← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 19237

ميزان الأصول في نتائج العقول

علاء الدين السمرقندي

Полный текст (813 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

عيسى ما قتل وما (١) صلب، ولكن قتل مثله وشبيهه صورة (٢) - قال الله تعالى: "وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم" (٣)، وإلقاء شبه الإنسان على مثله (٤) جائز، على نقض (٥) العادة، كرامة للنبي عيله السلام وصيانة له عن استذلال (٦) الكفرة، في وقت لا يتوهمِ أن يؤمن أحد به في تلك الحالة، فكان إخبارهم بطريق التواتر موجبًا علمًا قطعيًا (٧) على قتل مثل عيسى وشبيهه (٨)، وإن كان في ظنهم أنه عيسى، باعتبار ظاهر العادة، ولا كلام في حال نقض (٩) العادة، إنما الكلام على استقرار العادة - والله أعلم. - وأما خبر المجوس، في دعواهم ظهور المعجزات ونقض والعادة على يدي زرادشت اللعين، فليس في حد التواتر (١٠)، فإنه روي أنه فعل ذلك بين يدي الملك وخاصته، ونشروا ذلك بين يدي العامة تزويرًا (١١)، لغرض لهم في ذلك، وهو أمر معتاد فيما بين الملوك والرعية، لاستقامة أمر الملك. ثم وجه قول من قال إنه يفيد علمًا استدلاليًا - أن ما ذكرنا من الحجة في كون الخبر المتواتر موجبًا علمًا قطعيًا نوع استدلال، فإن (١٢)

стр. 457

الاستدلال ليس إلا ترتيب المقدمات الصادقة بعضها على بعض، وهذا الحد موجود في هذا النوع من الاستدلال. وجه قول العامة (١) ما ذكرنا من حصول العلم بالملوك الماضية والبلدان النائية من غير استدلال وصنع من جهة العالم به، وهو حد العلم الضروري. وإنما اشتغل (٢) بعض أصحابنا، بما ذكرنا، من نوع الاستدلال (٣)، للإلزام على من ينكر الضرورة تعنتًا ومكابرة، وهو يعتقد العلي الاستدلالي، فتقوم عليه الحجة - والله أعلم. وأما الخبر المشهور [فـ] سمي به، لغة لاشتهاره واستفاضته، فيما بين النقلة وأهل العلم. وأما في عرف الفقهاء والمتكلمين - فهو اسم لخبر كان من الآحاد في الابتداء، ثم اشتهر فيما بين العلماء في العصر الثاني، حتى رواه جماعة لا يتصور تواطؤهم على الكذب. وقيل في حده: ما تلقته العلماء بالقبول. وأما شرائطه - فما ذكرنا في المتواتر (٤)، إلا أن كثرة الرواة في الابتداء ليس بشرط. وأما حكم المشهور: مسألة - اختلف مشايخنا فيه، ولا رواية عن أصحابنا.

стр. 458

قال بعضهم: إنه يوجب علم طمأنينة لا علم يقين. وهو اختيار الشيخ القاضي الإمام (١) أبي زيد ﵀. وقال عامة مشايخنا ﵏: إنه يوجب علمًا قطعيًا. ووجه قول الفريق الأول: أن نسخ الكتاب لا يجوز بالخبر المشهور، ولو كان موجبًا علمًا قطعيًا لجاز، كما في الخبر (٢) المتواتر. وكذا لا يكفر جاحده، ولو كان موجبًا علمًا قطعيًا لكان يكفر جاحده (٣) كما في المتواتر. ولا يلزم أن (٤) الزيادة على النص نسخ عندكم. وهي جائزة بالمشهور، لأنا لا نسلم أن الزيادة على النص نسخ من كل وجه بل هي نسخ (٥) من وجه دون وجه على كل ما نذكر في فصل النسخ. والخبر (٦) المشهور بين المتواتر وخبر الواحد، وهو فوق خبر الواحد ودون المتواتر، فجاز به النسخ من وجه، دون الفسخ من كل وجه، عملا بقدر الدليل. ووجه قول العامة ما ذكرنا: أن الخبر المشهور ما تلقته العلماء بالقبول، فوجد (٧) إجماع أهل (٨) العصر على قبوله، فيكون حكمه حكم الإجماع، وذا موجب للعلم (٩) قطعًا - فكذا (١٠) هذا. - قولهم بأنه (١١) لا يجوز به نسخ الكتاب فممنوع.

стр. 459

- قولهم بأنه لا يكفر جاحده، فنقول: بعض مشايخنا قالوا بأنه يكفر جاحده. وروي عن عيسى بن أبان (١) ﵀ بأنه يضلل جاحده، ولا يكفر (٢). وهو الصحيح بخلاف المتواتر. ووجه الفرق بينهما أن في إنكار المتواتر تكذيب الرسول ﷺ ، لأن المتواتر بخروج روايته عن حد (٣) العد والإحصار (٤) ابتداء وانتهاء، بمنزلة المسموع من رسول الله ﷺ ، وتكذيب الرسول ﷺ كفر. فأما (٥) إنكار المشهور، [فـ] ليس بتكذيب (٦) الرسول (٧) ﷺ ، لأنه لم يسمع من الرسول عدد لا يتصور تواطؤهم على (٨) الكذب، وإنما هو خبر واحد قبله العلماء في الحصر الثاني، فيكون إنكاره تخطئة لهم عن (٩) القبول، واتهامًا لهم عن أن يتأملوا في كونه عن الرسول ﷺ غاية التأمل، وتخطئة جماعة (١٠) العلماء ليس (١١) بكفر، ولكنه (١٢) بدعة وضلالة (١٣). فهذا (١٤) هو الفرق بينهما - والله أعلم.

стр. 460

فصل - وأما خبر الواحد فهو في اللغة مأخوذ من اسمه. وهو خبر رواه واحد عن واحد. وفي عرف الفقهاء صار عبارة عن خبر لم يدخل في حد الاشتهار، ولم يقع الإجماع على قبوله، وإن كان الراوي اثنين أو ثلاثة أو عشرة. وأما شرائطه فكثيرة: بعضها (١) في الراوي (٢)، وبعضها في نفس الخبر، وبعضها في شيء آخر. ثم بعض الشرائط متفق عليه، وبعضها مختلف فيه. أما (٣) التي في الراوي: [فـ] الإسلام، والعقل، والعدالة، والضبط شرط بالاتفاق. أما العقل - فلأنه لا صحة للكلام بدون العقل, لأن غالب كلام غير العاقل الهذيان. وأما الإسلام - فلأن الكلام في الخبر عن أمور الدين، وقصد الكفرة وسعيهم في نقض دين الحق وتوهينه، فاتهموا فيما يرجع إليه، لاحتمال مكر وخداع في الباطن. فأما نفس الكفر فمما (٤) لا يدعو إلى الكذب ولا يمنع وجود الصدق. وأما الضبط - فنعني به (٥) أن يسمع الحديث على وجهه ثم يحفظه حق

