" الفصل الثالث " في شرط العمل به وهو إما في المخبر أو المخبر عنه أو الخبر
" الأول " في المخبر
ويجب ترجح صدقه على كذبه، وذلك لاجتماع أمور خمسة:
الأول: الضبط: فالمختل والمجنون والصبي غير المميز لا يضبط (١)، فلو قدر العاقل على ضبط القصير (٢) دون الطويل قبل منه ما يقدر على ضبطه.
الثاني: التكليف: فلا يقبل رواية الصبي المميز كالفاسق، وبل أولى إذ الفاسق يخاف الله تعالى، ولأن الظن لا يحصل بقوله فلم يجز العمل به كالخبر في الأمور الدنيويَّة. ولأنه يعلم أنَّه غير مكلف فلا يحترز عن الكذب، وإنما يعتمد على قوله في (٣) كونه متطهرًا حتَّى يجوز الاقتداء به، لأنه لا تتوقف صحة صلاة المأموم على صحة صلاة الإِمام.
نعم، لو تحمل وهو صبي ثم روى وهو بالغ قبلت لوجوه:
стр. 562
أ- قبلت الصحابة رواية ابن عباس (١) وابن الزبير (٢) ونعمان بن البشير (٣)، ولم يفرقوا بين ما تحملوه قبل البلوغ أو بعده.
ب- أجمع الكل على إحضار الصبيان مجالس الرواة.
جـ- روايته في الكبر تدل على ضبطه في الصغر.
د- القياس على الشهادة.
الثالث: الإسلام: فلا تقبل رواية كافرٍ ليس من أهل القبلة وفاقًا. ومن هو من أهلها كالمجسم إذا كفرناه إذا كان مذهبه جواز الكذب لم تقبل روايته، وإلا قبلت وهو مذهب أبي الحسين البصري خلافًا للقاضيين أبي بكرٍ وعبد الجبار.
لنا: أن اعتقاده بحرمة الكذب يزجره عنه فيحصل ظن صدقه.
واحتج أبو الحسين بأن كثيرًا من المحدثين قبلوا خبر الحسن وقتادة (٤) وعمرو (٥) بن عبيد مع علمهم بمذهبهم وتكفير الصائر إليه.
стр. 563
احتجوا:
أ- بقوله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (١).
ب- القياس على من ليس من أهل القبلة بجامع المنع من تنفيذ قول الكافر على المسلم ومن إكرام المستحق للإذلال (٢)، وجهله بكفره لا يعذره لأنه ضمَّ جهلًا إلى كفرٍ.
والجواب عن:
أ- أن الفاسق في عرف الشرع هو المسلم المقدم على الكبيرة.
ب- أن ذلك الكفر أغلظ. والشرع فرق بينهما في أمور كثيرة.
الرابع (٣): رجحان الذكر على السهو والنسيان إذ العدالة لا تمنع الكذب سهوًا أو نسيانًا.
الخامس: العدالة: (وهي هيئة راسخة في النفس تحمل على ملازمة التقوى والمروءة). فكل ما لا يؤمن معه الجرأة على الكذب من كبيرة أو صغيرة كسرقة باقة بقل أو مباح، يقدح في المروءة كالأكل في الطريق ترد به الرواية وما لا فلا. فالمقدم على فسق يعلم كونه فسقًا لا تقبل روايته وفاقًا، ومن لا يعلم كونه فسقًا قبلت روايته إن كان كونه فسقًا مظنونًا. قال الشافعي: أقبل شهادة الحنفي وأحده إذا شرب النبيذ، وكذا إن كان مقطوعًا (٤) به خلافًا للقاضي أبي
стр. 564
بكر. قال الشافعي: أقبل شهادة (١) أهل الأهواء إلَّا الخطابية (٢) من الرافضة، لأنهم يرون الشهادة بالزور لموافقيهم.
لنا: أن المقتضي لصدقه موجود والمعارض معدوم.
احتج: بأن منصب الرواية لا يليق بالفاسق، وجهله بفسقه ضمُّ جهلٍ إلى فسقٍ فهو أولى بالمنع.
والجواب: أن العلم بكونه فسقًا يدل على اجترائه على المعصية، والمخالف الَّذي لا نكفره إن ظهر عناده لم تقبل روايته، إذ العناد كذب مع العلم بكونه كذبًا.
ولا تقبل رواية المجهول خلافًا لأبي حنيفة وأصحابه.
لنا وجوه (٣):
أ - أن النافي للعمل بخبر الواحد موجود لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ (٤) ولأن عدم الفسق شرط للقبول بالآية. والجهل بالشرط يوجب الجهل بالمشروط ترك العمل به في ظاهر العدالة، إذ الظن ثَمَّ (٥) أقوى.
ب- القياس على اشتراط ظن (٦) عدم الصبي والرق والكفر وكونه محدودًا في القذف في الشهادة، بجامع دفع المفسدة المحتملة.
стр. 565
جـ- رد عمر خبر فاطمة بنت قيس وقال: (كيف نقبل خبر امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت) (١)؟.
ورد على قول الأشجعي في المفوضة (٢). وكان يحلف الراوي ولم ينكر أحد عليهما فكان إجماعًا.
احتجوا بوجوه (٣):
أ- القياس على قبول قول المسلم في ذكاة اللحم وطهارة الماء ورق الجارية المبيعة وعدم كونها مزوجة ومعتدة، وكونه متوضئًا إذا أمَّ وإخباره للأعمى عن القبلة.
ب- قبلت الصحابة قول العبيد والنسوان بمجرد علمهم بإسلامهم.
جـ- قبل ﵇ شهادة الأعرابي على رؤية الهلال مع أنَّه لم يظهر منه إلَّا الإِسلام (٤).
د- آية التبين (٥): إذ المعلق بالشرط عدم عند عدمه.
والجواب عن:
أ - أن منصب الرواية أعلى، فإن ألغوا هذا الفرق بإيماء قوله ﵇:
стр. 566
(نحن نحكم بالظاهر) (١). قلنا: ترك العمل (٢) به في الحرية والإِسلام فكذا ههنا.
ب، جـ- منع عدم علمهم بغير الإِسلام.
د - أنَّه لما وجب التوقف عند الفسق وجب معرفته ليعرف وجوب التوقف.
(تذنيب: في أحكام الجرح والتعديل)
أ - الأظهر أنَّه يشترط العدد في الجارح والمزكي للشهادة دون الرواية، إذ شرط الشيء لا يزيد عليه، فالإحصان يثبت (٣) بقول اثنين دون الزنا، وقال بعض المحدثين يشترط فيهما. وقال القاضي: لا يشترط فيهما وكذا القول في الحرية والذكورة.
ب - قال الشافعي: يجب ذكر سبب الجرح لاختلاف المذاهب فيه دون التعديل وقيل بالعكس. إذ مطلق الجرح يبطل الثقة ومطلق التعديل لا يحصلها وقيل يجب (٤) فيهما. وقال القاضي أبو بكر لا يجب فيهما، لأنه لا معنى لسؤال البصير بهذا الشأن وغير البصير لا يصلح للتزكية (٥).
والحق أنَّه لا يجب فيهما إن علم كونه (٦) عالمًا بأسباب الجرح والتعديل، وإلا وجب فيهما.
