← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 19235

التحصيل من المحصول

السراج الأرموي

Полный текст (781 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

والجواب عن المعارضات: أنها تنفي التكليف (١)، والقول بالقياس تفريع عليه، وإنما يرد الفرقان (٢) على من يوجب تعليل (٣) أحكام الله تعالى بالمصالح، ونحن نقول بأنه تعالى يفعل على وجه مصلحة العبد تفضلًا. وعن المعارضات الأخيرة: النقض بتعليل أفعالنا بالأغراض. " الرابع (٤): المؤثر" وهو كون هذا الوصف مؤثرًا في جنس (٥) الحكم دون غيره، وذلك يفيد كونه أولى بالعلية كالبلوغ فإنَّه يؤثر في رفع الحجر عن المال، فيؤثر في رفع الحجر عن النكاح دون الثيابة (٦)، فإنَّها لا تؤثر في جنس هذا الحكم وهو رفع الحجر. وكقولهم الأخ من الأبوين مقدم في الميراث، فيقدم في النكاح واعلم أن ذلك إنما يتم بالمناسبة أو السير. " الخامس (٧): الشبه" قال القاضي: (الوصف المناسب للحكم لذاته هو المناسب (٨) ومستلزم المناسبة الشبه وغيرهما الطرد). وقال غيره: (للوصف إذا لم يناسب الحكم،

стр. 632

لكن عرف بالنص. تأثير جنسه القريب في جنس الحكم القريب فهو الشبه، لأنه من حيث إنه غير مناسب يظن أنَّه لا يعتبر، ومن حيث إنه عرف تأثير المذكور دون سائر الأوصاف يظن أنَّه أولى بالاعتبار). والشافعي يسمي هذا القياس قياس غلبة (١) الأشباه لوقوع الفرع بين أصلين مشابهته لأحدهما أقوى. وعن الشَّافعيّ (٢) اعتبار الشبه في الحكم، وعن ابن عُليَّة (٣) اعتباره في الصورة (٤). والحق أنَّه مهما حصلت المشابهة فيما يظن أنَّه علة للحكم أو مستلزم لعلته، صح القياس ثم قياس الشبه حجة خلافًا للقاضي.

стр. 633

لنا: أن ظن كون الوصف مستلزمًا للعلة يفيد ظن الاشتراك فى العلة عند (١) الاشتراك فيه. وعلى التفسير الآخر أنَّه لما ثبت أن الحكم لا بد له من علةٍ، ورأينا تأثير جنس هذا في جنس الحكم دون غيره، كان ظن إسناد الحكم إليه أقوى والظن حجةٌ للنص والمعقول المتقدمين (٢). احتج (٣) بأن الوصف إن كان مناسبًا فهو مقبول، وإلا هو الطرد المردود. وجوابه: أن غير المناسب ينقسم إلى الطرد والشبه، والشبه مقبول عندنا (٤). " السادس (٥): الدوران (٦) " وهو: (ثبوت الحكم عند ثبوت الوصف وانتفاؤه عند انتفائه). وقد يكون ذلك في صورةٍ كدوران حرمة المعتصر من العنب مع كونه مسكرًا. وقد يكون في صورتين وهو يفيد ظن العليَّة. وقيل (٧): يفيد اليقين. وقيل لا يفيد شيئًا. لنا (٨):

стр. 634

أ- أن الحكم له علة وليست غير هذا الوصف, لأنه لم يوجد قبل الحكم، وإلَّا لزم التخلف والأصل بقاؤه. فإن قيل: كما دار الحكم مع الوصف دار مع تعينه وحصوله في ذلك المحل، قلنا: التعين والحصول في المحل عدميان، وإلَّا لزم التسلسل في الأمور الوجوديَّة والعدم لا يكون علةً ولا جزؤها. أما الأول: فلأن اللاعليَّة (١) المحمولة على العدم عدمي، فنقيضه وهو العلية (٢) ثبوتي فلا تكون وصفًا للعدم. وأما الثاني: فلأن العلية لا تحصل بدون هذا الجزء، ولو فرض غيره فتحصل عنده فلها علة وليست غيره، فهو علة لعليَّة العلة وعاد المحذور. ولقائلٍ أن يقول (٣): البرهان إنما قام على بطلان تسلسل العلل ثم العلة الشرعية مفسَّرة (٤) بالمعرِّف، والعدم يجوز كونه معرفًا وجزءًا منه. ب (٥) - بعض الدورانات تفيد ظن العلية فإن من دعي باسم فغضب. ثم لم يُدع به فلم يغضب حتَّى تكرر ذلك حصل ظن عليَّة دعائه بذلك الاسم لغضبه وهذا الظن إنما حصل من ذلك الدوران، فإنهم لو سئلوا عنه لعللوا به فكذا كل دوران لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ (٦). والعدل (٧) التسوية.

стр. 635

احتج (١) بوجهين: أ (٢) - بعض الدورانات لا يفيد ظن العلية لدوران العلة مع المعلول، والحكم مع جزء العلة وشرطه واحد المعلولين أو أحد المضافين مع الآخر. والحوادث بعضها مع البعض، والعلم مع المعلوم وغير ذلك، فكذلك كل دورانٍ لما ذكرتم، ولأن الدوران من حيث هو دوران مشترك بين الدورانات فلو كان هو المفيد للظن، لحصل في الكل. ب- أن الطرد غير معتبرٍ وفاقًا. والعكس غير مفيدٍ شرعًا. فكذا المجموع المركب. والجواب عن: أ- أنا ندعي إفادة ظن العلية في دوران لم يقم عليه دليل عدم العلية فسقط ما ذكرتم. ب- أن المجموع قد يخالف الآحاد في الحكم (٣). " السابع (٤): السبر والتقسيم (٥) " السير والتقسيم المنحصر يعتبر في العقليات والشرعيات وفاقًا، كقوله: علة حرمة الربا إما الطعم أو الكيل بالإجماع. والكيل ليس بعلةٍ فتعين الطعم. والمنتشر- كما إذا لم يدع الإجماع- يفيد ظن العليَّة. فإن قيل: لا نسلم الحصر وفساد ذلك القسم (٦). ثم الطعم (٧) قد ينقسم إلى قسمين والعلة أحدهما.

