← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 19237

ميزان الأصول في نتائج العقول

علاء الدين السمرقندي

Полный текст (813 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

فالمكروه ضد (١) المندوب والمحبوب لغة. والكراهة ليست بضد الإرادة عندنا، فإن الله تعالى كاره للكفر والمعاصي أي ليس (٢) براض بها ولا محب لها، وإن كان (٣) الكفر والمعاصي بإرادة الله تعالى ومشيئته. وعند المعتزلة: الكراهة ضد الإرادة أيضاً (٤) على ما عرف في أصول (٥) الكلام. وأما الحلال والمحلل: في اللغة -[فـ] مأخوذ من معنى الفتح والإطلاق. ومنه حل العقدة وهو نقيض العقد. قال الله تعالى خبراً (٦) عن موسى صلوات الله عليه وسلامه: "واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي" (٧). وأما المباح: في اللغة -[فـ] الظاهر [أنه] مأخوذ من قولهم: باح فلان بسر فلان بوحاً أي أظهره. ويكون باح به وأباح بمعنى واحد (٨). وأما الإطلاق: فهو (٩) الفتح ورفع القيد، وهو معروف. وأما الإذن: فهو الإعلام - قال الله تعالى: "وأذان من الله ورسوله" (١٠) أي إعلام.

стр. 72

وأما المشروع: [فـ] مأخوذ من الشرع، وهو البيان والإظهار - يقال: شرع الله تعالى كذا أي أظهره وجعله (١) مبيناً ظاهراً. ومنه سميت المشرعة والشريعة لمكان ظاهر معلوم من البحر والنهر نغترف منه الماء ويشرب منه الدواب. وقيل: المشروع (٢) والشريعة والشرعة الطريق المسلوك (٣) في الدين - يقال: شرع فلان في أمر كذا إذا أخذ فيه، وابتدأ ذلك (٤). ومنه الشروع في الصوم والصلاة. ومنه سميت الشريعة (٥) لأنه يشرع فيها (٦) للغسل والتبرد (٧). وفي عرف الشرع: اسم لفعل أظهره الشرع، عن غير حجر وإنكار، ولا ندب وإيجاب (٨) على مقتضى اللغة. فالحلال (٩) والمطلق والمأذون نظائر (١٠)، والمندوب إليه والمحبوب والمرضي نظائر. والمشروع شامل للكل. وأما حدودها عند الفقهاء والمتكلمين: أما حد الحرام والمحرم والمنهي:

стр. 73

فعلى خلاف ما ذكرنا من (١) حد الفرض والواجب القطعي - أعني أن من قال في حد الواجب "ما يأثم بتركه" يقول في الحرام: "ما يأثم بفعله". ومن قال في حد الواجب: "ما أوعد على تركه" يقول في حد (٢) الحرام: "ما أوعد على فعله" إلى (٣) آخر ما تكلموا فيه (٤). وقيل: المحرم ما حرم فعله. وقيل: ما منع من (٥) فعله، وقد ثبت المنع بدليله من النهي والخبر عن الحرمة. ولكن إنما يصح هذا الحد على قول من يقول بتحريم الأفعال دون الأعيان، فيجب أن يذكر على الإطلاق، حتى يصح (٦) هذا التحديد بالاتفاق، فيقال: المحرم هو الممنوع شرعًا حتى يدخل تحته الأفعال والأعيان جميعاً (٧). وقد اختلف المشايخ في أن تحريم الأعيان هل يكون على سبيل الحقيقة أو يضاف إليها الحرمة مجازاً على ما نذكر إن شاء الله تعالى. وأما حد المكروه: [فـ] قيل: ما يكون تركه أولى من تحصيله. وقيل: ما الأولى أن لا يفعل.

стр. 74

وأما حد الحلال: [فـ] هو المطاق بالإذن شرعًا (١). وقيل: التحليل إطلاق الفعل، لمن يجوز عليه المنع والحجر والتقييد، بالإذن. وزيادة معنى على كونه مطلقاً (٢) احترازاً عن فعل المجانين والبهائم، فإنه لا يوصف بالحل والحرمة (٣) , لأنه لا إذن في حقهم ولا حجر. فأما أفعال الصبي العاقل-[فـ] هل يوصف بالحل والحرمة (٤) والإباحة والندب؟ فأصحاب (٥) الحديث قالوا: لا يوصف به؛ لأنه لا خطاب عليهم. ونحن نقول: يوصف فعل الصبي العاقل بالحل والإباحة والندب، لوجود الإذن (٦) من الله تعالى في حقه - قال النبي ﷺ : "مروا صبيانكم بالصلاة إذا بلغوا سبعاً واضربوهم عليها إذا بلغوا عشراً" (٧)، لكن لا يوصف فعله بالحرمة، لانعدام خطاب النهي في حقه (٨). وأما حد المباح: [فـ] قيل: ما استوى فعله وتركه في الشريعة. وهذا يبطل بفعل البهائم والمجانين.

стр. 75

وقيل: ما لا يتعلق بفعله ثواب ولا عقاب (١). وهذا يبطل أيضاً بما قلنا. وقيل: ما يتخير العاقل فيه بين الترك والتحصيل شرعًا. وأما حد المشروع: [فـ] قيل: ما بين الله تعالى فعله من من غير إنكار. وقيل: ما جعله (٢) الله تعالى شريعة لعباده؛ أي طريقاً ومذهباً يسلكونه اعتقاداً وعملاً (٣) على وفق ما شرع. [٥] ومن أنواع الأحكام (٤) أيضاً كون الفعل: حسنًا، ومرضياً، وحقاً، وصواباً، وعدلاً، وحكمة وقد يوصف الفعل على ضد هذه الأوصاف - فيقال: فعل قبيح، وباطل، وخطأ، وظلم، وجور، وسفه (٥). أما الحسن: في اللغة (٦): فهو (٧) كون الشيء على وجه تقبله النفس، و (٨) يميل إليه الطبع، من حيث الاستمتاع به. والحسن هو الكائن على هذا الوجه.

