← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 19237

ميزان الأصول في نتائج العقول

علاء الدين السمرقندي

Полный текст (813 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

مدح له على الخصوص باستعارة اسم الأسد، ومطلق اسم الشجاع قد يقع على من له أدنى شجاعة - فدل أن الصحيح هو القول الأول. ويستقصى هذا في مسائل الخلاف وفي الشرح - والله أعلم. مسألة - ثم المجاز يجري في الألفاظ الشرعية من البيع والهبة والنكاح والطلاق ونحوها (١) عند عامة الفقهاء. وقال بعض الفقهاء (٢): لا يجري، لأن هذه الألفاظ (٣) إنشاءات في الشرع، وأنها أفعال جارحة الكلام (٤)، وهي مخارج الحروف، بمنزلة أفعال سائر الجوارح (٥). ومن فعل فعلا حقيقة وأراد أن يكون فاعلا فعلا آخر، لا يكون. فكذلك (٦) أفعال هذه الجارحة. وإنما (٧) تدخل الاستعارة والمجاز في الألفاظ التي هي من باب الإخبار والأمر والنهي ونحو ذلك. ولكن الصحيح قول العامة: فإن العرب لما وضعت طريق الاستعارة، و (٨) استعملت المجاز في كلامهم، وعرف بالتأمل طريقه، يكون إذناً (٩) منهم بالاستعارة لكل متكلم من جملتهم أو من غيرهم، كصاحب (١٠) الشرع: متى وضع طريق التعليل، كان إذناً (١١) بالقياس لكل من فهم ذلك الطريق - كذا هذا.

стр. 422

قولهم: إنها إنشاء أفعال، والمجاز يجري في الأخبار - فنقول: المجاز لا يختص بالأخبار، بل يدخل في سائر أقسام الكلام، وهذه الألفاظ وإن جعلت إنشاء شرعاً لم يخرج من أن يكون كلاماً، والاستعارة جائزة في الكلام إذا وجد طريقها كما في الأمر والنهي، فإذا أتي بكلام هو إنشاء لفعل خاص، وذلك الكلام شبيه (١) كلام آخر، هو إنشاء لفعل آخر من حيث المعنى الذي هو طريق الاستعارة - فهو نظير (٢) الألفاظ اللغوية - والله أعلم. فصل في بيان الصريح والكناية يحتاج إلى تفسير هما في اللغة، وفي (٣) عرف الشرع. أما في اللغة: فالصريح اسم لما هو ظاهر المراد عند السامع (٤) بحيث يسبق إلى أفهام السامعين. نحو قوله: "أنت حر" و (٥) "أنت طالق" و (٦) "بعت" و "اشتريت" ونحوها - مأخوذ من قولهم: صرح الحق عن محضه. ومنه (٧) سمي القصر صرحاً، لظهوره وارتفاعه على سائر الأبنية.

стр. 423

وأما الكناية فاسم لما استتر (١) مراد المتكلم من حيث اللفظ - مأخوذ من قولهم: "كنيت" و "كنوت" ومنه قول القائل: وإني لأكنو عن قذور بغيرها ... وأعرب أحياناً بها فأصارح (٢) ولهذا سميت كنايات الطلاق للألفاظ (٣) التي استتر مرادها، نحو قولهم: "خلية" - "برية" (٤) - "بتة" (٥) - ونحوها. وأما الصريح في عرف الشرع: [فـ] مثل ما ذكرنا في الظاهر، إلا أن هذا أظهر لكثرة الاستعمال. وأما الكناية: فهو (٦) أن يذكر لفظ دال على الشيء لغة، ويراد به غير المذكور، لملازمة بينهما ومجاورة خاصة - نظيره قوله تعالى: "أو جاء أحد منكم من الغائط" (٧) والغائط اسم لمكان مطمئن من الأرض، وهو كناية عن الحدث لمجاورة لازمة بينهما، فإن الحدث لا يكون إلا في مثل هذا المكان غالباً. وكذا تطهير الفرجين بالحجر - يسمى استنجاء واستجماراً، والاستنجاء، في وضع اللغة، طلب (٨) النجوة (٩)، والاستجمار طلب الجمرة، وهي (١٠) الحجر، لملازمة بينهما في العادة. وإنما الداعي إلى الاشتغال (١١) بالكناية قبح ذكر النجاسة والعورة ههنا.

стр. 424

وقد يكنى لقصد إخفاء الكنى عنه، بإظهار (١) المذكور، عن السامع لغرض له في ذلك - يقال في المثل: "إياك أعني فاسمعي (٢) يا جارة". وكما ذكرنا من (٣) قول الشاعر: "وإني لأكنو عن قذور بغيرها". ثم الكناية هل هي من باب المجاز أم لا؟ بعضهم قالوا (٤): من باب المجاز، لأن المجاز ما تجاوز عن وضعه الأصلي إما بزيادة أو نقصان على ما مر - وكل (٥) ما هو خلاف ظاهر الموضوع فهو مجاز. والصحيح أنه ليس بمجاز بل هو (٦) حقيقة، لكن الحقيقة نوعان: صريح وكناية. وكذا المجاز نوعان: صريح وكناية. يدل على التفرقة بينهما أن المجاز عامل بنفسه، ولفظ الكناية يراد به (٧) غيره. ألا ترى أنه يقال (٨): "فلان طويل النجاد" و (٩) يراد به طول القامة، لأن نجاد كل شخص على قدر قامته. ويقال: "فلان كثير الرماد" يكنى (١٠) به عن (١١) السخاوة، لأن من يكثر نزول الأضياف عليه، يحتاج إلى زيادة الطبخ، فيكثر رماد مطبخه - والله أعلم.

стр. 425

فصل في المطلق والمقيَّد قد ذ كرنا تفسير المطلق: أن يكون متعرضاً للذات دون الصفات. والمقيد: ما يتعرض للذات الموصوف بصفة (١). نظير الأول قوله تعالى: "أو تحرير رقبة" (٢) في كفارة اليمين. ونظير الثاني قوله تعالى في كفارة القتل (٣): "فتحرير رقبة مؤمنة" (٤). فحكم الأول أن يتعلق بالذات دون الصفة (٥). وحكم الثاني أن يتعلق بالذات الموصوف لا غير. على ما نذكر - والله الموفق.

