← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 19237

ميزان الأصول في نتائج العقول

علاء الدين السمرقندي

Полный текст (813 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

بحقيقة الإضافة إلى الأعيان، فلا معنى لإضمار الفعل، كأنه قال تعالى (١): "حرمت عليكم نكاح أمهاتكم" أو "وطأهن والاستمتاع (٢) بهن"، وكأنه (٣) قال تعالى (٤): "حرمت عليكم أكل الميتة" وكأنه جل وعلا (٥) قال: "أحل لكم أكل الطيبات" إذ الإضمار ضروري يصار إليه (٦) عند استحالة العمل بظاهر اللفظ، كقوله تعالى: "واسأل القرية .. (الآية) " (٧) ونحو ذلك. ولأن الحرمة عبارة عن المنع فيوصف الفعل بالحرمة على معنى أنا منعنا عن اكتساب ذلك الفعل وتحصيله، فيصير الفعل ممنوعًا عنا تحصيلا واكتسابًا - فكذا معنى حرمة العين: أن العين منع عنا، تصرفًا فيه، فيكون ممنوعًا عنا، وذلك نظير الحماية في الأعيان، في قال: "فلان في حماية فلان" أى صار محميًا بحيث صار ممنوعًا عن كل قاصد (٨)، لحرمة الحامى وإنه (٩) وصف له حقيقة. وجاء في الحديث في حق النحل أن صاحبها قال: "يا رسول الله - صلى الله عليك وسلم -: احمها لي"، فحماها له (١٠)، وأوجب العشر فيَ عسلها، وأثر ذلك في خروج العين عن محلية تصرف الغير فيه. ومنه تحريم السلطان الكلأ على (١١) العامة وحمايتها لدوابه، حتى جاء المنع عن ذلك (١٢) شرعًا بقوله

стр. 282

عليه السلام: "الناس شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار"، وإلى هذا المعنى أشار النبي- ﷺ حيث قال: "ألا إن لكل ملك حمى وإن حمى الله تعالى (١) محارمه، فمن حام حول الحصى يوشك أن يقع فيه". وإنما أنكرت المعتزلة حرمة الأعيان احترازًا عن مناقضة مذهبهم الفاسد (٢) في نفي خلق أفعال العباد عن الله تعالى، بقولهم إن منها ما يوصف بالقبح والحرمة، مثل الكفر و (٣) المعاصي، ولا يجوز نسبة خلق القبيح (٤) إلى الله تعالى، فيلزمهم خلق الأعيان القبيحة المستقذرة من الأنجاس والجعلان (٥) والخنافس والقرود (٦) والخنازير ونحوها، فأنكروا (٧) وقالوا: إنها ليست بقبيحة، وأنكروا المحسوس و (٨) الثابت ببدائه العقول، فأنكروا (٩) حرمة الأعيان حتى لا توصف (١٠) بالقبح، فإن (١١) كل محرم يكون موصوفًا بالقبح. وعندنا الأعيان نوعان: قبيحة وحسنة. كالأفعال نوعان: حسنة وقبيحة. ونوع متوسط في الأعيان والأفعال لا ينفر عنها الطباع ولا تميل إليها فتوصف (١٢) بالحل والإباحة - والله المستعان.

стр. 283

فصل في العام (١) الكلام في العام في أربعة مواضع: في بيان العام لغة. وفي بيان حد العام وحقيقته عند الفقهاء وأهل الكلام. وفي بيان أقسامه. وفي بيان حكمه، وما يتصل (٢) به من المسائل. أما بيان العام لغة: فهو مشتق من العموم، وهو مستعمل في معنيين (٣): في الاستيعاب، وفي الكثرة والاجتماع - يقال مطر عام وخصب عام إذا عم الأماكن كلها أو عامتها. ومنه عامة الناس لكثرتهم. وكذا القرابة إذا توسعت وكثرت أشخاصها تسمى (٤) قرابة العمومة (٥). وأما بيان حد العام وحقيقته: فقد تكلموا فيه بألفاظ مختلفة المعاني. وقبل أن نذكرها نبدأ بذكر مسألتين اختلف أهل الأصول فيهما، وبمعرفتهما (٦) يعرف ما نذكر من حد العام أنه على الاتفاق أو على الاختلاف.

стр. 284

- إحداهما، أن المعاني هل لها عموم أم لا؟ مع اتفاقهم أن الألفاظ لها عموم. فقال الجصاص (١) وأكثر من قال بتخصيص العلة: إن المعاني لها عموم - فإنه يقال عمهم الخصب والجدب (٢) وعمهم المطر إذا كان هذا المعنى عامًا في عامة البلاد. ويقال علة عامة إذا ثبت حكمها في المنصوص عليه وفي غيره. ولهذا جوزوا تخصيص العلة لعمومها، كما يجوز تخصيص النصوص العامة (٣) بالإجماع. وقال بعضهم: إن المعاني لا عموم لها, لأن المعنى واحد، وإنما كثرت محاله، أو يكون في كل محل معنى على حدة، وكل واحد غير الآخر، ولكن (٤) من جنسه. وقولهم (٥): عم الخصب والمطر فهو (٦) مجاز لكثرة محال ذلك المعنى. - والمسألة الثانية، أن شرط العموم الاستغراق (٧) والاستيعاب (٨) أو الإجماع لا غير؟ فعند الجصاص وأكثر مشايخ ديارنا هو الاجتماع والكثرة دون الاستيعاب. وقال مشايخ العراق (٩): من شرطه الاستيعاب.

стр. 285

إذا ثبت هذا نذكر المشهور من (١) ألفاظ الفقهاء (٢) في حد العام. - قال الجصاص (٣): العام ما ينتظم جمعًا من الأسماء أو المعاني أى العام شيء يشمل الأشياء وينتظمها. والشامل نوعان: لفظ عام ويشمل المسميات كالرجال والنساء، أو المعنى الذي يعم المحال والأشخاص ويشملها كالخصب والجدب إذا شملا الناس - بناء على أصله: أن المعنى له مموم، كاللفظ سواء. - وذكر القاضي الإمام (٤) أبو زيد رحمة الله عليه (٥) وقال: العام (٦) ما ينتظم جمعًا من الأسماء لفظًا أو معنى. وفسر الأسماء بالتسميات (٧)، فإنه قال: هو كلفظ الشيء: إنه اسم لكل موجود، ولكل موجود اسم من الأرض والسماء، والمك والآدمي والجن ونحوها. وفسر المعنى: إذا عم الأعيان، نحو المطر العام ونحوه، أي لفظًا ينتظم معنى عامًا - تقول: مطر عام؛ لأنه يعم الأمكنة (٨) حلولا، لا أنه اسم جنس تحته أنواع لها أسماء، فيكون لفظ المطر يعمها.

