← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 19237

ميزان الأصول في نتائج العقول

علاء الدين السمرقندي

Полный текст (813 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

فكان الحمل عليه بطريق المجاز، وترك الحقيقة لا يجوز كل من غير دليل. وفي النصوص الواردة بصيغة الأمر بعد الحظر يثبت الإباحة بدليل آخر وراء الصيغة، وهو أن الإباحة الشرعية كانت بدليل (١)، ثم الحرمة ثبتت بعارض الإحرام، فإذا زال العارض عادت الإباحة الأصلية الثابتة بالشرع، كا كانت، بدليلها، لا (٢) أن ذلك موجب الأمر. على أن صيغة الأمر بعد الحظر كا وردت للإباحة فقد وردت للوجوب، فإن الأمر بقتل شخص (٣)، حرام القتل بالإسلام أو الذمة، بارتكاب أسباب موجبة للقتل، من الحراب والردة وقطع الطريق، يكون للوجوب وإن وردت بعد الحظر، وإذا كانا في الاستعمال على السواء فكيف تجعل قرينة الإباحة مع الاحتمال. مسألة - الأمر بالفعل هل يقتضي الدوام والتكرار أم يقع على الفعل مرة (٤)؟ الخلاف (٥) في هذه المسألة مع القائلين بالوجوب في (٦) الأمر المطلق، و (٧) مع الواقفية (٨)، دون من قال بالإباحة والندب. والواقفية توقفت في الصيغة المطلقة (٩) في مقدار الفعل حتى يقوم الدليل على المرة أو الكل أو على مقدار معلوم، كما توقفت فيها (١٠) في تناول الوجوب والندب والإباحة إلا بدليل.

стр. 142

وقال بعض الواقفية إنه يحتمل الفعل الواحد، ويحتمل الكل، لكن (١) يصرف إلى الأقل إلا بدليل. وقال بعض الفقهاء من أصحاب الشافعي ﵀ إنه (٢) يحمل على الدوام والتكرار (٣) إلا بدليل - ويروى هذا (٤) عن الشافعي ﵀. وهو قول بعض أصحاب الحديث من المتكلمين. وقال عيسى بن أبان من أصحابنا (٥): إن كان فعلا له نهاية يمكن تحصيل جملته، فإنه (٦) يقع على الكل، حتى يقوم الدليل على الأقل. وإن كان فعلا (٧) لا نهاية له، فإنه يقع على الأقل دون الكل. وقال أكثر الفقهاء والمتكلمين إنه (٨) يقع على الفعل مرة، من حيث إنه مطلق الفعل، لا من حيث (٩) إنه مرة، حتى يقوم الدليل على الدوام. ومذهب شيخنا أبي منصور الماتريدي (١٠) ﵀: أنه لا يعتقد فيه (١١) المرة الواحدة (١٢) ولا الدوام والتكرار قطعًا (١٣) على طريق التعيين (١٤) لكن

стр. 143

يعتقد على (١) الإبهام: أن ما أراد الله تعالى به من الدوام والتكرار أو المرة الواحدة فهو حق (٢)، ويأتي بالفعل على الترادف احتياطًا، ما لم يقم الدليل على أن المراد به الفعل مرة واحدة. واستعمال لفظة التكرار ههنا لا يراد به حقيقة التكرار عند الفقهاء، وهو عود عين الفعل الأول، لأنه لا يتحقق عند أكثر (٣) المتكلمين، وإنما يراد به تجدد أمثاله على الترادف، وهو معنى الدوام في الأفعال عندهم. وجه قول من ادعى التكرار: الاستدلال بالدلائل السمعية، والاستدلال بالوضع اللغوي، والاستدلال بالأحكام اللغوية: - أما الأول، [فـ] قوله تعالى: "وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة" (٤)، وقوله تعالى: "فمن شهد منكم الشهر فليصمه" (٥)، ونحوها - دل (٦) أن المراد به (٧) الدوام و (٨) التكرار والعموم بقدر الممكن (٩) الذي لا حرج فيه، دون المرة الواحدة. وفي آية الحج وهي قوله تعالى (١٠): "ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا" (١١) قام الدليل على

стр. 144

أن المراد به الفعل مرة واحدة (١). ونحن نسلم أنه قد يحمل على المرة الواحدة (٢) بدليل (٣). وروي أنه لما نزلت (٤) آية الحج قال الأقرع بن حابس ﵁ (٥): "ألعامنا هذا يا رسول الله - صلى الله عليك وسلم - (٦) أم للأبد؟ " فقال ﵇: "للأبد"، وكان هو (٧) كل فصحاء العرب، فلو (٨) كان مدلول اللفظ لغة هو (٩) المرة، لجرى (١٠) على ظاهر اللفظ، حتى يجيء خلاف الظاهر بقول رسول الله صلى الله عليه، ولكان لا يسأل عن ذلك (١١)، وإنما سأل وأشكل عليه، لأنه عرف أن مدلول اللفظ التكرار والدوام (١٢) وعرف أن الحرج منفي في الدين (١٣)، فدل أنه للتكرار في الأصل. - وأما الاستدلال بالوضع اللغوي، وهو أن صيغة الأمر وضعت لطلب الفعل بطريق الاختصار، ومعناها: "حصل الفعل" فكانت دالة (١٤) على الصدر المحذوف، والمحذوف لغة والمذكور سواء، والمصدر اسم جنس يتناول

стр. 145

كل الجنس حقيقة والبعض (١) مجازاً، كما (٢) في أسماء أجناس الأعيان، على ما نذكر في باب العموم إن شاء الله تعالى، ولأنه لا خلاف بيننا أن صيغة الأمر واسم الجنس يقع على الكل بطريق الحقيقة، حتى لو نوى الثلاث في قوله: "طلقي نفسك" وفي (٣) قوله: "أنت طالق طلاقاً" لصح (٤). وإذا كان الاسم متناولا للكل، بطريق الحقيقة، فمن الضرورة تناولها للفرد (٥) بطريق المجاز. - و (٦) أما الاستدلال بالأحكام اللغوية: • فلأن صيغه النهي تحمل على التكرار والدوام (٧) بالإجماع، فكذا صيغة الأمر، لأن كل واحدة (٨) منهما موضوعة لطاب الفعل (٩)، إلا أن الأمر طلب (١٠) تحصيل الفعل والنهي طلب ترك الفعل، فيكون وضع صيغة النهي للتكراوالعموم وضعاً لصيغة الأمر للتكرار والعموم (١١) دلالة. • ولأنه يحسن استفسار المأمور من (١٢) الآمر: "إنك أردت بأمرك هذا الفعل مرة أو أكثر"، ولو كانت موضوعة (١٣) للفعل مرة لغة