стр. 461

حفظه ثم يرويه كما سمع، ولا يكون السهو والنسيان والغفلة غالبًا عليه، حتى يترجح (١) جانب الثبوت على العدم. وأما البلوغ - هل هو شرط؟ لا خلاف أنه (٢) ليس بشرط التحمل، فإنه إذا كان الصبي عاقلا ضابطًا يصح منه التحمل -كما في تحمل الشهادة. وهل يقبل رواية الصبي؟ قال بعضهم: تقبل، لأن خبره مقبول في المعاملات وفي الديانات [و] يحكم (٣) الرأي فيه، كما في طهارة الماء ونجاسته - فكذا هذا. وقال بعضهم: يشترط البلوغ، لأن غالب حاله اللهو واللعب والمسامحة والمساهلة، وربما (٤) لا يحتاط في ذلك الباب. وأما العدالة - فشرط، لأن من ارتكب محظورًا ولا (٥) يبالي، فيحتمل أن يكذب لغرض له في ذلك، أو يحمله عليه مبتدع بالمال والجاه، فيروي ما هو مناقضة (٦) في الدين، فكان (٧) الاحتياط هو المنع. فأما (٨) رواية أهل الأهواء والبدع (٩):

стр. 462

[فـ] بعضهم قالوا: لا تقبل، لأن الفسق من حيت الاعتقاد شر من فسق التعاطي، ثم الفسق من حيث التعاطي مانع - فكذا هذا. وقال بعضهم: تقبل، لأن في زعمهم أنهم (١) على الحق، ومن باشر شيئًا هو (٢) حق عنده، وإن كان فسقًا وباطلا عند غيره، لا يدل على أنه يباشر الكذب. وقال بعضهم: هذا إن كان هوى لا يكفر به، أما إذا كان هوى يكفر به [فـ] يمنع، لأن الكفر مانع بالإجماع. وأما كل ما يرجع إلى الخبر: [فمنها] (٣) أن يكون موافقًا للدليل العقلي، حتى إذا كان مخالفًا لا يقبل، كالأخبار التي وردت في التشبيه، ونحو ذلك، لأن العقل حجة من حجج الله تعالى، وإنه حكيم عالم، فلا يجوز أن تتناقض حججه. والدليل السمعي يحتمل المجاز والإضمار والكناية ونحوها، فيجب تخزيج الأخبار على موافقة العقل على ما مر. ومنها - أن يكون موافقًا لكتاب الله تعالى وللسنة (٤) المتواترة وللإجماع (٥). فأما إذا خالف واحدًا من هذه الأصول القاطعة، فإنه يجب رده أو تأويله على وجه يجمع بينهما، لما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إذا روي لكم عني حديث فاعرضوه على كتاب الله تعالى فما وافق كتاب الله تعالى فاقبلوه، وما خالف كتاب الله تعالى فردوه" (٦).

стр. 463

ولأن خبر (١) الواحد يحتمل الصدق والكذب، والسهو والغلط، والكتاب دليل قاطع، فلا يقبل المحتمل بمعارضة القاطع، بل يخرج على موافقته بنوع تأويل. ومنها - أن يرد الخبر في باب العمل. فأما (٢) إذا ورد في باب (٣) الاعتقادات (٤)، وهي من (٥) مسائل الكلام، فإنه لا يكون حجة، لأنه يوجب الظن وعلم غالب الرأي، لا علمًا قطعيًا، فلا يكون حجة فيما يبتني (٦) على العلم القطعي، والاعتقاد حقيقة. ومنها - إذا ورد (٧) في حادثة تعم بها (٨) البلوى، فإنه لا يقبل، لأن الحادثة إذا كانت مما (٩) يشتهر لشدة الحاجة، لو كان الحديث صحيحًا لاشتهر لاشتهار (١٠) الحادثة، فلما روي بطريق الآحاد علم أنه غير ثابت ظاهرًا، وذلك نحو حديثِ الوضوء بمس الذكر (١١)، والاغتسمال بحمل الجنازة (١٢)، والوضوء بأكل ما مسته النار (١٣) ونحوها.

стр. 464

والشافعي ﵀ خالف في هذا الشرط، وهو خلاف العقل والعادة. مسألة - الإسناد هل هو شرط لقبول خبر الواحد أم لا؟ قال علماؤنا ﵏: إنه ليس بشرط, والإرسال ليس بمانع. وقال الشافعي ﵀ بأنه شرط، والإرسال مانع (١)، إلا ما ثبت إسناده من وجه آخر. ولهذا قال: أقبل مراسيل سعيد بن المسيب فإني تتبعتها فوجدتها مسانيد. وقال عيسى بن أبان: الراوي (٢) إن كان صحابيًا أو تابعيًا أو من تبع التابعين أو كان حافظًا معروفًا في كل عصر، يقبل، وإلا فلا. وجه قول من أنكر قبول المرسل (٣) هو (٤): أنا أجمعنا (٥) أن من روى حديثًا عن رجل سماه ولم يقل "هو عدل عندي": لا يقبل، مع أن السامع عرف عينه، لما لم تعرف عدالته - فإذا أرسل الحديث والسامع لم يعرف عين الخبر عنه ولم يعرف عدالته أولى أن لا يقبل. وهذا لأن السامع إما أن يعرف عدالة المرسل عنه بوجود التعديل من المرسل (٦) صريحًا، أو دلالة: - ولم يوجد التصريح فإنه لو قال: هو عدل عندي، يقبل. - ولا يجوز القول بأنه يوجد دلالة: على معنى أن العدل لا يرسل إلا عن عدل، فإنه ليس كذلك في الأحوال كلها، فإن كثيرًا من الثقات قد

стр. 465

رووا، وأرسلوا، عمن ليس بثقة. وعلى أن العدل إن كان لا يروي إلا عن عدل، ولكن عمن هو عدل عنده، وقد يكون الإنسان عدلا عند إنسان ولا يكون عدلا عند غيره، لأن أسباب العدالة ظاهرة، والجرح مما يخفى، فيقف عليه البعض دون البعض، والناس في الغالب (١) يبنون الأمور على الظاهر، فكان جائزًا أن الذي أرسل عنه ثقة عند المرسل ولا يكون ثقة عند غيره، فلابد من تسميته بالإسناد حتى يتعرف السامع عن حاله بنفسه. وجه قول أصحابنا ﵏: - ما روي عن البراء بن عازب (٢) ﵁ أنه قال: "ليس كل ما حدثناكم به عن النبي ﵇ سمعناه منه، غير أنا لا نكذب". - وكذا الإرسال من الصحابة والتابعين معروف (٣) مشهور، ولم ينكر عليهم أحد (٤)، فيكون بمنزلة الإجماع. - والمعنى في المسألة هو (٥) أن إرسال المرسل العدل يجري مجرى إسناده، إلى من أرسل عنه وتعديله إياه، كأنه قال: "حدثني فلان (٦) وهو عدل عندي" ولو قال هكذا يقبل حديثه، فكذا (٧) إذا صار المرسل في التقدير هكذا: وجب أن يقبل. وبيانه أن المرسل إذا كان عدلا لا يستجيز من