стр. 76

ولهذا يوصف الوجه بالحسن والقبح: يقال وجه حسن ووجه قبيح (١). وأما في عرف الشرع: فعندنا الحسن هو القبول للشيء والرضا به، والحسن هو المقبول والمرضي (٢). ثم هو اسم إضافي باعتبار غير يقبله ويرضى به: وذلك الغير (٣) إما الطبع أو العقل أو الشرع: - فكل (٤) ما يميل إليه الطبع لا غير، يكون حسناً طبعاً، لا عقلاً و (٥) شرعاً، كمباشرة المحرمات الشرعية. - وكل (٦) ما يدعو إليه العقل والشرع، دون الطبع - فهو حسن عقلاً، وشرعاً، لا طبعاً (٧)، كالإيمان بالله تعالى وأصل (٨) العبادات. - وكل ما جاء الشرع به، ودعانا (٩) إليه، ورغبنا في فعله، من غير أن يعقل فيه (١٠) وجه الحسن ويميل إليه الطبع - فهو حسن شرعًا، لا عقلاً وطبعاً، كصور (١١) العبادات ومقاديرها وأوقاتها وهيئاتها (١٢). وأما القبح (١٣): فهو على ضد (١٤) هذه الوجوه أيضاً (١٥)، على مقابلة الحسن.

стр. 77

وأما العدل: -[فـ] قيل: مأخوذ (١) في اللغة (٢) من العدول، وهو الميل - يقال: عدل عن الطريق إذا مال عنه (٣). وأما في عرف الشرع فقد (٤) استعمل في وجه مخصوص، وهو العدول عن الباطل إلى الحق. - وقيل: هو مصدر بمعنى العدالة، وهو الاعتدال والاستقامة. وفي عرف الشرع: يستعمل (٥) في فعل مستقيم في العقل بحيث يقبله (٦) ولا يرده (٧). وأما الجور: فهو (٨) مأخوذ من الميل أيضاً لغة - يقال "جار السهم" إذا زال عن سننه. إلا أنه في الشرع استعمل في الميل الخاص وهو أن يكون (٩) عن الحق إلى الباطل.

стр. 78

وأما الظلم: فهو في اللغة عبارة (١) عن وضع الشيء في غير موضعه (٢). يقال في المثل السائر (٣): "من أشبه أباه فما ظلم" أي هذا الشبه ليس في غير موضعه (٤). ويقال: "ظلم الشعر" إذا ابيض في غير حينه. وأما السفه: في اللغة: [فـ] عبارة عن التحفة والاضطراب. يقال "سفهت أحلام القوم" أي عقولهم (٥) إذا خفت. ومنه (٦) سمي الرجل سفيهاً إذا كان به خفة وفي عقله نوع اضطراب فيحمله (٧) على فعل مخلف للعقل بقلة (٨) التأمل. وأما الحكمة: في اللغة: فقد (٩) قال ابن الأعرابي (١٠): الحكمة العلم، والحكيم هو (١١) العالم. وقيل: الحكمة هي الإتقان والإحكام والحكيم هو المحكم

стр. 79

للشيء: فعيل (١) بمعنى مفعل كما يقال: عذاب أليم أي مؤلم، وسميع بمعنى مسمع (٢). وأما حدود هذه الأفعال عند المتكلمين: [فقد] اتفقوا على (٣) أن كل ما هو حكمة وعدل فهو حسن في العقل (٤)، وأن كل ما هو سفه وظلم (٥) فهو قبيح (٦). و (٧) اختلفوا في تحديدها: قال بعض أهل الحديث: القبيح والظلم والسفه ما نهي عنه. والحسن ما أمر به. فأبطل عليهم: - بأفعال الله تعالى عندهم (٨)، وهي (٩) المفعولات عندنا: فإن كثيراً منها يوصف بالحسن، والله تعالى لم يكن يدخل (١٠) تحت أمر آمر. - وكذا أبطل عليهم بفعل العاقل البالغ (١١) قبل بلوغ الدعوة من الإيمان

стр. 80

بالله تعالى والإحسان في حق ذوي الحاجة، فإنه فعل حسن ولم يؤمر به قبل بلوغ (١) الدعوة عندكم. وكذا ما أتى به من الكفر والكفران والكذب والظلم: فإنه قبيح يقر به (٢) كل عاقل، وليس هو (٣)، بمنهي عن هذه الأفعال. فلما عرفوا هذا (٤) الإلزام قالوا: إن القبيح ما نهي عنه، والحسن ما لم ينه عنه. فأبطل عليهم: - بفعل الصبيان والمجانين، من اللواطة والوطء في ملك الغير (٥)، وقذف المحصنات، والقتل بغير حق ونحو ذلك (٦) - فإنها أفعال قبيحة ولم توصف (٧) بالحسن، وإنهم لم ينهوا عنها. - وكذا العاقل البالغ إذا آمن (٨) بالله تعالى وأقر بوحدانيته وبجميع (٩) صفات الكمال قبل بلوغ الدعوة وظهور الشريعة، وكذا إذا أطعم جائعاً وسقى عطشان: فإن فعله لا يوصف بالحسن عندهما (١٠)، والإيمان والإحسان مما (١١) لم ينه عنهما.

