← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 19235

التحصيل من المحصول

السراج الأرموي

Полный текст (781 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

وكذا؟ وكذلك قوله ﵇ للخثعمية (١): "أرأيت إن كان على أبيك دين فقضيتيه أكان يجزئ؟ فقالت: نعم. قال: فدين الله أحق بالقضاء" (٢). الرابع (٣): معتمد الجمهور وهو أن بعض الصَّحَابَة عمل بالقياس. كتب عمر إلى أبي موسى: (اعرف الأشباه والنظائر وقس الأمور برأيك) (٤).

стр. 597

قال ابن عباس: (ألا يتقي الله زيد بن ثابت) (١) يجعل ابن الابن إبنًا ولا يجعل أَبا الأب أبًا. وليس مراده التسمية لعلمه بأنه لا يسمى أبًا حقيقةً بل جعله كالأب في حجب الأخوة. وجعل ابن الابن كالابن فيه. وشبه علي وزيد الأخ والجد بغصني شجرة وجدولي ونهر وشركا بينهما في الميراث. ب- الصَّحَابَة اختلفت في مسائل لا يمكن أن يكون قول الكل فيها عن نصٍ كمسألة الحرام (٢). قال علي وزيد وابن عمر هو ثلاث طلقات. وقال ابن مسعود طلقة واحدة. وقال أبو بكر وعمر وعائشة ﵃ يمين. وقال ابن عباس ظهار. وقال مسروق (٣) ليس بشيء (٤). وكمسألة الجد والأخوة فبعضهم جعل له خير الأمرين من المقاسمة والثلث لا ينقص حقه عن حق الأم، إذ له مع الولادة تعصيب وبعضهم جعل له خير الأمرين (٥) من المقاسمة والسدس لا ينقص حقه عن حق (٦) الجدة. وبعضهم لم يورث الأخوة معه. وكمسألة المشتركة (٧). إذ شرَّك عمر بين الإخوة من الأب والأم

стр. 598

وبين الإخوة من الأم وغيره أسقط إخوة الأب والأم. وكمسألة الخلع قال عثمان ﵁ في إحدى الروايتين، أنَّه طلاق، وفي الثَّانية أنَّه ليس بطلاقٍ وبه قال ابن عباس. وأمثالها كثيرة فلو كانت تلك الأقوال لنصٍ لأظهروه إذ يعلم بالضرورة من عادتهم استعظام النصوص ومخالفتها والتفحص عنها والحث على نقلها، حتَّى نقلوا ما لا يتعلق به حكم كقوله ﵇: "نِعم الِإدام النحل" (١). ومن حكم بحكم غريب يخالفه فيه جمع يوافقونه في تعظيم شخصٍ ووجد من كلامه ما يدل عليه فإنَّه يبادر إلى ذكره، ولو أظهروه لاشتهر ولو وصلَ إلينا بعد الطلب والبحث الشديد. ويمتنع أن يكون للعقل إذ طريقه البراءة الأصلية فثبت أنها لأجل القياس (٢). جـ - قالوا بالرأي، قال أبو بكر في الكلالة: (أقول فيها برأي) (٣) وروي أن عمر قضى في الجدِّ برأيه (٤). وقال في الجنين لما سمع الحديث: (لولا هذا لقضينا برأينا) (٥) وقال عثمان لعمر في بعض الأحكام إن اتبعت رأيك فرأيك رشيد (٦)، وإن اتبعت رأي (٧) من قبلك فنعم الرأي كان. وقال علي: اجتمع رأي ورأي عمر في أم الولد أن لا تباع، وقد رأيت

стр. 599

الآن بيعها (١). وقال ابن مسعود في قصة بروع (٢): أقول فيها برأيي (٣) والرأي هو القياس يقال. أقلتَ هذا برأيك أم بالنص؟ فدلت مقابلته بالنص على أنَّه للاستدلال، فثبت أن بعضهم قال بالقياس، ولم يوجد إنكار من أحدٍ إذ لو وجد لاشتهر, لأنه أصلٌ عظيم في الشرع نفيًا وإثباتًا، فيكون ذلك إجماعًا إذ سكوتهمِ ليس عن خوف, لأنا نعلم شدة انقيادهم للحق سيما ولا رغبةَ ولا رهبَ عاجلًا. كيف وقد اختلفوا في كثير من المسائل، وذلك ينفي الخوف المانع من الخلاف (٤) فهو عن الرضا. فإن قيل هذه الروايات لا تبلغ التواتر والاستدلال بقبول البعض وتأويل البعض عرف ضعفه. ثم قول عشر: (اعرف الأشباه) معناه: أي لا تخرج من الجنس ما هو منه ولا تدخل فيه ما ليس منه. وقوله: (قس) أي سوِّ بيْن المقدمات. والمطلوب في المعلومية والمظنونيَّة، إذ الرأي هو الروية، أو سوِّ بيْن الأصل والفرع في أن لا يثبت حكم إلَّا بالنص، وتشبيه ابن عباس في التسمية أي سمى النافلة إبنًا مجازًا واكتفى به في الاندراج تحت قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ (٥) فيسمى الجد أبًا مجازًا، ويكتفى به في الاندراج تحت قوله تعالى: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ﴾ (٦) لهذا نسبه إلى مفارقة التقوى وتارك القياس لا ينسب إليها، وقولهم في تلك المسائل، لو كان لنصٍ فإنما يجب إظهاره مع شدة تعظيمهم عند حاجة (٧) المناظرة وما اعتادوا الاجتماع لها، ومع الحاجة لا ينفعه إظهاره إذ خبر الواحد ليس بحجة، وما هو حجة إنما يظهره المستدل (٨) لو كان قويًا ظاهرًا ثم إنه لو كان لقياس لأظهروه.

стр. 600

ولا يقال: النص يجب على العالم اتباعه دون القياس, لأن القياس الجلي الظاهر يجب عليه اتباعه. لأجله حسنت المناظرة بين القائسين. ثم لا نسلم أنَّهم لو أظهروه لاشتهر، ونقل إذ ليس من الأمور العظيمة التي تتوفر الدواعي على نقلها. ثم إنه منقوض بالمعجزات والإقامة (١)، ثم لا نسلم أنا لم نعرفه فإن في مسألة الحرام مثلًا من جعله يمينًا تمسك بقوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ (٢). نزلت لما حرَّم النَّبِيّ ﵇ على نفسه (٣) مارية القبطية (٤). ومن جعله طلقة أو ثلاث طلقات جعله كناية عن الطلاق (٥)، ونزله على أعظم أحواله أو أقلها وأدرجه تحت آية الطلاق، ومن جعله ظهارًا جعله كناية عنه وأدرجه تحت آية الظهار. وجعل الشيء كناية ليس بقياس. ثم بين النص والقياس بواسطة وهي تنزيل اللفظ على أقل المفهومات أو الأكثر (٦)، واستصحاب الحال والمصالح المرسلة والاستقراء واعتقاد أن قوله حجة، استدلالًا بقوله تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ (٧) ثم بقوله ﵇: "علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل" (٨). والإجماع وإن لم يتصور ثبوته في محل الخلاف فهو واسطة ثم الرأي مرادف للرؤية، وإنها ليست بقياس لغة والنقل