стр. 286

- وذكر مشايخنا ما ذكره القاضي الإمام (١) أبو زيد ﵀ وفسر الأسماء بالمسميات وقال: العام ما ينتظم جمعًا من الأسماء لفظًا أو معنى. أى (٢) ما يتناول جمعًا من المسميات لفظًا كلفظ الجماعة من الرجال والنساء والبلاد والعباد، أو ما يتناول جمعًا من المسميات معنى كلفظ الفرد الذي أريد به الجمع نحو جن وإنس وكل وما ومن ونحوها. وكل منهم من ذكر مفسرًا فقال: العام ما ينتظم جمعًا من المسميات لفظًا أو معنى. هذه عبارات من شرط للعموم الاجتماع دون الاستيعاب. فأما (٣) عبارات من شرط الاستيعاب: - قال بعضهم: العام هو كلام مستغرق لجميع ما يصلح له. - وقال بعضهم: هو اللفظ المتناول (٤) لجميع ما هو صالح له. - وقال بعضهم: هو اللفظ المتناول لجميع ما وضع له. وبعضه قريب من بعض. وذكر أبو جعفر الخباز (٥) السمرقندي: العام هو اللفظ المستولي على أعيان جنسه المستدعي لمسمياته إلى نفسه.

стр. 287

وأما عبارات أصحاب الحديث: - ذكر عن الأشعري (١) أنه قال: العام هو اللفظ المتناول لشيئين فصاعدًا. - وبعض أصحاب الشافعي قال: العام كل لفظ اشتمل على مسميين فصاعدًا. - وزاد بعضهم: العام هو اللفظ الواحد الدال من جملة (٢) واحدة على شيئين فصاعدًا. وفي هذه الحدود نظر، وفي بيان وجوه الفساد فيها، تطويل لا يقبله هذا (٣) المختصر، وهو في الشرح مشروح. والحد الصحيح للعام (٤): - على مذهب من شرط الجمع دون الاسته هاب أن يقال: العام هو اللفظ المشتمل على أفراد متساوية في قبول المعنى الخاص الذي وضع له اللفظ بحروفه لغة. - وعلى المذهب الثاني: العام هو اللفظ المستغرق لأفراد متساوية في قبول المعنى الخاص الذي وضع له اللفظ بحروفه لغة. وقولنا: اللفظ المشتمل على أفراد متساوية في قبول المعنى الذي وضع له اللفظ (٥) لغة - احتراز عن قولنا: "إنسان" فإنه لفظ (٦) مشتمل على أفراد

стр. 288

وأعضاء لكن كل فرد لا يقبل المعنى الذي وضح له اسم "الإنسان" (١). وقولنا: المعنى الخاص - احتراز (٢) عن الاسم المشترك (٣) بلفظ الجمع كقولنا "العيون" فإنه كل مشتمل على أفراد مختلفة المعنى، فإن العين قد يراد به العين الباصرة والركية (٤) والشمس والصامت (٥) ونحو ذلك. ومعانيها مختلفة حتى إذا تساوى الأفراد في قبول كل معنى منها خاص، فالاسم (٦) في حق ذلك عام كقولنا "قرت العيون". وقولنا: المعنى الخاص الذي وضح له اللفظ (٧) لغة - فإن في قولنا "إنسان" وجود الاشتمال على أفراد متساوية في قبول معنى الوجود والشيئية ومعنى الجزئية والبعضية ولا يكون عامًا, لأن هذه المعاني ليست مما وضح له لفظ "الإنسان" لغة (٨). وقولنا: بحروفه - احتراز عن لفظ الرجال وكل لفظ موضوع للجمع. فإن لفظ الرجال وضح في اللغة لمعنى الجمع وكل فرد من أفراد الرجال لا يقبل معنى الجمع فلا يسمي، كل فرد (٩) رجالا، ولفظ الرجال اسم عام

стр. 289

فلا ينعكس الحد، والشرط (١) صحة الحد الاطراد والانعكاس جميعًا، لأنا قانا: العام هو اللفظ المشتمل على أفراد متساوية في قبول المعنى الخاص الذي وضع له اللفظ (٢) بحروفه لا بصيغته، ولفظة الرجال ما وضعت دلالة على معنى الجمع بحروفه، بل وضعت دلالة على معنى الجمع بصيغته، فلا يكون لازمًا على ما قلنا - والله أعلم (٣). - وقال بعض الفلاسفة في حد العام: هو اللفظ المشتمل على مسميات متفقة الحدود. وإن شئت قلت: المشتمل على أفراد أو أشياء متفقة الحدود. وهذا حد صحيح، وهو أوجز من الأول. - وإن شئت قلت: اللفظ الموضوع لأفراد بمعنى واحد - و (٤) هذا أصح. والله أعلم. وأما بيان أقسام العام - فنقول: اللفظ العام عند من شرط للعموم (٥) الاجتماع دون الاستيعاب، على قسمين: أحدهما - عام بنفسه وضعًا. والثاني - عام بغيره في الوضع أيضًا.

стр. 290

والأول قسمان: [أحدهما]- عام بصيغته (١) وبمعناه (٢)، كقولنا: رجال ونساء ومسلمون ومسلمات. والثاني - عام بمعناه دون صيغته، كقولنا: إنس وجن وقوم وما ومن ونحو ذلك. وكذا كل لفظ فرد دل على مطلق الجمع في أسماء الأعيان، وكالمصدر في أسماء الأفعال، كقول الرجل لامرأته: "أنت طالق طلاقًا" ونحو ذلك، حتى يصح نية الثلاث - قال (٣) الله تعالى: "لا تدعوا اليوم ثبورًا واحدًا وادعوا ثبورًا كثيرًا" (٤): وصف المصدر، وهو الثبور، بالكثرة. ومن شرط عموم هذا النوع أن يتناول جماعة الأفراد من حيث مطلق الجمع من غير تعرض لعدد معلوم بل يتناول الثلاثة فصاعدًا، كقولك: "رأيت رجالًا" يحتمل الثلاثة والعشرة والألف وأكثر من ذلك من حيث إنه جمع لا من حيث إنه عدد معلوم، إلا (٥) أنه إذا تعلق به حكم شرعي ولم يكن له نية، يقع على الثلاثة لأنه أقل الجمع، والأقل متيقن بأن قال "لفلان علي دراهم (٦) ". فأما اللفظ إذا تناول عددًا معلومًا بنفسه وضعًا، فهو (٧) ليس بعام،