стр. 466

نفسه (١) أن يروي عن النهي ﵇ ويقول: "قال رسول الله ﷺ كذا" - وإنه يتضمن إلزام حكم شرعي على من بلغه إليه مرسلا، من إيجاب عبادة أو إسقاطها، أو إثبات حل أو حرمة - إلا وله (٢) علم بذلك حقيقة، بطريق السماع عن النبي ﵇، أو بالتواتر عنه، أو بطريق الاشتهار، أو له علم من حيث غالب الرأي والظن، بأن سمع ممن يثق بقوله وثبت عنده عدالته، فلا (٣) يظن بالعدل في الرواية مرسلا إلا ما ذكرنا، فكان هذا (٤) إخبارًا منه دلالة "أني سمعته ممن هو عدل عندي"، ولو صرح بهذا فإنه يقبل حديثه، فكذا إذا ثبت من حيث الدلالة. وهذا لأنه لا خلاف بيننا وبين الشافعي أن التعديل صحيح من المعدل، من غير بيان سبب العدالة، وإن اختلفنا في الجرح: فعند الشافعي لا يصير مجروحًا ما لم يذكر سبب الجرح. وعندنا يثبت الجرح وإن لم يذكر سبب الجرح بل يجب أن لا يذكر سبب الجرح (٥)، ولكن يقول: هو مستور، أو ما يعرف به أنه ليس بعدل - فصح ما ذكرناه. - قولهم: إن العدل قد يرسل عن (٦) غير عدل - فإنا (٧) نقول: أيش (٨) تعني بهذا: أنه يرسل عن غير عدل حقيقة وهو عدل عنده، أو عن غير عدل عنده. فإن قلت: إنه يرسل عن (٩) غير عدل عنده،

стр. 467

فليس كذلك، ومن فعل وهو (١) ليس بعدل فلا يقبل إرساله. وإن قلت: إنه قد يرسل عمن ليس بعدل حقيقة، وهو عدل عنده، فهذا قد يكون، ولكن هذا لا يقدح في عدالة المرسل، لأنه إذا كان عدلا عنده من حيث غالب الظن، فاحتمال خلاف (٢) الظاهر لا يعارض الظاهر، ألا ترى أن المزكي للشهود إذا كان عدلا، فلا يزكي إلا لمن يعتقد عدالته من حيث الغالب، وإن جاز أن لا يكون ذلك عدلا حقيقة - فكذلك (٣) هذا. - قولهم: إن الإنسان قد يكون عدلا عند إنسان ولا يكون عدلا عند غيره، لخفاء أسباب الجرح، فنقول: إن التعديل متى ثبت من العدل يسقط عن السامع النظر في عدالته، كما إذا روى عن إنسان وعدله، لا يجب على السامع أن ينظر في عدالة الذي أخبره عن عدالته إذا كان الراوي عدلا. - قولكم: إنه إذا روى عن إنسان وسماه ولم يعدله، لا يجوز له أن يروي ما لم يتعرف عدالته بنفسه - فنقول: • بعض مشايخنا قالوا بأنه يقبل خبره (٤)، إذا كان الراوي عدلا (٥)، لما ذكرنا. • وبعضهم فرق بين الفصلين، وهو أن من أرسل فقد حكم على النبي ﷺ أنه قال ذلك وألزمنا ما تضمنه الحديث من الأحكام - فالظاهر أن العدل المتدين لا يقدم على هذا إلا وأن يكون الراوي ثقة عنده، فيكون تعديلا منه تقديرًا (٦). بخلاف ما إذا سماه فإنه لم يحكم على

стр. 468

النهي ﷺ بذلك، بل نسب ذلك إلى المخبر الذي سماه, فلا يستدل به على أنه عدل عنده بطريق الغالب، بل يجوز أنه مع كونه مستورًا عنده يروي عنه (١) لسماعه منه (٢)، بناء على ظاهر حاله، وفوض تعرف حاله حقيقة إلى السامع حيث ذكر اسمه - وهو (٣) الفرق بين الأمرين. - فإن قالوا: ما ذكرتم من العلة باطل، بشهادة الفروع مع شهادة الأصول: فإن إرسالهم الشهادة من غير ذكر الأصول، لا يجري مجرى ذكر الأصول وتعديلهم إياهم (٤)، - حتى لا تقبل (٥) شهادة الفروع إذا (٦) لم يذكروا الأصول. وما ذكرتم موجود، فإن شهود الفرع متى (٧) شهدوا عن الأصول فإنهم يعدلونهم لأنهم عدول (٨)، والعدل لا يشهد عن خبر من لم يثبت عدالته عنده بغالب الظن. ومع ذلك لم يكن ذكرهم (٩) بمنزلة ذكرهم شهود الأصل (١٠) وتعديلهم، فكذلك (١١) هذا (١٢) - قلنا: لا فرق بين الأمرين و (١٣) فيما ذكرنا من المعنى: أن بناء الشهادة على شهادة الأصول تعديل (١٤) لهم دلالة لما ذكرنا، إلا أن ذكر الأصول صريحًا ثبت شرطًا في الشهادة على الشهادة بالإجماع غير معقول المعنى،

стр. 469

كما شرط لفظ الشهادة والعدد والحرية في أصل الشهادات (١) غير معقول المعنى، مع التساوي في رجحان جانب (٢) الصدق على الكذب. ثم لم يشترط في باب الرواية الحرية والعدد لما قلنا، فكذا (٣) في اشتراط ذكر الأصول. وهذا لما (٤) عرف أن ما ثبت بالنص والإجماع غير معقول المعنى يقتصر على مورده (٥) و (٦) لا يتعدى إلى غيره - والله أعلم (٧). مسألة - نقل الحديث بالمعنى، هل يجوز أم لا؟ أجمعوا أنه إذا كان لفظًا مشتركًا أو مجملا أو مشكلا: فإنه لا يجوز إقامة لفظ آخر مقامه. أما إذا كان لفظًا ظاهرًا مفسرًا: فإقامة لفظ آخر مثله مقامه (٨)، بأن قال: "قعد رسول الله ﷺ على رأس الركعتين في صلاة الظهر" مكان كل ما روي أنه "جلس على رأس الركعتين"- هل يجوز؟ فعند أصحابنا ﵏: يجوز، وهو ظاهر مذهب الشافعي ﵀. وقد روي عن الحسن البصري كذلك. وقال بعض أصحاب الحديث: إنه لا يجوز. وقيل: هو اختيار ثعلب (٩) من أئمة اللغة.

стр. 470

وحجة هؤلاء: حديث رسول الله ﷺ أنه قال: "نضر (١) الله امرأ سمع مقالتي فوعاها وأداها (٢) كما سمعها". ولأن النبي ﷺ مخصوص بكمال الفصاحة والبلاغة، كا روي أنه قال ﷺ : "أنا أفصح العرب ولا فخر" وروي عنه ﷺ أنه قال (٣): "أوتيت خمسًا لم يؤتهن أحد قبلي" وذكر منها: "وأوتيت جوامع الكلم". وإذا كان الأمر كذلك، فلا شك أن (٤) في النقل إلى لفظ آخر احتمال الاختلال في المعنى، فيجب الاقتصار (٥) على (٦) اللفظ المنصوص عليه، وبهذا (٧) الطريق لا يجوز نقل القرآن بالمعنى - كذا هذا (٨). وجه قول العامة: - ما روي عن عبد الله بن مسعود ﵁ وغيره أن النهي ﷺ قال هكذا أو نحوًا منه أو قريبًا منه، وهذا نقل بالمعنى وكذا مشهور من الصحابة ﵃ أنهم (٩) قالوا: أمرنا رسول الله ﷺ بكذا ونهانا عن كذا، وهذا نقل من حيث المعنى، وإجماع الصحابة حجة. - والمعنى في المسألة: وهو أن الامتناع - إما إن كان لأجل اللفظ أو لأجل المعنى:

стр. 471

• والأول فاسد - فإن سنة النبي ﷺ وضعت لبيان الأحكام، وهو الغرض، وهذا لا يختص بلفظ دون لفظ. ولأنه لم يتعلق شيء من الغرض بلفظ الحديث، لأنه ليس بمعجز، ولا تعلق (١) الثواب، وجواز الصلاة به، بخلاف القرآن فإنه معجز، وقد تعلق بتلاوته الثواب، وجواز الصلاة به (٢). فلئن (٣) كان لا يجوز نقل القرآن من لفظ إلى لفظ، لماذا لا يجوز في الحديث؟ مع أن ثمة (٤) جاء النقل (٥) بطريق الرخصة أيضًا، كما روي عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه سمع رجلا يقول: "طعام اليتيم" ولا يمكنه أن يقول: "طعام الأثيم" (٦) فقال له قل: "طعام الفاجر"، فلأن يجوز في الحديث أولى. • و [الثاني:] إن كان لأجل المعنى - فالمعنى لا يختلف، ولا يختل بالنقل إلى لفظ مثله في المعنى، نحو قوله (٧): "قعد" مكان "جلس". ولهذا إن نقل كلمة الشهادة من اللفظ المروي بالعربية إلى كل لسان، جائز، لما كان الغرض هو (٨) المعنى دون اللفظ - فكذا (٩) هذا. وهذا بخلاف الأذان والتشهد حيث لا يجوز النقل عن ألفاظهما إلى غيرهما، لأن الشرع جاء بتلاوة ألفاظهما، وعلق بهما الثواب الخاص، على أن

стр. 472

الأذان شرع للإعلام، وإنه لا يحصل إلا بالألفاظ المعروفة. ولهذا لم يجوزوا (١) النقل من (٢) اللفظ (٣) المشترك والمجمل (٤) إلى لفظ آخر، لما فيه من احتمال الاختلال بالمعنى. - وأما الحديث فنقول: لا حجة في الحديث، لأن من نقل الحديث بالمعنى من كل وجه يقال إنه أدى كما سمع، فإنه (٥) يقال للمترجم من لغة إلى لغة: "قد أدى كما سمع". على أن المراد بالحديث. إذا كان لفظ الحديث مشتركًا أو مشكلا أو مجملا (٦)، فيكون بالنقل إلى لفظ آخر احتمال الخلل في المعنى، ونحن نمنع في مثل هذا الموضع لهذا الوهم، وفي الحديث ما يدل عليه، فإنه قال ﷺ (٧): "فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ورب حامل فقه ليس بفقيه"، وما لا يشتبه من الألفاظ، ولا يختلف اجتهاد المجتهدين فيه، يستوي فيه الفقيه وغير الفقيه، والكامل في الفقه والناقص - والله أعلم (٨). مسألة: خبر الواحد إذا ورد مخالفًا للعموم من الكتاب والمتواتر - هل يجب تركه أو يخص به العموم القاطع؟ فقد ذكرنا الكلام فيه (٩). وكذا إذا ورد مخالفًا للقياس: يقدم على القياس أو يعارضه القياس - فقد ذكرناه أيضًا (١٠).

стр. 473

مسألة - الراوي إذا عمل بخلاف ما روى - هل يقدح في صحة ما روى أم (١) لا؟ روي عن أبي الحسن الكرخي (٢) ﵀ أنه لا يمنع، ويكون هو محجوجًا بالحديث كغيره (٣). وقال أكثر أصحابنا ﵏: إنه يمنع ويحمل على نسخ الحديث أو تخصيصه أو تأويله. - وهو قول الشافعي ﵀. وجه قول أبي الحسن الكرخي (٤) - أن قول النبي ﷺ حجة، وعمل الراوي بخلافه محتمل، فإنه يجوز أن يكون الحديث محتملا للتأويل، فيصرفه (٥) إلى أحد وجوه الاحتمال باجتهاده، واجتهاده ليس بحجة. ويحتمل أنه ظهر له (٦) انتساخه بعد روايته بدليل (٧)، فلا يجوز العدول عن الحجة إلى غيرها (٨)، بالاحتمال. وجه قول العامة - وهو أن عمله بخلاف ما روى: إما إن كان جزافًا، ولا يظن بالصحابي ذلك. أو كان النص محتملا, فيصرفه (٩) إلى أحد وجوهه أيضًا (١٠) باجتهاده، وهذا لا يظن به أيضًا، مع علمه أن اجتهاد غيره يجوز أن يكون بخلاف اجتهاده، مع كونه مأمورًا بالنقل في مثله، لما

стр. 474

روينا: "نضر الله تعالى (١) امرأ سمع مقالتي (٢) فوعاها ثم أداها كما سمعها فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه". وإذا بطل هذان الوجهان، لم يبق إلا أنه (٣) علم نسخه (٤)، أو علم (٥) تأويله، أو (٦) تخصيصه بمشاهدة (٧) حال النبي ﷺ ، أو (٨) سمع في ذلك نصًا جليًا يوجب تخصيصه، أو علم إجماع الصحابه على ذلك، فوجب القول به (٩). وعلى هذا حملنا رواية أبي هريرة بغسل الإناء من ولوغ الكلب سبعًا (١٠) على الندب, لأنه كان يقتصر على الثلاث ولا يغسل سبعًا. مسألة - العدد هل هو شرط لقبول خبر الواحد أم لا (١١)؟ قال عامة القائلين بقبول أخبار الآحاد: إن (١٢) العدد ليس بشرط. وقال بعضهم: يشترط عدد الاثنين. ومنعوا قبول شهادة القابلة. وتعلقوا بما روي عن النبي ﷺ أنه لم يعمل بخبر ذي اليدين (١٣) وحده، حيث قال:

стр. 475

أقصرت الصلاة أم نسيتها يا رسول الله صلى الله عليك (١) وسلم؟ فقال: "كل ذلك لم يكن" - حتى سأل أبا بكر وعمر ﵄، فقالا مثل قول ذي اليدين، فحينئذ (٢) قبل. وجه قول العامة - إجماع السلف: روي أن أبا بكر ﵁ قبل خبر بلال وحده. وقبل عمر ﵁ خبر حمل بن مالك (٣) في دية الجنين. وعملت الصحابة ﵃ بخبر أبي سعيد الخدري (٤) ﵁ في ربا الفضل. وعملت أيضًا بخبر أبي رافع في المخابرة مع تعامل فى الناس بخلافه. وكان علي ﵁ يقبل خبر الواحد ويستحلفه عليه إلا خبر أبي بكر ﵁ فإنه يقبله من غير استحلاف. والإجماع حجة قاطعة. وأما حديث ذي اليدين فلأنه خبر واحد فيما عم به البلوى، وغيره من الصحابة أولى بالتذكير للنبي ﷺ ، فظن النبي ﷺ أنه غالط، وخبر الواحد في مثل هذا لا يقبل - والله أعلم. مسألة: - إذا قال الصحابي: أمرنا أن نفعل كذا (٥). أو أمرنا بكذا. ونهينا (٦) عن كذا: روي عن الكرخي (٧) أنه لا يفيد (٨) أن يكون الآمر هو النبي ﷺ ،