стр. 426

فصل فيما يرجع إلى العبارة من حيث الإشارة، والدلالة، والإضمار، والاقتضاء (١) (٢) أما إشارة النص: [فـ] ما عرف بنفس الكلام بنوع تأمل من غير أن يزاد عليه شيء أو ينقص عنه، لكن لم يكن الكلام سيق له، ولا هو المراد بالإنزال حتى يسمى نصاً. ولا عرف أيضاً بنفس الكلام (٣) في أول ما قرع سمعه من غير تأمل حتى يسمى ظاهراً. ولكن (٤) عرف بنفس اللفظ بواسطة التأمل من غير زيادة ولا نقصان، فيسمى (٥) إشارة. نظيره من المحسوسات: من نظر إلى شيء فرآه بإقباله عليه قصداً، ورأى مع ذلك غيره يمنة أو يسرة (٦) بأطراف عينيه من غير قصد: فما يقابله هو المقصود بالنظر. وما وقع عليه أطراف بصره فمرئي، [و]، رؤيته بطريق الإشارة. ومثاله من الشرعيات قوله تعالى: "للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا

стр. 427

من ديارهم وأموالهم" (١): فالآية نص في بيان استحقاق سهم من الغنيمة للفقراء المهاجرين، لأنها نزلت لبيان هذا الحكم على سبيل التفسير لما سبق من قوله تعالى: "ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل" (٢) إلى قوله تعالى (٣) "للفقراء .. (الآية) " (٤) تم في الآية إشارة إلى أن استيلاء الكفار على (٥) أموال المسلمين سبب لثبوت الملك لهم فيها حيث سماهم فقراء مع إضافة الديار والأموال إليهم، والفقير عبارة عن عديم المال فيكون فيه إشارة (٦) إلى (٧) زوال ملكهم (٨) عما استولوا عليه بعد إخراجهم عن أموالهم وديارهم - ولهذا نظائر كثيرة. وأما دلالة النص: [فقد] اختلف مشايخنا فيها (٩): قال بعضهم: إن دلالة النص والقياس سواء، لأن حد (١٠) القياس ليس إلا إثبات (١١) كل حكم المنصوص عليه في غيره، بمثل (١٢) المعنى الذي تعلق به الحكم في الأصل (١٣). وهذا الحد موجود فيما يسمى

стр. 428

"دلالة" فإن قوله تعالى: "فلا تقل لهما أف" (١) - ظاهر النص تحريم التأفيف، وهو غير تحريم الضرب والشتم، فلا يكون تحريم الضرب منصوصاً عليه عيناً، ولكن عقل معنى تحريم التأفيف وهو أذى الأب لحرمة الأبوة، والأذى في الضرب أكثر، وعلة التحريم موجودة وهي الأبوة، وما يكون محرماً للقليل يكون محرماً للكثير، بطريق (٢) الأولى، فيكون هذا قياساً، لكنه قياس جلي. والمعنى (٣) الموجب إذا كان خفياً يسمى "قياساً" وإذا كان جلياً يسمى "دلالة"، أما في الحالين ليس هو إثبات الحكم بعين النص مضافاً إليه، فيكون حد دلالة النص هو القياس الجلي. و (٤) قال القاضي الإمام (٥) أبو زيد ﵀ ومن تابعه: إن دلالة النص ما ثبت بمعنى النص، في غير النصوص عليه، معنى ظاهراً (٦)، يعرف بسماع اللفظ، من غير تأمل، حتى يستوي فيه الفقيه والعربي الذي ليس بفقيه, بمنزلة الحكم ببديهة العقل. [وهو] ما يعرف بالعقل من غير تأمل. والحكم الثابت بالاستدلال العقلي ما يحتاج فيه إلى التأمل والنظر. ولكن كل ذلك مضاف إلى العقل - فكذا هذا. فمن حيث إنه (٧) لم يثبت بعين اللفظ لم يسم (٨) نصاً. ومن حيث إنه (٩) ثبت (١٠) بمعنى النص لغة، لا رأياً

стр. 429

واجتهاداً لوضوحه (١) سمي دلالة النص. ونظيره حرمة التأفيف: إن كل عربي سمع (٢) قوله تعالى: "فلا تقل لهما أف" (٣) عرف عند السماع من غير تأمل حرمة ضربه وقتله، فيكون النص دالا (٤) عليه، فيكون تحريم الضرب ثابتاً (٥) بدلالة النص، وحرمة التأفيف ثبتت (٦) بعين النص، بخلاف الحكم الثابت بالقياس: فإنه حكم ثبت بمعنى النص أيضاً، لكن بواسطة الاجتهاد، حتى اختص به الفقهاء، لخفائه. ونظيره أيضاً: ما روي عن النبي ﷺ أنه رجم ماعزاً حين زنى، وهو محصن، وثبت زناه وإحصانه عنده، فيكون وجوب الرجم في حق ماعز ثابتاً بعين النص، وفي حق غيره إذا زنى وهو محصن ثابتاً بدلالة النص، لأنه عرف (٧) بالبديهة أنه ما رجم ماعزاً لكونه ماعزاً محصناً، لكن لوجود (٨) الزنا منه عند الإحصان، ومثله موجود في حق غيره، فثبت (٩) الحكم في حق غيره بالمعنى الثابت ظاهراً، فيكون دلالة النص. ولا يقال: إن الأمة لما أجمعت (١٠) على وجوب الرجم في حق ماعز لوجود (١١) الزنا منه (١٢) مع الإحصان، يكون هذا حكماً ثابتاً بعلة مجمع

стр. 430

عليها، لا بدلالة النص، لأن دلالة (١) النص ما ثبت الحكم فيها بمعنى النص، لا بعين النص، وقد علم بالإجماع ههنا أنه ثبت بمعنى النص، فكان (٢) دلالة النص، ولكنا (٣) نقول في الحكم الثابت بعلة النص: إنه ثابت بدلالة النص لا بعين النص (٤) - والله أعلم. وأما الإضمار، والاقتضاء (٥): اختلف مشايخنا في ذلك: قالت بعضهم: هما سواء، وهما من باب الاختصار والحذف - يزاد على الكلام لتصحيحه، وهو اختيار القاضي الإمام (٦) أبي زيد رحمه الله تعالى. وقال أستاذي الشيخ الإمام الزاهد علي بن محمد البزدوي (٧) ﵀ بأن (٨) الإضمار غير الاقتضاء (٩). وهو الأصح (١٠).

стр. 431

ثم على قول الفريق الأول: حدهما واحد، وهو ما زيد على ظاهر الكلام، مما (١) لا يصح الكلام بدونه، لتصحيحه، لأن العاقل الحكيم (٢) لا يقصد بكلامه اللغو، إلا أنه نوعان: - قد يزاد لتصحيح (٣) نفس (٤) الكلام، عقلا. - وقد يزاد لتصحيح الكلام، شرعاً، بأن تعلق بالكلام حكم شرعي، [و] لا صحة لذلك الحكم إلا بوجود شيء آخر، فيكون شرط صحته، فيثبت مقتضاه، تصحيحاً للكلام في حق إثبات الحكم، وإن كان الكلام صحيحاً من حيث إنه كلام لغة، وهذا لأن ما كان من ضرورات الشيء يكون ثابتاً (٥) بإثباته. ولهذا قالوا: إن (٦) الأمر بالشيء أمر بما لا صحة له بدونه، كالأمر بالصلاة: أمر بالوضوء، وتحصيل شرائطها (٧). والأمر (٨) لعبده (٩) بصعود السطح، وليس ثمة سلم منصوب، ولكنه (١٠) موضوع على الأرض، يكون أمراً بنصب السلم، لما قلنا. نظير صحة الكلام بما (١١) تعلق الحكم الشرعي به, قوله (١٢) تعالى:

стр. 432

"واسأل القرية التي كنا فيها" (١) - أمر بالسؤالءن القرية، ولا يصح الأمر بالسؤال عن القرية، لأنه لا يصح منها (٢) الجواب، والسؤال يقتضي الجواب، فيكون أمراً بالسؤال ممن يصح منه، وهو أهل القرية، فيزاد (٣) الأهل في الكلام، تصحيحاً للكلام، فيسمى به مضمراً (٤). ونظير المثاني قول الرجل لغيره: "اعتق عبدك هذا (٥) عني بألف درهم"، فقال: "أعتقت"، فإنه يقع العتق (٦) عن الآمر بألف درهم (٧)، لأن الآمر أمره (٨) بإعتاق عبد مملوك له عنه بألف درهم (٩) , ولا صحة للإعتاق عن الآمر بدون ثبوت الملك له في العبد المأمور بعتقه، وذلك يكون بالتمليك منه بما سمى، فيكون الأمر بالإعتاق مقتضياً البيع منه، حتى يصح منه إعتاقه عنه (١٠)، فيزاد "البيع" على هذا الكلام الذي هو سبب ثبوت الملك تصحيحاً لكلامه (١١)، في حق الحكم، فيصير كأنه قال: "بع عبدك هذا (١٢) مني بألف درهم، وكن وكيلا عني بإعتاقه", فيكون أمراً بالبيع منه والإعتاق عنه (١٣) جميعاً، فيكون مضافاً إلى المقتضى، وهو الأمر بالإعتاق، ضرورة صحة الإنشاء (١٤) - ولهذا نظائر.

стр. 433

وجه القول المختار، هو (١) أن الإضمار من باب الحذف والاختصار، وهو مذكور لغة، ولهذا قلنا: إن المضمر له عموم، فإن من قال لامرأته: "طلقي نفسك" ونوى (٢) الثلاث، فطلقت نفسها يقع الثلاث، لأن المصدر محذوف، وهو كالمذكور لغة، فيصير كأنه قال: "طلقي نفسك طلاقاً" ونيته الثلاث في المصدر: تصح، كما إذا قال (٣): "أنت طالق طلاقاً" ونوى الثلاث: يصح. فأما المقتضى [فـ] ليس بمذكور لغة، بل يجعل ثابتاً ضرورة، كا في قوله: "أنت طلق" يجعل المصدر ثابتاً، ضرورة صحة الإنشاء (٤)، لأنه إخبار صيغة، لكن يجعل ثابتاً بقدر ما فيه ضرورة (٥) وهو صحة الكلام، والضرورة تندفع بوقوع طاقة واحدة، فلا يتعمم (٦) من غير ضرورة، ويجعل عدماً فيما وراءها، على ما هو الأصل في الثابت بطريق الضرورة: أن (٧) يتقدر بقدر الضرورة. وهذا قول أصحابنا ﵏. وعلى قول الشافعي ﵀: المقتضى له عموم، وله وجهان: أحدهما - أنه قال: إنه من باب الإضمار، والمصدر المضمر والمذكور سواء. والثاني - قال: إنه مذكور شرعاً، والمذكور شرعاً كالمذكور حقيقة - ألا ترى أن الميت حكماً بمنزلة الميت حقيقة في حق الأحكام، وهو المرتد الذي لحق (٨) بدار الحرب.

стр. 434

ولنا: أن العموم من صفات اللفظ، والمقتضى غير ملفوظ حقيقة، وإنما يجعل ملفوظاً بطريق الضرورة، والضرورة ترتفع (١) بالطلاق الواحد، فصار كما لو نص فقال (٢): "أنت طالق طلاقاً واحداً"، ولا يجعل (٣) ملفوظاً فيما وراء صحه الكلام. وقوله: إن المصدر صار مذكوراً، فقد ذكرنا الكلام فيه، فيما تقدم. وفي هذه الفصول إشكالات مذكورة في الشرح - والله أعلم. فصل في الوجوه التي اختلف فيها: أنها ملحقة بالأحكام الثابتة باللفظ والعبارة أم لا ؟ وهي فصول، خمسة منها متقاربة: أحدها (٤) - أن النص إذا أثبت حكماً في (٥) مسمى باسم علم - هل يدل على نفي الحكم فيما عداه؟ كقوله ﵇: "في خمس (٦) من الإبل شاة"- إثبات الحكم في الحيوان المسمى باسم الإبل (٧): هل يكون نفياً عن المسمى باسم الغنم والبقر ونحوه أم لا؟

стр. 435

والثاني - أن (١) النص إذا أثبت حكماً في موصوف بصفة - هل يكون نفياً للحكم في غير الموصوف بتلك الصفة؟ كقوله ﵇: "في خمس من الإبل السائمة شاة": فيه إيجاب الزكاة في إبل موصوفة (٢) بصفة الأسامة (٣) هل يكون نفياً للوجوب عن غير الإبل السائمة؟ والثالث - أن النص إذا أثبت حكماً معلقاً بشرط صحيح - هل يكون نفياً للحكم بدون ذلك الشرط؟ كقوله تعالى: "ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات" (٤): علق جواز نكاح الأمة شرط عدم طول الحرة، وهل (٥) يكون نفياً لجواز نكاح الأمة بدون هذا الشرط أم لا؟ والرابع - أن النص إذا أثبت حكماً مقدراً بمقدار معلوم، هل يكون نفياً للزيادة أو النقصان عن ذلك القدر أم لا؟ كقوله تعالى: "الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة" (٦): - هل يكون نفياً لإيجاب الزيادة (٧) على المائة أو النقصان عنها؟ والخامس - أن (٨) النص إذا أثبت حكماً موقتاً إلى زمان معدوم هل يكون نفياً لذلك الحكم بعد مضي ذلك الوقت في زمان بعده أم لا؟.

