← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 19237

ميزان الأصول في نتائج العقول

علاء الدين السمرقندي

Полный текст (813 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

- وأما (١) [الثالث:] إذا كان الوقت مما يتسع له ويفضل عنه: كوقت صلاة الظهر والعصر ونحوهما (٢) - فقد اختلف فيه: اتفق أصحابنا ﵏ (٣) أنه إذا تضيق الوقت، ومن عليه أهل، يتعين ذلك الوقت للوجوب حتى لو أخر عنه فإنه (٤) يأثم. واختلفت (٥) الرواية عن أصحابنا في أول الوقت ووسطه وآخره قبل أن يتصق الوقت: فعن (٦) الكرخي ثلاث روايات عن أصحابنا ﵏: روى عنه الجصاص (٧) أن الوقت كله وقت (٨) الفرض، وعليه أداؤه في وقت مطلق عن جميع الوقت، وهو مخير في الأداء، وإنما يتعين الوجوب إما بالأداء أو بتصيق الوقت. فإن أدى في أوله يكون واجبًا، وإن أخر لا يأثم؛ لأنه لم يجب عليه (٩) قبل التعيين. وإن لم يؤد حتى لم يبق من الوقت إلا بقدر ما يؤدي فيه (١٠)، يتعين الوجوب، حتى يأتم بالتأخير (١١) عنه - وهذه الرواية هي المعتمد عليها.

стр. 247

وروى عن الكرخي ﵀ (١) أيضًا أنه (٢) إذا أدى في أوله، فهو موقوف: فإن وفي على صفة المكلفين إلى آخر الوقت (٣)، بأن بقي حيًا عاقلًا (٤) مسلمًا ونحو ذلك (٥) - يقع واجبًا. وإن فات شيء من شرائط التكليف، يكون نفلًا. وفي رواية أخرى عنه أنه (٦) إذا أدى في أوله يقع نفلًا، لكن إن بقي إلى آخر الوقت، بصفة المكلفين، يكون ذلك النفل مانعًا لوجوب في آخر الوقت (٧)، ويكون مسقطًا للفرض عن ذمته (٨). وهذه الرواية مهجورة. وروى عن (٩) محمد بن شجاع (١٠) عن أصحابنا ﵏ أن الصلاة في أول الوقت واجبة على طريق التوسع. وهو مذهب عامة المتكلمين من أصحاب الحديث. وهو مذهب الشافعي ﵀ إلا في مسألة (١١) الحج: فإنه روى عنه أنه قال بالتراخي.

стр. 248

وفائدة الخلاف تظهر في المرأة إذا حاضت في آخر الوقت: لا يلزمها قضاء تلك الصلاة عندنا. وعند الشافعي ﵀: إن أدركت من (١) أول الوقت مقدار ما تصلي فيه الظهر، ثم حاضت، يلزمها القضاء بعد الطهر. وإن أدركت من أول الوقت أقل (٢) من ذلك، فأصحابه مختلفون في وجوب القضاء. واختلف المعتزلة فيه: بعضهم قالوا مثل قولنا. وقال بعضهم: يجب الصلاة في أول الوقت، لكن يباح له التأخير. لكن عند بعضهم ببدل، هو العزم على الأداء. وعند بعضهم بغير بدل. وبه قال أصحاب الشافعي أيضًا. وقال بعض المعتزلة: إنه يجب الصلاة في جميع الوقت على طريق البدل، حتى إنه إذا أدى في شيء من الوقت يسقط (٣) عنه الواجب. وإن أخر عن الوقت كله، فإنه يأثم، ويكون الأداء في أوله ووسطه وآخره في المصلحة على السواء. والصحيح مذهبنا: إنها تجب (٤) في مطلق الوقت مع التخيير, لأن الله تعالى أمر بالصلاة في مطلق الوقت بقوله تعالى: "أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل" (٥) فلا يجوز التقييد بأوله وأمكن القول به بواسطة التخيير، فيتعين (٦) الوجوب في الوقت الذي يؤديه. وإذا تضيق الوقت

стр. 249

يسقط خيار التعيين، ويتعين الوجوب، فمن ادعى التقييد بأوله فلا بد له (١) من الدليل (٢). مسألة - في الأمر الموقت إذا خرج الوقف قبل تحصيل الفعل حتى وجب عليه القضاء: هل يجب بالأمر السابق أو بأمر مبتدأ (٣)؟ اختلف مشايخنا فيه: قال بعضهم: يجب بالأمر السابق. وقال بعضهم: يجب بأمر مبتدأ. وجه قول الأولين: إن الواجب هو العبادة لله تعالى في هذا الوقت، إما بحق العبودية، أو بحق الشكر، أو بحق التكفير عن الخطايا التي تجري (٤) على يد (٥) المرء بين الوقتين (٦). وفي هذا الغرض (٧) الأوقات كلها (٨) سواء - ألا ترى أن الأمكنة فيها سواء، ولا يختص بمكان دون مكان، وصار كمن أمر عبده بأن يتصدق بدرهم (٩) من ماله باليد اليمنى فشلت يده اليمنى، يجب عليه أن يتصدق باليسرى، ولا يتقيد باليمنى لأن الغرض لا يختلف - فكذا هذا. وإذا ثبت هذا فالوجوب الثابت بالأمر لا يسقط إلا بالأداء أو بالقضاء أو بالإبراء من صاحب الحق، فلا حاجة إلى أمر آخر.

стр. 250

ووجه (١) قول الآخرين: إن الأمر بالفعل في وقت كل معين (٢) ينتهي بانتهاء ذلك (٣) الوقت، والأمر بالعبادة في وقت لا يكون أمرًا بالعبادة في وقت آخر، كمن قال لعبده: "افعل كذا في يوم الجمعة": لا يتناول ما عدا الجمعة بحكم الصيغة، إلا أن يدل دليل آخر (٤) زائد يعم الأوقات كلها بدلالة الحال - بخلاف فصل التصدق, لأن الغرض ثمة إيصال النفع (٥) إلى الفقير، ليحصل له الثواب بالتقرب (٦) إلى الله تعالى، وذلك لا يختلف باختلاف آلة الإيصال (٧). أما ههنا (٨) [فـ] يحتمل أن يكون التعيين لمعنى يختص بالوقت من زيادة فضيلة (٩) له أو نحو ذلك، مما لا نعرفه بعقولنا، والآمر هو العالم بمصالح الأوقات، فلا يعرف أن الفعل في وقت آخر مثل الفعل في الوقت (١٠) الأول في المعنى الذي تعلق بالأول (١١)، فلا يقوم مقامه إلا بدليل. هذا الذي ذكرنا في الأمر المعين. فأما في الأمر المطلق عن الوقت إذا فات عن (١٢) أول أوقات الإمكان - فيجب عليه في الوقت الثاني (١٣) بذلك الأمر أم (١٤) بأمر مبتدأ؟

