاز وجود بلدةٍ بين البصرة وبغداد أكبر منهما، ولم ينقل، وأن الواجب عشر صلوات والمنقول خمس. فإن قيل: العلم بعدم تلك البلدة إن توقف على تلك المقدمة (١) لم يكن ضروريًا. وإن لم يتوقف لم يلزم من عدم النقل العدم. ثم المثال لا يفيد الكلي والقياس عليه لا يفيد اليقين. ثم إنه منقوض بكيفية الإِقامة وهيئات الصلاة ومفردات المعجزات مع كونها أمورًا عظيمةً ظاهرة. ونقل القرآن لا يغني عن نقلها، لأن إعجازه نظري، فلا يقوم مقام الضروري، ولو جاز أن يكون اشتهاره لكونه دليلًا قاطعًا موجبًا، لفتور نقل غيره جاز أن يكون دلالة قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ (٢). الآية ودلالة خبر الغدير والمنزلة (٣) على إمامة علي موجهة لفتور نقل النص الجلي على إمامته، ومنقوض بقصص الأنبياء والملوك المتقدمين. والجواب عن: أ (٤): أنَّه متوقف عليها. فإن من سُئل عن كيفية علمه بها يقول: لو كانت لنقلت كبغداد. والمثال للتنبيه لا للاستدلال. وعن النقض الإقامة وهيئات الصلاة. أنَّه لعله لاختلاف فعل المؤذن في التثنية والإفراد، واختلاف فعله ﵇ في الجهر بالتسمية ورفع اليدين، أو لعلمهم بأن تركه لا يوجب كفرًا وبدعة تساهلوا في النقل واشتغالهم بالقتال أنساهم. ب: وعن المعجزات: أنها ربما لم يشاهدها عدد التواتر، وقصص المتقدمين لا يتعلق بها فرض أصلي في الدين، بخلاف النص الجلي في إمامة علي ﵁.

стр. 544

جـ- ما نقل بعد استقرار الأخبار، ثم فتش فلم يوجد في صدور الرواة وكتبهم. د- بعض ما روي عنه ﵇ آحادًا يقطع بكذبه إذ روي أنَّه قال: (سيكذب عليَّ). فهذا إن كذب فذاك (١) وإلا فغيره. ولأنه روي عنه ما لا يصح ولا يقبل التأويل. وقال شعبة (٢) نصف الحديث كذب.

стр. 545

" خاتمة" سبب الكذب من السلف ليس تعمدهم له، لنزاهتهم عنه بل تبديل لفظ بآخر يعتقده في معناه، أو نسيان ما يصح به الخبر، أو اعتقاد السامع أن حديث المتكلم حديث النبي ﷺ ، أو ترك ذكر (١) سببٍ للحديث يوهم تركه للخطأ (٢) كقوله ﵇: "التاجر فاجر" (٣) قالت عائشة: قال ﵇ في تاجر دلَّس أو اشتباه المحدث عن النبي ﷺ بالمحدث عن غيره، وسببه (٤) من الخلف تنفير العقلاء عنه ﵇، كما فعلت الملاحدة واعتقاد جواز الكذب لصلاح الأمة كمذهب الكرامية، من جواز وضع الأخبار على المذهب، إذ صح لترويج الحق واعتقاد أن كلام المتكلم كلام النبي ﵇ (٥). فإن الإمامية يسندون كل ما صح عندهم عن بعض أئمتهم إلى النبي ﵇ (٥). قالوا: لأن جعفر بن محمد (٦). قال: حديثي حديث أبي وحديث أبي

стр. 546

حديث جدي وحديث جدي حديث رسول الله ﷺ ، فلا حرج عليكم إذا سمعتم مني حديثًا أن تقولوا: قال رسول الله ﷺ . والترغيب كما وضعت في مبدأ دولة بني العباس أخبارٌ في النص على إمامة العباس (١) وولده. واعلم أن الأصل عندنا في الصحابة العدالة. لقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣) وقوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ﴾ (٤). وقوله ﵇: "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" (٥) وقوله ﵇: "لو أنفق غيرهم ملء الأرض ذهبًا ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نُصيفه" (٦) وقوله ﵇: "خير الناس قرني" (٧). وبالغ إبراهيم النظَّام في الطعن فيهم بتكذيب بعضهم بعضًا،

