← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 19237

ميزان الأصول في نتائج العقول

علاء الدين السمرقندي

Полный текст (813 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

صحة الإجماع وانعقاده. وهو الجواب عن قوله ﷺ : "من شذ شذ في النار" لأن الشاذ اسم لمن خالف بعد الموافقة: يقال "شذ البعير وند" إذا توحش بعدما كان أهلياً (١) - وبه نقول. - فإن (٢) قالوا: إن قوله ﵇: "عليكم بالسواد الأعظم" يقتضي أن يكون السواد الأعظم حجة على من ليس هو من السواد (٣) الأعظم، فإن المخاطب لا يدخل تحت الذين أمر بملازمتهم والمتابعة لهم - فنقول: المراد بالسواد الأعظم هو جميع أهل العصر لما ذكرنا. ويجوز أن يكون السواد الأعظم حجة على من يأتي بعدهم من العصر الثاني ممن هم (٤) أقل عدداً من الأول، فسمي الأول السواد الأعظم - وهو الجواب عن الكلام الأخير: أن إجماع أهل العصر حجة في (٥) هذا العصر، فيجب أن يكون فيهم من يخالفهم حتى يكون حجة عليهم، لأنا نقول: يجوز أن يكون حجة على من بعدهم من الأعصار، إن لم يكن حجة على أحد في حق هذا العصر - والدليل عليه أنه لو كان من شرط صحة الإجماع من أهل العصر أن يكون حجة على مخالف في ذلك العصر، لوجب أن يقال: إن (٦) أهل العصر إذا أجمعوا كلهم على قول ولم يخالف أحد في ذلك، ينبغي (٧) أن لا يكون هذا الإجماع حجة، لعدم شرطه (٨) الذي ذكرتم (٩).

стр. 527

على أنا نقول: يجوز أن يكون حجة على كل واحد (١) من آحاد هذا العصر، في حق منعهم من الرجوع عن هذا القول وتحريم ذلك عليهم. ويكون قوله "عليكم" خطاباً لكل واحد منهم. أو نقول: إن إجماعهم حجة عليهم في حق وجوب العمل والاعتقاد لهذ (٢) الإجماع وتحريم ترك العمل به، وهذا لأن الإجماع حجة لله (٣) تعالى على كل كل مكلف من عباده، في حق وجوب العمل والاعتقاد بموجبه (٤).

стр. 528

مسألة - ويبتنى (١) على هذامن بلغ درجة الفتوى الاجتهاد في زمن الصحابة من التابعين - هل ينعقد إجماع الصحابة مع خلاف واحد منهم؟ على قول عامة العلماء: لا (٢) يرزرقد، لما ذكر نا أن الدلائل التي توجب كون (٣) الإجماع حجة لا توجب الفصل بين مجتهد ومجتهد، حال نزول الحادثة، بل يشترط اجتماع الكل على الجواب، على ما نذكر. وقال بعضهم: إن خلافهم لا يمنع انعقاد إجماع الصحابة. واحتجوا بما روي (٤) عن عائشة ﵂ أنها أنكرت على أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف خلافه على (٥) الصحابة في بعض

стр. 529

المسائل، لما أنه كان من التابعين - قلنا: يحتمل أنها إنما (١) أنكرت عليه، لأنه خالف (٢) الصحابة بعد ما أجمعوا على ذلك الحكم. ولم يكن هو من أهل الاجتهاد في ذلك الوقت، ثم إذا صار من أهل الاجتهاد خالفهم، وهذا الخلاف لا يعتبر، لأن إجماعهم قد صح حين لم يكن هو من أهل الاجتهاد، وصار حجة، فلا ينقض بخلافه، فيجب الحمل عليه، عملا بالدلائل. مسألة - انقراض العصر هل هو شرط لانعقاد الإجماع وكونه حجة أم لا؟ (٣). وتفسير انقراض العصر هو موت جميع من هو من أهل الاجتهاد في وقت وقوع الحادثة والإجماع عليه. واختلفوا فيه: قال عامة العلماء: إنه ليس بشرط لانعقاد الإجماع ولا شرط كونه حجة، حتى إن أهل العصر إذا أجمعوا على حكم حادثة قولا، أو وجد القول من البعض والسكوت من (٤) الباقين من غير تقية (٥) ومضت (٦) مدة التأمل، لا يحل لواحد (٧) من أهل هذا العصر أن يرجع عن قوله. وكذا لا يحل لأحد من أهل (٨) العصر الثاني أن يخالفهم في ذلك.

стр. 530

وقال بعضهم، وقيل إنه قول الشافعي ﵀: إن انقراض العصر شرط (١) لانعقاد الإجماع، حتى يحل لواحد منهم أن يرجع قبل موت الباقين، ولكن لا يحل لأحد من أهل (٢) العصر الثاني أن يخالفهم لوجود شرطه، وهو انقراض العصر الأول. وجه قول من خالف: - ما روي عن أبي بكر ﵁ أنه كان يرى التسوية في قسمة الغنيمة (٣)، ولم يفضل من كان أسبق إسلامًا وأقدم عهداً، ولا من كان له فضيلة من العام وغيره، ولم يخالفه أحد في ذلك من الصحابة ﵃. ثم لما صار الأمر إلى عمر ﵁ خالفه فيه وفضل في القسم (٤) لفضل السبق في الإسلام (٥) والفضل في (٦) العلم، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة ﵃، لأن الإجماع، وإن وجد منهم في زمن أبي بكر ﵁، لكن عصر الصحابة لم ينقرض بعد، لبقاء كثير من المجمعين، فيحل له المخالفة، ولا (٧) ينعقد ذلك الإجماع حجة. ولما روي عن علي ﵁ أنه سئل عن بيع أمهات الأولاد (٨) فقال: كان رأيي ورأي أبي بكر (٩) ورأي عمر أن لا يبعن، ثم رأيت

стр. 531

بيعهن، فقال له عبيدة السلماني ﵁ (١): رأيك مع الجماعة أحب إلي من رأيك وحدك. فكان قول عبيدة دليلاً على أن الإجماع وقد سبق بذلك، إلا أنه لما (٢) لم ينقرض العصر وظهر (٣) رأي علي ﵁ بخلاف ما أجمعوا، جوز (٤) خلافهم - فدل أنه لابد من انقراض العصر لتحريم المخالفة. - والمعنى فيه وجهان (٥): أحدهما - أن الإجماع لا ينعقد بدون الانقراض، لأن الإجماع إنما يكون حجة في موضع لا نص [فيه] من حيث الظاهر. فأما في موضع فيه نص ظاهر قاطع فلا حاجة إليه، مع أن الكلام في هذا وقع، فلابد من زمان مديد حتى يظفروا بحديث (٦) كان ورد في حادثة لا تحتمل الانتشار والاشتهار، وصاحب الحادثة في (٧) البو ادي فلم يشتهر في الصحابة. أو إن كان لا توقيف وتمس (٨) الحاجة إلى الاجتهاد ليقف (٩) على علة الحكم في الأصول (١٠)، فلا بد من مدة معتبرة، ولهذا كان عبد الله بن مسعود