стр. 476

بل يجوز أن يكون الآمر غيره، فلا يكون حجة. وعلى هذا حمل قول الراوي: أمر بلال بأن (١) يشفع الأذان ويوتر الإقامة. وقال عامة مشايخنا بأنه (٢) يكون حجة، ويحول على أمر النبي ﷺ ، لأن غرض الصحابي من هذا تبليغ (٣) الشرع وتعليم الحكم، فيجب حمل ذلك على أمر من يصدر عنه الشرع، دون أمر الولاة والأئمة، لأن أمرهم لا يؤثر في الشرع. ولا يقال بأنه يحمل على أمر الله تعالى أو أمر الأمة، وهو الإجماع، لأنا نقول: إن أوامر الله تعالى ظاهرة (٤) للكل، فلا يستفاد من كلام الصحابي. ولو حمل على جماعة الأمة إن أفاد أن جميع الأم أمروا بذلك، وهم لا يأمرون من تلقاء أنفسهم، وإنما يأمرون بأمر النبي ﷺ ، على أن غرضنا أنه يلزم العمل بهذا القول، ولو كان هذا حكاية عن أمر الله تعالى أو عن أمر النبي ﷺ أو عن الأمة، فيكون (٥) واجب العمل به (٦). - فأما (٧) الصحابي إذا قال: أوجب علينا كذا (٨) أو حرم علينا كذا أو أبيح لنا كذا - فإنه يفهم منه أن الوجب والمحرم والمبيح هو النبي ﷺ بالإجماع، لأن ذلك من أمر (٩) الله تعالى على لسان النبي ﷺ ، ولم يقل الصحابي، إلا إذا سمع لفظة (١٠) الوجوب أو الأمر الذي أريد به الوجوب،

стр. 477

بدلالة حال النبي ﷺ ، أو بإجماع الصحابة، لأن الظاهر من حال (١) الصحابي الذي قصده تبليغ الشرع، [أنه] لا يبلغ مع الاحتمال إذا لم يذكر اللفظ. - وأما (٢) إذا قال الصحابي: "من السنة كذا": [فـ] يحمل على سنة النبي ﷺ : فإن من قال: "إن (٣) هذا الفعل طاعة" فإنه (٤) يحمل على طاعة الله تعالى وطاعة رسوله، فكذا لفظة (٥) "السنة" عند الإطلاق: تحمل على سنة الرسول ﷺ ، لأنه هو المقتدى والمتبع على الإطلاق: قال الله تعالى: "لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة" (٦)، أي قدوة متبعة، ولا يقال إن النبي ﷺ قال: "من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة" وكذا يقال "سنة العمرين"، لأنا لا ننكر جواز إطلاق (٧) اسم السنة على فعل غيره مع التقييد، وإنما نمنع أن يفهم (٨) من إطلاق اسم السنة على (٩) سنة غيره - والله أعلم (١٠). فصل- وأما حكم خبر الواحد: قال عامة العلماء: إنه يوجب العمل، دون العلم قطعًا (١١)، لكن يوجب علم غالب الرأي وأكثر الظن.

стр. 478

وقال بعض أصحاب الظواهر: بأنه يوجب العلم والعمل جميعًا. وقال بعض المعتزلة: بأنه لا يجب العمل به في باب الشرعيات، ويجب العمل به في العقليات. أما من قال بأنه لا يوجب العمل - لأنا اتفقنا أنه لا يوجب العلم، والعمل بدون العلم حرام. فضلا عن الوجوب بظاهر النصوص (١) من قوله تعالى: "ولا تقف ما ليس لك به علم" (٢) وقوله تعالى: "وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون" (٣) وقوله تعالى: "إلا من شهد بالحق وهم يعلمون" (٤) - في هذه النصوص أنه لا يجوز القول بما لا يعلم، والشهادة بما لا يعلم، وأن (٥) الاقتفاء بما لا يعلم حرام - وقد قلتم به، فيكون خلاف هذه النصوص. وكذلك قال الله (٦) تعالى: "إن يتبعون إلا الظن، وإن الظن لا يغني من الحق شيئًا" (٧): ألحق الذم بمن اتبع الظن، وأخبر أنه لا كفاية ولا غناء (٨) بالظن فيجب العمل بعمومه: أن لا عبرة بالظن، في حق العمل والاعتقاد (٩) جميعًا. وأما أصحاب الظواهر [فـ] قالوا: إنا (١٠) اتفقنا أن العمل به واجب، والعمل لا يجوز بدون العلم بالنصوص، فوجب (١١) القول بالعلم ضرورة.

стр. 479

وعامة العلماء احتجوا وقالوا: إن خبر الواحد يحتمل الصدق والكذب والسهو والغلط، ورد الصدق سفه، وقبول الكذب سفه، ولا (١) وجه لرد الكل لما فيه من رد الصدق، ولا وجه إلى قبول (٢) الكل لما فيه من قبول الكذب، ولا وجه إلى التوقف (٣) أيضًا لا فيه من رد الصدق أيضًا - فوجب طلب طريق يعرف به السفه من الحكمة، والكذب من الصدق، ولا طريق ههنا يوقف به عليهما بطريق الإحاطة واليقين، وفي رد الكل وقبوله لزوم السفه برد الصدق أو قبول الكذب، فيجب العمل بالراجح والغالب، لأن العمل بالراجح والغالب من باب الحكمة (٤)، بدليل الكتاب والسنة والإجماع والمعقول: - أما الكتاب، فقوله تعالى: "فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرًا" (٥)، وقال تعالى: "فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار" (٦)، والإيمان من حيث التصديق يعرف بطريق الاجتهاد (٧). وقال الله تعالى: "وأشهدوا ذوي عدل منكم" (٨)، وقال تعالى: "ممن ترضون من الشهداء" (٩)، والعدالة وكون الشاهد مرضيًا إنما يعرف بالرأي والاجتهاد.

стр. 480

- وأما السنة، فما روي عن النبي ﷺ أنه (١) أمر معاذًا ﵁ (٢) وغيره، بالاجتهاد في أحكام (٣) الحوادث، وهو عمل بغالب الرأي. - وأما الإجماع، فإن الأمة توارثت قبول (٤) قول (٥) الوكلاء والأجراء وقول الناس في بيع الأملاك وإجارتها ورهنها، وكذا قبول الشهادات، في عامة (٦) الأحكام، خصوصًا في (٧) الحدود والقصاص مع احتمال الكذب، لرجحان جانب الصدق بالعدالة. - وأما المعقول، فهو (٨) أن خبر الواحد في باب العقليات واجب العمل، لمعنى معقول، ذلك المعنى موجود في الشرعيات. وبيان ذلك: أنه عرف بالعقل (٩) وجوب التحرز عن المضار وحسن جر المنافع بطريق التيقن، فمتى ثبت بغالب الظن (١٠) ذلك، ألحق بالمتيقن، في حق وجوب التحرز

