← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 19237

ميزان الأصول في نتائج العقول

علاء الدين السمرقندي

Полный текст (813 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

مجملا لا (١) يعرف المراد به، لأنه لا مشرك (٢) إلا وقد تناوله قوله تعالى: "اقتلوا المشركين" وتناوله قوله (٣) ﵇: "لا تقتلوا بعض المشركين" وليس البعض (٤) بأن يدخل تحت أحدهما بأولى من أن يدخل (٥) تحت الآخر، فيحتاج إلى البيان. وأما اللفظ المستعمل في غير ما وضع له مشتركاً (٦) - فالألفاظ (٧) المجازية التي اشتبه المراد بها لاشتراكها (٨) وقيام الدليل على أن الحقيقة غير مراد [ة]، فيصير مجملا، لا يعرف المراد به إلا بدليل: نظيره الآيات التي ظاهرها الحبر والتشبيه والقدر و (٩) نحو ذلك من نحو (١٠) قوله تعالى: "بل يداه كل مبسوطتان" (١١): إن اليد الموضوعة (١٢) في اللغة غير مرادة (١٣)، فإنما (١٤) المراد منه المجاز من (١٥) القدرة والمالك ونحو ذلك، ولم يقم دليل قطعي على ترجيح أحد أنواع المجاز.

стр. 387

وأما المتشابه: فهو في اللغة مأخوذ من التشابه - قال الله تعالى: "منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات" (١). والتشابه والمشترك والمجمل نظائر من حيث اللغة. وأما حده في عرف أهل (٢) الأصول: فهو (٣) ما اشتبه مراد المتكلم (٤) على (٥) السامع، بوقوع التعارض ظاهر أبين الدليلين السمعيين المتماثلين من كل وجه، بحيث لا يعرف ترجيح أحدهما على الآخر، فيجب التوقف فيه، والتوقف في مثل هذا جائز، لأن الله تعالى لو لم (٦) يشرع هذا الحكم أصلا - كان جائزاً. فإذا لم يعرف، لعدم الدليل في حق العباد، لقيام التعارض ظاهراً، وإن لم يتصور التعارض في دلائل الله تعالى حقيقة، يجب التوقف عليهم، كأن الدليل لم ينزل في حقهم. وقد قال بعض مشايخنا ﵏: المتشابه هو الذي يتشابه (٧) معناه على السامع، بحيث خالف موجب النص موجب العقل قطعاً، فتشابه المراد بحكم العارضة، بحيث لم يحتمل زواله بالبيان، لأن موجب النص بعد رسول الله ﷺ لا يحتمل التبدل، وموجب العقل لا يحتمل التبدل، فيجب التوقف فيه (٨).

стр. 388

وهذا ليس بصحيح، لأن الشرع لا يرد بخلاف موجب العقل، لما فيه من مناقضة حجج الله تعالى. وإذا تراءى (١) التعارض يكون الدليل العقلي قاضياً على الدليل السمعي، لأن الدليل السمعي (٢) يحتمل الإضمار والحذف (٣) والمجاز والكناية. والدليل العقلى لا يحتمل التغير بحال. و (٤) على هذا خرجنا جميع الآيات الواردة في باب التشبيه والجبر والقدر. قال الله تعالى: "الرحمن على العرش استوى" (٥)، والاستواء (٦) في ظاهر اللغة هو (٧) الاستقرار، والدليل العقلي ينفي القول بالمكان في حق الباري جل وعلا (٨)، فعملنا (٩) بالدليل السمعي وحملنا الدليل السمعي على خلاف الظاهر، توفيقاً بين الدليل السمعي والعقلي (١٠)، وكما ذكرنا في قوله تعالى: "بل يداه مبسوطتان" (١١) ونحو ذلك. والله الموفق.

стр. 389

[٢] وأما الأحكام التي تتصل بهذه الألفاظ فحكم الظاهر: وجوب العمل بما وضح له اللفظ ظاهراً، لا قطعاً، ووجوب الاعتقاد بحقية (١) ما أراد الله تعالى في ذلك. وكذا حكم النص: وهذا مذهب مشايخ ديارنا. وبه قال أصحاب الحديث وبعض المعتزلة. وقال مشايخ العراق وعامة المعتزلة بأن النصوص من الكتاب والخبر المتواتر يوجب العلم والعمل قطعاً. وهذا بناء على ما ذكرنا في العام الطلاق الخالي عن (٢) قرينة الخصوص: يوجب العلم والعه ل قطعاً (٣) عندهم. وعندنا بخلافه، لاحتمال الخصوص في الجملة. وكلك (٤) كل حقيقة: تحتمل المجاز، ومع الاحتمال لا يثبت القطع. وعندهم إذا كانت خاليه عن قرينة تدل على المجاز توجب العلم والعمل قطعاً. فأما (٥) الخفى والمشكل والمشترك والمجمل، إذا لحقها البيان:

стр. 390

[فـ] إن كان بدليل قطعي، يسمى (١) مفسراً. وحكمه وجوب العمل قطعاً، ووجوب الاعتقاد به. وإن (٢) ثبت بدليل راجح، فإنه يسمى مؤولا - فيجب العمل به ظاهراً، مع اعتقاد حقية مراد الله تعالى منه، مبهماً لا عيناً. وأما حكم المتشابه: [فـ] وجوب الاعتقاد على أن ما هو مراد الله تعالى منه (٣) حق، مع وجوب الاعتقاد على أن ما هو ظاهره (٤) غير مراد، وأن اعتقاد ظاهره هوى وبدعة - والله الموفق. مسألة: قال عامة العلماء: إن التشابه، الذي لا يتعلق به الأحكام والعمل، يتوقف فيه من حيث (٥) الاعتقاد، بطروق التعين (٦)، ولكن يعتقد على الإبهام أن ما أراد الله، تعالى به حق (٧)، وما يتعلق به العمل يتوقف فيه من حيث الاعتقاد عيناً، ويجب العمل به على أحوط الوجهين، على ما يعرف في باب المعارضة. ولا يشتغل بالعلم بكيفيته، بالتأويل والبحثفيه (٨) مع الاعتقاد لأن ظاهره غير مراد.

стр. 391

و (١) كذا روي عن محمد بن الحسن رحمة الله عليه أنه سئل عن الآيات والأخبار الواردة في صفات الله تعالى، ما يؤدي ظاهرها إلى التشبه فقال: نمرها (٢) كما جاءت ونؤمن بها ولا (٣) نقول كيف وكيف - وهو مذهب مالك بن أنس وعبد الله بن المبارك (٤) وعامة أصحاب الحديث رضوان الله عليهم. وسئل مالك بن أنس عن قوله تعالى: "الرحمن على العرش استوى" (٥) - فقال: الاستواء غير مجهول، وكيفه غير معقول، والسؤال عنه بدعة. وقال بعض العلماء من أهل الأصول والمفسرين، وهو المروي عن ابن عباس (٦) ﵁: أنه يصرف التشابه إلى المحكم و [يؤول] (٧) تأويلا لا يناقض دلائل (٨) العقل والآيات المحكمة، دفعاً للتناقض عن الأدلة، مع الاعتقاد بأن الظاهر غير مراد. ثم إن كان يحتمل تأويلا واحداً، يجب القول به قطعاً إذا دل الدليل العقلي عليه. وإن (٩) احتمل وجوهاً من التأويلات الصحيحة لا يقطع على واحد منها على طريق في التعين (١٠)، لا فيه من الشهادة على (١١) الله تعالى، من غير تعين (١٢)، بل يعتقد على الإبهام.

