← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 19237

ميزان الأصول في نتائج العقول

علاء الدين السمرقندي

Полный текст (813 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

يمنعه (١) من (٢) تحصيل الفعل (٣) المأمور به، فيصير محرماً تحقيقاً لإتيان (٤) الواجب. وقالوا في النهي عن الشيء: يكون أمراً بضده (٥) من حيث المعنى إن (٦) كان له ضد واحد. وإن كان له أضداد، بأن كان يتحقق بكل واحد من الأفعال (٧) تركه ولا يتصور الجمع بينه وبين ذلك، فالنهي عنه يكون أمراً بجميع أضداده على سبيل البدل. وقال الجصاص (٨): إن الأمر بالفعل يدل على حرمة ضده، والنهي يدل على وجوب تحصيل ضده إذا كان له ضد واحد (٩). فأما إذا كان له أضداد: فالأمر بالفعل (١٠) يكون نهباً عن الأضداد كلها (١١)، فأما النهي عن فعل [فـ] لا يكون أمراً بالأضداد كلها.

стр. 177

وحاصل الخلاف بيننا وبين العتزلة يرجع إلى كل ما ذكرنا في (١) تفسير الأمر والنهي: فعندهم: الأمر والنهي حقيقة هو صيغتهما، لأن الكلام، حقيقة (٢) عندهم في الشاهد والغائب جميعاً، هو (٣) الحروف المنظومة والأصوات المقطعة المسموعة. وهما مختلفان كل من حيث الصيغة. وكذا مختلفان (٤) من حيث الوصف ولحكم. أما من حيث الصيغة: فلأن صيغة "افعل" تخالف (٥) صيغة "لا تفعل". وأما من حيث الوصف والحكم (٦) الراجعان إلى المأمور به (٧) والمنهي عنه: فإن المأمور به موصوف بالحسن، والمنهي عنه موصوف بالقبح. وكذا حكم الأمر وجوب تحصيل الفعل المأمور به (٨)، وحكم النهي (٩) وجوب الامتناع عن الفعل النهي عنه (١٠) - فكان بين الأمر والنهي مضادة، فكيف يكون أحدهما هو الآخر؟

стр. 178

وقلنا نحن: إن الأمر والنهي كلام الله تعالى (١)، ولله تعالى كلام واحد هو صفة له (٢) أزلية. وهو أمر ونهي وخبر واستخبار على طريق (٣) التقرير - لكنه أمر باعتبار الإضافة إلى شيء، ونهي باعتبار الإضافة إلى شيء، وخبر بجهة، واستخبار بجهة، مع كون الكلام متحداً في نفسه - على ما عرف في مسائل الكلام. وإذا ثبت أن كلام الله تعالى واحد، فلا يكون بين الأمر والنهي مضادة لأن التضاد يكون بين شيئين، وهما شيء (٤) واحد من حيث ذات الكلام. وكذا لا تضاد من حيث المعنى، وهو أن الأمر طلب تحصيل الفعل، والنهي طلب الامتناع عن الفعل، والتنافي إنما يكون عند اتحاد الجهة, فلا يجوز أن يكون الكلام الواحد طلباً لتخصل فعل و (٥) طلباً للامتناع عن ذلك الفعل في زمان واحد في حق شخص واحد، لاتحاد الجهة. فأما لا مضادة بين أن يكون طلباً لتحصيل فعل وطلباً للامتناع عن فعل آخر- أليس أن (٦) بين الأبوة والبنوة منافاة عند اتحاد الجهة لا عند الاختلاف، فإن الشخص الواحد لا يجوز أن يكون أباً لشخص (٧) وابناً له أيضاً. ومن حيث الضرورة إذا كان له ولد (٨) أن يكون أبا لشخص و (٩) ابناً لشخص آخر.

стр. 179

وكذا (١) المنافاة من حيث الوصف والحكم إنما تتحقق في محل واحد لا في محلين، وههنا (٢) كذلك: فإن الأمر يقتضي حسن المأمور به، وقبح ضده، ويوجب تحصيل المأمور به (٣) والامتناع عن ضده، لا عن نفسه، فبطل دعوى التضاد بينهما. هذا من حيث حقيقة الكلام القائم بالنفس في الشاهد والغائب جميعاً (٤). أما من حيث الكلام الدال على ما هو كلام النفس، وهو صيغة الأمر والنهي -[فـ] لا مضادة بينهما ولا منافاة عند بعض مشايخنا، وإن اختلفا من حيث العبارة واللفظ، فإن اللفظ الواحد يجوز أن يكون علماً على حكمين مختلفين، لغة وشرعاً (٥). أما لغة (٦) فإن لفظ "القرء" في اللغة موضوع (٧) للطهر والحيض جميعاً (٨)، ولفظ الشرا جعل علماً، لشيئين (٩) شرعاً في للقريب: على التمليك في زمان واحد، والعتق في زمان بعده (١٠). فيجوز (١١) أن يكون صيغة "افعل"

стр. 180

علماً على طلب (١) تحصيل فعل وعلماً على طلب الامتناع عن ضده، وكذلك صيغة النهي وهو قوله: "لا تفعل". وبعض مشايخنا سلموا أن بينهما (٢) منافاة من حيث الصيغة. ولكن قالوا لا منافاة بيهما (٣) من حيث المعنى. فإن قوله "تحرك" طلب التحرك، وهو بعينه نهي عن السكون. وقوله "اسكن" طلب للسكون (٤) وطلب ترك التحرك الذي هو ضده لا غير - بمنزلة انتقال الشخص من مكان إلى مكان: [فـ]، هو تفريغ للمكان الأول وشغل للثاني (٥). وقرب الشمس إلى المغرب (٦) عين البعد عن المشرق (٧) لكن باعتبار الإضافة إلى المكان شغل (٨) وبالإضافة إلى الثاني تفريغ (٩)، وبالإضافة إلى المغرب قرب، وبالإضافة إلي المشرق بعد. فكذلك طلب واحد (١٠): بالإضافة إلى الحركة أمر، وبالإضافة إلى السكون نهي. وهذا لأن الغيرين ما يتصور مفارقة (١١) أحدهما صاحبه بحال، أو ما (١٢) يتصور وجود أحدهما بدون صاحبه (١٣)، ولم يوجد هذا الحد ههنا، فإن الأمر الذي هو إيجاب الفعل لن يتحقق