стр. 547

وقدح الخوارج فيهم بمثله، وبقبولهم (١) خبر الواحد على خلاف الكتاب، وعملهم (٢) به وبأنهم لم يكتبوا ما سمعوا ولم يدرسوه. ثم أنهم نقلوه بعد تطاول الزمان ومثله يقطع بأنه ليس عين (٣) ما سمع. والجواب عن المطاعن، أنها مروية بالآحاد فلا تعارض الكتاب، وعن قبولهم خبر الواحد ما سبق من جواز تخصيص الكتاب به (٤). وعن الأخير: أن ظاهر حال الراوي يورث ظن أنَّه كلام الرسول والظن حجة.

стр. 548

" القسم الثالث " ما لا يقطع بصدقه وكذبه وهو حجة في الأمور الدنيويَّة كالفتوى والشهادة وفاقًا. وكذا في الشرعية عندنا ودل عليه السمع. وقال القفال وابن سريج منا وأبو الحسين من المعتزلة: دل عليه العقل أيضًا. وقال الباقون منا وأبو جعفر الطوسي (١) من الإِمامية وأبو علي وأبو هاشم والقاضي عبد الجبار من المعتزلة لم يدل (٢) عليه العقل. وقيل: ليس بحجة إذ لم يوجد ما يدل عليه. وقيل: منع منه السمع. وقيل: العقل. لنا وجوه: الأول- قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ

стр. 549

لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ (١). الآية. أوجب الحذر بإنذار الطائفة، لأن "لعل" للترجي وهو على الله محال فيحمل على الطلب لأنه لازم له. والطلب من الله أمر فيقتضي وجوب الحذر. أو نقول قوله: "لعلهم يحذرون" يقتضي حسن الحذر أو إمكانه. والحذر هو التوقي من المضرة. والفعل الَّذي منع منه الخبر قد لا يضر في الدنيا، فيحمل على المضرة في الآخرة وهي العقاب، والإنذار إخبار مخوف. والطائفة دون الثلاثة وكل ثلاثة فرقة. لأنها "فِعْلَة" من فرق، فكل ما فرق فهو فرقة، يقال: فرق الخشبةَ إذا شقها، لكن (٢) المراد من الآية الثلاثة ليمكن خروج الطائفة منها. فإذا روى الراوي ما يقتضي المنع من فعل وجب تركه، وإذا وجب العمل بخبر الواحد أو الإِثنين ههنا وجب مطلقًا، إذ لا قائل بالفرق. فإن قيل: المراد من الإنذار الفتوى لقوله: "وليتفقهوا" والحمل عليه وإن خصص لفظ القوم (٣) بغير المجتهد، فالحمل على الرواية تخصصه بالمجتهد. كيف؟ وتخصيصنا أولى (٤) إذ المجتهد أقل من غيره. ولو حمل على المشترك بينهما كفى في العمل به ثبوته في صورة وهي الفتوى. ثم لو كان كل ثلاثةٍ فرقة لكانت الشافعية فرقًا، ولوجب على كل ثلاثةٍ أن يخرج منها طائفة للآية (٥). ثم المراد ليس كل طائفةٍ إذ ضمير الجمع لا يصلح للواحد والإثنين بل مجموع طوائف، فلعلهم عدد التواتر ثم وجوب الترك قد لا يكون للعمل بالخبر بل للاحتياط إلى حصول الفتوى أو الاجتهاد.