стр. 601

خلاف الأصل. وقولنا: فلان يرى (١) ليس معناه يقيس (٢). وقال أبو بكر في الكلالة: (أقول فيها برأي) (٣). وتفسير اللفظة اللغوية لا يكون قياسًا. وذكره في مقابلة النص لا يفيد كونه قياسًا إذ النص لفظ جلي الدلالة. ثم الإنكار (٤) وجد إذ روي عن أبي بكرٍ: (أي سماءٍ تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله برأيي) (٥). وعن عمر (٦): (إياكم وأصحاب الرأي فإنهم أعداء السنن) (٧). وعنه: (إياكم والمكايلة) وفسرها بالمقايسة. وعن شريح (٨): (كتب عمر: اقض بما في كتاب الله، فإن جاءك ما ليس فيه فاقض بما في سنة رسول الله، فإن جاءك ما ليس فيها فاقض بما اجتمع عليه

стр. 602

أهل العلم، فإن لم تجد فما عليك أن لا تقضي) (١). وعن علي: (لو كان الدين يؤخذ قياسًا لكان باطن الخف أولى بالمسح) (٢). وعنه وعن عمر (٣): (من أراد أن يقتحم جراثيم جهنم فليقل في الجد برأيه) (٤). وعن ابن عباس: (يذهب قراؤكم وصلحاكم ويتخذ النَّاس رؤساء جهالًا يقيسون الأمور برأيهم) (٥). وقال: (إذا قلتم في دينكم بالرأي فقد أحللتم كثيرًا مما حرَّم الله وحرَّمتم كثيرًا مما حلل الله) (٦). وقال: (إن الله قال لنبيه: ﴿وَأَنِ احْكُمْ (٧) بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ ولم يقل بما رأيتَ، ولو جعل الله لأحدكم أن يحكم برأيه لجعل لرسوله) وقال: (إياكم والمقاييس فإنما عُبدت الشَّمس والقمر بالمقاييس) (٨). وعن ابن عمر: (السنة

стр. 603

ما سنه رسول الله لا تجعلوا الرأي سنة المسلمين). وعن مسروق: (لا أقيس شيئًا بشيء أخاف أن تزلَّ قدم بعد ثبوتها) (١). وكان ابن سيرين يذم القياس ويقول: (أول من قاس إبليس). وقال الشعبي (٢) لرجلٍ: (لعلك من القياسيين). وقال: (إن أخذتم بالقياس أحللتم الحرام وحرمتم الحلال) (٣). لا يقال: هؤلاء القائلون بالقياس فنوفق برد (٤) هذا إلى قياس لم توجد فيه الشرائط, لأن قولهم بالرد صريح وبالقياس استدلال فترجح. ثم هنا توفيق آخر وهو قول بعضهم بالقياس حين قال الآخر بالرد، ثم انقلاب المنكر مقرًا وبالعكس ثم السكوت (٥) للخوف. قال النظَّام: (العامل بالقياس عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وأُبي وزيد بن ثابت ومعاذ بن جبل وأبو الدَّرداء (٦) وأبو

стр. 604

موسى الأَشْعريّ وقليل من أصاغر الصَّحَابَة (١)، وعمر وعثمان وعلي سلاطين الصَّحَابَة معهم الرغبة والرهبة، وإنما سكت الباقون خوفًا وتُقية حتَّى قال ابن عباس: (هبتُه وكان والله مهيبًا). وأيضًا إبطال مذهب الرجل العظيم يشق عليه ويصير سببًا للعداوة، وليس الخلاف في القياس كالخلاف في مسألة الحرام، فإنَّه أصل عظيم في الشرع نفيًا وإثباتًا، فالمخالفة فيه أصعب). سلمنا أنَّه لا خوف، لكنهم سكتوا للتوقف أو اعتقاد أن الخطأ صغيرة، أو أن غيره أولى بالإنكار، ثم رضاهم دفعةً غير معلوم وأنه شرط للإجماع (٢). سلمنا إجماعهم على نوع فلعله غير المتنازع (٣) فيه، ولم يتفق القائمون على قياس معين ليقال إذا ثبت حجية قياس فلو لم يكن ذلك المعين حجة (٤) لزم خلاف الإجماع، إذ القياس المناسب مختلف فيه وغير المناسب رده الأكثرون. سلمنا اتفاقهم على معين لكنه قياس تحريم الضرب على تحريم التأفيف أو ما نص على علته. سلمنا إجماع الصَّحَابَة فلم يجز القياس في زماننا والفرق ما سبق في خبر الواحد. والجواب عن: أ- قال الأصحاب: الروايات الكثيرة عن النَّبِيّ ﵇ وأصحابه بلغت حد التواتر، فمن خالط أهل الأخبار والفقه وطالع كتبهم جزم بصحة شيء منها، وكل واحدٍ يفيد المطلوب والأولى جعل المسألة ظنيَّة والظن كافٍ في وجوب العمل.

стр. 605

ب- أن سباق الكلام ولحاقه ينفيه (١)، إذ قال: (الفهم الفهم عندما يختلج في صدرك ما لم يبلغك في كتاب الله ولا سنة رسول الله، اعرف الأشباه والنظائر، وقس الأمور برأيك، ثم اعمد إلى أحبها إلى الله وأشبهها بالحق فيما ترى). جـ (٢) - إنَّ حسن المجاز في موضع والقطع به في موضع (٣) لا يوجب مثله في آخر، فلا وجه للإنكار (٤) إلَّا في القياس، ونسبته إلى مفارقة التقوى، لاعتقاده، أن القياس جلي والخطأ فيه عظيم على أنَّه محمول على المبالغة. د- أن الحاجة حاصلة إذ المتمسك بالنص يعلم أن مخالفة خالفه لا لطريق أو لطريق مرجوح أو مساوٍ أو راجحٍ، وبالتقديرين الأولين كان (٥) مخالفة مخالفًا للنص، وبالتقدير الثالث فرضهما التوقف ففتواهما مخالفة للنص. وبالتقدير الرابع كان هو مخالفًا للنص، وشدة إنكارهم لمخالفة النص يمنعهم منها (٦)، ولا ذلك إلَّا بذكر النص وإن كان خفيًا. هـ- أن مخالفة النص أشد ولا يستقل العقل بمعرفته ويجب اتباعه، وحسن المناظرة لا يوجب اتباع القياس. إذ ما لا يجب قد يحسن ويمكن الإشارة إلى النص دون الأمارة حتَّى أن المقوّم (٧) قد لا يمكنه التعبير عمًا أفاده ظن القيمة. وإشارة المتأخرين إلى العلل القياسية إنما

