وقال عامة العقلاء: حجة موجبة للعلم قطعًا، ولكن (١) يوجب علمًا ضروريًا أو استدلاليًا؟ فيه خلاف أيضًا:
فيجوز أن يكون قول مشايخ العراق هذا: إنه يوجب علمًا استدلاليًا لا ضروريًا، فجوزوا الخلاف فيه، ولكن لا يخرج من أن يكون موجبًا علمًا قطعيًا. ألا ترى أن العلم بحدوث العالم وقدم الصانع وتوحيده علم قطعي مع وجود الخلاف بين العقلاء - هذا جواب مشايخ العراق.
وجواب مشايخ سمرقند عن (٢) هذه الشبهة سهل، وهو أن النقل إن كان بطريق الآحاد فخبر (٣) الواحد حجة في حق العمل، والكلام في حق العمل. وأما (٤) في حق ثبوت العلم القطعي فيتوقف فيه ويعتقد على الإبهام، كما في النص المجمل والمشترك.
مسألة - في العام إذا خص منه بعضه:
ههنا فصلان:
أحدهما - أنه هل يبقى عامًا في الباقي بطريق الحقيقة أم يصير مجازًا؟
والثاني - هل يبقى حجة في حق العلم والعمل في الباقي، أو يبقى حجة في حق العمل دون العلم، ويصح الاستدلال به بعد الخصوص، أو لا يبقى حجة أصلا؟
стр. 317
أما الأول:
فهو مبني على أن شرط اللفظ العام [هل] هو الاستيعاب والاستغراق أو (١) الاجتماع؟
فمن قال شرطه (٢) الجمع: فمادامت (٣) الصيغة متناولة لجمع مطلق وهو (٤) الثلاثة فصاعدًا - فهي عام حقيقة. وإن انتهى الخصوص إلى الاثنين (٥) والواحد، لا يبقى عامًا حقيقة.
ومن قال: إن شرطه الاستيعاب، فمتى خص واحد من الجملة لا يبقى عامًا حقيقة, لأن حقيقة اسم العام أن يكون متناولا لكل المسميات. فإذا لم يتناول مسمى واحدًا لا يبقى كلا، فلا يبقى عامًا ضرورة.
وبعض مشايخنا قالوا: هذه مسألة مبتدأة، سواء كان شرط العام الجمع أو الاستيعاب.
وقد اختلف أهل الأصول فيها:
قال عامة أصحابنا وعامة أهل الحديث بأنه يبقى حقيقة في الباقي، سواء كان دليل التخصيص (٦) متصلا به غير مستقل بذاته مفيدًا (٧) في نفسه، نحو قوله: "اقتلوا المشركين إلا أهل الذمة"، أو كان منفصلا عنه. مستقلا بذاته مفيدًا (٨) في نفسه، نحو قوله: "اقتلوا المشركين ولا تقتلوا
стр. 318
أهل الذمة"، وسواء كان دليل الخصوص سمعيًا أو عقليًا (١) أو دلالة الحال.
وقال بعض أصحابنا - وهو قول بعض أصحاب الحديث: يكون مجازًا في الباقي، سواء كان دليل الخصوص متصلا به أو منفصلا عنه، سمعيًا أو عقليًا أو دلالة حال.
وقال بعض أهل التحقيق: الجواب ليس (٢) على الإطلاق في هذه المسألة بل على التفصيل. وفي ذلك أقوال ثلاثة:
- عن أبي الحسن الكرخي ﵀: إن كان دليل التخصيص (٣) متصلا غير مستقل ونفسه، كالاستثناء، يبقى حقيقة في الباقي. وإن كان منفصلا، يصير مجازًا.
- وقال بعضهم: إن كان دليل الخصوص لفظيًا، يبقى (٤) حقيقة في الباقي، سواء كان متصلا أو منفصلا. وإن لم يكن لفظيًا، يصير مجازًا.
- وقال بعضهم: يصير مجازًا في الأحوال كلها، إلا في الشرط والصفة (٥)، كمن قال: "اضرب عبيدي إن دخلوا الدار" أو قال: "اضرب عبيدي الطوال" - فقوله. "عبيدي" عام ثم المراد منه الخاص دون العام: فإنه خص منه القصار وغير الداخلين، وهو حقيقة في الباقي.
لكن في شرح هذه الأقوال، وبيان حجج هؤلاء، واختيار الأصح من ذلك طول، وهو مشروح في شرح المختصر.
стр. 319
وأما الفصل الثاني:
وهو مبني في الأصل (١) على حكم العام.
فقال مشايخ سمرقند وأصحاب الشافعي: إنه حجة. ولكن يوجب العمل دون العلم، بناء على ما ذكرنا في (٢) حكم العام الذي لم يخص منه شيء: إنه لا يوجب العلم قطعًا، ولكن يصح الاحتجاج به في حق الأحكام الشرعية، لكن الاحتمال ههنا أكثر.
وأما الذين قالوا: إن العام الذي لم يخص منه شيء يوجب العلم قطعًا اختلفوا في العام المخصوص:
قال عيسى بن أبان (٣) ومحمد بن شجاع الثلجي (٤) من أصحابنا وأبو الثور (٥) من أصحاب الحديث: إنه لا يبقى حجة كيفما كان دليل الخصوص.
وقال بعضهم: يبقى حجة على عكس الأول.
وقال بعضهم: الجواب على التفصيل:
- قال الكرخي: إن كان دليل الخصوص منفصلا مستقلا بذاته مفهومًا في نفسه: لا يبقى حجة. وإن كان متصلا غير مستقل بذاته يبقى حجة،
стр. 320
سواء كان المخصوص مجهولا أو معلومًا، في رواية. وقال في رواية: إن كان المخصوص مجهولا لا يبقى حجة، وإن كان معلومًا يبقى حجة.
- وقال بعضهم: إن كان مما يمكن (١) العمل بظاهر اللفظ العام في الباقي بعد الخصوص (٢)، من غير اشتراط شيء، يبقى حجة - كقوله (٣): "اقتلوا المشركين ولا تقتلوا أهل الذمة": فإنه يمكن العمل به فيما وراء المخصوص، بظاهر اللفظ، من غير اشتراط شيء آخر. وإن (٤) كان لا يمكن العمل بظاهره في الباقي إلا بشرط زائد، لا يبقى حجة - كقوله تعالى (٥) " ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا ...﴾ (الآية) " (٦): خص منها بعض السراق، ولا يمكن العمل بالباقي ظاهرًا إلا بشرط قال النصاب وكمال الحرز ونحو ذلك.
- وقال بعضهم: إن كان المخصوص معلومًا: يجب العمل بالباقي، ويجب الاعتقاد والعلم قطعًا، كيفما كان دليل الخصوص. وإن كان مجهولا، لا يبقى حجة، كيفما كان.
وهذا هو الأصح من هذه الأقوال على قول من قال إن العام يوجب العلم قطعًا - وبيانه (٧)، وهو:
стр. 321
إن المخصوص إذا كان مجهولا، كأنه قال: "اقتلوا المشركين ولا تقتلوا أقوامًا (١) منهم" لا يبقى حجة (٢) , لأنه يحتمل أن المتنازع فيه ليس (٣) هو المخصوص أو من قبيل المخصوص. ويحتمل أن المتنازع فيه من قبيل المخصوص منه: إن كان من قبيل المخصوص منه يبقى حجة. وإن كان من قبيل المخصوص لا يكون حجة، فلا يكون حجة مع الاحتمال. وبهذا الطريق لا يصح الاستثناء إذا كان المستثنى مجهولا، بأن قال: "لفلان علي كذا إلا شيئًا".