стр. 251

فمن قال بالتراخي يقول بالأمر الأول, لأن الأمر المطلق لا يتعين له الوقت إلا باختيار من عليه أو بتضيق (١) الوقت أو بالموت، فلا ينتهي الأمر (٢) الأول ما لم يمت. وعلى أصل المعتزلة: يجب في الأوقات كلها على طريق البدل. واختلف القائلون بالفور: قال بعضهم: يحتاج في الوقت الثاني إلى أمر آخر، كما في الأمر في وقت بعينه. وقال بعضهم: بالأول, لأن تقدير (٣) الأمر بالصلاة صيغة (٤): "أد في الوقت الأول، فإن أخرت ففي الثاني والثالث إلى آخر الوقت" - بخلاف الأمر بوقت (٥) معين مضيق أو موسع, لأن في الفصل الأول الوقت (٦) غير معين نصًا، وإنما يتعين الأول (٧) كي لا ينعدم معنى الوجوب أو احتياطًا عن الفوت، وكل (٨) وقت بعده في الأداء سواء، فإذا فات الأول يقوم الثاني مقامه. فأما في الوقت المعين يحتمل الاختصاص لمعنى في الوقت ولا (٩) يعرف أن الفعل في الوقت (١٠) الثاني هل هو مثل الأول في المصلحة حتى يقوم مقامه، فلا بد من أمر آخر أو (١١) دليل آخر (١٢) أنه مثل الأول - والله أعلم.

стр. 252

فصل في النّهي الكلام في النهي (١) في ثلاثة مواضع: أحدها - في بيان ما يتفق فيه الأمر والنهي، وما يختلفان. والثاني - في بيان أقسامه. والثالث - في بيان حكمه. [١] أما الأول وهو أنهما يختلفان في أشياء ويتفقان في أشياء. أما بيان ما يختلفان فيه، فنقول: - يختلفان من حيث الحد والحقيقة: فإن حد الأمر وحقيقته هو الدعاء إلى تحصيل الفعل، على طريق الاستعلاء، قولا. وحد النهي وحقيقته (٢) هو الدعاء إلى الامتناع عن الفعل (٣)، على طريق الاستعلاء، قولا. - وكذا يختلفان من حيث الصيغة حسًا: فصيغة (٤) الأمر "افعل"، وصيغة النهي "لا تفعل".

стр. 253

- وكذا يختلفان من حيث الاسم: فإن أحدهما يسمى أمرًا (١)، والآخر نهيًا. - وكذا يختلفان (٢) من حيث ثبوت وصف الحسن للفعل المأمور به، وثبوت صفة (٣) القبح للفعل المنهي عنه. - وكذا يختلفان من حيث إن الأمر (٤) لا يقتضي التكرار والدوام، والنهي يقتضي ذلك (٥) على ما ذكرنا. - وكذا (٦) يختلفان من حيث نفس الحكم (٧): فإن (٨) حكم الأمر هو وجوب تحصيل المأمور به أو ندب التحصيل. وحكم النهي هو وجوب الامتناع عن المنهي عنه أو ندب الامتناع. وأما (٩) ما يتفقان فيه: - فهو أن الأمر والنهي واحد من حيث ذات الكلام. فإن كليهما (١٠) كلام الله تعالى. وكلامه أمر ونهي وخبر واستخبار، على طريق التقرير. والواحد لا يتصور اختلافه واتفاقه من حيث الذات. وإنما الاختلاف والاتفاق في الاسم والإضافة (١١)، كالشخص الواحد يكون أبًا لإنسان

стр. 254

وابنًا لإنسان آخر، فيختلف الاسم والإضافة (١) مع اتحاد المضاف في نفسه. - وكذا يتفق الاسم والإضافة (٢) مع اتحاد المضاف واختلاف (٣) المضاف إليه - يقال لشخص واحد: أبو زيد وأبو عمرو (٤) وأبو محمد (٥) إذا كان لشخص واحد (٦) أولاد بهذه الأسماء. - وكذا يتفقان من حيث إن إرادة وجود المأمور به ليس بشرط صحة الأمر، وإرادة عدم المنهي عنه (٧) ليس بشرط صحة (٨) النهي، خلافًا للمعتزلة على ما مر. - وكذا يتفقان في اختلاف العلماء في حكميهما. فمن قال حكم الأمر هو وجوب الفعل يقول حكم النهي هو وجوب الامتناع. ومن قال بالندب في الأمر يقول بالندب في النهي. ومن توقف في حكم الأمر توقف في حكم النهي على ما مر. - وكذا يتفقان في الأقسام: فكما أن الأمر (٩) قسمان حقيقة: قسم الوجوب وقسم الندب (١٠)، فكذلك النهي: قد يكون لوجوب الامتناع وقد يكون لندب الامتناع. وقال بعض مشايخنا ﵏: إن حكم النهي هو الحرمة دون الندب. وهذا خلاف الإجماع: فإن النهي قد يكون للتنزيه والندب، كالنهي

стр. 255

عن المشي في نعل واحد، والنهي عن الجمع بين النعمتين (١)، والنهي عن اتخاذ الدواب كراسي، ونحو ذلك. [٢] فصل في بيان أقسام النهي ذكر القاضي الإمام أبو زيد ﵀ وقال: النهي على قسمين: ما قبح لعينه (٢) وما قبح لغيره. والذي قبح لعينه نوعان أيضًا (٣): ما قبح لعينه وصفًا، وما هو ملحق به شرعًا. والذي قبح لغيره نوعان أيضًا (٤): ما صار القبح منه وصفًا (٥)، وما جاوره القبح (٦) جمعًا. فهو أربعة أقسام في الحاصل (٧).

стр. 256

ومشايخنا قالوا: في هذا الكلام خلل (١) من حيث الظاهر، لكنه صحيح من حيث التأويل (٢). أما الأول: فلأن (٣) قوله ما قبح لعينه: إن (٤) كان غرضه أن ذات الفعل في عينه (٥) قبيح، لكونه عين الفعل ولأجل كونه فعلا، فهذا لا يصح, لأن الحاكم العيني لازم لزوم العين، و (٦) لا يتصور وجود العين بدونه، ولو كان قبح المنهي عنه (٧) لذات الفعل يجب أن يكون كل فعل قبيحًا. وقد يكون الفعل حسنًا وطاعة لله تعالى، ولله تعالى (٨) فعل أزلي، و (٩) يستحيل وصفه بالقبح، ولأن العقلاء اختلفوا في حد السفه والعبث. و (١٠) عند الثنوية (١١): هو الفعل الذي خلا عن المنفعة للفاعل (١٢).