стр. 81

فتركوا هذا الحد ونقلوا (١) إلى حد آخر، وهو قولهم (٢): الحسن والعدل والحكمة ما لفاعله فعله، والقبيح (٣) والظلم والسفه ما ليس لفاعله فعله. فيقال لهم: - بم عرفتم أن لفاعله فعل هذا النوع دون النوع الآخر (٤): أبالعقل عرفتم ذلك أم (٥) بالشرع؟ إن قلتم: بالعقل، فقد تركتم مذهبكم في أن العقل لا يعرف به (٦) الحسن والقبح والعدل (٧) والظلم. وإن قلتم: بالشرع فقد عدتم إلى الحد الأول وقد أبطلناه (٨). - ثم هو باطل بفعل البالغ العاقل الذي لم يبلغه الشرع - فما قولكم: هل له أن يؤمن أم لا؟ فإن قلتم: لا، فهو قبيح شنيع. وإن قلتم: له أن يؤمن، فقد فعل ما له فعله، وفعله لا يوصف بالحسن عندكم، فيبطل هذا الحد في جانب الحسن. - ثم نقول لهم (٩): هل له أن يكفر؟ فإن قلتم: نعم، فهذا كفر. وإن قلتم: ليس (١٠) له أن يفعله، فقد وجد حد فعل (١١) القبيح، وفعله لا يوصف (١٢) بالقبح عندكم.

стр. 82

- وكذا عندكم فاعل الكفر والمعاصي، هو الله تعالى، وله فعله، والعبد كانت و (١) ليس بفاعل، وإنه (٢) لا يوصف بالحسن بل بالقبح. وقال بعض المعتزلة: الحسن ما إذا فعله القادر عليه لم يستحق الذم بوجه ما. وهذا باطل: - بالصبي العاقل إذا فعل شيئًا من الفواحش: فإنه لا يوصف ذلك (٣) الفعل بالحسن مع وجود ما ذكرتم من الحد. - وكذا باطل بالمباح: فإنه ليس بحسن، مع وجود هذا الحد. فإن (٤) وصفوا المباح بالحسن: فهو فاسد، لأن الحسن لابد أن (٥) يكون فيه وصف يترجح به جانب وجوده على جانب عدمه (٦)، والمباح ما استوى طرفاه في الوجود والعدم. وذكر أبو إسحاق الاسفرايني (٧) من الأشعرية وقال:

стр. 83

الظلم والقبيح ما يعود به على فاعله ضرر محض. والحسن على عكسه (١). والحكمة في الفعل وقوعه على قصد فاعله. والسفه وقوع الفعل (٢) على خلاف قصد فاعله. فمن وقع فعله على موافقة قصده فهو حكيم، ومن وقع فعله على خلاف قصده فهو سفيه. وعامة المعتزلة قالوا: إن الحكمة كل فعل فيه نفع إما للفاعل (٣) أو (٤) لغير الفاعل. وهو عدل. وهو حسن. وكل فعل خلا عن المنفعة إما للفاعل وإما لغيره (٥)، فهو سفه. وقالوا: كل فعل فيه إلحاق الضرر بالغير من غير أن يكون فيه نفع أعظم مما فيه من الضرر - فهو ظلم. وقال بعضهم: الظلم هو (٦) الضرر المحض الذي لا نفع فيه، ولا هو مستحق؛ ولا يدفع به ضرر أعظم منه، ولا يظن به أحد هذه الوجوه (٧). وقال أصحابنا ﵏: السفه ما خلا عن العاقبة الحميدة. وهو قبيح لخلوه عن العاقبة الحميدة، لا لمكان الضرر. والظلم وضع الشيء في غير موضعه. والحكمة ما تعلقت به عاقبة حميدة. * * *

стр. 84

والكلام في هذه الفصول لتصحيح ما ذكرنا من الحدود، وإبطال ما ذكروه يستقصى (١) في أصول الكلام. وقد (٢) ذكرنا طرفاً منه لاتصاله بما قلنا. وفي الشرح يذكر بأبلغ من هذا (٣) إن شاء الله تعالى. [٦] ومن أنواع الأحكام (٤) كون الفعل: عزيمة، ورخصة أما العزيمة: في اللغة: [فـ] عبارة عن النية المؤكدة - فإن من خطر بباله شيء (٥) من الأفعال التي يحتاج إلى تحصيله، فإنه ينوي مباشرته بقلبه. فإذا أكد النيَّة يقال: "عزم عليه". وإذا (٦) أكد العزم يقال: "أجمع عليه رأيه" (٧) فأما الإرادة والقصد [فـ] قرينة الفعل، بها يصير الفعل اختيارياً (٨)، ويخرج (٩) عن (١٠) حد الاضطرار. غير أن لفظة الإرادة مطلقة يجوز إطلاقها في الشاهد والغائب. فأما (١١) القصد فيطلق (١٢) في الإرادة الحادثة، ولا يجوز إطلاقه (١٣) في صفة الله تعالى مكان الإرادة.