стр. 291

بل هو اسم خاص كالذود: اسم للابل من الثلاثة إلى التسعة (١)، وكأسماء الأعداد نحو العشرة والتسعة والثمانية ونحوها، فإنه يتناول الأفراد من العدد بطريق التضمن، لا بطريق العموم, لأنه اسم موضوع لعدد معلوم لا يدل بصيغته وحروفه إلا على هذا العدد، حتى إذا انتقص واحد من العشرة يتبدل (٢) الاسم من العشرة إلى التسعة (٣). وإذا زيد عليها واحد يبطل اسم العشرة ويحدث له اسم آخر (٤) وهو أحد عشر, لأن علة استحقاق هذا الاسم هو هذا القدر المعين، وعند الزيادة والنقصان يبطل علة استحقاق الاسم، فيبطل الاسم، بخلاف صيغة الجمع: فإن العلة فيها هو مطلق الاجتماع الزائد على التثنية، وذلك باق بعد الخصوص، حتى لو لم يبق بعد الخصوص تحته (٥) إلا واحد أو اثنان فيبطل الاسم العام أيضًا، فهو (٦) الفرق بينهما. وأما النوع الآخر -[و] هو ما كان عامًا بغيره، فهو على قسمين: أحدهما - ما يكون في نفسه مفهومًا بدون القرينة. والثاني - ما لا يكون مفهومًا بدون القرينة. [الأول] (٧):

стр. 292

فأما الذي يكون مفهومًا بدون القرينة، فهو على قسمين (١) أيضًا: أحدهما - ما يكون خاصًا قبل دخول القرينة ثم يصير عامًا ولى خول القرينة (٢). كقولك "إنسان" و"رجل" إذا (٣) دخلهما لام التعريف. فقبل دخول القرينة يراد به رجل واحد أو (٤) إنسان واحد. وبعد القرينة يصير عامًا (٥) متناولا للجنس، لكن لمطاق الجنس أو لكل الجنس؟ فعلى ما نذكر من الاختلاف. والثاني - ما يكون عامًا متناولا للجمع المطلق ثم يزداد (٦) عمومًا، بدخول لام التعريف كقولك "رجال" يدل على جمع مطلق من الذكور البالغين. وعند دخول اللام يزداد العموم، فيصير للاستيعاب أو لمطلق الجنس على الاختلاف الذي نذكر، ويبطل معنى الجمع. وأما على قول من شرط الاستيعاب للعموم: فقبل دخول اللام فيه (٧) لا نقول هكذا إلا لمطلق الجمع (٨). وبعد دخول لام التعريف يصير للاستيعاب في صيغة الفرد والجمع جميعًا. هذا قول عامة أهل الأصول وأهل النحو واللغة - ولكن بينهم (٩) اختلاف آخر.

стр. 293

قال عامتهم (١): هذا إذا لم يكن ثمة (٢) معهود. وأما (٣) إذا كان ثمة (٤) معهود يصرف (٥) إليه: [فـ] (٦) قال بعض أهل التحقيق منهم: إنه يصرف إلى الاستيعاب واستغراق الجنس (٧) في الفصلين، إلا إذا كان لا يمكن لقيام الدليل الزائد. وقال أبو علي الفسوي (٨) من النحويين في لفظ الجمع والفرد إذا دخله لام التعريف: إنه ينصرف إلى مطلق الجنس لا إلى كل الجنس. وهو قول أبي هاشم (٩) من المعتزلة في قول. وفي قول عنه: فرق بين الاسم الفرد والجمع، فقال: في الفرد يصرف إلى مطلق الجنس من غير استيعاب، وفي لفظ الجمع يحمل على مطلق

стр. 294

الجمع، ويتناول الثلاثة فصاعدًا، ولا يبطل فيه معنى الجمع (١) ولا يحمل على الاستغراق إلا بدليل وراء لام التعريف من [الرمز] (٢) ونحوه. وقال (٣) صاحب "المعتمد" من المعتزلة: إن اللام إذا دخل على الفرد يكون لمطلق الجنس دون الاستيعاب، وإذا دخل على الجمع يوجب الاستغراق إلا بدليل (٤). وقال القاضي الإمام أبو زيد ﵀ بأن اللام (٥) إذا دخل على الفرد يصير للجنس، وكذا إذا دخل على لفظ الجمع يبطل معنى الجمع ويصير للجنس إلا أن اسم الجنس يتناول الكل بطريق الحقيقة، وللأدنى (٦) بطريق الحقيقة أيضًا، لكن عند الإطلاق ينصرف إلى الأدنى، وهو الواحد. وفي ذكر شبهات كل فريق وحلها كلام كثير يعرف في الشرح إن شاء الله تعالى. ونذكر حجة القول الصحيح، وهو قول العامة، وهو: الاستدلال باستعمال أهل اللغة، والاستدلال بإجماع أئمة اللغة، والاستدلال بالعقول اللغوي: - أما الأول: فهو مستعمل في الكتاب والسنة: قال الله تعالى: "يا أيها الناس" في مواضع (٧) وأراد به كل الجنس لا ثلاثة كل منهم، ولا مطلق الجنس.

стр. 295

وقال الله تعالى (١): "والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة" (٢) والمراد من منوع كله لا ثلاثة منهم. وقال الله تعالى (٣) في اللفظ الفرد: "والنخل باسقات لها طلع نضيد" (٤) والمراد به استيعاب الجنس. وقال الله تعالى (٥): "وهو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرًا" (٦) والمراد من كل واحد منهما جنسه لا فرد مخصوص. وقال الله تعالى (٧): "والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا" (٨) والمراد به ظاهرًا هو الجنس كله لا الفرد - ألا يرى (٩) أنه تعالى استثنى منه المؤمنين (١٠) واستثناء (١١) الجمع من الفرد لا يتحقق. وقال النبي ﷺ (١٢): "الحنطة بالحنطة مثلًا بمثل (الحديث) " (١٣) والمراد من اسم كل شيء من الأشياء الستة المذكورة في الحديث الجنس بكماله لا واحد منها.

стр. 296

ويقال في عرف اللسان: "كثر الدرهم والدينار في أيدي الناس" والمراد به الجنس دون درهم ودينار. ويقال: "أهلك الناس الدرهم والدينار" ويقال: "أهلك الناس اللبن" والمراد به الجنس لا الفرد. ويقال: "الفرس أعدى من الحمار" و"الأسد أقوى من الذئب" والمراد به (١) كل الجنس لا الفرد. - وأما إجماع أئمة (٢) اللغة: فإنه سمى بعضهم هذه اللام "لام الجنس (٣) ". وسمى بعضهم اللام "الموضوعة للجنس". ونص الزجاج (٤) أن الإنسان في قوله تعالى: "والعصر إن الإنسان لفي خسر" بمنزلة قوله تعالى: إن الناس. وعن ابن السراج النحوي (٥) أنه قال: إن عند تعارض جهتي العهد والتجنيس، الصرف إلى الجنس أولى.