стр. 257

وعند المعتزلة ما خلا عن المنفعة (١)، إما للفاعل وإما (٢) لغيره. وعند أصحاب الحديث: السفه والعبث ما نهي عنه. وعند بعضهم: ما يعود ضرره على الفاعل (٣). وعندنا: ما ليس له عاقبة حميدة، أو ما له عاقبة ذميمة. ولم يقل أحد من العقلاء (٤) إن السفه قبح (٥) لذات الفعل وكونه فعلَا، بل قالوا إن قبحه لمعنى وراء ذاته وعينه - على ما ذكرنا من الاختلاف بينهم (٦). [الثاني]: وأما التأويل الصحيح فهو (٧) أن غرضه أن عين الفعل المنهي عنه (٨) قبيح لا لعينه ولا لذاته (٩)، ولكن لمعنى (١٠) زائد على ذاته يرجع إلى الفاعل أو غيره، لا أن (١١) المعنى الزائد قائم بالفعل (١٢) , لأن العرض لا يقوم بالعرض. وذلك نحو قولهم السفه قبيح لعينه أي عينه قبيح، لمعنى زائد وراء ذاته، وهو الخلو عن العاقبة الحميدة ونحو ذلك.

стр. 258

وكذا (١) قال مشايخنا: إن تقسيم (٢) النهي إلى (٣) أربعة أقسام لا يصح، من حيث الظاهر, لأن النهي في الحقيقة واحد، وهو التحريم، وكل فعل هو قبيح لذاته يعرف (٤) قبحه عقلًا أو شرعًا، فهو (٥) منهي عنه (٦)، وهذا لا (٧) يحتمل التقسيم من حيث الحقيقة، ولكنه صحيح من حيث التأويل، وهو أنه أراد (٨) به تقسيم صيغة النهي إلى أنواع أربعة: الأول (٩) - أن يضاف صيغة النهي إلى فعل عينه حرام وقبيح لمعنى من المعاني عرف قبحه عقلًا كالكفر والظلم والسفه والعبث. والثاني - أن يضاف صيغة النهي إلى ما عرف قبحه شرعًا، لا عقلًا، كالنهي عن الصلاة بغير طهارة، فإن نفس فعل الصلاة بغير طهارة ليس بقبيح (١٠) عقلًا، فإن (١١) أعظم العبادات تصح من غير (١٢) طهارة، وهو الإيمان بالله تعالى، وكذلك أكثر العبادات. فيكون شرط الطهارة في الصلاة لأهلية أدائها أمرًا شرعيًا، حيث لم يجعل الجنب والمحدث أهلا لها (١٣)، ولا يتصور وجود الشيء حقيقة من غير الأهل حقيقة، فلا (١٤)

стр. 259

يتصور وجود الشيء شرعًا بدون وجوده من الأهل (١) شرعًا، ولا نعني بالصلاة المنهي عنها بغير طهارة ما (٢) فيها من الذكر والتسبيح والتعظيم لله تعالى, لأن الشرع لا يرد (٣) بالنهي عنه، وإنما نعني بها نفس الأفعال (٤) المعهودة التي هي جائزة أن لا تكون مشروعة على هذه الهيئة بل على (٥) هيئة أخرى. وكذا النهي عن الصلاة إلى بيت المقدس: لم يعرف قبحه عقلًا, لأن التوجه إلى جهة من الجهات في الصلاة لم يعرف عبادة عقلًا؛ لأن الله تعالى ليس في جهة من الجهات (٦)، وإنما حسنه عرف (٧) شرعًا لحكمة ومصلحة لم تدركها عقولنا، فجاز النسخ فيه، بالنقل إلى جهة الكعبة لتبدل المصلحة. والثالث - أن يضاف صيغة النهي إلى شيء (٨) ليس بقيح عقلا وشرعًا، بل هو حسن (٩) مشروع في نفسه، لكنه مجاور لغير هو قبهج، شرعًا أو عقلا، وأعني (١٠) بالمجاور أن القبيح (١١) ليس من لوازمه، بل هو ينفك (١٢) عنه في الجملة وفي الحال يوجد مع الفعل الذي ليس

стр. 260

بمنهي عنه (١) لا محالة - نظيره النهي عن الصلاة في الدار الغصوبة (٢): فإن صيغة (٣) النهي أضيفت إلى الصلاة (٤)، وهي ليست بقبيحة، فلا تكون منهيًا عنها حقيقة، وإنما المنهي عنه (٥) هو غصب الأرض وإيذاء المالك، ولهذا: إذا أذن جاز من غير كراهة. وهذا (٦) المنهي، و (٧) هو وطء الأرض، مجاور للصلاة, لأن الصلاة فعل المصلي، من القيام والركوع والسجود، وفعل المصلي قائم به لا يعدوه، فلا (٨) يكون قائمًا بالأرض، وإنما المصلى قائم بالأرض (٩)، إلا أنه مجاور له، فإنهما يوجدان معًا في هذه الحالة: لا يتصور انفكاك أحدهما عن الآخر، وإن كان في الجملة يتصور، لكنه ليس بسبب لوجود القبيح, لأنه بدون الصلاة غاصب، وواطئ للأرض (١٠)، فهما غير ان متجاوران في الحال، فقبح أحدهما لا يؤثر في الآخر، كمن طاف بالبيت [بحدثه] (١١)، وقذف المحصنات بلسانه، وكذا النهي عن البيع وقت النداء، والطلاق في حالة الحيض لما قلنا. ويجوز عندنا خلافًا للمعتزلة وجود الطاعة والمعصية، في حالة واحدة، من شخص واحد، فيكون مطيعًا وعاصيًا بفعلين مختلفين.

стр. 261

والرابع - أن يكون صيغة النهي مضافة إلى شيء هو حسن في نفسه، ويكون المنهي غيرًا غير مشروع (١)، حتى يتصور وجود أحدهما بدون الآخر في اب كله، وهو حد الغيرين (٢). لكن الفعل (٣) الذي هو طاعة سبب لوجود المعصية، ويكون به (٤) قوامها، بخلاف الفصل الأول. نظيره صوم يوم النحر وأيام التشريق عند عامة مشايخنا: فإن الصوم فعل مشروع بنفسه (٥) عبادة لله تعالى، والنهي أضيف إليه، لكن المنهي عنه (٦) غيره، وهو ترك إجابة دعوة الله تعالى (٧)، لوجود حد الغيرين (٨)، وهو وجود أحدهما مع عدم الآخر، فإن الصوم في غير هذه الأيام يخلو من (٩) ترك إجابة الدعوة، لكن الصوم سبب لوجود (١٠) المعصية في هذه. الأيام، فإن ترك إجابة الدعوة لا يتحقق بدون الصوم، حتى قالوا: إنه لو ترك الأكل من غير نية الصوم، لا يأثم، وهذا لأن الصوم هو عين الإمساك عن الأكل والشرب والجماع، وهو عين ترك إجابة الدعوة، فإن إجابة الدعوة؛ هو عين الأكل والشرب والجماع، فترك (١١) الأكل ترك إجابة الدعوة، وهو الصوم بعينه (١٢) - فيكون صومًا شرعيًا من وجه: من حيث إنه ترك اقتضاء الشهوتين لله تعالى على قصد

