← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 19237

ميزان الأصول في نتائج العقول

علاء الدين السمرقندي

Полный текст (813 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الكلام في بيان الْكتَابْ يحتاج (١) إلى: بيان كتاب الذي هو حجة في حقنا. وإلى بيان كونه حجة. وإلى بيان كيفية تعلق الأحكام الشرعية به. أما بيان الكتاب الذي هو حجة في حقنا فهو المسمى بالقرآن، المنزل على نبينا محمد ﷺ (٢): أمرنا بالإيمان والعمل به على طريق (٣) التعيين. وأما ما عداه كل من سائر (٤) كتب الله تعالى [فـ]، أمرنا بالإيمان بها على طريق الإبهام والجملة (٥) دون التعيين، بل نهينا (٦)، عن العمل بها والنظر فيها، صريحًا (٧)، لأنه قد ثبت بنم كتاب الله تعالى، أعني القرآن، تحريف بعضها - قال الله تعالى (٨): "يحرفون الكلم عن مواضعه" (٩).

стр. 107

وإنما عرفنا القرآن: كتاب الله تعالى ووحيه وتنزيله، بقول رسولنا محمد ﷺ وإخباره (١) بذلك. لكن الصحابه ﵃ وأرضاهم عرفوا ذلك بإخباره سماعًا (٢)، ونحن عرفناه (٣) نخبره بالنقل عنه تواترًا، والثابت بالتواتر والمسموع بحس السمع سواء، على ما نذكر. ولهذا قال علماؤنا ﵏: إن التسمية المكتوبة في المصاحف على رأس السور، من القرآن، لكنها ليست من السور، لأنه ثبت بالتواتر أنها مكتوبة في المصاحف، ومتلوة مع السور، وما ثبت بالتواتر أنها من السور. وقد (٤) روي عن محمد بن الحسن ﵀ أنه قال: التسمية (٥) آية مكررة في القرآن، أنزلت للفصل بين السور، والبداية (٦) بها تبركًا. ولهذا قال مشايخنا ﵏ (٧): إن (٨) التسمية تكتب في المصاحف على رأس السور، وتتلى معها، لثبوتها بالتواتر (٩)، لكن تكتب (١٠) بخط على حدة، غير موصولة (١١) بالسور، حتى لا يتوهم أنها منها.

стр. 108

وأما بيان كون الكتاب حجة فلأن (١) كتاب الله تعالى دليل على كلامه، وكلامه (٢) صدق لا محالة (٣)، فيجب الإيمان والعمل به (٤) - قال الله تعالى: "وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه" (٥). وأما بيان كيفية تعلق الأحكام به، وكونه دالًا عليها: فمن خمسة أوجه: من حيث العبارة، والإشارة، والإضمار، والدلالة (٦)، والاقتضاء - عند عامة أهل الأصول. وبعضهم نقص عن هذه (٧) الخمسة. وبعضهم زاد عليها، من نحو دليل الخطاب، وحمل الطلق على القيد، وغيرهما. و (٨) أما معرفة تعلق الأحكام بالعبارة (٩) فمبنية على معرفة أقسام الكلام في اللغة. وهي أربعة: الأمر، والنهي، والخبر، والاستخبار. والاستخبار لا يدخل في كلام الله تعالى (١٠)، بطريق الحقيقة، وهو الاستفهام (١١)، إذ هو العالم بالأشياء كلها أزلًا وأبدًا (١٢)، لكن قد يذكر للتقرير، نفيًا أو إثباتًا.

стр. 109

فيبقى الأقسام الثلاثة، لتعلق الأحكام بها، وهي: الأمر، والنهي، والخبر (١). و (٢) كل قسم من الأقسام الثلاثة ينقسم أقسامًا أخر من: العام والخاص، والمشترك والمؤول، والظاهر والخفي، والنص، والمشكل والمفسر والمجمل والمحكم والمتشابه، والحقيقة والمجاز، والصريح والكناية، والمطلق والمقيد، وغيرها. فنذكر أولا (٣) أقسام الأمر، ثم أقسام النهي، ثم أقسام الخبر، ثم ما يتصل بها (٤) من الفصول - فينتهي الفصل الأول، وهو (٥) بيان الكتاب إن شاء الله تعالى (٦). فصل في الأمرْ اعلم أن (٧) مسائل الأمر (٨) خمسة أقسام: فإنها ترجع إلى نفس الأمر، والآمر (٩)، والمأمور، والمأمور به وهو الفعل، والمأمور فيه (١٠) وهو الزمان. وهذا تقسيم ضروري لا مزيد عليه. وكل قسم من هذه الأقسام (١١) يتضمن عدة مسائل:

стр. 110

[١] أما التي ترجع إلى نفس الأمر فمنها - أن اسم الأمر ولفظه على ماذا يقع بطريق الحقيقة؟ قال عامة العلماء: إنه (١) يقع على القول في المخصوص، الذي هو أمر، على الحقيقة، على كل ما نبين حقيقته. ويقع (٢) على الصيغة الموضوعة الدالة على الأمر لغة أيضًا. فهو (٣) مشترك بين هذين الأمرين (٤). ويقع على الفعل، والشأن، والصفة، والحال ونحوها بطريق المجاز. وقال بعض أصحاب الشافعي، ﵀: إنه اسم مشترك بين القول المخصوص والفعل، فيكون حقيقة لهما، ويقع على الباقي بطريق المجاز (٥). وقال بعض أهل التحقيق: إنه (٦) مشترك بين الكل بطريق الحقيقة - ويروى عن الشافعي. وهو قول بعض المتكلمين (٧). وكلام أصحابنا يخرج على هذين (٨) الطريقين (٩): وفائدة الخلاف تظهر في أفعال النبي ﷺ : هل هي موجبة مثل أوامره؟

стр. 111

فعندهم (١) موجبة. وعند بعض أصحابنا: غير موجبة. فهم تعلقوا (٢) بقو له تعالى: "فليحذر الذين يخالفون عن أمره" (٣) - ألحق الوعيد بمن خالف أمر النبي ﷺ (٤)، واسم الأمر يقع على فعله حقيقة، كما يقع على قوله (٥) - يقال: أمور فلان حسنة (٦) مستقيمة - ويراد بها (٧) أفعاله وأحواله (٨). وكذلك قد يظهر في التعلق (٩) بلفظة الأمر الواردة في الأحكام. والصحيح قولنا: فإن العلم الفاصل بين الحقيقة والمجاز:

