← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 19237

ميزان الأصول في نتائج العقول

علاء الدين السمرقندي

Полный текст (813 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

نظير الكتاب بالكتاب قوله تعالى: "والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً" (١) عام خص منه الحامل بقوله تعالى: "وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن" (٢). ونظير تخصيص (٣) الكتاب بالخبر المتواتر قوله تعالى: "يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين" (٤): خص منه القاتل والكافر، بقوله ﵇: "لا يورث القاتل (٥) بعد صاحب البقرة "، وقال ﵇: "لا يتوارث أهل ملتين شتى". وكذا يجوز الخصيص بفعل النبي ﷺ ، فإن الله تعالى قال: "الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة" (٦) - فهذا عام، خص منه المحصن (٧)، بفعل النبي ﷺ حيث رجم ماعزاً. وكذا يجوز بالإجماع، نظيره قوله تعالى في الإماء: "فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب" (٨) خص الإماء عن آية الزنا في إيجاب الجلد (٩) مائة، حيث يجب عليهن خمسون. ثم خص آية الجلد في حق العبيد، بإجماع الأمة، حتى تنصف في حقهم. وأما تخصيص الكتاب والمتواتر بخبر الواحد: فعلى قياس قول المعتزلة: جائز، كما في القياس، إلا أن النسخ لا يجوز به شرعاً.

стр. 352

وعلى قياس قول الشافعي ﵀: جائز (١). وبعض مشايخنا فرقوا بين عام خص بعضه، وعام لم يخص - فجوزوا تخصيص المخصوص بعضه به، ولم يجوزوا تخصيص غير المخصوص به. وعلى قياس قول مشايخ العراق: لا يجوز إذا كان عاماً لم يخص، أو خص، والمخصوص معلوم. وعلى قول مشايخ سمرقند: إن قيل إنه (٢) يجوز: فلا بأس. والأصح أنه لا يجوز، لأن الاحتمال في خبر الواحد فوق الاحتمال في العام - والله أعلم (٣). مسألة - العام هل يبنى (٤) على الخاص أم لا؟ اختلف أهل الأصول فيه: قال مشايخ العراق من أصحابنا: إن العام لا يبنى (٥) على الخاص، بل يقضي العام على الخاص. وتفسير هذا: إذا ورد النصان (٦): عام وخاص: إما إن عرف تاريخهما أو لم يعرف: - فإن عرف تاريخهما، وبين النصين زمان يصح فيه التناسخ، بأن كان يمكان فيه الاعتقاد والعمل أو الاعتقاد لا غير، على حسب ما اختلف فيه: [فـ] إن كان الخاص سابقاً والعام متأخراً: فإنه ينسخ

стр. 353

الخاص به. كان كان العام سابقاً والخاص متأخراً: فإنه ينسخ العام بقدر الخاص، ويبقى الباقي. - وأما إذا ورد النصان معاً، أو كان بينهما زمان لا يصح فيه النسخ: فإنه يبنى (١) العام على الخاص، على طريق البيان، فيكون المراد من العام ما وراء المخصوص. هذا قول مشايخ العراق. وهو قول القاضي الإمام (٢) أبي زيد ﵀، ومن تابعه من ديارنا. وقال أصحاب الشافعي بأنه يبنى (٣) العام على الخاص في الفصلين، حتى إن الخاص إذا كان سابقاً والعام لاحقاً يكون الخاص (٤) مبيناً للعام، ويكون المراد من العام ما وراء قدر المخصوص (٥) بطريق البيان، لا أن (٦) العام المتأخر ينسخ الخاص. وعلى قول مشايخ سمرقند: كذلك الجواب (٧) فيما إذا لم يكن بينهما زمان يصلح للنسخ. فأما إذا كان بينهما زمان يصح فيه التناسخ: قالوا: يتوقف في حق الاعتقاد، ويعمل والنص العام بعمومه، ولا يبنى (٨) على الخاص، لأن عندهم العام لا يوجب العلم قطعاً، لاحتمال الخصوص، والخاص كذلك لاحتمال المجاز، فلابد من التوقف، أو يحتمل أن

стр. 354

يكون النص الآخر بطريق البيان. ويجوز أن يكون بطريق النسخ فلا يقطع (١) القول بأحدهما، ولكن في حق العمل يجب العمل بالعام، ولا يترك العمل بقدر الخاص على ما نذكر هذا إلى بعده (٢) في أوضح منه. والشافعي ﵀ (٣) يقول: إن العام والخاص سواء في أن كل واحد كل منهما لا يوجب العلم قطعاً وبين النصين تناف، لكن العمل بالخاص أولى، لأنه أقوى، لأن الاحتمال فيه أقل، لأنه يحتمل المجاز لا غير. فأما العام [فـ] يحتمل الخصوص ويحتمل المجاز، فما كان أقل احتمالا فهو أقوى، فيكون أولى، بمنزلة خبر الواحد مع القياس. ولهذا إذا وردا معاً، فالعمل بالخاص أولى. و (٤) أما أصحابنا من مشايخ العراق [فـ]، قالوا: إن النص العام المتأخر يوجب العلم قطعاً. والخاص كذلك. وحكمهما مختلف. فيجب (٥) أن يكون التأخر ناسخاً للمتقدم عند وقوع التعارض من حيث الظاهر، دفعاً للتناقض والتعارض عن دلائل الله تعالى، ويكون هذا عملا بالدليلين: بالخاص والعام (٦) جميعاً، لأن الخاص كان موجباً في بعض الأزمان، والعام التأخر يكون موجباً في المستقبل فيما يعارضه الخاص ظاهراً، وفيما ذكر الخصم يكون عملا بالخاص فيما مضى وفي المستقبل، وتركاً للعمل (٧) في النص العام في حق هذا الحاكم أصلا، فإنه يبين أنه لم يكن