стр. 392

وأصل المسألة قوله تعالى: "هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات كان أم الكتاب وأخر متشابهات" إلى أن قال: "وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به .. (الآية) " (١). فالفرق الأول قالوا: إن الوقف على قوله تعالى: "إلا الله"، وقوله تعالى: "والراسخون" ابتداء كلام. ففي الآية بيان أنه (٢) لا علم بالمتشابه إلا لله تعالى، ومدح الر اسخين في العلم بالإيمان بالمتشابه. والفريق الثاني قالوا: إن (٣) الوقف على قوله تعالى: "والراسخون في العلم". وفي المسألة كلام كثير - والله أعلم. مسألة: لا خلاف أنه لا يجوز تأخير بيان المجمل عن وقت الحاجة إلى البيان، وهو وقت وجوب العمل به، إذ التكليف بالعمل يستدعي قدرة المخاطب (٤) على الأداء، فيكون تكليف ما ليس في الوسع. فأما (٥) تأخير بيان المجمل عن وقت الخطاب إلى مجيء وقت الوجوب (٦) -[فـ] هل يجوز؟ قال أكثر العلماء بالجواز.

стр. 393

وقال المتأخرون من المعتزلة: لا يجوز - مثل الجبائي (١) وابنه أبي هاشم (٢) والرازي (٣) ومن (٤) تابعهم. وكذا تأخير بيان المشكل والمشترك (٥). وأما تأخير (٦) بيان ما يمكن العمل بظاهره نحو بيان العام: أن المراد منه (٧) بعضه. ونحو بيان المطلق: أن المراد منه المقيد: [فـ] قال مشايخ العراق من أصحابنا، نحو الكرخي (٨) والجصاص (٩) وغيرهما، بأنه لا يجوز - وبه قيال القاضي الإمام (١٠) أبو زيد ومن تابعه من المتأخرين. وهو قول أكثر المعتزلة.

стр. 394

وقال أصحاب الحديث ومشايخ سمرقند بأنه جائز. وأجمعوا أن تأخير بيان (١) النسخ في اللفظ المطلق عن الوقت جائز. وهذا بناء على ما ذكرنا: أن العام المطلق عن القرينة يوجب العلم قطعاً، وأنه (٢) يتناول كل فرد من أفراده، كأنه نص عليه عند الفريق الأول. وإذا كان مبيناً في نفسه كيف يحتمل البيان من حيث الخصوص، وبيان المبين لغو. وإنما يحتمل النسخ، [فـ] لا جرم جوزنا (٣) البيان من حيث النسخ (٤)، في زمان يجوز النسخ (٥). وكذا المطلق والنكرة الشائعة في الجنس: توجب العلم قطعاً عندهم - فكيف يحتمل البيان أن المراد منه المقيد، وإنما يحتمل النسخ فيكون التقييد المتأخر نسخاً، بخلاف المقارن، فإن العام والمطلق مع القرينة لا يوجب العلم قطعاً، بل احتمال الخصوص والقيد قائم، فاحتمل البيان، إذ لا يمكن حمله على التناسخ (٦). وعند الفريق الثاني: احتمال الخصوص قائم في العام المطلق الخالي عن القرينة، واحتمال المجاز قائم في الخاص المطلق. ومع احتمال المجاز والخصوص (٧) لا يثبت العلم قطعاً، فإذا (٨) كان الاحتمال قائماً، من دفع (٩) الاحتمال بالبيان جائزاً، كما في المجمل، وكما في تأخير بيان النسخ: فإن ظاهر اللفظ والخطاب يؤجل (١٠) ثبوت الحكم على طريق الإطلاق، دون التأقيت، ثم جاز (١١) الببان - لاحتمال التأقيت - فكذا (١٢) ههنا.

стр. 395

ثم بيان الاحتمال (١) ظاهر: فإن التكلم (٢) بالعام على إرادة الخاص. وكذا التكلم بالمطلق على إرادة المقيد شائع بين (٣) أهل اللغة - ولهذا كان أكثر العمومات في الكتاب والسنة واستعمال أرباب اللسان مخصوصة، وأكثر الخطاب المطلق مقيداً. فالعام - إن (٤) كان باعتبار الوضع الأصلي - يقتضي الشمول والاستغراق. وكذا اللفظ المطلق: يقتضي الإطلاق - فعلى اعتبار العرف والاستعمال المستفيض: يحتمل الخصوص والقيد، وكتاب الله تعالى نزل بلسان العرب، ليفهموا منه ما هو السابق إلى أفهامهم. وكذا بعث النبي ﷺ منهم (٥) ليفهموا من كلامه ما هو المفهوم (٦) من كلامهم. وإذا (٧) كان احتمال الخصوص والقيد، في عرف الاستعمال، حال نزول الخطاب، ثابتاً على وجه الظاهر، فإن لم يوجب التوقف في العمل، كالمشترك والمجمل، [فـ]ـلا أقل من أن يوجب الاحتمال. ومع قيام الاحتمال لا يتصور العلم قطعاً - وهذا كلام ظاهر. ولا (٨) يصح قولهم إن اللفظ الخالي عن قرينة الخصوص والقيد، يدل على أن المراد منه الموضوع لغة، والجواب ما ذكرنا (٩): أنه بم (١٠) يعرف خلو اللفظ عن (١١) القرينة، بل احتمال القرينة قائم - على ما مر في فصل الأمر. ولا يصح قولهم أيضاً إن في ذلك تلبيس الأمر على السامعين، لأنه إذا كان عرف الاستعمال ما ذكرنا، يجب أن يحملوا عليه. وقد ذكرنا ذلك في مسألة الأمر - والمسألة طويلة ذكرت في الشرح.

