ومنها: الجهاد، فإنه سبب إفساد الآدمي المعد لمعرفة الله تعالى والتعبد له في الجملة، وإنما صار حسنًا لكونه سببًا لإعزاز الدين (١) وقهر الكفرة ورفع قبح الكفر عن وجه الأرض ودفع شرهم عن أهل الإسلام ونحو ذلك (٢) - قال الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ (٣).
ومنها: الحدود، فإنها ما حسنت لأعيانها, لكونها إضرارًا بالآدمي، وإنما حسنت لا فيها من الانزجار عن الفواحش المفضية إلى فساد العالم وتحقيق صيانة النفس والعرض والمال والنسب، حتى إن كل محظور لم يتضمن فسادًا (٤) لم يشرع فيه الحد، مثل: شرب البول والدم وأكل الجيف والخبائث.
وعلى هذا نظائره. وشرح هذه الجملة على الاستقصاء مذكور في شرح هذا المختصر. والله أعلم.
مسألة - الأمر المطلق في العبادات هل (٥) يقتضي كون المأمور به حسنًا لعينه أو لغيره؟.
قال بعضهم: يحمل على الحسن لغيره, لأنه هو المتيقن لكونه أدنى.
وقال بعضهم: إنه يحمل على الحسن لعينه, لأنه هو الكامل، والأصل هو الكمال.
стр. 212
وذكر القاضي الإمام (١) أبو زيد ﵀ (٢): إني لم أقف فيه على أقوال الناس، ولكن المختار عندي أن لا يصرف (٣) الحسن إلى الغير إلا بدليل (٤).
ولكن مشايخنا قالوا: هذا فرع اختلاف أهل الأصول (٥) في أن (٦) الحسن والقبح: هل يعرفان بالعقل أم (٧) بالشرع؟
- فمن قال: بالعقل يعرف، قال (٨): إن الحسن راجع إلى ذاته أو إلى غير متصل به (٩).
- ومن قال: بالشرع، فالحسن عندهم ما أمر به، فيجب أن يكون كل مأمور به حسنًا، إلا إذا ثبت بالدليل أنه حسن لغيره، وهذا هو الأصح. والله أعلم.
стр. 213
[٤]
وأما القسم الذي يرجع إلى المأمور (١)
فإنه يتضمن فصولا:
منها - أن المعدوم هل يصح مأمورًا ومخاطبًا (٢)، وأن الأمر للمعدوم هل يصح؟
اختلف (٣) فيه:
قال أصحابنا رحمهم الله تعالى: إن الأمر من الله تعالى يصح للمعدوم على تقدير الوجود (٤)، فيكون الإيجاب أو الندب أزليًا. والوجوب والانتداب يتوجهان (٥) على العاقل البالغ الذي استجمع شرائط الوجوب أو الندب فيه (٦)، فيكون مأمورًا مخاطبًا بعد الوجود والقدرة، لا أن يكون مأمورًا و (٧) مخاطبًا وهو معدوم.
وهو (٨) كما قال أصحابنا في التكوين المكون: فالتكوين أزلي، والمكون حادث، وقد كون الله تعالى العالم (٩) بالتكوين الأزلي، ليتكون لوقت وجوده، لا ليتكون في الأزل، فكذا الإيجاب أزلي، والله أوجب
стр. 214
في الأزل, ليجب في الوقت (١) الذي أراد الوجوب فيه لا في الأزل.
وهو (٢) قول عامة أصحاب الحديث: فإن الأمر عندهم أزلي، لأنه كلام الله تعالى، فيكون من صفات الذات، لا من صفات الفعل، بخلاف التكوين مع الكون عندهم، فإن التكوين من صفات الفعل عندهم (٣)، وهي حادثة (٤) - على ما عرف في مسائل الكلام.
وقال بعض أصحاب الحديث، وهو أبو العباس القلانسي (٥)، بأن الأمر للمعدوم لا يصح، وإنما يصح الأمر بعد الوجود وصيرورته أهلا للخطاب، فيكون الأمر عنده حادثًا (٦).
وهو قول عامة المعتزلة. إلا أن عنده كلام الله تعالى أزلي، وعندهم كلام الله تعالى حادث (٧).
وقال بعض المعتزلة: إن الأمر للمعدوم صحيح، إذا كان وقت الأمر: مبلغ، موجود، أهل للتبليغ (٨) إلى المعدوم بعد: الوجود والأهلية، وأمر (٩) بالتبليغ إليه. فأما (١٠) إذا لم يكن: لا يصح.
стр. 215
وأجمعوا أن الأمر يصح في حق الموجود الأهل، وإن كان الوجوب متراخيًا عن وقت (١) الأمر، بأن كان مضافًا إلى زمان (٢) في المستقبل، ويكون (٣) أمرًا على طريق الحكمة.
ولنا في المسألة وجهان:
أحدهما - من حيث البناء.
والثاني - من حيث الابتداء.
أما الأول: فلأن (٤) هذه المسألة فرع لمسألة (٥) كلام الله تعالى، لما قلنا إن الأمر من الله (٦) تعالى أزلي؛ لأنه كلام الله تعالى، وكلام الله تعالى أزلي هو صفته، وهو أمر ونهي وخبر واستخبار.
وإذا كان (٧) الأمر أزليًا، فلا يكون وجود المأمور شرطًا لصحة الأمر، وإنما هو شرط لتوجه الأمر وثبوت حكمه، وهو الوجوب أو (٨) الانتداب.
وإذا ثبت أن الأمر أزلي بمنزله العلم والقدرة (٩)، فلا يطلب لصحته ثبوت الحكمة والفائدة في حق العباد، إنما تطلب الحكمة في المحدثات، فلا يصح قولهم أن لا فائدة (١٠) في الأمر للمعدوم.
стр. 216
والثاني (١): أن (٢) الأمر للمعدوم ليجب عليه الفعل حال وجوده وصيرورته أهلا لأداء المأمور به صحيح على طريق الحكمة, لأنه يحصل العلم للمأمور بالأمر الأزلي عند وجوده وصيرورته أهلا، وأنه سابق على وقت الوجوب بقدر ما يتمكن من الأداء فيحصل (٣) الفوائد - ألا ترى أن الأمر للموجود (٤) الأهل صحيح. وإن كان حكم الخطاب متأخرًا، لأنه إذا علم أن حكم الأمر يتوجه عليه في زمان مقدم؛ لأنه يستعد لذلك (٥) ويعتقد وجوبه (٦)، ويعزم على الآداء حين توجه الوجوب. وكل ذلك سبب الثواب (٧) في كون (٨) حكمة - فكذلك ههنا.