стр. 606

أمكنت, لأنها تلخصت بعد أن لم تكن، ثم أنَّهم أظهروا قياساتهم بالتنبيه على الأصول من الظهار والطلاق واليمين. ورجَّح كل منهم أصله بمرجح. و- أن هذه المسائل يكثر وقوعها، فاشتدت الحاجة إلى معرفة حكمها بالدليل (١)، وأنها حاملة (٢) على النقل ظاهرًا. ز- أن قوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ (٣). لا يدل على أن تحريمه ﵇ كان بقوله: "أنتِ عليَّ حرام" بل على أنَّه كان بلفظ اليمين وإلَّا لكان ذلك نصًا في الباب. فلم يختلفوا فيه وباقي التشبيهات (٤) لابد فيها من القياس إذ ليس متفقًا عليها. وقول مسروق للتشبيه بقصعةٍ من ثريدٍ قال: إلَّا فرق عندي بينه وبين قصعةٍ من ثريدٍ). وإن قاله للبراءة الأصلية، لكنه تابعي فإن عاصرهم (٥) حالة المخالفة قد تركوا البراءة الأصلية للقياس، وإلاَّ كان إجماعهم حجة عليه (٦). ح- أن كل من قال بأنهم لم يقولوا فيها بالنص والبراءة الأصلية قال: إنهم قالوا فيها بالقياس. ط- أن الدليل دلَّ على النقل، إذ روى الخصم أقوالًا كثيرةً في ذم الرأي وسلم أن المراد هو القياس فعلم أنَّه في الشرع اسم له. ي- التوفيق المذكور وصريح الرد (٧) يعارضه صريح الدلالة، والتوفيق الآخر ممنوع، إذ لو وقع لاشتهر لأنه أمر عجيب.

стр. 607

يا - أن شدة انقيادهم للحق ينفيه ظاهرًا، وقدح النظَّام فيهم (١) سبق جوابه في الأخبار. يب (٢) - أن الظاهر عدم التوقف في آخر الأمر وأولوية (٣) إنكار واحد. يج- أن الأصل بقاؤه (٤). يد- أن الإجماع حاصل ظاهرًا على أن القياس المناسب حجة. الأخير- أن الإجماع ظاهر على عدم الفرق بين الزمانين (٥). تقرير: للإجماع من وجهٍ آخر أن قولهم فيما اختلفوا فيه لطريق، وإلَّا فقد أجمعوا على الخطأ، وذلك ليس دليل العقل, لأن مقتضاه البراءة الأصلية بل دليل شرعي، وليس هو النص؛ لأن مخالفة يستحق العقاب لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا﴾ (٦) الآية ونعلم بالضرورة أن كل واحدٍ منهم لَمْ يعتقد في صاحبه كونه مستحقًا له، فهو القياس لانعقاد الإجماع على انحصار طرقهم في الثلاثة، وتمامه ما تقدم وهذا أوجز مما تقدم. الخامس: القياس (٧) يفيد ظن الضرر. فإن من ظنَّ أن حكم الأصل معلل بوصف موجود في الفرع، ظن أن حكمه كحكمه، وهو يعلم أن مخالفة حكم الله تعالى توجب العقاب، فيظن أن مخالفة هذا توجب العقاب، فوجب العمل به, لأن ترجيح الراجح على المرجوح متعين في بداية العقول.

стр. 608

فإن قيل: هذا ينتقض بظن صدق الشاهد قبل استكمال (١) العدد، وبظهور المصالح المرسلة وبظن صدق مدعي النبوة، وبظن اليهودي قبح الأعمال الشرعية ولو امتنع الظن فيها (٢) لدلالة شرعية على فساد تلك (٣) المظان، لصار عدم الدلالة على فساد المظنة جزءًا من المقتضى للظن، فلا يفيد القياس الظن، إلَّا إذا تبيَّن انتفاء الدلالة على فساده، ثم إنما يجب الاحتراز عن الضرر المظنون إذا لم يمكن تحصيل علم أو ظن أقوى به، فلمَ قلتم إنه لا يمكن تحصيل العلم أو الظن الأقوى بالأحكام (٤) لا من الكتاب والسنة ولا من الإمام المعصوم. ثم ما ذكرتم معارضٌ بقوله تعالى: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (٥). وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٦). وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (٧). وقوله تعالى: ﴿وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (٨). وقوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٩) والأقوى (١٠) قوله تعالى: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ (١١) وقوله ﵇: "تعمل هذه الأمة (١٢) برهةً بالكتاب وبرهةً بالسنة وبرهةً بالقياس، فإذا فعلوا ذلك فقد ضلوا" (١٣) وقوله عليه

стр. 609

السلام: "ستفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة، أعظمهم فتنة قوم يقيسون الأمور برأيهم فيحرمون الحلال ويحلون الحرام" (١). الخبر يفيد ظن الضرر في التمسك بالقياس فيجب الاحتراز عنه لما ذكرتم. وبإجماع الصَّحَابَة إذ ذم بعضهم القياس ولم ينكر أحد، وبإجماع العترة، وبأن العمل (٢) بالقياس يوجب الاختلاف, لأنه تمسك بالأمارات، وهو منهي عنه بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا﴾ (٣) وبأن الرَّجل لو قال: أعتقت غانمًا لسواده فقيسوا عليه لم يعتق سائر عبيدة السود. واحتج النظَّام على مذهبه بأن مدار شرعنا على الجمع بَيْن المختلفات والفرق بين المتماثلات، فإنَّه فرق بين الأزمنة وبين الأمكنة في الشرف مع الاستواء في الحقيقة، وجمع بين الماء والتراب في الطهورية مع الاختلاف في الغسل والتنظيف وفرض الغسل من المني والرجيع أنتن (٤). ونهى عن إرسال السبع على مثله وأقوى منه، وأباحه على البهيمة الضعيفة، وجوَّز للمسافر قصر الأربع دون الاثنتين (٥)، وأوجب قضاء الصوم على الحائض والصلاة أعظم قدرًا، وجعل الحرة الشوهاء تحصن ويحرم النظر إليها دون الجواري الحسان، وقطع سارق القليل دون غاصب الكثير، وجلد من قذف بالزنا دون من قذف بالكفر، وقبل شاهدين في القتل والكفر دون الزنا، وجلد قاذف الحر الفاجر دون العبد العفيف، وفرق بين الموت والطلاق في العدة وبين الحرة والأمة في الاستبراء، وأوجب بخروج الريح غسل غير ذلك المخرج (٦)، إذا ثبت هذا وجب أن لا يصح القياس, لأن مبناه على أن الصورتين لما اشتركتا في الحكمة وجب اشتراكهما في الحكم وهو باطل.