стр. 396

فصل في بيان الحقيقة والمجاز يحتاج إلى: بيان معنى الحقيقة والمجاز في اللغة. وإلى بيان الفاصل بين الحقيقة والمجاز في عرف أهل اللغة. وإلى بيان كيفية طريق المجاز. وإلى بيان أقسام الحقيقة والمجاز. وإلى بيان أحكام الحقيقة والمجاز (١) وما يتصل بها (٢) من المسائل. [١] أما الأول فاسم الحقيقة مشتق من حق الشيء، أي ثبت - قال الله تعالى في اسم القيامة: "الحاقة. ما الحاقة"، (٣) أي ثابتة كائنة (٤)، لا محالة. والمجاز مشتق من جاز يجوز مفعل منه، أي تعدى وتجاوز. فأطلق اسم الحاقة على الاسم الموضوع على الشيء الثابت المستقر في محله. وأطلق لفظ (٥) المجاز على الاسم الذي تعدى من محله الوضوع

стр. 397

إلى غيره لوجود طريق المجاز فيه. ولهذا يقال: "حب فلان حقيقة" أي ثابت في محله الموضوع له وهو القلب. ويقال: "حب فلان مجاز" أي متعد عن محله وهو القلب, إلى غير محله وهو اللسان. [٢] وأما بيان (١) الفاصل بين الحقيقة والمجاز، فنقول: هو أقسام ثلاثة: أحدها - التنصيص من أئمة اللغة الناقلين من أهل الوضع. والثاني - الاستدلال: والثالث - العلامات اللازمة للحقيقة والمجاز. أما التنصيص من أئمة اللغة: [فـ] بأن يقولوا إن هذا اللفظ (٢) لهذا المسمى حقيقة، ولهذا المسمى مجاز ومستعار (٣). وقد صنف أبو عبيدة (٤) ﵀ في ألفاظ القرآن كتاباً، وذكر فيه الفصل بين الحقيقة والمجاز وقال: هذا اللفظ حقيقة، وهذا اللفظ مجاز. والثاني - الاستدلال: وذلك (٥) بذكر حد الحقه قة والمجاز. فإن (٦) ذكر الشيء بذكر اسمه،

стр. 398

وذكر (١) حده، سواء - فإن قول القاؤل: "رجل" وقوله: "إنسان ذكر جاوز حد الصغر" سواء. واختلفت (٢) عبارات أهل الأصول في حد الحقيقة والمجاز: قال بعضهم: الحقيقة ما انتظم لفظها معناها من غير زيادة ولا نقصان ولا نقل. والمجاز ما انتظم لفظه معناه إما لزيادة أو لنقصان أو لنقل (٣) عن موضعه: نظير الزيادة (٤) قوله تعالى: "ليس كمثله شيء" (٥): معناه ليس مثله شيء. والكاف زيادة، وأسقطت (٦) الكاف (٧) حتى يصح ما هو مراد المتكلم (٨). ونظير النقصان (٩) قوله تعالى: "واسأل القرية" (١٠): معناه أهل القرية، فزيد عليه الأهل (١١)، حتى يصح ما هو المراد بالكلام. ونظير النقل إطلاق اسم الأسد على الرجل الشجاع: نقل الاسم الموضوع لحيوان مخصوص إلى الآدمي الشجاع.

стр. 399

فالحقيقة (١) ما لم يتغير عن الموضوع الأصلي. فإذا تغير إما إلى الزيادة وإما (٢) إلى النقصان فقد تجاوز وتعدى (٣) عن الوضع الأصلي، فيكون مجازاً. وقال بعضهم: الحقيقة ما أفيد بها ما وضعت له، والمجاز ما أفيد به غير ما وضع له. وقال بعضهم: الحقيقة كل لفظ أفيد (٤) به ما وضع له في أصل الاصطلاح الذي وقع التخاطب به، والمجاز كل لفظ أفيد (٥) به معنى مصطلح عليه، غير ما كان في أصل الاصطلاح الذي وقع التخاطب به (٦). وقال بعضهم: الحقيقة ما أريد من التكلم (٧) ما وضع واضع اللغة الكلام له، والمجاز ما أريد به غير مما وضع له. وقيل: الحقيقة ما استقر في محله الموضوع له، والمجاز ما تجاوز عن محله الموضوع له. و (٨) في هذه العبارات خلل. والأصح أن يقال: الحقيقة هي ما وضعه واضع اللغة في الأصل، والمجاز ما استعمل في غير ما وضع له، لمناسبة (٩) بينهما من حيث الصورة أو من حيث المعنى اللازم المشهور، مع تقدير (١٠) الحقيقة.

стр. 400

وبيان الخلل في سائر العبارات, والإشكال على (١) هذه العبارة (٢) الصحيحة - مذكور (٣) في الشرح. وأما الثالث - بيان العلامات (٤) اللازمة لهما: والعلامة غير و (٥) الحد غير: فالحد (٦) يجب أن يكون مطرداً و (٧) منعكساً: يوجد المحدود عند وجوده, وينعدم عند عدمه. والعلامة ما يكون مطرداً غير منعكس (٨). وهي أشياء: منها - أن الحقيقة لا تسقط عن المسمى، ويكذب نافيها. والمجاز ما (٩) يجوز نفيه عن المسمى، ولا يكذب نافيه (١٠) - بيانه أن الأب اسم للوالد بطريق الحقيقة، وللجد بطريق المجاز. فمن نفى اسم الأب عن الوالد، وقال: إنه ليس بأب فلان، فإنه (١١) يكذب. ومن نفى اسم الأب عن الجد، وقال: إنه جده وليس بأبيه، لا يكذب. ومنها - أن الحقيقة ما يفهم السامع معناها من غير قرينة. والمجاز ما لا يفهم السامع (١٢) معناه إلا بقرينة. [فـ] من (١٣) قال: "رأيت الأسد"

стр. 401

يفهم منه الحيوان المخصوص من غير قرونة، ولا يفهم منه الرجل الشجاع إلا بقرونة، إما من حيث اللفظ أو من (١) دلالة الحال. ومنها - أن أهل اللغة استعملوا الحقيقة من غير قرونة، واستعملوا المجاز مع قرينة لفظية أو دلالة حال أو دلالة (٢) عقل. [٣] وأما كيفية طريق المجاز -[فنقول]: بعض المشايخ من أهل الأصول قالوا: للمجاز (٣) طرق منها: - المناسبة بين الستعار له وبين (٤) المستعار عنه، والمشابهة بينهما. - والثاني: المجاورة والملازمة بين المستعار عنه وبين (٥) المستعار له في الحقائق، حتى استعير اسم الغائط للحدث، لأن الغائط اسم للمكان المطمئن الخالي، والغالب أن الحدث يكون في مثل هذا المكان عادة، تستراً عن أعين (٦) الناس. وكذا المطر: سمي "سماء"، يقول العرب: "ما زلنا نطأ السماء حتى أتيناكم" أي المطر، لوجود الملازمة والمجاورة، لأن المطر من السماء ينزله. وفي الشرعيات (٧) تعتبر المجاورة والملازمة بين الأحكام وعللها وأسبابها. والثالث - الزيادة. والرابع - النقصان، على ما ذكرنا (٨). وكذا إطلاق اسم الكل على البعض، وإطلاق اسم البعض على الكل: مجاز بطريق الزيادة والنقصان.