стр. 112

- أن الحقيقة لا يجوز نفيها عن المسمى بحال، والمجاز يجوز نفيه: فالجد يسمى أبا ويجوز نفيه عنه فيقال: إنه جد وليس بأب (١)، والوالد يسمى أبا ولا يجوز نفيه بحال. وكذا هذا في إطلاق اسم الأسد على الرجل الشجاع والحيوان المخصوص. وههنا اسم الأمر لا يجوز نفيه عن القول المخصوص المطلق بحال ويجوز نفيه عن الفعل. - ومن علامة الحقيقة والمجاز أيضًا أن نافي الحقيقة يكذب، ونافي المجاز لا يكذب. وههنا نافي اسم الأمر عن القول المخصوص المطلق يكذب، ونافيه عن الفعل لا يكذب، فإن السلطان إذا لم يصدر منه صيغة الأمر في يوم يقال إن السلطان لم يأمر اليوم بشيء، وإن وجد (٢) منه أفعال كثيرة - فبطل (٣) كلامهم. والله الموفق. مسألة - في بيان حد الأمر وحقيقته: يجب أن يعلم (٤) أن (٥) الصيغة المخصوصة وهي قوله "افعل" (٦) في الحاضر، و "ليفعل" (٧) في الغائب، ليس بأمر حقيقة، في الشاهد والغائب جميعًا، وإنما هي دلالة عليه لغة (٨)، عند عامة (٩) أهل السنة والجماعة. وعند المعتزلة حقيقة الأمر هو (١٠) نفس هذه الصيغة.

стр. 113

وهذه المسألة فرع مسألة أخرى، وهي معرفة حقيقة الكلام وحده (١)، لأن (٢) الأمر من باب الكلام. وعندنا: الكلام معنى قائم بالمتكلم ينافي صفة السكوت والآفة، أو صفة يصير الذات بها (٣) متكلمًا في الشاهد والغائب جميعًا. وهذه (٤) العبارات المنظومة والأصوات المقطعة بتقطيع خاص، دلالات عليه. وعندهم: الكلام في الشاهد والغائب جميعًا هو (٥) هذه العبارات المنظومة. ومن هذا نشأ الخلاف المعروف بيننا وبينهم في قدم كلام الله تعالى وحدوثه: - فقالوا: إن كلام الله تعالى مخلوق محدث، لأنه عبارة عن هذه العبارات المنظومة، وهي مخلوقة. - وقلنا: إن كلام الله تعالى غير مخلوق لأن كلامه صفته، وهو تعالى (٦) قديم، وصفاته قديمة, والعبارات المنظومة، دالة عليه، لا أنها (٧) عين كلامه. وهي مسألة من مسائل الكلام تعرف ثمة (٨) إن شاء الله تعالى.

стр. 114

إذا (١) ثبت هذا نذكر حقيقة الأمر وحده (٢) - فنقول: اختلفت (٣) عبارات أهل السنة فيه: قال الشيخ الإمام الزاهد (٤) أبو منصور الماتريدي ﵀: إن الأمر حقيقة هو القول الذي هو دعاء إلى تحصيل الفعل، على طريق العلو والعظمة، دون التضرع. وقيل: هو القول الذي هو طلب تحصيل الفعل، على طريق الاستعلاء، دون التذلل. وقيل: هو الاستدعاء على طريق الاستعلاء قولا. وقيل: هو اقتضاء الطاعة من المأمور بإتيان (٥) المأمور به قولا. وهذه العبارات متقاربة من حيث المعنى (٦). و (٧) لا يلزم على هذه الحدود السؤال والدعاء في الشاهد (٨) بأن قال الرجل (٩) لغيره: "اعطني درهمًا" أو قال: "اللهم اغفر لي" لأن هذا طلب الفعل على طريق التذلل، لا على طريق الاستعلاء. وإنما ذكرنا القول احترازًا عن الإشارة في الشاهد، وعن (١٠) فعل النبي ﷺ فإنهما يدلان على طلب التحصيل، وليسا بأمر، واحترازًا عن قول (١١) الذي هو مفترض الطاعة للمكلف [مثل]: "أوجبت عليك أن تفعل

стр. 115

كذا" أو "أوجبت (١) عليك فعل كذا" أو "أطلب منك أن تفعل كذا" أو "أريد منك فعل كذا" - إن هذا كله طلب تحصيل الفعل، وليس (٢) بأمر، لأنا نقول: هذا ليس بدعاء، ولا طلب بنفسه، وإنما هو خبر عن طلب الفعل، أو دليل عليه. وقيل: طلب الفعل ممن له ولاية الطلب. وهذا ليس بصحيح، فإن الأمر من السلطان، بالقتل ظلمًا، وبالزنا، وباللواطة (٣)، أمر حقيقة، حتى إنه (٤) إذا امتنع المأمور عن الفعل- يقال له (٥) إنه (٦) خالف أمر السلطان، وإنه طلب شيء ليس له ولاية طلبه شرعًا. وقيل: طلب الفعل ممن هو دونه في الرتبة أمر، وممن هو مثله سؤال، وممن هو فوقه شفاعة. وهذا لا يصح، فإن طلب الفعل ممن هو دونه على طريق التضرع لا يكون أمرًا بل يكون شفاعة وسؤالا. وكذا طلب الفعل (٧) ممن هو فوقه على طريق الاستعلاء يكون أمرًا حتى ينسب الطالب إلى الحمق أو (٨) سوء الأدب، فيقال: إنه أمر من هو فوقه، ولكن الشرط هو الاستعلاء.

стр. 116

وأما حد الأمر (١) وحقيقته عند المعتزلة فقد اختلفت عباراتهم فيه (٢): قال أكثر البصريين من المعتزلة: لابد من شرائط ثلاثة لصيرورة الكلام (٣) أمرًا: أحدها - أن يكون طلب الفعل بالصيغة الموضوعة له لغة وهو قولك: "افعل" في المخاطبة و (٤) "ليفعل" في المغايبة، حتى لو كان الطلب بصيغة الخبر بأن قال: "أطلب منك (٥) أن تفعل كذا" أو "أريد منك فعل كذا" (٦) لا يكون أمرًا. وكذا بصيغة (٧) النهي لا يكون أمرًا بأن قال له (٨): "لا تتحرك" لا يكون أمرًا بالسكون، وإن وجد منه طلب فعل السكون. والثاني - أن يكون الطلب (٩) على طريق العلو، لا على وجه التذلل (١٠). والثالث - إرادة وجود الفعل المأمور به، من المأمور. وقالوا في تحديد الأمر: إنه قول (١١) يقتضي استدعاء الفعل بنفسه، لا على جهة التذلل. وقال بعض البصريين من المعتزلة: يشترط لصيرورة هذه الصيغة (١٢) أمرًا ثلاث إرادات من الآمر:

стр. 117

إحداها (١) - إرادة إحداث هذه الصيغة، لأن الآمر هو الموجد للكلام عندهم، والأمر حقيقة (٢) من باب الكلام. والثانية - إرادة كون هذه الصيغة أمرًا، فإن المتكلم قد يريد بهذه الصيغة التهديد والإباحة ومعاني ليست بأمر. والثالثة - إرادة وجود المأمور به. وقال البغداديون من المعتزلة: إن الأمر أمر لعينه (٣) وصيغته (٤)، وإنما يحمل على غيره بدليل، ولا يشترطون الإرادة، لأنهم ينكرون (٥) الإرادة صفة الله تعالى. وكذا قالت النجارية (٦): إن الأمر أمر لصيغته وعينه (٧)، وإن كانوا، هؤلاء (٨)، يثبتون الإرادة صفة لله تعالى لذاته.