وهذه من مسائل الكلام تذكر ثمة (٩) إن شاء الله تعالى، وما زاد على هذا فهو (١٠) مذكور في الشرح - والله الموفق.
مسألة:
لا خلاف أن المأمور لا بد أن يكون متمكنًا من إتيان (١١) الفعل المأمور به، في وقت توجه الوجوب، بأن كان قادرًا عليه من حيث الأسباب وعالمًا به أو (١٢) كان سبب العلم قائمًا. فأما إذا كان ممنوعًا، فإنه لا يتوجه عليه الوجوب - وهذا عندنا.
стр. 217
وعند المعتزلة: لا بد أن يكون قادرًا عليه حقيقة مع وجود القدرة من حيث الأسباب. ولهذا قالوا إن الاستطاعة قبل الفعل، حتى لا يكون تكليف العاجز. فأما حقيقة العلم فهو شرط عند بعض المعتزلة، وهم الذين قالوا بأن المعارف ضرورية.
وعند من قال إن المعارف استدلالية، فوجود سبب العلم كاف عنده (١) لتوجه الخطاب. فعلى (٢) هذا: الصبي (٣) الطفل والمجنون والنائم والمغمى عليه لا وجوب عليهم؛ لأن تفسير الوجوب المعقول هو وجوب الفعل، ولا يتصور منهم وجود الفعل مع قيام المانع، فيكون بمنزلة تكليف الأعمى الإبصار (٤) وتكليف الزمن العدو (٥) - وهو محال، فكذا هذا. إلا أنه يجب القضاء في حق البعض. ولا يجب في حق البعض (٦) - على ما عرف في مسألة المجنون على الاستقصاء.
مسألة:
الناسي والخاطئ:
لا خطاب عليهما عند بعض أصحاب الحديث - وهو قول المعتزلة.
وعندنا: هما مخاطبان.
وهو مبني على أن حقيقة العلم ليست (٧) بشرط، لتوجه الخطاب، وسبب العلم كاف، عندنا، وهو موجود (٨) في حقهما, لأن لهما قدرة
стр. 218
على (١) حفظ النفس، عن الوقوع في الفعل ناسيًا وخاطئًا في الجملة، لكن فيه نوع حرج، فيكون فعل الناسي والخاطئ (٢) جائز المؤاخذة، لنوع تقصير كل منهما، إلا أن الله تعالى رفع المؤاخذة عنهما ببركة دعاء النبي ﷺ دفعًا للحرج عنهما مع جواز المؤاخذة عقلًا. الدليل عليه قوله تعالى: "ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا" (٣) - لو لم يكن جائز المؤاخذة يكون معنى الدعاء "اللهم لا تجر علينا" ويستحيل من النبي ﷺ الدعاء من الله تعالى (٤) بما هو محال.
وأما السكران:
فعلى أصل (٥) أبي يوسف ومحمد رحمهما الله مخاطب؛ لأن ما هو حد السكر عندهما ليس بمعجز، فوجدت (٦) القدرة والعلم من حيث الأسباب.
وأما على أصل أبي حنيفة رحمة الله عليه: يجب أن لا يكون مخاطبًا في حال السكر, لأن حد السكر عنده أن لا يعرف الأرض من السماء، فيكون بمنزلة النوم والإغماء. ولكن يجب عليه (٧) القضاء لما ذكرنا، لكن تصرفاته صحيحة, لأنه لا يصدق في حق الغير أنه لا يعرف، أو لأنه ألحق السكر بالعدم وجعل صاحيًا (٨) عقوبة له (٩) وزجرًا له عن (١٠) ارتكاب
стр. 219
المحظور الذي يتضمن الفساد حتى قالوا: إن السكر متى كان بسبب مباح يكون بمنزلة الإغماء في حق التصرفات.
وعلى هذا قلنا: إن المكره مخاطب في (١) عين ما أكره عليه.
وعند المعتزلة: غير مخاطب؛ لأنه ملجأ مضطر في إيقاع الفعل طبعًا، والإلجاء ينافي الاختيار.
وقلنا نحن: إن الخطاب مبني على القدرة من حيث الأسباب، والمختار من يكون قادرًا على التحصيل والترك أو على أحدهما على حسب الاختلاف فيه، فكان الابتلاء (٢) قائمًا، لقيام التردد في الجملة، إلا أن الامتناع عما أكره عليه إذا كان (٣) على خلاف الطبع يكون أشق (٤)، فيكون الثواب أكثر. وإذا كان الإقدام على ما أكره عليه على موافقة الطبع، بأن أكره على قتل حربي، فالثواب أقل. فأما أن يخرج الفعل عن حد (٥) الاختيار إلى حد الاضطرار فلا (٦) - والله الموفق.
مسألة - الكفار هل يخاطبون بأوامر الله تعالى، ونواهيه - أم لا (٧)؟
ههنا (٨) ثلاث مسائل:
إحداها (٩):
إن الكفار مخاطبون بالإيمان، منهيون عن الكفر بعد بلوغ الدعوة وورود الشرع (١٠) - بلا خلاف بين العلماء.
стр. 220
واختلفوا قبل بلوغ الدعوة، بأن كان على شاهق الجبل (١) أو في زمان الفترة:
قال عامة مشايخنا من أهل العراق وما وراء النهر (٢) [و] رئيسهم (٣) الشيخ الإمام الأجل (٤) أبو منصور الماتريدي رحمة الله عليهم: إنهم (٥) مخاطبون بالإيمان حتى لو امتنعوا عن ذلك وماتوا عليه فهم من أهل النار، وإذا أقدموا عليه وماتوا (٦) عليه (٧) فهم من أهل الجنة.
وهو اختيار بعض أهل (٨) الحديث كأبي العباس القلانسي والقفال الشاشي (٩) والحليمي (١٠) وغيرهم.
وهذا المذهب مروي عن أبي حنيفة رحمة الله عليه: فإنه ذكر الحاكم الشهيد ﵀ في كتاب "المنتقى" (١١) عن محمد بن سماعة (١٢) عن محمد
стр. 221
ابن الحسن عن أبي حنيفة ﵏ أنه قال: لا عذر لأحد بالجهل بالله تعالى بما (١) يرى من خلق السماوات والأرض وما يرى من خلق نفسه.
وهو قول المعتزلة الذين قالوا إن (٢) المعارف استدلالية، وهم (٣) معتزلة البصرة ومن تابعهم.
وقال عامة أصحاب الحديث من الأشعرية وغيرهم (٤) ومن تابعهم بأنه لا يجب عايهم الإيمان ولايحرم عليهم الكفر، حتى لو ماتوا على الكفر أو على (٥) الإيمان قبل بلوغ الدعوة، فهم في مشيئة الله تعالى: إن شاء عذبهم وإن شاء أدخلهم الجنة.