стр. 355

مراداً به (١)، وإن كان ظاهر النص تناوله، ولا شك أن العمل بالدليلين أولى من العمل بأحدهما وتعطيل الآخر بخلاف ما إذا وردا معاً أو في حكم المقارن، لأنه (٢) لا يمكن العمل بالدليلين ثمة، لأنه لا يحتمل النسخ، ولا وجه إلى القول بالتضاد والتناقض في أحكام الله تعالى (٣)، وأمكان رفع التناقض بجعل النص (٤) الخاص قرينة للعام، بمنزلة الاستثناء، من فيكون تكلماً بالباقي، فلم يكن العام (٥) موجباً للحكم في مقدار الخصوص، بخلاف المتأخر - فهو الفرق بركان الفصلين، وهو واضح. هذا إذا عرف تاريخه (٦). وأما إذا كان لا يعرف التاريخ: فيجوز أنهما وردا معاً. ويجوز أن يكون أحدهما متأخراً. أو عرف أن بينهما زماناً يجوز فيه التناسخ، لكن لا يعرف السابق في من اللاحق. فعلى قول الشافعي ﵀: لا يختلف الجواب، والعمل بالخاص أولى، لما قلنا من المعنى. وعلى قول مشايخ العراق: يتوقف إلى أن يوجد دليل الرجحان لأحدهما. وقبل وجود المرجح يتوقف لقيام التعارض ظاهراً. وبعض مشايخنا ﵏ قالوا: إنه إذا كان لا يعرف السابق من اللاحق، ولا القرآن من التأخر (٧) من جعل كأنهما وردا معاً، كما في

стр. 356

الغرقى والحرقى في حق الميراث: يجعل كأن الموت حصل جملة في حالة واحدة، حتى لا يرث بعضهم من بعضهم. وهو (١) فاسد على قول مشايخ العراق، وعلى (٢) قول من يقول إن العام يوجب تناول كل فرد كأنه نص عليه: لأنه يجوز أن يكون أحدهما متأخراً فيكون ناسخاً، فلا يجوز أن يكون تخصيصاً، لأن تخصيص المتأخر عندهم لا يجوز. ويجوز أنهما وردا معاً، فيكون تخصيصاً، فلا يحمل على أحدهما بالشك، فيجب التوقف. وكذا على قول مشايخنا: لاحتمال النسخ، على ما ذكرنا، فيتوقف في الاعتقاد دون العمل، وإن كان يجوز تخصيص المتراخي عندهم (٣). والله أعلم. مسألة - الكلام في (٤) العام إذا لحقه خصوص في آخره في بعض ما تناوله النص - هل يوجب سلب (٥) عموم أوله أم لا؟ قال عامة الفقهاء: لا يوجب. وقال بعض أصحابنا: إنه يوجب، ويصير النص العام (٦) خاصاً من الابتداء في حق من يصح الخصوص في حقه. ولا يبقى العام موجباً للحكم في حق من لا يصح في حقه الخصوص.

стр. 357

وعند مشايخ سمرقند كذلك (١). وإنما يثبت الحكم في حقهم بدليل آخر إن كان، وإلا فيبقى على أصل العدم. وهو قول أصحاب (٢) الشافعي. ويستوي الجواب فيما إذا كان التخصيص بالاستثناء، أو بالشرط، أو بالصفة (٣)، أو بكلام منفصل (٤) مقارن له. نظير الاستثناء قوله تعالى: "وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون" (٥) - "لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعاً بالمعروف حقاً على المحسنين" (٦). [فـ] ظاهر النص وعمومه (٧) يقتضي تنصف المفروض في الطلاق قبل المسيس في حق جميع النساء، صغيرة كانت الأنثى أو بالغة، مجنونة أو عاقلة، حرة أو أمة، ثم قوله: "إلا أن يعفون" استثناء خاص في حق البالغة العاقلة الحرة. فعند العامة: اختص الاستثناء في حق هؤلاء، في حق هذا الحكم، وهو صحة العفو، وبقي صدر النص عاماً في حق تنصف المفروض بالطلاق (٨) في حق كل النساء.

стр. 358

وعند الفريق الثاني: لما اختص الاستثناء بهؤلاء ت دون الصغيرة والمجنونة والأمة، صار صدر الآية عاماً في حقهن لا غير، كأنه نص عليهن. وجه قول العامة أن اللفظ العام موجبه العموم (١) في كل ما يصلح له اللفظ فيتناوله (٢). وإنما يجب ترك العمل به، لضرورة التخصيص، والضرورة في حق من ورد فيه التخصيص وصح في حقه شرعاً، ولا ضرورة في حق من لم يصح التخصيص في حقه، فيببقى العام عاملا في حقه من غير ضرورة. وجه قول الفريق الثاني أن قوله تعالى: "إلا أن يعفون" شرح كناية عن النساء التي سبق ذكرها، والكناية تنصرف إلى المكني السابق، فتبين أن الداخل تحت النص العام من دخل تحت الاستثناء والتخصيص، كمن قال لغيره: "اضرب عبيدي الآبقين (٣) إلا أن يتوب منهم" كان هذا الكلام خاصاً في حق غير التائبين من الابتداء كأنه قال: "اضرب عبيدي الآبقين (٤) الذين لم يتوبوا" - فكذلك (٥) هذا. و (٦) قولهم: إن العام يوجب العمل بعمومه - فنقول: هم في موضع لم يرد الخصوص في حق البعض، فأما إذا ورد، يصير كأن النص العام ورد في حق البعض ابتداء، إطلاقاً لاسم العام على الخاص، كمن قال: "أكرم عبيدي الطوال": يكون النص خاصاً في حق الطوال من الابتداء،

стр. 359

لأن (١) قوله: "اضرب عبيدي" عام في حق القصار والطوال، ثم خرج القصار - فكذا هذا. والقول الأول قول مشايخ العراق. والقول الثاني أقرب إلى قول مشايخنا، وهو الأصح - والله أعلم. مسألة: قال عامة الفقهاء: العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب. وقال أصحاب الشافعي: إن العبرة لخصوص السبب، ويصير العام خاصاً بالسبب. وصورة المسألة في موضعين: أحدهما - أن الحادثة إذا كانت وقعت لواحد من الناس في زمن النبي ﷺ ونزل (٢) نص عام في تلك الحادثة: تتناول صاحب الحادثة وغيره: فإن هذا النص عام في حق صاحب الحادثة وغيره، ولا ويختص به، بسبب وقوع الحادثة له. وعند أصحاب الشافعي (٣): يختص بصاحب (٤) الحادثة، وأريد باللفظ العام، الواحد مجازاً. وإنما يثبت هذا الحكم في حق غير صاحب الحادثة بنص آخر أو بالقياس على صاحب الحادثة. والثاني - إذا خرج كلام الرسول ﷺ جواباً لسؤال السائل: هل يختص بالسائل (٥)؟

стр. 360

فعندهم: يختص. وعندنا: إذا كان الجواب لا يستقل بنفسه بدون السؤال، يختص به. وإن كان يستقل بنفسه ويكون مفيداً للحكم في حق السائل وغيره، لا يختص به بل يعتبر عموم الجواب. فهم احتجوا بالموجود (١) في الكتاب، والسنة، وعرف الناس، ونوع كل من المعقول: - أما الكتاب: قال الله تعالى: "قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً (الآية) " (٢) فقوله (٣): "قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً" عام في جميع المطعومات إلا المستثني. ثم كثير من الأشياء، غير (٤) المستثنى منه، حرام من البغل والحمار والضبع وسائر السباع ونحوها، ولكن اختص العام بالسبب فإن سبب نزول الآية أن الكفار كانوا يحرمون البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي (٥)