стр. 610

واحتج من عمَّ المنع وزعم أنَّه لا يفيد الظن: بأن البراءة الأصلية معلومة، فالقياس إن وافقها فلا فائدة فيه، وإن خالفها كان الظني معارضًا لليقيني. وبأن القياس يتوقف على استصحاب ما كان، فالحكم المثبت بالقياس إن كان نفيًا كفى فيه الاستصحاب الذي هو أصل القياس. وإن كان إثباتًا كان الاستصحاب نافيًا (١) له. وأنه أصل القياس فترجح عليه، وبأنه متوقف على تعليل أحكام الله تعالى وسيأتي بطلانه. واحتج من منع اتباع الظن بأنه قد يخطئ، فالأمر به آمر بما يجوز كونه خطأ. واحتج من منع اتباع الظن هنا (٢)، بأن القدرة على التنصيص على قواعد الأحكام الكلية حاصلة، ولا يجوز الاختصار على أدنى البيانين مع القدرة على أعلاهما إزاحة لعذر المكلف في حمل عدم اليقين (٣) على صعوبة البيان دون تقصيره، فإنَّه كاللطف خرج على هذا (٤) الشهادة والفتوى والقيم والأروش وأمارات القبلة والأمراض والأرباح والأمور الدنيوية، إذ لا نهاية لها لاختلافها بالأحوال والأشخاص والأوقات والأمكنة. والجواب (٥) عن: أ- أن عدم المانع لا يصير جزءًا من المقتضي، وإلَّا لكان عدم المانع من نزول الثقيل جزءًا للمقتضي له (٦)، والعدم لا يكون جزءًا من علة الوجود. ب (٧) - أنَّه قبل التمكن من تحصيل العلم لا بد له من ترجيح طرف.

стр. 611

الآيات (١) - ما سبق قيل. الأحاديث- المعارضة بأحاديث العمل بالقياس والتوفيق المتقدم (٢). الإجماع- ما سبق. وأما إجماع العترة: فروايات الإمامية معارضة لروايات الزيدية عن الأئمة في جواز العمل بالقياس. أ (٣) - من المعقول: النقض بالأدلة الشرعية (٤). ب (٥) - أن العبد لو أمر بالقياس لم يتعد (٦) الحكم بخلاف الشرع وفاقًا، وسببه أن حقوق العباد مبنية على الشح والضنة، لكثرة حوائجهم- ورجوعهم عن دواعيهم وصوارفهم. جـ (٧) - أن الغالب رعاية المصالح المعلومة في أحكام الشرع. وتلك (٨) الصور القليلة (٩) لا تقدح في ظن تحصيل ظن القبلة (١٠). د، هـ (١١) - النقض بالشهادة والفتوى والتقويم والأروش وغيرها. ز- ما سبق (١٢) من الكلام على اللطف (١٣).

стр. 612

" فروع" الفرع الأول النص على علة الحكم ليس أمرًا بالقياس خلافًا للنظَّام وأبي الحسين البَصْرِيّ وجماعة من الفقهاء. وخلافًا لأبي عبد الله البَصْرِيّ في الترك. لنا: أن قوله: حرمت الخمر, لأنها مسكر يجوز أن تكون العلة إسكار الخمر فلابد من أمرٍ (١) آخر بالقياس. فإن قيل: لو جاز هذا لجاز أن يقال الحركة إنما اقتضت المتحركيَّة لقيامها بهذا المحل. ثم العرف أسقط اعتبار هذا الجائز (٢) إذ يفهم من قول الأب لابنه: لا تأكل هذه الحشيشة, لأنها سم منعه من أكل كل حشيشة هي سم، وأيضًا الغالب على الظن سقوطه, لأن منشأ المفسدة هو الإسكار لا هذا الإسكار. ثم هذا الاحتمال مندفع لو قال علة حرمة الخمر الإسكار. ثم أنَّه رتب الحرمة على الإسكار فيشعر (٣) بحليته، وقال أبو عبد الله البَصْرِيّ من ترك أكل رمانةٍ لحموضتها لزمه ترك أكل كل رمانةٍ حامضةٍ (٤)، ولو أكلها لحموضتها لا يلزمه أكل كلِّ رمانةٍ حامضةٍ. والجواب عن: أ- أنَّه إن عُني بالحركة ما يقتضي المتحركية امتنع فرضها بدونها، وإن عُني بها شيء آخر، بحيث يبقى (٥) فيه الاحتمال لا بد في إبطاله من منفصل.

стр. 613

ب (١) - أن ذاك لقرينة الشفقة. جـ- أنَّه بعد الظن بعلية (٢) الإسكار إنما يجب الحكم في الفرع، لما ذكرنا من الدليل على وجوب دفع الضرر المظنون لا للتنصيص. د- أنَّه لو قال ذلك لم يكن قياسًا، إذ العلم بالعلة يوجب العلم بالمعلول فلم يتميز الأصل عن الفرع. هـ - أنَّه رتَّب حرمة (٣) الخمر على إسكارها. و- أن الداعي إلى ترك معين قد تكون حموضته ثم (٤) لا فرق بينه وبين (٥) الفعل. لكن إنما لا يجب أكل كل رمانةٍ حامضةٍ, لأنه مشروط بالاشتهاء وخلو المعدة وعدم العلم (٦) بالتضرر به. " الفرع الثاني " القياس قد يكون جليًا كقياس تحريم الضرب على تحريم التأفيف. وقيل: المنع من التأفيف منقول في العرف إلى المنع من أنواع الأذى. لنا: أن اللفظ لم يدل عليه لغةً فكذا عرفًا. إذ النقل خلاف الأصل، ولأنه يحسن من الملك المستولي على عدوه منع الجلاد من صفعه دون قتله، وإذ ليس مستفادًا من اللفظ فهو من القياس. احتجوا بوجوه: أ- تعميم المتع معلوم لمن لم يقل بالقياس وبتقدير منع الشرع من القياس.

стр. 614

ب- قولهم: فلان (١) لا يملك حبةً وقولهم: لا يملك نقيرًا ولا قطميرًا، وقولهم: فلأن مؤتمن على قنطارٍ، إنما نقله العرف إلى العموم لتسارع الفهم وأنه موجود هنا. والجواب عن: أ- أن القياس يقيني (٢) فيه فلم يقدح فيه منع الظني. ب- إن نفي الحبة ينفي الأكثر لوجودها فيه دون الأقل، والاتمان على القنطار يفيد الاتمان فيما دونه لوجوده فيه دون ما فوقه. وإنما نقل النقير (٣) والقطمير (٤) للضرورة. " الفرع الثالث " (٥) الحكم في الأصل إن كان يقينيًا لم يكن الحكم في الفرع أقوى. وإن لم يكن فقد يكون أقوى كتحريم الضرب، وقد يكون مساويًا كالمنع من البول في الكوز ثم صبه في الماء الراكد، مقيسًا على المنع من البول فيه ويسمى بالقياس في معنى (٦) الأصل، وقد يكون أضعف كسائر الأقيسة ثم مراتب التفاوت بحسب مراتب الظنون.

стр. 615

" الفصل الثالث" فيما يعرف به كون الوصف علة قال نفاة القياس: تفسر العلة بالمؤثر أو الداعي أو المعرِّف أو برابع. والأول: باطل, لأن الحكم خطاب الله القديم لما سبق، فلا يؤثر فيه الحادث، ولأن استحقاق العقاب وجودي ويعلل بترك الواجب وهو عدمي. فإن قلتَ: لابد للقادر من فعل الشيء أو فعل ضده. قلتُ: نمنعه على رأي أبي الحسين وأبي هاشم ولو سلم، فالمستلزم للعقاب بالذات هو أن لا يفعل الواجب، إذ لو فرض دون فعل الضد استلزمه، وفعل الضد يستلزمه لاستلزامه إياه، ولأن العلل الشرعية تجتمع على معلول واحد كمن زنا وقتل وارتد، إذ الحكم واحد وهو وجوب القتل، ولو تعدد لم تكن إضافة البعض إلى البعض أولى من العكس فيعلل الكل بالكل، واجتماع المؤثرات على أثرٍ واحدٍ محال. ولأن وجوب القصاص يعلل بالقتل العمد العدوان، والعدوانية مفسرة بعدم الاستحقاق، فيكون العدم جزء علة الوجود، ولو جعل شرطًا للعلية دارت العلية معه. فإذا حدثت عند حدوثه افتقرت إلى سبب، ولا سبب سوى الشرط فيكون العدم سببًا للوجود. قال الغزالي (١): العلة مؤثرة بجعل الشارع وقد عرفت بطلانه (٢).