стр. 146

لكان (١) لا يحسن الاستفسار (٢)، كما إذا قال: "افعل مرة": لا يصح الاستفهام. • وكذا يصح (٣) الاستثناء الأمر بالفعل مطلقاً بأن قال: "صم إلا يوم السبت أو يوم الفطر". ولو لم يكن محتملا للتكرار، ويكون موضوعاً للفعل مرة، لما صح الاستثناء (٤)، كما إذا قال: "صم يوماً إلا يوماً"، وكما إذا قال: "لفلان علي درهم إلا درهماً" (٥). • وكذا يصح النسخ من (٦) الأمر بالفعل المطلق. ولو كان موجب الأمر هو الفعل مرة (٧)، لما صح النسخ، لأنه يؤدي إلى البداء (٨)، إذ الفعل الواحد لا يجوز أن يكون حسناً وقبيحاً في زمان واحد. وجه قول أصحابنا ﵏ ومن تابعهم: الاستدلال بالمعقول اللغوي، والاستدلال باستعمال أهل اللسان، والاستدلال بنظائر صيغة الأمر من تصاريف الفعل.

стр. 147

- أما الأول، وهو أن الأمر طلب الفعل لغة، وحكمه شرعاً وجوب الفعل (١). وفائدته هو (٢) الأداء في حق كل من أراد الله تعالى منه الفعل، والامتناع في حق من أراد منه الترك - وهذا كله يحصل بفعل واحد، فإن اللفظ دال على الفعل، فأما تكرار الفعل (٣) [فـ] عبارة عن إعداد (٤) الفعل، واسم الفعل لا يتناول العدد، فإن العدد إنما يعرف باسم موضوع للعدد أو (٥) للعموم، ولم يوجد صيغة اسم العدد ولا صيغة العموم، وعند تكرار الفعل وتعدده يحصل تكرار الفائدة، واللفظ موضوع لأصل (٦) الفائدة لا لتكرار الفائدة. وبيان ذلك أن قوله (٧): "ادخل الدار" يدل على حركات تسمى بجملتها دخولا، فمتى وجدت تكون دخولا تاماً، فأما الدخول ثانياً وثالثاً كل من باب عدد الدخلات، فلا يثبت إلا باللفظ الموضوع للعدد. وكذا قوله "صم" أو "صل": فالصوم شرعاً (٨) عبارة عن إمساك مقدر من أول النهار إلى آخره، والصلاة عبارة عن أفعال معلومة (٩) معهودة (١٠). فمتى وجد (١١) بحده يكون فعلا تاماً، وما بعد التمام إلا العدد - ولهذا إذا وجد منه الفعل مرة سمى (١٢) الذات الذي وجد منه الفعل: داخلا، وصائماً، ومصلياً، فيكون عدد الفعل فضلا (١٣) في حق صحة الاسم بكونه فاعلا، والفاعل لا يكون بدون الفعل.

стр. 148

- وأما استعمال أهل اللسان، فإن من قال لعبده: "اسق الأرض" أو قال: "اشترلي لحماً" (١)، أو قال لرجل: "طلق امرأتي" - يقع على الفعل مرة. ولو نوى ثنتين (٢) لا يصح، لأنه نوى العدد، ولفظ الأمر لا يدل عليه لغة (٣). ولو قال: "اشتر لي عبداً" ونوى شراء عبيد أو شراء بعد شرا (٤) - لا يصح. وكذا لو قال لعبده: "صم" (٥) فصام يوماً - يكون ممتثلاً أمرمولاه، ولا يلزمه الزيادة (٦) عليه، وإن نوى. فإذا (٧) كان لفظ الأمر، في استعمال أهل اللغة، على كل ما قلنا، يجب حمل صيغة الأمر الوارد (٨) في الشرع على ما يتعارفه الناس. - وأما الاستدلال بنظائره من تصاريف الفعل، فإن الأمر أحد التصاريف المأخوذة من (٩) المصدر، ثم (١٠) من (١١) الخبر في (١٢) الماضي والمسقبل، ونعت الفاعل (١٣) والمفعول، نحو قولهم ضرب ويضرب وضارب ومضروب لا يدل على التكرار وضعاً، فكذا (١٤) قوله "اضرب" يجب أن يكون هكذا، حتى يكون موافقاً لنظائره.

стр. 149

ولا يلزم النهي حيث يتكرر، وهو من تصاريف الفعل، لأن ثم (١) التكرار ليس موجب الصيغة على ما نذكر. والجواب عن شبهاتهم: - أما التعلق بالنصوص، [فـ] لا حجة لهم فيها: لأنه ليس فيها (٢) بيان تكرار ودوام (٣)، مع أن ظواهر النصوص متعارضة، فإن في باب الحج يقتضي الفعل مرة، فإن قاتم: ثمة قام الدليل، فنحن نقول: هنا (٤) في هذه الأوامر كذلك. أما (٥) لا يلزمنا أنها (٦) لا تقع على الفعل مرة، لأنا إنما ندعي ذلك بموجب اللفظ لغة. أما (٧) يجوز أن يثبت الزيادة على المرة بدليل، وقد ورد (٨) من حيث التوقيف، والعقل: • أما من حيث التوقيف (٩) - فما (١٠) روي عن عبادة بن الصامت (١١)

стр. 150

رضي الله عنه عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الله تعالى أوجب عليكم خمس (١) صلوات في كل يوم وليلة". وقال الله (٢) تعالى في الصوم: "فمن شهد منكم الشهر فليصمه" (٣). • وأما الدليل العقلي- فلأن العبادات وجبت إظهاراً للعبودية أو لشكر المنعم (٤)، وذلك يقتضي الدوام بقدر الممكن إلا ما ثبت العفو والإسقاط من صاحب الحق، وهو الله تعالى (٥)، بفضله وكرمه، على ما أراد (٦) - والله أعلم. - وأما حديث الأقرع بن حابس (٧) - فهو كا يلزمنا يلزمكم (٨)، فإنه لو كانت (٩) صيغة الأمر للتكرار لغة، يجب أن لا يشكل عليه ولا يسأل. وكل (١٠) عذر لكم فهو عذر لنا (١١). ثم نقول: إنما سأل لأنه عرف الأوامر في سائر العبادات موجبة للتكرار بمقادير معلومة، ولم (١٢) تقتصر على موجب اللفظ لغة، فقاس أمر الحج عليه، ثم