стр. 118

وقال بعض النجارية: الأمر يكون أمرًا، لإرادة كون هذه (١) الصيغة أمرًا. * * * هذا هو تحديد الخصوم للأمر، وبيان (٢) شرائط حقيقته. - ثم ما شرطوا من صفة (٣) الاستعلاء فهو متفق عليه. - وما شرطوا من طلب الفعل بالصيغة الموضوعة له لغة، فهو مبني (٤) على مذهبهم، على ما قلنا، إن نفس هذه الصيغة أمر عندهم. وعندنا طلب الفعل بالقول المخصوص هو الأمر، وإنما الصيغة دالة عليه (٥) - وما شرطوا (٦) من إرادة وجود المأمور به (٧)، فهو مبني على مذهبهم أيضًا (٨). فأما عند أهل السنة والجماعة: [فـ] هذا ليس بشرط (٩). وهذا فرع مسألة أخرى: أنه هل يجوز أن يأمر الله تعالى بفعل لا يريد وجوده، بل يريد (١٠) عدمه؟ فعند أهل السنة والجماعة: هذا جائز (١١)، كما أمر فرعون بالإيمان ولم يرد منه الإيمان، بل أراد منه الكفر، لأن ما أراد الله تعالى يكون، لا محالة، عندنا.

стр. 119

وعندهم لا يجوز الأمر بشيء لا يريد وجوده، والله تعالى عندهم أراد إيمان فرعون وما أراد وجود الكفر منه، لكنه لم يفعل فرعون ما أراد الله تعالى منه، لشؤم طبعه وسوء اختياره (١) - وهذه من مسائل الكلام تعرف هنالك إن شاء الله تعالى (٢). مسألة - في بيان أن هذه الصيغة المخصوصة موضوعة للأمر حقيقة على طريق الخصوص أو هي مشتركة (٣): قال عامة الفقهاء وبعض المتكلمين: إن هذه الصيغة موضوعة للأمر حقيقة، على طريق الخصوص دون الشركة (٤). لكن عند المعتزلة: هذه الصيغة نفس الأمر. وعند أهل السنة والجماعة (٥): دلالة (٦) على الأمر - على ما مر. وقال أكثر الواقفية (٧) إنه (٨) لا صيغة للأمر بطريق التعيين (٩)، بل هي صيغة مشتركة بين معنى الأمر وبين المعاني التي تستعمل فيها، فهي موضوعة للكل جقيقة بطريق الاشتراك، وإنما تتعين للبعض بالقرينة- وهم بعض الفقهاء، وأكثر المتكلمين.

стр. 120

وقال بعض الواقفية (١): إن الصيغة موضوعة للأمر في أصل اللغة، لكن بحكم الاستعمال، في غيره من المعاني، صارت مشتركة. وبعضهم قالوا بأنها مشتركة بين معنى الإيجاب والندب لا غير، بطريق الحقيقة، وفي غيرهما (٢) تستعمل مجازًا. وبعضهم قالوا بأنها (٣) مشتركة بين المعاني الثلاثة: الإيجاب، والندب، والإباحة. وقال مشايخ سمرقند بأن (٤) حقيقة الأمر هو (٥) الطلب، ومعناه يشمل الندب والإيجاب. وشبهتهم في ذلك (٦) أن هذه الصيغة مستعملة في هذه المعاني، بمنزلة اسم القرء للحيض والطهر، واسم العين لعان كثيرة، من غير أن يكون بين معنى الأمر وبين هذه المعاني مشابهة تصلح طريقًا للمجاز، فيجب القول بطريق الاشتراك ضرورة. والصحيح قول العامة، فإن عامة (٧) أئمة اللغة قالوا: الأمر قول القائل لمن دونه في الرتبة "افعل". وقالوا: إن (٨) أقسام الكلام أربعة: أمر، ونهي، وخبر، واستخبار. فالأمر كقولك: "افعل"، والنهي كقولك (٩): "لا تفعل"، ولأن العلم الفاصل بين الحقيقة والمجاز

стр. 121

والمشترك أن الحقيقة ما تسبق (١) إليها أفهام الناس من غير قرينة، والمشترك ما يحتمل الأشياء المختلفة احتمالا على السواء من غير أن يسبق إلى الأفهام بعضها، والمجاز ما يتناول غير الموضوع لنوع مشابهة بينهما (٢)، بطريق الخصوص. ومن سمع قول القائل لغيره "افعل" فإنه يسبق (٣) إلى فهمه الأمر الذي هو طلب تحصيل (٤) الفعل، دون الإباحة التي هي تخيير بين الترك والتحصيل، ودون التهديد (٥) الذي هو عبارة عن [طلب] (٦) ترك الفعل. وخرج الجواب عن شبهتهم بما ثبت من وضع أهل اللغة [أن] هذه الصيغة للأمر على طريق الخصوص دون الشركة، وبما ذكرنا من الاستعمال الخاص (٧) على وجه تسبق (٨) أفهام الناس إليه من غير قرينة (٩). مسألة: اختلف غير الواقفية فيما بينهم: قال عامتهم: إن هذه الصيغة أمر أو دلالة على (١٠) الأمر، لعينها وصيغتها، ومتى اقترنت بها قرينة يحمل (١١) عليها بدليل مجازًا.