стр. 361

ونحو ذلك، فأنزل الله تعالى الآية وأخبر رسوله ﷺ بأن يقول للكفار: "قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً (الآية) " (١) يعني لا أجد في كتاب الله تعالى مما تحرمون أنتم محرماً إلا هذه الأشياء. - وروي عن النبي ﷺ أنه قال (٢): "لا ربا إلا في النسيئة". والربا يجري في النقد بإجماع الصحابة، ولكن الحديث ورد في حادثة خاصة فاختص (٣) بها، فإنه روي أن رسول الله ﷺ سئل (٤) عن الربا في مختلفي الجنس فقال ﵇: " لا ربا إلا في النسيئة" كأنه قال: "لاربا في مختلفي الجنس إلا في النسيئة". - وأما العرف: فإن من قال لآخر: "تعال تغد معي" فقال: "والله لا أتغدى" يقع على ذلك الغداء، حتى لو تغدى معه بعد ذلك لا يحنث. وكذا لو تغدى في ذلك الوقت (٥) مع غيره لا يحنث. فقوله: "والله (٦) لا أتغدى" عام بنفسه ثم اختص بذلك الغداء، لأن السبب (٧) الداعي إلى الحلف هو ذلك الغداء معه (٨) فاختص بالسبب.

стр. 362

- وأما المعقول: فلأن الجواب يختص (١) بالسؤال، خصوصاً إذا كان الجواب لا يكون مفيداً (٢) بنفسه لمعنى، لكن (٣) ذلك المعنى موجود في الفرع. وهو أنه لو لم يختص بالسؤال لم يكن في ذكر (٤) السؤال والجواب فائدة - فكذا إذا نزلت الآية في حادثة خاصة، في حق شخص خاص: لو لم يختص بصاحب الحادثة ولم تنزل قبل وقوع الحادثة وقبل سؤال صاحب الحادثة لم تظهر فائدة نزول (٥) الآية. ولكن عامة الفقهاء احتجوا وقالوا: - إن (٦) عامة النصوص، نحو آية الظهار (٧) واللعان (٨) والقذف (٩) والزنا (١٠) والسرقة (١١) ونحوها، نزلت عند وقوع الحوادث (١٢)، لأشخاص معلومين. [فـ] لو اختصت بالحوادث، لم يكن الأحكام كلها ثابتة بالكتاب والسنة تنصيصاً، إلا في حق أقوام مخصوصين، وهذا محال عقلا، ومخالف الإجماع الأمة. - والمعقول يدل عليه، وهو أن اللفظ العام يوجب العمل بعمومه، وإنما يترك بدليل التخصيص، إذا كان متصلا به، من حيث الاستثناء والصفة والشرط والغاية على، ما ذكرنا، ويصير خاصاً في المذكور. فأما التخصيص

стр. 363

المنفصل المقارن: [فـ] يجب أن يكون حكمه مخالفاً لحكم العام، حتى يصح التخصيص، كقوله: "اقتلوا المشركين ولا تقتلوا أهل الذمة" فيخص أهل الذمة من اللفظ العام. وفي مسألتنا صاحب الحادثة غير مذكور متصلا باللفظ العام، فيحتاج إلى الإضمار، وهو شيء منفصل، واللفظ العام تناوله (١) وغيره من الناس، فلا يكون الحكم في حقه خلاف حكم (٢) غيره، حتى يخص من الجملة، فيكون ذكره على الخصوص بعدما صار مذكوراً بطريق العموم، من باب التأكيد - ألا ترى أن من قال لغيره: "اعتق عبيدي" ثم قال مقارناً للأول: "اعتق عبدي سالماً"، لا يكون هذا تخصيصاً، بل يكون تأكيداً لا ثبت باللفظ العام، لأن سالماً دخل تحت قوله: "اعتق (٣) عبيدي"، فقوله: "اعتق سالماً" يوجب زيا دة تأكيد (٤)، لا أن يصير العام خاصاً في حقه مع أن فيه جعل الحقيقة مجازاً، وهو إطلاق اسم العام على الخاص، فيكون فيما قالوا تغيير له من وجوه: وهو إثبات ما ليس بمذكور، وهو إضمار صاحب الحادثة. وفي تخصيص العام به دون غيره جعل اللفظ العام (٥) مجازاً من غير ضرورة، ومع ذلك لا يثبت به التخصيص بل يثبت به التأكيد، لأن الحكم غير مختلف، حتى إذا اختلف الحكم يكون تخصيصاً، فإن من قالمالغيره: "اعتق عبيدي" ثم قال مقارناً له: "لا تعتق عبدي سالماً" يصير مخصوصاً من الجملة. - وفيما تعلق به الخصم من الكتاب والسنة والعرف قام الدليل على أنه لا يمكن العمل بعمومه. ونحن نسلم أنه إذا كان لا يمكن العمل بعمومه،

стр. 364

تخصص (١) بالحادثة، ويصير مذكوراً دلالة، فإنه لما لم يمكن العمل بالعموم في قوله تعالى: "قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً على طاعم يطعمه" (٢) لحرمة (٣) كثير مما لم يذكر في النص المستثنى، فيجب القول بالزيادة على النص المذكور، بإدراج (٤) السبب الوارد، وهو تحريم الكفار البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي ونحوها (٥)، فيصير كأنه قال: قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً مما تحرمون أنتم من البحيرة وغيرها إلا أن يكون ميتة (الآية) (٦). - وكذا في الحديث الذي رويتم: لما كان الربا ثابتاً في النقد (٧)، وقد ورد الحديث في مختلفي الجنس، زيد عليه، واختص بالحادثة، كأنه قال: "لا ربا في مختلفي الجنس إلا في النسيئة". - وكذا في مسألة الدعاء إلى الغداء: يتقيد اليمين بالغداء المدعو إليه، وإن كان قوله: "والله (٨) لا أتغدى" عاماً، لأن دلالة الحال تدل على أنه لم يرد به العموم، فيقيد (٩) بالسبب الداعي إلى الحالف، كأنه قال: "والله لا أتغدى هذا الغداء الذي دعوتني إليه"، ومن ادعى في الفرع أنه لا يمكن العمل بعموم اللفظ حتى يقيد (١٠) بالسبب وصاحب الحادثة، فعليه الدليل.