стр. 181

بدون تحريم الضد (١) والمنع عنه، فإنه إذا لم يثبت الحرمة يكون مباح الترك، والواجب ما يكون حرام الترك - دل أن الأمر ليس غير النهي معنى. ولهذا قلنا إن إرادة الشيء كراهة لضده، لأنه لا يتصور أن يكون الإنسان مريداً لشيء ولا يكون كارهاً لضده (٢) - فكذا (٣) هذا. وإذا ثبت أصل الخلاف بيننا وبين القوم (٤) في أصل مسألة الأمر ومعرفة حقيقته، [فـ] لا يمكنهم أن يقولوا في هذه المسألة: إن الأمر بالشيء نهي عن ضده ولا النهيء عن الشيء أمر بضده، فتفرقوا في جواب ذلك: فقال أبو هاشم (٥) ومن تابعه: إنه لا حكم للأمر في ضده أصلا، بناء على أصل له (٦) تفرد به (٧)، وهو أن القادر على الفعل يجوز أن يخلو عن الفعل وضده أزمنة (٨) كثيرة، فلا يوجد فيه لا الحركة ولا السكون بصفة (٩) الاختيار، فلم يكن صيغة الأمر (١٠) موجبة حرمة الضد لغة، لأنها ما وضعت إلا لما يتناوله (١١) اللفظ لغة (١٢)، فيكون الأمر مسكوتاً عن حكم الضد، فإن قول القائل لغيره (١٣)

стр. 182

"تحرك" غير موضوع للمنع عن السكون، كأنه قال "لا تسكن"، وليس بموجب للحرمة كل من حيث الضرورة، فإنه يجوز عنده أن يوجد (١) الفعل ولا يوجد ضده، بل إن باشر الضد (٢) فقد ترك الواجب، عن اختيار وقصد (٣)، فيأثم لي تركه (٤). وإن لم يباشر فيأثم، لانعدام الفعل المأمور به عنه (٥)، لا بتركه بمباشرة ضده (٦)، فلا يكون كل من ضرورة وجوب الفعل حرمة ضده عنده. وعامة المعتزلة قالوا: إن القادر على الفعل لا يجوز أن يكون خالياً عن الفعل وضده، ولا يخلو القدرة (٧) عن الفعل زيادة على زمان واحد، فإن عندهم الاستطاعة قبل الفعل، وهي استطاعة فعل يوجد (٨) بعدها. وعندنا الاستطاعة كل قارنة للفعل، [فـ] لا يجوز أن يكون القادر على الفعل (٩) خالياً عن الفعل زماناً (١٠) واحداً، ولا يتصور خلو القدرة عن الفعل أبداً. وإذا (١١) سلم هؤلاء أن القادر على الفعل لا يجوز أن يكون خالياً عن الفعل وضده، اضطروا (١٢) إلى القول بحرمة ضده، لما قلنا، وعندهم

стр. 183

أن الأمر بالشيء ليس ونهي عن ضده، والنهي عن الشيء ليس بأمر بضده - فلزمهم التناقض (١)، إذ ليس تفسير النهي إلا حرمة الفعل، فتكلفوا لدفع التناقض: فقال بعضهم: إن حرمة الضد لم يثبت بموجب الأمر وصيغته حتى يكون نهياً عن ضده، ولكن ثبت (٢) ضرورة حكمه، فلا يكون مضافاً إلى الأمر. وقال بعضهم: يقتضي حرمة ضده. والمقتضي يثبت زيادة على اللفظ بطريق الضرورة (٣). وقال بعضهم: يدل على حرمة ضده، كالنهي عن التأفيف: يدل على حرمة الضرب، وليس ذلك (٤) من موجبات اللفظ أعني (٥) لفظ التأفيف (٦). ولكن هذا دفع (٧) التناقض (٨) من حيث الصورة، لا من حيث المعنى، فإن النهي ليس إلا حرمة الفعل، فمتى قالوا حكم الأمر وجوب الفعل ومن ضرورته (٩) حرمة الفعل الذي هو ضده - يعرف ذلك ببديهة العقل، فيكون مضافاً إليه ضرورة، وضرورة العقل فوق موجب الصيغة. وكذا ما كان دليلا على الشيء فالعلم (١٠) بالمدلول يضاف إلى الدليل، كا في الدخان مع النار - دل أن التناقض قائم.

стр. 184

وما قاله أبو هاشم: إن كان خروجاً عن وصمة (١) التناقض في هذه المسألة، فهو مخالف (٢) لإجماع (٣) الأمة في (٤) أنهم قالوا إن القادر لا يخلو عن الفعل وتركه، وهو يقول بجواز ذلك، وهذا شر (٥) من التناقض، مع أن هذا منه مناقضة (٦) في مسألة خلق الأفعال حيث قال ثمة (٧): لا يجوز أن يخلق الله تعالى الكفر والمعاصي في العبد (٨) ثم يعذبه على ما ليس بفعل منه (٩)، ثم قال هنا إن من عليه صلاة الظهر إذا لم يصل الظهر (١٠) واشتغل بضدها، فالضد ليس بالحرام (١١) الذي هو فعله حتى يعاقب عليه، ولكن يعاقب لأنه لم يفعل الصلاة الواجبة في جوز (١٢) العقاب على ما ليس بفعل له. وهذا تناقض ظاهر. وعوار (١٣) مذهبه في هذا (١٤) يعرف في مسائل الكلام، وقد أوضحته في شرح هذا المختصر. وما قاله بعض المشايخ: إنه يقتضي كراهة ضده فهو خلاف الرواية - فإن ترك (١٥) صلاة الفرض والامتناع عن تحصيلها حرام يعاقب عليه، والمكروه لا يعاقب على تركه.