• أما إذا كان المخصوص معلومًا [فـ] يبقى حجة, لأن النص العام يتناول كل واحد من الأفراد، كأنه نص عليه على ما ذكرنا. فإذا خص منه شيء معلوم يبق الباقي داخلا تحته بيقين. فإنه إذا قال: "اقتلوا المشركين ولا تقتلوا أهل الذمة" فإذا خرج أهل الذمة يبقى اللفظ في الباقي قطعًا - هذا كالاستثناء: إذا قال لفلان علي عشرة إلا خمسة يبقى خمسة بيقين، لما قلنا (٤)، كالعشرة: إذا كانت موضوعة بين يدي إنسان فأخذ منها درهمين يبقى الباقي (٥) ثمانية بيقين - فكذا هذا.
وإذا ثبت هذا يجب أن يبقى حجة ودليلا قطعًا, لأن دليل الشرع ما يتوصل به إلى معرفة حكم الشرع، وبعدما خص منه شيء معلوم يمكن التوصل به إلى معرفة حكم الشرع في الباقي، يجب أن يبقى حجة، بخلاف المجهول، فإنه لا يمكن التوصل به إلى معرفة حكم الشرع في الباقي (٦) - فلهذا افترقا.
стр. 322
ولا يقال بأن المخصوص إذا كان معلومًا يحتمل أن يكون معلولا بعلة عرفت بالرأي والاجتهاد الذي يحتمل الخطأ والصواب: [فـ] إن كان صوابًا، وهو موجود في غيره، يكون تخصيصًا له. وإن كان خطأ فلا. وإن لم يقف عليها، فهو معلول عند الله تعالى، فإن حكمه لا يخلو عن الحاكمة، ونعني بالعلة الحاكمة: فإن كان صوابًا يتعدى إلى غيره، وإن كان خطأ فلا. فعلى احتمال الصواب ووجوده في غيره لا (١) يبقى حجة، فلا يبقى مع الاحتمال, لأنا نقول: إما إن عرفت تلك العلة بالرأي والاجتهاد أو لم تعرف: فإن عرفت: فمن جوز تخصيص النص العام، بالقياس، قبل التخصيص، يجوز بعده بطريق الأولى. وإن (٢) وجد في غير المخصوص ثبت (٣) الحكم فيه ويكون تخصيصًا له. فمن ادعى أن المعنى موجود في الفرع، حتى يكون تخصيصًا له، فعليه الدليل. ومن لم يجوز تخصيص العام قبل الخصوص بالقياس، لم يجوز بعده أيضًا, فلا يلزم عليه هذا الإشكال. وإن (٤) كان معلولا (٥) ولم يقف على العلة، فكان وجودها كعدمها (٦) في حقنا, لأنا لا نكلف ما ليس في وسعنا، وليس في وسعنا إلا معرفة الحاكم من (٧) حيث الظاهر، فيبقى الباقي حجة، لعدم علة الخصوص في حقنا - والله أعلم.
مسألة:
قال علماؤنا ﵏: إن صيغة الجمع بدون الألف واللام نحو
стр. 323
قولنا رجال ونساء، يتناول الثلاثة فصاعدًا، ولا يتناول ما دونها، فأقل الجمع الصحيح الثلاثة.
وقال أصحاب الشافعي، وهو مذهب الأشعرية: أقل الجمع الصحيح اثنان.
وثمرة الخلاف (١) تظهر في فصلين:
أحدهما: راجع إلى الفقه، وهو أن من نذر أن يتصدق بدراهم أو [قال:] "لفلان علي دراهم"- يقع على الثلاثة، ولو نوى ما زاد عليها تصح نيته. ولو نذر أن يتصدق على فقراء أو على مساكين، فصرف (٢) إلى ثلاثة منهم يخرج عن نذره. ولو صرف إلى اثنين كل منهم لا يخرج عن نذره، عندنا (٣) خلافًا لهم.
والثاني: يرجع إلى أصول الفقه. وهو أنه إذا انتهى الخصوص، ولم يبق تحت العام مراد سوى الاثنين أو (٤) الواحد، فإنه لا يبقى العام حقيقة، بل يصير الاسم مجازًا للباقي عندنا. وعندهم يبقى الاثنين حقيقة دون الواحد.
فهم تعلقوا بالسمع، والعة ل، واستعمال أرباب اللسان:
- أما السمع، فما (٥) روي عن النبي ﷺ أنه قال: "الاثنان فما فوقهما جماعة"، وهو أفصح العرب. ولو نقل هذا عن (٦) واحد من الأعراب يكون حجة، فعن (٧) صاحب الشرع أولى.
стр. 324
- وأما العقل، وهو أن الجمع عبارة عن الاجتماع، وهو ضم الشيء إلى مثله (١)، فمعنى الجمع موجود في الاثنين، فيكون جمعًا صحيحًا، وإن كان في الثلاث أكثر - ألا ترى أن الثلاث جمع صحيح، وإن كان معنى الاجتماع، فيما وراء الثلاث، أكثر، والكلام في أقل الجمع. هذا كالجسم: لما كان عبارة عن اجتماع أجزاء وتركيبها (٢)، فأقل الجسم جوهران لوجود معنى الجسمية فيه, وإن كان فيما وراء ذلك أكثر - كذا هذا.
- وأما استعمال أرباب اللسان، فإنهم يستعملون صيغة الجمع في التثنية نحو قولهم (٣): "نحن فعلنا" و"نحن نفعل" ونحو ذلك، في التثنية والجمع جميعًا.
ثم إن (٤) سلمنا أن الاثنين ليس بجمع صحيح وضعًا، ولكنه جمع شرعًا، فإن الشرع أعطى للاثنين حكم الجماعة في باب الميراث والحجب والشهادة ونحوها. قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ (٥) والاثنان من الإخوة يحجبان (٦) الأم من الثلث إلى السدس. وقال: ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾ (٧): أقام الثنتين مقام الجماعة في حق استحقاق الثلثين. وكذا في الوصايا.
ولنا الاستدلال بالسنة، ووضع أهل اللغة:
- أما السنة، فما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "الواحد شيطان والاثنان شيطانان والثلاثة ركب" - فالنبي ﷺ فصل بين التثنية والجمع.
стр. 325
- وأما الوضع، فإن أهل اللغة جعلوا الكلام ثلاثة أقسام: وحدان (١)، وتثنية، وجمع. فقالوا (٢): رجل، ورجلان، ورجال. وقالوا: فعل، وفعلا، وفعلوا (٣). وكذلك قالوا في التأكيد: جاءني زيد نفسه، وجاءني زيدان أنفسهما، وجاءني زيدون أنفسهم. وكذا في النعت: جاءني رجل عالم، ورجلان عالمان. ورجال علماء.
والجواب عن كلماتهم.