стр. 636

والجواب عن: أ- أن المجتهد إذا بحث ولم يطلع على غيرهما، ثم اطلع على فساد أحدهما تعيَّن عليه العمل والمناظر تلوه. فكفاه هذا القدر على أنا نقول غيرهما لم يكن موجودًا بوصف كونه علة والأصل بقاؤه. ب- التمسك بالنقض وغيره. نعم لا يتمسك بعدم المناسبة, لأنه يحوجه إلى بيان انتفائه فيما يدعي أنَّه علةٌ، وذلك ببيان مناسبته المغني عن السبر. جـ- أنَّه منتفٍ إجماعًا. " الثامن (١): الطرد" الوصف الذي لا يناسب الحكم ولا يستلزم ما يناسبه إذا قارنه الحكم (٢) في جميع الصور المغايرة لمحل النزاع وهو المسمى بالاطراد. وقيل: يكفي فيه مقارنته له في صورة. واحتجوا على التفسير الأول بإلحاق النادر بالغالب، وبأن إذا رأينا فرس القاضي على باب الأمير. ظننا كون القاضي في داره وما ذاك إلَّا للاطراد. احتج المخالف بأن الحد مع المحدود والجوهر مع العرض وذات الله تعالى مع صفاته ولا عليَّة. وجوابه: أن ذلك لا يقدح في العلية ظاهرًا: كما في الغيم الرطب. والمناسبة والدوران والإيماء، فإن (٣) كلَّ واحدٍ منهما دليل مع التخلف فلا يقدح التخلف في كونه دليلًا. واحتجوا على التفسير الثاني: بأن العلم (٤) بأن الحكم له علة،

стр. 637

والعلم (١) بحصول هذا الوصف وعدم الشعور بغيره يفيد ظن عليته، لأنه لو لم يحصل ظن عليته لما أسند (٢) إلى علةٍ وهو باطل (٣) أو أسند إلى غيره، وأنه يقتضي الشعور بغيره (٤). ولقائل أن يقول (٥): الإسناد إلى الغير (٦) يقتضي الشعور به جملة، والمقدر عدم الشعور به تفصيلاً (٧)، بل دليله ما سبق مِراراً. خرج بهذا قولهم: مائع لا يبنى القنطرة على مثله، فلا تزال النجاسة به كالدهن وأمثاله، إذ ثم حصل الشعور بوصف آخر أولى بالاعتبار وهو كون الدهن لزجاً. احتج المخالف: بأن تعينِ هذا الوصف للعلية دون غيره، قول بالتشهي فيبطل لقوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ (٨). وجوابه: أن ما ذكرنا لما أفاد ظن العليَّة لم يكن قولاً بالتشهي. تنبيه: المتمسك بمثله لا يلزمه نفي سائر الأوصاف، إذ نفي المعارض ليس على المستدل، ولو أبدى المعترض وصفاً آخر قاصراً ترجح جانب المستدل بالأمر بالقياس. وإن كان متعدياً إلى الفرع لم يضره، لجواز اجتماع المعرفين على معرف واحد (٩). وإن كان متعدياً إلى فرع آخر فعلى المعلل الترجيح.

стр. 638

" التاسع (١): تنقيح المناط" وهو (إلغاء الفارق) (٢) وتسميه الحنفية (بالاستدلال) وإيراده من وجهين: أ - الحكم له علة وهو إما المشترك أو المختص، والثاني باطل فتعين الأول. ب - الحكم له محل وهو المفطر، فذلك إما المفطر بالوقاع أو المشترك بينه وبين المفطر بالأكل، والأول باطل فتعين الثاني وهو ضعيف، إذ لا يلزم من عموم المحل عموم الحكم إذ يصدق قولنا: (الرجل طويل) لصدق قولنا: (هذا الرجل طويل) ولا يصدق قولنا: (كل رجل طويل). " خاتمة " أبعد من قال هذا الوصف علة لعجز الخصم عن إفساده، لأنه ليس أولى من جعل العجز عن التصحيح دليلاً على الفساد، بل هذا أولى إذ لا يلزم منه إثبات ما لا نهاية له. وكذا من قال: هذا عبور من حكم الأصل إلى حكم الفرع. فاندرج تحت قوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا﴾ وتسوية بينهما فاندرج تحت قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ (٣). لإجماع السلف على تخصيصهما لاعتبارهم الدلالة على تعيين (٤) الوصف وعليته وللخصم منع الإجماع.

стр. 639

" الفصل الرابع (١) " فيما يُعْرَفُ به عدم علية الوصف (٢) الأول: النقض وهو (تخلف الحكم عن الوصف). " وفيه مسائل" " المسألة الأولى " النقض يقدح في العلية. وقال الأكثرون: لا يقدح إذا ثبتت عليته بالنص. وقيل: لا يقدح وإن ثبتت بالمناسبة. لكن إذا تخلف لمانع، والتخلف لا لمانع يقدح عند الأكثرين. وقيل: لا. لنا وجوه: أ - العلة لا يتوقف اقتضاؤها على عدم المعارض، وإلا فالحاصل جزؤها فهي مقتضية مطلقاً. فإن قيل: ما يتوقف عليه اقتضاء العلة للحكم قد لا يكون جزءاً. أما في الموجب فإن الثقل (٣) يوجب الهَوْي بشرط عدم المانع، وأما في

стр. 640

القادر فإن تأثيره في الفعل (١) يتوقف على عدم تأثير قادر آخر. وأما في الداعي فلأن من أعطى فقيراً درهماً لفقره فقيل: أعط هذا الفقير الآخر فقال: لا لأنه يهودي صح فتوقف الإعطاء على عدم كونه يهودياً، ولم يخطر بباله، وأما في المعرف فلأن العام حجة، وعدم المخصص ليس جزءاً من العلة (٢) وإلَّا لوجب ذكره في المناظرة. ب - عدم المعارض معتبر في اقتضاء العلة للحكم، فلم يبق الخلاف إلَّا في تسميته جزء العلة أو شرطها (٣). والجواب عن: أ - أنا نستدل في غير المعرف بحصول ذلك العدم على حدوث أمر وجودي به تمت العلة، ففي المعرف يجعل العدم جزءاً منه، وعدم وجوب ذكره في المناظرة بالاصطلاح. ب - بأنا إن فسرنا العلة بالموجب أو الداعي جعلنا عدم المعارض (٤) كاشفاً عن وجود ما به تتم العلة، وإن فسرناها بالمعرِّف جوَّزنا كون العدم جزءاً لكنا نوجب البحث عن مناسبة ذلك العدم، والخصم لا يقول بهما (٥). ولقائلٍ أن يقول (٦): ما الدليل على أن الحاصل قبل المعارض لا يكون تمام العلة؟. أ - أن بَيْنَ اقتضاء العلة بالفعل ومنع المانع بالفعل منافاة. وشرط أحد الضدين عدم الآخر، فشرط كون المانع مانعاً (٧) أن لا تكون العلة