جـ-الجرح يقدم على التعديل، لاطلاع الجارح على زيادة لم ينفها المعدل، فلو نفاها بطلت عدالته إذ النفي لا يعلم. نعم: لو جرح بقتل مسلم فقال: رأيته حيًا تعارضا.
стр. 567
وقيل: إذا زاد عدد (١) المعدل قُدَّم وهو ضعيف، إذ سبب تقديم الجرح لا ينتفي بكثرة العدد.
د- الحكم بشهادته تعديل، واختلفوا في الرواية عنه، والحق أنها تعديل إن عرف من عادته أو صريح قوله: إنه لا يروى إلَّا عن عدل وإلا فلا، إذ كثير منهم يروي عمن لو سئل عنه لسكت، وليس يوجب العمل على غيره بل ينقل ويكل البحث عن العدالة إلى من يريد القبول. والعمل بالخبر تعديل والعمل على وفقه احتياطًا أو لأمرٍ آخر (٢) لا. وترك الحكم بشهادته ليس بجرح، إذ يشترط في الشهادة ما لا يشترط في الرواية.
خاتمة: مهما علم أنَّه قرأه على شيخه أو حدثه به جاز له روايته والأخذ به تَذَكَّر ألفاظ (٣) قراءته ووقته أو (٤) لا.
وإن لم يعلم ذلك ولا يظنه فلا. وإن ظنه بناء على خطه جاز عند الشافعي وأبي يوسف ومحمد خلافًا لأبي حنيفة لإجماع الصحابة إذ كانت تعتمد على كتب رسول الله ﷺ . وإن لم تعلم رواية راوٍ لها، ولأن الظن حاصل فوجب العمل به.
احتج بأنه لا يؤمن كذبه. وجوابه: أن الظن كافٍ.
واعلم أن من الناس من اعتبر في قبول الرواية أمورًا لا تعتبر.
أ - قال الجبائي لا يقبل خبر الواحد ما لم يعضده ظاهر أو عمل به بعض الصحابة أو اجتهاد أو انتشار، ويقبل خبر الإثنين وعن القاضي عبد الجبار أنَّه لا يقبل في الزنا إِلَّا خبر أربعة.
لنا: إجماع الصحابة: عمل أبو بكر على خبر بلال (٥)، وعمر
стр. 568
وعلي (١) على خبر حمل بن مالك (٢) وخبر عبد الرحمن بن عوف (٣).
وعلي على خبر المقداد (٤) والصحابة على خبر أبي سعيد في الربا؟ (٥)، وعلى خبر رافع بن خديج في المخابرة (٦)، وخبر عائشة في التقاء الختانين (٧)، وكان علي يقبل خبر أبي بكر ﵄. وتركوا اجتهادهم لهذه الأخبار، وأما ردهم خبر الواحد كما تقدم فمحمول على التهمة.
ب- المعقول المتقدم.
احتجوا (٨) بوجوه:
أ - رد ﵇ خبر ذي اليدين (٩) حتَّى شهد له أبو بكر وعمر.
ب- القياس على الشهادة.
ب- قوله تعالى: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ (١٠) ترك في الإِثنين لزيادة الظن.
والجواب عن:
أ - أنَّه كان في محفلٍ عظيم، فانفراده (١١) أوجب تهمته.
ب- الفرق (١٢) والنقض.
стр. 569
جـ- أنا لما علمنا أنَّه تعالى أمرنا بالتمسك بخبر الواحد، كان التمسك معلومًا.
ب (١) - زعم (٢) أكثر الحنفية أن راوي الأصل إذا لم يقبل الحديث قدح في رواية الفرع والمختار أن الفرع إن جزم بالرواية فإن جزم الأصل بعدمها لم يُقبل وإلَّا قُبل. وإن قال الفرع أظن الرواية فإن عارضه جزم الأصل أو ظنه بعدمها لم يقبل وإلا قبل.
احتجوا: بما (٣) مضى بجوابه.
جـ- قال أبو حنيفة: لا تقبل رواية غير الفقيه فيما يخالف القياس.
لنا: آية التبين (٤): وقوله ﵇: "نضَّر الله امرءًا سمع مقالتي إلى قوله: فرب حامل فقهٍ ليس بفقيه" (٥). والمعقول المتقدم.
احتجوا (٦) بوجوه:
أ- ما مضى بجوابه (٧).
ب- الأصل صدق الخبر وعدم وروده على خلاف القياس، فإذا تعارضا تساقطا.
جـ (٨) - غير الفقيه لا يفرق بين لام الاستغراق والعهد.
стр. 570
والجواب: أن في التعارض تسليم صحة الخبر، وذلك الفرق لا يتوقف على الفقه، بل على مجرد الفطنة (١) على أنَّه منقوضٌ بخبر التواتر.
د- المتساهل في غير حديث الرسول المحتاط جدًا في حديثه تقبل روايته على الأظهر.
هـ- تقبل رواية من لم يعلم معنى الخبر إذ الحجة في لفظه، ولا تعتبر الحرية والذكورة والبصر وفاقًا.
ولا تقبل رواية من أكثر الرواية مع قلة مخالطة المحدثين إذا لم يمكن تحصيل ذلك القدر في ذلك الزمان، وتقبل رواية من لم يعرف نسبه ومن له إسمان بأحدهما أشهر، وإن تساويا وهو بأحدهما مجروح وبالآخر معدل فلا.
стр. 571
" القسم الثاني" في المخبر عنه
وشرطه أن لا يعارضه قاطع عقلي، فإن وجد وأمكن تأويل خبر الواحد أُوَّل وإلَّا رُدَّ، ولا قاطع سمعي من كتاب وسنة متواترة وإجماع، فإن الثلاثة أقوى متنًا من خبر الواحد والأقوى راجح وفاقًا.
وأمَّا تخصيص الكتاب والسنة المتواترة بخبر الواحد فقد تقدم.
" خبر الواحد فيما يخالف القياس "
وإن (١) عارضه قياس فإن ثبت أصله (٢) به ترجح عليه، وإلا فإن علم حكم (٣) أصل القياس وكونه معللًا بوصف ووجوده في الفرع ترجح القياس، وإن ظن الكل ترجح الخبر (٤)، إذ الظن فيه أقل وإن علم البعض، ومنه ما يعلم الحكم ويظن الباقيان، فالشافعي يرجح الخبر، ومالك القياس وعيسى ابن أبان يرجح خبر الراوي العالم الضابط، وفي غيره يوجب الاجتهاد، وأبو
стр. 572
الحسين البصري يوجب الاجتهاد مطلقًا في ترجيح إمارة القياس أو العدالة ومنهم من توقف فيه.
لنا: ترك الصحابة الاجتهاد لخبر الواحد لما تقدم وأما قول ابن عباس ما نصنع بمهراسنا؟ لمَّا سمع عن أبي هريرة قوله ﷺ : "إذا استيقظ أحدكم من منامه" (١). فليس برَدٍ بل وصفٌ للعمل بموجبه بالمشقة لعظم المهراس، ولو سلمنا أنَّه ترك الخبر لكن إنما ترك، لأنه لا يمكن قلب المهراس وذلك ليس قياسًا مظنونًا، وليس (٢) في الأصول ما يقتضي القياس عليه غسل اليد من إناء آخر، ليكون رد الخبر من أجله.