стр. 365

- قولهم: إنه لو لم يختص بصاحب (١) الحادثة لم يكن في نزول النص العام فائدة، كما في الجواب المبني على السؤال - فنقول: فائدة نزول الآَية عقيب الحادثة في حق صاحبها: هو ظهور الحكم في حقه، والخروج عن عهدة تلك الحادثة في (٢) حقه، و (٣) لا فرق بين أن ينزل الحكم خاصاً في حقه أو عاماً لدخوله في العام، وهذا لأن النصوص قد تنزل قبل وقوع الحوادث (٤) وقد تنزل عندها، ولله تعالى حكمة ومصلحة (٥) في ذلك كله. - وهكذا نقول في جواب السائل إذا كان مفيداً (٦) في نفسه: إنه لا يختص بالسؤال، فأما إذا (٧) لم يكن مفيداً (٨) في نفسه [فـ] يقتضي إعادة السؤال ويختص به حتى لا يلغو - ألا يرى أن من سأل رجلا فقال: "هل جاري محمد في هذه الدار؟ " فقال: "جميع جيرانك في هذه الدار"، فهذا لا يختص بالسؤال، ويكون جواباً له، لأنه إذا كان جميع جيرانه في الدار، فاب ر المسؤول عنه يكون كذلك أيضاً (٩)، فيحصل للسائل الغرض بالجواب، وإن كان عاماً لا خاصاً - فكذا ههنا. - وكذا روي عن النبي ﷺ أنه سئل عن ماء البحر فقال: "الطهور ماؤه والحل ميتته" فالسؤال عن الماء، ثم بين حكم حل (١٠) تناول ما في البحر، وهو زيادة على الجواب، فبقدر السؤال يكون جواب

стр. 366

السائل (١)، وما زاد عليه يكون لابتداء التعليم، فكذا هنا (٢): يجوز أن يرد لفظ عام فيكون زيادة على الجواب، فبقدر السؤال يكون جواباً، وما زاد عليه يكون لابتداء التعاجم - والله أعلم. فصل في بيان المشترك والمؤول (٣) يحتاج (٤) إلى: إثبات الاسم (٥) المشترك في اللغة. وإلى تفسير المشترك (٦). وإلى بيان حده (٧) في عرف اللغة وأهل الأصول. وإلى بيان ما يتعلق به من الحكم. وإلى تفسير (٨) المؤول لغة، وشرعاً. أما الأول (٩) [إثبات الاسم المشترك في اللغة، فنقول]: قال عامة أهل اللغة بثبوت الاسم المشترك (١٠). وهو قول عامة أهل الأصول.

стр. 367

وأنكر ذلك بعض أهل الأدب وبعض الفقهاء، وجعلوا ذلك اسماً عاماً لمعنى شامل للمختافات والمتضادات، مع كونها مختلفة في أنفسها، فإن اسم الحادث عام يشمل الأضداد والمختلفات، بمعنى الحدوث، لا لما فيها من التضاد والاختلاف. وبعضهم جعلوه اسماً مشتقاً. ولهذا المعنى في صنف بعض أهل الأدب كتاب "الاشتقاق". وشبهتهم في ذلك أن الغرض من وضع الأسماء هو التمييز بين الوجودات والتسميات (١) خصوصاً عند الغيبة. فلو وضعوا لفظاً واحداً للشيء وإخلافه ولضده (٢)، لم يظهر فائدة وضع الأسماء، وهو الإعلام والتمييز، مع قدرة الواضعين على وضع اسم على حدة لكل شيء (٣)، إذ باب الوضع متسع لهم، لأكثرة الالفاظ، فكان القول بوضع الاسم (٤) المشترك نقض (٥) غرض المواضعة (٦)، وإنه فاسد. إلا أن الصحيح قول العامة، لإجماع أئمة اللغة على ذلك: فإنه ثبت عنهم، بالنقل (٧) المتواتر أنهم قالوا: إن الشفق (٨) والقرء (٩) من أسماء الأضداد، وإنه (١٠) من الأسماء المشتركة. وصنف أبو عبيدة (١١) ﵀ كتاب "الأضداد".

стр. 368

ولا يجوز حمل قولهم على تأويل بعيد، في كونه عاماً أو مشتقاً، إذ ما قالوه كانقول عن أهل الوضع، وهو (١) في حد الجواز دون الإحالة (٢). وبيان الجواز وجهان: أحدهما - أن الواضعة تابعة (٣) للأغراض، ليعرف البعض غرض البعض ومرادة الباطن القائم بقلبه، بالأسماء الموضوعة لها (٤). وكما أن إظهار الغرض بطريق التفصيل والتعيين مراد المتكلم (٥)، فالإظهار مطلقاً مراد في الجملة: فإن الرجل في قول: "أخبرني محمد بن فلان كذا" (٦) إذا أراد إظهار المخبر به (٧) بعينه. ويقول: "أخبرني رجل" إذا كان مراده أن له علماً بالخبر به (٨)، ولم يكن مراده إظهار المخير، فكان وضع اسم المشترك ليعرف السامع أصل مراده (٩)، لا على التفصيل، تم تبين (١٠) بنفسه إن شاء، فدل أنه في حد الجواز والحكمة دون الإحالة. والثاني - أن العرب قبائل (١١) متباعدة متباينة، في جوز أن يضع أهل قبيلة اسماً (١٢) لشيء معلوم، ويضع أهل قبيلة أخرى، بعيدة عن الأولى، ذلك الاسم لشيء آخر كل ملوم، ثم بعد تقادم الزمان اشتهر ذلك فيما بين

стр. 369

القبائل ورضوا (١). بذلك الاسم لكل واحد من المسميين، على الانفراد والبدل، فيصير اسماً مشتركا. ومثل هذا يوجد في لسان الفارسية والتركية وكل لسان - فدل أنه لا معنى للإنكار. وأما تفسير المشترك (٢) في اللغة فهو (٣) مأخوذ من الاشتراك، وهو التساوي (٤). فالاسم المتساوي في تناول المسميات على البدل (٥)، يسمى (٦) مشتركاً، لانطلاقه على هذا في حال وعلى الآخرين كذلك (٧) في حال أخرى، كالشريكين يتهايآن الانتفاع (٨) بالمشترك. وأما حده عند أهل الأصول [فـ] هو (٩) اللفظ الذي (١٠) يتناول (١١) شيئاً واحداً من الأشياء المختلفة أو المتضادة (١٢) عيناً عند المتكلم، وهو مجهول (١٣) عند السامع (١٤).