стр. 616

والثاني (١): باطل إذ هو ما يصير القادر لأجله فاعلًا للفعل أو الترك، وهو في حق الله تعالى محال، إذ الفاعل لغرضٍ مستكمل به، إذ الغرض ما يكون حصوله له أولى، وتلك الأولوَّية متعلقة بفعل الغرض فأمكن زوالها وذلك نقض. فإن قلتَ: هو أولى بالنسبة إلى العبد. قلتُ: فعله لغرض العبد أولى بالنسبة إليه (٢) أولًا. ويعود الإشكال (٣)، ولأن الغرض إما جلب نفع أو دفع ضررٍ أو ما يتوسل به إليهما، ومطلوبية الوسائل بالغرض والله تعالى قادر على تحصيلهما (٤) ابتداءً بدون وساطة الأحكام، فلا تكون فاعليته لها لأجلهما. إذ يلزم من انتفاء العلة وما يقوم مقامها انتفاء المعلول. والثالث: باطل إذ حكم الأصل يعرف بالنص، ثم تعرف علية الوصف بعده. والرابع: لابد من بيانه. والجواب: أنا نعني بها المعرف، والوصف إنما يعرف الحكم في الفرع دون الأصل. إذا عرفت هذا فنقول ما يعرف (٥) به عليَّة الوصف عشرة (٦):

стр. 617

" الأول: النص " وذلك إما بالتصريح بالعلية كقوله: لعلة كذا أو من أَجل كذا، أو إدخال لفظ يفيد العلية وهو "اللام وإن والباء" قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (١). وقال ﵇: "إنها من الطوافين" (٢). وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ﴾ (٣) وبحصول الإِلصاق بين العلة والمعلول حسن استعمال الباء فيه. فإن قلتَ: اللام ليس للعلية لدخولها على العلة. ولقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ﴾ (٤) وليست جهنم غرضًا (٥)، وقال الشاعرِ: لدوا للموت وابنوا للخراب (٦). ويقال: أصلي لله وليس ذات الله غرضًا. قلت: صرح أهل اللغة بأنها للعلية فالاستعمالات المذكورة مجازات.

стр. 618

" الثاني: الإيماء" وهو أنواع: أ- تعليق الحكم بالوصف (١). فإن كان بالفاء فقد يدخل على الوصف المتأخر، كقوله ﵇: "لا تقربوه طيبًا فإنَّه يبعث (٢) يوم القيامة ملبيًا" (٣). وقد تدخل على الحكم المتأخر إما في كلام الشارع كقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (٤). وإما في كلام الراوي كقوله: (سهى رسول الله- ﷺ فسجد) (٥)، والثاني أقوى الكل إذ إشعار العلة بالمعلول أقوى من العكس، والثالث أضعفه. ثم ترتب الحكم على الوصف يشعر بعليته خلافًا لقوم في غير المناسب (٦). لنا: أ- أنَّه يقبح أن يقال: أكرم الجاهل وأهن العالم، والموجود إما نفي أمره بإكرام الجاهل، أو هو مانعيَّة الجهل منه أو مع جعل الجهل علة له. والجاهل قد يحسن إكرامه لنسبٍ أو شجاعةٍ أو غيرهما، فلم يقبح الأول ولم يوجد الثاني فتعين الثالث. وإذا ثبت في هذه الصورة فكذا في غيرها دفعًا للاشتراك عن التركيب. ب- الحكم لا بد له من (٧) علة، إذ الفعل بدون الداعي عبث ولم يوجد غير هذا الوصف بالأصل.

стр. 619

ب- أن يحكم على السائل بعد سماع وصف منه. كما إذا قال: أفطرت فقال: عليك الكفارة وهو يشعر بالعلية, لأنه يصلح جوابًا له فيفيد ظن عوده إليه والسؤال معاد في الجواب. فصار كقوله: أفطرت فكفِّر. وما يذكر عقيب السؤال (١) قد يكون جوابًا عن سؤالٍ آخر (٢)، وقد يكون زجرًا عن السؤال كقول السيد لعبده: اشتغل بشغلك. عقيب قوله: أيدخل زيد الدار؟ لكنه نادر لا يخرم الظن فكذا القول فيما يزعمه الراوي جوابًا, لأن كون الكلام جوابًا أمر ظاهر يعرف عند المشاهدة بالضرورة. جـ- أن يُذكر في الحكم وصف لو لم يكن علةً لم يفد ذكره (٣). كقوله ﵇: "إنها ليست بنجسة إنها من الطوافين" (٤). وقوله: "ثمرة طيبة وماء طهور" (٥) وقوله ﵇: "أينقصُ الرِطب إذا جفَّ؟ فقالوا: نعم، قال: فلا إذن" (٦) وقوله ﵇: "أرأيت لو

стр. 620

تمضمضت بماء" (١). الحديث أشعر بالتشبيه بعلية المشترك، وهو عدم حصول المطلوب. د- أن يفرق بين الشيئين في الحكم (٢) بذكر الوصف عند (٣) ذكر حكمهما في خطابين. كقوله ﵇: "القاتل لا يرث" (٤). أو في خطاب. وقد يفرق بلفظ الشرط كقوله ﵇: "فإذا اختلف الجنسان" (٥). وبالغاية كقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ (٦). وبالاستثناء كقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ (٧). أو بالاستدراك كقوله: ﴿وَلَكِنْ﴾ (٨) أو باستئناف صفة للثاني مما يجوز أن يؤثر كقوله ﵇: "للراجل سهم وللفارس سهمان" (٩). ودليله أنَّه لا بد للتفرقة من سببٍ ولذكر الوصف من فائدةٍ وجعل الوصف سببًا للتفرقة فائدة.