стр. 481

وحسن الجر، ألا ترى أن من استقبله طريقان فأخبره رجل عدل أن هذا الطريق آمن وهذا الثاني فيه لصوص، يجب عليه العمل بخبره عقلا (١) لما فيه من احتمال دفع الضرر (٢) من حيث الغالب. وكذا الطبيب إذا أخبر إنسانًا بأنه غلب عليك الدم، فينبغي لك أن تفتصد (٣)، يجب عليه (٤) ذلك. إذا وكذا كان جالسًا تحت حائط مائل فأمره رجل له بصارة في ذلك الباب عن الفرار (٥) عنه، يجب عليه ذلك عملا بغالب الرأي، كما (٦) يجب العمل به عند التيقن، إلحاقًا للغالب بالمتيقن - فكذلك في الشرعيات. هذا المعنى موجود: فإن الشرائع شرعت لمصالح العباد، والمناهي وردت للامتناع عن القبائح، فيحصل له الذم والملامة في الدنيا والمعاقبة في الآخرة، فيجت أن يلحق الغالب من ذلك بالمتيقن، بطريق (٧) الأولى، لأن ضرر ذلك في الدنيا وضرر هذا في الدنيا والآخرة، ثم لما وجب إلحاق الغالب ثمة (٨) بالمتيقن، للتحرز (٩) عن ذلك الضرر - فكذلك ههنا. وإذا ثبت بما ذكرنا من الدلائل أن العمل بالدليل الراجح واجب، فنقول: إن خبر الواحد، العدل المتدين، راجح صدقه على كذبه، وصوابه على خطئه (١٠) وغلطه، بدلالة عقله ودينه، فوجب (١١) أن يلحق بالمتيقن،

стр. 482

في حق (١) وجوب العمل. مع أن ههنا وجد رجحان الصدق (٢) من وجوه أخر، لأن الرواة ونقلة الحديث بذلوا أنفسهم وأموالهم في حفظ الأخبار، لإظهار (٣) دين الحق وإحياء سنن النبي ﷺ ، ليعتمد عليهم الخلف (٤)، في الأخذ عنهم، فيندر (٥) غاية الندرة أن من بذل عمره وماله وأعض عن كسب حطام الدنيا لهذا الغرض، ثم يروي الحديث كذبًا، ليحصل له شيء قليل، عشر ما أنفق فيه، إلا من باع دينه بالدنيا في رواية الكذب ترويجًا لمذاهبهم الفاسدة، كالكرامية (٦) ونحوهم، ولا كلام في مثل حالهم. ولأن نقلة الحديث معروفون بالجاه والقدر عند الناس لصدقهم، وصحة حديثهم بورعهم (٧) وعدالتهم، والحديث المروي بطريق الكذب مما يعرفه أمثالهم، لاشتهار (٨) الأحاديت الصحيحة، فيظهر ذلك، فيسقط قدرهم وجاههم وخطرهم (٩) عند الناس، فكان صون الجاه حاملا لهم على الصدق، ولأن الشهادة على الله تعالى بالكذب وقصد تغيير دين الحق أمر عظيم، وبناء الشرع (١٠) في حق العمل على أخبار الآحاد، والله تعالى ضمن إبقاء (١١) الدين الحق إلى قيام الساعة، فالظاهر صيانتهم عن الوقوع في (١٢) الكذب قصدًا.

стр. 483

فهذه (١) وجوه من الترجيح تختص بخبر الواحد في باب الشرعيات، وخرج الجواب عن شبهة الفريقين. وبعض المعتزلة الذين قالوا بقبول خبر الواحد خرجوا هذا الإشكال بالقول بموجب العلة: أن وجوب العمل إن (٢) كان: لابد له من العلم القطعي، ولكن العلم قطعًا ثابت في خبر الواحد في حق وجوب العمل عند ظنهم صدق الرواة باجتهادهم، فيكون وجوب العمل عليهم قطعًا ثابتًا بناء على هذا الظن، كما هو طريقهم في حصول الصواب في الاجتهاد بيقين، عند ظنهم وصفًا من أوصاف النص علة الحكم. وهو فاسد على ما يعرف على الاستقصاء في الشرح، ونذكر (٣) شيئًا منه في باب القياس، فإنه طريق اعتمدوا عليه، ومال إليه بعض المحققين من الأشعرية - والله الهادي. وأما (٤) النصوص فلا تلزمنا (٥)، لأنا نقول بوجوب العمل من غير أن نشهد على الله تعالى بشيء (٦)، والآيات التي تعلقوا بها وردت في حق الاعتقاد والشهادة على الله تعالى، ولكن نقول الاحتياط في (٧) أن يوجب العمل كما نقول في القياس، ولكن نعتقد على الإبهام أن

стр. 484

ما أراد الله تعالى به فهو حق.- والله أعلم (١). مسألة - خبر الواحد: هل يقبل في حق وجوب الحدود والعقوبات أم (٢) لا؟ اختلف مشايخنا ﵏ (٣): قال بعضهم: يقبل في حق جميع الأحكام: العقوبات، والكفارات، وغيرها. وقال بعضهم: لا يقبل في باب الحدود والقصاص. وروي عن أبي يوسف ﵀ روايتان في الحدود. وجه قول من قال، إنه (٤) يقبل: أن المعنى الذي لأجله (٥) قبل خبر الواحد في سائر الأحكام، وجد (٦) في الحدود، وهو أنه دليل راجح، وذلك حجة مطلقة، ألا ترى أنها تثبت بالشهادات (٧)، وهي حجة فيها شبهة، فكذا خبر الواحد. و (٨) وجه قول الفريق الثاني: هو (٩) أن خبر الواحد فيه شبهة الغلط وشبهة الكذب، فلم يثبت كونه خبرًا عن رسول الله ﷺ بطريق القطع، بل مع الشبة، والنبي ﷺ قال: "ادرؤوا الحدود بالشبهات". فأما الشهادة فهي حجة في الإظهار. و (١٠) أما وجوب الحدود في الجملة [فقد] ثبت

стр. 485

بدليل مقطوع به وهو الكتاب (١)، وفي مسألتنا الكلام في وجوب الحد، في حق من لم يثبت في حقه بالكتاب، فلا (٢) يمكن إيجاب الحد ابتداء مع الشبهة. ولأن الحديث عام فخص في الإثبات في الشهادات (٣)، باعتبار الحاجة إلى الحدود، وليس له طريق معتاد للظهور سوى البينة، إذ الإقرار بها نادر، فسقط اعتبار الشبهة، لأجل الحاجة إلى الاستيفاء، دفعًا (٤) للفساد عن العالم، إذ لو لم يقبل مع هذه الشبهة، تصير الشبهة (٥) ناسخة للحدود، وهذا المعنى معدوم في مسألتنا - والله أعلم (٦). [٢] فصل في بيان السنة من حيث الفعل فنقول: فعل النبي ﷺ ينقسم إلى قسمين في الأصل: الأول (٧) - ما خرج بيانًا لمجمل كتاب الله تعالى (٨). وحكمه حكم الكتاب، من حيث (٩) الوجوب والندب والحرمة والكراهة ونحوها - لأن البيان متى ألحق (١٠) بالمجمل صار كأنه ورد مفسرًا من الأصل.