стр. 122

وقال أهل التحقيق منهم: إن هذه الصيغة لم تكن أمرًا، أو (١) دلالة على الأمر لعينها فإن عينها توجد في موضع القرينة ولا تكون أمرًا، ولكن تكون أمرًا لتعريها وتجردها عن القرائن (٢) الصارفة عن معنى الأمر. وهذا أصح (٣)، لأن الحكم المتعلق بالعين ثابت ما بقيت (٤) العين، وإن انضم إليه غيره. مسألة: ثم إذا اقترنت (٥) بالصيغة قرينة تعين بها معنى الإباحة أو التهديد، هل يكون اللفظ بطريق الحقيقة أم بطريق المجاز (٦)؟ - اختلفوا فيه: قال أكثر الفقهاء: إنه بطريق المجاز. وقال بعض أصحاب الحديث: إنه بطريق الحقيقة. كما قالت الواقفية، لا بالطريق الذي قالوا، لكن قالوا: الصيغة المفردة المطلقة (٧) غير الصيغة المقيدة بالقرينة، فتكون الصيغة المطلقة وحدها حقيقة للأمر، ومع قرينة الإباحة للإباحة حقيقة (٨)، ومع قرينة التهديد للتهديد حقيقة- نظيره ما قال أهل اللغة والفقهاء بأجمعهم (٩) إن اللفظ مع الاستثناء حقيقة للباقي وبدون الاستثناء حقيقة للكل، فإنه إذا قال لفلان "علي عشرة إلا خمسة" تجب خمسة - فالعشرة وحدها بدون

стр. 123

الاستثناء موضوعة للعدد الخاص وهو العشرة (١)، ومع الاستثناء موضوعة للخمسة، فيكون لهذا العدد الخاص (٢) اسمان: خمسة وعشرة إلا خمسة - فكذلك هذا. ووجه قول العامة إنه لما ثبت أن هذا اللفظ للأمر حقيقة، فإذا اقترن به دليل الإباحة أو غيره، فقد تغير معنى الأمر، فيجب الحمل على المجاز ضرورة. وما قالوه فاسد، فإنه (٣) يؤدي إبطال القول بالمجاز، فإن المجاز لابد له من قرينة، فمتى صار حقيقة مع القرينة كان الكلام كله قسمًا واحدا (٤)، فيكون خلاف إجماع أهل اللغة فإنهم قسموا الكلام إلى قسمين (٥): حقيقة ومجاز. ثم هؤلاء لم يقولوا: إن اسم الأسد إذا أريد به الرجل الشجاع بقرينة يكون الاسم للشجاع حقيقة، وكذا اسم الحمار للبليد، ولا فرق بين الفصلين - والله أعلم (٦). مسألة: - ثم هذه الصيغة، بشرط تعريها عن الصوارف، تكون (٧) فى دلالة على الأمر، عندنا.

стр. 124

لكن قد (١) تعرف حقيقة الأمر بغيرها من الدلائل، لأنها دليل على الأمر، لا حقيقة الأمر (٢) وحده - وشرط صحة الدليل الاطراد دون الانعكاس، وإنما الاطراد والانعكاس جميعًا (٣) شرط في الحقائق والحدود (٤) دون الدلائل (٥)، وهذه الصيغة المطلقة مطردة في كونها دليل الأمر، فإنه لا توجد (٦) هذه الصيغة (٧) المطلقة إلا ويكون (٨) دليلا على الأمر. وعند المعتزلة: لما كانت هذه الصيغة حقيقة الأمر (٩)، وشرط صحة حقيقة الشيء (١٠) أن تكون مطردة ومنعكسة (١١)، لا جرم يلزمهم أن يقولوا: لا يجوز أن توجد هذه الصيغة إلا أمرًا، ولا يجوز أن يوجد أمر بدون هذه الصيغة، وإلا فتلزمهم (١٢) المناقضة، وقد ناقضوا - حيث قالوا بوجود (١٣) هذه الصيغة في مواضع، ولا يكون (١٤) أمرًا، وحملوا على المجاز فلم يوجد الاطراد، وقالوا لم تكن حقيقة مع وجود ذات الحقيقة، وهذا تناقض بين.

стр. 125

ثم بيان دلائل أخر على أن (١) أمر الله تعالى غير (٢) هذه الصيغة، فإن خبر الله تعالى عن أمره دال عليه، نحو قوله تعالى: "إن الله يأمر بالعدل والإحسان" (٣). وكذا خبر الرسول ﷺ : "أن الله تعالى (٤) أمر بكذا" دليل عليه أيضًا (٥). وكذا إجماع الأمة على الأمر دليل عليه أيضًا. وكذا لفظة (٦) الإيجاب، والفرض، والإلزام، والكتابة، ونحوها - دليل على الأمر. وكذا صيغة النهي دليل على الأمر بضده. وكذا يعرف أمر الله تعالى بالعقل في الأشياء التي تعرف بمجرد العقل، قبل بلوغ الدعوة، وقبل مبعث الرسول ﷺ زمان الفترة. وكذا في الشاهد: يعرف الأمر بالخبر والرمز والإشارة بأن قال: "أمرتك بكذا" أو "أطلب (٧) منك كذا" - والله أعلم. مسألة: في بيان حكم الأمر المطلق الصادر من مفترض الطاعة قالت الواقفية: إنه (٨) لا حكم له بدون القرينة، على ما ذكرنا. وقال عامة الفقهاء وأكثر المتكلمين، سوى (٩) الواقفية، بأن حكمه وجوب العمل والاعتقاد قطعًا - وهو قول مشايخ العراق من أصحابنا.

стр. 126

وقال مشايخ سمرقند، [و]، رئيسهم الشيخ (١) الإمام (٢) أبو منصور الماتريدي ﵀ بأن حكمه الوجوب من حيث الظاهر، عملا لا اعتقادًا، على طريق التعين (٣)، وهو أن لا يعتقد فيه بندب ولا إيجاب قطعًا (٤)، على طريق التعين (٥)، ويعتقد على طريق (٦) الإبهام أن ما أراد الله تعالى به (٧) من الإيجاب القطعي (٨) والندب فهو حق، ولكن يأتي بالفعل لا محالة، حتى إنه إذا أريد به الإيجاب على سبيل القطع (٩) يخرج عن عهدته (١٠)، وإن أريد به الندب يحصل له الثواب، وهو تفسير الوجوب في عرف الفقهاء عندنا (١١)، كا قال أبو حنيفة رحمة الله عليه في الوتر: إنه واجب. والخلاف بين أصحابنا في الاعتقاد (١٢)، لا في وجوب العمل. ويكون التعلق بظواهر الآيات الواردة في الأمر صحيحًا في حق وجوب العمل. أما وجوب الاعتقاد [فـ] أمر بين العبد وبين الله تعالى، فيكفيه مطلق (١٣) الاعتقاد أن ما أراد الله تعالى به فهو حق (١٤)، كما في النص المجمل والمتشابه.