стр. 621

هـ - المنع (١) من فعل ما يمنع الواجب، وهو يشعر بأن علة المنع كونه مانعًا من الواجب كقوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ (٢). تنبيه: ظاهر الإيماء (٣) قد يترك لمانع كما في قوله ﵇: "لا يقضي القاضي وهو غضبان" (٤). فإنا لما علمنا أن الغضب اليسير لا يشوش الفكر ولا يمنع القضاء والجوع المبرح يشوش الفكر ويمنع القضاء، علمنا أنْ العلة ليست الغضب بل المشوش للفكر. لكن أطلق لفظ الغضب لإرادة التشويش إطلاقًا لاسم السبب على المسبب. " الثالث: المناسبة " عرفها من لم يعلل أحكام الله بالمصالح (بالملاءمة لأفعال العقلاء في العادات) يقال: هذه اللؤلؤة تناسب هذه، وهذه الجبة تناسب هذه العمامة، ومن يعللها يعرفها: (بجلب المنفعة ودفع المضرة). إذ المنفعة اللذة أو طريقها، والمضرة الألم أو طريقه، وتصور اللذة والألم بديهي, لأنهما من أظهر ما يجد الحي من نفسه، ويفرق بالضرورة بينهما وبين كل واحدٍ منهما وبين غيرهما، وفيه مسائل:

стр. 622

" المسألة الأولى " (في تقاسيم المناسب) التقسيم الأول: المناسب إما حقيقي أو إقناعي، والحقيقي إما لمصلحةٍ دنيوية أو دينية، والدنيوية إما في محل الضرورة أو الحاجة أو لا في أحدهما. والأول: حفظ النفس والمال والنسب والدين والعقل، فالنفس (١) حفظت بشرع القصاص، والمال بشرع الضمان والحد، والنسب بشرع الزاجر عن الزنا لئلا تختلط الأنساب فيضيع الولد، والدين حفظ بشرع الزاجر عن الردة وقتال أهل الحرب، والعقل بتحريم المسكر. والثاني: كتزويج الصغيرة لحاجة تقييد الكفء. والثالث: كالتحسينات والحث على مكارم الأخلاق، وهذا منه ما لا يعارض قاعدة معتبرة، كتحريم القاذورات ومنه ما (٢) يعارضها كشرعية الكتابة والمصلحة الدينية كرياضة النفس وتهذيب الأخلاق. ثم كل مرتبةٍ من كل قسم قد يظهر كونها من ذلك القسم، كشرعية القصاص بالقتل بالمثقل يظهر كونها من قسم الضرورة، إذ ليس في المحدَّد (٣) زيادة مئنة ليست في المثقل (٤)، ومنه ما لا يظهر فيه (٥) ذلك، كإيجاب قطع الأيدي باليد الواحدة، ويحتمل (٦) كونه من قسم الضرورة لئلا يتخذ التعاون ذريعة لدفع القصاص، ولم يظهر كونه منه إذ الاستعانة بالغير (٧)

стр. 623

تتوقف على مساعدة الغير وقد لا يساعده بخلاف المنفرد (١). والإقناعي: ما يظن (٢) في أول الوهلة مناسبته. ثم إذا حقق (٣) ظهر كونه غير مناسب، كمناسبة النجاسة لحرمة البيع, لأنها مناسبة للإذلال وتجويز البيع يناسب الإعزاز وبينهما تناقض. لكن معنى النجاسة كونه لا تجوز الصلاة معه ولا مناسبة بينه وبين المنع من البيع. التقسيم (٤) الثاني: المناسب إما أن يعلم أن الشارع اعتبره (٥) أو ألغاه أو لا يعلم واحد منهما (٦). والمعتبر إما نوعه أو جنسه في نوع الحكم أو جنسه. والأول: كإثبات تحريم النبيذ بالمسكر لاعتباره (٧) في تحريم الخمر. والثاني: كإثبات تقديم الأخ من الأبوين في ولاية النكاح بالأخوة من الأبوين لاعتبارها في ولاية الميراث، والأول أظهر لقلة الاختلاف. والثالث: كإثبات سقوط قضاء الصلاة عن الحائض بالمشقة، لاعتبارها في سقوط قضاء الركعتين في السفر. والرابع: كإثبات إيجاب مثل حد القاذف على الشارب، بإتامة مظنة الشيء مقامه لاعتبار إقامة الخلوة بالمرأة مقام وطئها في الحرمة. ثم قد عرفت أقسام الحكم والوصف، ولا يخفى عليك أقسام الأقسام فكلما كان الوصف والحكم أخص كان ظن (٨) اعتباره فيه آكدًا.

стр. 624

والمناسب الملغى (١) غير معتبر، وما لا يعلم حالة إنما يكون بحسب وصف أخص من كونه مصلحة. لأنه معلوم الاعتبار ويسمى بالمصالح المرسلة، وإذا ضربنا أقسام هذا التقسيم في أقسام التقسيم الأول يحصل أقسام كثيرة يقع (٢) بينها التراجح. التقسيم الثالث: المناسب: إما ملائم وهو (ما وقع حكمه على وفق حكمٍ آخر). وإما غير ملائم، وعلى التقديرين فإما أن يشهد له أصل معين أو لا. والأول مقبول وفاقًا كالقتل للقصاص، فإنَّه اعتبر خصوصه في خصوصه وعمومه وهو جنس الجناية في عمومه وهو جنس العقوبة. والرابع (٣): مردود وفاقًا، كحرمان الميراث بالقتل معارضة له بنقيض قصده لو فرض أن لا نص فيه، والثاني (٤): كتحريم المسكر صيانةً للعقل. والثالث (٥): كالمصالح المرسلة. " المسألة الثَّانية " المناسبة لا تبطل بالمعارضة, لأن المناسبتين إن تساوتا امتنع بطلان أحداهما بالأخرى، وإلا فلو بطلت إحداهما بالأخرى لتنافيتا، والمساوي إذا لم ينف (٦) المساوى فالمرجوح أولى أن لا ينفي (٧) الراجح.

стр. 625

أ- أنَّه لا بد وأن يبقى (١) من الراجح ما لا يقابل المرجوح، فالمقدار المساوي للمرجوح من الراجح يمتنع ارتفاع أحدهما بالآخر. وأيضًا ليس ارتفاع بعض أجزاء الراجح بالمرجوح أولى من البعض. ب- أن إثبات الشرع الأحكام المختلفة، كترتيب الثواب والعقاب على الصلاة في الدار المغصوبة، لكونها صلاة وغصبًا يفيد المطلوب، إذ المصلحة والمفسدة إن تساوتا اندفعتا، فلم يحصل ذم ولا مدح وإلاَّ اندفعت المرجوحة فلم يحصل الذم أو (٢) المدح. " المسألة الثالثة " المناسبة تفيد ظن العلية لأنه تعالى شرع الأحكام لمصالح العباد، وهذه مصلحة فيحصل ظن شرعه لها. أما الأول (٣) فلوجوه: أ- تخصيص الواقعة بالحكم المعين بمرجح عائدٍ إلى العبد، وإلَّا لزم الترجيح بلا مرجح أو خلاف الإجماع، وليس مفسدةً ولا لا مفسدة (٤) ولا مصلحةً بالاتفاق فهو مصلحة. ب- أنَّه تعالى حكيم، والحكيم من يفعل لمصلحةٍ إذ الفعل لا لمصلحة عبث والله تعالى ليس بعابث بالإجماع. ولقوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ (٥). وقال تعالى: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ (٦). وقوله