стр. 641

مقتضية، فلو كان عدم كونها مقتضية لكون المانع مانعاً، لزم الدور فعدم اقتضاء الشيء لذاته وما يكون كذلك لا يصلح للعلية وفاقاً. ولقائلٍ أن يقول (١): إن عنيت بالشرط معنى يقتضي تقدمه على المشروط. فليس شرط أحد المتنافيين انتفاء الآخر، وإلَّا كان كل واحدٍ من النقيضين مشروطاً بنفيه ضرورةً. إذ انتفاء كل واحدٍ منهما عين (٢) ثبوت الآخر، وإن عنيت بالشرط ما ينعدم المشروط عند عدمه لم يلزم الدور. ب- أن الوصف الحاصل في الفرع حصل مع الحكم في الأصل ومع عدمه في موضع النقض، والثاني يقتضي القطع بعدم العلية، فلو كان إلحاقه بأحدهما أولى لكان إلحاقه بالثاني أولى، واذا تعارضا فالأصل عدم العلية، والأصل في المناسبة مع الاقتران، وإن كان هو العليَّة لكن الأصل في العلة ترتب الحكم عليها. فإن قيل: لو عمل بأصلكم ترك أصلنا من كل وجهٍ ولا ينعكس. فأصلنا أولى بالعمل، ولأن أصلكم يعارضه أن الأصل استناد انتفاء الحكم إلى المانع الموجود في صورة النقض للمناسبة والاقتران دون عدم المقتضى. قلنا: إذن لا نسلم أن المناسبة مع الاقتران دليل العليَّة بل هو مع الاطراد. ولا نسلم إمكان استناد انتفاء الحكم إلى ذلك المانع فإن المتقدم (٣) لا يضاف إلى المتأخر. فإن قيل: يجوز تعريف المتقدم بالمتأخر، ثم المانع علة المنع من

стр. 642

الدخول في الوجود بعد كونه بعرضيته وأنه لم يتقدم. قلنا: لو أريد بالعلة المعرَّف لم يمنع إسناد انتفاء الحكم إليه من إسناده إلى عدم المقتضي. والمانع لا يؤثر في إعدام شيء لاستدعائه سبق الوجود بل في العدم السابق. احتجوا (١) بوجوه: أ- القياس على العام المخصوص (٢). ب- المذكور أولًا (٣) في بيان كون هذا العام حجة. ب- الإِنسان إنما يلبس الثوبَ مثلًا لدفع البرد. ثم يترك هذا المقتضى عند الخوف من الظلم دون الأمن، وإذا حَسُنَ عرفاً حَسُنَ شرعاً للحديث (٤). د (٥) - المناسب المخصوص يفيد ظن الحكم فإنا إذا علمنا كون الإِنسان مشرقاً مطلوب البقاء ظننا حرمة قتله، وإن لم يخطر ببالنا عدم الجناية. ثم عدم الجناية ليس جزءاً من المقتضى لهذا الظن. فالمقتضى هو الأول فيحصل الظن حيث حصل. هـ- العلة الشرعية أمارة. وتخلف الحكم عن الأمارة لا يخل بها كما في الغيم الرطب. و- بعض الصحابة قال بتخصيص العلة. عن ابن مسعود: أنه كان يقول: (هذا حكم معدول به عن القياس). وعن ابن عباس مثله ولم ينقل إنكار أحدٍ فكان إجماعاً.

стр. 643

والجواب عن: أ - منع الجامع. ثم الفرق أن عدم المخصص يجوز أن يكون جزءاً من دليل الحكم، وعدم المعارض لا يجوز كونه جزءاً للعلة. وإن جوَّزنا ذلك بتفسيرنا للعلة بالمعرَّف نشترط كون ذلك العدم مناسباً، فيجب ذكره ليعرف مناسبته بخلاف عدم المخصص. ب - أن العلة إن فُسَّرت بالموجب أو الداعي كانت مقتضية للحكم لذاتها، فلم تختلف باختلاف المحال. ج، د - أنا ندعي انعطاف قيد على العلة من الفرق بين الأصل وصورة النقض، وما ذكرتم لا ينفيه. هـ - أن الأمارة إنما تفيد ظن الحكم، إذا غلب على الظن انتفاء ما يلازمه انتفاء الحكم. وذلك لا ينفي قولنا. و- أنهم لم يقولوا التمسك بهذا القياس جائز أم لا. " فرعان" (١) الأول من جوز تخصيص العلة قال: التخلف لا لمانع لا يفسدها إذ الاستلزام الظاهر لا ينتفي به. والحق أنه يفسدها، لأن ذات العلة إذا كانت مستلزمة للحكم بقيت كذلك، إلى أن يوجد مزيل وهو المانع. الثاني قيل: لا يجب ذكر نفي المانع إذ المؤثر (٢) هو الوصف فقط ولا يطالب

стр. 644

المستدل إلاَّ بذكر المؤثر. وقيل: يجب إذ المعرف الوصف مع عدم المانع، ترك هذا الدليل في نفي كل مانعٍ للمشقة. فبقيَ (١) في المانع المتفق عليه. " المسألة الثانية " "في دفع النقض" وهو بمنع الوصف في صورة النقض أو منع عدم (٢) الحكم فيها. أما الأول: فإذا منع المعترض وجوده فيها فليس له إقامة الدليل عليه، لأنه انتقالٌ إلى مسألةٍ أخرى. فلئن قال دليلك على وِجوده في الفرع يقتضي وجوده فيها. فهذا لو صحَّ كان نقضاً على دليل الوصف وانتقالاً إلى سؤالٍ آخر، ثم منع وجوده فيها بوجود قيدٍ في الوصف معناه واحد ظاهر أو خفي أو متعدد بالتواطؤ والاشتراك. والأول كقولنا: طهارةُ حدثٍ فتفتقر إلى النية كالتيمم ونقضه بإزالة النجاسة (٣). والثاني كقولنا: في السلم عَقد معاوضةٍ فيجوز حالاً كالبيع ونقضه بالكتابة. والثالث: كقولنا في الصوم عبادة متكررة فتفتقر إلى تعيين النية كالصلاة ونقضه بالحج، فإنه متكرر بالأشخاص دون الأزمان والمراد الثاني. والرابع كقولنا: جمع الثلاث في قرءٍ واحدٍ فلم يحرم كما لو خلل الرجعة بينهما. ونقضه بالجمع في الحيض ودفعه أن المراد هو الطهر ويجوز دفع النقض