стр. 436

كقوله تعالى: "ثم أتموا الصيام إلى الليل" (١)، فهذا (٢) النص: هل ينفي إيجاب الصوم في الليل أم لا؟ ثم عند عامة أصحابنا ﵏ في الفصول كلها: أنه (٣) لا يوجب النفي، وإنما حكمه الإثبات فيما (٤) نص عليه لا غير، وحكمه موقوف إلى قيام الدليل في النفي والإثبات في غيره (٥). وعند المعتزلة: يقف (٦) على الدليل العقلي: إن نفاه ينتفى، وإن أثبت يثبت، بناء على أصلهم: أن العقل دليل في كثير من الشرعيات. وقال الشافعي ﵀ في الفصول كلها: إنه يوجب النفي. وهو قول بعض أصحابنا مثل الكرخي وغيره، إلا في الفصل الأول: فإنه قول عامة العلماء إلا بعض أصحاب الحديث. وقيل: هو قول بعض أصحاب الشافعي. وأصحاب الشافعي (٧) سموا الفصول المختلفة بيننا وبينهم: دليل الخطاب ومفهوم الخطاب. وشبهتهم العقلية أن (٨) تخصيص الشيء بالحكم (٩) ذكراً يقتضي فائدة مخصوصة, وليس ذلك إلا نفي الحكم عن غيره - ألا ترى أن المعلق

стр. 437

بالشرط إذا كان يوجد عند وجود الشرط ويوجد عند عدم الشرط، لم يكن للتعليق بالشرط فائدة. وعامة العلماء تعلقوا بالنص والمعقول: - أما النص: فقوله (١) تعالى: "منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم" (٢) - فالله (٣) تعالى حرم الظلم في هذه الأشهر الحرم، وموجب ما ذكرتم أن ينفي (٤) حرمة الظلم في أشهر أخر. وهذا خلاف إجماع الأمة. وقال تعالى: "ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصناً" (٥) - فالله تعالى نهى عن إكراه الإماء (٦) على الزنا (٧) إن أردن التعفف، وهذا يوجب إباحة الإكراه على الزنا إن لم يردن التعفف على قود (٨) مذهبكم - وإنه فاسد. - وأما المعقول: فهو (٩) أن انتفاء الحكم في هذه الفصول إما أن يثبت بالنص، أو لضرورة (١٠) فائدة التخصيص بالذكر.

стр. 438

والأول (١) فاسد: • لأن النص الثبت موجبه هو (٢) الإثبات دون النفي لغة، وبين النفي والإثبات منافاة، فالموضوع لأحد الضدين كيف يكون موضوعاً للضد الآخر؟ • و (٣) لأن إثبات الحكم في مسمى معلوم لو كان ينفي ثبوت ذلك الحكم في غيره لامتنع القول بالقياس، لأن القياس لا يصح إلا بعد ثبوت الحكم في محل منصوص عليه مسمى باسم خاص. ولو كان النص يوجب نفي الحكم في غير المنصوص عليه يكون القياس بمقابلة النص، والقياس لا (٤) يعارض النص بالإجماع. والوجه الثاني فاسد أيضاً: فإنه مجرد الدعوى أن لا فائدة سوى نفي الحكم عن غيره، وما لم ينف (٥) بالدليل: أنه لا يتصور فائدة أخرى في هذه الفصول، وأن الفائدة مقصورة على نفي الحكم عن غيره، فلا (٦) يستقيم هذا الكلام، ولا يتصور ذلك (٧) حتى يلج الجمل في سم الخياط (٨) - والله الموفق. مسألة - ومنها أن المطلق هل يحمل على المقيد أم لا؟

стр. 439

فعند الشافعي ﵀: يحمل المطلق (١) على المقيد بكل حال. واختلف المشايخ عندنا: قال بعضهم: يحمل إذا كان السبب واحداً، والحادثة واحدة. فأما في حادثتين، [فـ] لا يحمل. وقال أهل التحقيق منهم بأنه لا يحمل سواء كانت الحادثة واحدة أو لا، إلا إذا كان الحكم (٢) واحداً، والسباب واحداً، ولا يمكن الجمع بين المطلق والمقيد (٣): فحينئذ يحمل. وجه قول الشافعي أن المطلق يحتمل المقيد (٤)، كالعام يحتمل الخصوص، والمجمل يحتمل البيان. فإذا (٥) ورد كل طلق ومقيد يجب أن يكون المقيد (٦) بياناً للمطلق، ويكون كلا النصين بمنزلة نص واحد؛ كالنص المجمل مع النص المبين (٧)، حتى لا يؤدي إلى التناقض، ولا يقال متى جعل نسخاً لا يؤدي إلى التناقض، لأنهما إذا كانا مقارنين لا يمكن الحمل على النسخ، ولأن النسخ أمر ضروري فلا يصار إليه من غير ضرورة، ولا ضرورة مع إمكان الحمل على البيان (٨). ولأنا لو لم نحمل المطلق على المقيد، يؤدي إلى إلغاء صفة القيد، فإن قبل ورود (٩) النص

стр. 440

المقيد، لو أتى بالمطلق والمقيد يكون جائزاً، فعند (١) ورود النص المقيد؛ لو صار (٢) المطلق نظير المقيد، لم يكن في القيد فائدة. وبهذا الطريق حمل المطلق على المقيد: - في باب الشهادات: فإن بعض النصوص مطلق عن قيد العدالة، وبعضها مقيد. ثم صار المطلق مقيداً بالإجماع، حتى شرطت العدالة لوجوب قبول الشهادة (٣). - وكذا ورد في باب الزكاة نصان: مطلق عن قيد الأسامة، ومقيد بصفة الأسامة. قال النبي ﷺ : "في خمس من الإبل شاة"، وروي: "في خمس من الإبل السائمة شاة" (٤) ثم حمل المطلق على المقيد حتى صار صفة الأسامة (٥) شرطاً بالإجماع لوجوب الزكاة. وكذا في كفارة الحنث (٦): ورد ظاهر النص مطلقاً عن صفة التتابع في إيجاب الصوم، فقال تعالى: "فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام" (٧) وفي (٨) قراءة عبد الله بن مسعود ﵁: "فصيام ثلاثة أيام متتابعات". وقد حملتم المطلق على المقيد حتى شرطتم التتابع، ولا يلزمنا أنا لا (٩) نحمل، حتى لم يصر التتابع شرطاً عندنا، لأن في صوم الكفارات (١٠) ورد النص

стр. 441

المطلق، وقد ورد المقيد على وصفين: بصفة التتابع (١) وبصفة التفرق، وهو قوله تعالى في صوم المتعة: "فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة" (٢) - فلم يكن أحد النصين المقيدين بأولى من حمل المطلق عليه، فسقط اعتبار المقيد، لأجل التعارض، أو يثبت له الخيار في الحمل على أي المقيدين شاء، عملا بالدليلين بقدر الإمكان. على أن قراءة عبد الله بن مسعود ﵁ (٣) لا تصلح معارضاً لقراءة (٤) العامة الثابتة بالتواتر. وعندنا إنما يحمل عند الاستواء في الدليلين (٥). وجه قول أصحابنا ﵏ أن حمل المطلق على المقيد خلاف عرف أهل اللغة؛ بل في عرفهم إجراء المطلق على إطلاقه والمقيد على تقييده. فإن من قال لآخر: "اعتق عبدي" (٦) ثم قال بعد ذلك: "اعتق عبدي الأبيض"؛ فله أن يعتق أي عبد شاء ولا يتقيد بالأبيض. وكذا من قال لامرأته: "إن دخلت الدار فأنت طالق" ثم قال بعد ذلك: "إن دخلت الدار راكبة فأنت طالق"، فدخلت راكبة أو ماشية: يقع الطلاق، ولا يتقيد المطلق بصفة الركوب. وإذا كان عرف أهل اللسان هذا، يجب حمل كتاب الله تعالى وكلام الرسول ﷺ على التعارف، لأن كلام الله تعالى نزل بلغة العرب على حسب عاداتهم - قال الله تعالى: "وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم" (٧)؛ والرسول ﵇