وهو قول بعض معتزلة بغداد (٦) الذين قالوا: إن (٧) المعارف ضرورية.
وهو اختيار بعض مشايخ بخارى وغيرهم. غير أنهم قالوا إنهم من أهل الجنة في الأحوال كلها بمنزلة الصبيان والمجانين (٨).
وحاصل الخلاف أن العقل وحده قبل قرينة (٩) الشرع - هل يعرف به وجوب الإيمان وحرمة الكفر، وهل يعرف به الحسن والقبح (١٠)؟
فعند الفريق الأول يعرف به (١١) أصله، وإن كان لا يعرف المقادير والأوقات والهيئات.
стр. 222
وعند الفريق الثاني لا يعرف شيء من هذا بالعقل، وإنما يعرف به (١) صحة وجود الأشياء وكونها وإحالة المحالات وجواز الجائزات والممكنات (٢).
ولقب المسألة - أن العقل هل هو موجب أم لا؟
وهذا اللقب (٣) خطأ من حيث الحقيقة، فإن الموجب للأحكام (٤) هو الله تعالى، لكن سمي العقل موجباً لكونه علماً ودليلا على ذلك، وهذا كما يقوله (٥) الفقهاء: إن العلة موجبة، وهو (٦) إطلاق وطريق المجاز - فكذا (٧) هذا.
وهذه مسألة عظيمة لها شعب كثيرة، وطريقنا فيها خلاف طريق المعتزلة، وإن كان في الجواب موافقة - وهي من مسائل الكلام.
مسألة ثانية:
وهي أن الكفار هل يخاطبون بالشرائع قبل ورود الشرع وبلوغ الدعوة من نحو وجوب الصلاة والصوم والحج وغيرها، وكذا المحرمات من الزنا والسرقة وشرب الخمر وغيرها، ووجوب الحدود والقصاص والدية وغيرها؟
لا خلاف بيننا وبين أهل الحديث أنه لا خطاب عليهم، لأنه لا طريق لمعرفتها (٨) إلا الشرع.
فقبل وروده - يكون تكليف ما ليس في الوسع، وهو موضوع شرعًا.
стр. 223
وعند المعتزلة: هم مخاطبون ببعض الشرائع، فإن عندهم بعض الشرائع (١) من الواجبات والمحظورات يعرف بمجرد (٢) العقل وورود الشرع بعد ذلك قد يكون تقريراً لما في العقل، وقد يكون نقلا من حكم العقل إلى حكم الشرع، فيكون تغييراً له. ولم يسموا ذلك نسخاً (٣).
فأما بعد ورود الشرع -[فقد] اختلفوا فيه (٤).
قال عامة أهل الحديث والمعتزلة: إنهم يخاطبون بذلك كله.
وهو قول مشايخ العراق من أصحابنا.
وقال بعض مشايخ ديارنا: إنهم (٥) غير مخاطبين أصلا، لا بالعبادات ولا بالمحرمات (٦) إلا ما قام دليل شرعي (٧) عليه تنصيصاً، أو استثني في (٨) عهود أهل الذمة كا في حرمة الربا (٩) ووجوب الحدود والقصاص وغيرها.
وقال بعض أهل التحقيق منهم: إنهم مخاطبون (١٠) بالمحرمات والمعاملات دون العبادات.
وفائدة الخلاف لا تظهر في أحكام الدنيا (١١): فإنهم لو أسلموا
стр. 224
لا يجب عليهم قضاء العبادات الفائتة ولا يجب عليهم الحدود. وإنما تظهر في حق أحكام الآخرة: فإن عندهم يعاقبون بترك العبادات ومباشرة المحرمات (١)، زيادة على عقوبة الكفر. وعندنا لا يعاقبون بترك العبادات ولا يعاقبون بمباشرة (٢) المحظورات عند بعض مشايخنا، وعند بعضهم يعاقبون.
وجه قول من قال بالخطاب - النصوص، والمعقول:
أما النصوص - فقوله (٣) تعالى، خبراً عن خزنة جهنم: إنهم يقولون للكفرة (٤): "ما سلككم في سقر؟ قالوا: لم نك من المصلين، ولم نك نطعم المسكين" (٥) - الله تعالى أخبر عن (٦) اعتقادهم استحقاق العذاب بترك العبادات، ولم يرد عليهم اعتقادهم فدل أن ذلك ثابت به. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا. يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ (٧) ولا شك أن مضاعفة العذاب بسبب ترك الواجبات ومباشرة المحظورات سوى الكفر.
وأما المعقول -وهو أن التكليف يعتمد القدرة من حيث الأسباب وقيام طريق الوصول إليه لا حقيقة القدرة- ألا ترى أن الصلاة تجب على الجنب
стр. 225
والمحدث، لأن في يديهما (١) رفع الجنابة والحدث وإن كان أداء الصلاة لا يجوز مع الحدث. وكذلك الحج يجب على البعيد عن (٢) مكة، وإن كان لا يمكنه أداء الحج إلا بمكة، لأن في يده إمكان قطع المسافة.
وكذلك (٣) في يد الكفرة (٤) القدرة على الإيمان الذي لا تصح العبادات بدونه وطريق الوصول إلى الوقوف على كيفياتها بالسؤال من صاحب الشرع، ومن ينوب منابه، فيجب القول بتوجه الخطاب، إلا أنه إذا أسلم يسقط (٥) عنه بعد الوجوب، بعفو صاحب الحق، لقوله (٦) تعالى: ﴿إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (٧) ولقوله ﵇: "الإسلام يجب ما قبله". وإذا مات على الكفر يعاقب في الآخرة. وليس حكم الوجوب وفائدته مختصاً (٨) بالأداء، فإنه إذا كان في علم (٩) الله تعالى من كافر أنه لا يؤمن أبدًا (١٠) أو من مسلم أنه لا يؤدي صلاة الظهر مثلا (١١)، فإنه لا يتحقق منه الأداء. ومع هذا: الوجوب ثابت (١٢)، لفائدة توجه العذاب في الآخرة - كذلك هذا (١٣).