стр. 370

فإنه قيل: هو أحد أنواع المجمل، وهو (١) معلوم (٢) عند المجمل، مجهول (٣) عند السامعين. وهو نوعان من حيث اللغة، ونوعان من حيث الشرع. أما أحد نوعي اللغة: [فـ] أن يكون اللفظ واقعاً على معلوم الأصل، مجهول الوصف عند السامع دون المتكلم - قال الله تعالى: "فإذا قرأناه فاقبع قرانه ثم إن علينا بيانه" (٤). وذلك (٥) نحو قوله تعالى: "وآتوا حقه يوم حصاده" (٦) وقوله تعالى: "أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة" (٧) فإنه معلوم الأصل، مجهول القدر - ونحوه. والنوع الثاني في اللغة: هو المشترك، وهو أن يكون المراد بالكلام المشترك بين الشيئين وأكثر، كالقرء والعين ونحوهما (٨)، معلوماً عند المتكلم، أحدهما عيناً، وهو مجهول عند السامع (٩).

стр. 371

وأما النوعان في الشرع: -[فـ] أن لا يكون اللفظ في اللغة مجملا، ولكنه (١) في الشرع مجمل يحتاج إلى البيان: أحدهما - أن يكون اللفظ استعمل (٢) في بعض ما وضع له اللفظ، كالعام الذي خص منه بعض مجهول (٣). والثاني - أن يستعمل اللفظ في غير ما وضع له اللفظ، كالمجاز، فقبل البيان يكون مجملا، على ما نذكر. فعلى هذا: كل مشترك مجمل، وليس كل مجمل مشتركاً (٤). ثم المشترك: - خلاف العام، فإن العام (٥) يتناول الأشياء من جنس واحد (٦)، بمعنى واحد (٧) يشمل الكل، والمشترك ما يتناولها بمعان مختلفة (٨). - وهو خلاف الطلق أيضاً، فإن المشترك (٩) يتناول واحداً عيناً عند المتكلم مجهولا عند السامع. والمطلق يتناول واحداً (١٠) غير عين شائعاً في الجنس - يتعين ذلك باختيار من فوض إليه. وذلك في حق المتكلم من العباد: أن المراد عنده أحدهما غير عين، لاستواء الكل في

стр. 372

الغرض. والمقصود يتعين باختيار المأمور قول القائل: "اعط هذا الدرهم رجلا من الرجال" فهو أمر بالإعطاء إلى واحد من الرجال غير عين عند الآمر والمأمور، ولكن يتعين باختيار المأمور. فأما إذا كان المتكلم هو الله تعالى: فإنه معلوم عنده أن الراد من هو (١) لاستحالة الجهل عليه فيما يتصور العلم فيه، وإن كان مجهولا عند المأمور، كقوله تعالى: "فتحرير رقبة مؤمنة" (٢): يتناول واحداً غير عين في حق المأمور، [فـ] يتتعين باختياره، ولكنه معلوم عند الله تعالى أن الرقبة الواجبة التي يعينها المأمور من هي. وأما بيان الحكم [فنقول]: قال عامة الفقهاء: إن حكمه أن (٣) يتناول أحد الأشياء عيناً (٤) عند المتكلم، وهو مجهول عند السامع لا يصير معلوماً له (٥) إلا بدليل زائد من جهة المجمل، وليس بعام يشمل الكل. وهو اختيار أبي الحسن الكرخي (٦): أن المشترك لا عموم له. وهو مذهب المتأخرين من المعتزلة كأبي هاشم (٧) ومن تابعه. وقال عامة أصحاب الحديث: إن له عموماً من حيث الصيغة حتى يتناول الأشياء المختلفة على طريق الشمول، ولكن لا يتناول الأشياء

стр. 373

المتنافية، لا لإجمال في اللفظ، لكن (١) لاستحالة الجمع بين الأشياء المتنافية في حالة واحدة - وهو قول قدماء من المعتزلة مثل الجبائي (٢) ومن تقدمه. وكذا (٣) على هذا الخلاف: هل يجوز أن يراد براللفظ الواحد الحقيقة والمجاز في حالة واحدة إذا لم يكن بين حكميهما منافاة؟ و (٤) قال (بعض أهل التحقيق: يجوز من حيث العقل أن يراد في اللفظ الواحد كلاهما. ولكن أهل اللغة ما وضعوه إلا لأحدهما عيناً مجملا عند السامعين معلوماً عند المتكلم. فالفريق الأول اعتمد (٥) على ما ذكرنا من وضع أهل اللغة القرء والعين والجارية لأحد المعنيين عيناً، إما من أهل القبيلتين أو أكثر على الانفراد (٦)، بأن وضع كل قبيلة اللفظ لمسمى (٧) واحد ثم صار مشتركاً فيهما (٨) بعد ذلك، أو من جميع أهل الوضع لإرادة الإبهام (٩) والإجمال على السامع. فإن قال: إنه يراد به كلاهما في حالة واحدة فقد

стр. 374

خالف وضع أرباب (١) اللغة ونسخ وضعهم، وهذا لا يجوز. وكذا في الحقيقة والمجاز. فالحقيقة (٢) ما اقتصر في (٣) موضع الوضع، والمجاز ما جاوز عن محل الوضع إلى غيره وتعداه (٤) على ما نذكره (٥). فاللفظ (٦) الواحد في زمان واحد لا يتصور أن يكون كل مقتصراً على محل، متعدياً عن ذلك المحل بعينه. والفريق في الثاني قالوا: إن طريق في الاسم المشترك ما ذكرنا من وضع كل قبيلة اسماً (٧) لمسمى ووضع قبيلة أخرىَ ذلك الاسم (٨) لمسمى آخر، ثم اشتهر ذلك بينهم، ورضي (٩) كل قبيلة بوضع القبيلة (١٠) الأخرى، فيصير بمنزلة ما لو وضعوا جملة في الابتداء الاسم على مسمين مختلفين. ولو كان في الابتداء وضع الواضعون (١١) الاسم على معنيين مختلفين لكان عامًا، فكذلك إذا وجد الرضا منهم بذلك في الانتهاء - نظيره الإجماع الذي ينعقد بسماع قول البعض والرضا من الباقين، نظير وجود النطق من الكل. وكذلك القول في الحقيقة والمجاز: فإن الجاز ثبت بوضع أرباب اللغة، كالحقيقة، إلا أنه بوضع طارئ (١٢) مع بقاء الوضع الأول (١٣)،