стр. 297

وعن الفرا (١) أنه قال: إن العرب يقولون: ما كان من السباع غير مخوف - وهذا (٢) الأسد مخوفًا ويريدون بقولهم "الأسد" الجنس (٣) دون الفرد منها. ومتى ثبت إجماع أئمة (٤) أهل الأدب على هذا فمخالفة (٥) أبي علي الفسوي لا تقدح في إجماع من تقدم من الكبار ويجب حمل قوله على الرجوع. - وأما المعقول اللغوي فوجهان: أحدهما: أن هذه اللام موضوعة للتعريف، فلا بد من (٦) أن يحصل بها تعريف لم يكن حاصلا قبل دخولها فيه، حتى يفيد ما وضع له، ويكون ذلك التعريف من موجباته. فأما تعريف كان حاصلا قبله فلم يكن من موجباته. ثم إذا قيل "جاءني رجل" حصل العلم للسامع بكون الجائي آدميًا ذكرًا جاوز حد الصغر، فعرف جنسه ونوعه وذكورته [و] بقي

стр. 298

ذاته مجهولا. وكذا إذا قيل (١) "جاءني رجال" علم جنسهم ونوعهم واجتماعهم في المجيء، وبقي الذوات مجهولة لم يحصل العلم بأعيانهم. ثم إذا دخلت اللام فيه وثم معهود يحصل تعريف الذات بسابقة ذلك العهد، فحصل تعريف لم يكن قبله حاصلا، فعملت اللام عملها. وعند انعدام العهد لا يحصل تعريف الذوات إلا وأن تصرف إلى كل الجنس، حتى يعلم أن كل واحد من الجنس مراد بهذا اللفظ. فأما متى صرف إلى مطلق الجنس، لم تصر الذوات معلومة وما وراء الذوات من كون المذكور من أي جنس كان، ووصف المذكورة (٢) والبلوغ معلوم (٣) بدون اللام، فكان (٤) الحمل عليه إلغاء لفائدة اللام، وصار وجودها كعدمها، وذلك إبطال وضع اللغة. والثاني: أن اللام إن كانت في موضع العهد أوجبت دخول جميع أفراد المعهود، بأن كان المتكلم في ذكر رجال بين يدي سامع ثم قال: "جاءني الرجال"، عقل السامع منه جميعهم، ولم يكن بعضهم أولى بصرف الاسم إليه من البعض، ولا يحمل على ثلاثة منهم أو ما ينطلق عليه اسم الرجال (٥). وكذا إذا لم يكن ثمة (٦) معهود ودخلت (٧) على الجنس: يجب أن يراد به كل الجنس, لأن الجنس هو المتعارف إذا لم يكن ثمة (٨) معهود،

стр. 299

فإن الخصوم اتفقوا أن عند انعدام العهد يصرف إلى الجنس، والمعنى الجامع أنه ليس البعض بأولى (١) من البعض، بدون دليل مرجح في المعهود، فينصرف إلى كل المعهود. وهذا المعنى موجود في الجنس [فـ] يجب أن يصرف إلى كله إلا بدليل مرجح - والله أعلم. ومن هذا القبيل: النكرة في موضع الإثبات: وهي تخص ولا تعم عند عامة أهل الأصول. وقال بعضهم: تعم من حيث الصلاحية. وقالت المعتزلة: تعم على طريق البدل، كما قالوا في الأشياء الثلاثة في الكفارة. والصحيح قول العامة: - لأن قوله: "رأيت رجلًا"، فرد من حيث الصيغة، ولم يقترن به ما يوجب التعميم، فلا يدل على العموم: هو الأصل. - وما ذكروا من عموم الصلاحية لكل واحد من الجملة فسلم، ولكن (٢) الكلام في عموم الأعيان. وفي قوله تعالى: "فتحرير رقبة" (٣) لا يراد به في كل حنث إلا وجوب (٤) تحرير رقبة واحدة مع عموم صلاحية الرقاب للوجوب. - وما ذكروا من العموم على سبيل البدل: إن عنوا به أن كل واحد من الجملة يكون في الصلاحية بدلًا عن صاحبه، والداخل تحت اللفظ واحد

стр. 300

منهم - فهو (١) قولنا. وإن عنوا أن اللفظ يتناول الكل على سبيل الإجتماع والشمول - فهو (٢) ليس قولهم (٣)، وهو فاسد, لأن الصيغة فرد، والفرد لا يتناول العدد إلا بقرينة تدل (٤) على العموم، ومن ادعى خلاف الظاهر فعليه الدليل (٥). ومن هذا القبيل النكرة في موضع النفي: وهي عامة بطريق الضرورة. وهي نوعان: أحدهما - أن كلمة النفي تدخل على الفعل الواقع على النكرة كقولك: "ما رأيت رجلًا" فإن كلمة النفي تدخل على الرؤية. والثاني - أن يدخل كلمة النفي على الاسم المنكر، كقول القائل: "لا رجل في الدار". وفي الوجهين جميعًا يثبت النفي على العموم بطريق الضرورة، فإنه إذا قال: "ما رأيت رجلًا في هذا اليوم" (٦) - أخبر عن انتفاء رؤية رجل واحد منكر غير عين. ومن ضرورة انتفاء رؤية واحد غير عين من الرجال انتفاء رؤية جميع رجال العالم, لأنه لو رأى رجلا واحدًا عينًا يصير كاذبًا في خبره، فيتعمم بطريق الضرورة، بخلاف المعرف بأن قال: "ما رأيت اليوم زيدًا" لا يوجب انتفاء رؤية غيره, لأنه نفى رؤية ذات معين، فلو رأى غيره لا يكون كاذبًا في خبره.