стр. 226
وجه القول المختار - وهو أن هذا تكليف ما ليس في الوسع، فإن الكافر لا يقدر (١) على أداء العبادات حالة الكفر لعدم شرطه، وهو الإيمان، ولا يمكنه الأداء إلا (٢) بواسطة تحصيل الشرط، كما ذكرتم في الجنب والمحدث، لأن ثمة يقدر على أداء الواجب بعد رفع الحدث والجنابة، بالاغتسال - هذا بخلاف الوضوء (٣). أما الكافر بعد تحصيل الشرط [فـ] لا يقدر على الأداء، لأنه لا يجب القضاء بالإجماع. فإن (٤) شئت قلت: إن هذا تكليف ما ليس في الوسع لأنه لا يخلو: إما أن يجب ليؤدى في حالة الكفر أو ليؤدى بعد الإسلام. ولا وجه للأول لأن الكفر مانع من صحة أداء (٥) العبادات. ولا وجه للثاني فإنه لا يجب عليه (٦) الأداء بعد الإسلام أو يسقط عندكم فيكون هذا تكليف ما ليس في الوسع، وهو محال عقلا وموضوع شرعاً. وهو الجواب عن قولكم: إن التكليف يعتمد القدرة من حيث الأسباب - نعم، ولكن تفسيرها أنه متى أراد أن يفعل يقدر على ذلك ويتمكن من التحصيل لا محالة - وههنا لا يقدر في الحالين بخلاف الحرمات، لأن حكم التحريم وجوب الامتناع عن الفعل المحرم ومع الكفر يتصور الامتناع عن الفواحش، فلا يكون تكليف ما ليس في الوسع، وهو (٧) الفرق بين الفصلين.
أما التعلق بالنصوص [فـ] لا يصح: فإن قولهم "لم نك من المصلين" (٨)
стр. 227
معناه: لم نك (١) من المعتقدين لحقية الصلاة على الوجه الذي جاء به الرسول ﷺ ، إذ الصلاة قد تذكر ويراد بها اعتقاد حقية الصلاة لا نفس الصلاة - قال الله تعالى: "فإن تابوا وأقاموا الصلاة (الآية) " (٢) والمراد قبول الصلاة واعتقادهم حقيتها (٣)، دون الأداء، بدليل أنه يجب تخلية السبيل (٤) وإن لم يوجد كل منهم (٥) الأداء نحتمل "لم نك (٦) من المصلين" أي من المؤمنين (٧)، لأن الصلاة من العلامة اللازمة للإيمان، كا روي عن النبي ﷺ أنه قال: "نهيت عن قتل المصلين" أي عن (٨) قتل المؤمنين. ويحتمل ما ذكرتم. فلا يكون حجة مع الاحتمال، فلا (٩) يجوز القول بالوجوب قطعاً، حتى يستحقوا (١٠) العقاب بالترك.
وأما (١١) النص الثاني، فلا حجة فيه على القول المختار، فإخهم مخاطبون بالحرمات - والله أعلم.
مسألة ثالثة:
اختلف الناس في أن الأصل في الأعيان المنتفع بها هو إباحة الانتفاع أو الحظر؟ وما حكمها قبل ورود الشرع؟
стр. 228
قال عامة (١) أصحابنا وعامة أصحاب الحديث من الفقهاء والمتكلمين منهم: إنه لا حكم لها قبل ورود الشرع، ويجب التوقف (٢) فيها: لا نحكم (٣) بحظر ولا إباحة.
وبه قال بعض المعتزلة، مثل: القاشاني (٤)، وبشر المريسي (٥)، وضرار بن عمرو (٦).
إلا أن طريق التوقف (٧) مختلف:
فعند أصحاب الحديث وهؤلاء المعتزلة: لا حكم فيها (٨) قبل ورود الشرع، لعدم دليل الفبوت، وهو الخبر عن (٩) الله تعالى على لسان صاحب الشرع (١٠)، فوجب التوقف في الجواب إلى وقت حصول العلم بدليلة.
стр. 229
وقال بعض أهل التحقيق منهم: لا نقول بالتوقف (١)، بل نقطع القول بأنه ليس بواجب, لأنه ثبت (٢) بقول الله (٣) تعالى: "افعلوا". ونقطع بأنه (٤) ليس بمحظور؛ لأنه ثبت (٥) بقوله تعالى (٦): "لا تفعلوا". ونقطع بأنه (٧) ليس بمباح, لأنه ثبت (٨) بقوله: "افعلوا إن سنة شئتم واتركوا إن شئتم" (٩). ولم يرد شيء من ذلك قبل ورود (١٠) الشرع، فنقول: قبل ورود (١١) الشرع لا حظر ولا إباحة ولا وجوب ولا ندب قطعًا، لعدم دليله، ويجوز أن لا (١٢) يوسف الفعل بهذه الأوصاف، كفعل الأطفال والمجانين والبهائم (١٣).
وأما عندنا [فـ] لا بد أن (١٤) يكون لهذه الأفعال حكم ما عند الله تعالى: يمكن أن يكون هو الوجوب، بالإيجاب الأزلي، لتعلق العاقبة الحميدة به. ويمكن أن يكون هو الحرمة، بالتحريم الأزلي، لتعلق العاقبة الوخيمة به (١٥). ويمكن أن ليس لفعل (١٦) عاقبة حميدة ولا عاقبة ذميمة، فيكون مباحًا،
стр. 230
لعدم رجحان أحد الجانبين على الآخر، إلا أنه لا يمكن الوقوف على ذلك بالعقل، لخفائه ودقته، فيتوقف في الجواب إلى ورود الشرع، لا لخلوه عن الحكمة (١)، لكن لا يثبت في حقنا، لعدم دليل الوقوف.
والكلام بيننا وبينهم بناء على مسألة العقل: أن عندهم لا يعرف به حسن ولا قبح (٢) ولا وجوب (٣) ولا ندب (٤) ولا حظر ولا إباحة. وعندنا يعرف به (٥) حسن بعض الأشياء قطعًا، ولا يعرف حسن بعض الأشياء قطعًا (٦). وكذا (٧) القبح والوجوب والحرمة، مع كونها (٨) عند الله تعالى, لأن أحكام الشرع مبنية على الحكمة (٩)، وإن كنا (١٠) لا نقف عليها إلا بدليل الشرع.
هذا بيان قولنا، وقول عامة أصحاب الحديث.
وقال (١١) عامة المعتزلة: الأصل فيها هو (١٢) الإباحة ما لم يرد الشرع بالتقرير أو بالنقل (١٣) والتغيير إلى غيره.
وقال بعض أصحاب الحديث: الأصل فيها هو الحظر إلا بورود الشرع مقررًا أو مغيرًا.
وجه قول المعتزلة: الاستدلال بالنصوص، والمعقول:
стр. 231
- أما النصوص: فقوله (١) تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ (٤) وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ (٥) - دل أن الأصل هو الإباحة.