стр. 85

وقال بعض مشايخنا رحهمم الله (١): يجوز أن تكون الإرادة سابقة على الفعل، بخلاف القدرة الحقيقية: فإنَّها مقارنة للفعل لا محالة (٢)، لا يجوز سبقها عليه ألبتة (٣). وأما الرخصة: في اللغة: فعبارة (٤) عن السهولة واليسر - يقال: رخص السعر إذا كثرت الأعيان وتيسرت إصابتها. وأما في عرف الفقهاء: فالعزيمة (٥) اسم للحكم الأصلي في الشرع لا لعارض أمر. وهو ما ذكرنا من الفرض والواجب والسنة ونحوها (٦). وما ذكرنا من الحلال والحرام ونحوهما (٧). و [أما] الرخصة فهي اسم لما تغير عن الأمر الأصلي لعارض (٨)، إلى تخفيف وتيسير، ترفيهاً (٩) وتوسعة على أصحاب الأعذار، سواء كان التغيير في وصفه (١٠) أو في حكمه. وذلك نوعان: حقيقة ومجاز (١١). أما الحقيقة - فقد تكلموا فيها:

стр. 86

قال بعض مشايخنا ﵏: هي (١) نوعان: أحدهما - ما تغير حكمه مع بقاء الوصف الذي كان عليه من قبل (٢)، وهو أن يكون الفعل محرمًا في نفسه مع سقوط حكمه، وهو (٣) المؤاخذة في الدار الآخرة (٤). وذلك نحو إجراء كلمة الكفر على لسانه (٥) حالة الإكراه، مع قيام (٦) التصديق بالقلب، وإتلاف المال المعصوم لغيره بغير إذنه، وسبب الإكراه أو (٧) المخمصة، حتى لو امتنع فقتل أو مات جوعاً فإنه يثاب على ذلك، لامتناعه، ببذل نفسه (٨) لوجه الله تعالى، وتعظيم نهيه، لأن حرمة الكفر والتكلم به لا تحتمل (٩) الإباحة بحال، وكذا إباحة (١٠) تناول مال الغير بغير إذنه لم يرد الشرع به، لكن لا يؤاخذه (١١) في الآخرة، لأن العذاب ليس من الأحكام اللازمة لمباشرة المحظور (١٢). وإنما عرف جزاء له بوعيد الله تعالى، والله تعالى ما أوعد الجزاء بمباشرة (١٣) المحظور عند العذر. وكذا إفطار صوم رمضان بالإكراه من هذا القبيل.

стр. 87

والنوع الثاني - أن يسقط الحظر والمؤاخذة جميعاً (١). وذلك نحو حرمة الميتة (٢) والخمر عند الإكراه والمخمصة، حتى لو امتنع فمات، فإنه يؤاخذ (أي يأثم) بدمه. وأما الصوم في حق المسافر في رمضان: فعند عامة مشايخنا ﵏ من القسم الأول، فإن العزيمة في حق المسافر، إذا كان لا يخاف الهلاك، هو الصوم، فيكون الصوم واجبًا في حقه، لكن المؤاخذة ساقطة مع قيام الوجوب. وعند بعض المشايخ من القسم الثاني، لأن الوجوب ساقط إلا أنه إذا ترك الترخص واشتغل بالعزيمة، يعود حكم العزيمة كما كان (٣). وكلا القسمين رخصة، بطريق الحقيقة، لوجود التغير عن الأمر الأصلي إلى تخفيف وتيسير (٤)، إلا أن القسم الثاني (٥) أكمل (٦) في الرخصة، لأن التيسير (٧) والتغير فيه (٨) عن الأمر الأصلي أكثر، وهو سقوط وصف الفعل وسقوط (٩) الحكم جميعاً. فأما (١٠) قصر الصلاة في حق المسافر فليس برخصة عندنا، بل هو عزيمة.

стр. 88

وعند الشافعي ﵀ رخصة، لأن المشروع الأصلي في الصلاة من حيث القدر (١) ركعتان، على ما روي عن عائشة ﵂ عن رسول الله ﷺ أنه قال (٢): "الصلاة في الأصل (٣) ركعتان زيدت في الحضر، وأقرت في السفر" وقال عمر ﵁: "صلاة المسافر ركعت أن [تمام] (٤) عن (٥) غير قصر على لسان نبيكم ﷺ " (٦) ثم في حق المقيم تغيرت عن الأصل وصارت أربعة لكنه تغير إلى الغلظ والشدة (٧) لا إلى التيسير والسهولة (٨)، فلا (٩) يسمى رخصة. وقال بعض مشايخنا ﵏: الرخصة الحقيقية نوعان: أحدهما - ما تسقط (١٠) المؤاخذة فيه مع قيام الحرمة والوجوب على ما ذكرنا. والثاني - ما تسقط (١١) المؤاخذة فيه والحرمة والوجوب مع قيام السبب المحرم والسبب الموجب (١٢). وهذا إنما يصح على قول من يقول بتخصيص

стр. 89

العلة، ويجوز (١) قيام السبب (٢) المحرم والموجب بلا (٣) حرمة ولا وجوب. وقال بعض أصحاب الحديث: إن حقيقة الرخصة ما وسع على المكلف فعله، لعذر، مع كونه حراماً في حق من لا عذر له، أو وسع على المكلف تركه، مع قيام الوجوب، في الجملة في حق غير المعذور. وسوى بين الرخص كلها وقال: لا يجوز أن تكون (٤) الرخصة حرام التحصيل: قال النبي ﷺ : "إن الله تعالى يحب أن يؤتى (٥) برخصه كما يحب أن يؤتى (٦) بعزائمه" وقال النبي ﷺ ، لعمار بن ياسر (٧) ﵁، حين أكرهه الكفار على إجراء كلمة الكفر فأجرى،: "فإن عادوا فعد"، كيف وإن (٨) بعض الرخص يجب تحصيله (٩)، كما في تناول الميتة والدم عند الإكراه والمخمصة، وكما في الإفطار إذا خاف الهلاك. وهذا صحيح ويجب أن يكون قول أصحابنا ﵏ هذا، فإن معنى الرخصة السهولة واليسر، وذلك في سقوط الحظر والعقوبة جميعاً. وأما الرخصة بطريق المجاز: فهو كل حكم شرع، في الأصل،