стр. 532

رضي الله عنه يجتهد في مسألة المفوضة (١) شهراً. وإذا كان هكذا فيجب أن يكون زمان التأمل وطلب الحديث مقدراً بانقراض العصر، إذ المجتهد يخطئ ويصيب، وقد يرجع (٢) عما هو صواب عنده إلى ما هو خلافه، فيكون العصر مدة التأمل والنظر، فيظهر له أنه (٣) صواب أو (٤) خطأ، لقيام الاحتمال. فأما بعد انقراض العصر، وهو بعد (٥) موت جميع المجمعين لا يبقى الاحتمل، فبنعقد الآن حقيقة، وهو عند الانقراض، وإن كان الإجماع قبله ثابتاً من حيث الظاهر. والثاني - أن الإجماع وإن وجد، ولكن (٦) لا يكون حجة قبل انقراض العصر، لأن في الابتداء: ما لم يوجد الاجتماع من الكل، لا يكون حجة، فكذا في حالة البقاء: ما لم يوجد الاجتماع من الكل، لا يبقى إجماعاً، لأن إجماع الأمة إنما صارحجة بطريق الكرامة (٧)، لوجو د وصف الاجتماع منهم، لأنهم (٨) إنما استحقوا الكرامة بوصف الاجتماع، فإذا وقع الخلاف في العصر ورجع البعض لم يبق وصف الاجتماع، فلا يبقى استحقاق الكرامة، فلا يبقى حجة. فإذا (٩) وجد انقراض العصر، يبقى (١٠) الاجتماع، لعدم تصور الرجوع بعد الموت، ولهذا (١١) صار انقراض العصر شرطاً.

стр. 533

أما عامة العلماء (١) ﵏[فقد] احتجوا: - بالدلائل الواردة في باب الإجماع، من غير فصل بين انقراض عصرهم وعدمه. فمن قيدها بشرط الانقراض، فقد زاد على النصوص وقيدها، فيجب العمل بالإطلاق، ما لم يثبت القيد بدليل زائد يصلح معارضاً للدلائل المطلقة. - ولأن انقراض العصر إما أن يجعل شرطاً لانعقاد الإجماع، أو شرطاً لكونه حجة: • والأول - باطل، لأن الخلاف (٢) فيما إذا وجد الخبر من كل واحد من أهل العصر صريحًا: أنه معتقد (٣) لهذا القول غير متوقف فيه ولا شاك، والإنسان العاقل المجتهد يعلم المفارقة بين حال التأمل والتوقف والشك وبين حال العام بالشيء قطعاً، والإخبار عن نفسه أنه معتقد للشيء عالم به، خلاف الإخبار أنه متأمل متوقف شاك، وليس شرط العلم بالشيء قطعاً هو انقراض العصر لا محالة، بل إذا تحقق العلم عنده بالتأمل والنظر في مدة يسيرة (٤)، فلا (٥) يشترط الزيادة - فدل أن شرط انقراض االعصر (٦)، لانعقا د الإجماع، باطل. • والثاني - باطل أيضاً (٧)، لأنه متى ثبت وجود الإجماع منهم، يصير (٨) حجة قاطعة لا يجوز الرجوع عنه ولا المخالفة له. لأنه لو جاز وجود الإجماع التام في زمان ولا يكون حجة، جاز وجوده أبداً. وهذا لأنه إنما صار حجة، لأنه لا يجوز أن يكون الأمة كلهم على الخطأ. ولو جاز وجود

стр. 534

الإجماع في مدة، وهم على الخطأ، جاز كذلك أبداً. وإذا بطل الوجهان جميعاً (١) انتفى أن يكون انقراض العصر شرطاً. - أما الجواب عن تعلقهم بحديث أبي بكر ﵁ فنقول: لا حجة فيه، فإنه روي أن عمر ﵁ خالفه في زمانه وناظره في ذلك وقال له (٢): أتجعل من جاهد في سبيل الله بماله ونفسه طوعاً (٣) كمن دخل في الإسلام كرهاً - فقال له أبو بكر ﵁: إنما عملوا لله تعالى، فأجرهم على الله تعالى، وإنما الدنيا بلاع، أي بلغة (٤) العيش، وهم في الحاجة إلى ذلك سواء. ولم يثبت عن عمر ﵁ أنه رجع عن قوله (٥) إلى قول أبي بكر ﵁، فلم ينعقد (٦) الإجماع دون رأيه. وإذا كان كذلك يحتمل أنه كان على رأيه في التفضيل في زمن أبي بكر ﵁ ولم يرجع عن قوله، فلما آل الأمر إليه عمل بقوله، لكونه إماماً، كما كان أبو بكر عمل برأيه في حال إمامته (٧). وإذا احتمل هذا واحتمل الرجوع أيضاً: فلا يثبت الإجماع مع الاحتمال. وأما حديث علي ﵁: فلا نسلم (٨) أنه خالف بعد وجود الإجماع من الصحابة ﵃ على حرمة بيع أمهات الأولاد (٩) -

стр. 535

فإن (١) المروي عنه (٢) أنه قال (٣): وافق رأيي رأي (٤) عمر، فيجوز أن يكون قول غيرهما من الصحابة بخلاف قولهما، كيف وقد روى عن جابر بن عبد الله ﵁ أنه كان يرى في زمن عمر ﵁ جواز (٥) بيعهن، ولا ينعقد الإجماع بدون قول جابر. وإذا لم يكن في المسألة إجماع، فيكون رجوع علي ﵁ عن مسألة اجتهادية، ولكل مجتهد أن يرجع عن قوله إلى قول رأى الصواب فيه، لا أن رجوعه لأن العصر لم ينقرض، فبطل التعلق به. وأما قول عبيدة: رأيك مع الجماعة أحب إلي من رأيك وحدك (٦) - دليل، على أن مع عمر ﵁ جماعة من الصحابة، لا أن معه جميع الصحابة، فإن الجماعة اسم للطائفة من الناس لا للكل، إلا أنه أحب واختار أن يكون قول على ﵁ منضمًا إلى قول عمر ﵁، لأنه كان يرى (٧) ترجيح قول الأكثر على قول الأقل، وعاب رضى الله عنه لا يرى الترجيح بالكثرة بل بقوة الدليل - والله أعلم. - وخرج الجواب عن قولهم إنه لابد من زمان التأمل فيكون العصر مدة التأمل، لأن الكلام في في إذا مضت مدة التأمل ثلاثة أيام أو شهر ونحو ذلك، فيكون اشتراط انقراض العصر بلا حاجة، فيكون فاسداً. - وقد خرج الجواب عن الثاتي على ما مر (٨) - والله أعلم.

стр. 536

مسألة - الخلاف المتقرر (١) بين أهل الاجتهاد في العصر الأول - هل يمنع انعقاد الإجماع في العصر الثاني بعده (٢)؟ وهل يكون خلو الخلاف شرطاً للصحة؟ فعلى قول أصحابنا ﵏: لا يمنع. وعلى قول عامة أصحاب الحديث من الفقهاء والمتكلمين: يمنع. وتبقى المسألة اجتهادية أبداً. فعلى قولهم: يشترط أن لا يقع هذه الحادثة في العصر الأول، أو أجاب واحد في حادثة لا يحتمل الاشتهار ولم يثبت من غيره خلاف أو وفاق. وقال بعض مشايخنا بأن هذه المسألة مختلفة بين أصحابنا: [فـ] عند أبي حنيفة رحمة الله عليه: يكون مانعًا. وعند صاحبيه: لا يكون مانعاً (٣).