- وأما المعقول: وهو أن الله تعالى لما خلق أعيانًا منتفعًا بها، مع تعاليه عن الانتفاع بنفسه وتقدسه عن لحوق الضرر به بانتفاع غيره (٦) بها، وصلاحها (٧) لدفع (٨) حوائج العباد مع مساس حاجتهم إليها (٩)، فلا يحسن المنع منها من الله تعالى إياهم، كما لا يحسن المنع في الشاهد من المالك لغيره عن الاستظلال بظل جداره، والاستضاءة (١٠) بضوء سراجه، والنظر في مرآته، والاشتمام بروائح طيبة، مع كون المالك في الشاهد محتاجًا إلى ذلك كله بنفسه، لما أنه لا يلحقه الضرر بذلك - فههنا بطريق (١١) الأولى.
стр. 232
وإذا لم يحسن المنع يجب أن يكون الأصل فيه (١) هو (٢) الإباحة إلا إذا كان يتضمن الانتفاع به ضررًا خفيًا، فيرد الشرع لبيانه (٣)، تحقيقًا لحكمة الانتفاع.
وجه قول أهل الحظر: وهو أن العالم مخلوق الله تعالى وملكه، والتصرف في ملك الغير محظور إلا بإذنه وإطلاقه، وإن كان لا يتضرر به المالك في الشاهد - ألا ترى أن نقل (٤) المرآة والمنجاز (٥) من دار المالك إلى دار نفسه (٦) منهي عنه، وإن لم يتضرر (٧) به المالك - يدل عليه أن قبح التصرف في ملك الغير لو كان لتضرر المالك به (٨) يجب أن لا يباح إلا بالإذن إذا كان يتضرر به: دل أن قبح التصرف في ملك الغير (٩) لعدم إذنه وإطلاقه (١٠)، لا لتضرره. وإذا كان كذلك يجب أن يقبح (١١) التصرف في ملك الله تعالى إلا بإذنه وإطلاقه (١٢)، وإن كان لا يتضرر بتصرفنا فيه، بخلاف ما ذكروا من النظر في المرآة (١٣) والاستظلال والاستضاءة, لأن ذلك ليس بتصرف في ملك الغير لأنه لا أثر لذلك يتصل بملك الغيره
стр. 233
وقلنا نحن وعامة أهل الحديث: إن كلا القولين فاسد:
- أما عندهم فلما ذكرنا: أن العقل (١) ليس بطريق لمعرفة الحسن والقبح أصلا.
- وأما عندنا فلأن (٢) من قال بالإباحة عقلًا، يجوز ورود الشرع في ذلك بعينه بالحظر، فينقله من الإباحة إلى الحظر. وكذا من قال بالحظر عقلًا، يجوز ورود الشرع بالإباحة في عينه فينقله (٣) من الحظر إلى الإباحة. والحاكم الذي يعرف ثبوته بالعقل لا يحتمل التغير (٤) بحال، لأن العقل حجة من حجج الله تعالى كالسمع، والتناقض منفي عن دلائل الشرع لكونه من (٥) أمارة الجهل والسفه، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا - وهذه المسألة مطولة في الشرح.
مسألة - المأمور هل يعلم أنه مأمور على الحقيقة؟
لا خلاف أنه إذا كان الأمر مطلقًا، وكان (٦) المأمور متمكنًا من الفعل المأمور به، بوجود سبب القدرة والعلم، فإنه يعلم أنه مأمور بالفعل لتوجه (٧) الأمر عليه، ووجوب تحصيل المأمور به.
فأما إذا كان أمرًا مضافًا إلى وقت معلوم، بأن صار بالغًا عاقلا (٨) قبل دخول شهر (٩) رمضان وقبل دخول وقت الصلاة - هل يكون مأمورًا للحال حقيقة قبل توجه الوجوب عليه؟
стр. 234
- لا خلاف أنه إذا كان في علم الله تعالى أنه يبقى على صفة المخاطبين إلى وقت دخول شهر (١) رمضان ودخول وقت الصلاة، فإنه يكون مأمورًا حقيقة.
- فأما (٢) إذا كان في علم الله تعالى أنه يعترض عليه الموت قبل مجيء وقت الوجوب أو العجز بسبب فوات العقل وفوات أسباب القدرة - هل يكون مأمورًا - حقيقة؟.
قال أصحاب الحديث: إنه مأمور حقيقة وهو اختيار بعض أصحابنا ﵏.
وقال عامة المعتزلة: إنه (٣) إذا كان في علم الله تعالى زوال التمكن (٤) من الفعل قبل دخول (٥) وقت الوجوب، فإنه لا يكون مأمورًا حقيقة، ولكن يكون مأمورًا ظاهرًا، وفي الآخرة يتبين أنه ليس بمأمور حقيقة.
وأجمعوا أنه لا وجوب عليه في هذا الأمر الذي اعترض المانع في حال توجه الخطاب.
والحاصل أن جهل المأمور باعتراض المانع شرط لكونه مأمورًا، أما جهل الآمر - هل هو شرط؟
- فعلى قول الأولين: علم الآمر باعتراض المانع حالة الوجوب ليس بمانع، لكونه مأمورًا بذلك (٦)، وجهله ليس بشرط.
стр. 235
- وعلى قول الآخرين جهل الآمر والمأمور بذلك شرط لكونه مأمورًا - حتى إن الآمر إذا كان من العباد وهو جاهل باعتراض المانع حالة الوجوب، والمأمور جاهل، فإنه يكون مأمورًا حقه قة، بأن قال المولى لعبده: "صم غدًا" فإنه يكون آمرًا (١) للحال ويكون العبد مأمورًا، وإن كان الوجوب لا يثبت به (٢)، ما لم يبق العبد حيًا قادرًا (٣) عالمًا في الغد، لجهل (٤) الآمر والمأمور، باعتراض العجز والموت في الغد. ولو كان المولى عالمًا بقول نهي صادق أن عبده يموت قبل دخول رمضان والعبد جاهل فقال له: "صم شهرًا (٥) رمضان" فإن العبد يكون مأمورًا حقيقة. ولو كانا عالمين على حقيقة العجز عادة بأن قال المولى لعبده: "افعل كذا بعد ألف سنة" فإنه لا يكون آمرًا ولا العبد مأمورًا، لوجود العجز من حيث العادة. وكذا لو قال لعبده (٦) "اصعد السماء" أو نحو ذلك.
وربما تعبر هذه المسألة بعبارة أخرى، وهي (٧) أن الأمر هل يصح في المستقبل بشرط وجود الإمكان وقت وجوب الفعل أو بشرط زوال المانع؟
فقال الفريق الأول: بأنه يصح بشرط زوال المانع حالة الوجوب، سواء كان الأمر خاصًا للواحد، أو كان (٨) عامًا وفيهم من (٩) يمنع عن الفعل وفيهم (١٠) من لا يمنع.