стр. 301

وكذا في النكرة الموصوفة بأن قال: "ما رأيت رجلًا عراقيًا أو بخاريًا" لا يعم في (١) غير هذا الموصوف, لأنه لو كان (٢) رأى رجلا غير موصوف بهذا الوصف، لا يكون كاذبًا في هذا الخبر، ولكن يوجب انتفاء الموصوف, لأنه لو رأى رجلا عراقيًا، يكون كاذبًا في خبره (٣). وكذلك إذا قال: "لا رجل في الدار" يقتضي نفي واحد من جنس الرجال غير عين، ومن ضرورته نفي الكل حتى لا يكون كاذبًا في خبره. ومن هذا القبيل أيضًا (٤) كلمة "كل" إذا دخل على الاسم الفرد (٥). وهو نوعان: - إما أن يدخل على فرد منكر. - أو على فرد معرف. [فـ] إن دخل على فرد منكر -[فإنه] يوجب العموم، قال الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ (٦)، والموت (٧) تعم النفوس كلها. وقال تعالى (٨): ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ (٩) وهي عامة. ويقول

стр. 302

الرجل: "أكلت كل رغيف في هذا البيت" يتناول جميع الرغفان الموجودة في البيت. وأما إذا دخل على الفرد المعرف، بأن قال: "أكلت كل هذا الرغيف" [فإنه] يتناول كل هذا الرغيف المعرف دون غيره. والمعنى فيه أن (١) كلمة "كل" وضعت للإحاطة في اللغة: فإن دخل على النكرة يحيط بجميع الأفراد من جنسها، ومن ضرورته العموم. وإذا دخل على الفرد العرف يقتضي إحاطة أجزائه لا غير، فيوجب عموم أجزائه، لا عموم أفراد الرغفان. [الثاني]: وأما الذي هو عام بغيره، ولا يكون مفهومًا بنفسه، [فـ] نحو كلمة "من" و"ما" و"الذي" و"حيث" و"أين" ونحوها - وتسمى هذه الأسماء أسماء مبهمة وأسماء موصولة, لأنها لا تفهم بذواتها (٢)، وإنما تفهم بصلاتها الداخلة عليها، فيصير الكلمة المبهمة مع صلتها ككلمة (٣) واحدة. قال النبي ﷺ : "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن" فيعم بعموم صلته, وهو الدخول، كأنه قال: الداخل في دار أبي سفيان آمن. إذا ثبت هذا نقول: إن كلمة "من" هل (٤) تدخل في جميع الموجودات أو يختص تناوله البعض؟ فأهل (٥) اللغة والنحو قالوا: إن كلمة "من" تدخل في ذوات من يعقل لا غير. وكلمة "ما" يستعمل في ذوات ما لا

стр. 303

يعقل، وصفات من يعقل - يقول الرجل: "من في هذه الدار؟ " وجوابه (١): زيد وعمرو ومحمد. حتى لو قال: فرس أو حمار أو شاة، يكون مخطئًا في الجواب. وأما كلمة "ما" [فـ] تستعمل في ذوات ما لا يعقل حتى لو قال (٢): "ما في هذه الدار؟ " فيقول: زيد وعمرو، يكون مخطئًا. ولو قال: فرس أو حمار أو متاع، يكون مصيبًا. ولكن يستعمل في صفات من يعقل - يقول الرجل: "ما زيد؟ " فجوابه: إنه عالم أو خياط (٣) أو نساج أو صحيح أو مريض، لكن قد يستعمل في الكلام كلمة "ما" مكان كلمة "من" وكلمة "من" (٤) مكان كلمة "ما" و (٥) لكن ذلك بطريق الاستعارة - وما ذكرنا بيان الحقيقة (٦). ثم كلمة "من" تستعمل في ثلاثة مواضع: في الاستفهام، وفي الشرط والجزاء، وفي الإخبار. أما في الاستففام والشرط والجزاء، [فـ] يعم لا محالة (٧): - تقول في الاستفهام: "من في هذه الدار؟ " و"من في هذه القرية؟ " وجوابه (٨) أن يقول: زيد وعمر ومحمد وخالد، ويعد من فيه (٩) ممن يعقل.

стр. 304

- وأما في الشرط والجزاء، [فـ] قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (١). وكذا قال رسولَ الله ﷺ (٢) "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن": يعم كل داخل. - وأما في الخبر، [فـ] قد يكون عامًا، وقد يكون خاصًا - قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ﴾ (٣) وهذا عام. وقال تعالى في موضع آخر (٤): ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ (٥) وفي موضع آخر (٦): ﴿يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ (٧). والحاصل ما ذكرنا: أنها من الأسماء الموصولة، فيعتبر حالها بصلتها (٨): فإن كانت الصلة عامة يتعمم بعموم صلتها، وإن كانت خاصة يتخصص بخصوص صلتها. هذا أصل كلمة "من" وسائر الأسماء الموصولة- والله أعلم، ثم كلمة "من" في موضع الشرط والجزاء وفي موضع الاستفهام يعم عموم الأفراد (٩)، وفي الخبر عند عموم الصلة تعم عموم الاشتمال - بيانه أنه: - إذا قال في موضع الشرط والجزاء: "من زارني أعطه درهمًا" فإذا زاره واحد أو اثنان أو ثلاثة فصاعدًا استحق العطية.

стр. 305

- وأما في الخبر عند عموم الصلة نحو قوله تعالى (١): ﴿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ﴾ (٢) - فالصلة أعني "يغوصون" صيغة الجمع، وإنها تتناول الثلاثة فصاعدًا لا ما دونها - ألا ترىَ أن الرجل إذا قال: "إن زارني رجال أعطهم درهمًا" [فـ] ما لم توجد الزيارة من الجماعة لا يستحقون العطية - بخلاف الشرط والجزاء والاستفهام. أما في الشرط والجزاء: [فـ] إنما تعم عموم الانفراد ويتعلق الحكم بكل واحد من آحاد الجنس, لأن بالناس حاجة إلى تعليق الحكم بكل واحد من آحاد الجنس. ولو قال (٣): "إن فعل فلان فله (٤) كذا وإن فعل فلان فله كذا" يخرج عن حد الإحصاء والحصر، ووقعوا في الحرج. فأقام (٥) أهل اللغة كلمة "من" مقام تكرار حرف "إن" فيتناول كل واحد منهم بانفراده. - وكذا في الاستفهام: إذا كان في الدار رجل، فأراد (٦) آخر أن يعلم الذي هو (٧) في الدار: فإذا (٨) قال: أزيد في الدار أو عمرو أو محمد أو أحمد؟ يطول الأمر، فأقاموا كلمة "من" مقام تكرار حرف الاستفهام. ولو نص على تكرار حرف الاستفهام (٩) فإنه يعم عموم الانفراد - فكذا (١٠) هذا.

стр. 306

والفقه في الشرط والجزاء (١) ما ذكرنا: أنها كلمة موصولة مفردة من حيث الصيغة مبهمة (٢)، وإنما تصير معلومة (٣) بالصلة، فيصير الحاكم المتعلق بها معتبرًا بصلتها، فيصير كأنه قال: "الشخص الذي وجد منه كذا فله كذا" - والله أعلم. ثم كلمة "من" كما تتناول المذكور تتناول الإناث - قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (٤)، وقال ﵇: "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن": يتناول الرجال والنساء، ويقول الرجل: "من دخل من مماليكي الدار فهو حر": يتناول العبيد والإماء جميعًا (٥) - عليه إجماع أهل اللغة. ومن هذا القسم حروف أخر نحو "الذي" و "أين" (٦) و"حيث" و"أي" ونحو ذلك - يعرف في الشرح إن شاء الله تعالى. و (٧) أما الكلام في حكم العام: اختلف أهل الأصول في هذه المسألة على أقوال. وهم في الحاصل ثلاث فرق، اختص كل فريق باسم خاص: أصحاب الوقف، وأصحاب الخصوص، وأصحاب العموم.