стр. 550

والجواب عن: أ (١) - أن الخبر قد يروى لغير المجتهد، ليزجره عن الفعل ويدعوه إلى الاستفتاء أو البحث عن معناه. ولو حمل على المشترك كان وجوب الحذر مرتبًا على مسمى الإنذار، فكان علة (٢) له فلزم عموم الحكم لعموم علته. وأيضًا الأمر بقبول الفتوى إن وجد قبل ورود الآية حمل الإنذار على الرواية دفعًا للتكرار، وإلَّا حمل عليهما دفعًا للإِجمال. ب- أن الشافعية فرقةٌ واحدة بحسب المذهب وفرق بحسب الأشخاص، وقد ترك العمل بالآية في وجوب خروج الطائفة من كل فرقةٍ فعمل بها في الباقي. جـ- أنَّه إنما يقال: رجع إلى القوم إذا كان فيهم أولًا. وضمير الجمع لا يضر، لأنه قابل الكل بالكل فتوزع البعض على البعض. د- أن العامي إنما يجوز له الفعل إذا علم جوازه بالفتوى، وذلك يغنيه عن الاستفتاء ثانيًا وخبر الواحد لو لم يكن دليلًا، لم يجب على المجتهد التوقف لأجله. أ (٣) - الوجه الثاني: قوله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (٤) أمر بالتبيُّن وعلل بمجيء الفاسق بالخبر إذ ترتيب الحكم على الوصف المناسب يشعر بعليته، ولو كان كون الخبر خبر واحدٍ مانعًا من القبول، لما علل به إذ علية الوصف اللازم تمنع عليَّة العرضي. ب- إنه علق الأمر بالتبيُّن بمجيء الفاسق بالخبر والمعلق بالشرط عدمٌ عند عدم الشرط، وعدم التبين بالرد باطل إجماعًا فهو بالقبول.

стр. 551

الوجه الثالث (١): روي بالتواتر أنَّه ﵇ كان يبعث رسله إلى القبائل آحادًا ليعلمهم (٢) الأحكام، قال أبو الحسين: كان ذلك للفتوى اذ العوام فيها أكثر. الوجه الرابع (٣): أن بعض الصحابة عمل به لما روى بالتواتر، أن يوم السقيفة لما احتج أبو بكر ﵁ على الأنصار بقوله ﵇: "الأئمة من قريش" (٤) مع أنَّه مخصوص بقوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (٥) قبلوه من غير (٦) إنكارٍ عليه، ولأنهم عملوا على وفق خبر الواحد إذ رجعوا إلى خبر الصديق في قوله: (الأنبياء يدفنون حيث يموتون) (٧) وقوله ﵇: "الأئمة من قريش". وقوله ﵇: "نحن معاشر الأنبياء لا نورث" (٨). وإلى كتابه في نصب الزكاة. ورجع هو في توريث الجدة إلى خبر المغيرة (٩). وقضى بقضيةٍ ثم أخبره بلال (١٠) أنَّه ﵇ قضى فيها بخلافه فنقضه.

стр. 552

ورجع عمر عن تفصيل الأصابع في الدية بكتاب عمرو بن حزم (١) أنَّه في كل أصبعٍ عشرة، وقال لما سمع قول حمل (٢) بن مالك (٣)، أنَّه ﵇ قضى في الجنين بغرة: لو لم نسمع هذا لقضينا فيه بغيره، ورجع إلى توريث المرأة من دية زوجها بقول الضحاك (٤): إنه ﵇ كتب إليه أن يورث امرأة أشيم (٥) الضبابي (٦) من دية زوجها. وفزع في أمر المجوس إلى

стр. 553

خبر عبد الرحمن بن عوف (١)، وأخذ عثمان برواية فريعة بنت مالك (٢) حين قالت: جئت إلى رسول الله ﷺ أستأذنه بعد وفاة زوجي في موضع العدة. فقال: "امكثي في بيتك حتَّى (٣) تنقضي عدتك" (٤). ولم ينكر الخروجِ للاستفتاء في أن المتوفى عنها زوجها تعتد في منزل الزوج، ولا تخرج ليلًا وتخرج نهارًا إذا لم تجد من يقوم بها. وعلي قبل رواية المقداد بن الأسود (٥) في حكم المذي (٦). ورجع الجمهور إلى قول عائشة في وجوب الغسل بالتقاء الختانين (٧). وفي الربا إلى خبر أبي سعيد (٨). وقال ابن عمر: كنا نخابر أربعين سنة ولا نرى به بأسًا حتَّى روى لنا

стр. 554

رافع بن خديج (١) نهيه ﵇ عن المخابرة (٢). وقال أنسِ: (كنت أسقي أبا عبيدة (٣) وأبا طلحة (٤) وأبي بن كعب (٥) شرابًا إذا بلال أذَّن فقال: حُرمت الخمر فقال أبو طلحة: قم يا أنس إلى هذه الجرار فاكسرها فقمتُ فكسرتها) (٦).