стр. 236
وقال بعض هؤلاء: إنما يجوز إذا كان الأمر عامًا. فأما (١) إذا كان المأمور واحدًا لا يجوز الأمر في حقه بشرط زوال المانع.
وقال الفريق الثاني: بأنه لا يجوز، والأمر متى ورد من الله تعالى بالفعل كان الداخل تحت الأمر وحكمه، وهو وجوب الفعل في حقه (٢)، هو (٣) من يعلم الله تعالى منه (٤) أنه غير ممنوع عن ذلك الفعل الذي أمر فيه (٥) بشيء من الوانع، فأما كل (٦) من علم (٧) أنه يمنع عن (٨) تحصيل الفعل وقت وجوبه باعتراض الآفات (٩)، فإنه لا يكون مرادًا بالخطاب.
وأجمعوا في أمر العباد بأن أمر (١٠) المولى عبده بفعل، فإنه يجوز بشرط القدرة وشرط (١١) زوال المانع، بأن قال له (١٢): افعل كذا يوم كذا إن قدرت عليه أو افعل إن لم يمنعك مانع.
والصحيح هو قول الفريق الثاني, لأن حكم الأمر الوجب هو وجوب الفعل. فإيجاب (١٣) الفعل مع قيام المانع والعجز عن الفعل بالجنون أو (١٤) الموت حالة توجه الوجوب تكليف ما ليس في الوسع، وهو محال عقلًا وشرعًا.
стр. 237
والخلاف (١) في المسألة مع من يحيل التكليف بما لا يطاق (٢)، وهذا بخلاف تكليف المعدوم والعاجز (٣) إذا كان في علم الله تعالى وجود التمكن من الفعل في حقهما (٤) حالة (٥) توجه الوجوب, لأن هذا تكليف (٦) أزلي ليجب في وقت القدرة، فلا يكون تكليف ما ليس في الوسع إذا كان في علم الله تعالى أنه يقدر ولا يمنع. وإن علم أنه لا يقدر ويمنع تبين (٧) أن هذا ليس بتكليف في حقه، وإن وجد لفظة (٨) التكليف ظاهرًا، ولكن المراد به غيره (٩) مجازًا، والكلام في التكليف حقيقة.
ووجه آخر: وهو أن التكليف بشرط ثبوت المكنة (١٠) و (١١) زوال العجز والماعن تعليق التكليف بالشرط، والتعليق بالشرط حقيقة إنما يكون ممن هو جاهل بالعواقب كتعليق الطلاق والعتاق من العباد, لأنه (١٢) لا علم لهم بحصول الشرط. فإن (١٣) الشرط ما يكون على خطر الوجود. ولهذا قالوا إن تعليق الفعل بشرط (١٤) كائن لا محالة (١٥) تحقيق وليس بتعليق، كن
стр. 238
يقول لامرأته: "أَنْتَ طالق إن كانت (١) السماء فوقنا". وكذا التعليق بشرط مستحيل حقيقة أو (٢) عادة يكون إعدامًا ولا يكون تعليقًا (٣) بشرط، كمن يقول لعبده: "أنت حر إن صعدت السماء" أو (٤) "إن عشت ألف سنة" وإنما يكون تعليقًا إذا كان الشرط محتمل الوجود والعدم، وهذا إنما يتحقق في حق (٥) العباد لجهلهم بعاقبة وجود الشرط وعدمه، فأما الله تعالى إذا كان عالمًا بعواقب الأمور و (٦) يستحيل عليه الجهل بوجود الشرط وعدمه، فلا يتصور التعليق بالشرط في حقه.
وتحقيق هذا الكلام، وهو أن الأمر طلب الفعل، ولن يتصور طلب وجود الفعل (٧) ممن يعلم أنه لا يتصور ذلك الفعل من المطلوب منه (٨)، فإن من طلب من عبده أن يفعل فعلا بعد ما صعد السماء أو بعد ألف سنة (٩)، وهو متعذر عادة، إما أن يكون سفيهًا أو مستهزئًا بعبد (١٠)، وإنما يتصور الطلب مع الجهل بحال المأمور، فأما (١١) مع العلم باستحالة الفعل المأمور به لا يتصور قيام الطلب بذات الطالب، والأمر هو الطلب، فإذا لم يكن طلبًا (١٢) لا يكون أمرًا.
وهذا كلام واضح، ؤقد أشبعنا البيان في هذه المسألة في الشرح - والله الموفق.
стр. 239
[٥]
فصل في بيان
القسم الذي يرجع إلى المأمور فيه وهو الزمان (١)
وإنه يتضمن فصولا (٢):
وجملة ذلك أن الأمر من الله تعالى بالفعل لا يخلو: إما أن يكون مطلقًا عن الوقت، أو يكون أمرًا في زمان معين معلوم (٣).
أما الأول:
فنحو (٤) الأمر بالكفارات، وقضاء رمضان، والنذور المطاقة، ونحوها.
فكل (٥) من قال إن الأمر يقتضي التكرار يقول يحمل على الفور، وهو وجوب الفعل في أول أوقات الإمكان. وأما من قال إنه (٦) يقتضي الفعل مرة اختلفوا فيه:
روى الكرخي (٧) ﵀ عن أصحابنا ﵏ أنه على الفور - وهو قول عامة أهل (٨) الحديث.
стр. 240
وذكر أبو سهل الزجاجي (١) في الحجج (٢) اختلافًا بين (٣) أصحابنا:
عند أبي يوسف ﵀ (٤): إنه (٥) على الفور.
وعند محمد والشافعي رحمهما الله: على التراخي.
وروى عن أبي حنيفة رحمة الله عليه مثل قول أبي يوسف ﵀.
وذكر محمد بن شجاع الثلجي (٦) عن أصحابنا أنه يجب في أول الوقت وجوبًا موسعًا.
وهو قول بعض أصحاب الحديث.
وتفسير وجوب الموسع عندهم أنه يجب في أول أوقات الإمكان، حتى إنه كل متى أدي في أي وقت يقع واجبًا، ولا يأثم بالتأخير إلى آخر العمر. فأما إذا (٧) كان غالب ظنه الموت إما بسبب المرض أو بسبب الهرم فإف يتضيق عليه الوجوب، حتى لو مات يأثم بتركه عن ذلك الوقت.
стр. 241
وقال (١) عامة مشايخنا: إنه يجب على التراخي. وتفسيره أنه يجب مطاقًا عن الوقت، وكان خيار التعيين حسن إليه. ففي (٢) أى وقت شرع فيه يتعين للوجوب (٣). وإذا لم يشرع يتضيق الوجوب في آخر عمره في زمان يتمكن من الأداء فيه (٤)، قبيل موته، حتى إذا مات قبل الأداء يأثم بتركه.