- أما الحديث: فإنما أراد به في حق بعض الأحكام في (٤) الميراث والوصية ونحوهما، وما أراد بيان وضع اللغة (٥)، فإنه مبعوث لبيان الأحكام لا لبيان وضع اللغة، فإنه يشاركه كل عربي فلا يظهر الاختصاص (٦)، ألا ترى أنه لم يكن كذلك في حق جميع الأحكام، ولو كان ذلك (٧) من باب الوضع اللغوي، لثبت في حق جميع الأحكام - لما (٨) ذكرنا أن وضع اللغة يخالفه (٩).
-وهو الجواب عن قولهم إنه جمع شرعًا، فنقول: إنه ألحق بالجمع في موضع كان المعنى الذي تعلق به الحكم (١٠) في الجمع موجودًا في التثنية. ولهذا لم يلحق التثنية بالجمع في حق (١١) جميع الأحكام.
стр. 326
- وأما قولهم بأن الجمع عبارة عن الضم والاجتماع وهو موجود في التثنية - بلى! مطلق الجمع ما ذكرتم، ولكن صيغة الجمع وضعت لجمع خاص، وهو ضم الشيء إلى مثليه - عرفنا ذلك بوضع أهل اللغة، ولا يجعل الثلاثة جمعًا مطلقًا (١) من حيث إن فيه معنى الجمع المطلق (٢)، بل من حيث إنه جمع خاص - والله أعلم.
فصل في الخاص (٣)
الكلام ههنا في مواضع:
- في تفسير الخاص لغة وعرفًا. وفي بيان الخصوص، والمخصوص، والمخصوص منه. وفي بيان الفرق بين التخصيص والاستثناء والنسخ في اللغة وفي عرف الشرع.
- وفي بيان حكم الخاص.
- وفي بيان ما يجوز تخصيصه وما لا يجوز.
- وفي بيان ما يجوز به التخصيص وما لا يجوز به.
وما يتصل بها (٤) من المسائل.
[١]
أما الأول
فالخاص في اللغة: عبارة عن المنفرد (٥) - يقال "فلان خاص فلان"،
стр. 327
أي منفرد له. ويقال: "اختص فلان بكذا" أي انفرد به. ومنه "الخصاصة" وهي الحاجة الموجبة (١) للانفراد عن المال وعن أسباب المنال (٢).
وأما في عرف اللغة والشرع - فعبارة عن اللفظ الذي أريد به الواحد معينًا كان أو مبهمًا. فالمعين نحو قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ (٣). والمبهم المطلق (٤) نحو قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ (٥). فالمراد به هو الواحد غير عين. ثم الواحد قد يكون من حيث الجنس كالحيوان بمقابلة النامي (٦)، وإن كان في نفسه عامًا يتناول أنواعًا (٧). وقد يكون واحدًا من حيث النوع كالإنسان بمقابلة الإبل والبقر وإن كان في نفسه أشخاصًا كثيرة. وقد يكون واحدًا من حيث الذات نحو زيد وعمرو، وإن كان أشياء من حيث الأجزاء فيكون خاصًا من وجه وعامًا من وجه، لأن العام والخاص من الأسماء الإضافية.
وأما المخصوص في اللغة -[فـ] مصدر. وهو (٨) يستعمل ملازمًا ومتعديًا. يقال: خص يخص خصوصًا، فهو خاص. وذلك مخصوص.
стр. 328
إلا أنه يذكر ويراد به الخاص إطلاقًا لاسم (١) المصدر على النعت، كما يطلق اسم العموم على العام. وهو مستفيض في اللغة - يقال: رجل عدل أي عادل، قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا﴾ (٢) أي غائرًا.
وأما المخصوص - فهو اسم لما خص من النص العام، أي أخرج منه، بعد ما كان داخلا فيه، من حيث ظاهر اللغة. وقد يطلق المخصوص على النص العام: يقال عام مخصوص، أي مخصوص منه، بحذف حرف "منه"، لوضوحه (٣) اختصارًا.
وأما المخصوص منه - فهو (٤) النص العام الذي أخرج منه (٥) بعضه.
وأما (٦) بيان الفرق بين التخصيص والاستثناء والنسخ:
أما من حيث اللغة: فهو إخراج بعض ما يتناوله (٧) ظاهر النص. إلا أن التخصيص والاستثناء إخراج بعض ما يتناوله (٨) من حيث الأعيان، والنسخ إخراج بعض ما يتناوله من حيث الزمان، إذ النسخ لا يرد إلا فيما يراد به الحكم في بعض الأزمان في موضع صار مطلق الزمان مرادًا، لا (٩) لفظًا - لكن بدليل وراء الصيغة من القرائن.
وأما في عرف لسان الفقهاء: [فـ] التخصيص والاستثناء بيان أن قدر المخصوص والمستثنى غير مراد عن اللفظ العام والمستثنى منه، لا أن
стр. 329
يكون داخلا تحت اللفظ، ثم خرج بالتخصيص والاستثناء، لكن مع صلاحية اللفظ للتناول، بحيث لولا التخصيص والاستثناء لكان داخلا تحت اللفظ.
وأما النسخ - فهو (١) بيان أن مراد الله تعالى ثبوت الحاكم في بعض الأزمان، لا أن كل الزمان كان مرادًا ثم أخرج (٢) بعضه, لأنه يؤدي (٣) إلى التناقض، على ما نذكر في فصل النسخ إن شاء الله تعالى.
وقال بعضهم: التخصيص والاستثناء بيان مقارن، والنسخ بيان متراخ، إلا أن هذا الفرق لا يصح على قول من يجوز تأخير دليل الخصوص، على ما نبين.
[٢]
وأما بيان حكم الخاص
فهو (٤) ثبوت الحكم فيما يتناوله (٥) النص الخاص قطعًا، عند مشايخ العراق.
وبه أخذ القاضي الإمام أبو زيد ﵀ ومن تابعه.
وعلى قول مشايخ سمرقند وأصحاب الشافعي: ثبوت الحكم ظاهرًا - بناء على الأصل الذي ذكرنا:
- أن الفريق الأول اعتبروا ظاهر اللفظ الموضوع، والخاص موضوع لما يتناوله (٦) لغة بطريق الحقيقة والكلام لحقيقته حتى يقوم دليل المجاز، كما قالوا في صيغة (٧) العموم وصيغة الأمر والنهي.
стр. 330
- والفريق الثاني قالوا: إن كل حقيقة تحتمل المجاز، وكل عام يحتمل الخصوص، ومع الاحتمال لا يتصور القطع.
مثاله: قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ (١)، والغسل اسم لفعل معلوم، وهو تسييل الماء على العضو لا غير، فمن شرط النية في الوضوء والغسل وشرط الترتيب في غسل أعضاء الوضوء والولاء (٢) فقد زاد على النص، وهو نسخ، فلا يجوز برخبر الواحد والقياس - هذا على قياس قول مشايخ العراق.
وعند مشايخ سمرقند: هذا (٣) زيادة على النص ظاهرًا لكن الزيادة على النص عندهم بيان، فيجوز بخبر الواحد، ويعرف هذا في باب النسخ.
[٣]
وأما بيان ما يجوز تخصيصه, وما لا يجوز:
أما الذي يجوز تخصيصه فهو اللفظ العام من حيث الصيغة والمعنى، أو من حيث المعنى دون الصيغة - على ما مر بيانه.
وأما ما لا يجوز تخصيصه فكثير. وفي بعضها (٤) خلاف، فنذكر
هذه المسائل:
مسألة - تخصيص اللفظ العام جائز إلى أن ينتهي نهايته.