стр. 185

الفصل الثاني (١) -[حجج كل فريق]: وجه قول من سوى بينهما، في أن الأمر والنهي يتناول (٢) الأضداد كلها، أن الحكم لو لم يثبت في ضده (٣) كل من الوجوب والحرمة، لا ويتحقق كل معنى الأمر والنهي في الوجوب والحرمة على ما بينا، وليس البعض بأولى من البعض، فيتناول الكل (٤). وجه قول الفريق الثاني أن النهي إنما يجعل أمراً بضده بطريق الضرورة. وكذلك الأمر (٥) - وهي تندفع بثبوت الوجوب والحظر (٦) في واحد غير عين، فلا يجعل أمراً ونهياً بجميع الأضداد من غير ضرورة. وكذا يقول من فرق بين الأمر والنهي: إن الأمر في الحقيقة من حيث الصيغة (٧) نهي عن واحد من الأضداد غير عين. وكذا النهي أمر بواحد من الأضداد غير عين، إلا أن النهي (٨) نكرة في موضع النفي فتعم، والأمر نكرة في موضع الإثبات فلا عموم له (٩). والجصاص يقول: إن النهي عن الشيء لو كان أمراً بجميع أضداده (١٠) يؤدي إلى أمر محال، لأن ضد الشيء ما يترك به ذلك الشيء والمنهي عنه

стр. 186

قد (١) ويترك بالمنهي عنه أيضاً (٢): كالزنا ويترك باللواط (٣)، فيصير اللواط مأموراً به (٤)، وهذا (٥) محال، بخلاف ما إذا كان له ضد واحد، لأنه لا يتأتى هذا النوع من الإحالة (٦). ولكن الصحيح ما قاله الشيخ الإمام أبو منصور الماتريدي ﵀: إن ضد الشيء تركه، و (٧) لكن الترك قد يكون بسبب واحد وقد يكون بأسباب كثيرة (٨)، فالأمر (٩) بالشيء يكون نهياً عن ضده، وضده (١٠) تركه، والنهي عن الشيء يكون أمراً بضده وهو تركه (١١). ثم إن كان يترك وبسبب واحد اتصف ذلك السبب بالوجوب أو (١٢) الحظر. وإن كان يترك بأسباب اتصف (١٣) الكل بذلك على طريق الانفراد على حسب الحال (١٤). وما قاله الجصاص من الفرق بين الأمر والنهي لا يستقيم (١٥)، لأن المعنى الذي تعلق به الحظر أو (١٦) الوجوب في الضد لا يوجب الفصل،

стр. 187

فيكون الفرق مناقضة. وما ذكر من الإحالة في جانب النهي فهو لازم (١) في جانب الأمر، فإن المأمور به قد يترك (٢) بمأمور مثله (٣)، كمن أمر بصلاة الظهر في آخر الوقت على طريق التضيق فاشتغل بصلاة النفل وقراءة القرآن وأداء الزكاة المفروضة فكيف (٤) يكون الأمر بصلاة الظهر (٥) نهياً عن أداء الزكاة وقراءة القرآن. فكل (٦) عذر له في جانب الأمر فهو عذر لنا (٧) في جانب النهي. وحقيقة ذلك أنه إنما يؤدى إلى ذلك أن لو كان هذا أمراً مقصوداً بضده أو نهيا مقصوداً عن ضده، وهو عندنا أمر بتركه ضرورة تحقيق حكم النهي وكذا في جانب النهي، فيثبت بقدر ما يندفع به الضرورة ولا يثبت مطلقاً، فيزيد الحكم على العلة، وإنه فاسد (٨). ومشايخنا ﵏ وإن أطلقوا أن النهي عن الشيء الذي له أضداد يكون أمراً بالأضداد كلها. وكذا في الأمر: نهي عن الأضداد كلها. والشيخ الإمام أبو منصور الماتريدي ﵀ وإن أطلق أيضاً أن النهي (٩) عن الشيء يكون أمراً بتركه، ولتركه أسباب، يكون أمراً

стр. 188

بما يتركه ويمنعه - فهو مساهلة (١) وتوسع. و (٢) في الحقيقة عندنا على التفصيل، ومرادهم أنه (٣) يكون أمراً بالضد الذي يصلح أن يكون مأموراً به، ويكون نهياً عن الأضداد التي تصلح أن يكون (٤) منهيا عنها, لا ما لا يصلح، لأن الضرورة تندفع بصرف الأمر إلى ترك هو (٥) مباح أو طاعة، فلا يصرف إلى المعصية - فلا يكون النهي عن الزنا (٦) أمراً بما هو معصية من اللواطة وغيرها. وكذا في جانب الأمر (٧) بالصلاة في آخر الوقت يكون نهياً عن فعل مباح أو حرام، فلا ضرورة في (٨) صرفه إلى فعل هو عبادة أو فرض - نظيره أن الله تعالى أمر بالصلاة بقوله (٩): "أقيموا الصلاة" (١٠) وهذا لا يكون أمراً بالصلاة في الأرض المغصوبة، وكذا الأمر بالوضوء لا يكون أمراً لي الوضوء بماء مغصوب (١١) - لما قلنا. فإن (١٢) قالوا: إذا كان النهي عن الشيء أمراً بما هو مباح، يصير المباح مأموراً به، فيخرج عن حد المباح، فيخرج المباح عن (١٣) أقسام

стр. 189

المشروع، ويؤدي إلى قول الكعبي (١): إن المباح مأمور به - قلنا إن (٢) المباح يصير مأموراً به لغيره، لا لعينه، فيكون عينه مباحاً، ويكون مأموراً به من حيث إنه (٣) ترك الحرام (٤). وكذا في الجانب الآخر (٥): فالفعل مباح في نفسه، حرام لغيره، من حيث إنه ترك للواجب (٦)، ويجوز أن يكون الفعل الواحد مأموراً به لعينه ولغيره، كالإيمان: مأمور به لعينه، ولكونه تركاً للكفر. وكذا الكفر: حرام لعينه، وحرام من حيث إنه ترك للإيمان (٧) الواجب. وكذا الطلاق في حالة الحيض: مباح لعينه، منهي لغيره. وإنما يشكل ما قالوا أن يكون الفعل مباحاً لعينه ومأموراً به (٨) لغيره (٩)، ولا كلام فيه. وما زاد على هذا فهو مذكور في الشرح على الاستقصاء فإنه فصل مشكل - والله أعلم.

стр. 190

مسألة: أمر الله تعالى أزلي (١) عند عامة أهل السنة والجماعة (٢). وقال بعض أصحاب الحديث: إن كلام الله تعالى أزلي، ولكنه (٣) يصير أمراً عند بلوغه إلى المأمور (٤)، وتوجهه عليه. كما يصير خطاباً عند توجه الوجوب فيكون حادثاً، ولكن هذا لا يوجب التغير، لأنه من الأوصاف (٥) الإضافية، كما قلنا في التكوين والمكون. ولكن الصحيح قول العامة، لأن الأمر وصف ذاتي للكلام، لكونه قولا مخصوصاً، والوصف الذاتي لا يجوز عليه التغير. وتكلم (٦) المشايخ في أنه خطاب في الأزل أم لا: بعضهم قالوا: لا، لأن الخطاب اسم للمشافهة، فلابد من حضرة المأمور، فيكون حادثاً. وقال عامتهم: إن الخطاب والأمر سواء، فيكون أزلياً، لكن خطاب - الرسول واللفظ الدال على خطابه الأزلي حادثان (٧) على ما نذكر - والله الموفق.