ب- خبر معاذ (٣).
جـ- الظن في الخبر أقل إذ التمسك به يتوقف على ثبوته ودلالته ووجوب العمل به، والأول (٤) ظني والباقيان علميان والتمسك بالقياس يتوقف على ثبوت حكم الأصل، وكونه معللًا بعلة وحصولها في الفرع وعدم المانع (٥) منه عند من يجوِّز تخصيص العلة ووجوب العمل به. والأول والأخير علميان والبواقي ظنية.
فإن قلت: قد تكون أمارة الظني في القياس أقوى من أمارة الظني في الخبر، بحيث تتعادل الكمية والكيفية، فوجب الترجيح بالاجتهاد. قلت الدليلان الأولان (٦) منعا من هذا الممكن.
أما إذا اقتضى القياس تخصيص الخبر خصص به، وإن اقتضى الخبر
стр. 573
تخصيص القياس، فإن لم يجز تخصيص العلة فهو كالتعارض وإلا فكالقسم الثاني.
وأما إذا عمل ﵇ بخلاف الخبر. فإن لم يوجد ما يدل على مساواة (١) حكمنا له فيه. أو وجد وأمكن تخصيص (٢) أحدهما بالآخر فعل ولم يرد الخبر، وإلا فإن كان أحدهما متواترًا ترجح وإلَّا طلب ترجيح آخر. ولا يرد بعمل أكثر الأئمة بخلافه، إذ الحجة فعل كل الأمة والحفاظ إذا خالفوا الراوي في بعض ما روى قبل ما لم يخالفوه فيه وفاقًا. والأولى أن لا يقبل ما خالفوه فيه. إذ الظاهر أنهم حفظوا وسها إذ السهو على الواحد أجوز.
ومهما تكاملت شروط صحة خبر الواحد، قال الشافعي لا يجب عرضه على الكتاب، إذ لا يتكامل شروطه إلَّا وهو غير مخالف للكتاب. وقال عيسى ابن أبان؛ يجب لقوله ﵇: "إذا روي لكم عني حديث فاعرضوه على كتاب الله فإن وافق فاقبلوه وإلا فردوه" (٣) ثم إن علم أن خبر الواحد غير مقارن للكتاب لم يقبل، إذ لا يجوز نسخ الكتاب بخبر الواحد، وإن (٤) شك
فيه قال القاضي عبد الجبار يقبل لرفع الصحابة بعض أحكام القرآن بأخبار الآحاد من غير سؤال عن المقارنة.
وإذا خالف الراوي روايته. قال الكرخي: ظاهر الخبر أولى. وقال بعض الحنفية راوي العام إذا خصه رُجع إليه، لأنه أعرف بمقاصده ﵇ لذلك حملوا خبر أبي هريرة في ولوغ الكلب (٥) على الندب (٦)، ولأنه كان يقتصر على الثلاث وقيل: إن كان اللفظ ظاهرًا فهو أولى من تأويل الراوي بخلافه، وإن حمل على أحد معني اللفظ رُجع إليه وهو ظاهر مذهب الشافعي، وقال القاضي عبد الجبار: إن علم أن الراوي علم قصد النبي ﵇ صير إلى ما صار إليه، وإلَّا وجب النظر فإن اقتضى ما ذهب إليه صير
стр. 574
إليه وإلا فلا. وإن بين المجمل كان بيانه أولى.
حجة الشافعي: أن ظاهر اللفظ مقتضي والمخالفة لا تعارضه، لجواز أنها لما يظنه دليلًا، ودينه لا يمنعه من الخطأ سهوًا وغلطًا ولم يعلم أنَّه بحيث لا يعرض له ذلك الخطأ. ولو اقتضى خبر الواحد علمًا، وفي الأدلة القاطعة ما يدل عليه جاز لاحتمال أنَّه قال لآحاد الناس، واقتصر لغيرهم على الدليل الآخر.
وإن لم يكن فيها ذلك رُدَّ إذ التكليف بالعلم مع أنَّه لا يفيده تكليف ما لا يطاق.
" حجية خبر الواحد فيما تعم به البلوى "
وإن اقتضى عملًا تعم به البلوى لم يُرد، خلافًا للحنفية.
لنا: الآية (١) والمعقول المتقدمان. ورجوع الصحابة إلى خبر عائشة في التقاء الختانين. وقبلت الحنفية خبر الواحد في أحكام القيء والرعاف والقهقهة في الصلاة، ووجوب الوتر ونقل الوتر بالتواتر في غير نقل وجوبه به.
احتجوا بوجهين:
أ - إجماع الصحابة: رد أبو بكر خبر المغيرة في الجدة (٢)، ورد عمر خبر أبي موسى الأشعري في الاستئذان (٣).
ب- لو صح لأشاعه ﵇ وأوجب نقله بالتواتر، مخافة أن لا يصل إلى من كُلف به.
والجواب عن:
أ - أنَّه إنما ينفع (٤) لو لم يقبلوا إلَّا خبر التواتر.
ب- أن شرط التكليف بالعمل به بلوغه إليه، كما فيما لم يعم به البلوى.
стр. 575
" القسم الثالث" في الإِخبار
" المسألة الأولى "
في مراتب نقل الصحابي الخبر (١).
أ- قوله سمعت رسول الله ﷺ يقول كذا، أو أخبرني أو .. شافهني أو حدثني.
ب- قوله: قال رسول الله ﷺ وظاهره من الصحابي النقل عنه، وليس (٢) نصًا فيه وليس بظاهر من غير الصحابي.
جـ- قوله أمر الرسول بكذا أو نهى عن كذا، وفيه (٣) الاحتمال الأول واحتمال اختلاف الناس في صيغ الأوامر والنواهي، فالأكثرون على أنَّه حجة إذ الظاهر أن الراوي لا يطلق هذا اللفظ إلَّا إذا تبين مراده ﵇، ويمكن أن يقال يكفي فيه الظن.
فإن قلتَ: هذه الصيغة حجة فإطلاق الراوي إياها مع تجويز خلافة إيجاب ما يجوز أن لا يجب.
قلتُ: هذا بناءٌ على كون هذه الصيغة حجة، وأنتم أثبتم (٤) كونها حجة بهذا فيلزم الدور. وفي المسألة احتمال ثالث وهو أنَّه لم يذكر أنَّه
стр. 576
أمر الكل أو البعض دائمًا أو غير دائم، فلا يتم الاستدلال به إلَّا مع قوله ﵇: "حكمي على الواحد حكمي على الجماعة" (١).
د- قوله: أمرنا بكذا أو نهانا عن كذا وأوجب كذا وأباح كذا. قال الشافعي: تفيد أن الأمر هو الرسول خلافًا للكرخي.
لنا: أنَّه يفهم من قول من التزم طاعة ملك. أمرنا بكذا أمر ذلك الملك وأيضًا غرض الصحابي تعليم الشرع فيحمل على من يصدر عنه الشرع، ولا يحمل على أمر الله تعالى، لأنه لا يستفاد من قوله (٢) لظهوره، ولا على أمر الأمة فإنه منهم فلا يأمر نفسه.