واختلفوا (٥) فيه:
стр. 331
قال القفال الشاشي (١) وكل من قال إن معنى العموم هو الاجتماع: إن لفظ الجمع بدون الألف والسلام نحو قولهم "رجال" و"نساء" يجوز تخصيصه إلى الثلاث، وإخراج ما دونه عن العام يكون نسخًا. فأما إذا دخله لام التعريف أو كان عامًا من حيث المعنى دون الصيغة فإنه يجوز التخصيص إلى الواحد، ولا يجوز إخراج الواحد إلا بدليل يصلح للنسخ, لأنه نسخ. وهذا بناء على أن شرط العموم هو الجمع (٢) دون الاستيعاب، فيجوز التخصيص إلى الثلاث في المنكر. وعند دخول الألف والسلام تصير للجنس، فيجوز التخصيص إلى (٣) الواحد.
وعند عامة أهل الحديث: إلى الواحد. ويجوز تخصيص الاثنين, لأنه جمع صحيح عندهم.
وعلى قول من شرط الاستيعاب للعموم يجوز التخصيص إلى الواحد، لأنه يتناول كل واحد من المسميات على الانفراد، كلفظ (٤) "من" و "ما"، فلا (٥) يعتبر فيه معنى الجمع مقصودًا - والله أعلم (٦).
مسألة - تخصيص اللفظ العام في موضع الخبر:
جائز عند عامة الفقهاء.
وقال بعضهم: لا يجوز في خبر من لا يجوز عليه الكذب, لأن التخصيص إن كان عاملا بطريق المعارضة يكون فيه نسبة حقيقة الكذب
стр. 332
إلى الله تعالى أو رسوله (١) , لأن الخبر (٢) العام إذا خص يكون خبرًا على خلاف المخبر به (٣) في قدر الخصوص، وذلك حد الكذب. وإن كان عامًا (٤)، بطريق البيان، ففيه نسبة وهم الكذب، فإن السامع إذا كان عربيًا ليس بفقيه، فيظن أنه عام في جميع ما أخبر. وإذا (٥) خص بعضه، وحكمه خلاف حكم خبر العام، فربما يعتقده كذبًا (٦) أو يظنه، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا (٧)، بخلاف الأمر والنهي، لأنه لا يدخل فيهما الصدق والكذب, لأنهما وصفان لازمان للخبر لا غير - وبخلاف خبر من يجوز عليه الكذب فإنه لا يجب صيانته عن الكذب (٨).
ولكن عامة أهل الأصول جوزوا - للنص، والمعقول:
- أما (٩) النص [فـ] قوله تعالى: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ (١٠)، ولم تؤت كل شيء بالإجماع، فإنها لم تؤت ملك سليمان صلوات الله عليه. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى﴾ (١١).
стр. 333
ثم إن آدم صلوات الله عليه عري في الجنة كما قال الله تعالى: ﴿فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾ (١) فهذا (٢) تخصيص الخبر. وكذا قال الله تعالى إخبارًا (٣) عن إبليس اللعين: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ. إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ﴾ (٤): استثنى إبليس، والاستثناء (٥) والتخصيص سواء.
- وأما المعقول، وهو أن التخصيص والاستثناء (٦) من باب البيان، فنبين (٧) أن ذلك غير مراد بالكلام، فإن الاستثناء تكلم بالباقي لغة، على ما نذكر.
وكذا التخصيص: فإن ذكر العام، والمراد منه (٨) الخاص، أغلب وجودًا في استعمال الناس، فلا يؤدي إلى نسبة الكذب ولا وهمه إلى من لا يجوز عليه الكذب. والدليلَ عليه أن من قال: "لفلان علي عشرة دراهم إلا خمسة"، صح، ولا يكون هذا كذبًا ولا فيه وهم الكذب، لما قلنا - فكذا (٩) في التخصيص.
مسألة - اللفظ العام إذا استعمل بطريق المجاز، هل يكون له عموم؟
فقال (١٠) بعضهم: لا عموم له, لأن المجاز ضروري. والثابت بطريق الضرورة (١١) لا عموم له.
стр. 334
وقال عامتهم بالعموم: لأن (١) هذا حكم اللفظ، واللفظ عام، والمجاز يعمل بنفسه، فيجب العمل بعمومه.
وما قالوا إنه ضروري، فليس (٢) هكذا، بل هو من باب البلاغة والفصاحة. ولهذا وجد في كتاب الله تعالى وكلام الرسول ﷺ وكلام سائر البلغاء من الحكماء - فلا يجوز وصفه بالضرورة.
مسألة - لا خلاف أن التخصيص في اللفظ الفرد إذا وجد صريحًا، على طريق (٣) الإطلاق، لا بطريق الضرورة (٤)، لا يجوز, لأنه لا يتصور, لأنه لا بعض له من النوع وإنما بعضه أجزاؤه، واللفظ يعم أجزاء ما تناوله (٥) بطريق التضمن، كالوجه يعم العين والأنف والخد ونحوها، وهذا (٦) ليس باسم عام، و (٧) كالدار تعم السقف والصحن والحوائط ونحوها، وهو ليس (٨) باسم عام, لأنه اسم خاص: إذا ذكر على طريق النكرة غير معرف بالألف والسلام، فلا يتناول نوعه وجنسه، وإنما يتناول أجزاءه بطريق التضمن.
مسألة - النص إذا لم يكن عامًا من حيث اللفظ، ولكنه عام بطريق الدلالة، كقوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ (٩) لا يجوز
стр. 335
تخصيصه, لأن لفظ التأفيف (١) هو المنصوص عليه، وهو ليس بعام، بل هو اسم خاص لمعنى خاص، ولكن (٢) لما كان تحريم التأفيف تحريمًا لكل أذى فوقه من القتل والضرب والشتم ونحوها، بضرورة (٣) العقل، فيكون تخصيص شيء من ذلك مناقضة، بخلاف اللفظ العام, لأن التخصيص بيان أنه غير مراد باللفظ، ولا يجوز أن يكون شيء منه غير مراد، للتناقض. وفي اللفظ العام يجوز أن يكون البعض غير مراد، فلا يؤدي إلى التناقض - وهذا على طريق (٤) من فصل بين دلالة النص والقياس.
وأما (٥) من قال إنه ليس بدلالة النص، ولكنه قياس جلي موجب للعلم قطعًا (٦) في كل أذى، فيكون التخصيص مناقضة أيضًا على ما نذكر في تخصيص القياس (٧).
وأصحاب الشافعي سموا هذا النوع فحوى الخطاب وفحوى النص، ولا مشاحة في العبارة - والله أعلم.
مسألة - دليل الخطاب وما يشبهه لا يقبل التخصيص، عند عامة أصحابنا.
وعند الشافعي، وهو قول بعض أصحابنا، أنه يقبل.
وتفسير دليل الخطاب عندهم هو الحكم (٨) الذي تعلق بالعين بصفة:
стр. 336
يوجد عند وجود ذلك الصفة، وينعدم عند عدمها وينتفي (١). وكذا المعلق بالشرط: يوجد عند وجوده، وينتفي عند عدم الشرط (٢). وكذا في الحكم (٣) الموقت إلى وقت: ينتفى فيما وراء الوقت. وكذا الحكم المتعلق (٤) بعدد معلوم وبمقدار متعين (٥): ينتفى فيما وراء ذلك.