стр. 191

[٢] وأما القسم الذي يرجع إلى الآمر (١) فإنه (٢) يتضمن فصولا، لكل عامتها ترجع إلى أصول الكلام فنذكرها على طريق الاختصار: منها - أن الآمر حقيقة من وجد كل منه الأمر، وهو طلب الفعل على طريق الاستعلاء، قولا، على كل ما ذكرنا. فكل كل من وجد منه يكون آمراً في الشاهد والغائب، سواء كان حكيماً أو سفيهاً. ولهذا إن السلطان إذا طلب من غيره قتل شخص معصوم، على طريق الاستعلاء، يكون آمراً له، وإن كان ذلك سفهاً ومعصية، حتى إذا لم يفعل المأمور (٣) يقال: خالف أمر الساطان. ولكن لا يجب طاعة الآمر بالسفه والحرام - قال ﵇: "لا طاعة في لمخلوق في معصية الخالق" (١). مسألة: الآمر الذي يجب طاعته في الحقيقة هو الله تعالى. فأما الرسل فهم نائبون عنه في تبليغ (٤) أمره إلى المكلفين من عباده. وكذا من يأمر بأمره نحو السلطان والمولى والأبوين: يجب طاعتهم لأن (٥) في طاعتهم طاعة الله تعالى.

стр. 192

وهذا لأن الله تعالى هو المالك للعباد ملك تخليق، فله (١) ولاية الإيجاب: والندب (٢) والمنع والإطلاقا. فأما ليس للعبد ولاية ذلك على عبد مثله، لأنه مملوك مثله، ولأن ذلك العبد يوجب عليه أيضاً، فيقع التعارض. فإن قيل: أليس أن المكلف يوجب على نفسه العبادات بالنذر (٣) وبالشروع (٤) في النوافل. وكذا يوجب المال على نفسه (٥) بالكفالة والبيع - قلنا: الإيجاب من الله تعالى، وإنما النذر علم (٦) على إيجاب الله تعالى، وكذا الشروع. ولهذا (٧) لا يصح النذر بما ليس لله تعالى من جنسه إيجاب. وأما الكفالة فهي (٨) إقراض واستقراض. وكذا البيع: تمليك بإزاء تمليك برضا العاقدين، وتسليم بإزاء تسليم، وذلك علم وسبب لوجوب (٩) الملك شرعاً، لا ابتداء إيجاب بالعقد، ألا ترى (١٠) أن من أوجب لإنسان مالا على نفسه، لا يجب (١١)، وإنما الإقرار إخبار: إن كان صدقاً يثبت وإلا فلا، ولأن العبادات كلها واجبة في الأصل بحكم أن الله تعالى خالقهم (١٢) ومالكهم، وهم عبيده، وخدمة المملوك (١٣) لمولاه

стр. 193

مستحقة لازمة على الدوام، بقدر الممكن وانتفاء الحرج (١) - على ما عرف في مسائل الخلاف. وإنما سقط الوجوب رخصة في عامة الأوقات وتقرر (٢) في البعض، فضلا من الله تعالى ورحمة. فمتى نذر العبد أو شرع في العبادة في غير وقت الفرض، فقد اختار ما هو العزيمة وترك الرخصة فيعود حكم العزيمة، وهو الوجوب (٣) الأصلي، لا أن الوجوب يثبت بنذره وشروعه ابتداء - والله أعلم (٤). مسألة: هل يتصور وجود الأمر من الآمر (٥) لنفسه، بأن يطلب وجود الفعل من نفسه، فيقول (٦) لنفسه "افعل"، وهل يحسن ذلك؟ فنقول: لا يتصور عندنا في الشاهد والغائب (٧) الآمر لنفسه، وإن كان يتصور في الشاهد أن يقول لنفسه "افعل كذا" وعند المعتزلة يتصور في الشاهد والغائب، ولكن لا يحسن. وهذا بناء على أن أمر الله تعالى أزلي عندنا، وفعله أزلي. والأزلي لا يدخل تحت الطلب والإرادة. وعندهم كلام الله تعالى حادث، والأمر عندهم عبارة عن (٨) الإرادة، وهي حادثة، فيجوز أن يريد من نفسه وجود فعل حادث فيكون آمراً لنفسه - والله الموفق.

стр. 194

مسألة: الأمر في [الغائب والشاهد، [ولو] لم يتضمن (١) نفعاً للمأمور ولا للآمر (٢)، يكون حكمة (٣)، ويكون الآمر حكيمًا عند أهل السنة والجماعة (٤)، وليست الحكمة مقصورة على النفع فقط (٥) للآمر أو (٦) المأمور، ولكن يجب أن يتعلق به عاقبة حميدة. وعند المعتزلة لا يكون الأمر حكمة ولا يكون الآمر حكيمًا (٧) في الشاهد إذا لم يتضمن أمره نفعًا به أو بالمأمور. وفي الغائب لابد أن يكون فيه نفع للمأمور إما في الدنيا (٨) أو الثواب في الدار (٩) الآخرة، أو دفع الضرر عنه، لأن الآمر متعال عنه (١٠). وهذه المسألة بناء على مسألة الأصلح، فإن (١١) الأصلح عندهم واجب من حيث الحكمة، وعندنا بخلافه. وما قالوه باطل: فإن الله تعالى كلف فرعون وأبا جهل وكل من علم أنه (١٢) لا يؤمن بالإيمان ولا نفع لهم في هذا التكليف، لأنه لا يحصل لهم به النفع والثواب (١٣)، إذ علم أنهم لا يؤمنون، وعلم الله تعالى لا يتغير، بل النفع لهم أن لا يعطيهم العقل أو يميتهم حتى لا يتوجه