стр. 127

وقال بعض الفقهاء: حكمه الإباحة، لأنه أدنى ما يحتمله اللفظ، فيكون متيقنًا (١). وقال بعضهم: حكمه الندب. وروي هذا عن (٢) الشافعي ﵀. وبه قال أكثر الأشعرية والمعتزلة مع اختلاف أصولهم: - فإن معتزلة البصرة قالوا: مقتضى صيغة الأمر مطلقًا كون الفعل المأمور به مرادًا، وكون الأمر مريدًا له (٣). ثم إن كان الآمر حكيمًا يقتضي كون الفعل حسنًا، إما واجبًا أو ندبًا، لأن الحكيم لا يريد إلا الحسن, فيكون الحسن من مقتضى الحكمة، لا من مقتضى الصيغة، فإن قام الدليل على الوجوب يحمل عليه، وإن لم يقم يتعين الندب مرادًا به (٤) لكونه متيقنًا (٥). - ومن توقف كل من الأشعرية هذه الصيغة، لكونها مشتركة بين الندب والإيجاب فحسب، قالوا: إن صيغة الأمر عند الإطلاق موضوعة للطلب لغة, لكن الطلب من الحكيم يقتضي كون المطلوب حسنًا، والمطلوب الحسن كل مطلقًا هو المندوب، فأما الواجب ففيه (٦) زيادة أمر (٧) وراء الحسن، فيكون مقيدًا. فعند الإطلاق يحمل على الندب، وعند القرينة يحمل على الوجوب. فاتفق (٨) الفريقان على الندب مع الاختلاف في العلة.

стр. 128

وجه قول العامة: الكتاب، والسنة، ودلالة الإجماع، والمعقول: أما الكتاب - فقوله تعالى: " فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم" (١). والمراد بالآية أمر الرسول ﵇، فإنه بناء على قوله تعالى: "لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم لي بعضًا" (٢)، والدعاء على طريق العلو والعظمة (٣)، ممن هو مفترض الطاعة، أمر. فالاستدلال بالآية (٤): أن الله تعالى ألحق الوعيد الشديد (٥) بمخافة (٦) أمر النبي ﷺ مطلقًا، ومخالفة أمره هو ترك ما أمر به، إذ افى المخالفة ضد الوافقة، وموافقة أمره ﵇ هو إتيان (٧) ما أمر به، فالمخالفة، على مضادته، ترك المأمور به -[دل] (٨) أن مخالفة أمر الرسول ﷺ (٩) مطلقًا حرام، وإلا لما ألحق الوعيد الشديد (١٠) به. وإذا كان مخالفة أمره، وهو ترك المأمور به مطلقًا، حرامًا، يكون إتيان (١١) المأمور به واجبًا ضرورة. وإذا كان إتيان (١٢) ما أمر به الرسول ﵇ واجبًا، فكذا إتيان (١٣) ما أمر الله تعالى به، [يكون]، واجبًا، لأن (١٤) أمر الرسول أمر المرسل.

стр. 129

وأما السنة - فما روي عن النبي ﷺ أنه قال (١): "لولا أن أشق (٢) على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة". وفي رواية: "عند كل وضوء" (٣) - أخبر ﷺ (٤) أن أمره إياهم بالسواك عند كل صلاة أو عند كل وضوء (٥)، مطلقًا، سبب المشقة (٦) عليهم، والمشقة إنما تكون (٧) بترك الواجب، بترك المندوب [فـ]، دل أن مطلق (٨) أمره للوجوب. وأما دلالة الإجماع - فإن الأمة أجمعت على وجوب طاعة الله تعالى، وطاعة رسوله ﷺ ، ولا شك أن طاعة الله تعالى، وطاعة رسوله فيما أمرا (٩) بالفعل، هو تحصيل الفعل لا تركه - فوجب القول بلزوم الفعل الذي هو طاعة، إلا أن يقوم الدليل على غيره. وأما المعقول فمن وجوه (١٠): أحدها (١١) - وهو (١٢) أن صدور هذه الصيغة ممن هو من (١٣) أهل الأمر، على طريق الاستعلاء، مطلقًا، يكون إلزامًا وإيجابًا (١٤) للفعل كل من حيث اللغة، لأنها موضوعة لطلب الفعل لا محالة، لأنها لطلب

стр. 130

الفعل (١) حقيقة، وطلب الفعل لا محالة هو طلب الفعل كل من كل وجه. أما الطلب على وجه فيه رخصة الترك، وهو الندب، [فـ] يكون طلبًا من وجه دون وجه، والموضوع للشيء محمول (٢) على الثابت من كل وجه: [فهذا] هو الأصل. والثاني - وهو (٣) أن الأمر أحد تصاريف الفعل، ثم في سائر (٤) تصاريف الفعل (٥) من الماضي والمستقبل والفاعل والمفعول: إذا كان الإخبار (٦) على وجه الصدق، يقتضي وجود الفعل لا محالة - فكذا إذا كان طلب الفعل على وجه (٧) الجد: يقتضي وجود الفعل لا محالة (٨). وكلامنا في الصيغة الواردة ممن يستحيل عليه الهزل والهزء، كما يستحيل عليه الكذب - فيكون أمره لطلب الفعل لا محالة ,كما يكون خبره للصدق لا محالة، وطلب الفعل لا محالة بطريق العلو ممن هو من أهل الأمر حقيقة [في الإلزام]، والإلزام والإيجاب سواء في اللغة. والثالث (٩) - وهو (١٠) أن موجب الأمر هو (١١) الائتمار لغة - يقال: أمرته فائتمر ونهيته فانتهى - كما يقال: كسرته فانكسر وهدمته فانهدم. وإذا كان حكمًا له لم (١٢) يتصور إلا واجبًا به، كأحكام سائر العلل , إلا أن وجود الفعل تراخى، لأن حصوله من في المختار، فتراخى إلى حين الاختيار. وإذا كان تراخي الائتمار عن الأمر لضرورة وجود (١٣)