هـ- قوله من السنة كذا يفهم منه سنة الرسول للوجهين. وقوله ﵇: "من سن سنة حسنة" (٣). واشتقاق السنة من الاستنان لا ينفيه (٤)، لأنه بحسب اللغة وما ذكرناه بحسب عرف الشرع.
و- قوله: عن النبي ﵇. قيل يحتمل أنَّه أخبره غيره. وقيل: الأظهر سماعه منه ﵇.
ز- قوله: كنا نفعل كذا، فالظاهر أنَّه يعلمنا الشرع، وذلك يفيد أنهم كانوا (٥) يفعلونه مع علمه ﵇ به وعدم إنكاره عليهم.
ح (٦) - إذا قال قولًا لا مجال فيه للاجتهاد فالظاهر أنَّه قاله عن طريق، وإذ ليس للاجتهاد فهو السماع عنه ﵇.
стр. 577
" المسألة الثانية " في مراتب نقل غير (١) الصحابي
أ - قوله أخبرني أو حدثني أو سمعتُ فلانًا، فالسامع يلزمه العمل به وله أن يقول حدثني وأخبرني إن قصد الراوي إسماعه أو إسماع جمع هو منهم، وإلا لم يقل إلا سمعته يحدث عن فلان.
ب - قوله للراوي: هل سمعت هذا الحديث؟ فيقول نعم. (أو يُقرأ عليه كتاب) فيقول: الأمر كما قرئ عليَّ فيلزم السامع العمل به، وله أن يقول أخبرني وحدثني وسمعت.
جـ- أن يكتب إلى غيره سمعت كذا من فلان، فللمكتوب إليه العمل به إذا ظن أنَّه كتابه. ثم لا يقول حدثني أو سمعت بل يقول أخبرني.
د- قوله له: هل سمعتَ هذا (٢)؟ فيشير برأسه أو أصبعه فيجب عليه العمل ولا يقول حدثني أو أخبرني أو سمعت.
هـ- قوله له: حدثك فلان فلم ينكر ولم يقر بإشارة وعبارة، فإن غلب على ظنه أنَّه إنما سكت، لأن الأمر كما قرئ عليه لزمه العمل. وجوز الرواية عامة الفقهاء والمحدثين وأنكره المتكلمون، قال بعض المحدثين لا يقول إلَّا أخبرني قراءة عليه وكذا الخلاف لو قرأه عليه وقال: أرويه عنك؟ فيقول: "نعم".
حجة الفقهاء: إن الإخبار ما يفيد الخبر والعلم وهذا كذلك أو يقول هذا يشبه الإخبار في إفادة العلم. فلما استقر عرف المحدثين عليه صار منقولًا أو مجازًا راجحًا، فجاز استعمال لفظ الإِخبار فيه.
حجة المتكلمين: أنَّه لم يسمع شيئًا فقوله: حدثني أو أخبرني أو سمعت كذب. وجوابها: لا نسلم أنَّه كذب بعد النقل العرفي.
و- المناولة: وهي قول الشيخ سمعت ما في هذا الكتاب وهو يعلم ما فيه فهو محدث له به، ولو قال: حدث عني ما في هذا الجزء ولم يقل
стр. 578
سمعت لمِ يكن محدثًا له. وإذا سمع الشيخ كتابًا مشهورًا ليس له أن يقول مشيرًا إلى نسخة أخرى منه سمعت هذا ما لم يعلم اتفاقهما.
ز- الإِجازة: وهي قول الشيخ أجزت لك أن تروي عني ما صح عني من الأحاديث، وهي في العرف كقوله: اروعني ما صحَّ عندك أني (١) سمعته.
" المسألة الثالثة "
قال الشافعي: المرسل (٢) لا يقبل خلافًا لأبي حنيفة ومالك وجمهور المعتزلة.
لنا: أن عدالة الأصل لم تعلم (٣) إذ العدل قد يروي عمن لو سئل عنه لجرحه أو سكت عنه، وعمن لو ذكره لجرحناه. وقبول الرواية يوجب شرعًا عامًا في حق المكلفين (٤) من غير رضاهم، وأنه ضرر ترك العمل به حيث علمت عدالته لزيادة الظن. فإن قيل (٥) روايته عن العدل أرجح إذ عدالته تمنع من قوله: (قال رسول الله ما لم يعلم أو يظن أنَّه قوله، ولا ذلك إلا بعلمه أو ظنه عدالة الأصل، ولأنها تمنعه من إيجاب شيء على غيره (٦) ما لم يعلم أنَّه ﵇ أوجبه أو يظن) (٧).
стр. 579
ثم أنَّه معارض بآيتي التبين والإِنذار وبالإِجماع، قال البراء بن عازب (١): (ليس كل ما حدثناكم به عن رسول الله ﷺ سمعناه منه غير (٢) أنا لا نكذب). وروى أبو هريرة عنه ﵇ أنَّه قال: (من أصبح جنبًا فلا صوم (٣) له). ثم ذكر أنَّه أخبره به الفضل بن عباس (٤) وروى ابن عباس قوله ﵇: "لا ربا إِلَّا في النسيئة" (٥) ثم أسنده إلى أسامة وروى عنه ﵇: "ما زال يلبي حتَّى رمى جمرة العقبة" (٦). ثم أسنده إلى الفضل بن عباس وبأنه لو لم يقبل لما قبل ما جاز كونه مرسلًا كقوله عن فلان.
والجواب (٧) عن:
أ - أن قوله: قال رسول الله ظاهره الجزم بأنه قوله ﵇ وأنه غير مراد، لجواز نقيضه وليس حمله على قوله. أظن أنَّه قال ﵇ أولى من حمله على قوله: سمعت أنَّه قال ﵇: وقوله لا يوجب على غيره شيئًا ما لم يظن وجوبه إنما يصح لو ثبتت عدالة الراوي، وإثبات عدالته به دور، على أنهما ينتقضان بعدم قبول شهادة الفرع، إذا
стр. 580
لم يذكر الأصل. والشهادة وإن أوجبت تهمةً لكونها على معين. فالرواية توجب شرعًا عامًا، فالاحتياط فيها أولى وليس (١) تضمين الأصل بالرجوع لازمًا في كل صورةٍ ليجب تعينه لأجله.
وعن الآيتين: أن الرواية مخصوصة عنهما كالشهادة بجامع الاحتياط.
وعن الإجماع: أن المسألة اجتهادية. ثم أنهم إنما قبلوا بعد ذكر الإِسناد على أَن من أطال صحبة شخصٍ إذا قال عن فلان فهم منه سماعه عنه وهو الجواب عن الأخير.
" فروع"
الأول: قال الشافعي: لا أقبل المرسل إِلَّا إذا أسنده المرسِل أو غيره، وهذا إذا لم تقم الحجة بإسناده. أو أرسله راوٍ آخر يعلم أن رجال أحدهما غير رجال الآخر. أو عضده قول صحابي أو فتوى أكثر أهل العلم أو يعلم أنَّه لو نص لنص على من يقبل خبره. قال: وأقبل مراسيل سعيد بن المسيب (٢) لأني اعتبرتها، فوجدتها بهذه الشرائط والغرض من هذا كله تقوية المرسل، ليقوى الظن فيجب العمل به دفعًا للضرر المظنون لقوله ﵇: "اقض بالظاهر" (٣).