стр. 151

أشكل أمر الحج (١) عليه لزيادة مشقة في الحج فى حق البعيد عن مكة، فسأل لإزالة إشكاله (٢) ببيان صاحب الشرع ﷺ . -[وأما] قولهم: إن المصدر صار مذكوراً لغة بذكر الأمر - فالجواب عنه (٣) من وجهين: أحدهما - أنا (٤) لا نسلم بأن (٥) المصدر يصير مذكوراً لغة في سائر تصاريف الفعل، بل صيغة الأمر وحدها وضعت لطلب الفعل في المستقبل، وصيغة الماضي وضعت للإخبار عن الفعل في الماضي. وقولك "فاعل" اسم لذات قام به الفعل. ولهذا قلنا إن (٦) في قوله: "أنت طالق" أو "طلقتك" ونوى الثلاث لا يصح، لأن المصدر الذي يحتمل الواحد والكل (٧) غير مذكور، فلا يصح النية. وفي قول الرجل لامرأته "طلقي نفسك" تصح نية الثلاث، لا (٨) لأن المصدر صار مذكوراً لغة، لكن صيغة الأمر وضعت لطلب الفعل في المستقبل، والفعل (٩) كل وفرد وعدد، وصيغة الفعل تصلح دلالة على الفعل الواحد وعلى الكل، ولا تصلح دلالة على العدد، لكن عند الإطلاق يحمل على الفرد، الذي هو الأقل، لكونه متيقناً، وتصح نية (١٠) الكل. ولو نوى الثنتين لا يصح، لأنها كل من باب العدد، وصيغة الفعل لا تتناول العدد.

стр. 152

والثاني - إن سلمنا أن المصدر صار مذكوراً لغة، وأنه اسم (١) جنس، بمنز لة اسم الجنس في الأعيان، ففيه (٢) اختلاف بين كل مشايخنا على ما نذكر في باب العموم إن شاء الله تعالى. والمختار في المصدر (٣) أنه يقع على كل الجنس إذا كان معرفاً، وإذا كان منكراً يقع على الأقل. فعلى هذا قالوا في قول (٤) الرجل: "أنت طالق طلاقاً". فالمنكر يقع على الواحد في موضع الإثبات. وكذا في قوله "طلقي نفسك" - لأن المصدر المنكر يصير مذكوراً , لا المعرف، لأن التنكير أصل في الكلام (٥). وإنما يصح فيه (٦) نية الثلاث لما قلنا إنه كل الفعل لا باعتبار العدد. وأما (٧) إذا قال: "أنت طالق الطلاق": [فـ] إن لم يكن له نيه يقع على الأقل" بدلالة الحال، لأن إيقاع الثلاث جملة مكروه، فلا يمكن صرفه (٨) إلى الكل، برلالة حال المسلم المتدين، فيقع على الواحد الذي هو مسنون. وإذا نوى الثلاث يقع على كل الجنس، لأنه نوى كل ماهو حقيقة كلامه. وإذا نوى الثنتين لا يصح، لأنه بعض الجنس، فلا يقع عليه الإسم حقيقة على ما نذكر. - وأما النهي، فثمة لا نسلم (٩) أن موجب النهي هو وجوب (١٠) الانتهاء

стр. 153

على سبيل الدوام والتكرار (١) لغة، بل موجبه الانتهاء (٢) مرة، كالأمر (٣) سواء، لكن صيغة النهي تقتضي مصدراً محذوفاً منكراً، كالأمر سواء، كأنه قال: "صم صوماً ولا تصم صوماً"، والنكرة في موضع الإثبات تخص، وفي موضح النفي تعم، كقولك: "رأيت رجلا" و "ما رأيت رجلا"، بطريق الضرورة، على ما نذكر في باب العموم إن شاء الله تعالى. -[أما] قولهم إنه (٤) وصح الاتفسار: أنك أردت به الفعل مرة أو مراراً (٥) - فنقول: هذا الكلام مشترك الدلالة، فإن عندكم يحسن أن يقول أردت به التكرار. ولو كان كل قتضاه التكرار يجب أن لا يحسن. وكل عذر هو لكم فهو عذر لنا (٦)، وكل دليل هو في حد التعارض لا (٧) يكون حجة. ثم العذر للفريقين أنه إنما يحسن ذلك طلباً لتأكيد العام أو الظن. -[و] قولهم (٨) إنه يصح الاستثناء (٩) والنسخ، وذلك لا يتحقق إلا فيما له دوام وعموم (١٠) - فنقول: • إنما يجوز النسخ والاستثناء فيما قام الدليل على أنه أريد (١١) به الدوام

стр. 154

والتكرار إلى وقت النسخ، حتى (١) يكون النسخ بياناً أن (٢) المراد به بعض المرات، فيكون الاستثناء استخراجاً (٣) للبعض. فأما، إذا كان الأمر مطلقاً، ولم يقم الدليل على أن المرد به الدوام، [فـ] لا يجوز ورود النسخ [عليه] (٤). كما إذا قام الدليل على (٥) أن المراد به (٦) مرة واحدة (٧): لا يجوز النسخ [عليه] (٨)، لأنه يؤدي إلى البداء (٩)، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً (١٠). وكذا في الاستثناء: يكون تعطيلا للكلام، لا ستخراجاً للبعض. • والثاني إن الأمر المطلق إذا اتصل به الاستثناء أو (١١) النسخ يستدل به على أنه أريد به التكرار، لما قلتم (١٢) إنه لا يجوز الاستتناء والنسخ في الفعل الواحد، فكان ورود الاستثناء والنسخ (١٣) قرينة الدوام والعموم (١٤)، ولا كلام في الأمر الذي اقترن به دليل العموم والتكرار، وإنما الكلام في الأمر (١٥) الطلق - والله أعلم.

стр. 155

مسألة - في الأمر المعلق بالشرط، والمضاف إلى الوقت، والمقيد بالصفة: اختلف في هذه المسألة: - من قال إن الأمر المطلق لا يفيد التكرار: قال بعضهم بأنه يقتضي التكرار عند تكرر الشرط والصفة والوقت (١). وقال عامتهم بأنه (٢) لا يقتضي التكرار (٣) إلا بدليل. احتج من قال بالتكرار بظواهر النصوص من (٤) قوله تعالى: "أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل" (٥). وقال تعالى: "فمن شهد منكم الشهر فليصمه" (٦). وقال تعالى: "الزانيه والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة" (٧). وقال تعالى: "والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما" (٨) إلى غير ذلك (٩). والالستدلال (١٠) أن التكرار ثبت في هذه الأوامر بتكرر الوقت والشرط والصفة، فيجب القول به. - والصحيح قولنا، وهو أن الأمر وحده لا يوجب التكرار على ما مر. وكذلك الشرط وحده - فإن من (١١) قال لامرأته: "إن دخلت الدار فأنت طالق" فدخلت مرة تقع طلقة واحدة، ولو دخلت مراراً لا يقع