стр. 645

بالقيد الطردي (١) عند الطاردين وبعض المانعينٍ أيضاً جوزه وهو باطل، لأن جزء العلة إذا لم يؤثر لم يكن المجموع مؤثراً، ولأن تجويزه يجوَّز التقييد بنعيق الغراب وأمثاله. وأما الثاني: فانتفاء الحكم إن كان مذهب الخصمين أو المستدل توجه النقض وإلَّا فلا. ثم منع عدم الحكم قد يكون خفياً كقولنا: عقد (٢) معاوضة فلا نشترط فيه الأجل ونقضه بالإجارة ودفعه بأن الأجل ليس بشرط بل تعيين المعقود عليه، وكقولنا عقد معاوضة فلا يبطل بالموت كالبيع ونقضه بالنكاح، ودفعه بأن النكاح لا يبطل بالموت بل ينتهي به. ثم إثبات الحكم إن كان في صورةٍ معينة فهو الإِثبات المفصَّل، وإلَّا فالمجمل ونفيه عن كل صورةٍ (٣) صورةٍ نفي مجملٍ وعن بعضها مفصَّلٍ. وأنت تعرف أن أي الأربعة يناقض أيها. " فرع" الحكم التقديري هل يدفع النقض كما إذا قال: ملكُ الأم علةٌ لرقِ الولدِ. ثم نقض بولد المغرور (٤) فأجاب بأن ملك الولد حاصل تقديراً بدليل وجوب الغرم. " المسالة الثالثة " (٥) ورود النقض على سبيل الاستثناء لا يُفسد العلة المعلومة، كعلمنا أن البريء عن الجناية لا يؤخذ بضمانها مع انتقاضه بوجوب الدية على العاقلة ولا المظنونة كالتعليل بالطعم ونقضه بمسألة العرايا. لأنه لما ورد على كل

стр. 646

مذهب كان مجامعاً لما هو علة (١) ثم في وجوب (٢) الاحتراز عنه لفظاً (٣) خلاف. " المسألة الرابعة " الكسر (٤) نقض المعنى كما يقال في صلاة الخوف صلاة يجب قضاؤها فيجب أداؤها كصلاة الأمن. فيظن أن لا تأثير للصلاة فينتقض بصوم الحائض (٥). فإذا لم يبين إلغاء القيد الذي به احترز عن النقض لم يرد هذا (٦) النقض على الباقي. " الثاني" (٧) عدم التأثير (٨) وهو تخلف الوصف عن الحكم ابتداً ودواماً يفسد (٩) العلة إن فسرناها بالمؤثر، إذ المستغنى عنه لا يكون علةً. وإن فَسَّرناها بالمعرَّف فلا.

стр. 647

والعكس (١) وهو وجود الحكم لعلةٍ أخرى، لا يفسدها وهو قول (٢) المعتزلة، خلافاً لأصحابنا في العلل العقلية (٣). لنا: أن المخالفة من لوازم المتخالفين، ويدل عليه في الشرعيات ما نبين من جواز تعليل الأحكام المتساوية بالعلل المختلفة. " الثالث" (٤) القلب وهو تعليق نقيض الحكم المذكور بالوصف المذكور بالرد إلى الأصل المذكور، وإنما اعتبر هذا (٥) لأنه لو رد إلى أصل آخر فحكم ذلك الآخر إن وجد في المذكور (٦) فالرد إليه أولى، إذ لا يمكن للمعترض (٧) منع الوصف

стр. 648

فيه وإلَّا كان نقضاً (١) على الوصف. وإنما يمكن (٢) القلب عند اشتمال الأصل على حكمين امتنع اجتماعهما في الفرع، ليلزم من رد كل واحدٍ منهما إلى الأصل انتفاء الآخر عن الفرع، وفيما تكون مناسبته لأحد الحكمين إقناعية لامتناع مناسبته (٣) للمتنافيين. وإنما يفارق المعارضة في عدم إمكان الزيادة وعدم إمكان منع وجود العلة في الفرع، فيبطل بما تبطل به المعارضة حتى بالقلب إذا لم يناقض الحكم. وقد يثبت القالب بالقلب مذهبه، كقول الحنفي في أن الصوم شرط لصحة الاعتكاف لبث مخصوص، فاعتبرت العبادة في كونه قربةً، كالوقوف (٤) فيقول القالب فلا يعتبر فيه الصوم كالوقوف. وقد يبطل به مذهب الخصم صريحاً، كقوله في المسح ركن من الوضوء فلا يكفي أقل ما يقع عليه الاسم كالوجه. فيقول القالب فلا يتقدر بالربع كالوجه وتنافي هذين الحكمين في الفرع لاتفاق الإمامين. وقد يبطله ضمناً بأن يبطل لازماً له، كقوله في بيع الغائب عقد معاوضة فينعقد مع الجهل بالعوض كالنكاح، فيقول القالب فلا يثبت فيه خيار الرؤية كالنكاح، ويلزم من فساد خيار الرؤية فساد البيع. وقيل: هذا لا يقبل، لأن دلالته بواسطة ودلالة الأصل بغير واسطة. ومن القلب نوع يسمى قلب التسوية كقوله في طلاق المكره. مكلف مالك للطلاق فيقع طلاقه كالمختار، فيقول القالب فيستوي إيقاعه وإقراره كالمختار. وقدح فيه بأن الثابت في الأصل اعتبارهما (٥)، والمثبت في الفرع

стр. 649

عدم اعتبارهما، وجوابه أن عدم الاختلاف حاصل فيهما وهو المراد بالاستواء. " الرابع" (١) القول: بالموجب وهو: (تسليم موجب العلة مع بقاء الخلاف). وذلك في النفي (٢) ببيان كون (٣) اللازم عدم موجبية الشيء المعين للحكم، فيسلمه ويمنع الحكم ولو بَيَّنَ الحكم بعده كان منقطعاً لأنه ظهر أنه ما ذكر الدليل. وفي الإِثبات (٤) بأن كون اللازم العام والنزاع في الخاص. " الخامس" الفرق (٥) وهو فرع امتناع تعليل الحكم الواحد بعلتين.

стр. 650

" المسألة الأولى " (١) يجوز تعليل الحكم الواحد بعلتين منصوصتين خلافاً لبعضهم. لنا: أن حل الدم حكم واحد. وكل واحد من الردة والقتل من حيث هو رِدَّة وقتل علةً له وفاقاً. فإذا اجتمعا دفعةً واحدةً علل بهما. وإنما قلنا إنه حكم (٢) واحد، لأن إبطال حياة الواحد واحد. والإذن في الواحد واحد بالضرورة والزائل بالإسلام استناده إلى الردة، وبالعفو استناده إلى القتل. فإن قيل: ما ذكرتم يفضي إلى نقض العلة، فإنه إذا وجد أحدهما وجد (٣) الحكم، فإذا وجد الثاني لم يوجد ذلك الحكم ولا مثله فحصل النقض. وإلى اجتماع مؤثرين على أثرٍ واحدٍ، إذ العلة ما يجعله الشارع مؤثراً في الحكم وإلى مناسبة الشيء الواحد لمختلفين، إذ العلة يجب مناسبتها للحكم. والجواب عن (٤): أ- أن العلة عندنا مفسرة بالمعرًّف، ولا امتناع في مثل هذا النقض في المعرف. ب - جعل ما ليس بمؤثر مؤثراً ممتنع. ب- أن الواحد قد يناسب المختلفين بجهة مشتركة بينهما. واعلم أنه يسقط كثير من هذه الأسئلة بفرض الكلام فيما إذا جمعت