الثاني: إِذا أسند الحديث قبل وإن أرسله غيره، إذ المرسِل ربما سمع مرسلًا أو مسندًا لكن نسي شيخه وكذا لو أرسله المسند.
الثالث: إذا ألحق الحديث بالنبي ﵇، ووقفه غيره على الصحابي
стр. 581
غير متصل، لجواز أن الصحابي روى عن النبي ﵇ مرةً وذكر عن نفسه أخرى أو اعتقد الواقف أنَّه يذكر عن نفسه وهو
يروي. وكذا لو وقفه الملحق إِلَّا إذا أرسل أو وقف زمانًا طويلًا، ثم أسند أو وصل (١) بعد ذلك إذ يبعد (٢) أن ينسى ذلك الزمان الطويل، إِلَّا أن يكون له كتاب يرجع إليه فيذكر ما نسيه الزمان الطويل.
الرابع: من يرسل الأخبار إذا أسند خبرًا قبله كثير ممن لم يقبل المرسل.
ورد الباقون لأن إرساله دليل ضعف الراوي فستره له خيانة.
الخامس: من يقبل حديث المرسل إذا أسند كيف يقبل؟ قال الشافعي: إنما يقبل ما قال فيه حدثني أو سمعت ولا يقبل ما فيه لفظ موهم.
وقيل: إنما يقبل إذا قال: سمعت. وهؤلاء يجعلون حدثني للمشافهة، وأخبرني مترددًا بينهما وبين الإِجازة والكتابة.
" المسألة الرابعة "
إذا روى عن رجل يعرف باسم وذكره باسم لا يعرف به. فإن (٣) فعل لأن المروي عنه ليس بأهل، فقد غشَّ فلا يقبل حديثه، وإن لم يذكر اسمه لصغر سنه فمن يكتفي بظاهر الإِسلام أو يقبل المرسل ينبغي أن يقبله ومن لا فلا.
" المسألة الخامسة "
يجوز نقل الخبر بالمعنى، وهو مذهب الحسن البصري وأبي حنيفة والشافعي (٤)، خلافًا لابن سيرين وبعض المحدثين، وشرطه مساواة الترجمة للأصل في إفادة المعنى، وفي الجلاء إذ الخطاب يقع بالمتشابه وبالمحكم.
стр. 582
لنا وجوه (١):
أ - نقل الصحابة القصة الواحدة المذكورة في مجلس واحدٍ بألفاظ مختلفة.
ب- القياس على شرح الشرع للعجم بلسانهم. وبل أولى لقلة التفاوت بين عربيين.
جـ- قوله ﵇: "إن أصبتم المعنى فلا بأس " (٢).
د- كان ابن مسعود إذا حدَّث يقول: قال رسول الله ﷺ كذا أو نحوه.
هـ- أنا نعلم بالضرورة أن الصحابة ما كانوا يكتبون الأحاديث ولا يروونها (٣) إلَّا بعد الأعصار، ولا ذلك إلَّا بالمعنى.
احتجوا بوجوه:
أ - قوله ﵇: "رحم الله امرءًا سمع مقالتي فوعاها ثم أداها كما سمعها" (٤).
ب- المتأخر قد يتنبه لفوائد الحديث ما لم يتنبه له المتقدم فلو جوَّز النقل بالمعنى ربما أدى إلى تفاوت عظيم.
جـ- لو جاز ذلك لجاز للراوي الثاني والثالث تبديله بلفظه، فيفضي إلى أن لا يبقى بين اللفظ الأول والأخير مناسبة (٥).
стр. 583
والجواب عن:
أ - أن من أدى تمام المعنى فقد أدى كما سمع. يقال: أدى كما سمع للشاهد وللمترجم وإن اختلف اللفظ وعن الباقي ما تقدم (١).
" المسألة السادسة "
زيادة إحدى (٢) الروايتين مقبولة إن اختلف المجلس لاحتمال ذكرها في مجلس دون آخر. وإلَّا (٣) فإن كان السكوت من عدد (٤) لا يجوز ذهولهم عما يضبطه الواحد لم يقبل، وحمل على أن الراوي سمعها من غير النبي ﷺ
فظن سماعها منه. وإن جاز فإن لم تُغيِّر الزيادة إعراب الباقي قبلت خلافًا لبعض المحدثين، لأن احتمال ذهول الإنسان عما سمعه غيره أرجح من احتمال توهمه سماع ما لم يسمعه. نعم: لو كان الساكت أضبط أو صرحٍ بنفي الزيادة بأن قال وقف ﵇ على قوله كذا، ولم يذكر بعده كلامًا مع انتظاري له لم تقبل للتعارض.
وإن غَيَّرت إعراب الباقي لم تقبل للتعارض، إذ أحد الإعرابين ينافيٍ الآخر، وقال أبو عبد الله البصري: تقبل وأما إذا روى الواحد مرةً بالزيادة ومرةً بدونها فإن اختلف المجلس قُبلت، وإن اتحد (٥)، فإن غيَّرت إعراب الباقي تعارضا. وإن لم تغيره فإن كانت مرات روايته للزيادة أقل لم تقبل، لأن حمل الأقل على السهو أولى، إلَّا أن يقول: سهوت في تلك المرات وذكرت في هذه، وإن لم تكن أقل قبلت، إذ حمل السهو على نسيان ما يسمع أولى من حمله على توهم سماع ما لم يسمع.
стр. 584
الكَلامُ في القِيَاس وفيه فصول
" الفصل الأول" في ماهيته وما يتعلق بها
стр. 585
" المسألة الأولى " (١)
ذكر القاضي في حده واختاره المحققون. "أنَّه حمل معلوم على معلوم في إثبات حكمٍ لهما أو نفيه عنهما بجامع حكمٍ أو صفةٍ أو نفيهما" (٢).
فالمعلوم (٣) يتناول الموجود والمعدوم دون الشيء عندنا، والفرع يوهم اختصاص (٤) ذلك بالموجود. والمعلوم الثاني لا بد منه، إذ القياس نسبة تستدعي منتسبين، ولأن إثبات الحكم بدون الأصل تحكم.
والاعتراض (٥):
أ (٦) - إن أردت بالحمل إثبات الحكم فقولك في إثبات حكمٍ تكرار، وإن
стр. 586
أردت غيره فبين كيف، وذلك الغير يكون خارجًا عن القياس، لأنه يتم بإثبات مثل حكم معلوم لآخر بجامع.
ب- قوله: في إثبات حكمٍ لهما يشعر بإثبات حكم الأصل بالقياس.
جـ- الصفة تثبت أيضًا بالقياس كقولنا: الله عالم فله علم كما في الشاهد، فإن أُدرجت (١) الصفة في الحكم، تكرر قوله بجامع حكمٍ أو صفةٍ وإلَّا نقص التعريف.
د- المعتبر في القياس الجامع دون أقسامه، ولو وجب ذكر أقسامه لوجب ذكر أقسام الحكم.
هـ- القياس الفاسد خارج عنه، لأن الجامع متى حصل صح القياس.