стр. 537

وبنوا على مسألة جواز بيع أمهات الأولاد: فإن محمداً ﵀ ذكر في الكتاب أن القاضي إذا قضى ببيع أمهات الأولاد، ينقض (١) قضاؤه. وروى الكرخي عن أبي حنيفة رحمهما الله أنه قال: لا ينقض (٢) قضاؤه. وكانت مسألة بيع أمهات الأولاد (٣) مختلفة بين الصحابة: فعند علي وجابر ﵄ وغيرهما: يجوز. وعند عمر وبعض الصحابة ﵃: لا يجوز. ثم اتفق العصر الثاني لها أنه لا يجوز. فعلى رواية الكرخي ﵀: لا ينقض قضاء القاضي، لأنه قضى في فصل مختلف فيه، وأن (٤) ذلك الإجماع لا يصح، ويبقي المسألة مجتهداً فيها. وعلى رواية محمد ﵀: ينقض، لأنه قضى في فصل مجمع عليه، للأن الإجماع في العصر الثاني صحيح، مع سبق الاختلاف في العصر الأول، فلا يبقي المسألة اجتهادية، وقضاء القاضي على خلاف الإجماع لا يصح، فينقض قضاؤه. وجه قولهم: إن المخالف لو كان حياً، وهو على رأيه، لم يصح الإجماع على مخالفته. فكذا إذا كان ميتًا وقد مات على رأيه. والمعنى الجامع بينهما أن المانع حال حياته هو دليله وحجته، لا عينه، وحجته (٥) بعد موته قائمة،

стр. 538

لأن حكم الموت، وقد مات على رأيه (١)، إنما يظهر في حق نفسه، لا في مذهبه ودليله، فجعل حيًا حكماً، فصار كأنه حي حقيقة. ولأن في انعقاد الإجماع، بعد سبق خلاف الصحابة، قولا بتضليل بعض الصحابة، لأنه يخرج (٢) من أن يكون مجتهداً، ويصير قوله خطأ بيقين، وقد اعتقده حقاً (٣)، واعتقاد الخطأ حقاً من باب (٤) الضلال، وهو (٥) قول وحش (٦) في حق الصحابة. وفيما قلنا: إنه لا ينعقد الإجماع وبقيت المسألة اجتهادية، لا يؤدي إلى تضليل الصحابة، لأن المجتهد يخطئ ويصيب، فلا يتبين خطأ بعض الصحابة بيقين، فكان ما (٧) قلنا أولى. والحكم المجمع عليه (٨) يدل عليه: وهو أن من قال لامرأته "أنت بائن" ونوى به الطلاق، ثم وطئها بعد ذلك، مع العلم بحالها، فإنه لا يجب الحد، لأن المسألة مختلفين بين الصحابة ﵃: فعند (٩) بعضهم يكون طلاقاً رجعياً وإنه لا يحرم الوطء. وعند بعضهم يكون طلاقاً بائنًا (١٠) وإنه يحرم الوطء. ثم في عصر (١١) الشافعي أخذ هو (١٢) بقول من قال إنه طلاق رجعي ولكن قال إنه يحرم الوطء. فهم اتفقوا على أن هذا الوطء حرام: أما عندنا فلأنه طلاق بائن، وعنده، وإن كان طلاقاً رجعيًا، ولكن الوطء

стр. 539

حرام (١). ولو كان الإجماع المتأخر يرفع الخلاف المتقدم لكان لا يورث شبهة، فينبغي أن يجب الحد، ولما لم يجب (٢)، دل أن الإجماع في العصر التالي بعد وجود الخلاف في العصر الأول، ليس بإجماع ولا حجة، فتكون المسألة اجتهادية، فيصير خلاف العلماء شبهة في درء الحد - والله أعلم (٣). ولأصحابنا ﵏ أن الدلائل التي عرفنا بها كون الإجماع حجة مطلقة لا توجب الفصل بين إجماع سبقه الخلاف وبين إجماع لم يسبقه، [و] من ادعى القيد فعليه الدليل. ولأنه (٤) لو جاز وجود الإجماع من التابعين جملة وخرج الحق عن جملتهم لجاز خروج الحق عن القرون الأخر بعدهم، فيؤدي إلى جواز بقاء الأمة على الضلال أبدًا (٥)، وإنه خلاف النص والمعقول، على ما تبين. ولأن الصحابة اتفقوا على أنه لا يجوز للتابعين (٦) أن يقدموا الواحد (٧) من الفريقين عيناً، بل اتفقوا على وجوب الاجتهاد عليهم، في طلب الصواب في أحد القولين، والطلب لأجل الإصابة، فكان هذا إجماعاً منهم (٨) على إصابة الحق، فيما اختلفوا، عند الطلب. فمن قال إن إجماعهم لا يكون حجة، بعد ما طلبوا وبذلوا مجهودهم في ذلك، ولا طريق أقوى في الإصابة من إجماعهم عليه، فقد خالف إجماع الصحابة والتابعين جميعاً. ولأنهم لما حرموا عليهم التقليد

стр. 540

وأوجبوا عليهم الاجتهاد، فقد أقاموهم مقام انفسهم في حرمة التقليد ووجوب الاجتهاد (١). ثم هم متى أجمعوا، فيما اختلفوا فيه (٢)، على أحد القولين المختلف فيهما، يصح إجماعهم ويكون حجة، فكذلك (٣) إجماع من يقوم مقامهم ومثل حالهم. والمعنى الجامع بينهما أن وجوب الاجتهاد ليس لعينه بل لإصابة الحق، واجتماع الكل طريق إصابة الحق. ولأنهم لما أجمعوا على وجوب الاجتهاد عليهم، [فـ] لإصابة الحق فيما اختلفوا فيه (٤). وإذا أجمعوا علي ذلك لم (٥) يكونوا كل مصيبين للحق، ولا طريق للإصابة سوى هذا، فإن في اجتماع الآراء (٦) رأي كل واحد منهم موجود لو انفرد، فه كون هذا إجماعاً منهم على أن الله تعالى كلفهم ما ليس في وسعهم، وهو خلاف الشرع والعقل (٧). قولهم: لو كان المخالف حيًا لا يكون إجماعاً، فكذا إذا كان ميتاً - فهذا جمع من غير علة. قولهم: إنما لا يكون إجماعاً لا لعينه، ولكن لدليله، وهو قائم في زمن التابعين - فهذا ممنوع؛ إن دليله قائم (٨)، فإن بإجماع التابعين على أحدهما، يتبين (٩) أن الآخر ما (١٠) كان حقاً، وما هو دليل عنده، بل (١١) كان