فعندهم: الانتفاء في هذه الواضع مضاف (٦) إلى النص أو مقتضى النص نفيًا عامًا، فيجوز تخصيص ذلك النص (٧).
وعندنا: الانتفاء لا يكون مضافًا إلى النص الوجب، بل عدم الحكم هو الأصل. وإنما يثبت بالدليل، فلا يكون النفي (٨) حكم النص الوجب (٩) حتى يقبل التخصيص.
والمسألة تأتي بعد هذا إن شاء الله تعالى (١٠).
مسألة: المقتضي لا عموم له عندنا, لأن العموم حكم اللفظ، وهو غير مذكور حقيقة. وإنما يجعل موجودًا بطريق الضرورة، لصحة الكلام، فيبقى فيما وراءه على حكم العدم.
стр. 337
وعند الشافعي: المقتضى له عموم - على ما نذكر.
مسألة - القياس هل يجوز تخصيصه؟
فعندنا: لا يجوز تخصيصه (١). وفيه خلاف يذكر في باب القياس.
ولقب المسألة أن تخصيص العلة هل يجوز أم لا؟ والله أعلم.
[٤]
فصل - وأما ما يجوز به التخصيص وما لا يجوز [به]
ههنا فصلان:
أحدهما - بيان ما يثبت (٢) به التخصيص.
والثاني - بيان ما يعرف به التخصيص.
وما يتصل بهما من المسائل التي فيها وفاق أو خلاف (٣).
أما الأول:
فالتخصيص إنما يثبت بإرادة التكلم وبإثباته الحاكم خاصًا، فإن التكلم قد يريد ثبوت (٤) الحكم على العموم، وقد يريد على الخصوص، إلا أن إرادة المتكلم أمر باطن لا يوقف عليه، فلا بد من دليل ظاهر (٥) صالح يدل على إزادة الخصوص، والدليل الصالح هو الدليل الموضوع لمعرفة الخصوص. وهو بيان:
стр. 338
الفصل الثاني - وهو ما يعرف به التخصيص:
وذلك (١) نوعان: متصل ومنفصل، فنبدأ بالمتصل ثم بالمنفصل، ونذكر (٢) في كل فصل مسائل:
أما المتصل (٣):
فأنواع أربعة: الصفة، والشرط، والغاية، والاستثناء
مثال الصفة - قول الرجل لغيره: "أكرم الرجال الطوال" - لولا قوله (٤) "الطوال" لوجب إكرام الرجال عامًا. فقران لفظ "الطوال" بالرجال أوجب اختصاص (٥) الإكرام بالموصوف بصفة الطول (٦).
ومثال الشرط - أن يقول: "أكرم الرجال إذا دخلوا المسجد" أو "إن دخلوا" - قوله: "أكرم الرجال" عام، وقوله: "إذا دخلوا" أوجب الخصوص حتى يجب عليه إكرام من وصف بالدخول في المسجد لا غيره
ومثال الغاية - قول الرجل: "أكرم بني تميم إلى شهر رمضان"، فقوله: "أكرم بني تميم" يقتضي وجوب إكرام بني تميم عامًا في جميع الأزمان. وقوله: "إلى رمضان" (٧) أوجب الخصوص حتى لا يجب الإكرام بعد انتهاء (٨) شهر رمضان بحكم هذا الكلام.
ومثال الاستثناء - قول الرجل: "أكرم أهل قرية كذا إلا زيدًا"
стр. 339
لولا قوله: "إلا زيدًا" لوجب عليه (١) إكرام جميع أهل القرية ثم خص من جملتهم "زيد" بالاستثناء.
وهذا الذي ذكرنا قول عامة أهل الأصول.
وقال بعض الفقهاء بأن هذه الأشياء الأربعة لا تكون تخصيصًا, لأن دليل التخصيص ما يكون كلامًا مفيدًا (٢) في نفسه لو انفرد، وحكمه خلاف حكم الأول، كقوله ﷺ (٣): "لا تقتلوا أهل الذمة" مقارنًا (٤) لقوله تعالى (٥): ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ (٦). وهذه الأشياء الأربعة من نفس الكلام وبعضه، فإن المتكلم تكلم على هذا الوجه من الابتداء إلا أن الكلام يتم بآخره، فإنه أراد إكرام الرجال الموصوفين بصفة الطوال (٧)، لا إكرام مطلق الرجال. وكذا أراد إكرام الرجال الموصوفين (٨) بالدخول في المسجد دون المطلق. وكذا أراد إكرام جماعة إلى غاية معلومة. وكذا فيَ الاستثناء: أراد إكرام من لا يتسمى (٩) باسم زيد من أهل القرية.
فثبت أن هذه الأربعة من نفس الكلام، ولا يفيد وحده شيئًا: فإن قوله: "إلا زيدًا" لا يفيد بنفسه. وكذا الصفة، والشرط، والغاية: لا يفيد وحدها.
стр. 340
ولأن التخصيص هو إخراج بعض ما يتناوله العام بحيث لو خرج يبقى اللفظ العام معمولا به في الباقي، كما في قوله تعالى (١): ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ (٢)، فإذا خص أهل الذمة يبقى (٣) النص معمولا به في الباقي. وفي هذه الأشياء إذا أريد به الخاص لم يبق اللفظ العام بنفسه معمولا به أصلا، بل يكون (٤) الحكم للموصوف.
ولكن الصحيح هو الأول:
- وما ذكروا من كون دليل التخصيص مفيدًا بنفسه لو شرط هذا، إنما يشترط في التخصيص بكلام منفصل، والكلام (٥) في التخصيص المتصل، حتى يصير بعض الكلام، وبعض الكلام لا يفيد معنى جميعه. ولأن هذا الكلام إنما يستقيم (٦) ممن يدعي عمل دليل الخصوص بطريق المعارضة. وهذه الأشياء الأربعة لا يستقل بنفسها، فلا يجوز أن تعمل (٧) بطريق المعارضة (٨)، ولكن القول بطريق المعارضة فاسد، لأنه إذا كان مقارنًا لا يمكن إعماله بطريق النسخ، فيكون فيه مناقضة، ولا تناقض في دلائل الشرع، فيجب (٩) القول بطريق البيان ضرورة. وهذه الأشياء تصلح بيانًا، فيصلح (١٠) مخصصًا، والدليل المنفصل يصلح مخصصًا، لكونه بيانًا لا لكونه منفصلا.
стр. 341
- قوله: إن بعد الخصوص يجب أن يبقى اللفظ العام عاملا في الباقي (١)، فليس كذلك، فإن قوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ (٢) موجبه وجوب قتل جميع المشركين مطلقًا. ثم إذا خص منه أهل الذمة لم يبق العام عاملا في إباحة قتل المشركين مطلقًا, لأنه يؤدي إلى التناقض، ولكن بدليل الخصوص صار العام مقيدًا (٣) بوصف الحراب، فيكون عامًا يراد به الخاص، وهو قتل المشركين المحاربين من الابتداء، كما في هذه الفصول: يصير الكلام متناولا للموصوف بالصفة، فلا فرق بينهما في المعنى، وتبين بهذا أن الخصوص ليس هو إخراج بعض ما يتناوله العام لفظًا بل هو إثبات اللفظ خاصًا من الابتداء بإثبات زيادة قيد في العام، فيكون المراد من النص هو العام المخصوص بصفة المقيد بقيد، كأنه قال: اقتلوا المشركين المحاربين، فلم يكن غير المحاربين مرادًا بهذا النص من الابتداء (٤) - والله أعلم بالصواب.