стр. 90

تيسيراً، لا أنه تغير (١) عن الأصل إلى التخفيف بعارض، لكن كان على التضييق (٢) والعسر في شريعة من قبلنا من الأمم السالفة (٣)، وذلك نحو وضع الإصر والأغلال التي كانت على (٤) الأمم السالفة وصارت منسوخة، ولم يشرع مثلها في شريعتنا، بل على اليسر والسهولة. فعلى اعتبار الإضافة إلى الشريعة الماضية يشبه الرخصة فسميت (٥) بها مجازاً. فأما ما شرع في شريعتنا بطريق السهولة و (٦) اليسر كما هو في شريعة من قبلنا (٧)، كإباحة أكل (٨) الطيبات ولبس الزينة، فلا يسمى رخصة لا حقيقة ولا مجازاً. ثم ما قيل في حد الرخصة، و (٩) هو استباحة المحظور مع قيام المحرم عبارة مشكلة: إن أريد بها إباحة المحظور (١٠) مع قيام المحرم (١١) بلا حرمة، فهو قول بتخصيص العلة. وإن أريد بها إباحة المحظور مع قيام الحرمة نفسها (١٢)، فهو قول بالجمع (١٣) بين المتضادين، وكلاهما فاسدان (١٤).

стр. 91

والصحيح ما ذكرنا من العبارة، وممكن تصحيح (١) ما ذكرنا من عبارة (٢) بعض أصحاب الحديث. وإن ذكر حداً مقسماً بأن يقال: حد الرخصة ما وسع على المكلف بعذر. ثم ما وسع عليه نوعان (٣): ما وسع فعله، أو ما وسع تركه (٤) - حتى يصير حداً شاملاً للقسمين [جاز]. وبعضهم صحح هذه العبارة فقال: ما رخص فيه مع كونه حراماً. وهذا لا ينفع لأن الترخيص (٥) إباحة أيضاً (٦) وإن لم يكن إباحة مطلقة- كيف وقد أمر به النَّبي ﷺ حيث قال لعمار ﵁ (٧): "فإن عادوا فعد"، وأدنى درجات الأمر هو (٨) الإباحة - والله تعالى أعلم.

стр. 92

[٧] ومن أنواع الأحكام (١) كون الفعل: أداء، وقضاء، وإعادة فنذكر تفسير هذه الجملة من حيث اللغة، وعرف الشرع. أما الأداء والقضاء (٢): فلفظان يستعملان (٣) في اللغة أحدهما مكان الآخر (٤) - قال الله تعالى: "فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض" (٥). والمراد منه الأداء، لأن صلاة الجمعة لا تقضى (٦). وقال الله تعالى: "فإذا قضيتم مناسككم" (٧). ويقال: "قضي الدين"-. قال (٨) النبي ﷺ : "الدين مقضي" أي مؤدى (٩). إلا أن الأداء (١٠) في اللغة ينبئ عن شدة الرعاية والمبادرة إلى تسليم عين (١١) الواجب، فيستعمل في تسليم عين الواجب على طريق المسارعة. ولهذا (١٢) يقال في الثلاثي منه: "الذئب يأدو للغزال فيختله" (١٣) أي

стр. 93

يراعي حضوره شدة (١) الرعاية، وينتهز (٢) الفرصة بالحيلة حتى يأخذه. وأما القضاء فعبارة عن الإحكام والإتقان - قال قائلهم (٣). وعليهما مسرودتان (٤) قضاهما ... داود أو صنع السوابغ تبع أي أحكم صنعتهما. ويراد به إتيان (٥) الفعل الواجب محكماً تاماً (٦)، من غير قصور من حيث المعنى. فيستعمل في تسليم مثل الواجب، كما يستعمل في تسليم عينه، لاستوائهما من حيث المعنى. وأما في عرف الشرع: فالأداء عبارة عن تسليم عين الواجب، في وقته المعين شرعًا أو مطلقًا (٧). والقضاء عبارة (٨) عن تسليم مثل الواجب في غير وقته المعين شرعًا. ثم هو أنواع: - نوع منها (٩) هو مثل الواجب (١٠) من كل وجه، صورة ومعنى، بأن عقل معناه، كتسليم المثل في المثليات لعد الاستهلاك حقيقة أو تقديراً بالغصب.

стр. 94

- ونوع هو مثل الأول (١) معنى لا صورة، كتسليم القيمة فيما لا مثل له من الأعيان. - ونوع جعل مثلًا شرعًا، وإن لم يكن بينهما مشابهة من حيث الصورة والمعنى، من كل وجه، كالدية في باب القتل، والفدية في حق الشيخ الفاني، ونفقة الإحجاج مقام أداء الحج في حق المعذور على ما عرف في كتب الفقه. وأما الإعادة: فهي رد عين الفائت إلى يد صاحبه (٢) حال قيامه - هو موجبه في اللغة: مأخوذ من العود. وفي إعادة الأجسام والأعراض، بعد الفناء والعدم، كلام دون العقلاء يعرف في مسائل الكلام (٣). ولكن (٤) الإعادة المستعملة في العبادات، في عرف الشرع، هي إتيان مثل الفعل (٥) الأول على صفة الكمال، بأن وجب على المكلف فعل موصوف بصفة، فأداه على وجه النقصان، وهو نقصان فاحش -[فـ] يجب عليه الإعادة، وهي إتيان مثل الأول، ذاتاً، مع صفة الكمال على ما نذكر كيفية ذلك (٦) في مسألة: الأمر بالفعل هل (٧) يقتضي الإجزاء - إن شاء الله تعالى (٨).