стр. 541

شبهة وليس بدليل (١)، لأن الدليل لا يظهر خطؤه أبدًا، بل يتقرر بمضي الز مان، فأما الشهبهة، [فـ] تز ول وقد قام الدليل على البطلان، فيكون دليلا على أنه شبهة. قولهم: فية تضليل بعض (٢) الصحابة - ليس كذلك، بل في (٣) هذا تخطئتهم من حيث وجوب (٤) العمل، والتخطئة من حيث الاعتقاد تضليل، فأما (٥) من حيث وجوب (٦) العمل فليس بتضليل، إذ الضلال هو الخطأ من حيث الاعتقاد. فأما من حيث وجوب (٧) العمل فهو خطأ معذور فيه. وبيان ذلك من وجهين: أحدهما - أن المجتهد في الشرعيات يجب عليه العمل باجتهاده. أما لا يجب عليه الاعتقاد بحقية (٨) قوله على اليقين (٩) بل من حيث الغالب، وإنما عليه وجوب الاعتقاد على الإبهام (١٠) أن ما أراد الله تعالى، مما اختلفنا فيه، حق. وإذا لم يعتقد حقية مذهبه بطريق القطع، [فـ] كيف يكون ضلالا حتى يكون تخطئته تضليلا؟ ولأن التضليل والضلال (١١) إنما يتحقق في الأحكام العقلية، لأن المعتقد إما أن يكون واجب الوجود أو مستحيل الثبوت، فمتى أخطأ فقد اعتقد ما هو واجب الوجود مستحيل الثبوت، فيكون ضلالا (١٢).

стр. 542

واختلاف الصحابة في الشرعيات، وصانهم الله تعالى عن الاختلاف في العقليات، حتى لا (١) ينسبوا إلى الضلال والبدعة، فأما الشرعيات فمن جملة الممكنات العقلية بحيث لو جاء الشرع (٢) على خلاف ما جاء به العقل، لكان (٣) جائزًا ولم يكل مستحيلا. فالخلاف فيه ليس من باب التضليل (٤)، فلا يكون التخطئة فيه (٥) من باب التضليل (٦). وهذا لأن الجهل بها مما لا يضر، إذا لم يتضمن ذلك تكذيب الرسول ﵇، بأن أنكر ما ثبت بالتواتر، حتى يحكم بكفره. فأما بإنكار (٧) ما هو ثابت قطعًا من الشرعيات، بأن علم بالإجماع أو الخبر (٨) المشهور، فالصحيح من المذهب أنه لا يكفر، لأن عنده أن فيه شبهة (٩). فإذا كان نفس الإنكار في الشرعيات، إذا لم يتضمن تكذيب الرسول ﵇، لا يوجب الكفر، فالخطأ فيه كيف يكون كفراً؟ - فهو (١٠) الفرق بين الأمرين. وبعض مشايخنا أجاب عن هذا وقال (١١): إن دليل الصحابي قائم، وحقية قوله ثابتة (١٢) إلى وقت وجود إجماع التابعين، فينتهي الحكم الأول

стр. 543

بوجود الثاني، كما في حكم (١) الكتاب وقول الرسول ﷺ ، فلا يؤدي إلى الضلال، ولكن هذا ضعيف، لأن النسخ لا يرد في حكم ثابت بالإجماع (٢)، ولا في حكم ثابت بعد رسول الله ﷺ ، بل بموته ﷺ خرجت (٣) إلأحكام عن احتمال النسخ، لأنه لا وحي (٤) بعده ينزل ويحدث، على ما يعرف بطريق الاستقصاء في الشرح إن شاء الله تعالى (٥). وأما مسألة الكنايات - فنقول: الخلاف بين الصحابة: أنها بوائن أم رواجع؟ ومن قال إنها رواجع قال: يحل الوطء. ومن قال إنها (٦) بوائن قال (٧): لا يحل الوطء. والشافعي رجح قول من قال إنها رواجع. ومخش رجحنا قول الآخرين. ثم الشافعي قال بأن الطلاق الرجعي يحرم الوطء. نحن نقول إنه لا يحرم الوطء (٨). فلم يوجد الإجماع على أن الطلاق الرجعي يحرم الوطء، حتى يرتفع الخلاف، بل نقول: الطلاق البائن يحرم الوطء، وهذا حكم مسألة أخرى. فلم يكن الإجماع (٩) إجماعاً فيما اختلفوا فيه، فبقيت المسألة مجتهداً فيه، كما كانت، فلهذا (١٠) لا يجب الحد - والله أعلم.

стр. 544

[٥] فصل في: بيان طريق وجود الإجماع فنقول: لوجود الإجماع طرق ثلاثة: أحدها - الاجتماع على قول واحد، بجهة واحدة - بأن يقول جميع أهل الاجتهاد جواب المسألة على وجه واحد من الجواز أو الفساد أو الحل أو الحرمة. والثاني - الاجتماع على فعل واحد، نحو أن يفعلوا بأجمعهم فعلا واحدًا. والثالث - أن يوجد الرضا من جميع أهل الاجتهاد على حكم من أمور الدين. وذلك بطريقين: - يكون إكل بالإخبار عن الرضا بذلك طوعًا، إذ هو أمر باطن لا يعرف إلا بسبب ظاهر دال عليه، وهو الخبر عنه طوعًا. - وإما بانتشار قول واشتهاره فيهم ولم يوجد، ممن هو بسبيل من ذلك، الرد والإنكار فيه. وذلك في غير حال التقية، وبعد مضي مدة التأمل (١) - لأن إظهار الرضا في حال التقية وترك النكير (٢) والرد، أمر معتاد، بل هو (٣) أمر مشروع رخصة، فلا يدل ذلك على الرضا - فلهذا شرطنا، مع السكوت وترك (٤) الإنكار، زوال التقية. وكذلك السكوت والامتناع عن الرد قبل مضي مدة التأمل، حلال شرعًا، فلا يدل على الرضا (٥).

стр. 545

ثم قد يتحقق، في كل مسألة واحدة، الإجماع بهذه الطرق كلها (١). وقد يكون ببعض هذه الطرق. وقد يكون بطريق واحد. ثم لا خلاف في وجود الإجماع وانعقاده بالقول والفعل والرضا بطريق الخبر. فأما الرضا (٢) بالسكوت بعد انتشار الخبر واشتهاره مع زوال التقية ومضي مدة التأمل (٣) - هل يكون إجماعًا، سواء كان في عصر الصحابة أو في كل عصر؟ ينظر: إما إن كانت المسألة من مسائل الاجتهاد أو لم تكن: - فإن لم تكن كل من المسائل الاجتهادية (٤)، بل من العقليات المبنية على الدليل القطعي فلا يخلو: إما إن كان عليهم في معرفتها تكليف، أو ليس عليهم في معرفتها تكليف: • فإن لم يكن في معرفتها تكليف، نحو أن يقال: إن أبا هريرة ﵁ أفضل أم أنس بن مالك ﵁، ونحوها: فإنه إذا وجد من واحد قول، واشتهر ذلك فيما بين العلماء، ولم يرد الإنكار منهم صريحًا، فإن السكوت وترك الرد لا يكون إجماعًا ولا دلالة الرضا بذلك القول المنتشر، لأنه لا تكليف عليهم في معرفة ذلك، فلا يلزمهم النظر: إن ذلك منكر أم لا، وإنما يلزمهم الإنكار إذا علموا أن ذلك منكر. فإذا (٥) لم يلزمهم النظر في كونه منكرًا (٦)، جاز أن لا ينظروا، فلا يحصل لهم العلم بكونه منكرًا،