واختلف المعتزلة فيما بينهم:
قال بعضهم: يجب على الفور.
وقال بعضهم مثل قولنا: إنه يجب في مطلق الوقت، والخيار إليه.
وقال بعضهم: يجب في جيمع الأوقات على طريق البدل، على معنى أن الأداء في كل وقت يقوم كل مقام وقت آخر في المصلحة. فمتى أدى في وقت سقط الوجوب عنه في أوقات أخر (٥)، ولا يجوز تركها (٦) عن الأوقات كلها، كما قالوا في الكفارات الثلاث (٧)؛ لأنهم لا يرون الأمر بتحصيل فعل مجهول، ولا يجوزون التخيير في مثل هذا حتى يتعين بالاختيار ممن عليه.
ومذهب شيخنا الإمام الزاهد (٨) أبي منصور الماتريدي (٩) ﵀ أنه لا يعتقد فيه بالفور ولا بالتراخي إلا بدليل زائد وراء الصيغة، ولكن
стр. 242
يجب عليه تحصيل الفعل في أول أوقات الإمكان من حيث الظاهر، لا من طريق الحقيقة والقطع (١) مع الاعتقاد مبهمًا إلا بدليل زائد (٢).
وقالت الواقفية: يتوقف في وجوب العمل والاعتقاد جميعًا، في حق الفور والتراخي، إلا بدليل زائد وراء الصيغة.
والصحيح مذهب عامة المشايخ ﵏؛ لأن الأمر مطلق عن الوقت، وليس البعض بأولى من البعض، في جب عليه الفعل في (٣) مطلق الوقت، ولا يجوز التقييد إلا بدليل.
ولا يقال: إن (٤) التقييد ثبت بدليل، فإن الواجب ما يأثم بتركه ولا يباح تأخيره، فيكون ما قلتم مناقضة لحد الواجب، ويكون إلحاقًا للواجب بالنافلة؛ لأن ما قلتم حد النقل؛ لأنا نقول ما ذكرتم حد الواجب المضيق المعين. ونحن (٥) نقول بالوجوب في مطلق الوقت، أو بالوجوب على سبيل (٦) التوسع، حده ما إذا (٧) أدى يقع مستحقًا لا تبرعًا، أو ما يأتم بتركه في الجملة، بخلاف النفل: فإنه لا يأثم بتركه أصلًا.
وقد (٨) ذكرنا هذه المسألة على الوجه في الشرح - والله الموفق.
стр. 243
[وأما الثاني]:
وأما (١) إذا كان الأمر لي الفعل (٢) في زمان معين - فهذا لا يخلو من ثلاثة أوجه (٣):
- إما إن كان لا يتسع للفعل (٤) المأمور به (٥)، ولكن يتصور فيه بعضه (٦).
- و (٧) إما إن كان يتسع للفعل المأمور به (٨)، على طريق الاستغراق، ولا يفضل (٩) عنه.
- وإما إن كان يتسع له ويفضل (١٠) عنه.
- أما الأول:
[فـ] لا يجوز أن يرد التكليف بالفعل كله فيه, لأنه تكليف ما ليس في الوسع (١١). ولكن يجوز أن يرد التكليف بالفعل في وقت لا يتمكن من أداء كله فيه، ليؤدى بعضه فيه ويؤدى (١٢) الباقي في الوقت الذي يليه، إما أداء أو (١٣) قضاء. كن أحرم بحجتين في وقت واحد: يلزمه
стр. 244
حجتان: إحداهما (١) في هذه السنة، والثانية في السنة الثانية، فيكون (٢) إيجاباً في السنتين (٣). وكمن صار أهلا لوجوب الصلاة في آخر الوقت بحيث لا يتمكن كل من أداء كل الصلاة فيه، بل مقدار ركعة أو مقدار التحريمة، كالحائض تطهر في آخر وقت الظهر، والصبي يبلغ، والكافر يسلم: فإنه يجب عليهم الصلاة بعضها في الوقت أداء وبعض في الوقت (٤) الذي يليه قضاء - وهذا (٥) عندنا، خلافاً لزفر: فإن عنده لايجب كل ما لم يتمكن من أداء كل صلاة (٦) الظهر فيه، لأن صلاة الظهر لا تجب في وقت (٧) غير وقت الظهر، ولا يمكن إيجاب أداء الكل فيه، لأنه تكليف ما ليس في الوسع، فسقط (٨) أصلا.
وقلنا نحن: لا يجب عليه كل الصلاة في وقت الظهر، حتى (٩) يكون تكليف ما ليس في الوسع، ولكن يجب بقدر ما يقبله الوقت، ويكون أداء، وما زاد عليه في الوقت الذي يليه قضاء، ويجوز أن يكون الصلاة الواحدة بعضها أداء وبعضها قضاء (١٠)، كاللاحق بركعتين في صلاة الظهر: كل مؤد للبعض وقاض (١١) للبعض. ونحو ذلك - بخلاف ما إذا زالت (١٢) هذه الموانع بعد خروج الوقت، لأن هذه الموانع مانعة من
стр. 245
وجوب القضاء، بحكم الحرج، وليس بعض الأوقات بأولى من بعض (١)، فأما الوقت الذي أمكنه أداء البعض فيه لم يلحق بالباقي، لإمكان بعض الأداء فيه، احتياطاً في العبادة، لمفارقته غيره (٢)، فيكون له حكم على حدة.
ولهذا قلنا في الجنون القصير، في حق صوم شهر (٣) رمضان: يجب على المجنون القضاء في الأداء، والأداء في البعض - وصوم رمضان بمنزلة صلاة (٤) الظهر في المعنى.
- وأما (٥) [الثاني:] إذا كان الوقت مما يتسع للفعل المأمور به على طريق الاستغراق ولا (٦) يفضل عنه:
كاليوم (٧) في حق الصوم، فإنه يجب عليه (٨) كل الصوم في كل اليوم، فيجب في كل جزء من الوقت جزء (٩) من الفعل. وكذا في صوم رمضان في كل يوم - فيكون تكليف ما في الوسع إن (١٠) اعتبرنا الوجوب بالخطاب وكون (١١) كل جزء سبباً لوجوب جزء من (١٢) الفعل وشرطاً لأدائه في الموضع الذي اعتبر السبب، وهذا ممكن موافق لأصول الشريعة (١٣) من غير تناقض. وما قيل فيه خلاف ما قلنا، فهو تكليف (١٤) من غير حاجة، مع أنه مخالف للأصول، متناقض في نفسه.