стр. 156

شيء. فلا يتكرر (١) الحكم بتكرر الشرط وحده. والعارض ههنا هو التعليق، وهو قران (٢) الشرط بالأمر، وأثره هو منع انعقاد العلة إلى أن يوجد الشرط عندنا، وعند الخصم أثره تأخير الحكم السبب مع انعقاده علة (٣) شرعاً. وهذا لا يغير حكم الأمر والشرط عما كان، فيبقى حكم الأمر والشرط (٤) على ما كان قبل التعليق. و (٥) لأن أهل اللسان، كما استعملوا الأمر المطلق وما أرادوا به الدوام والتكرار، كذلك استعملوا (٦) لأمر المعلق بالشرط والمضاف إلى الوقت (٧) والمقيد بالصفة وما أرادوا به الدوام والتكرار، فإن (٨) الرجل يقول لغيره: "طلق امرأني إن دخلت الدار"، ويقول لعبده: "اشتر اللحم إن دخلت السوق"، ويقول السلطان للجلاد: "اجلد فلاناً الزاني إذا حضر عندك"، فإنه لا يراد (٩) به التكرار بالإجماع، وأوامر الشرع يحمل على كل ما يتعارفه أهل اللسان. ولا يقال: إن (١٠) الشرط في معنى العلة، لأنا نقول: ليس كذلك، لأن العلة هي (١١) المؤثرة في الحكم، فجاز أن يتكرر الحكم بتكررها، أما الشرط فما يمنع انعقاد المؤثر عن العمل لا غير، فإن كان المؤثر

стр. 157

موجوداً يعمل فيه بالمنع عن العمل وكونه سبباً وعلة للحكم. وإن (١) لم يكن فوجوده وعدمه بمنزلة سواء (٢). وفيما ذكروا من النصوص قام الدليل، بخلاف ظاهر الصيغه، على أنه قد (٣) قام الدليل عندنا على (٤) أن الوقت وشهود الشهر سبب لوجوب الصلاة والصوم، وكذا (٥) الزنا علة لوجوب الجلد، والسرقة علة لوجوب القطع، والحكم (٦) يتكرر بتكرر العلة. فمن ألحق الشرط بالعلة فلا بد له من دليل جامع (٧) - والله أعلم. مسىألة - في حكم الأمر بأحد الأشياء (٨) غير عين: كما في قوله تعالى في كفارة اليمين: "فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة" (٩). قال عامة الفقهاء وأكثر المتكلمين: إن (١٠) الواجب واحد منا غير عين، والمأمور مخير في تعيين واحد منها فعلا، ويتعين ذلك باختياره فعلا.

стр. 158

وتكلموا في كيفية هذا القول: قال بعضهم: إنه واجب عند الله تعالى عينا، وإن كان مجهولا في حق العباد. والله (١) تعالى عالم بأن من عليه يختار ما هو (٢) الواجب عنده، فيخيره، ليستوفي الواجب عنده (٣). وقال بعضهم: إنه (٤) للحال غير واجب عند الله تعالى، وإنما يصير واجباً عند اختيار العبد فعلا، كأن الوجوب عليه معلق بشرط الاختيار أو (٥) عند سقوط خيار (٦) التعيين. وقالت المعتزلة: إن (٧) الكل واجب، على طريق البدل، على معنى (٨) أنه لا يجب عليه الإتيان بالكل (٩)، ولا يجوز ترك الكل. وإذا أتى بواحد من الجملة، يجوز له ترك الباقي، إذ ما هو القصود يحصل بالواحد (١٠). وهذه المسألة، بيننا وبينهم، فرع لمسألة (١١) أخرى، وهو (١٢) أن التكليف يبتنى (١٣) على حقيقة العلم عندهم، دون السبب الموصل إليه،

стр. 159

وإيجاب واحد من الأشياء (١) غير عين تكليف بما لا علم للمكلف به، لأن الواجب مجهول حالة التكليف في حق المكلف (٢)، فيكون تكليف ما ليس في الوسع. وعند نا التكليف يبتنى على سبب العلم، لا على حقيقة العلم (٣). كما يبتنى على سبب القدرة لا على حقيقة القدرة (٤). وههنا (٥) طريق العلم قائم، وهو الاختيار، فلا يكون تكليف العاجز. وشبهتهم أن الأمر بأحد الأشياء على سبيل التخيير إما أن يكون موجبه ثبوت الحكم في واحد منها عيناً، أو في واحد غير عين، أو في الكل على سبيل الجمع أو على سبيل البدل. لا وجه للأول (٦)، لأنه خلاف الصيغة، وخلاف الإجماع. ولا وجه للثاني، لأنه تكليف بما هو غير معلوم، للمأمور، وقت التكليف. والتكليف بإتيان (٧) المجهول تكليف ما ليس في الوسع، وهو (٨) باطل. ولا وجه للثالث (٩): إلى وجوب الكل بطريق الاجتماع (١٠)، لأنه خلاف ظاهر الكتاب (١١)، والإجماع أيضاً.

стр. 160

فتعين القول بوجوب (١) الكل على طريق البدل ضرورة، وإنه طريق مشروع موافق للأصول: وهو فرض الكفاية من الجهاد وصلاة الجنازة ونحوهما (٢): فإنه يجب على الكل بطريق البدل، حتى إنه (٣) إذا قام به البعض سقط (٤) عن الباقين، فكذلك (٥) هذا. وجه قولنا: الكتاب، والمعقول، والأحكام: - أما الكتاب، فقوله (٦) تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ (٧) ذكر بحرف "أو"، وحرف "أو" متى دخل بين أفعال، كان المراد به (٨) واحداً كل منها غير عين في الإخبار والإيجاب جميعاً (٩). تقول في الإخبار: "جاءني زيد أو عمرو" و (١٠) يكون الجائي أحدهما. وكذا في الإيجاب: إذا قال لرجل: "بع هذا العبد بألف درهم أو هذا العبد" (١١) يكون توكيلا ببيع أحدهما. فمن قال بأن المراد به (١٢) الكل على طريق البدل، فقد خالف موجب اللغة. - وأما المعقول، وهو أن الأمر بالأشياء، على سبيل التخيير، صحيح، بالإجماع، حتى لو ترك الكل فإنه يأثم - فإما أن يكون (١٣) أمراً بأحدها (١٤)

стр. 161

عيناً، أو بالكل على سبيل الجمع، أو بالكل على سبيل البدل، أو بأحدها (١) غير عين: لا (٢) وجه للأول، فإن التخيير ثابت للمأمور بالإجماع (٣)، ومع تعين (٤) الفعل المأمور به (٥) للمأمور (٦)، على سبيل الوجوب، لا يثبت التخيير. ولا وجه للثاني، فإنه (٧) خلاف الإجماع، إذ لا خلاف بين العلماء أنه لو أتى بواحد منها، فإنه (٨) يخرج عن عهدة الأمر (٩). ولا وجه للثالث، فإن الوجوب إنما يعرف بحده وأثره، وهو استحقاف الذم والملامة في الدنيا، واستحقاق (١٠) العذاب في الدار (١١) الآخرة. ولو ترك المأمور، الكل، لا يأثم إلا إثم ترك واحد (١٢) من الكفارات. ولو أتى بالكل، فإنه لا يثاب إلا ثواب فرض واحد، ويثاب (١٣) بأداء الباقين ثواب التطوع، ولو كان الكل واجباً لكان الأمر بخلافه.