стр. 375

والحقيقة بالوضع الأول، أو الحقيقة بوضع اللفظ نفسه لمسمى (١) معلوم، والجاز بوضع الطريق. ولو وضعوا في أصل الوضع الاسم لهذين الشيئين كان شاملا لهما، فكذلك (٢) إذا ثبت بالوضع الطارئ أو بوضع الطريق. ولهذا قلنا في قوله تعالى: "ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم" (٣) يراد به حرمة نكاح الوطوءة والنكوحة جميعاً، ولا يقال: إنه أريد (٤) به أحدهما والآخر ثبت بدليل آخر، لأنه يمكن الحمع بينها حقيقة، وهو جائز في اللغة - يدل (٥) عليه أنه يستقيم أن يقال: لا تنكح ما نكح أبولا لا عقداً ولا وطئاً، ولو لم يكن جائزاً لما (٦) صح البيان به ذكراً وهذه مسألة طويلة. مسألة - المشترك: هل يعم في موضع النفي أم لا؟. من قال: يعم (٧) في موضع الإثبات، يقول، بالعموم في موضع النفي. ومن أنكر العموم في موضع الإثبات اختلفوا: قال بعضهم: يعم. وقال بعضهم: لا يعم. فمن قال بالعموم استدل بالنكرة: أخها في موضع الإثبات تخص، و (٨) في موضع النفي تعم. فكذلك (٩) المشترك، لأن كل واحد منهما يتناول واحداً (١٠).

стр. 376

وجه قول الفريق الثاني أنا اققنا (١) أن اللفظ ليس في بعام في موضع الإثبات، وإنما ينتفي بإدخال حرف النفي في الكلام ما يتناوله اللفظ في موضع الإثبات. فإذا كان بحكم اللفظ لا شمول له، فكيف ينتفي على العموم بخلاف النكرة في موضع النفي حيث لا تعم (٢) في موضع الإثبات وتعم (٣) في مو ضىح النفي، لأن ثمة (٤) عموم الانتفاء ليس من موجب اللفظ، وإنما كان بطريق الضرورة، ومثل تلك الضرورة لم توجد في المشترك. بيانه: أن من أخبر وقال: "ما رأيت رجلا" أخبر عن نفي رؤية رجل غير عين، وهي (٥) نفي رؤية ذات قام به صفة (٦) الرجولة (٧)، ومن ضرورة صدق خبره بنفي رؤية واحد غير عين انتفاء رؤية كل رجل، إذ لو كان رأى رجلا يكون (٨) كاذباً في خبره، ولو نفى رؤية رجل معين بأن قال: "ما رأيت زيداً" (٩) لا يعم، لأنه ليس من ضرورة نفي رؤية زيد معلوم (١٠) نفي رؤية غيره، - في لو رأى غيره لا يكون كاذباً في خبره، وفي المشترك لا ضرورة، لأنه يتناول واحداً عيناً مجهول الذات (١١) عند السامع معلوماً عند المخبر، فليس (١٢) من ضرورة نفي رؤيته نفي (١٣) رؤية غيره، مما يدخل تحت

стр. 377

الاسم، فإنه إذا قال: " ما رأيت (١) العين اليوم" وأراد به (٢) نفي رؤية الشمس، وقد رأى واحداً من أشراف البلد الذي يسمى "عيناً" لا يكون كاذباً في خبره، فلم وتعمم بطريق في الضرورة - فهو الفرق بينهما. وأما المؤول فهو ما تعين عند السامع بعض وجوه المشترك، بدليل غير مقطوع به. وكذا المجمل والمشكل: إذا صار المراد جهما معلوماً من حيث الظاهر، بدليل غير مقطوع به (٣). [وهو] مأخوذ من قول العرب "آل يؤول" أي (٤) رجع (٥) يسمى (٦) مؤولا (٧)، لأن مرجع مراد المتكلم عند السامع هذا، بنوع دليل مجتهد فيه. ويقال: "أولته تأويلا" أي صرفت اللفظ عما يحتمل من الوجوه إلى شيء معين، بنوع رأي واجتهاد، ويصير ذلك عاقبة الاحتمال (٨) بنوع رأي واجتهاد - قال الله تعالى: "هل ينظرون إلا تأويله" (٩) أي عاقبته. فأما إذا تعين بعض وجوه المشترك في بليك قطعي، أو المشكل أو (١٠) المجمل متي أريد به شيء قطعاً سمي (١١) مفسراً على ما نذكر إن شاء الله تعالى (١٢).

стр. 378

فصل في بيان الظاهر، والنص، والمفسر، والمبين، والبيان، والمحكم وما يقابلها من الألفاظ الخفي، والمشكل، والمجمل، والمتشابه (١) يحتاج إلى: تفسير هذه الألفاظ لقوله، وإلى تحديدها عند أهل الأصول (٢). وإلى ما يتعلق بها من الأحكام، وما يتصل بها من المسائل. [١] [أما تفسير هذه الألفاظ لغة، وحدها عند أهل الأصول] أما الظاهر: فهو مشتق من الظهور، وهو الوضوح والانكشاف لغة (٣). وأما حدة: فاللفظ (٤) الذي انكشف معناه اللغوي (٥)، واتضح للسامع من أهل اللسان (٦) بمجرد السماع من غير قرينة ومن غير (٧) تأمل،

стр. 379

وذلك نحو قوله تعالى: "وأحل الله البيع وحرم الربا" (١) فهو ظاهر (٢) في الإحلال والتحريم، فإنه يفهمه (٣) السامع العربي من غير تأمل. وأما النص: فهو الظاهر (٤) الذي سيق الكلام له الذي (٥) أريد (٦) في الإسماع والإتزال، دون ما دل عليه ظاهر اللفظ لغة (٧). نحو قوله تعالى: "وأحل الله البيع وحرم الربا" (٨) فالكلام سيق لبيان التفرقة (٩) بين البيع والربا لا لإحلال البيع وتحريم الربا، فإن الكفار ادعوا المماثلة بينهما كما أخبر الله تعالى عنهم بقوله تعالى: "ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيِع وحرم الربا" (١٠) أي فرق بينهما وفصل، فتكون هذه الآية ظاهراً من حيث إنه أضهر بها إحلال (١١) البيع وتحريم الربا بسماع (١٢) الصيغة من غير قرينة (١٣)، ونصاً من حيث عرف بها