стр. 546

فلا يلزمهم إنكاره. وإذا كان الأمر كذلك، فلا يبعد أن يتركوا إنكار ما لم يثبت كونه منكرًا عندهم، فلا يكون سكوتهم عن الرد والإنكار دليل الرضا (١). • فأما إذا كان في معرفة حكم الحادثة تكليف عليهم، وانتشر قول البعض في الجواب، وسكت الباقون ولم يردوا عليهم، يكون سكوتهم تصويبًا ورضا كل منهم (٢) بذلك الحكم. لأنه لو كان خطأ، لكانوا (٣) قد أجمعوا على ترك ما يجب عليهم من إنكار المنكر، والله تعالى مدح أمة النبي ﷺ بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وشهد لهم بذلك، فلا يجوز ترك النهي عن من جماعتهم، فيؤدي إلى الخلف في خبره وشهادته، تعالى الله (٤) عن ذلك. ولأنه إذا كان خطأ ولم يردوا، فقد وجد الاجتماع على الخطأ والضلال، والنبي ﵇ قال: "لا تجتمع أمتي على ضلالة" (٥) - على ما تقرر في مسألة حكم الإجماع. - و (٦) أما إذا كانت المسألة اجىتهادية، بأن (٧) كانت في الفروع، التي هي من باب العمل دون الاعتقاد: • فعلى قول أهل السنة والجماعة (٨) ومن قال إن المجتهد يخطئ ويصيب في الفروع - فالجواب (٩) فيها والجواب في المسألة الاعتقادية سواء، لأن الحق إذا كان واحدًا، لو لم يكن (١٠) القول المنتشر (١١) من البعض فيهم

стр. 547

حقًّا، يكون خطأ، فلا يحل لهم السكوت وترك الإنكار، فيكون السكوت دليل الرضا والتصويب ضرورة. • وأما على قول من قال إن كل مجتهد مصيب، اختلفوا فيه (١): - فقال أبو علي الجبائي: يكون إجماعًا إذا انتشر القول فيهم (٢) ثم انقرض العصر. وهو (٣) مثل قولنا، إلا أنه جعل مدة التأمل انقراض العصر، وعندنا بخلافه - على ما مر. وقال ابنه أبو هاشم (٤) بأنه لا يكون إجماعًا، ولكنه يكون حجة. وقال أبو عبد الله: لا يكون إجماعًا ولا يكون حجة (٥). وروي عن الشافعي ﵀ أنه قال: لا أقول إنه إجماع، ولكن أقول لا أعلم فيه خلافًا، تحرزًا عن احتمال الخلاف احتياطًا. وجه قول من قال إنه ليس بإجماع - ما روي عن عمر ﵁ أنه شاور الصحابة في فضل بقي من الغنائم بعد القسمة: أنه قسم بينهم أو أمسكها لنائبة حدثت في ثاني الحال (٦)، فأشار القوم إلى الإمساك، وكان علي ﵁ فيهم وهو ساكت فقال: ما تقول يا أبا الحسن؟ فقال: قد تكلم القوم، فقال عمر ﵁: "لتكلمن أنت" فقال: بالقسمة، وروي في ذلك خبرًا عن النبي ﷺ ، ولو كان السكوت حجة لما كلفه

стр. 548

بالتكلم مع سكوته (١). وروي عن عبد الله بن عباس ﵄ أنه كان لا يرى العول في الفرائض وكان (٢) يتكام فيه، فقيل له: ألا تذكر مع عمر ﵁، فقال: "منعتني (٣) درته" وفي رواية: "خوفًا من درته"- دل أن السكوت لا يكون حجة. والمعنى في المسألة وهو أن السكوت محتمل في نفسه (٤): - يحتمل أن يكون السكوت تقية وخوفًا، كما روينا عن ابن عباس ﵄. - ويحتمل أن يكون السكوت من البعض، لأنهم لم يتأملوا في المسألة لكونهم مشغولين بالجهاد (٥) أو سياسة الرعية. ولو تأملوا ربما يكون الجواب (٦) عندهم بخلافه. ولأنه يجوز أن يكون المذهب عند بعض الساكتين أن المجتهد في الفروع مصيب على كل حال، في كون القول المنتشر (٧) صوابًا عنده في حق أولئك المجتهدين، فلا (٨) يجب عليه الرد، كما أن الإمام أو (٩) القاضي

стр. 549

إذا قضى في مسألة مجتهد فيها برأي واحد منهم وسكت المخالفون، لا يكون سكوتهم دليل الرضا والإجماع، لأنه يجوز لهم السكوت في هذا الوضع، لإجماع الأمة أن قضاء القاضي في فصل مجتهد فيه جائز. - ويحتمل [أنه] إنما (١) سكت، مع أن رأيه بخلافه، لكون (٢) المخالف أكبر سنًا منه وأعظم حرمة وأقوى في الاجتهاد وأعلم منه، وإن كان هو من أهل الاجتهاد فلم يعارضه بالرد والإنكار احترامًا له، أو أخذ بقوله اتهامًا (٣) لرأي نفسه بقابلته فلم يجتهد - وهذا (٤) وإن كان جائزًا عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمها الله، فعند محمد رحمة الله عليه: لا يجوز، وعليه أن يجتهد وإن كان أصغر سنًا منه، إذا كان من أهل الاجتهاد. وربما يجتهد فيكون قوله مخالفًا لقولهم، فلا ينعقد الإجماع على قول محمد رحمة الله عليه. - ويحتمل أيضًا أن الخلاف وجد من البعض، لكن لم ينقل إلينا لكونه أصغرهم وظهر قول الأكابر. وإذا احتمل هذه الوجوه، فلا يكون حجة. وأبو هاشم يقول: مع أن هذا ليس بإجماع، لما ذكروا، فالعلماء (٥) يحتجون بالقول المنتشر في كل عصر إذا لم يعرف له مخالف. وإجماع الأمة حجة، فعرفنا بإجماعهم على الاحتجاج بمثل هذا، على أنه حجة، وإن لم يكن إجماعًا، كا أجمع السلف على الاحتجاج بخبر الواحد فيكون حجة، وإن لم يثبت كونه خبر الرسول ﷺ قطعًا.