مسألة - الاستثناء المتصل صحيح بالإجماع، ويكون بيانًا أن المراد هو الباقي، كما إذا قال: "لفلان علي عشرة دراهم إلا درهمًا" كأنه قال: "لفلان علي تسعة".
وأما الاستثناء المنفصل فليس بصحيح عند عامة الفقهاء.
وروي عن عبد الله بن عباس ﵁ أنه قال (٥): يصح.
وبه قال بعض الناس، وقاسوا على التخصيص المتراخي: أنه جائز بطريق البيان، فكذلك الاستثناء المتراخي، تسوية بينهما، كما في الاستثناء المقارن، والتخصيص المقارن.
стр. 342
والعامة يقولون: إن الاستثناء من باب اللغة، وهم لم يتكلموا بالاستثناء المنفصل فإن من قال: "لفلان علي ألف درهم" ثم قال بعد ذلك بيوم "إلا خمسة" (١) يضحك عليه.
ولم يصح الرواية عن ابن عباس: فإنه من أرباب اللغة.
فأما في التخصيص المتراخي: فأهل (٢) اللغة قد يتكلمون بالعام ثم يقولون بعد ذلك: إنا نريد بالعام الخاص، وهو مستعمل عندهم. وفي كتاب الله تعالى كثير الوجود.
على أن التخصيص المتراخي إنما يجوز إذا كان المتكلم، وقت التكلم بصيغة العام، يريد به الخاص. وفي الاستثناء المنفصل إذا أراد المتكلم بصيغة العموم البعض وقال: "استثنيت بقلبي وما أردت به العموم"، يصدق أيضًا، فيما بينه وبين الله تعالى.
وعلى هذا الوجه ارتفع الخلاف من حيث المعنى. وإنما الخلاف في هذا أن الاستثناء المنفصل ليس باستثناء, لأنه ليس من باب اللغة، بخلاف التخصيص المنفصل (٣).
مسألة - لا خلاف أن الاستثناء إذا كان من جنس المستثنى منه يكون استثناء حقيقة.
فأما إذا (٤) كان بخلاف جنس المستثنى منه، نحو أن يقول (٥): "لفلان علي عشرة أثواب إلا دينارًا" ونحو ذلك - هل يكون استثناء حقيقة أو مجازًا؟
стр. 343
قال (١) بعضهم: ليس بحقيقة، ولكن مجاز عن حرف "لكن".
وقال بعضهم: هذا استثناء حقيقة, لأن هذا مستعمل فيما بين أرباب اللغة - قال قائلهم:
وبلدة ليس بها أنيس ... إلا اليعافير وإلا العيس (٢)
وفي كتاب الله تعالى كثير - قال الله تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا﴾ (٣)، والسلام ليس من جنس اللغو. وقال تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ (٤) وهو من الجن لا من الملائكة.
وقال بعضهم: يمكن أن يجعل من جنس المستثنى منه، بأن زيد في المستثنى منه شيء، أو نقص (٥) عنه شيء، أو زيد في المستثنى أيضًا - كما في قوله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ فزيد على المستثنى منه، كأنه قال: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ ومن أمر بالسجود له إلا إبليس، فيكون استثناء إبليس من المأمورين (٦) بالسجود له، لا من الملائكة أنفسها - فكذا (٧) في قوله: "لفلان علي عشرة أثواب إلا دينارًا" أي: "عشرة أثواب قيمتها كذا دينارًا إلا دينارًا" أو "علي عشرة أثواب إلا ثوبًا قيمته دينار".
стр. 344
ثم على قول هؤلاء إذا صار المستثني من جنس المستثنى منه بالزيادة أو النقصان - هل يكون استثناء حقيقة؟
قال بعضهم: يكون مجازا، لأن الزيادة على الكلام والنقصان عنه من باب المجاز، لأنه خلاف ظاهر الكلام.
وقال بعضهم: إن الزيادة والنقصان من باب الإضمار والحذف، وذلك منطوق به (١) لغة، على طريق الاختصار - على ما نذكر في فصل الإضمار والاقتضاء، إن شاء الله تعالى، والله أعلم.
مسألة - استثناء الكثير من القليل (٢) استثناء صحيح عند عامة الفقهاء.
وقال بعضهم: لا يصح.
وصورته: إذا قال "لفلان علي ألف درهم إلا تسعمائة وتسعة وتسعين درهماً".
ولكن الأصح أن الخلاف في أن هذا الاستثناء ليس بمستحسن في اللغة عند العامة، لأنه لاستدراك (٣) الغلط في أصل الوضع (٤). ومثل هذا الغلط نادر.
والفريق الآخر يقولون: إنه قد يقع في الجملة، لأن النسيان مما جبل عليه الإنسان.
стр. 345
أما (١) ينبغي أن يصح الاستثناء، لأنه تكلم بالباقي بعد الثنيا على مانذكر.
مسألة - الجمل المعطوف بعضها على بعض بكرف الواو، وكل جملة كلام تام في ففسه، بأن كان مبتيدأ وخبراً، وألحق الاستثناء تأخرها، بأن قال: "لزيد علي ألف درهم ولعمرو علي ألف درهم ولمحمد علي ألف درهم إلا خمسمائة " - ما حكمها؟
قال أصحابنا: إن الاستثناء نصرف إلى الجملة الأخيرة.
وعلى قول الشافعي: ينصرف إلى الكل.
وأجمعوا أن الشرط، أو مشيئة الله تعالى، إذا ذكر في آخر الجمل المعطوفة (٢) بحرف الواو: فإنه ينصرف إلى جميع ما سبق، بأن قال: "عبده حر، وامرأته طالق، وعليه الحج إلى بيت الله تعالى - إن دخل (٣) هذه الدار" أو قال في آخره: "إن شاء الله تعالى".
وعلى هذا يبتنى مسألة المحدود في القذف بعد التوبة - فإن الله تعالى قال: "والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا" (٤) - فالاستثناء ينصرف إلى ما يليه، وهو الفسق عنذنا. وعند الشافعي إلى جميع ما سبق فب خرج المحدود التائب في حق رد الشهادة عن ظاهر النص - والمسألة طويلة ذكرت في الشرح.
مسألة - الاستثناء يعمل بطريق المعارضة أو بطريق البيان؟
قال بعض مشايخنا: في المسألة خلاف:
стр. 346
على قولنا: بطريق البيان.
وعلى قول الشافعي: بطريرق المعارضة. ولا نص عن الشافعي ﵀، ولكن استدلوا بمسائل تدل على ذلك.
بيانه أنه (١) إذا قال: "لفلان علي عضرة دراهم (٢) إلا خمسة" معناه: لفلان علي عشرة إلا خمسة فإنها ليست علي، فيصير النفي معارضاً للإثبات.
ولكين الصحيح أن لا يكون في بهذا خلاف بين أهل الديانة، لأنه خلاف إجماع أهل اللغة، وخلاف إجماع المسلمين:
- أما الأول: فإن أهل اللغة قالوا: الاستثناء استخراج بعض ما تكلم به.