стр. 555

وقبل أهلُ قباء في التحويل خبر الواحد (١) ولا حصر لأمثال هذه فصار المشترك بين الكل متواترًا. وإنما عملوا على وفق الأخبار بها إذ لو عملوا بغيرها، لوجب إظهاره إذ العادة تمنع من إخفاء ما يزيل اللبس فيما اشتد اهتمام الناس فيه، والدين أيضًا يمنع منه لإِيهام ذلك العمل بتلك الأخبار وعدم جواز إيهام الباطل كيف؟ وقد صرح في بعض ما روينا بالعمل بخبر الواحد فثبت أن بعضهم عمل به ولم ينكر أحد. فكان إجماعًا لما نثبته (٢) في القياس. فإن قيل: منع المرتضى دعوى الضرورة لإنكار المخالف العلم والظن بالعمل المذكور والاستدلال ضعيف، إذ الروايات المذكورة لم تبلغ حد التواتر. ثم العمل لعله بدليل آخر والاحتمال يقدح في المسألة القطعيَّة. ثم لا نسلم عدم الإنكار فقد توقف ﵇ في قول ذي اليدين (٣)، حتَّى شهد له أبو بكر (٤) وعمر ورد أبو بكر خبر المغيرة (٥) حتَّى أخبره به محمد بن مسلمة (٦) (٧). ورد أبو بكر وعمر خبر عثمان فيما رواه من إذنه ﵇ في

стр. 556

رد الحكم (١) بن أبي العاص (٢) حتَّى طالباه بمن شهد معه، ورد عمر (٣) خبر أبي موسى الأشعري (٤) حتَّى شهد له أبو سعيد الخدري (٥). وردَّ عمر خبر

стр. 557

فاطمة بنت قيس (١) وردَّ علي خبر أبي (٢) سنان الأشجعي (٣) في قصة بروع (٤) بنت واشق (٥) وكان يحلف الرواة، وردت عائشة خبر ابن عمر في تعذيب (٦) الميت ببكاء أهله عليه (٧)، ومنع عمر أبا هريرة من الرواية ثم السكوت يحتمل غير الرضا لما سبق. سلمنا إجماعهم على قبول نوع، لكن جاز في كل خبر أن لا يكون منه. ولو علم لم يلزم من جواز عمل الصحابة به جواز عملنا (٨) به فإنهم شاهدوا الرسول والرواة وعرفوا أحوالهم، فظنهم بصدق الخبر أقوى. فإن قلت: من قبل نوعًا في وقت قبل الكل في كل (٩) وقت. قلت: هذا لا يعلم في زماننا لتفرق المسلمين شرقًا وغربًا.

стр. 558

والجواب عن: أ (١) - أن المخالف (٢) لا ينكر العلم، إذ النظَّام يسلم إجماع الصحابة لكنه قال ليس بحجة، وكذا (٣) شيوخ المعتزلة والإِخباريون من الإمامية، مع أن كثرة الشيعة منهم يعولون في أصولهم وفروعهم على أخبار (٤) مرويَّة عن أئمتهم، وأما الأصوليون منهم فأبو جعفر الطوسي موافق لنا، فلم يبق منكر لهذا العلم إلَّا المرتضى وقليل من أتباعه، ولا يبعد مكابرة جمع قليل للضروريات. ب- أن العادة والدين يوجبان القطع بإظهار ما يزيل اللبس عند شدة الاهتمام. جـ- أنهم وإن ردوا خبر الواحد، فقد قبلوا خبر الإثنين والثلاثة. ثم التوفيق أن قبول خبر الواحد مشروط بشرائط، فيحمل القبول على صور (٥) وجودها والعدم على صور عدمها. الوجه الخامس (٦): القياس على الفتوى والشهادة بجامع تحصيل المصلحة أو دفع المفسدة المظنونتين وبل أولى، إذ الفتوى تحتاج إلى الرواية ولا ينعكس. فإن قيل (٧): القياس لا يفيد اليقين. ثم قبول خبر الواحد يوجب شرعًا