стр. 550

وجه قول من قال إنه إجماع - دلالة إجماع أهل اللسان، والمعقول: - أما الأول، فلأن أسماء الأجناس والأنواع والأعيان بلغت (١) إلينا من أهل اللغة (٢) بالقول المنتشر والسكوت من الباقين، لا بالنطق من واحد منهم (٣) حقيقة، وهو اسم الإنسان لبني آدم، واسم الحيوان لكل ذي روح، واسم الإبل والبقر والغنم، وكذا هذا العين لحم، وهذا خبز، وهذا ماء، وهذا نار - فمن شرط النطق من واحد وأنكر الإجماع بالاستفاضة وسكوت الباقين، فقد أنكر كونه إنسانًا وحيوانًا، ويجب أن يتحرج (٤) في تسمية اللحم والخبز والماء لما أنه لم يسمعه من أحد (٥) نطقًا. وهذا مما يرده العقلاء كلهم. فكان هذا إجماعًا منهم على أن الإجماع من حيث القول في الأحكام ليس بشرط ضرورة. - وأما المعقول فهو (٦) أن القول المنتشر (٧)، مع السكوت من الباقين، إجماع صحيح في الحكم الذي يرجع إلى الاعتقاد، فكذا في الشرعيات، لمعنى جامع بينهما، وهو أن الحق واحد. فإذا كان عنده أن القول المنتشر خطأ، [فـ] لا يحل له السكوت وترك الرد، فكذا في الفروع. هذا على قولنا (٨). فأما على قول من قال إن مجتهد مصيب، [فـ] يجب أن يكون كذلك، لأنه وإن كان عندهم أن كل مجتهد مصيب فيما أدى إليه اجتهاده، ولكن مع هذا (٩)

стр. 551

لا يرضي كل مجتهد بقول صاحبه قولا لنفسه، بل اعتقد فيه خلافه، ويدعو الناس إلى معتقده ويناظر مع (١) خصمه. [فـ] لو لم يكن ذلك اعتقادهم وقولهم لظهر خلافهم، وانتشر إذا لم يكن عن تقية. وإذا كان لهم خوف وتقية عن الإظهار، لظهر (٢) سبب التقية لا محالة، ولما لم يظهر سبب التقية ولا الخلاف منهم لذلك القول (٣) المنتشر، دل أنهم رضوا بذلك قولا لهم. والجواب عن كلماتهم: - فلا حجة في حديث عمر وعلي ﵄. فإنه يحتمل (٤) أنما سكت علي ﵁ للتأمل، ولا بد للتأمل من زمان، وأدناه إلى آخر المجلس. ويحتمل ما قلتم. فلا يكون حجة. ولأن ذلك (٥) من باب الفاضل والأفضل، لا (٦) من باب الجواز والفساد والحل والحرمة، والسكوت (٧) في مثله جائز في الجملة باعتبار الحال، ولا كلام فيه، إنما الخلاف في الباب الذي لا يجوز السكوت عنه بحال إذا كان الأمر بخلافه. - وأما حديث ابن عباس ﵁ فهو (٨) مؤول لأن عمر ﵁ كان ألين لقبول الحق من غيره، فكيف يخاف (٩) من عمر ﵁ في إظهار الحق- ألا يرى أنه خالف ممر ﵁ في مسائل أخر ولم ينهه عن (١٠) ذلك، بل روي عنه أنه قال له: "غص يا غواص".

стр. 552

وتأويله أنه سكت عن المعارضة معه (١) احترامًا له (٢) لكبر سنه وكثرة علمه، والسكوت عن العارضة في مثل هذا، مع إظهار الخلاف في الجملة، جائز بل هو المستحب. - وما ذكروا من وجوه الاحتمال فيدخل في مطلق السكوت وترك الإنكار، ولكن لا يحتمل في موضع الخلاف، لأن الكلام فيما إذا مضت مدة التأمل، حتى شرط بعضهم انقراض العصر لمضي (٣) مدة التأمل. وكذا في غير موضع التقية والخوف. وكذا في موضع عم به البلوى فلا يتصور أن لا يشتهر فيه الخلاف، فأما في حادثة لم تعم (٤) بها البلوى فلا - والله أعلم. [٦] فصل في: بيان (٥) السبب الداعي إلى الإجماع الحامل عليه قال عامة العلماء من الفقهاء والمتكلمين: إن الإجماع لا ينعقد إلا عن دليل قطعي، كالكتاب (٦) والخبر المتواتر. أو عن دليل راجح فيه شبهة العدم، نظير (٧) خبر الواحد والقياس ونحوهما. فأما (٨) لا ينعقد عن (٩) غير دليل ظاهر في نفسه من (١٠) إلهام وتقليد وميل الطباع. وقال بعضهم: بأنه ينعقد عن توفيق، بأن يوفقهم الله تعالى لاختيار الصواب ويلهمهم إلى (١١) الرشد، بأن يخلق فيهم علمًا ضروريًا بذلك.

стр. 553

وقال عامة أصحاب الظواهر والقاشاني (١) من المعتزلة: بأنه لا ينعقد إلا عن دليل قطعي، فأما لا ينعقد بخبر الواحد والقياس. وقال بعض أصحاب الظواهر: بأنه ينعقد عن خبر الواحد دون الاجتهاد بالرأي. وقال بعض مشايخنا: بأن الإجماع لا ينعقد إلا عن خبر الواحد والقياس. فأما في موضع الكتاب (٢) والخبر المتواتر: الحكم ثابت بهما، فلا حاجة إلى الإجماع. وجه قول من قال إنه ينعقد الإجماع عن توفيق وإلهام - أن الإلهام وخلق الله تعالى العلم لي بطريق الضرورة من جملة الجائزات، إلا أن في حق الواحد الاحتمال ثابت وترجح جانب العدم باعتبار العادة - ألا ترى أنه حجة في حق رسولنا ﷺ لارتفاع الاحتمال. وإذا اجتمعوا على ذلك - وقد قامت (٣) الدلائل السمعية (٤) على كون الإجماع حجة، وأن (٥) الأمة لا تجتمع على الخطأ - علم أنهم ألهموا بذلك ووقفوا (٦) عليه - ألا ترى أنه ينعقد بالقياس وخبر الواحد، وهو دليل محتمل أيضًا، لكن ترجح جانب الثبوت، ثم يزول الاحتمال بالإجماع (٧) - فكذا (٨) هذا.

стр. 554

وجه قول أصحاب الظواهر، وهو أنه قام (١) الدليل عندنا أن القياس وخبر الواحد ليسد بحجة، فكان مدار الإجماع على ما ليس بحجة، فلا يكون حجة، لاتفاقنا أن الإجماع لا ينعقد إلا عن دليل، و (٢) لا ينعقد بالإلهام والتقليد، فيكون الإجماع بناء على هذا الأصل، ويرجع (٣) الكلام إليه. ولأن الإجماع (٤) الذي هو حجة هو إجماع جميع العلماء، بالدلائل السمعية. ونحن لا نوافقكم في الإجماع بالقياس وخبر الواحد، فكيف ينعقد الإجماع مع مخالفة البعض؟ (٥). ووجه قول من فرق بين الاجتهاد وخبر الواحد، وهو أن الناس خلقوا على همم متفاوتة وآراء مختلفة وأغراض متباينة، فلا يتصور اجتماعهم على شيء إلا لداع دعاهم إليه، وجامع جمعهم عليه، وهو سماع (٦) الحديث ممن التزموا (٧) طاعته، وانقادوا لحكمه. فتعين هذا طريقًا للإجماع، وهو صالح. فأما الاجتهاد بالرأي مع اختلاف الأراء والدواعي، فلا يصلح جامعًا. وجه قول من قال إن الإجماع لا يكون إلا عن قياس وخبر الواحد، وهو أنا اتفقنا أن الإجماع حجة قطعًا، ولو لم ينعقد الإجماع (٨) إلا في موضع فيه دليل قاطع، والحكم (٩) به معلوم، فلا فائدة في انعقاد (١٠) الإجماع