وقيل: الاستثناء تكلم بالباقي بعد الثنيا، والمعارضة تكون بين الحكمين المتضادين مع بقاء الكلام، وهو غير استخراج بعض الكلام والتكلم بالباقي.
- وأما بيان خلف إجماع المسلمين: فإن الاستثناء مقارن للمستثنى منه تكلماً، فلا يمكن القول فيه بالتناسخ، فلو (٣) لم يجعل بياناً يؤدي إلى التناقض في كلام الله تعالى وفي دلائله وفي التخصيص المقارن يجعل بياناً لهذه الضرورة، وفي التخصيص المتأخر يجعل بياناً عند البعض ونسخاً عند البعض بطريق البيان أيضاً، إذ لو قيل بخلافه يؤدي إلى البداء (٤) والغلط على ما يعرف في باب النسخ.
ومسائل الشافعي ﵀ يخرج كلها على طريق البيان.
стр. 347
وإنما حمل هؤلاء (١) على جعل هذه المسألة ت تلفة، إشكالات تتراءى (٢) أنها من باب المعارضة، وليس كذلك، وقد ذكرت في الجملة (٣) في شرح المختصر - والله الموفق.
فصل- في بيان الدليل المنفصل عن العام (٤):
وهو نوعان: عقلي وسمعي.
والعقلي (٥) نوعان: قطعي، وهو ما يعرف. بمجرد العقل. والآخر ليس بقطعي، وهو القياس الشرعي.
والسمعي أيضاً نوعان: قطعي، وليس في قطعي - على ما سبق ذكره (٦).
مسألة - الدليل العقلي يصلح مخصصاً، ويكون ذلك تخصيصاً عند عامة الفقهاء وأهل الأصول.
وقال بعضهم: لا يجوز التخصيص به، ولا يكون هذا وتخصيصاً، بل يتعارض الدليلان، فيتوقف إلى أن يرد دليل سمعي، يخص به. نظير ذلك قو له تعالى: "أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة (٧) ": خص منها الصبيان والمجانين بالدليل العقلي (٨)، لأن العقل يأبى خطاب من لا يفهم، وخطاب العاجز عن الفعل، وهو تكليف ما ليس في وسع المخاطب.
стр. 348
وحجتهم أن الدليل العقلي سابق، والتخصيص يكون بالدليل المقارن أو المتأخر، على ما اختلفوا فيه، ولأن الدليل العقلي قطعي، والسمعي قطعي، وليسا من باب الكلام، حتي يجعل المراد من العام الخاص، فيجب التوقف في ذلك، بخلاف ما إذا كانا سمعيين، لأن الكلام من جنس الكلام، فيجعل الكلامان كلاماً واحداً، ويصير متكلماً بما سوى المخصوص، والتكلم بالعام ويراد به الخاص جائز، كما في الاستثناء.
فأما عامة الفقهاء [فـ] قالوا: إن الصبيان والجانين هل أريدوا بقوله تعالى: "أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة" (١) ودخلوا تحته أم لا؟ فإن قلتم: نعم، فهذا محال عقلا، وهو تكليف من لا يفهم، وتكليف العاجز. وإن قلتم: لا، وعرفنا بالعقل أنهم ما كانوا مرادين بهذا النص، فهذا تفسير التخصيص عندنا. وإن (٢) كنتم لا تسمونه (٣) تخصيصاً، فنحن نسميه تخصيصاً، ومرادنا من التخصيص هذا أن النص العام يراد ول الخاص ولا منازعة في العبارة. فإن قاتم: نتوقف، فهو باطل، لأن العقل يقتضي أنهم غير داخلين تحت الخطاب، فلا يجوز القول بالتوقف من غير دليل.
قولهم: إن الدليل العقلى (٤) قطعي، وهو سابق - فنقول: الدليل ما يكون معرفاً للحكم المطلوب، سواء كان سابقاً أو مقارناً أو متأخراً، فإن الخاص إذا كان سابقاً [فـ] قد يكون محصصاً للعام عند بعض أصحابكم، وهو دليل قطعي سابق، على أن كل سابق مقارن، فيجوز (٥) التخصيص به من حيث إنه مقارن، لا من حيث إنه سابق.
стр. 349
قولكم: إنهما (١) من جنس الكلام، فتصير قرينة، ويصيران (٢) بمنزلة كلام واحد، ضرورة العمل بالدليلين، فنقول: ما ذكرتم طريق ودليك لعرفة أن (٣) "المراد من العام الخاص، والعقل دليل على أن المراد من العام الخاص، فيكون (٤) ذلك حقيقة أو مجازاً على ما مر، فيكون عملا با إلى ليلين، لتعذر القول بالتناسخ، لكون الدليل سابقاً أو مقارناً، فلا فرق بينهما من حيث المعنى.
مسألة - التخصيص بالقياس الشرعي، هل يجوز؟
قال بعض أهل الحديث الذين قالوا: كل مجتهد مصيب - إنه جائز (٥).
وهو قول المعتزلة، سواء خص منه (٦) بعضه أو لم يخص.
فاتفقوا في الجواب مع اختلاف الطريق:
فالمعتزلة: مع أن عندهم العام يوجب العلم قطعاً، ولكن القياس عندهم دليل قطعي، فجوزوا التخصيص به وبنوا (٧) على أصلهم أن القياس دليل قطعي، لأن المجتهد مصيب على كل حال، وقالوا: إن على قضة الأصل، الذي ذكرنا، ينبغي أن يجوز النسخ به، إلا أنه امتنع شرعاً، بدليل سمعي، وهو إجماع الأمة.
وقال مشايخ العراق: لا يجوز، لأن العام عندهم موجب للعلم قطعاً، والقياس الشرعي فيه احتمال، فلا يصلح مخصصاً، وسووا بين العام
стр. 350
الذي خص بعضه إذا كان المخصوص معلوماً، وبين العام الذي لم يخص منه شيء.
وعلى قياس قول أصحاب الشافعي: يجوز، لأن العام عندهم غير موجب العلم (١)، فهو نظير القياس من هذا الوجه.
وأما مشايخ سمرقند: [فـ] لم يرو عنهم، نصاً، أنهم يجوزون أم لا. فلو (٢) قيل بالجواز على أصلهم لا يبعد. ولكن الأصح عندهم أنه لا يجوز، وإن كان في النص العام احتمال، لأن الاحتمال في القياس أكثر، والاحتمال على مراتب؛ بعضه فوق بعض - أليس أن خبر الواحد محتمل، وهو مقدم على القياس لما ذكرنا - فكذا هذا.
وقال مشايخ العراق: لا يجوز، لأن العام عندهم يوجب العلم قطعاً، والقياس الشرعي فيه احتمال، فلا يصلح تخصيصاً (٣).
وبعض المشايخ (٤) فرقوا بين العام المخصوص وبين العام الذي لم يخص، وجوزوا تخصيص المخصوص، دون الذي لم يخص منه، ولم يتضح الفرق - والله أعلم.
مسألة - أما التخصيص بالدليل السمعي:
فإن كانا مثلين: يجوز، كتخصيص الكتاب بالكتاب، وتخصيص الخبر (٥) المتواتر بالمتواتر، وتخصيص الكتاب بالخبر المتواتر، والمتواتر بالكتاب.