стр. 380

التفرقة بإنهما بقرينة صدر الآية من دعوى المماثلة من الكفرة بينهما. وأما المفسر: فهو في اللغة اسم للظاهر المكشوف المراد، مأخوذ من الفسر (١)، مقلوب من السفر وهوْ الإظهار والكشف - يقال: سفرت المرأة إذا كشفت (٢) النقاب عن وجهها، وأسفر الصبح إذا أضاء إضاءة تامة. وهو - من حيث اللغة - والظاهر والنص سواء، لأن ما هو معني اللفظ لا يخفى على من كان من أهل اللسان، إنما الخفاء (٣) في مراد المتكلم، لاحتمال تناول اللفظ غيره دونه، بأن كان مجملا (٤) أو مشتركاً. وأما حده عند التكلمين وأهل الأصول: فما (٥) ظهر به مراد المتكلم للسامع؛ من (٦) غير شبهة، لانقطاع احتمال غيره، بوجود الدليل القطعي على المراد. وكذا سمي (٧) مبيناً ومفصلا لهذا. وقد سمي الخطاب والكلام مفسراً ومبيناً بأن كان كل مكشوف المراد من الأصل، بأن لم يحتمل إلا وجهاً واحداً. كما يقع على المشترك والمشكل والمجمل الذي صار مراد المتكلم معلوماً للسامع، بواسطة انقطاع الاحتمال وارتفاع الإشكال (٨).

стр. 381

وأما البيان: [فـ] في اللغة يستعمل (١) في الظهور والانكشاف، ويستعمل في الإظهار. وأصله من البين وهو الانفصال - في قال: "أبان رأسه فبان" أي فصل (٢): سمي به، لأن الشيء إذا انفصل عن أمثاله يظهر. وفي عرف الشرع: عام وخاًص. فالعام هو الدلالة، فيدخل فيه الدليل العقلي والسمعي. والخاص هو بيان المجمل والمشكل والمشترك وبيان العموم (٣). وهو دليل (٤) تخصيص الأعيان، وبيان النسخ، وهو تخصيص الأزمان (٥) فأما (٦) إذا زال الإشكال بدليل فيه شبهة، كخبر الواحد والقياس [فـ] لا يسمى مفسرا مبيناً، ولكن يسمى مؤولا على ما مر ذكره (٧). وأما المحكم: [فـ] في اللغة اسم للشيء المتقن: مأخون من إحكام البناء. يقال: "بناء محكم" أي متقن لا وهاء (٨) فيه ولا خلل. ويقال: لفظ محكم أي لا احتمال في بيانه.

стр. 382

وأما حده في عرف أهل الأصول، [فـ] ما أحكم المراد به قطعاً. وهو نوعان: أحدهما - ما لا يحتمل التبدل والانتساخ أصلا، وهو الدلائل العقلية القائمة على حدث العالم وقدم الصانع وتوحيده ونحو ذلك. والثاني - الدلائل السمعية القطعية بعد وفاة رسول الله ﷺ ، لأنها تحتمل الانتساخ في زمنه مع كونها محكمة. قال الله تعالى: "منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات" (١) سمي بعضها (٢) محكماً في زمن النبي ﷺ مع احتمال النسخ - والله أعلم. وأما (٣) بيان الألفاظ المقابلة لما قلنا: فالخفي (٤): مأخوذ من الخفاء، وهو خلف الظاهر والنص والمفسر، لأنه عبارة عما هو لفظ غريب (٥)، نحو العقار للخمر، والقطر للنحاس، ونحو ذلك. فيكون الخمر اسماً ظاهراً، والعقار اسماً خفياً. وكذلك إذا كانت استعارة بديعة ومجازاً دقيقاً، كقوله تعالى: "واشتعل الرأس شيباً" (٦) فإن طرق الاستعارة والمجاز كثيرة (٧) عند العرب، بعضها فيه خفاء ودقة.

стр. 383

وأما المشكل: فهو مأخوذ من قولهم "أشكل" أي دخل في أمثاله وأشكاله (١)، كما يقال أشتى إذا (٢) دخل في الشتاء. وأما حده فهو (٣) اللفظ الذي اشتبه مراد المتكلم للسامع، بعارض الاختلاط بغيره من الأشكال، مع وضوح معناه اللغوي على مقابلة النص. وهو (٤) ما تعين مراد التكلم منه (٥) للسامع بقرينة مذكورة أو دلالة حال، مع ظهور معناه الموضوع له (٦) لغة. وأما المجمل: فهو، من حيث (٧) اللغة، يستعمل في شيئين: يقال: "أجملت الحساب" إذا جمعت الحساب التفرق (٨). وعلى هذا يجوز (٩) إطلاق اسم المجمل على العام، لأنه يتناول جملة من السميات (١٠). ويستعمل في الإبهام والإخفاء - يقال: "فلان أجمل الأمر علي"، أي أبهم وأما حده: [فـ] هو اللفظ الذي يحتاج إلى البيان في حق السامع،

стр. 384

مع كونه معلوماً عند المتكلم (١)، وهو معنى قول الشايخ: اللفظ (٢) المجمل ما لا (٣) يطاوع العمل به إلا ببيان يقترن به. ومراد الفقهاء من المجمل هو الثاني، وهو الإبهام، دون الأول. وهو نوعان: أحدهما - أن يكون إجماله و (٤) إبهامه بوضع اللغة. وهو ضربان أيضاً: أحدهما يرجع إلى الصفة دون الأصل. والثاني يرجع إلى الأصل والصفة (٥)، وهو أن يكون اللفظ موضوعاً لأحد الشيئين على الانفراد، ومعلوم (٦) المراد عند المتكلم مجهول (٧) عند السامع، وهو المشترك، وقد ذكرنا مثالهما فيما تقدم (٨). والنوع الثاني - ما لا إجمال فيه من حيث وضع اللغة، بل هو ظاهر المعنى من حيث موضوع اللغة، ولكن اشتبه المراد على السامع لأحد وجهين: إما لاستعماله في بعض ما وضع له لغة مجهولا. أو لاستعماله في غير ما وضع له مشتركاً (٩). أما الأول -[فـ] هو المفظ العام الذي استعمل في بعض مجهول،

стр. 385

بأن يكون دليل التخصيص مجهولا، فيوجب (١) جهالة المخصوص منه. ودليل التخصيص قد يكون متصلا باللفظ العام، وقد يكون منفصلا عنه (٢). أما المتصل: [فـ] كالتقييد بالصفة المجهولة، والاستثناء والشرط المجهولين: نظير الصفة قوله تعالى: "وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم" (٣): لو اقتصر على هذا يكون عاماً معلوماً، فلما قيده (٤) بالصفة المجهولة، وهو قوله تعالى: "محصنين غير مسافحين" ولم يعلم ما الإحصان (٥)، صار قوله تعالى: "وأحل لكم ما وراء ذلكم" مجملاً، لاقتران الصفة المجهولة به. ونظير الاستثناء قوله تعالى: "أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم" (٦): لما كان الاستثناء مجهولا، صار المستثنى منه مجهولا أيضاً، فيصير مجملا يحتاج إلى البيان. وزظير الشرط: "عبيدي أحرار إن شاء الله تعالى". وأما النفصل -[فـ] نحو أن يقول لنا النبي ﷺ قوله تعالى: "اقتلوا المشركين" (٧): "لا تقتلوا بعض المشركين": صار النص العام