стр. 195

التكليف عليهم (١) فلا يستحقوا العذاب - دل أن حكمة الأمر لا تقتصر (٢) على النفع (٣) للمأمور. فأما (٤) شرع الشرائع بدون الإيجاب والتكليف [فـ] لا يكون إلا لمصلحة العباد (٥) , لأنه لا ضرر في ترك ذلك (٦). وحقيقة هذا تعرف في مسائل الكلام إن شاء الله تعالى. مسألة: ليس كل من شرط كون الآمر الحكيم آمرًا وناهيًا وجوب (٧) إتيان المأمور به (٨) ووجوب الامتناع عن المنهي عنه، على المأمور والمنهي، عند أكثر (٩) أصحابنا. وعند المعتزلة شرط. وهذا بناء على أن النسخ، قبل التمكن من الفعل بعد التمكن من الاعتقاد، جائز عند أكثر أصحابنا، بأن كان الأمر مضافًا إلى وقت معلوم، ثم جاء النسخ قبل وجوب الفعل لوجود (١٠) ذلك الوقت. وهذا (١١) الأمر صحيح، والله تعالى آمر به (١٢)، ولا يجب على المأمور الامتثال (١٣) بهذا الأمر، فإنه نسخ قبل الوجوب. وعلى هذا يبتنى الأمر بالفعل بشرط زوال المانع على ما نذكر إن شاء الله تعالى.

стр. 196

[٣] وأما القسم الذي يرجع إلى المأمور به، وهو الفعل (١) فإنه (٢) يتضمن فصولا أكثرها يرجع إلى مسائل الكلام فنذكر الروايات لاتصالها بمسائل أصول (٣) الفقه. منها: أن الفعل المأمور به يجب أن يكون فعلًا متصور الوجود في نفسه، حتى يتصور الاكتساب من المأمور. فأما إذا كان غير متصور الوجود حقيقة، نحو الجمع بين المتضادين، ونقط المصاحف من الأعمى, وجعل الحادث قديمًا، والقديم حديثًا، وقلب الأجناس، ونحوها - فإنه لا يصح (٤) الأمر به، وهو تكليف ما لا يطاق، وإنه لا يجوز عقلا على قول عامة المتكلمين، إلا أن (٥) عند المعتزلة [هو] قبيح عقلا. وعند أهل الحديث محال عقلا لا أنه قبيح. وعندنا لا يجوز على الوجهين جميعًا (٦). وهذا بناء على أن العقل يعرف به الحسن والقبح عندنا وعند المعتزلة, خلافًا لهم -وهي من مسائل الكلام (٧).

стр. 197

وقال أبو الحسن الأشعري (١) إن تكليف العاجز وتكليف ما لا يطاق جائز عقلا - وهل ورد به الشرع؟ قال في قول، لم يرد به الشرع (٢) في الدنيا، وإنما يكون في الآخرة، كما قال الله تعالى: "ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون" (٣)، ويكون ذلك علمًا على أنهم من أهل النار وفي قول قال: ورد في الدنيا في حق بعض المكلفين (٤). وهذه من مسائل الكلام. مسألة: ثم من شرط كون الفعل مأمورًا به أن يكون كسبًا للمأمور، لا مجرد كون الفعل متصورًا في نفسه، فإن المرء لا يكلف بفعل غيره من الخياطة والكتابة، وإن كان ذلك متصور الوجود في نفسه. لكن لما لم يكن مقدور المكلف ومكسوبه لم يصح التكليف به (٥). وهذا لأن فعل المرء ما كان

стр. 198

مقدورًا له، وقدرة المرء لا تعدو عن ذات القادر، وكسبه قائم به، فيكون مقدورًا له. فأما فعل غيره [فـ] لا يجوز أن يكون مقدوره، فلا يكون كسبه (١). ولهذا قلنا: إن الفعل المسمى بالمتولد عند المعتزلة هو فعل (٢) لا يكون مأمورًا به، ولا منهيًا عنه. وإنما التكليف يتوجه بالفعل القائم بالمكلف الذي هو كسبه، وما حدث عقيب فعله من الآثار في المحال عادة من الانجراح والانكسار والموت فهو (٣) محض فعل الله تهالى عندنا، أعني مفعوله (٤): حصل بقدرته لا قدرة للعبد عليه. ووجوب القصاص والدية والضمان (٥) يتعلق بما هو فعله حقيقة ولا (٦) يرجع إلى المتولدات - وهذا عندنا. وعند المعتزلة: ذلك فعل المكلف تسبيبًا، وما يقوم به فهو فعله مباشرة - والتكليف يتعلق بالنوعين. وهي من مسائل الكلام. مسألة: لا خلاف أن المعدوم الذي يوجد كسبًا للمأمور يصلح مأمورًا به إذا توجه الوجوب على المأمور عند وجود أهليته، واستجماع شرائطه. فأما الكسب الذي هو فعل العبد حال وجوده واكتساب المأمور هل هو مأمور به؟

стр. 199

فعندنا كذلك. وعند المعتزلة يتعلق التكليف بالمعدوم لا غير. أما الموجود في الزمان الثاني من الوجود الذي هو حالة البقاء، [فـ] لا يكون مأمورًا به بلا خلاف. وهذه المسألة تبتنى على كل مسألة خلق الأفعال: فإن عندنا (١) وجود الفعل بإيجاد الله تعالى، وإنما فعل العبد هو الكسب، وإنه يتعلق بالوجود لا بالمعدوم. والباقي (٢)، وهو الفعل المأمور به الذي يتصور من العبد وينسب إليه, فيتعلق قدرته بالموجود اكتسابًا، لا بالمعدوم إيجادًا. ولهذا (٣) يتعلق وصف كونه مأمورًا به بحالة (٤) الوجود. فأما في (٥) الزمان الثاني فإنه حالة البقاء، والفعل لا بقاء له، والباقي (٦) لا يتصور اكتسابه. فأما (٧) عند المعتزلة: [فـ] الإيجاد من العبد، وله قدرة الإيجاد، فيجوز أن يتعلق بالمعدوم ليوجده. وهي من مسائل الكلام - والله أعلم. مسألة: المأمور به يجب أن يكون كل مقدور العبد حالة الفعل، لا حالة التكليف - عندنا. وعند المعتزلة يجب أن يكون مقدورًا له حالة التكليف.