стр. 262

مخالفة هوى النفس، وسبب التقوى وشكر المنعم (١) على ما عرف. ويكون كل معصية من وجه: من حيث إنه ترك طاعة الله تعالى في إجابة الدعوة، فإن الناس أضياف الله تعالى في هذه الأيام، وأمروا بإجابة (٢) الدعوة، ويجوز عندنا أن يكون للفعل جهات، فيكون حسنًا من وجه قبيحًا من وجه، حلالًا من وجه حرامًا من وجه، أو يصير فعلين تقديرًا لظهور أثره في محلين - وهذا كل هنى قول بعض (٣) مشايخنا في صوم يوم النحر وغيره إنه مشروع بأصله، قبيح بوصفه - لكن في الحقيقة ليس بمنهي لوصفه، لكن (٤) عين الصوم مشروع من وجه دون وجه - على ما ذكرنا (٥) بخلاف المتجاورين. وبهذا الكلام فرقوا بين الصلاة في الأرض المغصوبة (٦) وبين صوم هذه الأيام في (٧) أن صلاة النفل تلزم (٨) بالشروع في الأرض المغصوبة وتصلح (٩) لإسقاط ما في ذمته من قضاء (١٠) الصلوات والنذور، وصوم هذه الأيام لا يصلح لإسقاط ما في ذمته من صوم القضاء والنذور (١١) والكفارة؛ لأن الصلاة لم تنتقض (١٢)؛ لأنها ليست (١٣) بسبب لوجود

стр. 263

الغصب, لأنه، وإن لم يصل، فهو غاصب أيضًا. وكذا نفس الغصب ليس فعل الصلاة, لأن فعل الصلاة قائم بالمصلي، وفعل الغصب شغل الأرض وهو قائم بالأرض، فجاز أن ينوب عن الكامل، وفي هذه الأيام الصوم سبب ترك إجابة الدعوة، وهو عين الصوم، من وجه على ما ذكرنا، فينتقص، فلا ينوب عن الكامل. وبعض مشايخنا قالوا: إن النهي المضاف إلى الفعل المشروع قسم واحد، وهو ما يكون مجاورا لغير مشروع، من غير أن يكون سببًا لوجود المعصية وقوامًا لها (١) , لأن السبب إذا كان مشروعًا يكون (٢) المسبب مشروعًا ضرورة. ولما كان السبب (٣) غير مشروع، علم أن ذلك ليس بسبب له (٤)، إلا أنهما يجتمعان وجودًا، فيمنع عن المشروع، حتى لا يقع في المعصية. وصوم يوم النحر مشروع على الإطلاق، لكن يمنع عنه (٥) هي (٦) لا يقع في المعصية بحكم المجاورة، لا أنه (٧) سبب للوقوع (٨) في المعصية. فإنه (٩) وإن لم يصم في هذه الأيام ولم ينو الصوم وأمسك من غير عذر، فإنه يأثم، فليس الصوم سببًا للوقوع في المعصية بحيث لا يتصور بدونه، فكان هذا (١٠) والقسم الأول من الصلاة في الأرض المغصوبة ونحوها سواء. وإنما يقع الفرق بين الفصلين في بعض الأحكام مع استوائهما في المجاورة لمعنى آخر عرف في مسائل الخلاف، وقد استقصيناه في الشرح أيضًا.

стр. 264

[٣] مسألة - وأما (١) حكم النهي، فنقول: حكم النهي صيرورة الفعل المنهي عنه (٢) حرامًا، وثبوت الحرمة فيه، فإن النهي والتحريم والنع في اللغة سواء. وموجب التحريم هو ثبوت الحرمة كموجب التمليك (٣): هو ثبوت الملك. هذا هو حكم النهي من حيث إنه نهي (٤). فأما وجوب الانتهاء فحكم (٥) النهي من حيث إنه أمر بضده، ففي (٦) الحقيقة وجوب الانتهاء حكم الأمر الثابت بالنهي (٧)، وكون الفعل المنهي عنه (٨) حرامًا حكم النهي (٩)، فإن الأمر بالشيء نهي عن ضده، والنهي (١٠) عن الشيء أمر بضده على ما مر. والانتهاء عن الفعل القبيح إنما يكون بالاشتغال (١١) بالضد، وهو الفعل الذي هو ترك للفعل (١٢) المنهي عنه (١٣)، إلا أن الاشتغال بالضد قد يكون حسنًا لعينه

стр. 265

ولغيره معًا، كالانتهاء (١) عن الكفر، يكون (٢) بضده، وهو الإيمان"فيكون حسنًا لعينه من حيث إنه تصديق بوحدانية الله تعالى وصفاته (٣) العلي وإقرار (٤) بذلك كله، وحسنًا (٥) لغيره وهو أنه ترك للكفر (٦) القبيح. أما إذا كان ضد الفعل المنهي عنه (٧) ليس بعبادة، كالنهي عن القيام، والانتهاء عن القيام بضد (٨) من أضداده من القعود والاضطجاع والاستلقاء ونحوها، فيكون حسنًا من حيث إنه ترك للقيام المنهي عنه، لا من حيث عين (٩) القعود والاضطجاع: فإنه فعل مباح في نفسه. ثم ينظر: إن كان النهي عن عين الفعل فيدل على صيرورة الفعل المنهي عنه حرامًا، وإن كان النهي (١٠) عن غير الفعل الذي أضيف إليه النهي (١١) يدل على حرمة ذلك الغير (١٢)، ويكون في الحقيقة: المنهي ذلك الغير لا الذي أضيف إليه الصيغة. وإنما يعرف النهي لعينه من النهي لغيره، بدليل زائد وراء صيغة النهي، وهو ما ذكرنا: إن ما (١٣) يعرف بالعقل قبحه، من غير دليل (١٤) السمع، نحو الكفر والكفران والظلم ونحو ذلك،

стр. 266

فيكون عين (١) النهي عنه (٢) حرامًا، وإن عرف بالعقل أن قبحه في غيره لا في عينه: يعلم أن الغير القبيح هو المنهي عنه. وإن أضيف النهي إلى الأفعال المشروعة: إن (٣) عرف حسنه بالعقل، يعلم أنه ليس بمنهي عنه (٤) حقيقة مع قيام المعنى الذي عرف حسنه حتى لا يؤدي إلى التناقض، وإن عرف حسنه بالشرع لا بالعقل، وقد أضيف إليه النهي: يجوز أن يكون النهي واردًا عن عينه (٥) ويتبين (٦) أن المعنى الذي به ثبت حسنه (٧) شرعًا قد انتهى، وتبدلت المصلحة بمصلحة أخرى. ويجوز أن يكون النهي وود (٨) لغيره، فيتبع الدليل في ذلك. فإذا (٩) ثبت هذا (١٠) نقول: إن الصوم والصلاة وغيرهما من العبادات (١١) ثبت (١٢) حسن أصلها (١٣) بالعقل دون هيئاتها (١٤) وشروطها وأوقاتها: [فقد] عرفت شرعًا لا عقلًا (١٥)، فيجوز (١٦) أن يرد النهي والنسخ في حق الهيئات والأوقات والشروط دون أصلها.