стр. 307

أما أصحاب الوقف: فهم (١) الذين توقفوا في حق العمل والاعتقاد جميعًا، وهو مذهب ابن الروندي (٢) ومحمد بن شبيب (٣) وعامة المرجئة وعامة الأشعرية. وإليه مال أبو سعيد البردعي (٤) من أصحابنا. وهم فريقان: فريق قالوا: لا حكم للفظ ما، لمجرد (٥) الصيغة، ما لم يقترن به قرينة، بمنزلة الألفاظ المشتركة من القرء والعين والجارية ونحوها (٦). وقال بعضهم من أهل التحقيق: إن ألفاظ العموم في أصل وضع اللغة (٧) للعموم حقيقة، ولكن لكثرة استعمالها في الخصوص صارت مشتركة في عرف الاستعمال. وأما أصحاب الخصوص: [فـ] قالوا: يحمل على أخص الخصوص. فإن كانت صيغة فرد دخل فيها لام التعريف يحمل على الواحد. وإن كانت صيغة جمع دخلها لام

стр. 308

التعريف يحمل على الثلاثة. ولا يحمل على ما وراء ذلك إلا بدليل. وبه أخذ أبو عبد الله الثلجي (١) من أصحابنا. وأما أصحاب العموم: [فـ] فريقان: - فريق قالوا بوجوب العموم عملا واعتقادًا، كأنه نص على كل فرد من أفراد العموم. وهو مذهب مشايخ العراق من أصحابنا، مثل الكرخي (٢) والجصاص (٣)، ومذهب أكثر (٤) المتأخرين من ديارنا، مثل القاضي الإمام (٥) أبي زيد (٦) ﵀، ومن تابعه. وبه قالت عامة المعتزلة. وذكر عبد القاهر البغدادي (٧)، من أصحاب الحديث في كتابه، أن هذا مذهب الشافعي ومالك وأبي حنيفة وأصحابه ﵏ وقدماء المتكلمين. - وفريق من أصحاب الحديث قالوا بالعموم ظاهرًا في حق الاعتقاد والعمل، لا (٨) قطعًا. ورووا عن الشافعي.

стр. 309

وقال مشايخ سمرقند، [و] رئيسهم الشيخ الإمام أبو منصور الماتريدي (١)، ﵏ بأنه يوجب العموم عملا، ويعتقد فيه على الإبهام: أن ما أراد الله تعالى منه من العموم والخصوص فهو حق. وعلى قول مشايخ سمرقند: يصح التعليق بظواهر العمومات مع احتمال الخصوص، وبحقيقة اللفظ الخاص مع احتمال المجاز في الشرائع والأحكام، لأنها توجب العمل، والمراد من الشرائع (٢) وجوب العمل، على قول أصحاب الخصوص، والوقف لا يصح. وجه قول الواقفية: [الفريق الأول]: إن كون الصيغة موضوعة للعموم قطعًا إما أن يعرف ضرورة، أو نظرًا، أو نقلا. - والأول باطل، لأن الضروريات لا يجري فيها الخلاف بين العقلاء. وفي هذه المسألة خلاف. - والثاني باطل, لأن الحكم العقلي لا يحتمل التغير بحال، كالحركة: لما كانت علة كون الذات القايم به متحركًا لن يتصور قيام حركة بذات من غير اتصافه بكونه متحركًا. وقد وجدنا صيغة العموم ويراد بها الخاص، بل الأغلب في الاستعمال (٣) صيغة العموم في موضع الخصوص - دل أنه لم يكن بالنظر العقلي. - والثالث باطل، فإن (٤) النقل إما أن يكون بطريق التواتر أو بطريق الآحاد. والنقل بطريق التواتر معدوم ههنا، لاختلاف العقلاء فيه،

стр. 310

ولا يجري الخلاف في موضع التواتر، كما في معرفة البلدان النائية، والملوك الماضية الثابتة تواترًا، نحو مكة وبغداد، وهارون الرشيد، ومحمود بن سبكتكين (١) ونحو ذلك - لم يبق إلا النقل بطريق الآحاد، وإنه لا يوجب العلم قطعًا، والمسألة قطعية لا عملية، ولأن أصحاب الخصوص يعارضون أنه ثبت، بالنقل آحادًا، أن صيغة العموم موضوعة للأقل (٢)، ولا دليل مع قبول المعارضة. و [الفريق] الثاني: إن كانت الصيغة موضوعة للعموم في الأصل، ولكن في عرف الاستعمال يستعمل فيهما (٣) على السواء، بل استعمالها في الخصوص أكثر، والنصوص الواردة بلفظة العموم، في الزمان الذي صارت الصيغة مشتركة في الاستعمال، فلا يعرف بها (٤) إرادة العموم قطعًا، بل الاحتمال قائم، فيبطل (٥) دعوى العموم قطعًا مع قيام الاحتمال.

стр. 311

وجه قول أصحاب الخصوص: ما ذكرنا آنفًا: أن الصيغة مشتركة في الاستعمال، فلا يجوز القول بالحكم مع التعارض، ولا معارضة في تناول الواحد في اسم الجنس، والثلاث في اسم الجمع، فيجب العمل عليه, لأن العمل باليقين واجب. وجه قول أصحاب العموم: إجماع الصحابة، وإجماع أرباب (١) اللغة، والمعقول: - أما إجماع الصحابة رضىي الله عنهم (٢) - فإنه روي عن علي ﵁ أنه قال: لا يجوز الجمع بين الأختين وطئًا بسبب كملك اليمين، وقال: أحلتهما آية وهي (٣) قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ (٤) وحرمتهما آية، وهي (٥) قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ (٦)، فوقعت المعارضة، والأصل في الأبضاع (٧) هو الحرمة، فيبقى ما كان على ما كان، فتكون (٨) الحرمة أولى احتياطًا. وروي عن عثمان ﵁ أنه قال: تعارضت الآيتان، والأصل هو الحل بعد وجود سبب الحل، فيترجح جانب الحل. فهما، مع اختلافهما في وجه الترجيح، اتفقا على كون العموم حجة، وكان ذلك بمحضر من الصحابة ﵃، ولم ينكر عليهما أحد منهم، فيكون إجماعًا.