стр. 442

منهم، فيكون كلامه محمولا على تعارفهم في الأصل، ولأن في هذا نسخ المطلق، لأن النسخ ليس إلا بيان انهاء مدة الحكم، ومتى حمل المطلق على المقيد، وقبل التقييد يجوز العمل به وبعده لا يجوز، فقد انتهى حكم المطلق ضرورة، والنسخ لا يجوز إلا عند تساوي الدليلين، والقياس وخىبر (١) الواحد لا يساوي الكتاب والمتواتر (٢) - هذا طريق مشايخ العراق. وطريق مشايخنا (٣) أن حمل المطلق على المقيد ضرب (٤) النصوص بعضها في بعض، وجعل النصين كنص واحد، والنص المطلق واجب العمل بإطلاقه عند الانفراد، لأنه يمكن العمل بظاهره، لأن المطلق لا يتعرض للأوصاف المختلفة، إنما هو اسم للذات دون الصفات، فلا يحتاج إلى بيان, والنص المقيد كذلك - فيجب العمل بهما ما أمكن، بخلاف النص المجمل مع المبين (٥)، لأن الجمل لا يمكن العمل بظاهره، فيجب حمله على المفسر، ويكون تفسيراً للأول. و (٦) قوله (٧) إن في العمل بهما إلغاء صفة القيد (٨)، فليس كذلك: فإن قبل ورود المقيد يعمل بالمطلق (٩) من حيث إنه مطلق، وبعد ورود

стр. 443

المقيد يعمل بالمقيد من حيث إنه مقيد، وفيه فائدة، وهو أن يكون ذلك دليل الاستحباب والفضل، أو هو عزيمه، والمطلق رخصة، ونحو ذلك. ومتى أمكن العمل بهما جميعاً، واحتمال الفائدة قائم، لا يجعل النصان نصاً واحداً. ولأن فيما ذكرتم إلغاء صفة الإطلاق، فيجب (١) أن لا يقيد (٢). وفي الموضع الذي حمل المطلق على المقيد إنما حمل لعدم الإمكان، بأن كان سبب الحكم واحداً والحكم واحداً، ولا يمكن إثبات حكم مطلق ومقيد بسبب واحد في زمان واحد، فيخرج (٣) على البيان أو على التناسخ، على ما يعرف بعد هذا (٤)، على اختلاف بين مشايخنا أن تقييد المطلق بيان أو نسخ (٥). أما عند الإمكان فلا، وعند اختلاف السبب يمكن مع اتحاد الحكم، كما في قوله ﵇: "أدوا صدقة الفطر عن كل حر وعبد" وروي: "عن كل حر وعبد من المسلمين" (٦)، لأن السبب في حق العبد المسلم هو رأس يمونه (٧) بولايته عليه، وفي حق العبد (٨) الكافر رأسه، وهما سببان، وإن كانا من جنس واحد، ولكن محل (٩) الحكم مختلف، وهو العبد المسلم والكافر (١٠). أما في كفارة اليمين [فـ] السبب

стр. 444

واحد، وهو اليمين عند الحنث، والحكم واحد وهو صوم ثلاثة أيام، فلا يمكن القول بوجوبه كل تتابعًا وغير متتابع في حالة واحدة، فحمل على المقيد، لأنه أعلى (١)، لكونه أكثر ثوابًا لزيادة مشقة فيه، ولأن في المقيد مطلقًا (٢) وزيادة قيد، فيكون عملا بالدليلين، بقدر الممكن، ولا كلام فيه، إنما الكلام في موضع يمكن الجمع - والله أعلم. مسألة - القران في اللفظ (٣): هل يوجب القران في الحكم؟ قال عامة أهل الأصول: لا يوجب. وقال بعض الفقهاء بأنه يوجب. وصورته أن حرف الواو متى دخل بين الجملتين التامتين، كل جملة مبتدأ وخبر، فالجملة (٤) المعطوفة هل تشارك الجملة المعطوف عليها في الحكم المنوط بها؟ وأجمعوا أن المعطوف إذا كان ناقصًا، بأن لم يذكر فيه الخبر، فإنه يشارك المعطوف عليه في خبره، ويشاركه في حكمه، كقولك: "زينب طالق وعمرة" فإن قوله: "وعمرة" (٥) يشارك زينب في وقوع الطلاق، لكونه (٦) ناقصًا لا يفيد بنفسه دون المشاركة في خبر الأول. وعلى هذا الأصل، تعلق بعض الفقهاء في نفي وجوب الزكاة على الصبي، بقوله تعالى: "وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة" (٧): عطف الزكاة على

стр. 445

الصلاة (١)، فيجب (٢) أن تشارك (٣) الصلاة، ثم لا تجب الصلاة عليه (٤)، فكذا (٥) الزكاة، تحقيقًا (٦) للمشاركة بين المعطوف والمعطوف عليه. وشبهة هؤلاء أن الواو للعطف لغة، ولهذا تسمى (٧) واو العطف عند أهل اللغة، ومقتضى العطف هو الشركة في الخبر - تقول: "جاءني زيد وعمرو" أي جاءآ، ولهذا إذا كان المعطوف متعريًا عن الخبر، فإنه يشارك الأول في خبره، فيجب القول بالشركة في الأصل، وإن كانا كلامين تامين إلا عند التعذر - ألا ترى أن من قال: "إن دخلت هذه الدار فامرأتي طالق وعبدي (٨) حر": فإن الطلاق والعتاق يتعلقان بالدخول، وإن كان (٩) قوله "وعبده حر" (١٠) كلامًا تامًا مفيدًا في نفسه (١١). ولهذا قلتم في قوله تعالى: "والذين يرمون الحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا" (١٢)، فكل (١٣) واحد منهما (١٤) جملة تامة، ومع هذا عطف رد الشهادة على الجلد، وشاركه في كونه جزاء (١٥)، لما قلنا.