стр. 651

لبن زوجة أخيك ولبن أختك (١)، وأوجرت المرتضعة دفعةً فإنها تحرم عليك لأنك خالها وعمها. " المسألة الثانية " لا يجوز تعليل الحكم الواحد بعلتين مستنبطتين. لأن قولنا: أعطاه لفقره ينافي أن يكون الداعي له إلى الإِعطاء (٢) فقهه أو مجموعهما. ثم إن تساوت الاحتمالات امتنع الظن، وإن ترجح البعض كان ذلك لا للمناسبة والاقتران لاشتراك الكل فيه، فيكون الراجح هو العلة (٣)، ولأن بعض (٤) الصحابة قبل الفرق. شافه (٥) عمرٌ عبد الرحمن في قصة المجهضة، فقال إنك مؤدب ولا أرى عليك شيئاً. فقال علي ﵁: إن لم يجتهد فقد غشك وإن اجتهد فقد أخطأ، أرى عليك غرة (٦) شبهه عبدالرحمن بالتأديب (٧)، وفرق علي ﵁ بأن التأديب التعزيري لا يجوز المبالغة فيه (٨) إلى حد الإتلاف ولم ينكر أحدٌ فكان إجماعاً.

стр. 652

" الفصل الخامس" (١) فيما يظن أنه يفسد (٢) العلة ولنقدم تقاسيم العلل التقسيم الأول (٣): علة الحكم محله أو جزء من ماهيته أو أمر خارجٌ عنه عقلي أو شرعي أو عرفي أو لغوي. والعقلي إما حقيقي كقولنا: مطعوم أو إضافي كقولنا: مكيل. أو سلبي كقولنا: لم يرض الطلاق أو حقيقي وإضافي، كقولنا: بيع صدر من الأهل في المحل أو حقيقي وسلبي كقولنا: قتل بغير حقٍ أو إضافي وسلبي أو حقيقي وإضافي وسلبي، كقولنا: قتل عمدٍ عدوان. والشرعي كقولنا: يجوز بيعه. والعرفي كقولنا: بيع مشتمل على جهالة مجتنبة عرفاً، واللغوي كقولنا: مسمى بالخمر فيحرم. والتعليل بجزء المحل في العلة القاصرة بالمختص، وفي العلة المتعدية بالمشترك. التقسيم الثاني: الحكم وعلته وجوديان أو عدميان (٤) أو مختلفان فيهما.

стр. 653

التقسيم الثالث: العلة إما فعل المكلف كالقتل، أو لا كالبكارة (١). التقسيم الرابع: الوصف المجعول علةً إما لازم للموصوف ككون البر مطعوماً، أو عارض ضرورة بحسب العادة كانقلاب العصير خمراً، أو باختيار أهل العرف ككون البر مكيلاً أو باختيار الواحد كالقتل. التقسيم الخامس: العلة إما ذاتُ (٢) أوصافٍ كقولنا: قَتْلُ عمدٍ عدوان أو لا كقولنا مطعوم. التقسيم السادس: العلة إما وجه المصلحة ككون الصلاة ناهية عن الفحشاء أو أمارتها كجهالة المبيع، فإن فساد البيع بالحقيقة معلل بتعذر التسليم (٣). التقسيم السابع: الوصف قد يعلم وجوده ضرورة ككون الخمر مسكراً. أو نظراً (٤) يعلم بالضرورة كونه من الدين ككون الوقاع في نهار (٥) رمضان يفسد الصوم، وقد لا يكون كذلك. " المسألة الأولى " اختلفوا في جواز التعليل بمحل الحكم، والحق جوازه في العلة القاصرة إذ لا يبعد قول الشارع حرمت الربا في البر لكونه براً. أو تعرف مناسبته لها. ولا يجوز في المتعدية، لأن خصوص مورد النص يمتنع وجوده في غيره. فإن قيل: أ- لو كان محل الحكم علة له لكان الشيء الواحد فاعلاً وقابلاً، وهما

стр. 654

مفهومان متغايران. فإن كانا أو أحدهما داخلين فيه كان مركباً، وكان ملحوق الفاعلية غير ملحوق القابلية، ولأن الفاعلية والقابلية (١) نسبة بين الماهية وغيرها، والنسبة خارجية وإن كانا خارجين عنه كانا معلولين له ويعود الكلام. ب - أن نسبة القابلية بالإمكان ونسبة الفاعلية بالوجوب، والنسبة الواحدة لا تكون بهما معاً. قلنا: بينا في الكتب العقلية (٢) أنهما مغالطتان. " المسألة الثانية " الوصف الحقيقي إن كان مضبوطاً جاز التعليل به (٣). وإن لم يكن كذلك كالحاجة إلى تحصيل المصلحة ودفع المفسدة، وهو الذي تسميه الفقهاء بالحكمة ويجوز التعليل به (٤) خلافاً لقوم. لنا: أن ظن كون الحكمة علةً وظن حصولها في الفرع يوجبان ظن الحكم فيه، وحصولهما ممكن بالمناسبة، فإنا نستدل (٥) على كون الوصف علةً باشتماله على المصلحة لا مطلق المصلحة، والاَّ فكل وصفٍ (٦) مشتمل على المصلحة علة لهذا الحكم بل مصلحة معينة، والاستدلال بالشيء يتوقف على العلم به. فإن قيل: هذا معارض بوجوه: أ- لو جاز التعليل بالحكمة (٧) لما جاز بالوصف. إذ عليه (٨) الوصف

стр. 655

لاشتماله على الحكمة فهي الأصل في العليَّة. والعدول عن الأصل مع إمكانه تكثير للغلط. إذ القادح في الأصل قادح في الفرع من غير عكس. ب (١) - لو وجب طلب الحكمة لتوقف القياس على وجدان العلة الموقوف على الطلب وكون الأمر بالشيء أمراً بما هو من ضرورياته. ولا يجب طلبها لعسر الاطلاع (٢) على الحاجات ومقاديرها وقد قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٣). جـ - استقراء الشريعة يدل على تعليل الأحكام بالأوصاف دون الحكم، وذلك يفيد ظاهراً امتناعه. د- النافي (٤) للقياس قائم، ترك العمل به في الوصف لظهوره. والجواب عن: أ - أن الحكمة وإن ترجحت لأصالتها، فالوصف ترجح لظهوره. ب- أن عليَّة الحكمة لعلة الوصف إن اقتضت وجوب طلبها ثبت التالي (٥)، وإلاَّ بطلت الشرطية. جـ - أن التعليل بالحكمة كثير في الشرع، كالتوسط في الحد بين المهلك وغيره (٦)، والفرق بين العمل القليل والكثير. د- أن الحكمة أصل في عليَّة الوصف، فالتعليل بها أولى، وهذا يصلح دليلًا في المسألة. تنبيه: من المعللين بالحكمة من إذا قيل له التفاوت بين الحاجات