стр. 555

حجة، ولا يرد الشرع بما لا فائدة فيه للعباد، إذ الشرائع ما شرعت إلا لمصلحة العباد وفائدتهم. ومع هذا ثبت بالدلائل السمعية كون الإجماع حجة قطعًا (١) - دل أن المراد منه هو الإجماع الذي ينعقد عن القياس وخبر الواحد، لأن في انعقاده فائدة، وهو ثبوت الحكم قطعًا، لأنه لا تيقن (٢) في ثبوت الحكم بهما (٣). ولأن الإجماع إنما عرف حجة بطريق الكرامة لهذه الأمة، لحاجتهم إلى ذلك، لأن النبي ﷺ خاتم الأنبياء ﵈ (٤). ومتى وقعت حادثة ليس فيها نص قاطع وعملوا فيها (٥) بالاجتهاد، وهو محتمل للخطأ، وجاز أن يكونوا على الخطأ، كان قولا بخروج (٦) الحق عن جيمع الأمة، وإنه لا يجوز، وتمس الحاجة إلى تجديد الرسالة، ولا وجه إليه، لإخبار الله تعالى بكون رسولنا خاتم الأنبياء، فصار الإجماع حجة لهذه الحاجة - ألا ترى أن إجماع الأمم السالفة ليس بحجة، لما أنه لا حاجة إليه، لوجود الدليل القاطع حال حياة رسلهم، وبعد وفاتهم تتجدد الرسالة، ولهذا لا ينعقد الإجماع في حال حياة الرسول ﷺ ، لأنه لا حاجة. وإذا ثبت هذا نقول: إن الحاجة في موضع القياس وخبر الواحد، دون موضع الآية المفسرة والخبر المتواتر، لأنه لم يثبت الحكم قطعًا في أحد الموضعين وثبت (٧) في الموضع الآخر، فينعقد في موضع الحاجة، لا في موضع لم تمس الحاجة.

стр. 556

وجه قول عامة العلماء، وهو أن الدلائل، التي توجب كون الإجماع حجة، لا توجب الفصل بين ما إذا كان الداعي دليلا قاطعًا أو دليلا ظاهرًا مع الشبهة، فكان اشتراط الدليل القطعي تقييدًا لممطلق (١)، فلا يجوز من غير دليل. ولأنما وجدنا وقوع الإجماع عن الرأي والاجتهاد، وهو معتبر بالإجماع، فيكون حجة بالإجماع من الأمة، فلا يجوز القول بخلافه. بيانه أن الصحابة أجمعوا على أن (٢) حد الشرب ثمانون (٣) جلدة،. بالرأي، حين (٤) قال علي ﵁: "من سكر هذى، وإذا (٥) هذى افترى- فأرى عليه حد المفترين"، وهذا رأي. وهذا الإجماع معتبر باتفاق الصحابة. وكذا أجمعت الصحابة على إباحة قتال أهل الردة، وعلى إمامة أبي بكر ﵁، وذلك إجماع عن رأي واجتهاد. حتى (٦) قال أبو بكر ﵁: لا أفرق بين ما جمع الله تعالى من الصلاة والزكاة: - فقاس الزكاة على الصلاة (٧) في وجوب قتال المنكر لها (٨). ولو كان مع الصحابة في قتال ما نعي الزكاة نص لنقلوه، فاتفقوا على رأي أبي بكر ﵁. وكذا في إمامة أبي بكر ﵁ وقع الاختلاف: فقال المهاجرون: الخليفة من قريش. وقال الأنصار: منا أمير ومنكم أمير، حتى ثبت النقل: أن الخلافة في (٩) قريش. ثم اختلفوا في التعيين، فأجمعوا (١٠)

стр. 557

على إمامة أبي بكر ﵁ بالرأي والاجتهاد، وقاسوا الإمامة الكبرى على الإمامة الصغرى (١)، وقالوا (٢) إن النبي ﷺ رضيه لأمو ر ديننا أفلا نرضاه لأمور دنيانا، وقدمه في الصلاة فلا نؤخره في الخلافة - فصح ما ادعينا من الإجماع. وأما المعقول - فهو (٣) أنه لا يخلو: إما إن أنكروا وجود الإجماع، أو كونه حجة: والأول (٤) باطل، فإنه عبارة عن اجتماع أهل الإجماع على حكم واحد، بجهة واحدة، والكلام فيه. والثاني باطل، لقيام الأدلة السمعيه على كون الإجماع حجة. وأما دعوى الإجماع من غير دليل، سوى الإلهام والتوفيق، [فـ] باطل، فإن حال الأمة لا تكون (٥) أعلى درجة حال النبي ﷺ ، وإنه لا يقول إلا عن وحي ظاهر أو خفي أو عن استنباط من النصوص (٦)، فالأمة أولى. ولأن الإجماع إنما يكون من العلماء وأهل الديانة، ولا يتصور منهم الاجتماع على حكم من أحكام الله تعالى جزافًا وتبخيتًا (٧) أو بالتحري وتحكيم (٨) القلب، بل بناء على حديث سمعوه أو معنى من النصوص (٩)

стр. 558

رأوه مؤثرًا في الحكم. وأما (١) الحكم جزافًا أو بالهوى والطبيعة فهو عمل أهل البدعة والإلحاد. وأما دعوى من قال إن (٢) الإجماع لا ينعقد إلا عن قياس وخبر الواحد فباطل: لأن الإجماع المبني على الدليل المحتمل لما كان حجة، فعلى الدليل القطعي (٣) المتيقن أولى. ولأن الإجماع ليس إلا اتفاق أهل الإجماع على حكم واحد، وقد وجد الاجتماع والاتفاق وارتفاع التنازع والاختلاف، إلا أن سبب هذا الإجماع هو الدليل القطعي من الكتاب والسنة المتواترة، أو الدليل العقلي، وسبب ذلك الإجماع هو الدليل المحتمل، والمقصود هو الحكم دون السبب، ومتي وجد الإجماع يجب أن يكون حجة، بالدلائل الموجبة لكون الإجماع حجة. قولهم إنه لا حاجة فنقول: متى ثبت أنه (٤) حجة، فالحاجة ثابتة إلى مطلق الحجة والدليل، وفي كثرة الدلائل تيسير على الناس، ليطلبوا الحق بأي دليل اتفق لهم (٥) وأيسر عليهم (٦)، وذلك جائز - أليس (٧) أن الله تعالى شرع ثلاثة أشياء كفارة في باب اليمين على طريق التخيير، وما ذلك إلا للتيسير والتخفيف. ولأنا وجدنا في حادثة واحدة الكتاب والخبر المتواتر وإن كانت الحاجة الماسة ترتفع بأحدهما، فكذلك إذا وجد الإجماع معهما. ولأن أكثر ما في الباب أنه لا حاجة ولكن فيه