стр. 446

وجه قول عامة العلماء قوله تعالى: "محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار" (١) فالجملة الثانية وهي قوله تعالى: "والذين معه أشداء على الكفار" معطوفة (٢) على الجملة الأولى، وهي قوله تعالى: "محمد رسول الله"، ولا يوجب الشركة في الرسالة، التي هي خبر الجملة الأولى - ولهذا نظائر كثيرة في القرآن. والمعقول في المسألة أن الأصل في كل كلام تام أن ينفرد (٣) بحكمه، ولا يشارك الكلام الأول في حكمه، وإن كان كل معطوفًا عليه بحرف الواو، كقوله: "جاءني زيد وذهب عمرو" فقد (٤) وجد ههنا عطف جملة تامة على جملة تامة من غير وجود الشركة، وهذا لأن في إثبات الشركة جعل الكلامين كلامًا واحدًا، وإنه خلاف الحقيقة، فلا يصار إليه إلا عند الضرورة، فمن ادعى الضرورة فعليه الدليل. وفي المعطوف الناقص ضرورة، حتى يصير مفيدًا (٥)، فوجب القول بالشركة. وكذا الجملة الناقصة من حيث المعنى، بأن كان لا يحصل غرضه ومقصوده بها، كما في قوله: "إن دخلت الدار فامرأتي طالق وعبدي حر" فإن غرضه هو تعليق عتق العبد بدخول الدار لا التنجيز، فكان العطف عليه دليلا على أنه أراد به المشاركة للأول (٦) في التعليق، فيصير الجملة ناقصة من حيث المعنى والغرض، حتى إنه إذا كان في موضع يحصل الغرض بدون المشاركة لا يتعلق، كما لو قال: "إن دخلت الدار فزينب طالق وعمرة طالق":

стр. 447

فإن عمرة تطلق للحال، لأنه علم أن (١) ليس غرضه التعليق، لأنه كفاه قوله: "وعمرة"، فلما قرنه بالخبر (٢) مقصودًا، وهو كلام تام، علم أن غرضه هو التنجيز دون التعليق، حتى لو قال: "إن دخلت الدار فزينب طالق ثلاثًا وعمرة طالق" يتعلق طلاق عمرة كما يتعلق طلاق زينب، لأنه لا يمكن التعليق بذلك الشرط، مع غرض وقوع الثلاث (٣) في حق زينب ووقوع الواحدة في حق عمرة، إلا بذكر الخبر مفردًا في حق عمرة، إذ لو لم يذكر (٤) الخبر، لوقع على عمرة ثلاثًا (٥)، كما على زينب. وأما (٦) في مسألتنا: إذا كان كل واحد من الكلامين تامًا في نفسه وفي حق الغرض، فأية (٧) ضرورة في جعل الكلامين كلامًا واحدًا، وهو خلاف الحقيقة؟ وخرج الجواب عن قوله: إن واو العطف يقتضي الشركة، [إذ] لا نسلم بأن الشركة موجبه لغة، ولكن إنما يثبت الشركة بطريق الضرورة: يدل عليه أن حروف العطف تسعة، منها: لا و (٨) بل ولكن وحرف لا (٩)، وليس موجب هذه الحروف الشركة، بل قطع الشركة وتغيير (١٠) موجب الأول. ثم إن قلنا: إن واو العطف يقتضي الشركة في بعض الأحوال، لا على الإطلاق، لكن لا نسلم (١١) - فما قولكم: إنها تقتضي الشركة إذا دخلت. (١٢) على الجملة الناقصة أو على الجملة الكاملة؟ (١٣) فإن قلتم في الجملة الناقصة، فمسلم. وإن قلتم في الجملة الكاملة، فهو (١٤) موضع النزاع. وفي المسألة إشكالات - والله أعلم.

стр. 448

القول في السُّنة السنة أنواع ثلاثة: من حيث القول، ومن حيث الفعل، ومن حيث السكوت. (١) [١] أما من حيث القول فهو (٢) إخبار الرسول ﷺ عن الله تعالى أنه كذا وكذا، بوحي غير متلو. وهو أنواع: كل أخبره جبريل (٣) ﵇ بشيء، لا على نظم (٤) القرآن. أو أخبره ملك آخر. أو رآه في المنام. أو بطريق الإلهام. وكذا إخباره عن الله تعالى أنه (٥) يأمر وينهي بهذا الطريق. وكل ذلك حجة، لأنه ثبت أنه رسول الله ﷺ ، فيكون خبره صدقًا، لكونه كل معصومًا عن الكذب والغلط والخطأ في تبليغ الشرائع، فيكون ذلك (٦) مثل الكتاب، ولكن إنما يبلغ إلينا سنته بخبر الرواة.

стр. 449

فيحتاج إلى: تفسير الخبر لغة، وبيان حده عند أهل الأصول، وإلى صفة الخبر، وإلى أقسام الخبر. أما تفسير الخبر لغة: فهو (١) اسم لكلام مخصوص، بصيغة مخصوصة، يتعلق (٢) به العلم بالمخبر به - بخلاف الإشارة والدلالة، لأنه ليس بكلام، وإن كان يحصل به العلم. و (٣) بخلاف الأمر والنهي والاستخبار (٤)، لأنه لم يوجد صيغة الخبر. وأما حد الخبر عند أهل الأصول: قال بعضهم: ما يحتمل الصدق والكذب. وقيل: ما يدخله الصدق والكذب. وهذان الحدان فاسدان لعدم الاطراد: فإن خبر الله تعالى وخبر رسوله ﷺ وخبر الأمة بأسرهم لا يحتمل الكذب ولا يدخله الكذب، وإنه (٥) خبر حقيقة. وينتقص الحد أيضًا بالكذب: فإنه خبر، ولا يحتمل الكذب (٦) ولا يدخله (٧). وكذا ينتقض بالصدق أيضًا (٨).

стр. 450

وقال بعضهم: هو كلام تعرى عن كل معنى التكليف. وهذا حد صحيح، لما ذكرنا أن الكلام كله تعريف وتكليف والتكليف (١) هو الأمر والنهي. والتعريف هو الخبر والاستخبار والنداء والتمني، وفي ذلك كله معنى الخبر. وقال بعضهم: حد الخبر كلام يفيد (٢) بنفسه إضافة مذكور إلى مذكور، فإن قولك (٣): "جاءني زيد" كلام (٤) هو إضافة المجيء إلى زيد، وهما مذكوران. ويقال: "هذا فعل حسن وهذا فعل قبيح" وهو (٥) إضافة مذكور إلى مذكور. ويقال: "يوم القيامة" وهو (٦) إضافة اليوم إلى القيامة. وإنما قلنا "مذكور" ولم نقل "إضافة شيء إلى شيء"، لأن المعدوم ليس بشيء فيصح (٧) الخبر عنه، كما ذكرنا في (٨) "يوم القيامة"- قال الله تعالى: "وكل أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب" (٩) ولا يلزم الأمر والنهي، فإنه كلام يفيد إضافة مذكور إلى مذكور، وهو كون المأمور به حسنًا وواجبًا ومندوبًا إليه، وليسا من باب الخبر، لأنا قلنا: كلام يفيد (١٠) بنفسه إضافة مذكور إلى مذكور، وثمة قوله "افعل": كلام (١١) لا يفيد بنفسه كون المأمور به حسنًا وواجبًا، وإنما يعرف ذلك بمقتضى حكمة الآمر - على ما ذكرنا.