стр. 312

- وأما إجماع أهل اللغة، فإنه نقل عنهم أنَّهم قالوا: الكلام ثلاثة أقسام: وحدان (١)، وتثنية، وجمع - كقولنا: رجل ورجلان ورجال. وكذلك قالوا: إن كلمة "من" عامة في ذوات من يعقل، وكلمة "ما" عامة في ذوات ما لا يعقل وصفات من يعقل. - وأما المعقول، وهو أن الأسماء وضعت أعلامًا على المسميات، لحاجة الناس إلى علم ما في ضمائرهم بدلالات تدل عليها (٢)، ومعنى العموم مقصود عند العقلاء، كمعنى الخصوص، وسائر المعاني من الأمر والنهي والاستخبار والخبر وغير ذلك: يجب أن يكون له صيغة مخصوصة، كما لسائر المعاني. وإذا ثبت أن صيغة العموم موضوعة له لغة: فمشايخ العراق قالوا: يجب أن يكون حقيقة له, لأن الحقيقة اللغوية ما وضعها أهل اللغة، ويجب حمل الكلام على الحقيقة حتى يقوم الدليل على المجاز. فمن حملها على الخصوص في الأصل فقد ادعى تغيير الوضع، وهذا باطل. ولأن استعمالها في موضح العموم لما كان حقيقة، فكل من سمع لفظًا عامًا من الكتاب والسنة يعتقد فيه العموم حملا له على الحقيقة، كمن سمع لفظ "الأسد" يحمله على الحيوان المخصوص دون الرجل الشجاع إلا برقينة زائدة. ولو كان المراد بالعموم الخصوص فقد اعتقد خلاف ما أراد الله تعالى. فكان ورود صيغة العام على إرادة الخصوص، من غير قرينة، يدل على (٣) توهم التلبيس على السامع تعالى الله عن ذلك. فكان (٤) هذا (٥) الدليل العقلي، وغيره يدل على أنه لا يجوز

стр. 313

ورود العام ويراد به الخاص، ولا ورود الخاص ويراد به المجاز، من غير دليل يفهم السامع مراد (١) الخطاب، ولأن الإرادة أمر باطن لا يقف عليها السامع فيكون ساقط العبرة (٢) في حق المخاطب، ويدار الحكم في حقه على اللفظ المطلق الخالي عن القرينة، كما في الإخبار عن المحبة والبغض: أقيم مقام الحقيقة، ويسقط اعتبار الحقيقة في حق الأحكام - فكذلك هذا (٣). ومشايخ سمرقند قالوا: إن الصيغة موضوعة للعموم في أصل الوضع، وكان في عرف الاستعمال صارت مشتركة، والنصوص الواردة في الأحكام، في الوقت (٤) الذي صارت مشتركة، والترجيح في الاستعمال للخصوص. ولهذا لم نجد في القرآن صيغة العموم يراد بها الاستيعاب إلا قليلة، نحو قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٥) وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٦). ولو (٧) حمل مطلقها على العموم، فاحتماله اعتقاد الخطأ [فيه] قائم، [فـ] يجب القول بالتوقف (٨) في الاعتقاد قطعًا، والقول بوجوب العمل ظاهرًا احتياطًا. ولأن شرط العموم عندكم هو خلو الصيغة عن قرينة إرادة الخصوص، فبم (٩) عرفتم خلوها عن القرينة (١٠)؟

стр. 314

[فـ] إن قلتم: إن لفظ العام خال عنها (١) من حيث الحس (٢) - فنقول: هذا أن لو كانت القرينة باللفظ العام (٣) هي المتصلة لا غير. وقد يكون منفصلة من آية أخرى أو خبر الرسول ﷺ . وإن (٤) قلتم: لم يوجد - فالخصم يقول: لم قلتم إنه لم يوجد؟ أيش (٥) تعنون أنها لم توجد: [أ] عندكم أو عند غيركم؟. بل نعارض ونقول: بل (٦) وجدت عندي، فيكون تعلقًا بعدم الدليل، وهو باطل. ولأن القرينة غير مقصورة على اللفظية، بل قد تكون د لالة الحال، وقد تكون عقلية، وهذا مما لا يمكن نفيها قطعًا، بل احتمال الوجود قائم، ومع احتمال إرادة الخصوص كيف يثبت العلم قطعًا؟ وتبين بما (٧) ذكرنا أنه ليس فيه تلبيس (٨) , لأن الغالب إذا كان هو إرادة الخصوص في ألفاظ العموم، فكان حملها على العموم واعتقاد ذلك دون التوقف، إيقاع نفسه في الخطأ، فلا يضاف إلى الشرع، بل إلى تقصير السامع - أليس (٩) أن النص المجمل وارد ولا يقال فيه تلبيس (١٠)؟؛ لأنه لما استوى الأمران، فيتوقف لئلا يقع (١١) في الخطأ،

стр. 315

فلا ينسب صاحب الشرع إلى التلبيس، فكذا (١) إذا كان الاحتمال قائمًا حقيقة: يجب أن يتوقف لأجل الاحتمال، فمتى قطع [بـ] الاعتقاد، فهو (٢) المقصر والموقع نفسه في اعتقاد الخطأ. قولهم: إن الإرادة أمر باطن فيسقط اعتباره، فنقول: هذا تسليم منكم بوجود (٣) الاحتمال، والقول بإسقاط الاعتبار باعتبار الحاجة، ولا (٤) حاجة، فإن الاعتقاد أمر بينه وبين الله تعالى، فيكفيه (٥) الاعتقاد مبهمًا أن ما أراد الله تعالى به حق ولا حاجة في حق (٦) العمل, لأن العمل بالدليل الراجح مع احتمال الخطأ واجب، كما في الشهادات، وخبر العدل في باب الديانات. وأما شبهة الواقفية فالجواب (٧) عنها ما مر في صيغة الأمر: أنا لا ندعي ذلك ضرورة، ولا نظرًا، لما قلتم، ولكن نقلا بطريق التواتر، وبإجماع الصحابة. قولكم: لو كان ثابتًا بالتواتر لما جرى الخلاف بين العلماء - فنقول: إنما لا يجري الخلاف في الضروريات. وفي كون الخبر المتواتر موجبًا علمًا خلاف بين العقلاء. فالنظام من المعتزلة (٨) يقول: ليس بحجة قطعًا.