стр. 351
نظير الكتاب بالكتاب قوله تعالى: "والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً" (١) عام خص منه الحامل بقوله تعالى: "وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن" (٢).
ونظير تخصيص (٣) الكتاب بالخبر المتواتر قوله تعالى: "يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين" (٤): خص منه القاتل والكافر، بقوله ﵇: "لا يورث القاتل (٥) بعد صاحب البقرة "، وقال ﵇: "لا يتوارث أهل ملتين شتى".
وكذا يجوز الخصيص بفعل النبي ﷺ ، فإن الله تعالى قال: "الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة" (٦) - فهذا عام، خص منه المحصن (٧)، بفعل النبي ﷺ حيث رجم ماعزاً.
وكذا يجوز بالإجماع، نظيره قوله تعالى في الإماء: "فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب" (٨) خص الإماء عن آية الزنا في إيجاب الجلد (٩) مائة، حيث يجب عليهن خمسون. ثم خص آية الجلد في حق العبيد، بإجماع الأمة، حتى تنصف في حقهم.
وأما تخصيص الكتاب والمتواتر بخبر الواحد:
فعلى قياس قول المعتزلة: جائز، كما في القياس، إلا أن النسخ لا يجوز به شرعاً.
стр. 352
وعلى قياس قول الشافعي ﵀: جائز (١).
وبعض مشايخنا فرقوا بين عام خص بعضه، وعام لم يخص - فجوزوا تخصيص المخصوص بعضه به، ولم يجوزوا تخصيص غير المخصوص به.
وعلى قياس قول مشايخ العراق: لا يجوز إذا كان عاماً لم يخص، أو خص، والمخصوص معلوم.
وعلى قول مشايخ سمرقند: إن قيل إنه (٢) يجوز: فلا بأس. والأصح أنه لا يجوز، لأن الاحتمال في خبر الواحد فوق الاحتمال في العام - والله أعلم (٣).
مسألة - العام هل يبنى (٤) على الخاص أم لا؟
اختلف أهل الأصول فيه:
قال مشايخ العراق من أصحابنا: إن العام لا يبنى (٥) على الخاص، بل يقضي العام على الخاص. وتفسير هذا:
إذا ورد النصان (٦): عام وخاص: إما إن عرف تاريخهما أو لم يعرف:
- فإن عرف تاريخهما، وبين النصين زمان يصح فيه التناسخ، بأن كان يمكان فيه الاعتقاد والعمل أو الاعتقاد لا غير، على حسب ما اختلف فيه: [فـ] إن كان الخاص سابقاً والعام متأخراً: فإنه ينسخ
стр. 353
الخاص به. كان كان العام سابقاً والخاص متأخراً: فإنه ينسخ العام بقدر الخاص، ويبقى الباقي.
- وأما إذا ورد النصان معاً، أو كان بينهما زمان لا يصح فيه النسخ: فإنه يبنى (١) العام على الخاص، على طريق البيان، فيكون المراد من العام ما وراء المخصوص.
هذا قول مشايخ العراق. وهو قول القاضي الإمام (٢) أبي زيد ﵀، ومن تابعه من ديارنا.
وقال أصحاب الشافعي بأنه يبنى (٣) العام على الخاص في الفصلين، حتى إن الخاص إذا كان سابقاً والعام لاحقاً يكون الخاص (٤) مبيناً للعام، ويكون المراد من العام ما وراء قدر المخصوص (٥) بطريق البيان، لا أن (٦) العام المتأخر ينسخ الخاص.
وعلى قول مشايخ سمرقند: كذلك الجواب (٧) فيما إذا لم يكن بينهما زمان يصلح للنسخ. فأما إذا كان بينهما زمان يصح فيه التناسخ: قالوا: يتوقف في حق الاعتقاد، ويعمل والنص العام بعمومه، ولا يبنى (٨) على الخاص، لأن عندهم العام لا يوجب العلم قطعاً، لاحتمال الخصوص، والخاص كذلك لاحتمال المجاز، فلابد من التوقف، أو يحتمل أن
стр. 354
يكون النص الآخر بطريق البيان. ويجوز أن يكون بطريق النسخ فلا يقطع (١) القول بأحدهما، ولكن في حق العمل يجب العمل بالعام، ولا يترك العمل بقدر الخاص على ما نذكر هذا إلى بعده (٢) في أوضح منه.
والشافعي ﵀ (٣) يقول: إن العام والخاص سواء في أن كل واحد كل منهما لا يوجب العلم قطعاً وبين النصين تناف، لكن العمل بالخاص أولى، لأنه أقوى، لأن الاحتمال فيه أقل، لأنه يحتمل المجاز لا غير. فأما العام [فـ] يحتمل الخصوص ويحتمل المجاز، فما كان أقل احتمالا فهو أقوى، فيكون أولى، بمنزلة خبر الواحد مع القياس. ولهذا إذا وردا معاً، فالعمل بالخاص أولى.
و (٤) أما أصحابنا من مشايخ العراق [فـ]، قالوا: إن النص العام المتأخر يوجب العلم قطعاً. والخاص كذلك. وحكمهما مختلف. فيجب (٥) أن يكون التأخر ناسخاً للمتقدم عند وقوع التعارض من حيث الظاهر، دفعاً للتناقض والتعارض عن دلائل الله تعالى، ويكون هذا عملا بالدليلين: بالخاص والعام (٦) جميعاً، لأن الخاص كان موجباً في بعض الأزمان، والعام التأخر يكون موجباً في المستقبل فيما يعارضه الخاص ظاهراً، وفيما ذكر الخصم يكون عملا بالخاص فيما مضى وفي المستقبل، وتركاً للعمل (٧) في النص العام في حق هذا الحاكم أصلا، فإنه يبين أنه لم يكن
стр. 355
مراداً به (١)، وإن كان ظاهر النص تناوله، ولا شك أن العمل بالدليلين أولى من العمل بأحدهما وتعطيل الآخر بخلاف ما إذا وردا معاً أو في حكم المقارن، لأنه (٢) لا يمكن العمل بالدليلين ثمة، لأنه لا يحتمل النسخ، ولا وجه إلى القول بالتضاد والتناقض في أحكام الله تعالى (٣)، وأمكان رفع التناقض بجعل النص (٤) الخاص قرينة للعام، بمنزلة الاستثناء، من فيكون تكلماً بالباقي، فلم يكن العام (٥) موجباً للحكم في مقدار الخصوص، بخلاف المتأخر - فهو الفرق بركان الفصلين، وهو واضح. هذا إذا عرف تاريخه (٦).
وأما إذا كان لا يعرف التاريخ: فيجوز أنهما وردا معاً. ويجوز أن يكون أحدهما متأخراً. أو عرف أن بينهما زماناً يجوز فيه التناسخ، لكن لا يعرف السابق في من اللاحق.
فعلى قول الشافعي ﵀: لا يختلف الجواب، والعمل بالخاص أولى، لما قلنا من المعنى.
وعلى قول مشايخ العراق: يتوقف إلى أن يوجد دليل الرجحان لأحدهما. وقبل وجود المرجح يتوقف لقيام التعارض ظاهراً.
وبعض مشايخنا ﵏ قالوا: إنه إذا كان لا يعرف السابق من اللاحق، ولا القرآن من التأخر (٧) من جعل كأنهما وردا معاً، كما في