стр. 486

والقسم الثاني - ما ليس ببيان للكتاب (١). وهو نوعان: أحدهما - ما عرف، بقرينة ودليل، أنه واجب عليه أو مندوب إليه أو سنة (٢) أو مباح. والثاني - ما لم يقم الدليل على ذلك. واختلف العلماء في وجوب المتابعة علينا (٣) في أفعاله والاقتداء به (٤) فيها: - قالت الواقفية بأنه يتوقف في ذلك عملا واعتقادًا، إلا إذا قام الدليل. فإن قام الدليل على (٥) أنه واجب عليه، لا على طريق الخصوص، أو مباح له لا على طريق (٦) الخصوص: فإنه يجب المتابعة فيه على الأمة. أما إذا ثبت الخصوص في الواجب، كصلاة الليل أو في المباح، كحل تسع نسوة وما زاد عليها: فإنه لا يجب المتابعة فيه. - واختلف أصحابنا في ذلك: قال مشايخ العراق، مثل الكرخي وغيره: إنه يحمل على الإباحة، إلا بدليل. بخلاف أوامره ونواهيه، فإنها محمولة على الوجوب إلا بدليل. وقال مشايخ سمرقند بأنها محمولة على الوجوب عملا، ويتوقف في الاعتقاد عينًا، لكن يعتقد على (٧) الإبهام أن ما أراد الله تعالى منه فهو حق، وسووا بين أفعاله وأقواله (٨).

стр. 487

- واختلف أصحاب الحديث والفقهاء من أصحاب الشافعي: من قال إن أمره مطلقًا محمول على الوجوب إلا بدليل، قالوا إن أفعاله موجبة (١) إلا بدليل، وهو اختيار الجصاص ﵀ من أصحابنا. ومن قال بالتوقف في أوامره، يتوقف (٢) في أفعاله في حقنا. ومن قال بالندب في أمره، يقول بالندب في فعله. ومن قال بالإباحة في أمره، يقول بالإباحة في فعله في حقنا. أما أفعاله في حقه [فـ] توصف (٣) بالإباحة، لا محالة، لكونه معصومًا عن المعاصي والقبائح. وجه قول الواقفية أن فعله محتمل في نفسه: يجوز أن يكون واجبًا، ويجوز أن يكون مندوبًا إليه، ويجوز أن يكون مباحًا، وما هو واجب أو مباح في حقه يجوز أن لا يكون واجبًا ولا يكون (٤) مباحًا في حقنا، كصلاة الليل وحل ما زاد على الأربع، والمحتمل غير معلوم، فيجب التوقف فيه عملا واعتقادًا، حتى يقوم دليل العلم، كما قالوا في أقواله. وجه قول من قال إنه يحمل على الإباحة، ما ذكرنا: أنه لما كان محتملا في نفسه بين كونه واجبًا أو مندوبًا أو مباحًا (٥)، يجب التوقف في كونه واجبًا ومندوبًا، أما نعلم يقينًا أنه مباح، لأنه معصوم عن مباشرة الحرام فيجب القول بما هو المتيقن، والتوقف في المشكوك والمحتمل، بخلاف أوامره ونواهيه، لأن ثمة قام (٦) الدليل على (٧) أن صيغة الأمر موضوعة للوجوب لغة وشرعًا، والحقيقة هي (٨) الأصل حتى يقوم الدليل على المجاز.

стр. 488

وجه قول من قال بالوجوب في الأصل: النصوص المحرمة لمخالفة (١) الرسول ﷺ ، و (٢) النصوص الموجبة لطاعته ومتابعته والاقتداء به: قال الله تعالى: "فليحذر الذين يخالفون عن أمره .. (الآية) " (٣): حذر الله تعالى عن (٤) مخالفة أمر رسول الله (٥) ﷺ ، والتحذير عن مخالفة أمر الرسول ﵇ أمر بالوافقة والمتابعة له في فعله وقوله جميعًا، لأن اسم الأمر يقع على القول والفعل جميعًا. وقال الله تعالى: "أطيعوا الله وأطيعوا الرسول .. (الآية) " (٦): أمر بطاعة الرسول ﵇، وطاعته في موافقته في فعله وقوله، وذلك أن يفعل مثل فعله. وكذا قال الله تعالى: "لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة" (٧) أي قدوة حسنة (٨) متبعة، والاقتداء به (٩) في أفعاله أن يأتي بها إلا (١٠) ما ثبت خصوصه، فكان الأصل هو وجوب المتابعة إلا ما قام الدليل. وجه قول مشايخ سمرقند: أن (١١) الأصل هو وجوب (١٢) الاقتداء والمتابعة في أفعاله التي ليست من حوائج نفسه وأمور الدنيا، بالنصوص التي

стр. 489

تلونا، إلا أن احتمال الخصوص ثابت في بعض الواجبات والمباحات، على ما ذكرنا - فقلنا بوجوب المتابعة في الفعل دون الاعتقاد عينًا، لاحتمال أنه (١) يعتقد ما ليس بواجب واجبًا، وما ليس بمباح في حقه مباحًا: وأما (٢) الفعل، فمما (٣) لا خطر فيه، فإنه: إن كان واجبًا، فقد أتى بما عليه، وخرج (٤) عن عهدة الواجب، وأسقط الإثم عن نفسه. وإن لم يكن واجبًا، فقد أحرز الثواب بالفعل، وقضى حق الاعتقاد بالإبهام - والله ولي الإنعام. [٣] وأما السنة من حيث الترك والسكوت فنقول (٥): إنه (٦) ﷺ إذا رأى منكرًا أو (٧) فعلا قبيحًا في الشرع، فلم ينه (٨) عن ذلك، ولم ينكر عليه ذلك (٩)، ولكن سكت وتركه على ذلك - فهو (١٠) نوعان: أحدهما - أن يكون (١١) مباشر ذلك ليس من أهل دينه وملته، بأن كان مشركًا حربيًا أو كافرًا ذميًا، فتركه على ذلك: [فـ] لا يكون تقريرًا (١٢)

стр. 490

لذلك ورضا بكونه حسنًا - لأن دعاءه (١) لأهل الشرك إلى ترك ذلك مشهور، وإنكاره عليهم ظاهر، وتكليفه بالإنكار عليهم، في كل زمان يرى، خارج (٢) عن الوسع. وكذا في حق أهل الذمة: فإن تركهم وما يدينون، من جملة مصالح دين الحق، حيث شرع (٣) عقد الذمة، فلا يحمل ذلك على حسنه وورود النسخ في ذلك (٤) بضده. والثاني - أن يكون المباشر من أهل دينه وشريعته، فرأى منه فعلا، يتراءى (٥) أنه قبيح، ولم يمنعه عن ذلك ولم ينكر عليه: فإنه (٦) يدل على حسنه وعلى (٧) شرعيته، فإنه بعث مغيرًا للمنكر لا مقررًا. فإن كان الدليل على قبحه ثابتًا قبله: دل سكوته وتركه الإنكار (٨)، على انتساخه. وإن لم يكن دليل القبح والإطلاق متقدمًا: يدل [سكوته] على إثبات (٩) شرعيته ابتداء. وعلى هذا: المضاربات والشركات وعامة المعاملات التي لم يثبت حدوثها في غير عصره (١٠)، لأن الناس لما توارثوا على ذلك، وذلك متعارف في عصر النبي ﷺ ، ولم يمنعهم عن ذلك بل تركهم وما هم عليه (١١) - دل على شرعيته تقريرًا منه على ذلك، إذ حرام عليه التقرير على المنكر، وهو معصوم عن ذلك - والله الموفق.