стр. 131

الاختيار من الأمور، ولا ضرورة في الوجوب، فإنه يثبت (١) جبرًا من الله تعالى، شاء العبد أو أبى، فلا معنى للتأخير. قال (٢): والصحيح ما قاله مشايخ سمرقند، وهو أن حقيقة هذه الصيغة للطلب لغة. ومعنى الطلب موجود في المندوب، لأن الله تعالى رغبنا في تحصيله، حيث وعد الثواب به، فثبت أنه مطلوب (٣)، فكانت (٤) محتملة للندب والإيجاب حقيقة (٥). وكذا يستعمل مطلقها (٦) في معان أخر، مجازًا (٧)، والمجاز مستعمل في الكلام كالحقيقة، بل أغلب - فما قولكم في الأمر المطلق عن قرينة الإيجاب: هل يكون فيه احتمال الندب وإرادة المجاز قائم (٨) أم لا؟ فإن قلتم: قائم - فمع احتمال غير الوجوب، لا يجوز اعتقاد الوجوب، لما فيه من احتمال اعتقاد غير الواجب واجبًا، وهذا كفر فضلا عن الخطأ. وإن قلتم: إن (٩) احتمال الندب وإرادة المجاز أمر باطن، فيسقط اعتباره شرعًا - فنقول: إسقاط اعتبار الحقيقة في أصول الشريعة (١٠) باعتبار الحاجة، ولا حاجة إلى اسقاط اعتبارها (١١) ههنا، لأن الاعتقاد أمر بين

стр. 132

المأمور وبين الله تعالى (١)، فيكفيه مطلق الاعتقاد أن ما أراد الله تعالى به فهو حق، ولا يجوز إسقاط اعتبار الاحتمال كمال من غير حاجة، فلا يجب الاعتقاد بطريق التعيين. وإن قلتم: إن ورود الصيغة، متجردة عن صوارف الوجوب كل من الله تعالى، دليل على الوجوب قطعًا، إذ لا يجوز أن تكون الصيغة مطلقة ولا يراد بها الوجوب - فهذا (٢) تحكم على الله تعالى وحجر عليه، وهو فاسد. ولأن عين الصيغة ليس بدليل، فإن عينها (٣) يوجد، ولا تكون دليلا على الوجوب، وإنما الصيغة المتجردة عن القرائن دليل عندكم، فبم عرفتم أنها متجردة عن القرية (٤)؟ فإن قلتم: إنها ليست بمقرونة (٥) بالصيغة، لعدمها حسًا - فهو فاسد، لأن القرينة قد تكون بيان الرسول (٦) ﷺ ، فلم قلتم إنه (٧) لم يوجد البيان منه، على إرادة الله تعالى الندب من الصيغة. وقد تكون القرينة عقلية لا لفظية - فلم قلتم إنه (٨) لم يوجد الدليل العقلي مقارنًا لأمر على إرادة الله (٩) الندب، ولا شك أن هذا في حد الجواز والإمكان، فيكون دعوى تجرد الصيغة عن القرينة الى الصارفة عن الوجوب باطلا. ولكن (١٠) نحن نقول بالوجوب ظاهرًا مع الاحتمال، في حق العمل. فيجب عليه العمل لا محالة، مع الاعتقاد مبهمًا على أن (١١) ما أراد الله تعالى

стр. 133

به فهو حق. وهو تفسير الوجوب عند الفقهاء (١). وهذا لأنه إن (٢) كان واجبًا حقيقة عند الله تعالى (٣)، فإنه يأثم بتركه، لأن في وسعه أن يأتي به، فيخرج عن عهدة الوجوب. وإن كان غير واجب يثاب على تحصيله، والاحتراز عن الضرر واجب شرعًا وعقلا: أما الشرع -[فـ] ماروي عن عبد الله بن مسعود ﵁ موقوفًا ومرفوعًا إلى رسول ﷺ أنه قال: "ما اجتمع الحلال والحرام إلا وقد غلب الحرام الحلال". وأما العقل - وهو أن كل من دخل في طريق فأخبره عاقل أن في الطريق لصوصًا، فدخل، فأخذ، فإن الناس يلومونه. فثبت أن التحرز عن احتمال الضرر واجب عقلا وشرعًا (٤)، فوجب القول بوجوب الفعل احتياطًا، فيكون الأمر لي طريق الندب حقيقة، كالأمر الموجب فيما اقترن به الوعيد: يجب حمله على الوجوب بالقرينة (٥). والجواب عما تعلق به العامة بطريق الوعيد سهل، لأن الدلائل تعارضت: فما ذكر الفريق الأول يدل على الوجوب في حق الاعتقاد والعمل (٦). وما ذكر الفريق الثاني يدل على نفي وجوب الاعتقاد دون وجوب العمل، فوقع التعارض في حق وجوب الاعتقاد لا غير، فوجب القول بسقوط وجوب الاعتقاد عينًا لي التعارض، ولا تعارض في حق (٧) وجوب العمل (٨)، فوجب القول به.

стр. 134

وأما الانفصال بطريق التحقيق ففيه (١) طول وغور، ولكنا (٢) نشير إلى ذلك: فالحاصل (٣) عن التعلق بالنصوص جوابان: - أحدهما: أن المراد بهذه النصوص الوجوب، لا بظاهر الصيغة، ولكن باقتران الوعيد بها، لما ذكرنا أن هذه الصيغة موضوعة لطلب الفعل (٤)، فيكون الأمر بطريق الندب حقيقة، كالأمر الموجب، فما اقترن به الوعيد يجب حمله على الوجوب بالقرينة (٥)، إذ لا وعيد يستحق بترك المندوب، وفي قوله تعالى: "فليحذر الذين يخالفون عن أمره" (٦) ونحوه من الآيات اقترن به الوعيد وهو قوله تعالى (٧): "أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم" (٨) والمحتمل يتعين أحد وجوهه بالدليل، فيكون المراد به (٩) التحذير عن مخالفة (١٠) الأمر الموجب. على أن الحذر عن أمره المطلق واجب، لأن الظاهر هو الوجوب، فكان خوف الإثم قائمًا ظاهرًا، وهذا لا يدل على الوجوب قطعًا (١١).

стр. 135

وكذا في قوله ﵇: "لولا أن أشق على أمتي" لأن المشقة في ترك الواجب، لا في ترك المندوب، فكان المراد هو الأمر، بطريق الإيجاب. - والثاني، نقول: الموافقة للرسول ﵇ واجبة، ومخالفته (١) حرام، ولكن الكلام في تفسيرهما، فنقول: الموافقة في الاعتقاد أن يعتقد العاقل (٢) الشيء كما اعتقده الرسول ﵇: إن كان واجبًا فواجبًا، وإن كان ندبًا فندبًا. والموافقة من حيث الفعل (٣) أن يفعله على الوجه الذي فعله بوصفه (٤) الخاص كل من الواجب والمندوب والمباح. وأما المخالفة [فـ]، هو (٥) أن يعتقد ويفعل على عكس اعتقاده وفعله. وتحقيق الموافقة وترك المخالفة فيما قلنا من الاعتقاد مبهمًا (٦) مع إثبات (٧) الفعل لا محالة. فأما الاعتقاد، على أحد الوجهين عينًا، وكذا الفعل على قصد أحد الوجهين عينًا -[فـ] فيه احتمال المخالفة وترك الموافقة، فكان ما قلناه (٨) أحق. وهو الجواب عن دلالة الإجماع: أن تفسير الطاعة هو إتيان (٩) ما أمر به، على الوصف الذي أمر به، من واجب وندب - فإن الطاعة موافقة الأمر، والمعصية مخالفة الأمر، وذلك فيما قلنا.