стр. 162

فإن قلتم: إن حكم وجوب الكل على سبيل البدل هذا - فقد ناقضتم في حد الواجب، وهو كل ما يستحق بتركه (١) الذم والملامة في الدنيا (٢) والعقاب في الآخرة (٣) وذلك لم يوجد في الكل. فإذا (٤) بطلت (٥) هذه الوجوه تعين ما قلنا: إنه أمر بأحد الأشياء غير عين. - وأما الأحكام، فإن من أعتق إحدى إمائه أو طلق إحدى نسائه - لو كان هذا إعتاقاً أو (٦) تطليقاً للكل على سبيل البدل، ويكون خيار التعيين إليه: ينبغي أن لا يصح: لأن (٧) العتاق والطلاق، بعد وقوعهما في محك، لا يصح النقل عنه. ولأنه لا (٨) علم (٩) له بالمعتقة والمطلقة، كيف يصح البيان بإثبات الخيار. وفيه احتمال إباحة الحرة الأجنبية، وذلك (١٠) باطل. وكذا إذا وكل رجلا ببيع إحدى جاريتيه (١١)، فباع إحديهما (١٢) غير عين، على أن له الخيار بين أن يمسك إحديهما ويدفع الأخرى إلى

стр. 163

المشتري (١)، أو باع المالك (٢) إحدى أمتيه (٣) على هذا الوجه: فإنه يجوز (٤)، وفيه احتمال تسليم غير (٥) المبيعة لو كان الأمر على ما ذكرتم. وكذا لو أتى المكفر (٦)، بالكل جملة، بأن يعتق في الحال التي (٧) يطعم ويكسو بنية الكفارة، فإن الكل ينفذ في ساعة واحدة، و (٨) لو كان الكل واجباً على طريق البدل، وليس البعض بأولى من البعض في هذه الحالة، [فإنه] ينبغي أن يكون الجميع (٩) عن الكفارة، ومع هذا [فـ] الكفارة واحدة (١٠) منها. [وبهذا] علم أن الواجب واحد منها غير عين. والجواب عما ذكروا من التقسيم - فنقول: الواجب عندنا واحد من الأشياء غير عين. -[أما] قولهم إن (١١) هذا تكليف بالمجهول، فيكون تكليف ما ليس في الوسع - فنقول: شرط صحة التكليف سبب العلم وطريقه، لا حقيقة

стр. 164

العلم (١)، كما أن من (٢) شرطه القدرة من حيث السبب، لا نفس القدرة الحقيقة. وفي مسألتنا وجد سبب حصول العلم بالواجب عيناً، وهو اختيارالمكلف: فإنه إذا اختار المكفر أحد الأشياء الثلاثة، وشرع فيه فيؤدي الواجب (٣) والاختيار بيده، فيكون تكليف القادر، لا تكليف ما ليس في الوسع. - ولا يقال بأنه لا يمكن القول بالتخيير مع القول بوجوب أحدها (٤) غير عين، لأنه يكون تخييراً بين الواجب وغير الواجب، وإنه يتضمن إباحة ترك (٥) الواجب، فيكون فاسداً (٦)، كالتخيير بين أداء الظهر وبين (٧) التطوع - لأن عند بعض مشايخنا إنما يجب عند الاختيار لا قبله، ويكون اختياره علماً على الوجوب، فلا يكون تخييراً بين الواجب وغير الواجب. وعلى قول الآخرين من كل مشايخنا (٨): لا يلزم، لأنه إذا كان في علم الله تعالى أنه يختار الواجب لا محالة، فكان (٩) اختياره علماً على تعين (١٠) الواجب في حق المكلف من الأصل، والله (١١) تعالى يرشده إلى ما هو الواجب عنده، فلا يكون اختياره متضمناً ترك الواجب، وإنما الا يجوز التخيير بين الواجب وغير الواجب، لاحتمال أنه ربما يختار غير الواجب، في فيتضمن ترك الواجب، و (١٢) هذا المعنى معدوم ههنا.

стр. 165

- ولا يقال بأنه إذا ترك الكل يأثم بأن مات قبل الفعل، ولو صار واجباً عند الاختيار ينبغي أن لا يأثم، لأنه لم يوجد ترك الواجب - لأنا نقول (١): • هذا لا يلزم على قول الفريق الثاني، لأنه واجب، لكونه متمكناً من الأداء بواسطة الاختيار. • وعلى قول الفريق الآخر لا يلزم أيضاً لوجهين: أحدهما - أنا لا نقول إنه (٢) يأثم بترك الواجب، وهو الكفارة، وإنما يأثم بترك الاختيار الذي هو (٣) وجب عليه علماً على وجوب الكفارة. والثاني - أن الوجوب إنما تعلق باختياره (٤) واحدة (٥) منها، بشرط (٦) أن لا يفوت عن العمر، كما إذا كان مطلقاً من الوقت. فإذا صار إلى حال لو لم يختر يفوت الفعل بأن حكم عليه بالموت بعده، يتعين عليه الوجوب في ذلك الوقت في واحد منها الذي هو الأيسر (٧) عليه بحكم الحال، لأنه إنما لا يجب ويتعلق الاختيار تيسيراً عليه ليختار أحد الأشياء الذي هو الأيسر (٨) عليه (٩) باختلاف الأحوال، فإذا لم يختر إلى آخر عمره يتضيق عليه الوجوب في الأيسر في الحال، فيأثم بترك ذلك لقيام الوجوب عليه، مع القدرة على الأداء.