стр. 200

ولقب المسألة أن الاستطاعة مع الفعل عندنا. وعندهم (١) سابقة على الفعل. والصحيح قولنا, لأن القدرة شرط وجود (٢) الفعل المتصور من العبد وهو الكسب، ليتحقق وجوده (٣)، فيكون وجوده قبل الفعل فضلا، وليس بشرط لصحة التكليف, لأن ذلك صحيح باعتبار القدرة من حيث الأسباب - على ما يعرف في مسائل الكلام. مسألة: كون المأمور به معلومًا للمأمور، أو ممكن العام باعتبار قيام سبب العلم - شرط صحة التكليف (٤). وفي الحاصل حقيقة العام ليس بشرط لصحة التكليف (٥) عندنا (٦)، لكن التمكن من العلم باعتبار سببه كاف. وعلى قول بعض المعتزلة: حقيقة العلم شرط. وعند بعضهم: العلم بالسبب كاف أيضًا - على ما نذكر (٧).

стр. 201

مسألة: الأمر يجب تقديمه على وقت وجوب (١) الفعل المأمور به (٢) عند عامة المتكلمين (٣). وقال بعضهم: يجب أن (٤) يكون الأمر (٥) مقارنًا للفعل المأمور به. وإذا (٦) كان الأمر سابقًا في موضع يكون ذلك إعلامًا لا أمرًا، وإنما يصير أمرًا عند الفعل. وبه قال ابن الروندي (٧). وهو قول عباد الضمري (٨) من المعتزلة. وقد أبطلنا ذلك لكون أمر الله تعالى أزليًا عندنا. ولا خلاف أنه لا يجب الفعل إلا في الوقت الذي أمر بتحصيله فيه.

стр. 202

ثم عندنا يصح أن يكون متقدمًا (١) عليه بوقت وبأوقات كثيرة (٢) إذا كان الآمر من العباد. وأمر الله تعالى أزلي سابرق على وقت (٣) وجوب المأمور به بلا نهاية، وإن كان المأمور في تلك الأوقات معدومًا أو عاجزًا عن الفعل وعن تفهم الخطاب بعد أن كان في علم الله تعالى أن المأمور من أهل وجوب الفعل في الوقت الذي تعين للوجوب. وقال عامة المعتزلة: لا بد أن يكون الأمر متقدمًا (٤) على وقت وجوب الفعل. ولكن اختلفوا فيما بينهم في كيفية ذلك. قال بعضهم: لا يجوز التقدم إلا بوقت واحد. وقال بعضهم: يجوز التقدم (٥) بوقت وبأوقات كثيرة. وقال بعضهم: إن كان المأمور قادرًا قبل وقت الفعل بأوقات كثيرة، يكون مأمورًا في جميع الأوقات التي هو قادر فيها. وإن كان قادرًا عليه، قبل وجود وقت الوجوب بوقت واحد، يكون مأمورًا في ذلك الوقت لا غير. ثم اتفق قول (٦) عامة أهل الحق وقول عامة المعتزلة في وجوب تقديم (٧) الأمر على وقت وجوب الفعل، ولكن (٨) الطريق مختلف: - فمن قال كل منهم (٩) بوجوب اللطف (١٠) فيَ حق المكلف من المعتزلة قالوا: سبب الوجوب في تقدم الأمر على وقت وجوب الفعل المأمور به

стр. 203

كونه لطفًا في إتيان المأمور به، واستصلاحًا للمكلف, لأن على أصل هؤلاء اللطف هو الداعي إلى الفعل، وهو الذي يكون المأمور عند وجوده أقرب إلى تحصيل الفعل (١) المأمور به، وذلك (٢) لا يصح إلا وأن يكون الأمر سابقًا حتى يكون داعيًا له إلى التحصيل. فأما المقارن [فـ] لا يتصور أن يكون داعيًا. - ومن لم يقل منهم باللطف يقول: لا بد من وقت يعرف فيه الوجوب أو الندب، ليدعوه ذلك إلى التحصيل الذي هو سبب الثواب، فيكون الأمر مفيدًا (٣)، ولأن حالة الأمر ليست (٤) حالة الفعل, لأنه ما لم يسمع الأمر ولم يكن متمكنًا (٥) من معرفة المأمور به لا يقدر على الفعل، فلا بد من زمان، ليكون قادرًا فيه، حتى لا يكون تكليف ما لا يطاق. وهذه الضرورة ترتفع بزمان واحد، فلا يجب المتقدم (٦) بأكثر منه. وأهل السنة قالوا: إنه (٧) لا بد من معرفة صفة المأمور به حتى يعتقد وجوبه أو ندبه ويعزم على أدائه. ومعرفة صفة المأمور به من كونه عبادة وطاعة، حتى يصح منه قصد التقرب إلى الله تعالى، وكلما كان الأمر أسبق، فالعزم على الأداء (٨) فيه أكثر، فيكون الثواب أكثر (٩)، ويكون التمكن من الفعل أقوى، بوجود سبب العلم والقدرة. فأما إذا قارن

стр. 204

الوجوب، فلم يتحقق التمكن من العلم بإتيان (١) المأمور به، فلا يصح التكليف (٢). وما قالوا من اللطف في حق المكلفين (٣) فهو باطل عندنا، لأن الله تعالى لا يجب عليه إعطاء اللطف، والأصلح لعباده (٤)، بل هو متفضل في ذلك، على ما يعرف حقيقة ذلك (٥) في مسألة الأصلح إن شاء الله تعالى. مسألة- في بيان صفة حسن المأمور به (٦): يجب أن يعلم أن (٧) المأمور به لا بد من أن يكون موصوفًا بالحسن، لأن الحسن ما له عاقبة حميدة، وللمأمور به عاقبة حميدة, لأن المأمور به إما أن يكون واجبًا أو مندوبًا، والواجب ما (٨) يتعلق الثواب بفعله، والعقاب بتركه، والندوب ما يتعلق الثواب بفعله دون العقاب بتركه. وما له عاقبة الثواب والنجاة من العقاب فله عاقبة حميدة فيكون حسنًا. ولأن التعبد والتقرب من باب التعظيم للآمر والانقياد لأمره، وذلك من باب (٩) الشكر للمنعم، وإنه حسن في الشاهد والغائب: يعرف ببديهة العقل. ثم صفة الحسن للمأمور به من قضية حكمة الآمر، لا من قضية نفس الأمر، إذ الأمر (١٠) قد يرد من السفيه على وجه السفه، وهو أمر حقيقة،