стр. 656

غالب، فلم قلتم: إن الموجود في الأصل موجود في الفرع؟ أجاب بأنا نعلل بالقدر المشترك بينهما. فإذا نقض ذلك بحاجة غير معتبرة في ذلك الحكم قال: لا نسلم وجود القدر المشترك في تلك الصورة، وهذا ضعيف إذ الأصل والفرع قد لا يشتركان إلَّا في مسمى الحاجة وحينئذٍ يلزم النقص. ولقائلٍ أن يضعف هذا التضعيف بأن هذا وإن كان جائزاً لكنه غير لازمٍ (١). " المسألة الثالثة " يجوز التعليل بالعدم خلافاً لبعض الفقهاء. لنا: أن الدوران قد يفيد ظن عليته. احتجوا بوجوه: أ - العلة ثبوتية لما تقدم فلا تقوم بالعدم (٢). ب - العلية (٣) نسبة والنسبة ثبوتية. ج - العلة متميزة عن غيرها (٤)، والمتميز يختص في نفسه بما ليس في غيره ولا يعقل ذلك في العدم (٥). د - يجب على المجتهد سبْر كل ما يمكن كونه علةً، ولا يجب عليه سبر (٦) الإعدام لعدم نهايتها.

стр. 657

هـ - العدم ليس من سعي الِإنسان فلا يترتب عليه حكم لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ (١). والامتناع وإن ترتب عليه حكم لكنه فعل يترتب عليه العدم. والجواب عن: أ، ب - المعارضة بأنهما لو كانتا ثبوتيتين لزم التسلسل. جـ - أن العدم قد يتميز عن غيره، فإن عدم اللازم يقتضي عدم الملزوم ولا ينعكس. د - أن (٢) الأوصاف العدمية متناهية، ثم لا نسلم المقدمة الأولى. هـ- أنا قد نكلف بالامتناع، ولو كْان فعلاً لكان الممتنع عن الفعل فاعلًا. " فرع" من يمنع التعليل بالعدم له أن يمنع التعليل بالوصف الإضافي، محتجاً بأنه مركب من الإِضافة والخصوصية، وهما عدميتان دفعاً للتسلسل فهو عدمي (٣). " المسألة الرابعة " يجوز تعليل الحكم الشرعي بالحكم الشرعي (٤) خلافاً لبعضهم. لنا: ماسبق (٥).

стр. 658

احتجوا بوجوه: أ - أن الحكم المجعول علةً إن تقدم على الآخر أو تأخر عنه لم يكن علةً وإن قارنه فكذلك (١). إذ النادر من التقديرات الثلاث يلحق بالغالب. ب - أن الحكم لا يكون علةً بمعنى الداعي والمؤثر وفاقاً (٢)، ولا بمعنى المعرف إذ معرف حكم الأصل النص. جـ - شرط العلة تقدمها على المعلول وهو مجهول هنا (٣). د- أن عليَّة أحدهما للآخر ليس أولى من العكس. والجواب: أنا لما فسرنا العلة بالمعرف سقط ما ذكرتم (٤)، وربما يحتاج فيه إلى الاستعانة (٥) ببعض ما تقدم. " فرع" إن جاز ذلك، فهل يجوز تعليل الحكم الحقيقي بالشرعي كما نقول في الشعر يحرم بالطلاق ويحل بالنكاح فيكون حياً؟ والحق جوازه، لأنا فسرنا العلة بالمعرَّف. " المسألة الخامسة " يجوز التعليل بالوصف العرفي كالشرف والخسة، والكمال والنقص بشرط كونه مضبوطاً مطرداً، ليعلم حصوله في زمان النبي ﵇.

стр. 659

" المسألة السادسة " يجوز التعليل بالوصف المركب خلافاً لقومٍ. لنا: ماسبق (١). احتجوا بوجوه: أ - أنه يفضي إلى نقض العلة العقلية، لأن عدم كل واحدٍ من أجزاء العلة المركبة علة لعدم عليتها، لامتناع عليتها بعد عدمها، فإذا عُدم جزء ثم عُدم آخر حصل النقض. فإن قلتَ: هذا ينفي الماهية المركبة. قلتُ الماهية مجموع الأجزاء فلم يكن عدم أحد الأجزاء علةً لشيء (٢)، والعلية أمر زائد (٣) عدمها معلل بعدم الأجزاء. ب - أن العلية إن قامت بكل جزءٍ لزم كون كل جزءٍ علةً، وقيام الواحد بمحال كثيرة، وإن قام بكل جزء جزء انقسمت العلية فيكون لها نصف وثلث. جـ - أن كلَّ واحدٍ من الأجزاء ليس علةً عند الانفراد، فإن لم يحدث عند الاجتماع زائد لم يكن علة. وإن حدث عاد الكلام في المقتضي له وتسلسل. والجواب عن: أ- أنه بناءً على كون العدم علةً وهو ممنوع. ب - أن العليَّة ليست صفةً ثبوتية، دفعاً للتسلسل فلا يصح التقسيم المذكور. ولقائلٍ أن يقول (٤): في هذين الجوابين نظرٌ نبه عليه قبل.

стр. 660

جـ (١) - النقض بحصول الماهية المركبة. " فرعان" الأول: عن بعضهم (٢) أنه لا يجوز أن تزيد الأوصاف على سبعة ولا وجه له. الثاني: في الفرق بين جزء العلة ومحلها (٣)، وشرط ذات العلة وشرط عليتها. قيل: الشرط: (ما يلزم من عدمه عدم الحكم ولا يكون جزءاً لعلة) وقيل: (ما يلزم من عدمه مفسدة دافعة لوجود الحكم)، ثم المثبتون للطرد والمنكرون لتخصيص العلة أنكروا الفرق، لأن العلة الشرعية هي المعرفة والمعرَّف للحكم مجموع القيود فكل واحدٍ جزء المعرف، نعم: قد يكون جزء أقوى من جزء. فإن القتل أقوى من كونه (٤) مضافاً إلى القاتل والمقتول، ولا فائدة لهذا البحث إلا إضافة الفعل إلى من صدر منه العلة دون الشرط، وأنها حاصلة وإن سمينا الكل بالجزء، وبإضافة الفعل إلى من صدر منه الجزء الأقوى. ومن فرَّق قال: إن عُرفت العلية بالنص، فالعلة ما دل النص على كونه