стр. 451

وأما بيان صفة الخبر - فنقول: الخبر في حق الوصف ينقسم إلى قسمين: صدق، وكذب. فالصدق (١) هو التكلم عن المخبر (٢) على ما هو به. والكذب (٣) هو التكلم عن المخبر (٤) لا على ما هو به. وقال الجاحظ (٥) من المعتزلة: إن الخبر قد يكون لا صدقًا ولا كذبًا. وهو فاسد - عرف في مساؤل الكلام وفي الشرح. وأما أقسام الخبر: فهو (٦) أقسام ثلاثة: الخبر المتواتر، والخبر المشهور، وخبر الواحد. فنذكر: تفسيرها لغة، وفي عرف الفقهاء، وشرائطها، وأحكامها. أما الخبر المتواتر - فنقول: في اللغة: المتواتر (٧) مشتق من التواتر والاتصال - يقال: "تواترت كتب فلان إلي" (٨) أي اتصلت وتتابعت.

стр. 452

وأما حده عند الفقهاء: فهو مأخوذ من معناه لغة، وهو الخبر المتصل بنا عن رسول الله ﷺ قطعًا ويقينًا، بحيث لم يتوهم فيه (١) شبهة الانقطاع. وأما شرط المتواتر فشيئان: أحدهما - أن يروي قوم عن قوم لا يتصور (٢) تواطؤهم على الكذب عادة، لكثرتهم ابتداء وانتهاء وفيما بينهما، بأن يكون أوله كآخره وآخره كأوله وأوسطه كطرفيه. والثاني - أن يكون المخبر به أمرًا محسوسًا: إما حس البصر أو حس السمع. أما إذا كان أمرًا معقولا أو مظنونًا، فإن التواتر فيه (٣) لا يوجب العلم يقينًا، فإن الكفرة قالوا لي طريق التواتر: إن الله تعالى ثالث ثلاثة، وإن له شريكًا، وإنه كذب محض. وأما حكم الخبر (٤) المتواتر: مسألة - قال عامة الفقهاء والمتكلمين: إنه يوجب العلم قطعًا بنفسه، من غير قرينة. وقال النظام (٥) من المعتزلة: إنه لا يوجب العلم بنفسه ولكن بقرينة. وكذا قال في خبر الواحد: إنه قد يوجب العلم قطعًا بقرينة، كواحد أخبر أن فلانًا مات وازدحم الناس على بابه ويسمع صوت البكاء ويحضر الجنازة: فإن خبره يوجب العلم قطعًا بهذه القرائن، وإن كان خبر واحد.

стр. 453

ثم اختلف القائلون أبـ ن المتواتر (١) يوجب العلم قطعًا، فيما بينهم: قال عامتهم: بأنه يوجب علمًا ضروريًا. وقال الكعبي بأنه (٢) يوجب علمًا استدلاليًا. وهو قول بعض المتأخرين من المعتزلة. وجه قول النظام: إن خبر اليهود نقل بطريق التواتر، على (٣) أن عيسى قتل صلبًا، وخبر المجوس نقل بطريق التواتر (٤) أن زرادشت (٥) أدخل قوائم فرسه في بطنه وبقي معلقًا في الهواء. وإنه لا يوجب العلم وثبت كذبه بدليل قطعي. - و (٦) أما المعقول: وهو (٧) أن الخبر المتواتر ليس إلا أخبار آحاد اجتمعت، وخبر كل واحد بانفراده محتمل في نفسه، ولا يوجب العلم، فعند الاجتماع لا يزول الاحتمال على ما نذكر تقريره (٨) في فصل الإجماع. وجه قول العامة: هو (٩) أن العلم بوجود البلدان النائية والملوك الماضية ثابت بطريق التواتر من غي عيان ومشاهدة، كالعلم بوجود مكة وبغداد،

стр. 454

والعلم بوجود هارون الرشيد ومحمود بن سبكتكين (١) ونحو ذلك، على وجه لو أراد أحد أن يشكك (٢) نفسه في ذلك لا يتشكك (٣). وكذا العلم للأولاد بالآباء والأمهات (٤) ثابت قطعًا، بالخبر المتواتر، لا طريق لهم سواه. - ونوع من العقول يدل عليه، وهو أن الخبر المتواتر (٥) إما أن يكون صدقًا أو كذبًا: • فإن كان صدقًا، فهو (٦) ما قلنا. • وإن كان كذبًا، فهو (٧) محال: فيجب القول بالصدق ضرورة، إذ لا واسطة بين الصدق والكذب، فإذا انتفى الكذب، يجب الصدق ضرورة. وبيان ذلك أنه لا يخلو: إما أن يقع الكذب في الخبر المتواتر اتفاقًا، أو للتدين (٨)، أو لداع دعاهم إليه، أو لوجود المواضعة منهم (٩) على ذلك. • والأول فاسد: فإن وجود الكذب اتفاقًا من جماعة خرجوا عن حد الإحصاء لا يتصور عادة، كما لا يتصور أن يجتمعوا على مأكل واحد ومشرب واحد في زمان واحد اتفاقًا. • والثاني فاسد أيضًا: لأن اجتماع مثل هذه الجماعة على الكذب تدينًا مع كون العقل صارفًا (١٠) عنه، وداعيًا إلى الصدق، وانعدام دعوة الطبع

стр. 455

والهوى إليه، لعدم اللذة والراحة في نفس الكذب - أمر (١) غير متصور عادة. • والثالث فاسد: فإن الداعي إلى الكذب والحامل عليه إما الرغبة أو الرهبة، فإنه يحتمل أن المرء لرغبته إلى الجاه أو (٢) المال وأنواع النفع يقدم على الكذب، أو لخوف (٣) الأضرار على نفسه وماله وأهله بالامتناع عنه ممن يأمره بذلك. وهذا الداعي مما (٤) لا يتصور شموله (٥) في الجماعة التي لا يحصى عددهم، لاستغناء البعض عن حشمة (٦) الآمر (٧) بالكذب، وجاهه وماله لكمال جاهه وكثرة أمواله. وكذا احتمال خوف الضرر معدوم، في حق البعض، لكمال قوته بنفسه وأتباعه، نحو السلاطين والأمراء والرؤساء ونحوهم (٨). • والرابع فاسد: وهو المواضعة على اختراع الكذب، لغرض لهم في الجملة، فإن ذلك لا يتصور عادة من جماعة لا يحصى عددهم، وتفرقت أمكنتهم، واختلفت هممهم. وإذا انتفى الكذب بهذه الطرق (٩)، ثبت الصدق ضرورة. - وأما أخبار اليهود على (١٠) قتل عيسى وصلبه: إن كان في حد (١١) التواتر ظاهرًا، لوقوع حسهم عليه ظاهرًا، لكن قد ثبت بدليل قطعي عندنا (١٢) أن