стр. 136

وأما ما ذكروا من وجهي المعقول فلا حجة فيهما: - قولهم: إن صدور هذه الصيغة، ممن هو من أهل الأمر، على طريق الاستعلاء، للإيجاب والإلزام لغة - فممنوع. - قولهم (١): إنها وضعت لطلب الفعل لا محالة - قلنا: ممنوع (٢) أيضًا. أليس أن الأمر بطريق الندب أمر حقيقة، وأنه ليس طلب الفعل لا محالة. - قولهم: إن الطلب بطريق الندب مع رخصة الترك لا يكون طلبًا على الكمال - فنقول: الطلب على وجه الندب طلب كل من كل وجه، فإنه ترجح جانب الوجود بالترغيب في الثواب الجزيل، وإن كان فيه رخصة الترك، لكن الطلب لا محالة قد يكون أكمل، والمطلق لا يشترط فيه الكمال، لأن وصف الكمال قيد، والمطلق اسم للذات كل من كل وجه، كل من غير تعرض لصفة الكمال والنقصان (٣). على أن الإجماع انعقد (٤) بيننا أن هذه الصيغة لا تكون لطلب الفعل (٥) لا محالة ولا إيجابًا، إذا اقترن بها قرينة الندب أو الإباحة (٦). فما لم يثبت الخصم خلو الصيغة عن القرينة الصارفة عن الإيجاب، لا يستقيم كلامه، ولا يمكنه (٧) ذلك على ما مر. والاعتماد على تصاريف الفعل لا يصح، فإن الخبر من جملتها و (٨) الكذب خبر حقيقة كل من حيث اللغة، وإن

стр. 137

لم يوجد المخبر به، والأمر بطريق الندب طلب على وجه الجد (١) وليس بطلب الفعل (٢) لا محالة، فبطل هذا الكلام. - قولهم: إن (٣) الائتمار موجب الأمر - قلنا: ليس كذلك (٤)، فإن موجب الشيء أن يثبت به جبرًا كالانكسار والانهدام، وموجب العلل كلها لا يتوقف على اختيار العباد، والائتمار فعل فاعل مختار، فكيف يكون موجبًا للأمر؟ - وقولهم: إنه (٥) يقال أمرته فائتمر، كما يقال كسرته فانكسر- فنقول (٦): كما يقال (٧) أمرته فائتمر، يقال أيضًا (٨) أمرته فعصى. فليس (٩) العصيان موجب الأمر. ولأن الأمر لا يصلح علة الائتمار، لأن العلة في اللغة وفي عرف المتكلمين اسم للحادث الذي يتغير به حال المحل الذي يحله، وأمر الله تعالى قديم، فاستحال عليه الحدوث (١٠)، مع أن الانكسار الذي جعلوه (١١) نظيرًا للائتمار (١٢) ليس موجب الكسر حقيقة ولا من آثاره، بل هو محض فعل الله تعالى، وهي (١٣) مسألة

стр. 138

المتولدات (١)، ولأن في جعل الأمر علة الائتمار، ولا ائتمار في الحال (٢)، يكون قولا بتخصيص العلة، وهو فاسد، على ما يعرف إن شاء الله تعالى - والله الموفق. مسألة: وينبني (٣) على ما قلنا: إذا اقترن بصيغة الأمر قرينة الندب أو الإباحة أو التهديد: لا يكون

стр. 139

أمرًا حقيقة (١) عند من قال موجبه الوجوب عينًا لانعدام حكمه، وهو الوجوب (٢)، بل إطلاق لفظة (٣) الأمر عليها بطريق المجاز. وعلى قول الواقفية، تكون (٤) صيغة (٥) الأمر حقيقة في الندب والإباحة والتهديد وغيرها، لأن صيغة الأمر مشتركة عندهم بطريق الحقيقة، لكل ما يستعمل فيه، فيتعين بالقرينة. وعلى قولنا في الندب، يكون أمرًا حقيقة، لأن حقيقة الأمر (٦) هو الطلب، ومعنى الطلب موجود فيه. فأما في الإباحة [فـ] ليس معنى الطلب فيها، لأنها (٧) عبارة عن التخيير بين الشيئين إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل. وكذا معنى التهديد: ترك الفعل، ويذكر (٨) ويراد به الزجر والردع، دون طلب التحصيل - فيكون استعمال صيغة (٩) الأمر [فيهما] (١٠) بطريق المجاز، على ما ذكرنا. ثم هذا الفصل حجة على من قال حقيقة صيغة (١١) الأمر للوجوب، لا للندب، وإنما يستعمل للندب (١٢) بطريق المجاز، لأن النوافل مأمور بها (١٣)، فلو (١٤) لم يكن صيغة الأمر للندب بطريق الحقيقة، لم يكن

стр. 140

النوافل مأمورًا بها. فإذا (١) لم يكن مأمورًا بها لا يكون النوافل من العبادات طاعات (٢) لله تعالى، لأن الطاعة موافقة الأمر، لا موافقة الإرادة، عند أهل السنة والجماعة (٣)، خلافًا للمعتزلة. ولا خلاف بين الأمة أن النوافل من العبادات طاعات لله تعالى يجب القول بكونها مأمورًا بها بطريق الحقيقة، فبطل قولهم إن حقيقة الأمر للوجوب لا غير - والله أعلم. مسألة: - في الأمر بعد الحظر: قال عامة الفقهاء والمتكلمين: إن (٤) الأمر بعد الحظر وقبله (٥) سواء - وقد ذكرنا الجواب فيه. وقال بعض أصحاب الشافعي ممن قال بالوجوب قبل الحظر: إنه (٦) إذا ورد بعد الحظر يحمل على الإباحة، ويكون وروده بعد الحظر قرينة الإباحة، لأن الظاهر أن المراد منه رفع الحظر - قال الله تعالى: "وإذا حللتم فاصطادوا" (٧) أراد رفع الجناح عن الاصطياد بعد ما ثبت الحظر بسبب الإحرام. والصحيح قول العامة، لما ذكرنا (٨) أن الأمر طلب واستدعاء، والإباحة تخيير بين التحصيل والترك (٩)، فلم (١٠) يتحقق فيه معنى الأمر،