стр. 267

هذا هو المعتمد عليه (١) عندنا. وقد تكلم الفقهاء والمتكلمون في ذلك. قال بعضهم: إن النهي عن الأفعال الحسية يكون نهيًا عن عينها (٢) في الأصل، إلا إذا قام الدليل برخلافه. والنهي عن الأفعال المشروعة (٣) يكون نهيًا عن عينها من وجه دون وجه أو عن الوصف (٤) دون الأصل. وقال أصحاب الحديث: إن حسن الأشياء بالأمر يثبت (٥)، وقبحها بالنهي يثبت (٦)، فيكون النهي (٧) المطلق المضاف إلى فعل يكون (٨) موجبًا حرمة عينه إلا بدليل في الفعل الحسي والشرعي جميعًا. وقالت المعتزلة: إن الأصل في النهي المضاف إلى فعل أن يكون حرامًا لعينه، حسيًا كان أو شرعيًا، وهو أن يكون فيه وجه من وجوه القبح. ويقولون: القبح من وجه يترجح على الحسن من من وجه، فإن القبيح واجب الترك والحسن جائز التحصيل لا واجب التحصيل (٩). فاتفق جواب المعتزلة وأصحاب الحديث مع اختلاف الطريق. واختلف مشايخنا (١٠) في النهي المضاف إلى الفعل الشرعي: - قال بعضهم: إنه يدل على كونه مشروعًا بأصله، قبيحاً بوصفه.

стр. 268

- وقال بعضهم: إنه (١) يدل على كونه مشروعًا من وجه قبيحًا من وجه (٢). - وقال بعضهم: إن النهي لا يرد عن الفعل الشرعي، ومتى أضيف إليه يكون نهيًا عن غيره لا محالة. وهذه الوجوه غير صحيحة (٣) على ما ذكرنا (٤) فسادها وتناقضها في الشرح. - وإنما الصحيح ما ذكرنا: أن النهي عما عرف قبحه عقلًا، يكون عن عين المنهي عنه (٥)، ويصير حرامًا من كل وجه. وأن النهي المضاف إلى فعل عرف حسنه من كل وجه عقلا، أو عرف حسن أصله دون هيئاته وشروطه، لا يكون نهيًا عن عينه بل عن غيره (٦). والنهي المضاف إلى هيئات العبادات وشروطها نحو استقبال القبلة والطهارة ونحوهما (٧)، وإن عرف حستها شرعًا، يجوز أن يرد [النهي] (٨) عنه ويصير منسوخًا ويجوز أن يرد لغيره أيضًا، إذ لو لم يجز ورود النهي عنه يؤدي إلى إنكار النسخ، إذ ليس تفسير النسخ إلا هذا، والنسخ جائز عند عامة المسلمين، وإنما المخالف فيه هم (٩) اليهود وبعض من ينسب (١٠) إلى الإِسلام، ولا إسلام مع إنكار النسخ أصلا، على ما نذكر. ولكنا (١١) نقول:

стр. 269

قد قام الدليل على أن النهي المضاف إلى الأفعال الشرعية، التي لا يعرف حسنها إلا بالشرع، يكون واردًا عن أغيارها لا عن أعيانها، مع جواز أن يرد عن أعيانها - وهذا مما ينبغي أن لا يخالف (١) فيه أحد من الفقهاء (٢). وجه قول أصحاب الحديث والمعتزلة في الأصل واحد: وهو أن حكم النهي صيرورة الفعل المنهي عنه حرامًا قبيحًا، والمشروع ما يكون مندوبًا إليه (٣) حسنًا أو مباحًا كل طلق التحصيل (٤)، والفعل الواحد في زمان واحد من شخص واحد (٥) لا يجوز أن يكون (٦) حسنًا قبيحًا، حرامًا مطلقًا مباحًا، لتضاد بين صفة الحسن والقبح، والجمع بين المتضادين مستحيل، إلا أن طريق تخريج الفريقين مختلف: - فعند أصحاب الحديث: القبح يثبت بالنهي، والحسن والحسن والإطلاق يثبت بالأمر والإذن من الشرع - فمتى قام الدليل (٧) على التضاد (٨) ظاهرًا، ولا يجوز التناقض في دلائل الشرع، يجب القول بأن ينتهي حكم (٩) الأول من الوجوب والحسن والإباحة فيما مضى، ويثبت ضده في المستقبل، ويتبين أن الحكم الأول ثابت إلى هذا الزمان لحكمة (١٠) ومصلحة رأى الشرع في ذلك، وتبدلت تلك المصلحة وصارت الحكمة (١١)

стр. 270

في (١) الانتقال إلى ضده في المستقبل. وهذا هو تفسير النسخ إلا إذا قام الدليل على (٢) أن النهي لم يكن عن الفعل المضاف إليه بل عن الغير المجاور له، فيبقى المشروعية للفعل الضاف إليه، ويثبت الحرمة في المجاور له (٣)، كما في الصلاة في الأرض المغصوبة، والبيع وقت النداء، والطلاق حالة الحيض، ولم يقم عندهم دليل على أن النهي عن الصوم في يوم النحر وأيام التشريق (٤) نهي (٥) عن غير الصوم، وكذا في النهي عن بيع الدرهم بالدرهمين ونحوه - فيجب العمل بحقيقة النهي، وتحمل على الانتساخ. فمن ادعى أن النهي عنها لغير ما أضيف إليه، فقد ادعى خلاف الظاهر، فعليه الدليل. ويجوز ورود النهي عن الفعل الذي كان مشروعًا فيخرج من أن يكون مشروعًا، كما في نكاح الأمهات (٦) والنكاح بغير شهود، ونكاح امرأة الغير، ومعتدة الغير، وبيع الحر والخمر والخنزير (٧) والميتة والدم وبيع المضامين واللاقيح ونحوها، لما قلنا - فكذلك ها هنا (٨). - وأما عند المعتزلة: فالقبح (٩) لا يثبت ونفس الصيغة، وإنما يعرف بالدليل العقلي، فمتى قام دليل القبح والحسن في فعل شرعي، يجب كون الفعل حسنًا من وجه وقبيحًا من وجه، ويجوز عندهم تغير الأحكام الشرعية التي عرفت بالعقل إلى ضدها، بطريق النسخ، وإن لم يسموه