стр. 626

تعالى: ﴿مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ (١). ولأن السفه نقصٌ وهو على الله تعالى محال. جـ- أنَّه خلق الآدمي مكرمًا للآية (٢)، والسعي في تحصيل مطلوب المكرم ملائم، فيحصل ظن أنَّه لا يشرع إلَّا ما هو مصلحة له. أنَّه تعالى خلقه للعبادة للآية، والحكيم إذا أمر عبده بشيء يحصل مصلحته ليفرغ باله ويتمكن من الإِتيان به. هـ- أنَّه تعالى رؤوف رحيم، وليس شرعه ما لا مصلحة فيه للعبد رأفةً ورحمةً وتتأيد الوجوه بمثل قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (٣). وبقوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ (٤). وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ (٥). وبقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٦). وقوله ﵇: "بُعثت بالحنفية السهلة السمحة" (٧). وبقوله ﵇: "لا ضرر ولا إضرار في الإِسلام" (٨). ثم المعتزلة صرحوا (٩) بالغرض، وصرح الفقهاء بأنه تعالى شرع الحكم لكذا. ولو سمعوا لفظ الغرض لكفروا قائله، مع أنَّه

стр. 627

لا معنى له إلا ذلك وقالوا أَيضًا: الله تعالى لا يفعل إلَّا ما فيه مصلحة العبد تفضلًا لا وجوبًا. وأما الثاني (١) فظاهر، وأما الثالث (٢) فلوجهين: أ- أن غير هذه المصلحة ليس مقتضيًا لهذا الحكم, لأنه لم يكن مقتضيًا له (٣) في الأزل وإلَّا لكان الحكم ثابتًا في الأزل، والأصل استمراره فالمقتضي هذه المصلحة. ولقائلٍ أن (٤) يعارض هذا بمثله ودفعه سهل يعرف بالتأمل. ب- أن الملك إذا علم أنَّه لا يفعل إلا لمصلحة. ثم أعطى الفقير درهمًا وعلم مناسبة فقره، ولم يعلم جهة أخرى غلب على الظن أنَّه إنما أعطاه لفقره، فدار الظن بالعلية مع الأمور الثلاثة، والدوران يفيد ظن العلية فيحصل ظن أنَّه تعالى إنما شرع هذا الحكم لهذه المصلحة. الثاني: لبيان أن المناسبة تفيد ظن العلية، وإن لم نعلل أحكام الله تعالى بالأغراض إنَّا لما تأملنا رأينا الأحكام والمصالح متقارنتين فالعلم بأحدهما يقتضي ظن حصول الآخر، فإن تكرير الشيء مرارًا كثيرةً على وجه يقتضي ظن أنَّه متى وقع وقع علىٍ ذلك الوجه. فإن دوران الفلك وطلوع الكواكب وغروبها لما تكررت مرارًا كثيرةً على نسقٍ واحد ظننا وقوعها عليه في الغد، وكذلك في حصول الشبع عقيب الأكل والاحتراق عند مماسة النَّار.

стр. 628

فإن قيل: لا نسلم أنه تعالى شرع الأحكام لمصالح العباد. قوله: تخصيص الواقعة بالحكم لمرجحٍ عائدٍ إلى العبد. قلنا: التخصيص إذ لم يتوقف على مرجحٍ بطل الدليل، وإن توقف وكان فعل العبد واقعًا بالله كان الله تعالى فاعلًا للكفر والمعصية فلا يجب أن يفعل ما فيه مصلحة العباد. وإن كان واقعًا بالعبد ولم يتمكن من الترك، والقدرة والداعية مخلوقتان لله تعالى وهما تستلزمان المعصية، عاد المحذور، وإن تمكن منه توقف ترجيح أحدهما على الآخر على مرجح مخلوق لله تعالى دفعًا للتسلسل، ويكون ذلك مستلزمًا للمعصية، فيعود المحذور، وتمام تقريره في مسألة تكليف ما لا يطاق. ثم ما ذكرتم معارض بوجوه تكليف ما لا يطاق (١) وغيرها. أ- أن فعل العبد واقع بالله تعالى، إذ لو وقع (٢) به لعلم تفاصيله فإنَّه واقع على كيفيَّةٍ وكميةٍ مخصوصة مع جواز وقوعه على خلافها، فله مخصص (٣) وإلا استغنى حدوث العالم (٤) في وقتٍ معين عن (٥) مخصص، والتخصيص هو القصد إلى إيقاعه على ذلك الوجه، فهو مشروط بالعلم بذلك الوجه واللازم منتفٍ, لأن النائم بل اليقظان يفعل من غير علم بكيفية فعله، إذ الفاعل للحركة البطيئة فاعل للسكون معها أو لغرض آخر قائم بها. ولم يشعر بشيء منهما (٦) ولأنه مقدورٌ لله تعالى إذ مصحح المقدوريَّة الإمكان. فلو قدر عليه العبد لقدر على كل ممكن. ولكان إذا أراد إيجاده لتوارد عليه مؤثران مستقلان، أو أراد أحدهما تحريك محل والآخر تسكينه لتمانع المؤثران ويجتمع الضدان

стр. 629

فكل كفرٍ ومعصية بفعل الله تعالى، فلم يجب أن يفعل لمصالح العباد. فإن قلتَ: الله تعالى أجرى عادته بخلق الكفر والإيمان عند اختيارهما فمنشأ المفسدة اختيار المكلف. قلت اختيار المكلف من فعله تعالى لكونه فاعلًا لكل أفعال العباد وعاد المحذور. ولقائلٍ أن يقول (١): إنه يشعر بذلك عند الإيجاد لكنه لا يبقى ولا نسلم أن الإمكان علَّة المقدوريَّة بل هو شرطها. ثم تعلق إرادة أحد القادرين بالمقدور مشروطة بعدم تعلق إرادة الآخر به (٢). ب- تخصيص إيجاد العالم بوقت معين وتقدير الكواكب والسموات والأرضين بمقادير مخصوصة ليس لمصلحة العباد. فإن الزيادة والنقصان جزء لا يتجزأ لا تغير مصالحهم. جـ- خلق الكافر الفقير الذي لم يزل في المحنة إلى زمان الموت ليس لمصلحته. د- خلق الخلق وركب فيهم الشهوة والغضب حتَّى يقتل بعضهم بعضًا، مع قدرته على خلقهم ابتداء في الجنة واغنائهم بالمشتهيات الحسنة عن القبيحة.

стр. 630

ولا يقال: إنما فعل ذلك ليعوضه (١) في الآخرة ويكون لطفًا لمكلفٍ آخر. لأن إعطاء ذلك ابتداءً أولى ولا يحسن إيلام حيوان لطفًا لآخر. ثم لا نسلم أنَّه يغلب على ظننا أن شرع هذا الحكم لهذه المصلحة. وأما الاستصحاب والدوران فسنتكلم (٢) عليهما وأيضًا الدوران إنما يفيد الظن لو سلم عن المزاحم. والمزاحم أن العبد يميل بطبعه إلى جلب (٣) المصلحة ودفع المضرة والله تعالى منزه عنه. ولأن المعتبر دفع الحاجة الخاصة، والملك يراعي النوع، والله تعالى عادته مختلفة في رعاية المصالح جنسًا ونوعًا، ولذلك قد يَحْسُنُ شيء عند الله تعالى ويقبحُ عندنا وبالعكس ولذلك تستقبح الشرائع المتقدمة. ثم ما ذكرتم معارض بوجوه: أ- حكم الشرع لو كان لدفع الحاجة لدفعَ الحاجات كلها, لأنها مشتركة في نفس الحاجة ومتمايزة بخصوصياتها. فما به يمتاز كل حاجةٍ عن غيرها لا يكون حاجةً فلا يعتبر (٤). ب- تعليل حكم الله تعالى بالمصلحة يستلزم خلاف الأصل, لأن عبادات الشرائع المتقدمة قبيحة الآن، فذلك لشرطٍ لم يوجد أو لمانعٍ وجد، وتوقيف المقتضى على شرط وتخلف حكمه عنه لمانع (٥) خلاف الأصل. جـ- تعليل الحكم بالحكمة لا يجوز لخفائها وعدم ضبطها, ولا بالوصف لأن التعليل بالوصف لاشتماله على الحكمة (٦) فهي العلة (٧).