стр. 205

كالسلطان الظالم يأمر (١) إنسانًا بالزنا والسرقة والقتل بغير حق، يكون أمرًا (٢)، حتى إذا خالف المأمور ولم يأت بما (٣) أمر به يقال: خالف أمر السلطان، وهو سفه حرام، ولكن الأمر من الحكيم لا يكون إلا بصفة الحسن, لأنه لا يتصور أمر الحكيم متعريًا عن صفة الوجوب أو الندب، وأنه لا ينفك عن العاقبة الحميدة، وهو تفسير الحسن. ولهذا قلنا: إن المباح ليس بحسن في ذاته، وإن جاز أن يوصف بالحسن لغيره خلافًا لبعض المعتزلة (٤) , لأنه ليس فيه معنى داع إلى ترجيح جانب الوجود (٥) على العدم. مسألة: ثم الحسن الثابت للمأمور به من مدلولات الأمر عندنا. وعند أصحاب الحديث (٦) من موجباته. وهو بناء على مسألة العقل: أنه هل يعرف الحسن والقبح بالعقل أم لا (٧)؟ فعندهم: لاحظ له في ذلك، وإنما يعوف بالأمر والنهي. هذا هو (٨) مذهب عامتهم، وإن وافقنا في ذلك (٩) بعضهم، مثل أبي العباس

стр. 206

القلانسي (١) وأبيا إسحاق الاسفرايني (٢) والقفال الشاشي (٣) والحليمي (٤) وغيرهم. وإذا كان هكذا فيكون الحسن ثابتًا برنفس الأمر، لا أن الأمر دليل ومعرف على حسن (٥) سبق ثبوته بالعقل. وعندنا لما كان للعقل حظ في معرفة حسن الإيمان وقبح الكفر وحسن العدل والإحسان ومعرفة حسن أصل العبادات دون هيئاتها وشروطها

стр. 207

وأوقاتها ومقاديرها (١)، فيكون الأمر دليلا ومعرفًا لما ثبت حسنه بالعقل وموجبًا لما لم يعرف به (٢) على ما يعرف على الاستقصاء في مسألة العقل من (٣) مسائل الكلام - والله الموفق. مسألة - في تقسيم حسن المأمور به. الحسن نوعان في الأصل: نوع حسن لعينه، ونوع حسن لغيره. فالنوع الذي هو حسن لعينه: يتنوع نوعين أيضًا (٤): - نوع يعرف حسنه بالعقل وحده، دون قرينة الشرع (٥)، نحو الإيمان بالله تعالى وأصل العبادات، وكذا العدل والإحسان وشكر المنعم ونحو ذلك. وهذا النوع مع كونه حسنًا لعينه، هو (٦) حسن لغيره أيضًا، وهو ترك ضده القبيح: من الكفر والظلم والكفران - فيكون حسنًا من وجهين. - ونوع آخر يعرف حسنه بالشرع، لا بالعقل وحده بل هو (٧) من ممكنات العقل وجائزاته: يجوز العقل أن (٨) يكون على ذلك الوجه، ويجوز أن يكون (٩) على غير ذلك الوجه. وذلك نحو مقادير العبادات وهيئاتها وشروطها وأوقاتها: فإنه لو كانت الصلاة على غير هذه الهيئة

стр. 208

المشروعة فالعقل لا يحيله بل يجوزه. ولو شرعت بدون الوضوء، فممكن في العقل أيضًا، فإن أصل العبادات، وهو الإيمان, يحسن بدون الطهارة، فالصلاة أولى (١). ولكن متى ورد الشرع على وجه قبله العقل، عرف (٢) أنه هو الحكمة، وإن لم يقف على وجه الحسن والحكمة. وأما الذي هو حسن (٣) لغيره [فنوعان أيضًا]: أن يكون ذلك الغير هو المقصود، لا نفس المأمور به، و (٤) هو الموصوف بالحسن حقيقة، لكن الفعل المأمور به وسيلة إليه: إما من حيث التسبيب (٥)، أو كونه شرطًا لصحته شرعًا، وإما وسيلة إليه حقيقة - فيصير حسنًا لحسنه بطريق السببية والتوسل والشرطية. وقد يكون ذلك الغير غير كل مقصود بنفسه لكنه وسيلة إلى غير آخر مقصود في نفسه (٦) موصوف بالحسن. وهما سواء في المعنى. وإنه أنواع: نوع منها: ما يكون حسنًا في نفسه لا حسن العبادة والقربة، ولكن من حيث إنه خير محض وإيصال النفع إلى من هو من أهل الانتفاع، وهو نحو أداء (٧) الزكاة وأنواع الصدقات، لكن لا يكون حسنه كحسن (٨) العبادة, لأنه، رون حيث هو إنفاع (٩)، يستوي فيه التمليك (١٠) بطريق

стр. 209

الهبة وبطريق الصدقة والتمليك من الغني والفقير. وإنما ثبت حسنه لكونه مواساة للفقير (١) المحتاج إلى القوت ليعبد الله تعالى (٢). ثم مواساة الفقير ليس بمقصود بنفسه أيضًا، بل المقصود هو التقرب إلى الله تعالى وطلب مرضاته بإيصال النفع إلى من يقوم بعبادة الله تعالى وخدمته (٣)، فإن الإسداء (٤) إلى عبد الغير يراد به رضا مولاه، لا رضا العبد في الشاهد، وإليه أشار الله تعالى (٥) بقوله تعالى: "وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون" (٦). ونوع آخر (٧) منها: الصوم، و (٨) هو في نفسه تجويع النفس وتعطيشها، وهو منع نعم الله تعالى عن (٩) مملوكه وإلحاق الضرر بمن لا حق له فيه. وهو (١٠) حرام شرعًا، ولهذا حرم على المرء أن يجرح نفسه أو يقطع (١١) يده، وإن قصد به وجه الله تعالى. ولكن إنما حسن لما يتضمن من المعاني المستحسنة، من كونه سببًا للتقوى عن (١٢) محارم الله تعالى، وكونه سببًا للشكر، وكونه (١٣) سببًا داعيًا إلى الإحسان في حق الفقراء (١٤)