стр. 271

نسخًا وسموه تفلا (١)، والمعتبر هو المعنى دون الاسم (٢). ولا يجوز الجمع عندهم بين صفة الحسن والقبح في فعل واحد، لأنهم لا يقولون بجهات الفعل، بناء على مسألة خلق أفعال العباد (٣)، فقالوا بإعدام (٤) المشروعية ونسخها، بطريق الضرورة، كما لو ثبت (٥) القبح من كل وجه، ويترجح (٦) جانب القبح على جانب الحسن على ما ذكرنا. وعلى هذا قالوا: لا يجوز الصلاة في الأرض المغصوبة، والبيع وقت النداء، والطلاق في (٧) حالة الحيض، ونحو ذلك - هذا هو طريق أكثرهم. وبعضهم فرقوا بين النهي عن العبادات والنهي عن المعاملات الشرعية: فقالوا في العبادات مثل قول أصحاب الحديث، وفي المعاملات مثل قول أصحابنا ﵏. وجه قولنا: إن (٨) المشروعية تكون سابقة على ورود النهي في العبادات: - أما على قول من وافق أصحاب الحديث في أن حسن الأشياء وقبحها يعرف بالشرع، فظاهر؛ لأنه ما لم (٩) يكن الشروعية ثابتة بالشرع في عين الشيء أو في جنسه، لا يتصور النهي عنه, لأنه لا يعرف المنهي،

стр. 272

فإنه إذا لم يكن الصوم مشروعًا في الجملة، فالنهي (١) عن الصوم، والمكلف لا يعرف الصوم، يكون تكليف ما ليس في الوسع، ولأن العبادات مشروعة في جميع الأوقات (٢) في الجملة. - وأما على قول عامة (٣) مشايخنا: إن حسن هذه الأفعال المشروعة، من العبادات والمعاملات، يعرف بالعقل، من حيث الأصل، دون الهيئات والشروط والمقادير ونحوها، فأظهر, لأن أصله سابق على ورود النهي بالشرع، وهيئاته وشروطه لا بد أن (٤) يسبق مشروعيتها في عين الفعل أو في جنسه، حتى يتحقق النهي عنه، إذ دليل المشروعية عام في جميع المشروعات (٥) بدليل عام. وإذا ثبت هذا، فطريق من قال بأن حسن (٦) المشروعات لا يعرف إلا بالشرع أن (٧) دليل المشروعية قائم قبل النهي في الفعل المشروع، ودليل القبح وارتفاع المشروعية ورد (٨)، وهو النهي في ذلك الفعل (٩) بعينه، والعمل بالدليلين واجب عند الإمكان؛ لأن الأصل في دلائل الشرع هو العمل بها، وأمكن ها هنا بأن يجعل الفعل مشروعًا من وجه قبيحًا من وجه، إذ (١٠) لا تضاد بين الحل والحرمة وبين المشروعية والفساد في فعل واحد (١١) عند اختلاف الجهة، كما لا تضاد عند اختلاف المحل

стр. 273

والزمان، كما في الصلاة (١) في الأرض المغصوبة، والبيع وقت النداء، والوضوء بالمال المغصوب، ونحوها. وكذا الجمع بين حكميها ممكن في زمانين من الثواب والعقاب، بأن يعاقب بقدر جنايته ثم يدخل الجنة على طريق (٢) الخلود، ومتى أمكن الجمع لا يصار إلى النسخ عملا بالدلائل بقدر الممكن، بخلاف النهي عن الصلاة إلى بيت المقدس والصلاة بغير طهارة ونكاح المحارم والنكاح بغير شهود وبيع الحر والخمر وبيع المضامين والملاقيح؛ لأن ثمة قام الدليل على أنه لا يمكن الجمع بينهما، لأنه فات ما هو شرط الوجود شرعًا، وهو المحل أو شرط الأهلية و (٣) نحو ذلك، ولا وجود للفعل الشرعي إلا في محله ومن أهله شرعًا (٤)، كالفعل الحقيقي: لا تصور له من غير الأهل في المحل حقيقة، فمن ادعى عدم الإمكان (٥) في مواضع الخلاف، فعليه البيان. وأما طريق عامة المشايخ (٦)، وهو أن الحسن ثابت في أصل العبادات والمعاملات المشروعة - يعرف ذلك بالعقل وحده، قبل ورود السمع، إذ أصل العبادة (٧) هو التعظيم للخالق والشكر لنعمه (٨) وإظهار العبودية لمالكه. وكذا أصل المعاملات وضع لقطع (٩) المنازعات بين العقلاء دفعًا للفساد، وأما كيفياتها وهيئاتها وشروطها [فـ] تعرف (١٠)

стр. 274

بالشرع، فلا بد (١) من سبقها على ورود النهي على ما ذكرنا. والنهي عما عرف حسنه عقلًا من حيث الأصل دون الهيئات والكيفيات لا يصح، كما لا يصح النسخ عنه، والصوم والصلاة والبيع من هذا القبيل، فلا يجوز أن ينهى عنه, لأنه يؤدي إلى التناقض في حجج الله تعالى والتضاد في أحكامه، تعالى الله عن ذلك، فوجب القول ضرورة بصرف (٢) النهي المضاف إليه إلى الغير المجاور له، تنزيهًا لأحكامه وحججه عن التضاد والتناقض. وإذا كان النهي عن مشروع لم يعرف حسنه إلا من جهة الشرع، لقصور العقل عن معرفة ذلك لدقته وخفائه، فيكون هذا النهي في حد الجواز بين أن يكون عن عين الفعل المنهي، فيدل على تبدل المصلحة بضده، ولا (٣) يؤدي إلى التناقض, لأن المعنى الذي ثبت به الحسن إذا لم يكن معلومًا، فالحسن (٤) لم يعرف إلا بمجرد الأمر، فإذا جاء النهي، ولا تناقض في أحكام الله تعالى، يجب القول ضرورة بانتهاء الحكم الأول وحدوث الثاني وتغير الصاحة التي كانت، إلى المصلحة في ضدها. ويجوز أن يكون النهي عن غير الفعل المضاف إليه النهي المجاور له، والنسخ والنهي لا يردان إلا عن هذا النوع، فإن (٥) حمل الأمة ذلك على التناسخ، كما في النهي عن الصلاة إلى بيت القدس والنهي عن الصلاة بغير طهارة والنكاح بغير شهود ونكاح المحارم وبيع الحر والخمر ونحوها، فيكون نسخًا لوجود دليل الإجماع في موضع جواز النسخ، وإن حملوا

стр. 275

ذلك على غير مشروع مجاور له، فلا يكون نسخًا، بل يكون نهيًا عن ذلك (١) الغير، لا عن الفعل المضاف إليه النهي، كالنهي عن الصلاة في الأرض المغصوبة، ونحوه (٢). وإن (٣) لم يكن للأمة اتفاق على أحد الأمرين ويكون موضع الاختلاف فنقول: الحمل على النهي عن الغير أولى من الحمل على النسخ لوجهين: أحدهما - أن في الحمل على النهي عن الغير يكون عملًا يدليل المشروعية، لسبق المشروعية على النهي، وعملا (٤) بحقيقة النهي في الغير، والعمل بالدليلين على وجه ليس فيه تعطيل شيء من الدليلين أولى من نسخ أحدهما وإبطال حكمه. ولا يقال: في العمل بدليل المشروعية ترك العمل بحقيقة النهي, لأن حقيقته العمل في المحل المضاف إليه - وفي الصرف إلى محل آخر مجاور له متصل به يكون بطريق المجاز، ونحن نعمل بحقيقة النهي فيما أضيف إليه (٥)، وبدليل المشروعية في بها وراء هذه الأيام (٦)، ونخصها