стр. 402

والخامس - الكناية، لأنه إذا (١) أرا د المتكلم (٢) بلفظ الكناية غير ما وضع له ظاهراً، فقد تجاوز عن الوضع الأصلي. وإنما قالوا ذلك (٣)، لأن الحقيقة هو ظاهر اللفظ الموضوع للشيء، فإذا تغير هذا الظاهر عن سننه وأريد به غيره مع التغير، يكون مجازاً لتجاوزه عن الموضوع لعينه (٤). وقال أكثر أهل الأصول: إن طريقه واحد، وهو المشابهة. ولهذا قال أهل الأدب: إن الاستعارة والمجاز تشبه، بدون حرف التشبيه للمبالغة فيه. وإذا كان حرف التشبيه مذكوراً فهو حقيقة تشبيه، وليس بمجاز، لأن الكاف والمثل والنظير وضعت للتشبية بين الشيئين حقيقة. وقالوا: المجاورة والتشبيه (٥) من باب الكناية، لا من باب المجاز. وكذا الزيادة من باب التأكيد، والنقصان من باب الإضمار والحذف والاختصار. وكذا الكناية ليست من باب المجاز (٦)، بل وضع هذه الأشياء في اللغة هكذا، فيكون من باب الحقيقة لا من باب المجاز. واختلف هؤلاء فيما بينهم (٧): قال بعضهم: المعتبر هو المشابهة بين لفظي المستعار منه (٨) والمستعار

стр. 403

له (١) في بعض ما (٢) وضع له اسم المستعار منه، لا بين ذاتيهما، فإن استعارة اسم الأسد للشجاع (٣) مشهور فيما بين أهل اللغة، وبين اسم الأسد وبين (٤) اسم الشجاع مشابهة في بعض ما وضع له اسم الأسد، فإن الأسد اسم لصورة مخصوصة ومعنى مخصوص (٥)، وهو نهاية الشجاعة والجرأة، واسم الشجاع لمعنى (٦) الشجاعة مشتق (٧) منها، في فيكون بينهما مشابهة في بعض ما وضع له اسم الأسد، وهو الشجاعة، وإن كان بينهما مفارقة في البعض، فإن الشجاع ليس باسم لصورة الأسد. ولهذا قالوا: إن اسم الأسد يقع على أمير المؤمنين (٨) علي ﵁، بطريق المجاز، فإنه سمي (٩) أسد الله. لأنه وإن (١٠) وجد فيه (١١) نهاية الشجاعة، بل زيادة على شجاعة الأسد، ولكن لم يوجد فيه بعض ما هو علة استحقاق اسم الأسد (١٢)، وهو وجود الصورة المخصوصة، وهي صورة الحيوان الذي له زئير. وقال بعضهم: إن المعتبر هو المشابهة بين ذاتي المستعار عنه (١٣) والمستعار

стр. 404

له (١) في المعنى اللازم المشهور، في محل الحقيقة دون المشابهة في معنى اسميهما لغة، فإن بين ذات الأسد وبين (٢) ذات الرجل الشجاع مشابهة في المعنى اللازم المشهور في الأسد، وهو الشجاعة، فجعل اسم الأسد مستعاراً للشجاع، كأنه هو الأسد، فأعطي اسمه له (٣)، وهذا لأن الاستعارة عند العرب هو التشبيه بين الشيئين بدون حرف التشبيه، مبالغة في التشبيه، فيقال: "فلان أسد" ولا يقال: "كالأسد"، حتى يكون إخباراً عن وجود معنى الشجاعة فيه على الكمال، كأنه عين الأسد. والدليل على أن الصحيح هذا، لا القول الأول (٤)، فإن اسم الأسد لو كان حقيقة له، باعتبار أنه اسم موضوع في اللغة لصورته المخصوصة، ومعناه الخاص اللازم وهو الشجاعة، [فإنه] يجب (٥) أن لا يقع على الأسد الميت ومقطوع اليدين والرجلين، لأنه لم يوجد فيه معنى الشجاعة، وإن وجدت (٦) صورته، والاسم الموضوع للشيئين لا يكون حقيقة لأحدهما، وإطلاق اسم الأسد على الميتت منه يكون حقيقة، لا مجازاً، لوجود علامة الحقيقة فيه، وهو أن نافي (٧) اسم الأسد عن الأسد الميت والمريض يكذب، ونافي اسم المجاز لا يكذب، فهذا دليل ضروري على بطلان (٨) هذا الكلام.

стр. 405

وقال بعضهم بأن (١) المشابهة معتبرة بين الذاتين في المعنى اللازم المشهور في محل الحقيقة، لكن يجب أن يكون ذلك المعنى في المستعار منه (٢) أبلغ، حتى يكون في الاستعارة فائدة، وهي (٣) المبالغة في التشبيه - هكذا ذكر (٤) علي بن عيسى (٥) النحوي البغدادي في كتاب "إعجاز القرآن" من تصنيفه - إلا أن الصحيح أنه ليس بشرط فإن علياً ﵁ يسمى "أسد الله" ويسمى "حيدر" وهو الأسد، ولا شك أن شجاعة علي ﵁ تفوق على شجاعة الأسد بكثير، وأن اسم الأسد له (٦) بطريق المجاز لا بطريق الحقيقة، ولكن الغالب أن المعنى في المستعار عنه أبلغ، وما قال فيه مبالغة التشبه، بلى، ولكن الداعي إلى استعمال المجاز ليس بمقصور (٧) على مبالغة التشبه، بل للمجاز فوائد من اختصار اللفظ أو الفصاحة والجزالة إذ هو في المجاز أكثر ونحو ذلك - والله أعلم.

стр. 406

وفي هذا الفصل كلام كثير مشهور في مسائل الخلاف، وهو مستقصى في الشرح. [٤] وأما بيان أقسام الحقيقة والمجاز أما الحقيقة [فـ] أقسام ثلاثة: لغوية، وعرفية، وشرعية. وإذا ثبت انقسام الحقيقة إلى هذه الأقسام الثلاثة، ثبت انقسام المجاز إلى هذه الأقسام الثلاثة (١) ضرورة، إذ هما من الأسماء (٢) المتقابلة، فيكون مجازاً (٣) لغوياً، وعرفياً، وشرعياً، تحقيقاً للمقابلة. أما الحقيقة اللغوية - فقد ذكرنا أقسامها (٤) من العام والخاص والمشترك وغيرها (٥). وأما الحقيقة العرفية - فهي اللفظ الذي انتقل من الوضع (٦) الأصلي إلى غيره، بغلبة (٧) الاستعمال، بحيث يصير الوضع الأصلي مهجوراً, وما انتقل إليه مشهوراً، ويسبق (٨) إلى أفهام السامعين من غير أن يخطر ببالهم (٩) الوضع الأصلي، فيصير هذا (١٠) حقيقة عرفية، والوضع الأصلي يصير مجازاً على مقابلته. وسبب ذلك أن قوماً من أهل اللغة حملهم معنى

стр. 407

من المعاني على نقل الاسم الموضوع للشيء إلى غيره، ويستفيض فيهم ويشيع (١) ذلك في القبائل على طول الزمان، ثم ينشأ القرن الثاني والثالث، فلا يعرفون لذلك الاسم إلا المسمى (٢) الذي انتقل إليه، لصيرورة (٣) المنتقل عنه مهجوراً، ولا استحالة في ذلك، إذ (٤) وضع الأسماء الوضعية تابع للأغراض والمقاصد، لا أنه راجع إلى عين (٥) الذوات، فإنهم لو وضعوا في الابتداء اسم الماء للنار واسم النار للماء (٦) كان صحيحاً، فإذا تبدل الغرض، بحدوث كل معنى على مرور الزمان، جاز نقك الاسم من ذلك المسمى إلى غيره، تحقيقاً للغرض. ونظيره (٧) العدل في وضع اللغة: مصدر عدل يعدل عدالة وعدلا (٨)، ثم في عرف الاستعمال صار عبارة عن العادل، واشتهر استعماله بحيث لا (٩) يخطر بالبال الوضع الأصلي، فيصير حقيقة عرفية، حتى جاز إطلاق (١٠) اسم العدل على الله تعالى بطريق الحقيقة، لا بطريق المجاز، حتى إن من نفى اسم العدل عن الله تعالى، فقال: إنه ليس بعدل. فإنه (١١) يكفر. ولو قال: إنه ليس بعدالة (١٢) فهو (١٣) صحيح.