стр. 210

لما ذاق من ألم الجوع والعطش (١) على ما أشار الله تعالى إليه في آية الصيام بقوله تعالى (٢): "لعلكم تتقون" (٣) وبقوله ": ولعلكم تشكرون" (٤) وقد استقصينا (٥) بيان ذلك في الشرح. ومنها: الحج، فإنه (٦) ما حسن لعينه, لأنه من حيث إنه سفر وقطع المسافة وزيارة أماكن معلومة يساوي سفر التجارة، لكن حسن لكونه قطع مسافة لزيارة بيت منسوب إلى الله تعالى، وزيارة أمكنة معظمة محترمة بوضع الله تعالى إياها للشرف (٧) والحرمة. ثم ليس حسن زيارة هذه الأمكنة لعينها (٨)، ولكن لتعظيم صاحب البيت وواضع الحرمة. وزيارة المكان وتعظيمه لتعظيم صاحبه (٩) أمر عرف حسنه في الشاهد عقلا - قال قائلهم (١٠): أمر على الديار ديار ليلى ... أقبل ذا الجدار وذا الجدارا (١١) وما حب الديار شغفن قلبي ... ولكن حب من سكن الديارا (١٢)

стр. 211

ومنها: الجهاد، فإنه سبب إفساد الآدمي المعد لمعرفة الله تعالى والتعبد له في الجملة، وإنما صار حسنًا لكونه سببًا لإعزاز الدين (١) وقهر الكفرة ورفع قبح الكفر عن وجه الأرض ودفع شرهم عن أهل الإسلام ونحو ذلك (٢) - قال الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ (٣). ومنها: الحدود، فإنها ما حسنت لأعيانها, لكونها إضرارًا بالآدمي، وإنما حسنت لا فيها من الانزجار عن الفواحش المفضية إلى فساد العالم وتحقيق صيانة النفس والعرض والمال والنسب، حتى إن كل محظور لم يتضمن فسادًا (٤) لم يشرع فيه الحد، مثل: شرب البول والدم وأكل الجيف والخبائث. وعلى هذا نظائره. وشرح هذه الجملة على الاستقصاء مذكور في شرح هذا المختصر. والله أعلم. مسألة - الأمر المطلق في العبادات هل (٥) يقتضي كون المأمور به حسنًا لعينه أو لغيره؟. قال بعضهم: يحمل على الحسن لغيره, لأنه هو المتيقن لكونه أدنى. وقال بعضهم: إنه يحمل على الحسن لعينه, لأنه هو الكامل، والأصل هو الكمال.

стр. 212

وذكر القاضي الإمام (١) أبو زيد ﵀ (٢): إني لم أقف فيه على أقوال الناس، ولكن المختار عندي أن لا يصرف (٣) الحسن إلى الغير إلا بدليل (٤). ولكن مشايخنا قالوا: هذا فرع اختلاف أهل الأصول (٥) في أن (٦) الحسن والقبح: هل يعرفان بالعقل أم (٧) بالشرع؟ - فمن قال: بالعقل يعرف، قال (٨): إن الحسن راجع إلى ذاته أو إلى غير متصل به (٩). - ومن قال: بالشرع، فالحسن عندهم ما أمر به، فيجب أن يكون كل مأمور به حسنًا، إلا إذا ثبت بالدليل أنه حسن لغيره، وهذا هو الأصح. والله أعلم.

стр. 213

[٤] وأما القسم الذي يرجع إلى المأمور (١) فإنه يتضمن فصولا: منها - أن المعدوم هل يصح مأمورًا ومخاطبًا (٢)، وأن الأمر للمعدوم هل يصح؟ اختلف (٣) فيه: قال أصحابنا رحمهم الله تعالى: إن الأمر من الله تعالى يصح للمعدوم على تقدير الوجود (٤)، فيكون الإيجاب أو الندب أزليًا. والوجوب والانتداب يتوجهان (٥) على العاقل البالغ الذي استجمع شرائط الوجوب أو الندب فيه (٦)، فيكون مأمورًا مخاطبًا بعد الوجود والقدرة، لا أن يكون مأمورًا و (٧) مخاطبًا وهو معدوم. وهو (٨) كما قال أصحابنا في التكوين المكون: فالتكوين أزلي، والمكون حادث، وقد كون الله تعالى العالم (٩) بالتكوين الأزلي، ليتكون لوقت وجوده، لا ليتكون في الأزل، فكذا الإيجاب أزلي، والله أوجب

стр. 214

في الأزل, ليجب في الوقت (١) الذي أراد الوجوب فيه لا في الأزل. وهو (٢) قول عامة أصحاب الحديث: فإن الأمر عندهم أزلي، لأنه كلام الله تعالى، فيكون من صفات الذات، لا من صفات الفعل، بخلاف التكوين مع الكون عندهم، فإن التكوين من صفات الفعل عندهم (٣)، وهي حادثة (٤) - على ما عرف في مسائل الكلام. وقال بعض أصحاب الحديث، وهو أبو العباس القلانسي (٥)، بأن الأمر للمعدوم لا يصح، وإنما يصح الأمر بعد الوجود وصيرورته أهلا للخطاب، فيكون الأمر عنده حادثًا (٦). وهو قول عامة المعتزلة. إلا أن عنده كلام الله تعالى أزلي، وعندهم كلام الله تعالى حادث (٧). وقال بعض المعتزلة: إن الأمر للمعدوم صحيح، إذا كان وقت الأمر: مبلغ، موجود، أهل للتبليغ (٨) إلى المعدوم بعد: الوجود والأهلية، وأمر (٩) بالتبليغ إليه. فأما (١٠) إذا لم يكن: لا يصح.

стр. 215

وأجمعوا أن الأمر يصح في حق الموجود الأهل، وإن كان الوجوب متراخيًا عن وقت (١) الأمر، بأن كان مضافًا إلى زمان (٢) في المستقبل، ويكون (٣) أمرًا على طريق الحكمة. ولنا في المسألة وجهان: أحدهما - من حيث البناء. والثاني - من حيث الابتداء. أما الأول: فلأن (٤) هذه المسألة فرع لمسألة (٥) كلام الله تعالى، لما قلنا إن الأمر من الله (٦) تعالى أزلي؛ لأنه كلام الله تعالى، وكلام الله تعالى أزلي هو صفته، وهو أمر ونهي وخبر واستخبار. وإذا كان (٧) الأمر أزليًا، فلا يكون وجود المأمور شرطًا لصحة الأمر، وإنما هو شرط لتوجه الأمر وثبوت حكمه، وهو الوجوب أو (٨) الانتداب. وإذا ثبت أن الأمر أزلي بمنزله العلم والقدرة (٩)، فلا يطلب لصحته ثبوت الحكمة والفائدة في حق العباد، إنما تطلب الحكمة في المحدثات، فلا يصح قولهم أن لا فائدة (١٠) في الأمر للمعدوم.
следующие страницы →