стр. 95

ثم عندنا ما يؤدى في خارج الوقت المعين، بعد فواته عن الوقت المعين، يكون قضاء، سواء كان وجوب الفعل ثابتًا (١) في الوقت بأن كان أهلا للتكليف أو لم يكن الوجوب (٢) ثابتًا، لكن ليس في القضاء حرج (٣)، كالحائض والنفساء والنائم والمغمى عليه والمجنون غير المطبق ونحو ذلك (٤). ويعتبر وجوب الأداء في الجملة لا في حقه، ولكن (٥) يعتبر في حقه (٦) أهلية ثواب الأداء فيجب القضاء (٧) نظرًا له. وقال بعض أصحاب الحديث: إن من وجب عليه الفعل (٨) في الوقت، ففاته، عمدًا أو سهوًا، يكون المثل في الوقت الآخر (٩) قضاء. وإن لم يكن الوجوب ثابتًا يكون أداء حقيقة، وهو فرض ثان (١٠) لكن سمي قضاء مجازًا إلا أن (١١) من شرط هذا الفرض الثاني فوات الأول. و (١٢) لكن الصحيح ما ذكرنا، فإنه بالإجماع يجب عليه أن ينوي قضاء الفائت. وبين الأداء والقضاء (١٣) اختلاف في الأحكام، ولكن ليس من شرط القضاء وجوب الأداء في حق من وجب (١٤) عليه. ولكن الشرط

стр. 96

وجوب الأداء في الجملة لعموم (١) دليله وفواته عن الوقت في حقه، مع إدراك وقت القضاء، وانتفاء الحرج عنه (٢)، على ما عرف في مسألة المجنون على الاستقصاء. والله أعلم. [٨] ومن (٣) أنواع الأحكام كثرة من: - كون الشيء مالًا مملوكًا متقومًا (٤) - فيحتاج إلى تفسير المالية والملك والتقوم، وقد عرف ذلك في كتب الفقه ومسائل الخلاف (٥). - وكذا تفسير الحرية والرق، والقيد والإطلاق، ونحوها -[فـ] يذكر في كتب الفقه و (٦) مسائل الخلاف. وإنما ذكرنا بعض (٧) ما يختص بأصول الفقه. والله الموفق.

стр. 97

الفصل الثاني في بيان (١) ما يعرف به الأحكام

стр. 98

فيحتاج فيه إلى: - بيان أسماء ما يعرف به الأحكام. وتفسيرها من حيث اللغة وفي (١) عرف الشرع، وبيان حدودها. - وإلى بيان أنواعها (٢). وإلى بيان كيفية دلالة الدلائل. ووجوه دلالتها على الأحكام (٣). أما الأول فما يعرف به الأحكام له أسام (٤) بعضها اسم جنسى، وبعضها اسم نوع. ويكون البعض أعم من البعض. وهو: الدليل ، والحجة، والبينة، والبرهان، والآية، والعلامة، والعلة، والسبب، والشرط، واستصحاب الحال، ونحو ها (٥). أما الدليل: في اللغة [فـ]، يستعمل في شيئين (٦): يذكر ويراد به العلامة المنصوبة لمعرفة (٧) المدلول. ولهذا سمي (٨) الدخان دليلًا على النار، وسمي (٩) العالم دليلًا على الصانع.

стр. 99

وقد (١) يذكر ويراد به الدال: فعيل بمعنى فاعل، نحو عليم وقدير بمعنى عالم وقادر (٢). ولهذا يقال: دليل القافلة. ولهذا يسمى (٣) الله تعالى دليلًا عند الإضافة فيقال في الدعاء: يا (٤) دليل المتحيرين. وأما في عرف الشرع فقد (٥) اختلفوا: فمنهم من قال: حقيقة الدليل هو الدال. ومنهم من قال: حقيقة الدليل (٦) هو (٧) العلامة التي تدل على المدلول. بناء على الاستعمال في المحلين جميعًا في اللغة. لكن الأصح أن يقال: إنه اسم للدال في حقيقة (٨) اللغة. ولكن في عرف الاستعمال صار اسماً للعلامة، فيكون حقيقة عرفية. وقد أشار الشيخ الإمام (٩) أبو منصور الماتريدي ﵀ إلى المعنيين جميعاً فقال (١٠) في كتابه المسمى بـ "مآخذ الشرائع" في (١١) أصول الفقه: الدليل هو الهادي، وهو المعرف لمن تأمل ما هو دلالة معرفته. وذكر في كتاب "الجدل": الدليل هو العلم الذي من سلكه أفضى به إلى غرضه ومقصوده (١٢). ثم إن اسم الدليل أعم من سائر الأسماء، فإنه يقع على جميع ما يعرف به

стр. 100

المعلوم (١)، سواء كان محسوسًا معقولًا أو مشروعًا، حتى قال (٢) أهل الكلام: دليل معرفة المعلومات ثلاثة: الحس، والخبر، والعقل. وكذا يقع على ما يوجب العلم والعمل (٣) قطعًا، وعلى ما يوجب العمل والعلم ظاهرًا لا قطعًا (٤)، فإن القياس وخبر الواحد وظاهر النصوص تسمى (٥) أدلة، وإن لم تكن قطعية (٦). وأما الحجة: فقيل: إنها مأخوذة من قولهم "حج" أي قصد، ومنه "حج بيت الله تعالى" (٧) لأنه يقصد بالزيارة (٨). وأما قي عرف الشرع: [فـ] سميت حجة، لأنها تقصد بالطلب لمعرفة الشيء (٩) وعلى طريق الاستبصار (١٠)، أو عند مجادلة الخصوم. وقيل: إنها مأخوذة من قولهم "حج" أي غلب - يقال: "لج فحج" أي غلب فظفر (١١). وكذا قال الخليل (١٢): الحجة اسم لوجه يظفر به على الخصوم - سميت "حجة" لأنها تغلب على من قامت عليه وألزمته حقًا (١٣).