стр. 141

فكان الحمل عليه بطريق المجاز، وترك الحقيقة لا يجوز كل من غير دليل. وفي النصوص الواردة بصيغة الأمر بعد الحظر يثبت الإباحة بدليل آخر وراء الصيغة، وهو أن الإباحة الشرعية كانت بدليل (١)، ثم الحرمة ثبتت بعارض الإحرام، فإذا زال العارض عادت الإباحة الأصلية الثابتة بالشرع، كا كانت، بدليلها، لا (٢) أن ذلك موجب الأمر. على أن صيغة الأمر بعد الحظر كا وردت للإباحة فقد وردت للوجوب، فإن الأمر بقتل شخص (٣)، حرام القتل بالإسلام أو الذمة، بارتكاب أسباب موجبة للقتل، من الحراب والردة وقطع الطريق، يكون للوجوب وإن وردت بعد الحظر، وإذا كانا في الاستعمال على السواء فكيف تجعل قرينة الإباحة مع الاحتمال. مسألة - الأمر بالفعل هل يقتضي الدوام والتكرار أم يقع على الفعل مرة (٤)؟ الخلاف (٥) في هذه المسألة مع القائلين بالوجوب في (٦) الأمر المطلق، و (٧) مع الواقفية (٨)، دون من قال بالإباحة والندب. والواقفية توقفت في الصيغة المطلقة (٩) في مقدار الفعل حتى يقوم الدليل على المرة أو الكل أو على مقدار معلوم، كما توقفت فيها (١٠) في تناول الوجوب والندب والإباحة إلا بدليل.

стр. 142

وقال بعض الواقفية إنه يحتمل الفعل الواحد، ويحتمل الكل، لكن (١) يصرف إلى الأقل إلا بدليل. وقال بعض الفقهاء من أصحاب الشافعي ﵀ إنه (٢) يحمل على الدوام والتكرار (٣) إلا بدليل - ويروى هذا (٤) عن الشافعي ﵀. وهو قول بعض أصحاب الحديث من المتكلمين. وقال عيسى بن أبان من أصحابنا (٥): إن كان فعلا له نهاية يمكن تحصيل جملته، فإنه (٦) يقع على الكل، حتى يقوم الدليل على الأقل. وإن كان فعلا (٧) لا نهاية له، فإنه يقع على الأقل دون الكل. وقال أكثر الفقهاء والمتكلمين إنه (٨) يقع على الفعل مرة، من حيث إنه مطلق الفعل، لا من حيث (٩) إنه مرة، حتى يقوم الدليل على الدوام. ومذهب شيخنا أبي منصور الماتريدي (١٠) ﵀: أنه لا يعتقد فيه (١١) المرة الواحدة (١٢) ولا الدوام والتكرار قطعًا (١٣) على طريق التعيين (١٤) لكن

стр. 143

يعتقد على (١) الإبهام: أن ما أراد الله تعالى به من الدوام والتكرار أو المرة الواحدة فهو حق (٢)، ويأتي بالفعل على الترادف احتياطًا، ما لم يقم الدليل على أن المراد به الفعل مرة واحدة. واستعمال لفظة التكرار ههنا لا يراد به حقيقة التكرار عند الفقهاء، وهو عود عين الفعل الأول، لأنه لا يتحقق عند أكثر (٣) المتكلمين، وإنما يراد به تجدد أمثاله على الترادف، وهو معنى الدوام في الأفعال عندهم. وجه قول من ادعى التكرار: الاستدلال بالدلائل السمعية، والاستدلال بالوضع اللغوي، والاستدلال بالأحكام اللغوية: - أما الأول، [فـ] قوله تعالى: "وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة" (٤)، وقوله تعالى: "فمن شهد منكم الشهر فليصمه" (٥)، ونحوها - دل (٦) أن المراد به (٧) الدوام و (٨) التكرار والعموم بقدر الممكن (٩) الذي لا حرج فيه، دون المرة الواحدة. وفي آية الحج وهي قوله تعالى (١٠): "ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا" (١١) قام الدليل على

стр. 144

أن المراد به الفعل مرة واحدة (١). ونحن نسلم أنه قد يحمل على المرة الواحدة (٢) بدليل (٣). وروي أنه لما نزلت (٤) آية الحج قال الأقرع بن حابس ﵁ (٥): "ألعامنا هذا يا رسول الله - صلى الله عليك وسلم - (٦) أم للأبد؟ " فقال ﵇: "للأبد"، وكان هو (٧) كل فصحاء العرب، فلو (٨) كان مدلول اللفظ لغة هو (٩) المرة، لجرى (١٠) على ظاهر اللفظ، حتى يجيء خلاف الظاهر بقول رسول الله صلى الله عليه، ولكان لا يسأل عن ذلك (١١)، وإنما سأل وأشكل عليه، لأنه عرف أن مدلول اللفظ التكرار والدوام (١٢) وعرف أن الحرج منفي في الدين (١٣)، فدل أنه للتكرار في الأصل. - وأما الاستدلال بالوضع اللغوي، وهو أن صيغة الأمر وضعت لطلب الفعل بطريق الاختصار، ومعناها: "حصل الفعل" فكانت دالة (١٤) على الصدر المحذوف، والمحذوف لغة والمذكور سواء، والمصدر اسم جنس يتناول

стр. 145

كل الجنس حقيقة والبعض (١) مجازاً، كما (٢) في أسماء أجناس الأعيان، على ما نذكر في باب العموم إن شاء الله تعالى، ولأنه لا خلاف بيننا أن صيغة الأمر واسم الجنس يقع على الكل بطريق الحقيقة، حتى لو نوى الثلاث في قوله: "طلقي نفسك" وفي (٣) قوله: "أنت طالق طلاقاً" لصح (٤). وإذا كان الاسم متناولا للكل، بطريق الحقيقة، فمن الضرورة تناولها للفرد (٥) بطريق المجاز. - و (٦) أما الاستدلال بالأحكام اللغوية: • فلأن صيغه النهي تحمل على التكرار والدوام (٧) بالإجماع، فكذا صيغة الأمر، لأن كل واحدة (٨) منهما موضوعة لطاب الفعل (٩)، إلا أن الأمر طلب (١٠) تحصيل الفعل والنهي طلب ترك الفعل، فيكون وضع صيغة النهي للتكراوالعموم وضعاً لصيغة الأمر للتكرار والعموم (١١) دلالة. • ولأنه يحسن استفسار المأمور من (١٢) الآمر: "إنك أردت بأمرك هذا الفعل مرة أو أكثر"، ولو كانت موضوعة (١٣) للفعل مرة لغة
следующие страницы →