стр. 316

وقال عامة العقلاء: حجة موجبة للعلم قطعًا، ولكن (١) يوجب علمًا ضروريًا أو استدلاليًا؟ فيه خلاف أيضًا: فيجوز أن يكون قول مشايخ العراق هذا: إنه يوجب علمًا استدلاليًا لا ضروريًا، فجوزوا الخلاف فيه، ولكن لا يخرج من أن يكون موجبًا علمًا قطعيًا. ألا ترى أن العلم بحدوث العالم وقدم الصانع وتوحيده علم قطعي مع وجود الخلاف بين العقلاء - هذا جواب مشايخ العراق. وجواب مشايخ سمرقند عن (٢) هذه الشبهة سهل، وهو أن النقل إن كان بطريق الآحاد فخبر (٣) الواحد حجة في حق العمل، والكلام في حق العمل. وأما (٤) في حق ثبوت العلم القطعي فيتوقف فيه ويعتقد على الإبهام، كما في النص المجمل والمشترك. مسألة - في العام إذا خص منه بعضه: ههنا فصلان: أحدهما - أنه هل يبقى عامًا في الباقي بطريق الحقيقة أم يصير مجازًا؟ والثاني - هل يبقى حجة في حق العلم والعمل في الباقي، أو يبقى حجة في حق العمل دون العلم، ويصح الاستدلال به بعد الخصوص، أو لا يبقى حجة أصلا؟

стр. 317

أما الأول: فهو مبني على أن شرط اللفظ العام [هل] هو الاستيعاب والاستغراق أو (١) الاجتماع؟ فمن قال شرطه (٢) الجمع: فمادامت (٣) الصيغة متناولة لجمع مطلق وهو (٤) الثلاثة فصاعدًا - فهي عام حقيقة. وإن انتهى الخصوص إلى الاثنين (٥) والواحد، لا يبقى عامًا حقيقة. ومن قال: إن شرطه الاستيعاب، فمتى خص واحد من الجملة لا يبقى عامًا حقيقة, لأن حقيقة اسم العام أن يكون متناولا لكل المسميات. فإذا لم يتناول مسمى واحدًا لا يبقى كلا، فلا يبقى عامًا ضرورة. وبعض مشايخنا قالوا: هذه مسألة مبتدأة، سواء كان شرط العام الجمع أو الاستيعاب. وقد اختلف أهل الأصول فيها: قال عامة أصحابنا وعامة أهل الحديث بأنه يبقى حقيقة في الباقي، سواء كان دليل التخصيص (٦) متصلا به غير مستقل بذاته مفيدًا (٧) في نفسه، نحو قوله: "اقتلوا المشركين إلا أهل الذمة"، أو كان منفصلا عنه. مستقلا بذاته مفيدًا (٨) في نفسه، نحو قوله: "اقتلوا المشركين ولا تقتلوا

стр. 318

أهل الذمة"، وسواء كان دليل الخصوص سمعيًا أو عقليًا (١) أو دلالة الحال. وقال بعض أصحابنا - وهو قول بعض أصحاب الحديث: يكون مجازًا في الباقي، سواء كان دليل الخصوص متصلا به أو منفصلا عنه، سمعيًا أو عقليًا أو دلالة حال. وقال بعض أهل التحقيق: الجواب ليس (٢) على الإطلاق في هذه المسألة بل على التفصيل. وفي ذلك أقوال ثلاثة: - عن أبي الحسن الكرخي ﵀: إن كان دليل التخصيص (٣) متصلا غير مستقل ونفسه، كالاستثناء، يبقى حقيقة في الباقي. وإن كان منفصلا، يصير مجازًا. - وقال بعضهم: إن كان دليل الخصوص لفظيًا، يبقى (٤) حقيقة في الباقي، سواء كان متصلا أو منفصلا. وإن لم يكن لفظيًا، يصير مجازًا. - وقال بعضهم: يصير مجازًا في الأحوال كلها، إلا في الشرط والصفة (٥)، كمن قال: "اضرب عبيدي إن دخلوا الدار" أو قال: "اضرب عبيدي الطوال" - فقوله. "عبيدي" عام ثم المراد منه الخاص دون العام: فإنه خص منه القصار وغير الداخلين، وهو حقيقة في الباقي. لكن في شرح هذه الأقوال، وبيان حجج هؤلاء، واختيار الأصح من ذلك طول، وهو مشروح في شرح المختصر.

стр. 319

وأما الفصل الثاني: وهو مبني في الأصل (١) على حكم العام. فقال مشايخ سمرقند وأصحاب الشافعي: إنه حجة. ولكن يوجب العمل دون العلم، بناء على ما ذكرنا في (٢) حكم العام الذي لم يخص منه شيء: إنه لا يوجب العلم قطعًا، ولكن يصح الاحتجاج به في حق الأحكام الشرعية، لكن الاحتمال ههنا أكثر. وأما الذين قالوا: إن العام الذي لم يخص منه شيء يوجب العلم قطعًا اختلفوا في العام المخصوص: قال عيسى بن أبان (٣) ومحمد بن شجاع الثلجي (٤) من أصحابنا وأبو الثور (٥) من أصحاب الحديث: إنه لا يبقى حجة كيفما كان دليل الخصوص. وقال بعضهم: يبقى حجة على عكس الأول. وقال بعضهم: الجواب على التفصيل: - قال الكرخي: إن كان دليل الخصوص منفصلا مستقلا بذاته مفهومًا في نفسه: لا يبقى حجة. وإن كان متصلا غير مستقل بذاته يبقى حجة،

стр. 320

سواء كان المخصوص مجهولا أو معلومًا، في رواية. وقال في رواية: إن كان المخصوص مجهولا لا يبقى حجة، وإن كان معلومًا يبقى حجة. - وقال بعضهم: إن كان مما يمكن (١) العمل بظاهر اللفظ العام في الباقي بعد الخصوص (٢)، من غير اشتراط شيء، يبقى حجة - كقوله (٣): "اقتلوا المشركين ولا تقتلوا أهل الذمة": فإنه يمكن العمل به فيما وراء المخصوص، بظاهر اللفظ، من غير اشتراط شيء آخر. وإن (٤) كان لا يمكن العمل بظاهره في الباقي إلا بشرط زائد، لا يبقى حجة - كقوله تعالى (٥) " ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا ...﴾ (الآية) " (٦): خص منها بعض السراق، ولا يمكن العمل بالباقي ظاهرًا إلا بشرط قال النصاب وكمال الحرز ونحو ذلك. - وقال بعضهم: إن كان المخصوص معلومًا: يجب العمل بالباقي، ويجب الاعتقاد والعلم قطعًا، كيفما كان دليل الخصوص. وإن كان مجهولا، لا يبقى حجة، كيفما كان. وهذا هو الأصح من هذه الأقوال على قول من قال إن العام يوجب العلم قطعًا - وبيانه (٧)، وهو:
следующие страницы →