стр. 408

وأما الحقيقة الشرعية (١) - فهي (٢) كل لفظ وضع لمسمى في الشرع. ثم هو نوعان: أحدهما - أن يكون موضوعاً لمسمى (٣) في اللغة، ثم استعمل في الشرع لمسمى آخر، مع هجران الاسم للمسمى اللغوي بمضي الزمان وكترة الاستعمال في المسمى الشرعي. والثاني - (٤) أن يكون اسماً حدث في الشرع لفعل شرعي [و] لم يكون ذلك الاسم موضوعاً لشيء ما في اللغة (٥)، بأن ورد في الكتاب أو السنة. فأما ما دام مستعملا في المعنى اللغوي مع صيرورته مستعملا في المسمى الشرعي، فإنه لا يصير حقيقة شرعية، ولكن لي كون اسماً مشتركاً بين المعنى اللغوي والشرعي. وكذا في الاسم العرفي إذا لم يصر الاسم مهجوراً (٦) في المعنى اللغوي، لا يصير حقيقة عرفية، ولكن يكون اسماً مشتركاً بين المعنى اللغوي والعرفي. ثم إذا صار حقيقة عرفية أو شرعية صار المعنى اللغوي، في مقابلة الحقيقة العرفية والشرعية، إما (٧) مجازاً عرفياً أو (٨) مجازاً شرعياً. وهذا الذي ذكرنا قول عامة أهل الأصول وأئمة الأدب.

стр. 409

وقال أصحاب الحديث، من الفقهاء والمتكلمين، وهم أصحاب الشافعي والأشعرية: إن اللفظ اللغوي إذا استعمل في المعنى الشرعي لابد أن يبقى فيه المعنى اللغوي, فيكون حقيقة لغوية, لكن يزاد في الشرع في (١) ذلك المسمى اللغوي معنى آخر شرعي أو شرط شرعي، فيكون المعنى (٢) اللغوي كل معتبراً مع اعتبار المعنى الشرعي. فأما ما (٣) لا يجوز أن يستعمل في المعنى الشرعي من غير اعتبار المعنى اللغوي، كاسم الصلاة: في اللغة للدعاء (٤) والثناء، ثم زيد في الشرع على ذلك أفعال معهودة، فيكون المفروض دعاء وثناء مقروناً بأفعاك مخصوصة. وكذا الصرف والسلم ينبئ عن (٥) معنى القبض والتسليم، وزيد (٦) عليه في الشرع ثبوت الملك، فاعتبر الأمران جميعاً. وقال بعضهم: إذا استعمل الاسم اللغوي في المعنى الشرعي لا يصير حقيقة شرعية, ولكن يكون مجازاً. والصحيح قول العامة، فإن كثيراً من الألفاظ اللغوية استعملت (٧) في المعاني الشرعية، بحيث لم يخطر بالبال المعنى اللغوي، بل سبق (٨) إلى أفهام الناس (٩) المعنى الشرعي، نحو اسم الصلاة: في اللغة (١٠) للدعاء (١١)

стр. 410

ثم صار مستعملا في الشرع لأفعال معهودة من غير أن يخطر بالبال معنى الدعاء في الصلاة. وكذا الزكاة: في اللغة عبارة عن النماء والزيادة -، قال: زكى الزرع إذا نما وازداد (١)، وفي الشرع صار عبارة عن أداء طائفة من النصاب بطريق الفرضية من غير أن يسبق إلى أفهام الناس معنى الزيادة. ولهذا نظائر. ولا إحالة في ذلك لما ذكرنا أن تسمية (٢) المسمات في وضع اللغة ليس لذوات المسميات، حتى يجب ملازمة (٣) التسميات ملازمة الذوات (٤)، إذ الحكم العيني يبقى ما بقي العين، وإنما الوضع تابع للأغراض مرتب عليها، بناء على اختيار واضع اللغة، لمصلحة رأى في ذلك. فإن كان الواضع (٥) من أرباب اللغة، كما قال بعضهم، فيجوز أن ينقل الاسم اللغوي، باختيار صاحب الشرع، لتبدل المصلحة الثابتة (٦)، بناء على الوحي. وإن كان توقيفياً (٧)، كما قال أكثرهم، فكان وضع الاسم في الابتداء من صاحب الشرع لذلك المسمى لحكمة ومصلحة عرفها. ثم إذا وضع ذلك الاسم لفعل شرعي أو لحكم شرعي، مع اندراج. ذلك الاسم عن المعنى الأول، علم ضرورة أن المصلحة تبدلت، فيجوز النقل. وبهذا الطريق جوزنا النسخ في الأحكام. ووضع (٨) الاسم، إذا كان من صاحب الشرع، فهو من الأحكام، فلما جاز نسخ الأحكام لماذا لا يجوز نسخ الأسماء؟ وإن كنا لا نعقل الحكمة في البابين، تسليماً وانقياداً لفعل صاحب الشرع، مع اعتقاد الحكمة والمصاحة في الثاني وانتهاء الأول.

стр. 411

يحقق ما ذكرنا أن اسم الصلاة يطلق على الأفعال المعهودة المقرونة بالدعاء والثناء، بالإجماع. فإن كان حقيقة للأفعال المعهودة فحسب، بدون الدعاء، وهو (١) في اللغة اسم للدعاء، فيكون القول (٢) قولنا وارتفع الخلاف. وإن كان اسماً لها (٣) جميعاً، ينبغي أن لا يطلق اسم الصلاة على صلاة الأخرس حقيقة لأنه لا دعاء فيها ولا ثناء. وكذلك اسم الصلاة على الأفعال (٤) والأذكار، بطريق الحقيقة، - حتى إن نافي هذا الاسم عنها يكذب، ولو كان اسما للأمرين يكون مجازاً، لأن إطلاق اسم الكل على البعض بطريق المجاز. وفي المسألة إشكالات (٥) - والله أعلم. [٥] وأما بيان أحكام الحقيقة والمجاز فهي (٦) تتضمن مسائل منها: مسألة - المجاز هل هو موضوع كالحقيقة أم لا؟ قال بعضهم: إنه موضوع كالحقيقة: موضوعة، إلا أن الحقيقة بوضع أصلي، والمجاز بوضع طارئ، لأن المجاز من باب اللغة، حتى يقال إنه أحد نوعي الكلام، وإنه أحد اللسانين، ولو لم يأكل بوضع أرباب اللغة لا يكون من اللغة (٧).