стр. 491

مسألة - الاجتهاد في الأحكام الشرعية فيما لم يوح إلى النبي ﷺ نصًا - هل هو من سنته، وهل هو جائز عليه، وهل هو مأمور به - أم لا (١)؟. اختلفوا فيه: قال عامة أهل الأصول بأنه جائز عليه. وهو مأمور به أيضًا. وهو مروي عن أبي يوسف والشافعي رحمهما الله تعالى (٢). وقال بعضهم: إنه غير جائز عليه، فضلا عن الأمر به. وقال بعضهم: إنه في حد الجواز، لكنه مأمور بانتظار الوحي في الحوادث. فإن لم يرد الوحي، فيكون (٣) ذلك دلالة الإذن بالاجتهاد فيه. وقال بعضهم: إنه جائز عليه عقلا، ولكنه غير متعبد به شرعًا (٤). وجه قول من قال إنه غير جائز عليه - النص، والمعقول: أما النص - فقوله (٥) تعالى: "وما ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحي يوحى" (٦): أخبر الله تعالى أن ما ينطق به النبي (٧) ﷺ يكون عن الوحي، بل نفى أنه ينطق إلا عن الوحي (٨)، والحكم الصادر عن الاجتهاد لا يقال إنه حكم بالوحي.

стр. 492

وأما المعقول - فهو أن في جواز الاجتهاد للنبي ﷺ في الأحكام الشرعية نوع قبح مخصوص ليس ذلك في اجتهاد غيره، وهو أنه سبب لتنفير الناس عن اتباعه والعمل بشريعته، وهو مبعوث للدعوة إلى شريعته، فلا يجوز أن يكون مأذونًا بما يفضي إلى النفرة عنه، فيؤدي إلى المناقضة. وبيانه أن الناس متى سمعوا أنه يحكم في شريعته برأيه واجتهاده، فقبل أن يتأملوا حق التأمل، وسبق (١) إلى أوهامهم أنه ينصبه (٢) من تلقاء نفسه، وذلك سبب للنفرة (٣)، إذ الطبع ينفر عن اتباع مثله. ولأنه لو جاز له الاجتهاد، ويجوز لمجتهد آخر الاجتهاد أيضًا، يصير غيره مساويًا له في بيان الأحكام، ويجوز لغيره أن يخالفه، لأن على المجتهد أن يعمل باجتهاد نفسه، وإن خالف اجتهاد (٤) من هو أقوى منه، وهذا في غاية القبح - وذلك يندفع بما قلنا. و (٥) وجه قول العامة - النصوص، والمعقول: أما النصوص (٦): - فمنها (٧) قوله تعالى: "فاعتبروا يا أولي الأبصار" (٨) وهذا نص عام.

стр. 493

- ولما روي عن عمر ﵁ أنه سأل رسول الله ﷺ عن القبلة للصائم - هل يفطره (١)؟ فقال ﵇: أرأيت لو تمضمضت بماء ثم مججته أكان يضرك؟ قال: لا، قال (٢): ففيم إذن؟ وهذا هو (٣) صورة القياس. وكذا روي أنه قال في تحريم الصدقة على بني هاشم: أرأيت (٤) لو تمضمضت بماء ثم مججته أكنت شاربه؟ و (٥) هذا قياس. وروي في حديث الخثعمية أنها قالت: إن لي أبًا شيخًا كبيرًا لا يستمسك على الراحلة وقد أدركته فريضة الحج أفيجزئني أن أحج عنه؟ فقال ﷺ : أرأيت (٦) إن (٧) كان على أبيك دين فقضيته (٨) أما كان يقبل منك؟ فقالت: نعم - قال ﷺ (٩): فدين الله أحق أن يقضى (١٠)، وهذا قياس (١١) دين الله تعالى على دين العباد. وروي عن النبي ﷺ أنه قال لأبي بكر وعمر ﵄: قولا، فإني فيما لم يوح إلى مثلكما. وأما المعقول: فهو (١٢) أن القياس والنظر الصحيح في المنصوص عليه، طريق معرفة العلم بحكم الله تعالى، في غير المنصوص عليه، في حق غيره من المجتهدين، فيستحيل أن لا يكون طريقًا في حقه، مع التساوي في سلوك

стр. 494

الطريق، إذ (١) يستحيل أن يخفى عليه معاني النصوص، ولا يخفى على غيره، مع أنه ظهر له ما خفي على غيره، من المشترك والمجمل والمتشابه. ومتى حصل له العلم بذلك، وجبا عليه التبليغ، خصوصاً في حال نزول الحادثة والسؤال عنه، مع أن اجتهاده صواب (٢) بيقين، لأنه معصوم عن الخطأ في أمور الدين عند أكثر الأمة، وعند الكل معصوم عن القرار على الخطأ، واجتهاده غيره محتمل، فلما جاز الاجتهاد لغيره، بل وجب، فكذا (٣) في حقه بطريق (٤) الأولى. وخرج الجواب عن تعلقهم بقوله تعالى: "وما ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحي يوحى" (٥) إذ (٦) اجتهاده لما كان صوابًا بيقين، كان وحياً (٧) من الله تعالى. إلا أن الوحي نوعان: ظاهر وخفي. فالظاهر ما كان على لسان الملك، والخفي ما كان بطريق الإلهام والعلم الضروري أو (٨) بطريق الاجتهاد. وقولهم إنه يؤدي إلى التنفير - ليس كذلك، لأن الاجتهاد ليس هو نصب الشرع، فإن شارع الأحكام هو الله تعالى، والاجتهاد طريق معرفة شرع الله تعالى بالأمارات (٩) الدالة عليها، من المعاني التي تعلقت الأحكام بها، كما أن سماع الوحي الظاهر طريق معرفة حكم الله تعالى. و (١٠) هذا

стр. 495

اعتقاد كل مسلم، فلا يخطر بباله أنه ناصب الشريعة أو حكم بالاجتهاد (١) من تلقاء نفسه، فلا يؤدي إلى التنفير (٢). ولأن الله تعالى أعطى لرسوله (٣) ﷺ العلم بالأحكام، بالطرق كلها، ليكون علمه أوسع ودرجته أرفع، فمن أنكر بعض طرق العلم، للرسول ﷺ ، الذي هو أدق وأغمض (٤)، وأثبت لغيره فقد بالغ في الخطأ. وقولهم فيه تسوية بين الرسول ﷺ (٥) وغيره، وفيه تجويز مخالفته (٦) في الاجتهاد - فليس هكذا، فإنه لا يجوز لأحد أن يجتهد في (٧) حال حضرته: هو الأصح. ولا يحل (٨) لأحد من المجتهدين الخلاف له في الاجتهاد، لما ذكرنا أن اجتهاده موجب للعام قطعاً، واجتهاد غيره محتمل، فصار بمنزلة الاجتهاد على مخالفة نص الكتاب وإجماع الأمة. وجه قول الفريق الآخر، وهو أن النبي ﷺ مكرم بالوحي الظاهر، وذلك أقوى الطرق. فإنه إن كان لا يحتمل أن يقر على الخطأ، فقد جوز بعضهم وجود الخطأ منه، ولكن لا يقر عليه، فكان الانتظار لما لا يحتمل الخطأ أحق، إلا إذا كان يحتمل الفوات (٩)، فحينئذ يشتغل بالاجتهاد. وهذا القول حسن. لكن قول العامة أحق. وكان عليه العمل بجميع أنواع الوحي (١٠)، والتبليغ عند الحاجة، والانتظار للوحي الظاهر في غير موضع الحاجة. والله أعلم.
следующие страницы →