стр. 386

مجملا لا (١) يعرف المراد به، لأنه لا مشرك (٢) إلا وقد تناوله قوله تعالى: "اقتلوا المشركين" وتناوله قوله (٣) ﵇: "لا تقتلوا بعض المشركين" وليس البعض (٤) بأن يدخل تحت أحدهما بأولى من أن يدخل (٥) تحت الآخر، فيحتاج إلى البيان. وأما اللفظ المستعمل في غير ما وضع له مشتركاً (٦) - فالألفاظ (٧) المجازية التي اشتبه المراد بها لاشتراكها (٨) وقيام الدليل على أن الحقيقة غير مراد [ة]، فيصير مجملا، لا يعرف المراد به إلا بدليل: نظيره الآيات التي ظاهرها الحبر والتشبيه والقدر و (٩) نحو ذلك من نحو (١٠) قوله تعالى: "بل يداه كل مبسوطتان" (١١): إن اليد الموضوعة (١٢) في اللغة غير مرادة (١٣)، فإنما (١٤) المراد منه المجاز من (١٥) القدرة والمالك ونحو ذلك، ولم يقم دليل قطعي على ترجيح أحد أنواع المجاز.

стр. 387

وأما المتشابه: فهو في اللغة مأخوذ من التشابه - قال الله تعالى: "منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات" (١). والتشابه والمشترك والمجمل نظائر من حيث اللغة. وأما حده في عرف أهل (٢) الأصول: فهو (٣) ما اشتبه مراد المتكلم (٤) على (٥) السامع، بوقوع التعارض ظاهر أبين الدليلين السمعيين المتماثلين من كل وجه، بحيث لا يعرف ترجيح أحدهما على الآخر، فيجب التوقف فيه، والتوقف في مثل هذا جائز، لأن الله تعالى لو لم (٦) يشرع هذا الحكم أصلا - كان جائزاً. فإذا لم يعرف، لعدم الدليل في حق العباد، لقيام التعارض ظاهراً، وإن لم يتصور التعارض في دلائل الله تعالى حقيقة، يجب التوقف عليهم، كأن الدليل لم ينزل في حقهم. وقد قال بعض مشايخنا ﵏: المتشابه هو الذي يتشابه (٧) معناه على السامع، بحيث خالف موجب النص موجب العقل قطعاً، فتشابه المراد بحكم العارضة، بحيث لم يحتمل زواله بالبيان، لأن موجب النص بعد رسول الله ﷺ لا يحتمل التبدل، وموجب العقل لا يحتمل التبدل، فيجب التوقف فيه (٨).

стр. 388

وهذا ليس بصحيح، لأن الشرع لا يرد بخلاف موجب العقل، لما فيه من مناقضة حجج الله تعالى. وإذا تراءى (١) التعارض يكون الدليل العقلي قاضياً على الدليل السمعي، لأن الدليل السمعي (٢) يحتمل الإضمار والحذف (٣) والمجاز والكناية. والدليل العقلى لا يحتمل التغير بحال. و (٤) على هذا خرجنا جميع الآيات الواردة في باب التشبيه والجبر والقدر. قال الله تعالى: "الرحمن على العرش استوى" (٥)، والاستواء (٦) في ظاهر اللغة هو (٧) الاستقرار، والدليل العقلي ينفي القول بالمكان في حق الباري جل وعلا (٨)، فعملنا (٩) بالدليل السمعي وحملنا الدليل السمعي على خلاف الظاهر، توفيقاً بين الدليل السمعي والعقلي (١٠)، وكما ذكرنا في قوله تعالى: "بل يداه مبسوطتان" (١١) ونحو ذلك. والله الموفق.

стр. 389

[٢] وأما الأحكام التي تتصل بهذه الألفاظ فحكم الظاهر: وجوب العمل بما وضح له اللفظ ظاهراً، لا قطعاً، ووجوب الاعتقاد بحقية (١) ما أراد الله تعالى في ذلك. وكذا حكم النص: وهذا مذهب مشايخ ديارنا. وبه قال أصحاب الحديث وبعض المعتزلة. وقال مشايخ العراق وعامة المعتزلة بأن النصوص من الكتاب والخبر المتواتر يوجب العلم والعمل قطعاً. وهذا بناء على ما ذكرنا في العام الطلاق الخالي عن (٢) قرينة الخصوص: يوجب العلم والعه ل قطعاً (٣) عندهم. وعندنا بخلافه، لاحتمال الخصوص في الجملة. وكلك (٤) كل حقيقة: تحتمل المجاز، ومع الاحتمال لا يثبت القطع. وعندهم إذا كانت خاليه عن قرينة تدل على المجاز توجب العلم والعمل قطعاً. فأما (٥) الخفى والمشكل والمشترك والمجمل، إذا لحقها البيان:

стр. 390

[فـ] إن كان بدليل قطعي، يسمى (١) مفسراً. وحكمه وجوب العمل قطعاً، ووجوب الاعتقاد به. وإن (٢) ثبت بدليل راجح، فإنه يسمى مؤولا - فيجب العمل به ظاهراً، مع اعتقاد حقية مراد الله تعالى منه، مبهماً لا عيناً. وأما حكم المتشابه: [فـ] وجوب الاعتقاد على أن ما هو مراد الله تعالى منه (٣) حق، مع وجوب الاعتقاد على أن ما هو ظاهره (٤) غير مراد، وأن اعتقاد ظاهره هوى وبدعة - والله الموفق. مسألة: قال عامة العلماء: إن التشابه، الذي لا يتعلق به الأحكام والعمل، يتوقف فيه من حيث (٥) الاعتقاد، بطروق التعين (٦)، ولكن يعتقد على الإبهام أن ما أراد الله، تعالى به حق (٧)، وما يتعلق به العمل يتوقف فيه من حيث الاعتقاد عيناً، ويجب العمل به على أحوط الوجهين، على ما يعرف في باب المعارضة. ولا يشتغل بالعلم بكيفيته، بالتأويل والبحثفيه (٨) مع الاعتقاد لأن ظاهره غير مراد.
следующие страницы →