стр. 412

وقال بعضهم: طريق المجاز بوضح أرباب اللغة دون الألفاظ المجازية، لأن في وضع اللغة الحقيقة غنية (١) لهم عن وضع المجاز, ولكن وضعوا الطريق توسعة على الناس في الكلام، فيكون التكلم بالمجاز بعدهم بناء على طريقهم الوضوع بإذنهم ورضاهم، فيكون من باب اللغة. وقال بعضهم: المجاز ليس بموضوع إذ (٢) لو كان موضوعاً يكون هذا إنكاراً للمجاز (٣)، لأن الحقيقة اسم لما وضعه واضع اللغة، وكذا ليس طريقه موضوعاً، لأنه علة وضع اسم المجاز (٤)، والعلة متى كانت منصوصة يكون الحكم منصوصاً، كالعلة في الأحكام الشرعية: إذا كانت منصوص يكون الحكم الثابت بها منصوصاً، فيفسد باب المجاز. وهو خلاف إجماع أهل اللغة: أن الكلام حقيقة ومجاز، لكن المجاز كل مستعمل شائع فيما بين أهل اللغة، ولم يكن كل منهم التنصيص على الطريق لما ذكرنا، لكن عرف ذلك بالتأمل والنظر في كيفية استعمالهم (٥) المجاز في أشعارهم ومحاوراتهم وكيفية استعاراتهم (٦)، كالأحكام الشرعية المنصوص عليها الخالية عن التنصيص على العلة، فإنه، يعرف عللها بالنظر والتأمل في النظائر - فهذا كذلك. والله أعلم. مسألة - الحقيقة والمجاز هل يكونان في أسماء الألقاب (٧) أم لا، نحو زيد وعمرو وبكر؟ اختلف فيه:

стр. 413

قال بعضهم: لا يكون، لما ذكرنا أن الحقيقة ما وضعه واضع اللغة بوضع أصلي، والمجاز ما وضعه واضع اللغة بوضع طارئ، وأما اللقب فهو (١) اسم يضعه المرء لتعريف (٢) ذات (٣) من الذوات على التعين (٤)، بدون وضع أهل اللغة ووضع الشرع. أما وضع اللغة الاسم [فـ] لذات مخصوص ومعنى خاص، أو لمعنى مخصوص على الإطلاق، لا على التعين (٥)، حتى يكون الاسم حقيقة في مثل ذلك الذات وفي اللقب بخلافه، واتصاف اللفظ بكونه حقيقة ومجازاً يكون تبعاً لكونه موضوعاً، فإذا لم يكن بوضع أهل اللغة، [فـ] لا يجوز اتصافه بالحقيقة والمجاز. وقال عامتهم بأنه يدخل الحقيقة والمجاز في أسماء الألقاب. لأن أهل اللغة وضعوا هذه الأسماء لأولادهم ولدوابهم ثم اتبعهم غيرهم في إطلاق تلك (٦) الأسماء وأمثالها. ولهذا سمي بغل رسول الله ﷺ "دلدل" وحماره "يعفور" (٧)، وسمي سيف علي ﵁ "ذا الفقار" (٨)، ونحو ذلك - إلا أنها أسماء أعيان مخصوصة لا أسماء جنس ونوع. وكذا العرب: سمى (٩) بعضهم ولده "كلباً" وبعضهم "نمراً" و "تولباً" (١٠) و "ثعلباً" (١١) و "ذئباً" ونحوها. وكذا المجاز: يجري فيها، فإن اسم اللقب

стр. 414

متى اشتهر في شخص وفيه معنى لازم مشهور، يطلق اسمه الوضوع لقباً على من يساويه في ذلك المعنى، كما يسمى السيف القطوع (١) "ذا الفقار". وفي السلف من (٢) اشتهر من أصحاب الحديث ولقب بغنجار (٣)، ثم يطلق على من بعده لمشابهة بينهما في ضبط الحديث والعدالة (٤). ويقال: فلان "عمر بن عبد العزيز" تشبيهاً به في العدل والإنصاف، وفلان "أبو ذر الغفاري" تشبيهاً به في الزهد، وفلان "عبد الله بن سلول" إذا اشتهر في النفاق تشبيهاً به (٥) - وهذا من باب المجاز. فثبات أن ما قالوه مخالف لعرف الناس. مسألة - الحقيقة والمجاز (٦) هل يجوز أن يرادا (٧) بلفظ واحد في حالة واحدة؟ فقد ذكرنا الخلاف فيه. مسألة - المجاز (٨) له عموم، كما للحقيقة (٩)، على ما ذكرنا. مسألة - القياس هل يجري في الألفاظ اللغوية، كما يجري في الأحكام الشرعية؟ اختلفوا فيه:

стр. 415

قال أكثرهم بالجريان. وأنكر ذلك بعضهم. واستدلوا بقوله تعالى: "وعلم آدم الأسماء كلها" (١) - أخبر الله تعالى أنه علم آدم صلوات الله عليه (٢) الأسماء كلها، ولا يتحقق القياس في موضع النص (٣)، لما (٤) ذكرنا من أقسام الألفاظ: أن اللفظ إما أن يكون حقيقة أو مجازاً. والحقيقة إما وضعية أو عرفية أو شرعية، وكل ذلك ثابت بالوضع. والمجاز إما أن يكون (٥) بوضع طارئ أو طريقه موضوع لغة. والوضع هو التنصيص (٦) على أسماء المسميات كلها، فمتى كان الأسماء كلها منصوصاً عليها، فأنى يتصور القياس والاستنباط؟ وجه قول العامة، هو (٧) أن الأسماء في الأصل وضعت لمعرفة المسميات الحاضرة، الحسوسة أو العقولة، لحاجتهم إلى التمييز بينها بالأسامي. فأما ما غاب عن حسهم ولم يكن من الأشياء المعقولة، فلم يخطر ببالهم، فلم يقع لهم الحاجة إلى وضع الاسم له إن كان الوضع بالاصطلاح. وإن كان توقيفياً (٨)، فإنما يرد التوقيف بالأسماء في الأشياء المعقولة (٩) المعلومة، ليحصل لهم التمييز بينهما بالأسماء. وإذا ثبت هذا، فهذه الأشياء المحسوسة الحاضرة انعدمت بمضي الزمان وتقادم العهد، سوى الأرض والسماء وما بينهما، وحدثت أمثالها