стр. 456

عيسى ما قتل وما (١) صلب، ولكن قتل مثله وشبيهه صورة (٢) - قال الله تعالى: "وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم" (٣)، وإلقاء شبه الإنسان على مثله (٤) جائز، على نقض (٥) العادة، كرامة للنبي عيله السلام وصيانة له عن استذلال (٦) الكفرة، في وقت لا يتوهمِ أن يؤمن أحد به في تلك الحالة، فكان إخبارهم بطريق التواتر موجبًا علمًا قطعيًا (٧) على قتل مثل عيسى وشبيهه (٨)، وإن كان في ظنهم أنه عيسى، باعتبار ظاهر العادة، ولا كلام في حال نقض (٩) العادة، إنما الكلام على استقرار العادة - والله أعلم. - وأما خبر المجوس، في دعواهم ظهور المعجزات ونقض والعادة على يدي زرادشت اللعين، فليس في حد التواتر (١٠)، فإنه روي أنه فعل ذلك بين يدي الملك وخاصته، ونشروا ذلك بين يدي العامة تزويرًا (١١)، لغرض لهم في ذلك، وهو أمر معتاد فيما بين الملوك والرعية، لاستقامة أمر الملك. ثم وجه قول من قال إنه يفيد علمًا استدلاليًا - أن ما ذكرنا من الحجة في كون الخبر المتواتر موجبًا علمًا قطعيًا نوع استدلال، فإن (١٢)

стр. 457

الاستدلال ليس إلا ترتيب المقدمات الصادقة بعضها على بعض، وهذا الحد موجود في هذا النوع من الاستدلال. وجه قول العامة (١) ما ذكرنا من حصول العلم بالملوك الماضية والبلدان النائية من غير استدلال وصنع من جهة العالم به، وهو حد العلم الضروري. وإنما اشتغل (٢) بعض أصحابنا، بما ذكرنا، من نوع الاستدلال (٣)، للإلزام على من ينكر الضرورة تعنتًا ومكابرة، وهو يعتقد العلي الاستدلالي، فتقوم عليه الحجة - والله أعلم. وأما الخبر المشهور [فـ] سمي به، لغة لاشتهاره واستفاضته، فيما بين النقلة وأهل العلم. وأما في عرف الفقهاء والمتكلمين - فهو اسم لخبر كان من الآحاد في الابتداء، ثم اشتهر فيما بين العلماء في العصر الثاني، حتى رواه جماعة لا يتصور تواطؤهم على الكذب. وقيل في حده: ما تلقته العلماء بالقبول. وأما شرائطه - فما ذكرنا في المتواتر (٤)، إلا أن كثرة الرواة في الابتداء ليس بشرط. وأما حكم المشهور: مسألة - اختلف مشايخنا فيه، ولا رواية عن أصحابنا.

стр. 458

قال بعضهم: إنه يوجب علم طمأنينة لا علم يقين. وهو اختيار الشيخ القاضي الإمام (١) أبي زيد ﵀. وقال عامة مشايخنا ﵏: إنه يوجب علمًا قطعيًا. ووجه قول الفريق الأول: أن نسخ الكتاب لا يجوز بالخبر المشهور، ولو كان موجبًا علمًا قطعيًا لجاز، كما في الخبر (٢) المتواتر. وكذا لا يكفر جاحده، ولو كان موجبًا علمًا قطعيًا لكان يكفر جاحده (٣) كما في المتواتر. ولا يلزم أن (٤) الزيادة على النص نسخ عندكم. وهي جائزة بالمشهور، لأنا لا نسلم أن الزيادة على النص نسخ من كل وجه بل هي نسخ (٥) من وجه دون وجه على كل ما نذكر في فصل النسخ. والخبر (٦) المشهور بين المتواتر وخبر الواحد، وهو فوق خبر الواحد ودون المتواتر، فجاز به النسخ من وجه، دون الفسخ من كل وجه، عملا بقدر الدليل. ووجه قول العامة ما ذكرنا: أن الخبر المشهور ما تلقته العلماء بالقبول، فوجد (٧) إجماع أهل (٨) العصر على قبوله، فيكون حكمه حكم الإجماع، وذا موجب للعلم (٩) قطعًا - فكذا (١٠) هذا. - قولهم بأنه (١١) لا يجوز به نسخ الكتاب فممنوع.

стр. 459

- قولهم بأنه لا يكفر جاحده، فنقول: بعض مشايخنا قالوا بأنه يكفر جاحده. وروي عن عيسى بن أبان (١) ﵀ بأنه يضلل جاحده، ولا يكفر (٢). وهو الصحيح بخلاف المتواتر. ووجه الفرق بينهما أن في إنكار المتواتر تكذيب الرسول ﷺ ، لأن المتواتر بخروج روايته عن حد (٣) العد والإحصار (٤) ابتداء وانتهاء، بمنزلة المسموع من رسول الله ﷺ ، وتكذيب الرسول ﷺ كفر. فأما (٥) إنكار المشهور، [فـ] ليس بتكذيب (٦) الرسول (٧) ﷺ ، لأنه لم يسمع من الرسول عدد لا يتصور تواطؤهم على (٨) الكذب، وإنما هو خبر واحد قبله العلماء في الحصر الثاني، فيكون إنكاره تخطئة لهم عن (٩) القبول، واتهامًا لهم عن أن يتأملوا في كونه عن الرسول ﷺ غاية التأمل، وتخطئة جماعة (١٠) العلماء ليس (١١) بكفر، ولكنه (١٢) بدعة وضلالة (١٣). فهذا (١٤) هو الفرق بينهما - والله أعلم.

стр. 460

فصل - وأما خبر الواحد فهو في اللغة مأخوذ من اسمه. وهو خبر رواه واحد عن واحد. وفي عرف الفقهاء صار عبارة عن خبر لم يدخل في حد الاشتهار، ولم يقع الإجماع على قبوله، وإن كان الراوي اثنين أو ثلاثة أو عشرة. وأما شرائطه فكثيرة: بعضها (١) في الراوي (٢)، وبعضها في نفس الخبر، وبعضها في شيء آخر. ثم بعض الشرائط متفق عليه، وبعضها مختلف فيه. أما (٣) التي في الراوي: [فـ] الإسلام، والعقل، والعدالة، والضبط شرط بالاتفاق. أما العقل - فلأنه لا صحة للكلام بدون العقل, لأن غالب كلام غير العاقل الهذيان. وأما الإسلام - فلأن الكلام في الخبر عن أمور الدين، وقصد الكفرة وسعيهم في نقض دين الحق وتوهينه، فاتهموا فيما يرجع إليه، لاحتمال مكر وخداع في الباطن. فأما نفس الكفر فمما (٤) لا يدعو إلى الكذب ولا يمنع وجود الصدق. وأما الضبط - فنعني به (٥) أن يسمع الحديث على وجهه ثم يحفظه حق
следующие страницы →