стр. 166

وأما فرض الكفاية: [فـ] بعض مشايخنا قالوا: لا فرق بين المسألتين، فإن ثمة (١) يجب على طائفة قدروا على الدفع (٢) غير عين. وبعضهم فرقوا وقالوا: ثمة (٣) لا يمكن الإيجاب على المجهول، فوجب على الكل، بطريق الاجتماع، تم يسقط الباقين بأداء البعض، لحصول القصود، وههنا أمكن القول بالإيجاب لأن من عليه الواجب متعين، لكن الواجب مجهول، وجهالة الواجب لا تمنع كل من تحصيل المقصود إذا كان له طريق الوصول - فهو (٤) الفرق بلأنهما - والله أعلم. مسألة - الأمر هل يدل على إجزاء الفعل الأمور به، وعلى خروج المأمور من عهدة الأمر إذا أتى بالفعل المأمور به على الوجه الذي أمر به من غير خلل (٥)؟ قال (٦) عامة الفقهاء: بأنه يدل على الإجزاء. وقال بعض العتزلة: لا يدل على الإجزاء، وإنما يثبت الإجزاء بدليل زائد وراء الأمر. وحاصل اخلاف في تفسير الإجزاء، والجواز، والصحة في العبادات: فعندنا: هو حصول الامتثال بإتيان (٧) ما أمر به على الوجه الذي أمر به، ثم سقوط وجوب الإعادة (٨) في الوقت المعين، وسقوط القضاء في وقت

стр. 167

آخر. بناء عليه: فإن أداه على وجهه، لا يجب اقضاء، لوجود الأداء. وإذا ترك في وقته المعين، أو أتى به مع نقصان فاحش حتى ألحق (١) بالعدم، تجب عليه الإعادة في الوقت، أو القضاء خارج الوقت. وعندهم: تفسير الإجزاء والجواز هو سقوط القضاء عنه، وذلك لا يعرف إلابدليل زائد. وجه قولهم: إن حصول الامتثال لا ينافي وجوب القضاء: فإن من جامع امرأته (٢) قبل الوقوف بعرفة (٣) حتى فسد حجه، يجب عليه المضي في الحج، ويكون ذلك طاعة ويعد ممتثلا للأمر، ومع ذلك يلزمه القضاء في السنة القابلة. وكذا من صلى في آخر الوقت على ظن أنه توضأ بماء طاهر ثم ظهر أن الماء نجس، فإنه يجب عليه القضاء، وما صلى بناء على ظن الطهارة يكون مأموراً به حتي يثاب عليها (٤)، ولو ترك مع التحري على الطهارة يأثم. ولأن النهي عن الفعل الشرعي لا يدل على الفساد، حتى لو صلى في الدار المغصوبة يقع مجزئة، فإذا كان كان النهي لا يدل على الفساد، فالأمر لا يدل على الجواز والإجزاء (٥). ووجه قولنا: وهو أن المأمور إذا (٦) أتى بالفعل المأمور به على الوصف (٧) الذي أمر به، ومع وجود شرائط الصحة: لو لم يسقط عنه (٨) القضاء ولم (٩) يخرج عن عهدة الأمر، يبقى تحت التكليف أبداً، وهو تكليف ما ليس في الوسع.

стр. 168

- وأما الحج إذا فسد، [فـ] لا يحكم بجواز ما أمر به، لأنه لم "يؤده على الوصف الذي أمر به، فبقي تحت الأمر، فيجب عليه في السنة القابلة حج صحيح خال (١) عن الجماع. فأما الفاسد [فقد] أمر بالمضي فيه بأمر جديد، على وجه النقصان، لكون الإحرام لازماً شرعاً، فإذا أتمه يخرج عن عهدة (٢) هذا الأمر أيضاً، لأنه أتى به على الوجه الذي أمر به مع الفساد أي مع النقطان (٣). - وفي الصلاة بغير طهارة لا نقول بأنها مجزئة، لأنه ظهر أن الماء نجس، والواجب عليه الوضوء بالماء الطاهر حقيقة، بطريق التحري والاجتهاد، والمجتهد يخطئ ويصيب عندنا (٤). فمتى ظهر أنه نجس تبين أنها غير مجزمة، لعدم الطهارة حقيقة، فبقي (٥) تحت التكليف، لكن لو مات لا يؤاخذ به، لأنه كل معذور لإتيانه بجميع ما في وسعه. - وما قالوا إن النهي لا يدل على الفساد، فليس كذلك، بل يدل على فساد المنهي، وإنما يجوز الصوم والصلاة التي (٦) أضيف النهي إليهما (٧)، كالصلاة في الأرض الغصوبة، وصوم يوم النحر، على تقدير أنهما مشروعان، غير منهي عنهما، لا أن (٨) الجواز والشروعية ثابت مع قيام النهي. هذا هو الذهب الصحيح على ما نذكر في باب النهي إن شاء الله تعالى. مسألة - الأمر بالشيء، هل يدل على وجوب ما لا يصح إلا به؟ نقول:

стр. 169

إن الأشياء التي لا تصح العبادة والفعل المأمور به إلا معها على قسمين: منها - ما لا صحة للمأمور به إلا بتحصيلها، من غير أن يكون طريقاً ووسيلة إليه. ومنها - ما يكون طريقاً ووسيلة إليه (١)، بأن كان سابقاً عليه أو (٢) مقارناً له. أما القسم الأول - نحو الأمر بستر الركبة (٣): يكون أمراً بستر شيء من الساق ضرورة (٤)، لأن الركبة مركبة من الفخد والساق بحيث لا يتميز (٥) أحدهما من (٦) الآخر. وكالأمر لي بغسل الوجه: يكون أمراً بغسل شيء من الرأس، لأنه لا يمكن إلا به. ونحو الأمر بالامتناع عن استعمال (٧) الطاهر لاختلاط النجس به، والأمر بالامتناع عن العبادة لمجاورتها المعصية (٨)، كالصلاة في الأرض المغصوبة (٩). وهذا لأن الأمر، لما ورد (١٠) بتحصيل ذلك الفعل مطلقاً، ولا (١١) يتحقق تحصيله (١٢) على الكمال (١٣) إلا بتحصيل غيره، وفي وسعه تحصيله، كان أمراً به، ضرورة العمل بإطلاقه.

стр. 170

وأما القسم الثاني، فنوعان: أحدهما - ما ليس في وسع المكلف تحصيل العمل بإطلاقه، نحو الطريق (١) والوسيلة والقدرة (٢) من حيث الأسباب، كسلامة الجوارح وسلامة العقل في العبادات (٣). وفي هذا لا يكلف المرء بالفعل، حتى لا يكلف الأعمى الإبصار ولا الرمي، ولا المقعد المشي، لانعدام (٤) الآلة، وليس في وسعهما تحصيلها، لأنه تكليف كل ما ليس في الوسع. وعلى هذا قالت المعتزلة: إن القدرة الحقيقية يجب أن تكون سابقة على الفعل، حتى لا يكون تكليف كل ما ليس في الوسع، لأنه ليس في وسع المكلف تحصيل القدرة الحقيقية عند الفعل، كما في القدرة من حيث الأسباب. إلا أنا نقول: وجود القدرة الحقيقية لأجل وجود الفعل. وإذا (٥) كانت القدرة من حيث الأسباب ثابتة سابقة على الفعل، فالقدرة الحقيقية توجد عند الفعل لا محالة، بإجراء الله تعالى (٦) العادة في حق من أراد منه وجود الفعل، فتوجه (٧) التكليف، وإن لم يكن تحصيل القدرة (٨) في وسع المكلف. فأما في القدرة من حيث الأسباب [فـ] ما أجرى (٩) الله تعالى العادة على تخليق (١٠) السلامة في أعضاء الزمن و (١١) المقعد والأعمى،