стр. 416

من بعد، فيكون إطلاق هذه الأسماء عليها (١) بطريق الاستدلال والقياس، وهو أنهم تأملوا أن وضع الأسماء، لمثل هذه الأشياء التي سبقت، لاعتبار صورته المخصوصة ولعنى لازم له، حتى يوجد ذلك الاسم عند وجوده وينعدم عند عدمه، فأطلقوا (٢) الأسماء على أجناس هذه التي سبقت، بالاستدلال، لوجود علة الوضع في أسماء (٣) الأشياء الحاضرة، عند الوضع والتوقيف. وهذا هو تفسير القياس، وهو إثبات مثل الحكم الثابت في الأصل، لأجل معنى معقول، وهذا موجود في الألفاظ اللغوية (٤)، كما في القياس في الأحكام الشرعية إذا عقل المعنى الذي تعلق به الحكم (٥). فإن أنكروا الاسم فلا مشاحة في العبارة. وإن أنكروا القياس من حيث المعنى، فهو عناد ومكابرة (٦)، مع وجود حقيقته وحده. وقد (٧) خرج الجواب عن قولهم: إن الألفاظ كلها بالوضع، فكيف يكون القياس فيها متصوراً - فنقول: إن الوضع وجد في الأشياء الحاضرة الموجودة وقت الوضع. وما قالوا: إنما (٨) سمينا هذا الشيء (٩) بهذا الاسم، لكونه على هذه الصورة، ولوجود هذا المعنى فيه تنصيصاً، بل وجد منهم تسميتها بهذه الأسامي، ثم من

стр. 417

بلغهم وضعهم تأملوا في ذلك بنوع من الاستدلال الذي ذكرنا، برأيهم واجتهادهم، كا في الأحكام الشرعية إذا وردت النصوص بها، تم إن عقل معناها الذفي تعلق به (١) الحكم، يقاس غيره عليه (٢) إذا وجد فيه ذلك المعنى، بنوع رأي واجتهاد، فلا يسمى ذلك منصوصاً - فكذا (٣) هذا. وقد ذكرنا قبل هذا شرحه. وتعلقهم بالنص لا يستقيم: فإن المراد من النص تعليم أسماء الأشياء الحاضرة عندهم، لأن حاجتهم إلى معرفة أسماء هذه الأشياء، دون الغائبة عن حسهم ودون المعدومات. وفي سياق الآية ما يدل عليه حيث قال تعالى: "ثم عرضهم على الملائكة فقال: أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين" (٤)، وإذا كان كذلك، فتناول الأسماء للحادثات (٥) بعد ذلك يكون بطريق القياس، على أنه إن كان في النص أنه تعالى (٦) علم آدم الأسماء كلها، فلا حاجة له (٧) إلى القياس، ولكن لم يثبت أن آدم ﵇ علم غيره الأسماء كلها (٨)، فمست الحاجة إلى القياس، في حق غيره - والله أعلم. مسألة - اللغات كلها في الأصل (٩) توقيفية أم اصطلاحية؟ قال عامة المعتزلة وبعض الفقهاء بأنها (١٠) اصطلاحية.

стр. 418

وقال عامة المتكلمين من أهل الحديث، وعامة أهل الحديث من الفقهاء وأهل التفسير: إنها توقيفية. وقال بعض أهل التحقيق: لابد أن (١) يكون لغة واحدة توقيفية، ثم اللغات الأخر في حد الجواز: أن تكون اصطلاحية أو توقيفية. وجه قول من قال بالاصطلاح: المشاهدة والعيان، فإن كثيراً من أسماء الأشياء نعاين (٢) حدوثها في زماننا بالاصطلاح، فإن لكل حرفة وصناعة أدوات وآلات، وقد وضعوا باصطلاحهم لكل آلة وأداة (٣) اسماً لم يكن إلا له (٤)، ولا الاسم ثابتاً (٥) من قبل، فكذا في الابتداء: يجوز أن يكون كذلك وأمكن القول به، فإن (٦) جماعة من العقلاء إذا اجتمعوا وأشاروا (٧) إلى كل شيء من المحسوسات وسموا كل واحد بلفظ غير اللفظ الأول (٨)، وقالوا (٩) هذا ماء، وهذا نار، وهذا لحم، وهذا شحم - حصل العلم لهم بأسماء الأعيان والأفعال (١٠) بهذا الطريق، والاستدلال بالشاهد على الغائب حجة مطلقة. وجه قول من ادعى التوقيف: قول الله تعالى: "وعلم آدم الأسماء كلها" (١١) وهذا نص. وروي عن ابن عباس ﵄ (١٢) في هذه الآية (١٣) أنه

стр. 419

قال: إن الله تعالى علم آدم ﵇ جميع الأسماء حتى القصعة والقصيحة. وقال الله تعالى: "خلق الإنسان علمه البيان" (١) وهذا (٢) نص. وكذا روي عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الله تعالى قرأ سورة طه وياسين قبل خلق آدم ﵇ بألفي عام، فسمعت الملائكة ﵈، فقالت: طوبى لأمة قرأتهما (٣) ". ولا إحالة في العقل بأن يخلق الله تعالى في واحد من الخلق العلم (٤) الضروري بأسماء الأشياء، ثم يبين ذلك الواحد للناس. أو يخلق في كل عاقل علماً ضرورياً بأسماء الموجودات، حتى يسمي لعين ماء ولعين خبزاً ولعين لحماً ونحو ذلك. وإذا (٥) كان هذا في حد الجواز، وقد ورد النصوص بذلك وجب القول بالتوقيف. وجه قول الفريق (٦) الثالث: أن الاصطلاح على وضع اللسان لا يتحقق بدون المواضعة من الجماعة على أن يسمى (٧) هذا كذا، وهذا كذا. ولا يتحقق هذا بالإشارة وحدها، فيكون القول بواحد من الألسنة توقيفاً، ثم الاصطلاح بناء عليه باختيارهم أمراً ضرورياً لابد منه، كما في استحداث الأسماء في زماننا: لابد لوجود العلم لهم بلسان واحد على إمكان تحقيق الإجماع والمواضعة (٨) لهم في ذلك - والله أعلم. مسألة: اللفظ المستعار إذا استعير من (٩) المستعار عنه للمستعار له، يكون العامل هو اللفظ المستعار، لا أنه صار عبارة عن اسم المستعار له، كأنه ذكره باسمه صريحاً (١٠).