стр. 661

مناطاً وما عرف اعتباره بمنفصل شرط. وإن عرفت بالمناسبة فالقدر المناسب هو العلة، وما يحتاج إليه في تحقيق المناسبة ولا يكون كافياً فيها جزء العلة، والباقي هو الشرط. " المسألة السابعة " لا يجوز التعليل بالاسم، كتعليل تحريم الخمر (١) بأن العرب تسميه بالخمر لأنا نعلم ضرورة أنه لا تأثير لهذا. نعم لو عني به التعليل بالمسمى من كونه مخامراً للعقل كان تعليلاً بالوصف. " المسألة الثامنة " جوز الشافعي- ﵀ التعليل بالعلة القاصرة، وهو قول أكثر المتكلمين خلافاً للحنفية (٢) في العلة المستنبطة. لنا: أن صحة التعدية موقوفة على صحتها، فلو توقفت صحتها على صحة التعدية لزم الدور. فإن قيل: لا يلزم من عدم توقف صحتها على صحة (٣) التعدية صحتها بدون صحة التعدية، لجواز توقف صحتها على وجودها في الفرع. ثم معارض بوجوه: أ - فائدة التعليل التوسل إلى معرفة الحكم والقاصرة لا تعرف حكم الأصل، لأنه معرف بالنص ولا حكم غيره لعدم وجودها فيه وما لا فائدة فيه عبث.

стр. 662

ب (١) - الدليل ينفي القول بالعلة المظنونة. تُركَ في المتعدية للفائدة المذكورة. جـ - العلة كاشفة عن شيء، لأنها أمارة والقاصرة لا تكشف عن شيء. والجواب عن: أ - أن الموجود في غير الأصل لا يكون عين الموجود فيه بل مثله. وكل ما له من الصفات بتقدير وجود (٢) مثله في غير الأصل ممكن له بتقدير عدم مثله في غير الأصل، لأن حكم الشيء حكم مثله فيكون علةً حينئذٍ إذ عليتها باعتبار تلك الصفات. ولقائلٍ أن يقول (٣): لا نسلم أن عليتها باعتبار تلك الصفات بل بها وبوجودها في غيَر الأصل، فإن لم تعتبر هذا عُدتَ إلى أول المسألة. ب (٤) - أن نفس العلم بالعلية ومعرفة مطابقة الحكم للحكمة فائدة إذ قبول النفس للحكم المطابق للحكمة أكثر. ثم القاصرة تفيد معرفة عدم الحكم في غير الأصل، لأنها تفيد امتناع القياس إن وجدت في الأصل علة متعدية لمعارضتها إياها. ولو لم يجز التعليل بها بقيت المتعدية سالمةً عن المعارضة. ثم لم لا يجوز أن تكون مؤثرة في الحكم، وإن

стр. 663

لم ينتفع بها الطالب، ثم يجوز أن لا يعلم أنها قاصرة لا فائدة فيها (١) إلَّا بعد الوقوف عليها والتعليل بها، ثم إنه منقوض بالمنصوصة. والجواب عن الباقيين (٢) يعرف مما تقدم هنا وقبل. " فرع" قالت الحنفية: الحكم في مورد النص ثابت لا بالعلة، لأن الحكم معلوم فلا يثبت بالمظنون وجوَّزه أصحابنا. والخلاف لفظي لأنا نعني بالعلة أمراً مناسباً، يغلب على الظن أن الشرع أثبت الحكم لأجله ولا سبيل إلى إنكاره أصلاً. " المسألة التاسعة " لا يجوز التعليل بالصفات المقدرة خلافاً لبعض فقهاء العصر كقولهم: الملك الحادث يستدعي سبباً حادثاً وذلك قوله: (بعت واشتريت). وهذان اللفظان لا وجود لهما لتركبهما من الحروف المتوالية، لكن الشرع قدر وجودهما لوجوب وجود السبب عند وجود المسبب، وربما يذكر التقدير في جانب الأثر فيقال: الدين مقدر في ذمة المديون وهذا ركيك، لأن الوجوب إما مفسر بتعليق خطاب الشرع كما هو مذهبنا، أو يكون الفعل متصفاً بصفةٍ لأجلها يستحق الذم تاركه. والأول لا حاجة به إلى سبب محدث، إذ القديم لا يحتاج إليه ولا الثاني، إذ المؤثر في الحكم جهة المصلحة أو المفسدة. وأيضاً التقدير يجب كونه على وفق الواقع، وتلك الحروف لو وجدت دفعةً لم

стр. 664

يكن كلاماً ولا معنى لتقدير المال في الذمة، بل معنى الدين في الذمة تمكين الشارع للدائن من المطالبة حالاً أو استقبالاً. ولقائلٍ أن يقول (١): لما فسرت الوجوب بتعلق الخطاب، وقد اعترفتَ في أول الكتاب بحدوثه افتقر إلى سبب حادث. وكون الحكمة مؤثرة في الحكم لا ينافي كون الوصف مؤثراً لما تقدم، وكون التقدير- على وفق الواقع ليس معناه أن المقدر يعطي حكمه لو كان موجوداً، بل معناه أنه يعطى حكم (٢) مؤثرٍ موجود. " المسألة العاشرة " أ - العلة قد تقتضي أحكاماً كثيرةً إما متماثلة. وإنما يمكن ذلك في ذاتين (٣) لامتناع اجتماع المثلين، كالقتل الصادر من شخصين فإنه يوجب القصاص عليهما. وإما مختلفة غير متضادة، كاقتضاء الحيض تحريم الإِحرام والصوم والصلاة. وإما متضادة، وإنما يمكن ذلك إذا توقف اقتضاؤها لها على شروط متضادة بحسب الأحكام لامتناع اجتماع الضدين. ب - شرط العلة اختصاصها بمن له الحكم، وقد يتوقف اقتضاؤها على شرط كالزنا لا يوجب الرجم إلَّا بشرط الإِحصان، وقد لا يكون، وقد تثبت

стр. 665

الحكم ابتدءً كالعدة في منع النكاح. وقد تثبته (١) ابتداءً ودواماً كالرضاع في إبطال النكاح، وقد تقوى على الدفع دون الرفع كالعدة ترفع النكاح ولا ترفعه وقد تقوى عليهما. " المسألة الحادية عشرة " قد يستدل بذات العلة كقوله: قتل عمدٍ عدوان فيوجب القصاص وهو صحيح، وقد يستدل بعليتها كقوله: (القتل العمد العدوان سبب لوجوب القصاص، وقد وجد فيجب القصاص وهو فاسد، لأن العليةَ أمر إضافي يتوقف ثبوتها على ثبوت المضافين فيتوقف على ثبوت الحكم فإثبات الحكم بها دور). ولقائلٍ أن يقول (٢): صدق قولنا القتل سبب لوجوب القصاص لا يتوقف على وجود القتل ولا على وجوب (٣) القصاص. سلمنا لكن لما فُسَرَت العلة بالمعرف انقطع الدور. " المسألة الثانية عشرة " تعليل الحكم العدمي بالوجودي، وهذا الذي يسمى (تعليل بالمانع) لا يتوقف على وجود المقتضي وإن جوزنا تخصيص العلة، لأن المناسبة أو