стр. 246
- وأما (١) [الثالث:] إذا كان الوقت مما يتسع له ويفضل عنه: كوقت صلاة الظهر والعصر ونحوهما (٢) - فقد اختلف فيه:
اتفق أصحابنا ﵏ (٣) أنه إذا تضيق الوقت، ومن عليه أهل، يتعين ذلك الوقت للوجوب حتى لو أخر عنه فإنه (٤) يأثم.
واختلفت (٥) الرواية عن أصحابنا في أول الوقت ووسطه وآخره قبل أن يتصق الوقت:
فعن (٦) الكرخي ثلاث روايات عن أصحابنا ﵏:
روى عنه الجصاص (٧) أن الوقت كله وقت (٨) الفرض، وعليه أداؤه في وقت مطلق عن جميع الوقت، وهو مخير في الأداء، وإنما يتعين الوجوب إما بالأداء أو بتصيق الوقت. فإن أدى في أوله يكون واجبًا، وإن أخر لا يأثم؛ لأنه لم يجب عليه (٩) قبل التعيين. وإن لم يؤد حتى لم يبق من الوقت إلا بقدر ما يؤدي فيه (١٠)، يتعين الوجوب، حتى يأتم بالتأخير (١١) عنه - وهذه الرواية هي المعتمد عليها.
стр. 247
وروى عن الكرخي ﵀ (١) أيضًا أنه (٢) إذا أدى في أوله، فهو موقوف: فإن وفي على صفة المكلفين إلى آخر الوقت (٣)، بأن بقي حيًا عاقلًا (٤) مسلمًا ونحو ذلك (٥) - يقع واجبًا. وإن فات شيء من شرائط التكليف، يكون نفلًا.
وفي رواية أخرى عنه أنه (٦) إذا أدى في أوله يقع نفلًا، لكن إن بقي إلى آخر الوقت، بصفة المكلفين، يكون ذلك النفل مانعًا لوجوب في آخر الوقت (٧)، ويكون مسقطًا للفرض عن ذمته (٨). وهذه الرواية مهجورة.
وروى عن (٩) محمد بن شجاع (١٠) عن أصحابنا ﵏ أن الصلاة في أول الوقت واجبة على طريق التوسع.
وهو مذهب عامة المتكلمين من أصحاب الحديث.
وهو مذهب الشافعي ﵀ إلا في مسألة (١١) الحج: فإنه روى عنه أنه قال بالتراخي.
стр. 248
وفائدة الخلاف تظهر في المرأة إذا حاضت في آخر الوقت: لا يلزمها قضاء تلك الصلاة عندنا.
وعند الشافعي ﵀: إن أدركت من (١) أول الوقت مقدار ما تصلي فيه الظهر، ثم حاضت، يلزمها القضاء بعد الطهر. وإن أدركت من أول الوقت أقل (٢) من ذلك، فأصحابه مختلفون في وجوب القضاء.
واختلف المعتزلة فيه:
بعضهم قالوا مثل قولنا.
وقال بعضهم: يجب الصلاة في أول الوقت، لكن يباح له التأخير.
لكن عند بعضهم ببدل، هو العزم على الأداء. وعند بعضهم بغير بدل. وبه قال أصحاب الشافعي أيضًا.
وقال بعض المعتزلة: إنه يجب الصلاة في جميع الوقت على طريق البدل، حتى إنه إذا أدى في شيء من الوقت يسقط (٣) عنه الواجب. وإن أخر عن الوقت كله، فإنه يأثم، ويكون الأداء في أوله ووسطه وآخره في المصلحة على السواء.
والصحيح مذهبنا: إنها تجب (٤) في مطلق الوقت مع التخيير, لأن الله تعالى أمر بالصلاة في مطلق الوقت بقوله تعالى: "أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل" (٥) فلا يجوز التقييد بأوله وأمكن القول به بواسطة التخيير، فيتعين (٦) الوجوب في الوقت الذي يؤديه. وإذا تضيق الوقت
стр. 249
يسقط خيار التعيين، ويتعين الوجوب، فمن ادعى التقييد بأوله فلا بد له (١) من الدليل (٢).
مسألة - في الأمر الموقت إذا خرج الوقف قبل تحصيل الفعل حتى وجب عليه القضاء: هل يجب بالأمر السابق أو بأمر مبتدأ (٣)؟
اختلف مشايخنا فيه:
قال بعضهم: يجب بالأمر السابق.
وقال بعضهم: يجب بأمر مبتدأ.
وجه قول الأولين: إن الواجب هو العبادة لله تعالى في هذا الوقت، إما بحق العبودية، أو بحق الشكر، أو بحق التكفير عن الخطايا التي تجري (٤) على يد (٥) المرء بين الوقتين (٦). وفي هذا الغرض (٧) الأوقات كلها (٨) سواء - ألا ترى أن الأمكنة فيها سواء، ولا يختص بمكان دون مكان، وصار كمن أمر عبده بأن يتصدق بدرهم (٩) من ماله باليد اليمنى فشلت يده اليمنى، يجب عليه أن يتصدق باليسرى، ولا يتقيد باليمنى لأن الغرض لا يختلف - فكذا هذا.
وإذا ثبت هذا فالوجوب الثابت بالأمر لا يسقط إلا بالأداء أو بالقضاء أو بالإبراء من صاحب الحق، فلا حاجة إلى أمر آخر.
стр. 250
ووجه (١) قول الآخرين: إن الأمر بالفعل في وقت كل معين (٢) ينتهي بانتهاء ذلك (٣) الوقت، والأمر بالعبادة في وقت لا يكون أمرًا بالعبادة في وقت آخر، كمن قال لعبده: "افعل كذا في يوم الجمعة": لا يتناول ما عدا الجمعة بحكم الصيغة، إلا أن يدل دليل آخر (٤) زائد يعم الأوقات كلها بدلالة الحال - بخلاف فصل التصدق, لأن الغرض ثمة إيصال النفع (٥) إلى الفقير، ليحصل له الثواب بالتقرب (٦) إلى الله تعالى، وذلك لا يختلف باختلاف آلة الإيصال (٧). أما ههنا (٨) [فـ] يحتمل أن يكون التعيين لمعنى يختص بالوقت من زيادة فضيلة (٩) له أو نحو ذلك، مما لا نعرفه بعقولنا، والآمر هو العالم بمصالح الأوقات، فلا يعرف أن الفعل في وقت آخر مثل الفعل في الوقت (١٠) الأول في المعنى الذي تعلق بالأول (١١)، فلا يقوم مقامه إلا بدليل.
هذا الذي ذكرنا في الأمر المعين.
فأما في الأمر المطلق عن الوقت إذا فات عن (١٢) أول أوقات الإمكان - فيجب عليه في الوقت الثاني (١٣) بذلك الأمر أم (١٤) بأمر مبتدأ؟