стр. 276

من الدليل العام الموجب للمشروعية فاستوت [الأيام] (١)، في خلاف ظاهر النص (٢) - فلم يكن العمل بحقيقة الدليل المعرف (٣) للمشروعية أولى من العمل بحقيقة النهي في المحل المضاف إليه؟: لأن فيه عملا بحقيقة دليل المشروعية في هذه الأيام، وعملا بحقيقة النهي أيضًا, لأن النهي عن الغير يكون نهيًا بطريق الحقيقة, لأن إضافة النهي إلى الشيء، ويراد به الغير المجاور له، يكون بطريق الكناية، كذكر الغائط ويراد به الحدث لمجاورة (٤) بينهما عادة. والكناية تكون بطريق الحقيقة - يقال: "إياك أعني واسمعي يا جارة" وقال قائلهم: وإني لأكنو عن قذور بغيرها ... وأعرب أحيانًا بها فأصارح وقذور اسم المرأة: فأخبر أنه يذكر اسم غيرها مكان اسمها كناية عنها في بعض الأحوال (٥)، وفي بعض الأحوال يذكر اسمها صريحًا، وتغير محل الإضافة في الكناية شرطها، إذ لو لم يتغير يكون صريحًا، فلا يعد من باب التغير، أما لو لم يعتبر الصريح ويعتبر الكناية يكون تغيرًا. ولكن الكناية حقيقة كالصريح. ولهذا قلنا: إن كنايات الطلاق عاملة بحقائقها (٦). وإذا كان كذلك تبين أن فيما قلنا عملا بحقيقة الدليلين، وهو (٧) أولى من العمل بدليل واحد وترك العمل بالآخر. والثاني - إن كان هذا بطريق المجاز: ولكن المجاز (٨) نسخ حقيقة

стр. 277

الكلام، وفيما قلتم نسخ حقيقة المشروعية (١)، ونسخ حقيقة (٢) الكلام أسهل، وهو طريق مستعمل سائغ بين أهل اللغة، وعدوه (٣) من جملة الفصاحة والبلاغة. فإن قالوا: فيما قلنا تخصيص هذه الأيام عن دليل عام لمشروعية الصوم في جميع الأيام، فلا يكون نسخًا, لأنه يتبين أنه لم يكن مشروعًا، ولم يكن داخلا تحت النص العام - إلا أنا (٤) نقول: -[أولًا] إن مشروعية الصوم في هذه الأيام إن (٥) كانت ثابتة بدليل خاص فهو (٦) نسخ، وإن كانت ثابتة بدليل عام، ودليل الخصوص متأخر (٧)، فهو نسخ أيضًا في قول أكثر مشايخنا. وإن كان بيانًا، فهو خلاف ظاهر العموم، ويصير مجازًا في الباقي عند البعض مع جواز أن يكون من باب النسخ، حتى لو حمل [الأمر] (٨) عليه جاز، فأما جعل الصريح كناية فهو أدنى تغيرًا، فكان الحمل عليه أولى وأحق (٩). - والثاني: إن النسخ أمر ضروري، وإنما يصار (١٠) إليه إذا لم يمكن حمله على المجاز. فأما متى أمكن فلا يصار إليه, لأن المقصود من الكلام

стр. 278

هو الحكم إلا إذا قام الدليل، أعني دليل الإجماع (١)، على النسخ، فحينئذ يحمل عليه - والله أعلم. * * * ومن حق هذا الفصل الاستقصاء (٢) لتردد أهل الأصول فيه، وبيان الصحيح من الفاسد، ووجوه الاعتراضات على ما لا تراه (٣) معتمدًا عليه من الأقوال. ولكن هذا المختصر لا يقبل إلا هذا القدر (٤)، وفيه طول أيضًا (٥)، وفي الشرح يستقصى ذلك كله (٦) - بتوفيق الله تعالى. فصل في الخبر (٧) الكلام فيه في ثلاثة (٨) مواضع: في بيان حد الخبر وحقيقته. وفي بيان أقسامه. وفي بيان حكمه. ونذكر حده، وأقسامه، في باب الأخبار (٩) إن شاء الله تعالى. ونبين ههنا حكم الخبر، فنقول: إن (١٠) خبر الله تعالى وخبر الرسول ﵇ حجة ودليل على

стр. 279

حكم الله تعالى، من الفريضة والواجب والحلال والحرام ونحوها - لما عرف أن الموجب للأحكام هو الله تعالى، وصيغ (١) الأمر والنهي والخبر دلالات عليها لكونها غيبًا (٢) عن العباد، وذلك نحو قوله تعالى: "كتب عليكم القصاص في القتلى" (٣). وقوله تعالى (٤): "كتب عليكم الصيام" (٥). وقوله تعالى (٦): "إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابًا موقوتًا" (٧). وقوله تعالى: "حرمت عليكم أمهاتكم ... (الآية) ". وقوله تعالى (٨): "حرمت. عليكم الميتة والدم ... (الآية) " (٩). وقوله تعالى (١٠): "وأحل الله البيع وحرم الربا ... (الآية) " (١١)، ونحو ذلك. وقال ﵇: "حرمت عليكم (١٢) الخمر لعينها". وكذا خبر الرسول ﷺ أن الله تعالى (١٣) أمركم بكذا ونهاكم عن كذا. أو قال ﷺ (١٤): "هو واجب عليكم" أو قال ﷺ (١٥): "هذا (١٦) حرام عليكم".

стр. 280

وهذا لأن خبر الله تعالى وخبر الرسول ﷺ (١) صدق محض، فيثبت به المخبر به، من الحل والحرمة، والوجوب ونحوها: قطعًا إن ثبت الخبر بدليل مقطوع به. ويثبت من حيث الظاهر إن ثبت بدليل من حيث الظاهر - على ما يعرف إن شاء الله تعالى. فصل: ثم الحرمة والحل ونحوهما (٢) إذا أضيف إلى الأعيان هل يكون وصفًا للأعيان بطريق الحقيقة أو يوصف بهما (٣) مجازًا؟ بعضهم قالوا (٤): يوصف بهما (٥) مجازًا، وإنما الحرمة والحل (٦) والوجوب أوصاف الفعل في حق أهل التكليف، فيجب (٧) عليهم تحصيل الواجب والامتناع عن الحرام، ورفع الحرج في حق مباشرة الحلال - وهذا لا يتحقق في حق الأعيان، وبه قال أهل الاعتزال. وقال مشايخنا بأنها تكون أوصاف الأعيان كما تكون أوصاف الأفعال، فيوصف المحل (٨) بكونه حلالا لصيرورته محلا للحل (٩) شرعًا، ويوصف بالحرمة لخروجه من أن يكون محلا له شرعًا (١٠). ومتى أمكن العمل