стр. 420

وهذا قول عامة (١) أصحابنا ﵏، وعامة أهل الأصول ﵏. ومسائل الشافعي تدل على أن العامل عنده (٢) هو الاسم الذي قام لفظ المستعار مقامه، حتى قال فيمن قال لامرأته: "أنت بائن" إنه رجعي، لأنه صار مجازاً عن قوله: "أنت طالق" كأنه نص عليه. وكذا قال: إن العتاق يقع بلفظ (٣) الطلاق، لقيام لفظ الطلاق مقامه، كأنه نص على لفظ العتاق. وهذا يستقيم على قول من يقول: إن المشابهة معتبرة بين اللفظين. فإذا (٤) كان بين لفظ الحقيقة وبين لفظ المستعار له مشابهة في المعنى، قام هذا الاسم مقامه بطريق النيابة عنه، كأنه هو، كاللفظ الموجود من الرسول: قائم مقام كلام المرسل، وكلام الوكيل: قام مقام كلام الموكل - كذا هذا. والصحيح قولنا، لأن (٥) المشابهة المعتبرة بين الذاتين في المعنى اللازم المشهور الظاهر في محل الحقيقة، فيعطى اسم المستعار عنه للمستعار له، لأنه جعل المستعار له كالمستعار عنه، لوجود التشبيه على وجه المبالغة، فيكون الاسم الموضوع للمستعار عنه اسماً للمستعار له ضرورة. وإذا كان كذلك يجب أن يكون هو العامل. يدل عليه أن من قال: "فلان أسد" أراد بهذا (٦) مدحه في الشجاعة وجعله أسداً معنى، فيكون اسم الأسد عاملا في إظهار شجاعة الأسد فيه. وصار (٧) في التقدير كأنه قال (٨): "يا شجاع" أي

стр. 421

مدح له على الخصوص باستعارة اسم الأسد، ومطلق اسم الشجاع قد يقع على من له أدنى شجاعة - فدل أن الصحيح هو القول الأول. ويستقصى هذا في مسائل الخلاف وفي الشرح - والله أعلم. مسألة - ثم المجاز يجري في الألفاظ الشرعية من البيع والهبة والنكاح والطلاق ونحوها (١) عند عامة الفقهاء. وقال بعض الفقهاء (٢): لا يجري، لأن هذه الألفاظ (٣) إنشاءات في الشرع، وأنها أفعال جارحة الكلام (٤)، وهي مخارج الحروف، بمنزلة أفعال سائر الجوارح (٥). ومن فعل فعلا حقيقة وأراد أن يكون فاعلا فعلا آخر، لا يكون. فكذلك (٦) أفعال هذه الجارحة. وإنما (٧) تدخل الاستعارة والمجاز في الألفاظ التي هي من باب الإخبار والأمر والنهي ونحو ذلك. ولكن الصحيح قول العامة: فإن العرب لما وضعت طريق الاستعارة، و (٨) استعملت المجاز في كلامهم، وعرف بالتأمل طريقه، يكون إذناً (٩) منهم بالاستعارة لكل متكلم من جملتهم أو من غيرهم، كصاحب (١٠) الشرع: متى وضع طريق التعليل، كان إذناً (١١) بالقياس لكل من فهم ذلك الطريق - كذا هذا.

стр. 422

قولهم: إنها إنشاء أفعال، والمجاز يجري في الأخبار - فنقول: المجاز لا يختص بالأخبار، بل يدخل في سائر أقسام الكلام، وهذه الألفاظ وإن جعلت إنشاء شرعاً لم يخرج من أن يكون كلاماً، والاستعارة جائزة في الكلام إذا وجد طريقها كما في الأمر والنهي، فإذا أتي بكلام هو إنشاء لفعل خاص، وذلك الكلام شبيه (١) كلام آخر، هو إنشاء لفعل آخر من حيث المعنى الذي هو طريق الاستعارة - فهو نظير (٢) الألفاظ اللغوية - والله أعلم. فصل في بيان الصريح والكناية يحتاج إلى تفسير هما في اللغة، وفي (٣) عرف الشرع. أما في اللغة: فالصريح اسم لما هو ظاهر المراد عند السامع (٤) بحيث يسبق إلى أفهام السامعين. نحو قوله: "أنت حر" و (٥) "أنت طالق" و (٦) "بعت" و "اشتريت" ونحوها - مأخوذ من قولهم: صرح الحق عن محضه. ومنه (٧) سمي القصر صرحاً، لظهوره وارتفاعه على سائر الأبنية.

стр. 423

وأما الكناية فاسم لما استتر (١) مراد المتكلم من حيث اللفظ - مأخوذ من قولهم: "كنيت" و "كنوت" ومنه قول القائل: وإني لأكنو عن قذور بغيرها ... وأعرب أحياناً بها فأصارح (٢) ولهذا سميت كنايات الطلاق للألفاظ (٣) التي استتر مرادها، نحو قولهم: "خلية" - "برية" (٤) - "بتة" (٥) - ونحوها. وأما الصريح في عرف الشرع: [فـ] مثل ما ذكرنا في الظاهر، إلا أن هذا أظهر لكثرة الاستعمال. وأما الكناية: فهو (٦) أن يذكر لفظ دال على الشيء لغة، ويراد به غير المذكور، لملازمة بينهما ومجاورة خاصة - نظيره قوله تعالى: "أو جاء أحد منكم من الغائط" (٧) والغائط اسم لمكان مطمئن من الأرض، وهو كناية عن الحدث لمجاورة لازمة بينهما، فإن الحدث لا يكون إلا في مثل هذا المكان غالباً. وكذا تطهير الفرجين بالحجر - يسمى استنجاء واستجماراً، والاستنجاء، في وضع اللغة، طلب (٨) النجوة (٩)، والاستجمار طلب الجمرة، وهي (١٠) الحجر، لملازمة بينهما في العادة. وإنما الداعي إلى الاشتغال (١١) بالكناية قبح ذكر النجاسة والعورة ههنا.

стр. 424

وقد يكنى لقصد إخفاء الكنى عنه، بإظهار (١) المذكور، عن السامع لغرض له في ذلك - يقال في المثل: "إياك أعني فاسمعي (٢) يا جارة". وكما ذكرنا من (٣) قول الشاعر: "وإني لأكنو عن قذور بغيرها". ثم الكناية هل هي من باب المجاز أم لا؟ بعضهم قالوا (٤): من باب المجاز، لأن المجاز ما تجاوز عن وضعه الأصلي إما بزيادة أو نقصان على ما مر - وكل (٥) ما هو خلاف ظاهر الموضوع فهو مجاز. والصحيح أنه ليس بمجاز بل هو (٦) حقيقة، لكن الحقيقة نوعان: صريح وكناية. وكذا المجاز نوعان: صريح وكناية. يدل على التفرقة بينهما أن المجاز عامل بنفسه، ولفظ الكناية يراد به (٧) غيره. ألا ترى أنه يقال (٨): "فلان طويل النجاد" و (٩) يراد به طول القامة، لأن نجاد كل شخص على قدر قامته. ويقال: "فلان كثير الرماد" يكنى (١٠) به عن (١١) السخاوة، لأن من يكثر نزول الأضياف عليه، يحتاج إلى زيادة الطبخ، فيكثر رماد مطبخه - والله أعلم.

стр. 425

فصل في المطلق والمقيَّد قد ذ كرنا تفسير المطلق: أن يكون متعرضاً للذات دون الصفات. والمقيد: ما يتعرض للذات الموصوف بصفة (١). نظير الأول قوله تعالى: "أو تحرير رقبة" (٢) في كفارة اليمين. ونظير الثاني قوله تعالى في كفارة القتل (٣): "فتحرير رقبة مؤمنة" (٤). فحكم الأول أن يتعلق بالذات دون الصفة (٥). وحكم الثاني أن يتعلق بالذات الموصوف لا غير. على ما نذكر - والله الموفق.
следующие страницы →