وقال أبو الحسين (٢) البصري: (هو تحصيل مثل حكم الأصل في الفرع، لاشتباههما في علة الحكم فيِ ظن المجتهد). وهو قريب. وأقرب منه: (إثبات مثل حكمِ (٣) معلوم لأخر، لاشتباههما في علة الحكم عند المثبت)، ونعني بالإثبات ما يتناول العلم والظن والاعتقاد، وبالمعلوم متعلق الثلاثة، والمثل تصوره بديهي إذ كل أحدٍ يعلم بالضرورة أن الحار مثل الحار. وقولنا: عند المثبت يتناول القياس الفاسد ولا يخرج عن هذا قياس العكس، كقولنا: لو لم يكن الصوم شرطًا لصحة الاعتكاف، لم يصر شرطًا له بالنذر كالصلاة. إذ المثبت بالقياس الملازمة، ولا ينتقص بالتلازم والمقدمتين والنتيجة، إذ نمنع كونهما قياسًا، ولا يكفي تسوية النتيجة للمقدمتين في المعلومية (٤) لتسميتهما (٥) قياسًا، وإلَّا لكان إثبات الحكم
стр. 587
بالنص قياسًا، فإن رمنا تعريف القياس بما يندرج في هذه الصورة. قلنا: (هو قول مؤلف من أقوال متى سُلِّمَتْ لزم عنها لذاتها قول آخر) (١).
" المسألة الثَّانية "
قال الفقهاء: الأصل في قياس الذرة على البر هو البر، وهو ضعيف، لأنه لا يتفرع حكم الذرة عليه ما لم يثبت الحكم فيه. وقال المتكلمون: هو النص الدال على الحكم وهو ضعيف. لأنه (٢) لو علم الحكم في البر بالعقل مثلًا أمكن تفريع حكم الذرة عليه، ولو لم يدل النص على الحكم في صورةٍ خاصة لم يمكن تفريعه عليه قياسًا، بل الأصل الحكم أو علته، فنقول:
الحكم أصل في محل الوفاق والعلة (٣) فرع, لأنا إنما نعلل الحكم بعد معرفته، وفي محل الخلاف بالعكس, لأنا نعرف العلة فيه ثم يفرع الحكم عليها، وإنما سمى الفقهاء محل الحكم أصلًا, لأنه (٤) أصله. وأصل الأصل أصل وكذا تسمية المتكلمين النص أصلًا. ثم تسمية العلة في محل الخلاف أصلًا أولى من تسمية محل الحكم في محل الوفاق أصلًا, لأن العلة مؤثرة
دون المحل.
والفرع عندنا: الحكم المطلوب بالقياس، وعند الفقهاء: محله ثم تسمية محل الوفاق بالأصل أولى من تسمية محل الخلاف بالفرع, لأنه أصل الأصل، وهذا أصل الفرع، ولنساعد الفقهاء في تسمية محل الوفاق بالأصل ومحل الخلاف بالفرع.
стр. 588
" المسألة الثالثة "
إذا علم علية الوصف (١) في الأصل وحصوله في الفرع فهو حجةٌ وفاقًا. وإن ظُنا أو أحدهما فهو حجة في الأمور الدنيويَّة وفاقًا. وفي الشرعية خلاف ونعني بكونه حجةً، وجوب العمل به والفتوى لغيره.
والجمع بين الأصل والفرع بإلغاء الفارق يسميه الغزالي ﵀ تنقيح المناط وباستخراج الجامع تخريج المناط (٢).
стр. 589
" الفصل الثاني" "في إثبات كونه حجة في الشرعيات "
قيل: العقل يقتضي جواز التعبد به. وقيل: بل المنع منه. ومن الأولين من قال (١): وقع ذلك متفقين على أن السمع دل عليه.
ثم قال القفال وأبو الحسين البَصْرِيّ: دل العقل عليه أَيضًا، وأنكره الباقون منا ومن المعتزلة، ثم زعم أبو الحسين: أن دلالة السمع عليه ظنية، والباقون أنها قطعية. ثم قال القاشاني (٢) والنهرواني (٣): لا يعمل (٤) إلَّا بقياس هو كقياس تحريم الضرب على تحريم التأفف، أو نص على علته تصريحًا، أو لإيماء (٥)، ومنهم من قال: لم يقع لأنه ليس في السمع ما يدل عليه (٦). وقيل: بل لأن الكتاب والسنة والإجماع دلت على عدمه.
стр. 590
ومن الآخرين من قال (١) خص المنع بشرعنا, لأن مبناه على الجمع بين المختلفات (٢)، والفرق بين المتماثلات وهو قول النظَّام.
ومنهم من عم المنع زاعمًا أنَّه لا يفيد علمًا ولا ظنًا. وقيل يفيد الظن، لكنه لا يجوز العمل به لأنه قد يخطئ. وقيل (٣) يجوز العمل بالظن، لكن حيث يتعذر النص كالقيم والأروش (٤) والفتوى والشهادات إذ لا نهاية لها, ولا يتعذر النص على هذه الأحكام، فالاكتفاء بالقياس اقتصار على الأدنى مع القدرة على الأعلى. والمختار وهو قول جمهور علماء الصَّحَابَة والتابعين أنَّه
حجة.
لنا وجوه: الأول. قوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا﴾ (٥) والاعتبار من العبور، يقال عَبَرتُ عليه وعَبَرَ النهر والمعبر لما يعبر عليه، والمعبر ما يعبر فيه (٦)، والعَبْرة: الدمعة، وعبَّر الرؤيا: أي جاوز عنها إلى ما يلازمها. والقياس عبور من حكم الأصل إلى حكم الفرع. فإن قيل: الاعتبار: الاتعاظ إذ لا يقال لمن استعمل القياس العقلي (٧) معتبر، ويقال لمن استعمل القياس الشرعي ولم يتفكر في أمر معاده أنَّه غير معتبر.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً﴾ (٨) وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً﴾ (٩).
ويقال: (السعيد من اعتبر بغيره). والترجيح معنا لأنه أسبق (١٠) إلى
стр. 591
الفهم، ثم وجد ما يمنع من العمل على الحقيقة لركاكة قوله: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا﴾ (١) فقيسوا الذرة على البر.
ثم المجاوزة مشتركة بين القياس الشرعي والدليل العقلي والنص والبراءة الأصلية، والدال على العام لا يدل على الخاص لا بلفظه (٢) ولا بمعناه.
فإن قلتَ: لا بد له من نوع وليس البعض أولى فيجب الكل. قلتُ: ليس المأمور به هو القياس الشرعي فقط للركاكة المذكورة، بل يجب اعتبار (٣) آخر وهو الاتعاظ مثلًا (٤)، وفي إيجابه إعمال اللفظ فلا حاجة إلى غيره. ثم هنا اعتبار واجب وهو قياس تحريم الضرب على تحريم التأفيف، وما نص على علة الحكم فيه والأقيسة العقلية. وفي الأمور الدنيوية وتشبيه الفرع بالأصل في أنَّه لا يستفاد حكمه إلَّا من النص والاتعاظ بالقصص والأمثال، ثم الحمل على العموم يقتضي الأمر بالتسوية بين الأصل والفرع في الحكم. وفي أن لا يستفاد حكمه إلا (٥) من النص، وليس إخراج أحدهما أولى، بل إبقاء ما ذكرنا أولى (٦) عملًا بالاحتياط واحترازًا من الظن. ثم أنَّه مخصوص إذ لا يجب القياس عند تعادل الإِمارات وتعارض الأقيسة، وفيما لا دليل عليه كمقادير الثواب وأجزاء الأرض، وما عرف مرة بالقياس أو النص وفيما لو قال: أعتق غانمًا لسواده، والعام المخصوص ليس بحجة، ثم أنَّه حجة ظنية لأنه تمسك بالاشتقاق، والمسألة يقينية، ثم أنَّه أمر فلا يفيد التكرار وهو خطاب مشافهة فاختص بالحاضرين.