стр. 171

فلا يتوجه التكليف بدونها، حتى لا يكون تكليف ما ليس في الوسع - حتى لوثبت بقول نبي من الأنبياء ﵈ علم وجود سلامة البنية ووجود البصر وزوال العمى عند الفعل يجوز التكليف به (١)، وإن لم يكن في وسعهما تحصيلها، لحصول العلم بوجودها (٢) بقول الصادق. وأما الثاني (٣) - وهو ما يكون وسيلة وطريقاً إلى تحصيل الفعل، وفي وسع المكلف تحصيله، فهو (٤) على نوعين: أحدهما - أن يكون الأمر بالفعل كل معلقاً بوجود ذلك الشيء، كما لو قال المولى لعبده: "اصعد السطح إن كان السلم منصوباً". فإن كان السلم منصوباً (٥) يجب عليه الصعود (٦). وإن لم يكن لا يجب عليه نصب السلم، لأن المعلق بالشرط لا حكم له قبل الشرط، فإذا لم يجب عليه الصعود عند عدم (٧) الشرط، فلا يجب عليه ما هو من ضرورات الخروج عنه (٨). والثاني - أن يكون الأمر مطلقاً بأن قال المولى لعبده: "اصعد السطح"، فإنه يجب عليه الصعود إن كان السلم منصوباً. وإن لم يكن، يجب عليه نصب السلم إذا كان متمكناً من نصب السلم، بأن كان حاضراً ثمة وله قدرة نصبه، ويجب عليه الصعود، بناء عليه، لأن حكم الأمر

стр. 172

المطلق هو تحصيل المأمور به (١)، على كل حال، عملا بإطلاقه، ولا يمكنه، على جميع الأحوال، إلا بتحصيل كل ما هو من ضروراته ووسائله، وفي وسعه ذلك، فيجب عليه. ولهذا قلنا: إن الأمر بالحج (٢) في حق المستطيع، وإن كان كل مطلقًا عن السعي، والأمر بالجمعة كذلك، [فإنه] يجب عليه السعي إذا كان لا يتصور الأداء بدونه لما قلنا. مسألة - الأمر بالفعل هل هو نهي عن ضده، والنهي عن الفعل هل هو أمر بضده؟. ههنا فصلان: أحدهما - الأمر (٣) بالفعل هل هو نهي عن ضده؟ والثاني - النهي عن الفعل هل هو أمر بضده؟ أما الأول: قال عامة مشايخنا وأصحاب الحديث: إن الأمر بتحصيل الشيء يكون نهياً عن ضده إذا كان له ضد واحد، كالأمر بالإيمان ونحوه. وإن كان له أضداد، كالأمر بالقيام، فإن له أضداداً من القعود والركوع والسجود والاستلقاء ونحوها - اختلفوا فيما بينهم: قال بعضهم: يكون نهياً عن الأضداد كلها. وقال بعضهم: يكون نهياً عن واحد كل من الأضداد غير عين. ثم قال بعض أصحاب الحديث: هذا في الأمر الذي هو أمر إيجاب. فأما (٤) أمر الندب (٥)، [فـ] لا يكون نهياً عن ضده.

стр. 173

وقال عامتهم بأن الأمر بالفعل يكون نهياً عن ضده (١) مطلقاً، لكن على (٢) حسب الأمر: إن كان أمر إيجاب يكون النهي عن ضده نهي تحريم، وإن كان الأمر (٣) أمر ندب يكون النهي (٤) عن ضده نهي ندب - حتى يجب الامتناع عن المنهي عنه في الأول، وفي الثاني يندب إلى (٥) الامتناع، حتى يكون إتيان النوافل (٦) أولى من الأفعال المباحة، ويصير كل منهبًا عنها نهي ندب من حيث إنه ترك للمندوب (٧) لا لعينه، فيندب الامتناع عنها إذا لم يكن له حاجة إلى مباشرتها. وأما الثاني: وهو أن (٨) النهي عن الفعل (٩) - هل يكون أمراً بضده؟ أجمعوا أنه إذا كان له ضد (١٠) واحد، يكون أمراً بضده - كالنهي عن الكفر: يكون أمراً بضده وهو الإيمان (١١)، والنهي عن التحرك: يكون أمراً بضده وهو السكون (١٢). فأما إذا كان له أضداد كالنهي عن القيام ونحوه اختلفوا فيه: قال بعض أصحابنا وبعض أصحاب الحديث: يكون أمراً بالأضداد كلها، كما في جانب الأمر.

стр. 174

وقال عامة أصحابنا وعامة أصحاب (١) الحديث: بأنه يكون أمراً بواحد من الأضداد غير عين. و (٢) قال الشيخ الإمام (٣) أبو منصور الماتريدي ﵀: لا فرق بين الأمر والنهي في أن لكل واحد منهما ضداً واحداً (٤) حقيقة، وهو تركه, فالأمر بالفعل نهي عن ضده، وضده تركه. غير أن الفعل قد يكون تركه بفعل واحد (٥) من الأفعال بطريق التعين (٦) كالتحرك: يكون تركه بفعل واحد متعين، وهو السكون، وقد يكون تركه بأفعال كثيرة، كالأمر بالقيام: يكود نهياً عن ضده، وضده (٧) تركه، وذلك بأفعال كثيرة من قعود واضطجاع واستلقاء وغير ذلك (٨). وكذلك (٩) النهي عن الفعل: أمر ضده، وهو تركه، وذلك بأنواع من (١٠) الأفعال التي ذكرناها هنا (١١). هذا هو بيان الاختلاف بين أهل السنة. فأما عَند العتزلة: [فـ]، الأمر بالشيء لا يكون نيهياً عن ضده، والنهي عن الشيء لا يكون أمراً بضده. ثم اختلفوا فيما بينهم: أنه هل له حكم في ضده؟

стр. 175

قال بعضهم: وهو اختيار أبي هاشم (١)، ومن تابعه (٢) من (٣) متأخري المعتزلة، إنه لا حكم له في ضده بل هو مسكوت عنه (٤). وقال عامتهم: بأن الأمر له حكم في ضده وهو الحرمة. لكن قال بعضهم: إن الأمر (٥) يوجب حرمة ضده. وقال بعضهم: يدل على حرمة ضده. وقال بعضهم: يقتضي حرمة ضده (٦). وقال بعض مشايخنا: إنه يقتضي كراهة ضده. ثم عندهم: هذا إذا كان للفعل (٧) ضد واحد، فأما إذا كان له أضداد: فإن قام دليل أن بعض أضداده يقوم مقام المأمور به في المصاحة، [فـ] لا يحرم ذلك الضد، بل يكون المأمور به هذا (٨) الفعل، وذلك الضد على سبيل البدل لتساويهما في وجه المصلحة. وإن لم يقم الدليل، اقتضى قبح أضداده جميعاً (٩)، لأن كل واحد من ذلك وبانفراده