стр. 281

بحقيقة الإضافة إلى الأعيان، فلا معنى لإضمار الفعل، كأنه قال تعالى (١): "حرمت عليكم نكاح أمهاتكم" أو "وطأهن والاستمتاع (٢) بهن"، وكأنه (٣) قال تعالى (٤): "حرمت عليكم أكل الميتة" وكأنه جل وعلا (٥) قال: "أحل لكم أكل الطيبات" إذ الإضمار ضروري يصار إليه (٦) عند استحالة العمل بظاهر اللفظ، كقوله تعالى: "واسأل القرية .. (الآية) " (٧) ونحو ذلك. ولأن الحرمة عبارة عن المنع فيوصف الفعل بالحرمة على معنى أنا منعنا عن اكتساب ذلك الفعل وتحصيله، فيصير الفعل ممنوعًا عنا تحصيلا واكتسابًا - فكذا معنى حرمة العين: أن العين منع عنا، تصرفًا فيه، فيكون ممنوعًا عنا، وذلك نظير الحماية في الأعيان، في قال: "فلان في حماية فلان" أى صار محميًا بحيث صار ممنوعًا عن كل قاصد (٨)، لحرمة الحامى وإنه (٩) وصف له حقيقة. وجاء في الحديث في حق النحل أن صاحبها قال: "يا رسول الله - صلى الله عليك وسلم -: احمها لي"، فحماها له (١٠)، وأوجب العشر فيَ عسلها، وأثر ذلك في خروج العين عن محلية تصرف الغير فيه. ومنه تحريم السلطان الكلأ على (١١) العامة وحمايتها لدوابه، حتى جاء المنع عن ذلك (١٢) شرعًا بقوله

стр. 282

عليه السلام: "الناس شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار"، وإلى هذا المعنى أشار النبي- ﷺ حيث قال: "ألا إن لكل ملك حمى وإن حمى الله تعالى (١) محارمه، فمن حام حول الحصى يوشك أن يقع فيه". وإنما أنكرت المعتزلة حرمة الأعيان احترازًا عن مناقضة مذهبهم الفاسد (٢) في نفي خلق أفعال العباد عن الله تعالى، بقولهم إن منها ما يوصف بالقبح والحرمة، مثل الكفر و (٣) المعاصي، ولا يجوز نسبة خلق القبيح (٤) إلى الله تعالى، فيلزمهم خلق الأعيان القبيحة المستقذرة من الأنجاس والجعلان (٥) والخنافس والقرود (٦) والخنازير ونحوها، فأنكروا (٧) وقالوا: إنها ليست بقبيحة، وأنكروا المحسوس و (٨) الثابت ببدائه العقول، فأنكروا (٩) حرمة الأعيان حتى لا توصف (١٠) بالقبح، فإن (١١) كل محرم يكون موصوفًا بالقبح. وعندنا الأعيان نوعان: قبيحة وحسنة. كالأفعال نوعان: حسنة وقبيحة. ونوع متوسط في الأعيان والأفعال لا ينفر عنها الطباع ولا تميل إليها فتوصف (١٢) بالحل والإباحة - والله المستعان.

стр. 283

فصل في العام (١) الكلام في العام في أربعة مواضع: في بيان العام لغة. وفي بيان حد العام وحقيقته عند الفقهاء وأهل الكلام. وفي بيان أقسامه. وفي بيان حكمه، وما يتصل (٢) به من المسائل. أما بيان العام لغة: فهو مشتق من العموم، وهو مستعمل في معنيين (٣): في الاستيعاب، وفي الكثرة والاجتماع - يقال مطر عام وخصب عام إذا عم الأماكن كلها أو عامتها. ومنه عامة الناس لكثرتهم. وكذا القرابة إذا توسعت وكثرت أشخاصها تسمى (٤) قرابة العمومة (٥). وأما بيان حد العام وحقيقته: فقد تكلموا فيه بألفاظ مختلفة المعاني. وقبل أن نذكرها نبدأ بذكر مسألتين اختلف أهل الأصول فيهما، وبمعرفتهما (٦) يعرف ما نذكر من حد العام أنه على الاتفاق أو على الاختلاف.

стр. 284

- إحداهما، أن المعاني هل لها عموم أم لا؟ مع اتفاقهم أن الألفاظ لها عموم. فقال الجصاص (١) وأكثر من قال بتخصيص العلة: إن المعاني لها عموم - فإنه يقال عمهم الخصب والجدب (٢) وعمهم المطر إذا كان هذا المعنى عامًا في عامة البلاد. ويقال علة عامة إذا ثبت حكمها في المنصوص عليه وفي غيره. ولهذا جوزوا تخصيص العلة لعمومها، كما يجوز تخصيص النصوص العامة (٣) بالإجماع. وقال بعضهم: إن المعاني لا عموم لها, لأن المعنى واحد، وإنما كثرت محاله، أو يكون في كل محل معنى على حدة، وكل واحد غير الآخر، ولكن (٤) من جنسه. وقولهم (٥): عم الخصب والمطر فهو (٦) مجاز لكثرة محال ذلك المعنى. - والمسألة الثانية، أن شرط العموم الاستغراق (٧) والاستيعاب (٨) أو الإجماع لا غير؟ فعند الجصاص وأكثر مشايخ ديارنا هو الاجتماع والكثرة دون الاستيعاب. وقال مشايخ العراق (٩): من شرطه الاستيعاب.

стр. 285

إذا ثبت هذا نذكر المشهور من (١) ألفاظ الفقهاء (٢) في حد العام. - قال الجصاص (٣): العام ما ينتظم جمعًا من الأسماء أو المعاني أى العام شيء يشمل الأشياء وينتظمها. والشامل نوعان: لفظ عام ويشمل المسميات كالرجال والنساء، أو المعنى الذي يعم المحال والأشخاص ويشملها كالخصب والجدب إذا شملا الناس - بناء على أصله: أن المعنى له مموم، كاللفظ سواء. - وذكر القاضي الإمام (٤) أبو زيد رحمة الله عليه (٥) وقال: العام (٦) ما ينتظم جمعًا من الأسماء لفظًا أو معنى. وفسر الأسماء بالتسميات (٧)، فإنه قال: هو كلفظ الشيء: إنه اسم لكل موجود، ولكل موجود اسم من الأرض والسماء، والمك والآدمي والجن ونحوها. وفسر المعنى: إذا عم الأعيان، نحو المطر العام ونحوه، أي لفظًا ينتظم معنى عامًا - تقول: مطر عام؛ لأنه يعم الأمكنة (٨) حلولا، لا أنه اسم جنس تحته أنواع لها أسماء، فيكون لفظ المطر يعمها.
следующие страницы →