стр. 631

والجواب عن المعارضات: أنها تنفي التكليف (١)، والقول بالقياس تفريع عليه، وإنما يرد الفرقان (٢) على من يوجب تعليل (٣) أحكام الله تعالى بالمصالح، ونحن نقول بأنه تعالى يفعل على وجه مصلحة العبد تفضلًا. وعن المعارضات الأخيرة: النقض بتعليل أفعالنا بالأغراض. " الرابع (٤): المؤثر" وهو كون هذا الوصف مؤثرًا في جنس (٥) الحكم دون غيره، وذلك يفيد كونه أولى بالعلية كالبلوغ فإنَّه يؤثر في رفع الحجر عن المال، فيؤثر في رفع الحجر عن النكاح دون الثيابة (٦)، فإنَّها لا تؤثر في جنس هذا الحكم وهو رفع الحجر. وكقولهم الأخ من الأبوين مقدم في الميراث، فيقدم في النكاح واعلم أن ذلك إنما يتم بالمناسبة أو السير. " الخامس (٧): الشبه" قال القاضي: (الوصف المناسب للحكم لذاته هو المناسب (٨) ومستلزم المناسبة الشبه وغيرهما الطرد). وقال غيره: (للوصف إذا لم يناسب الحكم،

стр. 632

لكن عرف بالنص. تأثير جنسه القريب في جنس الحكم القريب فهو الشبه، لأنه من حيث إنه غير مناسب يظن أنَّه لا يعتبر، ومن حيث إنه عرف تأثير المذكور دون سائر الأوصاف يظن أنَّه أولى بالاعتبار). والشافعي يسمي هذا القياس قياس غلبة (١) الأشباه لوقوع الفرع بين أصلين مشابهته لأحدهما أقوى. وعن الشَّافعيّ (٢) اعتبار الشبه في الحكم، وعن ابن عُليَّة (٣) اعتباره في الصورة (٤). والحق أنَّه مهما حصلت المشابهة فيما يظن أنَّه علة للحكم أو مستلزم لعلته، صح القياس ثم قياس الشبه حجة خلافًا للقاضي.

стр. 633

لنا: أن ظن كون الوصف مستلزمًا للعلة يفيد ظن الاشتراك فى العلة عند (١) الاشتراك فيه. وعلى التفسير الآخر أنَّه لما ثبت أن الحكم لا بد له من علةٍ، ورأينا تأثير جنس هذا في جنس الحكم دون غيره، كان ظن إسناد الحكم إليه أقوى والظن حجةٌ للنص والمعقول المتقدمين (٢). احتج (٣) بأن الوصف إن كان مناسبًا فهو مقبول، وإلا هو الطرد المردود. وجوابه: أن غير المناسب ينقسم إلى الطرد والشبه، والشبه مقبول عندنا (٤). " السادس (٥): الدوران (٦) " وهو: (ثبوت الحكم عند ثبوت الوصف وانتفاؤه عند انتفائه). وقد يكون ذلك في صورةٍ كدوران حرمة المعتصر من العنب مع كونه مسكرًا. وقد يكون في صورتين وهو يفيد ظن العليَّة. وقيل (٧): يفيد اليقين. وقيل لا يفيد شيئًا. لنا (٨):

стр. 634

أ- أن الحكم له علة وليست غير هذا الوصف, لأنه لم يوجد قبل الحكم، وإلَّا لزم التخلف والأصل بقاؤه. فإن قيل: كما دار الحكم مع الوصف دار مع تعينه وحصوله في ذلك المحل، قلنا: التعين والحصول في المحل عدميان، وإلَّا لزم التسلسل في الأمور الوجوديَّة والعدم لا يكون علةً ولا جزؤها. أما الأول: فلأن اللاعليَّة (١) المحمولة على العدم عدمي، فنقيضه وهو العلية (٢) ثبوتي فلا تكون وصفًا للعدم. وأما الثاني: فلأن العلية لا تحصل بدون هذا الجزء، ولو فرض غيره فتحصل عنده فلها علة وليست غيره، فهو علة لعليَّة العلة وعاد المحذور. ولقائلٍ أن يقول (٣): البرهان إنما قام على بطلان تسلسل العلل ثم العلة الشرعية مفسَّرة (٤) بالمعرِّف، والعدم يجوز كونه معرفًا وجزءًا منه. ب (٥) - بعض الدورانات تفيد ظن العلية فإن من دعي باسم فغضب. ثم لم يُدع به فلم يغضب حتَّى تكرر ذلك حصل ظن عليَّة دعائه بذلك الاسم لغضبه وهذا الظن إنما حصل من ذلك الدوران، فإنهم لو سئلوا عنه لعللوا به فكذا كل دوران لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ (٦). والعدل (٧) التسوية.

стр. 635

احتج (١) بوجهين: أ (٢) - بعض الدورانات لا يفيد ظن العلية لدوران العلة مع المعلول، والحكم مع جزء العلة وشرطه واحد المعلولين أو أحد المضافين مع الآخر. والحوادث بعضها مع البعض، والعلم مع المعلوم وغير ذلك، فكذلك كل دورانٍ لما ذكرتم، ولأن الدوران من حيث هو دوران مشترك بين الدورانات فلو كان هو المفيد للظن، لحصل في الكل. ب- أن الطرد غير معتبرٍ وفاقًا. والعكس غير مفيدٍ شرعًا. فكذا المجموع المركب. والجواب عن: أ- أنا ندعي إفادة ظن العلية في دوران لم يقم عليه دليل عدم العلية فسقط ما ذكرتم. ب- أن المجموع قد يخالف الآحاد في الحكم (٣). " السابع (٤): السبر والتقسيم (٥) " السير والتقسيم المنحصر يعتبر في العقليات والشرعيات وفاقًا، كقوله: علة حرمة الربا إما الطعم أو الكيل بالإجماع. والكيل ليس بعلةٍ فتعين الطعم. والمنتشر- كما إذا لم يدع الإجماع- يفيد ظن العليَّة. فإن قيل: لا نسلم الحصر وفساد ذلك القسم (٦). ثم الطعم (٧) قد ينقسم إلى قسمين والعلة أحدهما.
следующие страницы →