стр. 176

يمنعه (١) من (٢) تحصيل الفعل (٣) المأمور به، فيصير محرماً تحقيقاً لإتيان (٤) الواجب. وقالوا في النهي عن الشيء: يكون أمراً بضده (٥) من حيث المعنى إن (٦) كان له ضد واحد. وإن كان له أضداد، بأن كان يتحقق بكل واحد من الأفعال (٧) تركه ولا يتصور الجمع بينه وبين ذلك، فالنهي عنه يكون أمراً بجميع أضداده على سبيل البدل. وقال الجصاص (٨): إن الأمر بالفعل يدل على حرمة ضده، والنهي يدل على وجوب تحصيل ضده إذا كان له ضد واحد (٩). فأما إذا كان له أضداد: فالأمر بالفعل (١٠) يكون نهباً عن الأضداد كلها (١١)، فأما النهي عن فعل [فـ] لا يكون أمراً بالأضداد كلها.

стр. 177

وحاصل الخلاف بيننا وبين العتزلة يرجع إلى كل ما ذكرنا في (١) تفسير الأمر والنهي: فعندهم: الأمر والنهي حقيقة هو صيغتهما، لأن الكلام، حقيقة (٢) عندهم في الشاهد والغائب جميعاً، هو (٣) الحروف المنظومة والأصوات المقطعة المسموعة. وهما مختلفان كل من حيث الصيغة. وكذا مختلفان (٤) من حيث الوصف ولحكم. أما من حيث الصيغة: فلأن صيغة "افعل" تخالف (٥) صيغة "لا تفعل". وأما من حيث الوصف والحكم (٦) الراجعان إلى المأمور به (٧) والمنهي عنه: فإن المأمور به موصوف بالحسن، والمنهي عنه موصوف بالقبح. وكذا حكم الأمر وجوب تحصيل الفعل المأمور به (٨)، وحكم النهي (٩) وجوب الامتناع عن الفعل النهي عنه (١٠) - فكان بين الأمر والنهي مضادة، فكيف يكون أحدهما هو الآخر؟

стр. 178

وقلنا نحن: إن الأمر والنهي كلام الله تعالى (١)، ولله تعالى كلام واحد هو صفة له (٢) أزلية. وهو أمر ونهي وخبر واستخبار على طريق (٣) التقرير - لكنه أمر باعتبار الإضافة إلى شيء، ونهي باعتبار الإضافة إلى شيء، وخبر بجهة، واستخبار بجهة، مع كون الكلام متحداً في نفسه - على ما عرف في مسائل الكلام. وإذا ثبت أن كلام الله تعالى واحد، فلا يكون بين الأمر والنهي مضادة لأن التضاد يكون بين شيئين، وهما شيء (٤) واحد من حيث ذات الكلام. وكذا لا تضاد من حيث المعنى، وهو أن الأمر طلب تحصيل الفعل، والنهي طلب الامتناع عن الفعل، والتنافي إنما يكون عند اتحاد الجهة, فلا يجوز أن يكون الكلام الواحد طلباً لتخصل فعل و (٥) طلباً للامتناع عن ذلك الفعل في زمان واحد في حق شخص واحد، لاتحاد الجهة. فأما لا مضادة بين أن يكون طلباً لتحصيل فعل وطلباً للامتناع عن فعل آخر- أليس أن (٦) بين الأبوة والبنوة منافاة عند اتحاد الجهة لا عند الاختلاف، فإن الشخص الواحد لا يجوز أن يكون أباً لشخص (٧) وابناً له أيضاً. ومن حيث الضرورة إذا كان له ولد (٨) أن يكون أبا لشخص و (٩) ابناً لشخص آخر.

стр. 179

وكذا (١) المنافاة من حيث الوصف والحكم إنما تتحقق في محل واحد لا في محلين، وههنا (٢) كذلك: فإن الأمر يقتضي حسن المأمور به، وقبح ضده، ويوجب تحصيل المأمور به (٣) والامتناع عن ضده، لا عن نفسه، فبطل دعوى التضاد بينهما. هذا من حيث حقيقة الكلام القائم بالنفس في الشاهد والغائب جميعاً (٤). أما من حيث الكلام الدال على ما هو كلام النفس، وهو صيغة الأمر والنهي -[فـ] لا مضادة بينهما ولا منافاة عند بعض مشايخنا، وإن اختلفا من حيث العبارة واللفظ، فإن اللفظ الواحد يجوز أن يكون علماً على حكمين مختلفين، لغة وشرعاً (٥). أما لغة (٦) فإن لفظ "القرء" في اللغة موضوع (٧) للطهر والحيض جميعاً (٨)، ولفظ الشرا جعل علماً، لشيئين (٩) شرعاً في للقريب: على التمليك في زمان واحد، والعتق في زمان بعده (١٠). فيجوز (١١) أن يكون صيغة "افعل"

стр. 180

علماً على طلب (١) تحصيل فعل وعلماً على طلب الامتناع عن ضده، وكذلك صيغة النهي وهو قوله: "لا تفعل". وبعض مشايخنا سلموا أن بينهما (٢) منافاة من حيث الصيغة. ولكن قالوا لا منافاة بيهما (٣) من حيث المعنى. فإن قوله "تحرك" طلب التحرك، وهو بعينه نهي عن السكون. وقوله "اسكن" طلب للسكون (٤) وطلب ترك التحرك الذي هو ضده لا غير - بمنزلة انتقال الشخص من مكان إلى مكان: [فـ]، هو تفريغ للمكان الأول وشغل للثاني (٥). وقرب الشمس إلى المغرب (٦) عين البعد عن المشرق (٧) لكن باعتبار الإضافة إلى المكان شغل (٨) وبالإضافة إلى الثاني تفريغ (٩)، وبالإضافة إلى المغرب قرب، وبالإضافة إلي المشرق بعد. فكذلك طلب واحد (١٠): بالإضافة إلى الحركة أمر، وبالإضافة إلى السكون نهي. وهذا لأن الغيرين ما يتصور مفارقة (١١) أحدهما صاحبه بحال، أو ما (١٢) يتصور وجود أحدهما بدون صاحبه (١٣)، ولم يوجد هذا الحد ههنا، فإن الأمر الذي هو إيجاب الفعل لن يتحقق
следующие страницы →