стр. 101

ولهذا قال الشيخ الإمام (١) أبو منصور الماتريدي ﵀: الحق ما غلبت حججه، وأظهر التمويه في غيره. وقيل: إنها (٢) مأخوذة (٣) من الحجى، وهو العقل، وأصله معتل (٤). ثم استعمل مضاعفًا كالحقة والدرة (٥): أصلهما (٦): حقية وحقوة (٧) ودروة (٨). ثم في عرف الشرع تستعمل (٩) في موضع يوجب العلم ظاهرًا، وفي موضع يوجب العلم يقينًا: فإن القياس وخبر الواحد، والآية المؤولة (١٠) تسمى (١١) حجة، كما أن الاستدلال العقلي والنص القاطع يسمى حجة. لكن قيل: أصله أن يستعمل في موضع القطع. ولهذا قالوا قي حدها: إن الحجة هي التي يلزم (١٢) العاقل المنصف قبول ما له حجة (١٣). وقيل: هي ما يضطر (١٤) العاقل إلى قبوله. وقيل: هي التي لا (١٥) يقدر على جحدها جحد العقل، لا جحد اللسان.

стр. 102

لكن في عرف الفقهاء صارت مستعملة في كل ما يلزم على الغير: إما من حيث القطع، أو من حيث الظاهر في حق العمل. و (١) أما البرهان: فهو في اللغة نظير الحجة. وهو موضوع في الأصل لما يوجب العلم قطعًا - قال الله تعالى: "قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين" (٢). ولهذا قالوا في حده: ما صحت به الدعوى، وظهر به صدق المدعي. وقيل: هو بيان صادق الشهادة. ثم في عرف الشرع مستعمل في الأمرين. وإنه عام أيضًا في العقلي والسمعي جميعًا. وأما البينة: فهي في اللغة مأخوذة (٣) من البيان، وهو الظهور والإظهار. ومن البينونة وهو الفصل: سمي المعنى الظاهر الفاصل بين الحق والباطل بينة. وهي في الأصل اسم لا يوجب العلم قطعًا. ثم في العرف صارت مستعملة في الأمرين. ولهذا سميت الشهادة في باب القضاء بينة، وهي ليست بقاطعة. وأما الآية: فهي في اللغة اسم (٤) لعلامة يظهر وجه دلالتها على ما جعلت علامة له.

стр. 103

ولهذا تسمى (١) آثار الديار (٢) الواضحة "آيات" كما تسمى "معالم" - قال النابغة: توهمت آيات لها (٣) فعرفتها ... بستة (٤) أعوام وذا العام سابع وقال آخر: "وغير آيها العصر" أي آثار الديار. وقيل: هي مشتقة من إيا الشمس، وهي ضوؤها - يقال إيا الشمس بكسر الهمزة مقصورة، فإن أسقطت الهاء فتحت الهمزة ممدودة فيقال: آياء (٥) الشمس، فاشتقت الآية من ذلك، لظهور دلالتها في الوضوح، كضوء الشمس وشعاعها. ولهذا سميت معجزات الرسل صلوات الله عليهم: "آيات بينات" (٦): قال الله تعالى: "ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات" (٧). وقال الله تعالى لزكريا صلوات الله عليه: "قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزًا" (٨). وأما في عرف اللسان -[فـ] اسم لما يفيد العلم قطعًا، لكن يستعمل في محال مخصوصة، وهو في الدلالة (٩) على ثبوت الصانع، وفي معجزات الأنبياء ﵈ (١٠)، وفي ألفاظ القرآن لا غير (١١)، مع أن المعنى شامل لكل دليل واضح الدلالة.

стр. 104

وأما العلامة: فهي اسم لمطلق المعرف للشيء في اللغة (١). ولهذا سميت (٢) الرايات أعلامًا. قال الله تعالى: "وعلامات وبالنجم هم يهتدون" (٣). * * * ونذكر بيان العلة، والسبب، والشرط، و [استصحاب] (٤) الحال، في باب القياس إن شاء الله تعالى (٥). * * * وذكر الشيخ الإمام القاضي (٦) أبو زيد (٧) ﵀ هذه الأسامي في أول كتابه المسمى بـ "التقويم" في أصول الفقه (٨)، وبين معانيها لغة، وحدودها شرعًا، وفي بعضها نظر (٩). فمن (١٠) وقف على حقيقة (١١) ما ذكرته، يظهر له وجه الصواب في ذلك (١٢)، في اللغة والشرع، والله أعلم. ويعرف حقيقة ذلك على

стр. 105

الاستقصاء في شرح "التقويم" إن شاء الله تعالى، فإنه يحتاج (١) إلى الشرح ليقف عليه الفقهاء على الوجه. فالله الموفق. وأما [الثانى:] بيان أنواعه (٢) فثلاثة تعرف بأصول الفقه، وهي (٣): * الكتاب. * والسنة. * والإجماع. * والقياس الشرعي فرع هذه الأصول الثلاثة. فنبدأ بالكتاب، ثم بالسنة، ثم بالإجماع، ثم بالقياس - فيتم الكتاب بحمد الله وحسن توفيقه (٤).