стр. 666

الدوران إذا وجد في الأمر الوجودي عند عدم المقتضي أفاد ظن عليته. ولأن المقتضي معارض والمعارض لا يقوى بل يضعف (١). احتجوا بوجوه: أ- المعلل بالمانع ليس العدم المستمر، لما عرفت ولأنه ليس حكم الشرع لحصوله قبله بل المتجدد، وهو الامتناع من الحصول بعد أن صار بعرضيته، وذلك يستدعي قيام المقتضي. ب- إسناد انتفاء الحكم إلى انتفاء المقتضي أظهر عند العقل منه إلى المانع، فإن ترجح ظن انتفاءه على ظن وجود المانع أو ساواه لم يعلل بالمانع، فإذا علل به كان ظن انتفاء المقتضي مرجوحا، فكان ظن وجوده راجحاً. جـ - التعليل بالمانع يتوقف في العرف على وجود المقتضي. فإن قولنا: (الطير لا يطير لأن القفص يمنعه) إنما يصح إذا علم كون الطير حياً قادراً، فكذا في الشرع لقوله ﵇: "ما رآه المسلمون حسناً" (٢) الحديث. د - عدم المقتضي يقتضي عدم الحكم، فلا يسند إلى المانع عند عدم المقتضي، لأن تحصيل الحاصل محال بل عند وجوده. والجواب عن: أ - أن المتأخر قد يعرف المتقدم ونعني بكون العدم حكم الشرع أنه لا يعرف إلاَّ منه. ب - أن نفس ظن المانع كافٍ في التعليل بدون الأقسام الثلاثة. ب (٣) - منع التوقف في العرف وإن ظن كون السبع في الطريق كافٍ في أن لا يحضر زيد، وإن لم يخطر ببالنا سلامة أعضائه ونجعل هذا دليلاً ابتداءً ونتمسك بالحديث المذكور. د - أنه يجوز توارد المعرفات على معرفٍ واحد.

стр. 667

فرع: إن قلنا: يتوقف (١) عليه لم يجب بيان وجوده، بل يكفي أن نقول إن لم يوجد المقتضي في الفرع انتفى الحكم عنه. وإن وجد كان ذلك لمصلحة كذا وأنها موجودة في الأصل، فيكون عدم الحكم فيه معللاً بالمانع. قيل (٢): وجود الوصف المقتضي للحكم في الأصل يجب أن يكون متفقاً عليه، وهو ضعيف لأنه إذا ثبت وجوده ولو بدليل كفى.

стр. 668

" الفصل السادس" (١) في البحث عن الحكم والأصل والفرع القسم الأول الحكم " المسألة الأولى " أكثر المتكلمين على صحة القياس في العقليات ومنه قياس الغائب على الشاهد. وقالوا لابد من جامعٍ وهو إمَّا العلة، كقولنا: العلم شاهداً علة العالمية فكذا غائباً، أو الحد كقولنا: حد العَالِمُ شاهداً من له العلم أو الشرط كقولنا: العلم شرطه الحياة شاهداً. أو الدليل كقولنا الأحكام شاهداً دليل العلم. والجمع بالعلة أقوى فيقول فيه إنه متى علم أن حكم الأصل معلل بعلة، وعلم وجودها بتمامها في الفرع أي مستجمعة لما لا بد منه في المؤثرية (٢)، حصل علمٌ بثبوت ذلك الحكم فيه، لأنها لَمَّا حصلت (٣) أثرت في الحكم في الأصل، فلو لم تؤثر في الفرع لزم الترجيح من غير مرجحٍ، ولا معنى لكون القياس العقلي حجةً إلَّا ذلك. نعم تحصيل العلمين (٤) صعب، فإنه لا بد من امتياز ما في الأصل عما في الفرع، فلعل ما به الامتياز جزء (٥) العلة أو شرطها أو مانع من الحكم.

стр. 669

ولهم في تعين العلة طرق: أ- التقسيم المنتشر ويستدلون على نفي قسم آخر بعدم الوجدان بعد الطلب الشديد، كالمبصر إذا نظر بالنهار في جميع جوانب الدار فلم يبصر شيئاً، فإنه يجزم بعدمه وهو ضعيف إذ ربَّ موجودٍ لم يجده. والقياس على المبصر لو كان له جامع إثبات القياس بالقياس. ب - الدوران: أما الخارجي فلا يفيد العلم وأما الذهني كقولنا: متى عرفنا كون الخطاب أمراً بالمحال عرفنا قبحه، ومتى لم يعرف كونه أمراً بالمحال لم يعرف قبحه .. وذلك يفيد الجزم بالعلية فضعيف لأنهم مطالبون بالبرهان على المقدمتين، ولم نر المتكلمين فعلوه. ثم إنه منقوض بأنا متى عرفنا كون هذا أباً لذلك عرفنا كون ذلك إبناً لهذا وبالعكس ومتى لا فلا. مع أن أحدهما ليس علةً للآخر لأن المضافين معاً. وأيضاً لا نسلم أنا متى لم نعرف كونه أمراً بالمحال لم نعرف قبحه فلعل له صفة أخرى لو عرفناها لعرفنا قبحه. واعلم أن هذا (١) الكلام مأخوذ من الفلاسفة، فإنهم يقولون العلم بالعلة علة للعلم بالمعلول، ولا يلزم العلم بالمعلول إلَّا من العلم بعلته وقد بُيِّنَ ضعفهما في الكتب العقلية. " المسألة الثانية " يجوز القياس في اللغات وهو قول ابن سريج، ونقل (٢) ابن جني في كتابه الخصائص (٣) أنه قول أكثر علماء العربية كالمازني (٤) وأبي علي

стр. 670

الفارسي (١)، خلافاً لأكثر أصحابنا وجمهور الحنفية. لنا: أن دوران تسمية المعتصر من العنب بالخمر مع الشدة المطربة تفيد ظن عليتها لها. فالعلم بوجودها في النبيذ يفيد ظن كونه مسمى بالخمر (٢)، وأنه يفيد ظن اندراجه تحت ما يحرم الخمر. فإن قيل: لا مناسبة بين الاسم والمسمى، فامتنع (٣) كونه داعياً إلى الوضع ثم ما يجعل العبدُ علة لا يترتب عليه الحكم أينما وجد فلعل الواضع هو العبد. والجواب (٤) عن: أ - أن العلة هي (٥) المعرف. ب - أن اللغات توقيفية.
следующие страницы →