стр. 592
والجواب عن:
أ (١) - إن جعله حقيقةً في المجاوزة أولى إذ يقال: اعتبر فاتعظ، وتعليل الشيء بنفسه لا يجوز ولأنها حاصلة في الاتعاظ وغيره، فجعله حقيقةً فيها (٢) يدفع الاشتراك والمجاز. قوله: لا يقال لمن استعمل القياس العقلي أنَّه معتبر ممنوع. إذ يقال: فلان يعتبر الأشياء العقلية بغيرها.
نعم من قاس مرة لا يقال له: إنه معتبر مطلقًا، كما لا يقال له: قائس مطلقًا إذ لا يستعملان مطلقًا إلَّا في المستكثر. وقوله: يقال لمن لم يتفكر أنَّه غير معتبر. قلنا: نعم لكن مجازًا لما أنَّه لم يأت بالمقصود الأعظم، فالآيتان محمولتان على المجاوزة.
ب- منع المانع والركة المذكورة إنما جاءت لأنه لا مناسبة بين خصوص الصورة والمذكور قبل. فإن من سئل عن مسألة فأجاب بما يتناول تلك وغيرها كان حسنًا.
جـ- أنَّه عام لصحة الاستثناء وترتيب الحكم على المسمى.
ولقائل أن يقول (٣): الثاني إثبات القياس بالقياس.
د- أن التسوية في الحكم أسبق إلى الفهم، إذ يفهم من قول السيد- إذا ضرب عبدًا على ذنب- لغيره اعتبر به. الأمر بالتسوية في الحكم فهو
стр. 593
أولى بالاعتبار (١)، ولأنه لا مناسبة بين سياق الآية والتسوية الثَّانية.
هـ، و- ما سبق (٢).
ز- أنَّه يتناول كل الأوقات لتناوله كل الأقيسة.
هـ - أنَّه لا فرق بين الصحابي وغيره فيه بالإجماع.
الثاني (٣): خبر معاذ (٤) وهو مشهور، ولو كان مرسلًا لكن الأمة تلقته بالقبول، وروي أنَّه ﵇ أنفذ معاذًا وأبا موسى الأَشْعريّ إلى اليمن، فقال ﵇: بم تقضيان؟ فقالا: إذا لم نجد الحكم في السنة، نقيس الأمر بالأمر فما كان إلى الحق أقرب عملنا به، فقال ﵇: "أصبتما" وقال ﵇ لابن مسعود: "اقصر بالكتاب والسنة إذا وجدتهما فإن لم تجد الحكم فيهما فاجتهد برأيك" فإن قيل: لا نسلم صحة الحديث، فإن قوله فإن لم تجد في كتاب الله يناقض قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٥) وقوله تعالى: ﴿وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (٦) ولأن الحديث يفيد جواز الاجتهاد في زمًان النَّبِيّ ﷺ . وسؤاله عما به يقضي بعد نصبه للقضاء، ومنع تخصيص الكتاب والسنة بالقياس. ولأنه روي أنَّه لما قال: أجتهد برأي قال ﵇: "أكتب إلى أكتب إليك" والجمع بينهما ممتنع, لأنهما في واقعةٍ واحدة، ولأنه ورد فيما يعم به البلوى وشرطه
стр. 594
الاشتهار. ثم قوله: أجتهد برأي محمول على بذل الجهد في طلب الحكم من النصوص الخفية، وقوله: (فإن لم تجد). لا ينفي النص الخفي والجلي إذ يصح أن يقال: يعني به عدم الوجدان في صرائحه أو مطلقًا. ثم العموم غير مراد. إذ العمل بالقياس عندكم معلوم من الكتاب والسنة، أو يقول: هو محمول على التمسك بالبراءة الأصلية، أو بأن الأصل في الأفعال الإباحة أو
الحظر أو بالمصالح المرسلة أو طريقة الاحتياط في تنزيل اللفظ على أقل مفهوماته أو أكثرها، أو على قياس نصٍ على علته. أو هو كقياس تحريم الضرب على تحريم التأفيف.
ثم أنَّه يدل على جواز القياس في زمان النَّبِيّ ﵇. وما بعده ليس في معناه لقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (١) والتكميل بالتنصيص على كليات الأحكام في الكتاب والسنة، والقياس مشروط بعدم الوجدان فيهما.
والجواب عن (٢):
أ- أن المراد من الآية اشتمال الكتاب على كل الأمور ابتداءً أو بواسطة، والكتاب يدل على الحكم المطلوب بالقياس بواسطة (٣) الدلالة على قبول قول الرسول الدال على صحة القياس (٤) الدال على الحكم.
والاجتهاد في زمان النَّبِيّ ﵇ جائز فيما لا يمكن تأخيره إلى استعلام النَّبِيّ ﵇، والمراد من قوله لما بعث معاذًا. لما عزم على بعثه وتخصيص الكتاب والسنة بالقياس منعه كثيرون ورواية الزيادة
стр. 595
غير مشهورة (١). وأيضًا (٢) تقتضي التأخير فيما لا يحتمله، ويمكن الجمع يحمل الزيادة على ما يقبل التأخير ووروده (٣) فيما يعم به البلوى سبق جوابه.
ب- أن قوله فإن لم تجد عام لصحة الاستثناء. وقول معاذ: (أحكم بكتاب الله). أراد ما دل عليه الكتاب بنفسه لا بواسطة، وإلَّا لكان قوله إذا لم يوجد في الكتاب حكمت بالسنة خطأ.
ب- أن البراءة الأصلية ودليل (٤) العقل معلوم لكل أحد من غير اجتهاد، والقياسان الباقيان لا يفيان بمعرفة جميع الأحكام، وإنما سكت النَّبِيّ ﵇ عند قوله (أجتهد رأيي). لعلمه أن الاجتهاد وافٍ بها، وإذا تعذر الحمل على هذه الأشياء حمل على القياس الشرعي للإجماع على الحصر.
د- ما سبق (٥).
الثالث: قوله ﵇ لعمر لما سأله عن قبلة الصائم: "أرأيت لم تمضمضتَ بماء ثم مججته أكنت شاربه" (٦) استعمل القياس إذ المفهوم منه أنَّه ﵇ حكم بأن القبلة بدون الإِنزال لا تفسد الصوم، كما أن المضمضة بدون الِإزدراد لا تفسده، بجامع عدم حصول المطلوب من المقدمتين فكان حجةً لوجوب التأسي به، ولأن قوله أرأيتَ؟ يخرج مخرج التقدير، وإنما يصح ذلك لو تمهد عند عمر كون القياس حجةً. إذ لا يقال لمن لا يعتقد كون الكتاب حجة إذا سئل عن حكم. أليس قال الله تعالى كذا
стр. 596
وكذا؟ وكذلك قوله ﵇ للخثعمية (١): "أرأيت إن كان على أبيك دين فقضيتيه أكان يجزئ؟ فقالت: نعم. قال: فدين الله أحق بالقضاء" (٢).