стр. 559

عامًا دونهما، وهما ضروريان لتميز الحق عن الباطل، وامتناع تكليف كل واحدٍ بالاجتهاد دونه لإمكان الرجوع إلى البراءة الأصلية. والجواب (١) عن: أ- أنا ندعي الظن. ب- أن شرع أصل الفتوى شرع عام. جـ- أن البراءة الأصلية مشتركة. الوجه السادس (٢): أن العمل به يدفع الضرر المظنون إذ رواية العدل الأمر بالفعل يوجب ظن العقاب بتقدير الترك، فوجب العمل به لما سيأتي في القياس. احتج: المعوِّل على العقل، بأنه لو جاز أن يرتب الله تعالى إيجاب العمل بالظن على الرواية، لجاز أن يرتبه على دعوى النبوة. وبقياس الفروع على الأصول كمعرفة الله تعالى. وبأن الشرعيات مصالح ولا (٣) يعول فيها على الظن لئلا يلزم الإِذن (٤) في فعل ما لا يجوز، ولا يقال فعل المظنون مصلحة، لأن الظن لا يُصيِّر ما ليس بمصلحةٍ مصلحةً، والا لجاز أن ياذن الله تعالى في الحكم مهما ظن بلا دليل وإمارة. واحتج المعوِّلون (٥) على النقل بما سيأتي بجوابه في القياس.

стр. 560

والجواب (١): النقض بالفتوى والشهادة والأمور الدنيويَّة إذ لا يجوز تناول طعام أخبره من يظن صدقه أنَّه مسموم، وبعمل أهل العلم بالظن في الأغذية والأشربة والعلاجات والأرباح كيف؟ وهم مطالبون بالجامع اليقيني وانتفاء اللازم يقينًا.

стр. 561

" الفصل الثالث " في شرط العمل به وهو إما في المخبر أو المخبر عنه أو الخبر " الأول " في المخبر ويجب ترجح صدقه على كذبه، وذلك لاجتماع أمور خمسة: الأول: الضبط: فالمختل والمجنون والصبي غير المميز لا يضبط (١)، فلو قدر العاقل على ضبط القصير (٢) دون الطويل قبل منه ما يقدر على ضبطه. الثاني: التكليف: فلا يقبل رواية الصبي المميز كالفاسق، وبل أولى إذ الفاسق يخاف الله تعالى، ولأن الظن لا يحصل بقوله فلم يجز العمل به كالخبر في الأمور الدنيويَّة. ولأنه يعلم أنَّه غير مكلف فلا يحترز عن الكذب، وإنما يعتمد على قوله في (٣) كونه متطهرًا حتَّى يجوز الاقتداء به، لأنه لا تتوقف صحة صلاة المأموم على صحة صلاة الإِمام. نعم، لو تحمل وهو صبي ثم روى وهو بالغ قبلت لوجوه:

стр. 562

أ- قبلت الصحابة رواية ابن عباس (١) وابن الزبير (٢) ونعمان بن البشير (٣)، ولم يفرقوا بين ما تحملوه قبل البلوغ أو بعده. ب- أجمع الكل على إحضار الصبيان مجالس الرواة. جـ- روايته في الكبر تدل على ضبطه في الصغر. د- القياس على الشهادة. الثالث: الإسلام: فلا تقبل رواية كافرٍ ليس من أهل القبلة وفاقًا. ومن هو من أهلها كالمجسم إذا كفرناه إذا كان مذهبه جواز الكذب لم تقبل روايته، وإلا قبلت وهو مذهب أبي الحسين البصري خلافًا للقاضيين أبي بكرٍ وعبد الجبار. لنا: أن اعتقاده بحرمة الكذب يزجره عنه فيحصل ظن صدقه. واحتج أبو الحسين بأن كثيرًا من المحدثين قبلوا خبر الحسن وقتادة (٤) وعمرو (٥) بن عبيد مع علمهم بمذهبهم وتكفير الصائر إليه.