стр. 106

الكلام في بيان الْكتَابْ يحتاج (١) إلى: بيان كتاب الذي هو حجة في حقنا. وإلى بيان كونه حجة. وإلى بيان كيفية تعلق الأحكام الشرعية به. أما بيان الكتاب الذي هو حجة في حقنا فهو المسمى بالقرآن، المنزل على نبينا محمد ﷺ (٢): أمرنا بالإيمان والعمل به على طريق (٣) التعيين. وأما ما عداه كل من سائر (٤) كتب الله تعالى [فـ]، أمرنا بالإيمان بها على طريق الإبهام والجملة (٥) دون التعيين، بل نهينا (٦)، عن العمل بها والنظر فيها، صريحًا (٧)، لأنه قد ثبت بنم كتاب الله تعالى، أعني القرآن، تحريف بعضها - قال الله تعالى (٨): "يحرفون الكلم عن مواضعه" (٩).

стр. 107

وإنما عرفنا القرآن: كتاب الله تعالى ووحيه وتنزيله، بقول رسولنا محمد ﷺ وإخباره (١) بذلك. لكن الصحابه ﵃ وأرضاهم عرفوا ذلك بإخباره سماعًا (٢)، ونحن عرفناه (٣) نخبره بالنقل عنه تواترًا، والثابت بالتواتر والمسموع بحس السمع سواء، على ما نذكر. ولهذا قال علماؤنا ﵏: إن التسمية المكتوبة في المصاحف على رأس السور، من القرآن، لكنها ليست من السور، لأنه ثبت بالتواتر أنها مكتوبة في المصاحف، ومتلوة مع السور، وما ثبت بالتواتر أنها من السور. وقد (٤) روي عن محمد بن الحسن ﵀ أنه قال: التسمية (٥) آية مكررة في القرآن، أنزلت للفصل بين السور، والبداية (٦) بها تبركًا. ولهذا قال مشايخنا ﵏ (٧): إن (٨) التسمية تكتب في المصاحف على رأس السور، وتتلى معها، لثبوتها بالتواتر (٩)، لكن تكتب (١٠) بخط على حدة، غير موصولة (١١) بالسور، حتى لا يتوهم أنها منها.

стр. 108

وأما بيان كون الكتاب حجة فلأن (١) كتاب الله تعالى دليل على كلامه، وكلامه (٢) صدق لا محالة (٣)، فيجب الإيمان والعمل به (٤) - قال الله تعالى: "وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه" (٥). وأما بيان كيفية تعلق الأحكام به، وكونه دالًا عليها: فمن خمسة أوجه: من حيث العبارة، والإشارة، والإضمار، والدلالة (٦)، والاقتضاء - عند عامة أهل الأصول. وبعضهم نقص عن هذه (٧) الخمسة. وبعضهم زاد عليها، من نحو دليل الخطاب، وحمل الطلق على القيد، وغيرهما. و (٨) أما معرفة تعلق الأحكام بالعبارة (٩) فمبنية على معرفة أقسام الكلام في اللغة. وهي أربعة: الأمر، والنهي، والخبر، والاستخبار. والاستخبار لا يدخل في كلام الله تعالى (١٠)، بطريق الحقيقة، وهو الاستفهام (١١)، إذ هو العالم بالأشياء كلها أزلًا وأبدًا (١٢)، لكن قد يذكر للتقرير، نفيًا أو إثباتًا.

стр. 109

فيبقى الأقسام الثلاثة، لتعلق الأحكام بها، وهي: الأمر، والنهي، والخبر (١). و (٢) كل قسم من الأقسام الثلاثة ينقسم أقسامًا أخر من: العام والخاص، والمشترك والمؤول، والظاهر والخفي، والنص، والمشكل والمفسر والمجمل والمحكم والمتشابه، والحقيقة والمجاز، والصريح والكناية، والمطلق والمقيد، وغيرها. فنذكر أولا (٣) أقسام الأمر، ثم أقسام النهي، ثم أقسام الخبر، ثم ما يتصل بها (٤) من الفصول - فينتهي الفصل الأول، وهو (٥) بيان الكتاب إن شاء الله تعالى (٦). فصل في الأمرْ اعلم أن (٧) مسائل الأمر (٨) خمسة أقسام: فإنها ترجع إلى نفس الأمر، والآمر (٩)، والمأمور، والمأمور به وهو الفعل، والمأمور فيه (١٠) وهو الزمان. وهذا تقسيم ضروري لا مزيد عليه. وكل قسم من هذه الأقسام (١١) يتضمن عدة مسائل:

стр. 110

[١] أما التي ترجع إلى نفس الأمر فمنها - أن اسم الأمر ولفظه على ماذا يقع بطريق الحقيقة؟ قال عامة العلماء: إنه (١) يقع على القول في المخصوص، الذي هو أمر، على الحقيقة، على كل ما نبين حقيقته. ويقع (٢) على الصيغة الموضوعة الدالة على الأمر لغة أيضًا. فهو (٣) مشترك بين هذين الأمرين (٤). ويقع على الفعل، والشأن، والصفة، والحال ونحوها بطريق المجاز. وقال بعض أصحاب الشافعي، ﵀: إنه اسم مشترك بين القول المخصوص والفعل، فيكون حقيقة لهما، ويقع على الباقي بطريق المجاز (٥). وقال بعض أهل التحقيق: إنه (٦) مشترك بين الكل بطريق الحقيقة - ويروى عن الشافعي. وهو قول بعض المتكلمين (٧). وكلام أصحابنا يخرج على هذين (٨) الطريقين (٩): وفائدة الخلاف تظهر في أفعال النبي ﷺ : هل هي موجبة مثل أوامره؟
следующие страницы →