الرابع (٣): معتمد الجمهور وهو أن بعض الصَّحَابَة عمل بالقياس.
كتب عمر إلى أبي موسى: (اعرف الأشباه والنظائر وقس الأمور برأيك) (٤).
стр. 597
قال ابن عباس: (ألا يتقي الله زيد بن ثابت) (١) يجعل ابن الابن إبنًا ولا يجعل أَبا الأب أبًا. وليس مراده التسمية لعلمه بأنه لا يسمى أبًا حقيقةً بل جعله كالأب في حجب الأخوة. وجعل ابن الابن كالابن فيه. وشبه علي وزيد الأخ والجد بغصني شجرة وجدولي ونهر وشركا بينهما في الميراث.
ب- الصَّحَابَة اختلفت في مسائل لا يمكن أن يكون قول الكل فيها عن نصٍ كمسألة الحرام (٢). قال علي وزيد وابن عمر هو ثلاث طلقات. وقال ابن مسعود طلقة واحدة. وقال أبو بكر وعمر وعائشة ﵃ يمين. وقال ابن عباس ظهار. وقال مسروق (٣) ليس بشيء (٤).
وكمسألة الجد والأخوة فبعضهم جعل له خير الأمرين من المقاسمة والثلث لا ينقص حقه عن حق الأم، إذ له مع الولادة تعصيب وبعضهم جعل له خير الأمرين (٥) من المقاسمة والسدس لا ينقص حقه عن حق (٦) الجدة. وبعضهم لم يورث الأخوة معه.
وكمسألة المشتركة (٧). إذ شرَّك عمر بين الإخوة من الأب والأم
стр. 598
وبين الإخوة من الأم وغيره أسقط إخوة الأب والأم.
وكمسألة الخلع قال عثمان ﵁ في إحدى الروايتين، أنَّه طلاق، وفي الثَّانية أنَّه ليس بطلاقٍ وبه قال ابن عباس. وأمثالها كثيرة فلو كانت تلك الأقوال لنصٍ لأظهروه إذ يعلم بالضرورة من عادتهم استعظام النصوص ومخالفتها والتفحص عنها والحث على نقلها، حتَّى نقلوا ما لا يتعلق به حكم كقوله ﵇: "نِعم الِإدام النحل" (١). ومن حكم بحكم غريب يخالفه فيه جمع يوافقونه في تعظيم شخصٍ ووجد من كلامه ما يدل عليه فإنَّه يبادر إلى ذكره، ولو أظهروه لاشتهر ولو وصلَ إلينا بعد الطلب والبحث الشديد. ويمتنع أن يكون للعقل إذ طريقه البراءة الأصلية فثبت أنها لأجل القياس (٢).
جـ - قالوا بالرأي، قال أبو بكر في الكلالة: (أقول فيها برأي) (٣) وروي أن عمر قضى في الجدِّ برأيه (٤). وقال في الجنين لما سمع الحديث: (لولا هذا لقضينا برأينا) (٥) وقال عثمان لعمر في بعض الأحكام إن اتبعت رأيك فرأيك رشيد (٦)، وإن اتبعت رأي (٧) من قبلك فنعم الرأي كان.
وقال علي: اجتمع رأي ورأي عمر في أم الولد أن لا تباع، وقد رأيت
стр. 599
الآن بيعها (١). وقال ابن مسعود في قصة بروع (٢): أقول فيها برأيي (٣) والرأي هو القياس يقال. أقلتَ هذا برأيك أم بالنص؟ فدلت مقابلته بالنص على أنَّه للاستدلال، فثبت أن بعضهم قال بالقياس، ولم يوجد إنكار من أحدٍ إذ لو وجد لاشتهر, لأنه أصلٌ عظيم في الشرع نفيًا وإثباتًا، فيكون ذلك إجماعًا إذ سكوتهمِ ليس عن خوف, لأنا نعلم شدة انقيادهم للحق سيما ولا رغبةَ ولا رهبَ عاجلًا. كيف وقد اختلفوا في كثير من المسائل، وذلك ينفي الخوف المانع من الخلاف (٤) فهو عن الرضا.
فإن قيل هذه الروايات لا تبلغ التواتر والاستدلال بقبول البعض وتأويل البعض عرف ضعفه. ثم قول عشر: (اعرف الأشباه) معناه: أي لا تخرج من الجنس ما هو منه ولا تدخل فيه ما ليس منه. وقوله: (قس) أي سوِّ بيْن المقدمات. والمطلوب في المعلومية والمظنونيَّة، إذ الرأي هو الروية، أو سوِّ بيْن الأصل والفرع في أن لا يثبت حكم إلَّا بالنص، وتشبيه ابن عباس في
التسمية أي سمى النافلة إبنًا مجازًا واكتفى به في الاندراج تحت قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ (٥) فيسمى الجد أبًا مجازًا، ويكتفى به في الاندراج تحت قوله تعالى: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ﴾ (٦) لهذا نسبه إلى مفارقة التقوى وتارك القياس لا ينسب إليها، وقولهم في تلك المسائل، لو كان لنصٍ فإنما يجب إظهاره مع شدة تعظيمهم عند حاجة (٧) المناظرة وما اعتادوا الاجتماع
لها، ومع الحاجة لا ينفعه إظهاره إذ خبر الواحد ليس بحجة، وما هو حجة إنما يظهره المستدل (٨) لو كان قويًا ظاهرًا ثم إنه لو كان لقياس لأظهروه.
стр. 600
ولا يقال: النص يجب على العالم اتباعه دون القياس, لأن القياس الجلي الظاهر يجب عليه اتباعه. لأجله حسنت المناظرة بين القائسين. ثم لا نسلم أنَّهم لو أظهروه لاشتهر، ونقل إذ ليس من الأمور العظيمة التي تتوفر الدواعي على نقلها. ثم إنه منقوض بالمعجزات والإقامة (١)، ثم لا نسلم أنا لم نعرفه فإن في مسألة الحرام مثلًا من جعله يمينًا تمسك بقوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ (٢). نزلت لما حرَّم النَّبِيّ ﵇ على نفسه (٣) مارية القبطية (٤). ومن جعله طلقة أو ثلاث طلقات جعله كناية عن الطلاق (٥)، ونزله على أعظم أحواله أو أقلها وأدرجه تحت آية الطلاق، ومن جعله ظهارًا جعله كناية عنه وأدرجه تحت آية الظهار. وجعل الشيء كناية ليس بقياس. ثم بين النص والقياس بواسطة وهي تنزيل اللفظ على أقل المفهومات أو الأكثر (٦)، واستصحاب الحال والمصالح المرسلة والاستقراء واعتقاد أن قوله حجة، استدلالًا بقوله تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ (٧) ثم بقوله ﵇: "علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل" (٨). والإجماع وإن لم يتصور ثبوته في محل الخلاف فهو واسطة ثم الرأي مرادف للرؤية، وإنها ليست بقياس لغة والنقل