стр. 563

احتجوا: أ- بقوله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (١). ب- القياس على من ليس من أهل القبلة بجامع المنع من تنفيذ قول الكافر على المسلم ومن إكرام المستحق للإذلال (٢)، وجهله بكفره لا يعذره لأنه ضمَّ جهلًا إلى كفرٍ. والجواب عن: أ- أن الفاسق في عرف الشرع هو المسلم المقدم على الكبيرة. ب- أن ذلك الكفر أغلظ. والشرع فرق بينهما في أمور كثيرة. الرابع (٣): رجحان الذكر على السهو والنسيان إذ العدالة لا تمنع الكذب سهوًا أو نسيانًا. الخامس: العدالة: (وهي هيئة راسخة في النفس تحمل على ملازمة التقوى والمروءة). فكل ما لا يؤمن معه الجرأة على الكذب من كبيرة أو صغيرة كسرقة باقة بقل أو مباح، يقدح في المروءة كالأكل في الطريق ترد به الرواية وما لا فلا. فالمقدم على فسق يعلم كونه فسقًا لا تقبل روايته وفاقًا، ومن لا يعلم كونه فسقًا قبلت روايته إن كان كونه فسقًا مظنونًا. قال الشافعي: أقبل شهادة الحنفي وأحده إذا شرب النبيذ، وكذا إن كان مقطوعًا (٤) به خلافًا للقاضي أبي

стр. 564

بكر. قال الشافعي: أقبل شهادة (١) أهل الأهواء إلَّا الخطابية (٢) من الرافضة، لأنهم يرون الشهادة بالزور لموافقيهم. لنا: أن المقتضي لصدقه موجود والمعارض معدوم. احتج: بأن منصب الرواية لا يليق بالفاسق، وجهله بفسقه ضمُّ جهلٍ إلى فسقٍ فهو أولى بالمنع. والجواب: أن العلم بكونه فسقًا يدل على اجترائه على المعصية، والمخالف الَّذي لا نكفره إن ظهر عناده لم تقبل روايته، إذ العناد كذب مع العلم بكونه كذبًا. ولا تقبل رواية المجهول خلافًا لأبي حنيفة وأصحابه. لنا وجوه (٣): أ - أن النافي للعمل بخبر الواحد موجود لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ (٤) ولأن عدم الفسق شرط للقبول بالآية. والجهل بالشرط يوجب الجهل بالمشروط ترك العمل به في ظاهر العدالة، إذ الظن ثَمَّ (٥) أقوى. ب- القياس على اشتراط ظن (٦) عدم الصبي والرق والكفر وكونه محدودًا في القذف في الشهادة، بجامع دفع المفسدة المحتملة.

стр. 565

جـ- رد عمر خبر فاطمة بنت قيس وقال: (كيف نقبل خبر امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت) (١)؟. ورد على قول الأشجعي في المفوضة (٢). وكان يحلف الراوي ولم ينكر أحد عليهما فكان إجماعًا. احتجوا بوجوه (٣): أ- القياس على قبول قول المسلم في ذكاة اللحم وطهارة الماء ورق الجارية المبيعة وعدم كونها مزوجة ومعتدة، وكونه متوضئًا إذا أمَّ وإخباره للأعمى عن القبلة. ب- قبلت الصحابة قول العبيد والنسوان بمجرد علمهم بإسلامهم. جـ- قبل ﵇ شهادة الأعرابي على رؤية الهلال مع أنَّه لم يظهر منه إلَّا الإِسلام (٤). د- آية التبين (٥): إذ المعلق بالشرط عدم عند عدمه. والجواب عن: أ - أن منصب الرواية أعلى، فإن ألغوا هذا الفرق بإيماء قوله ﵇:
следующие страницы →