стр. 559

فائدة، وهو ما ذكرنا من التيسير والتخفيف ورفع المؤنة عن طلب الحق بالاجتهاد، ولما فيه من زيادة التأكيد وطمأنينة القلب - قال الله تعالى خبرًا (١) عن إبراهيم ﵇ أنه قال: "رب أرني كيف تحيي الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي" (٢). وأما في زمن النبي ﷺ يجوز أن ينعقد الإجماع مع رسول الله ﷺ ، فيكون الإجماع حجة وقول الرسول حجة، فيكون حجتان (٣). وهكذا نقول في الأمم السالفة: إن الإجماع حجة، لما قلنا. والجواب عن شبهة أصحاب الظواهر أنهم: إن (٤) أنكروا كون خبر الواحد حجة كالقياس، فالدليل قائم عندنا، فيبني عليه. وإن سلموا خبر الواحد، ويكون (٥) الإجماع المبني عليه حجة مع الاحتمال، فكذا (٦) الإجماع المبني على القياس. ولأن الصحابة أجمعت على كون القياس الشرعي حجة، فيكون قولهم مخالفًا للإجماع، فلا يعتبر. وكذا الصحابة أجمعت على صحة الإجماع المنعقد على (٧) القياس، ومن خالف حكمًا عليه إجماع الصحابة، فقد خالف الإجماع، فلا يعتبر خلافه (٨). وما قالوا إن الإجماع لابد له من داع، لاختلاف آراء الناس ودواعيهم،

стр. 560

فكذلك، ولكن وجد ههنا داع معتبر، وهو معاني النصوص من الكتاب والسنة، والكلام فيه وقع - والله أعلم (١). [٧] فصل في: السبب المعرف للإجماع فنقول: العلم بوجود الإجماع يحصل بالحس. أما في حق أهل العصر الذي ينعقد فيه الإجماع -[فيحصل] (٢) لهم العلم بحس السمع إذا كان الإجماع من حيث القول، وبحس البصر إذا كان الإجماع من حيث الفعل حيث شاهدوا اجتماعهم على فعل واحد. وأما في حق غير أهل العصر الذي وجد فيه الإجماع -[فـ] يحصل العلم فيه (٣) بحس السمع لا غير، وهو سماع (٤) خبر الناقلين إليهم عن الإجماع السابق. ثم النقل بطريقين: بالتواتر، والآحاد. أما بالتواتر، فكنقلهم (٥) خبر الرسول ﷺ بكون القرآن كتاب الله تعالى المنزل عليه، وفرضية خمس صلوات في يوم وليلة وأوقاتها (٦)، وفرضية الزكاة والحج وصوم شهر (٧) رمضان.

стр. 561

وأما بطريق الآحاد، فكثير (١) - من ذلك ما روي عن عبيدة السلماني (٢) أنه قال: ما اجتمع أصحاب رسول الله ﷺ على شيء كاجتماعهم على الأربع قبل الظهر، وتحريم نكاح الأخت في عدة الأخت - والله أعلم. [٨] فصل في: بيان محل الإجماع فنقول: محل الإجماع المتفق عليه هو أمور الدين. فأما أمور الدنيا نحو أمر الحرب وغيره - إذا أجمعوا على الحرب في موضع معين ورأوا ذلك هو الصواب، [فـ] هل يجوز لواحد منهم أو لأكثرهم الخلاف لهم (٣) بعد انقضاء مدة التأمل - اختلفوا فيه: قال بعضهم: إن الإجماع لا يكون حجة فيه. وقال بعضهم: يكون حجة. وجه قول الأولين: إن حال الأمة في أمر الدنيا ليس بأعظم من حال النبي ﷺ في ذلك، وقد روي عن النبي ﷺ (٤) في قصة التلقيح أنه قال: "أنا أعلم بأمور دينكم، وأنتم أعلم بأمور دنياكم". وكذا إذا رأى النبي ﵇ رأيًا (٥) في أمر (٦) الحرب وعند الصحابة (٧) الرأي في غيره،

стр. 562

يراجعونه فيه ويبينون أن الصواب في غيره، إلا إذا بين النبي ﵇ أن ذلك عن وحي - فكذلك (١) الإجماع. وجه قول الآخرين: إن أدلة الإجماع حرمت المخالفة للإجماع (٢)، من غير فصل بين أمور الدين والدنيا، فيجب العمل بها. وكذا نقول في حق (٣) النبي ﵇ في أمر الحرب وغيره: إن قال عن وحي (٤) فهو الصواب، وإن قال عن رأي وتدبير: فإن (٥) كان خطأ، لا يقر عليه ويظهر الصواب، إما بالوحي وإما (٦) بإشارة من أصحابه، فيقر عليه. وفي الإجماع بعد وجوده، لا يحتمل الخطأ، فلا (٧) فرق بين الأمرين. ثم على قول من جعله إجماعًا - هل يجب (٨) العمل به في العصر الثاني أم (٩) لا، كما في الإجماع في أمور الدين؟ • إن (١٠) لم يتغير الحال، فكذلك. • فأما (١١) إذا تغير الحال، [فـ] يجوز لهم المخالفة، لأن أمور الدنيا مبنية على المصالح العاجلة، وذلك يحتمل الزوال ساعة لساعة. والله أعلم (١٢).

стр. 563

فأما (١) في أمور الدين: متى وجد الإجماع سواء كان في أمر شرعي أو في أمر عقلي، يكون الإجماع حجة، إلا (٢) في حكم عقلي: لابد من معرفته حتى يصح الإجماع، نحو معرفة الله تعالى ومعرفة النبوة وصحة المعجزة وصفة العلم والحكمة والعدل لله تعالى، حتي إذا عرفوا الله تعالى على هذه الصفات وعرفوا النبوة وصحة المعجزة، تم أجمعوا على إثبات الوحدانية لله تعالى ونفي الإله الثاني، يكون الإجماع (٣) صحيحًا موجبًا للعلم (٤) قطعًا. وكذا لو أجمعوا على جواز رؤية الله تعالى وخلق أفعال العباد ونحو ذلك، يكون إجماعًا موجبًا للعلم قطعًا - والله أعلم (٥). [٩] فصل في: بيان حكم الإجماع قال عامة أهل القبلة بأن إجماع عصر من الأمة صواب وحجة إن وجد الإجماع بالقول في الوجوب والحل والحرمة ونحوها، وأنه يوجب العلم به قطعًا. فأما (٦) إذا وجد الإجماع من حيث الفعل، فإنه يدل على حسن ما فعلوا وكونه مستحبًا، ولا يدل على الوجوب ما لم توجد قرينة تدل عليه، على ما روي: ما اجتمع أصحاب رسول الله ﷺ على شيء كاجتماعهم على الأربع قبل الظهر (٧). وإنه ليس بواجب ولا فرض.

стр. 564

وقال النظام والقاشاني من المعتزلة: إنه ليس بحجة قطعًا، وإنما هو حجة في حق العمل. وقالت الإمامية (١): إن أجمعوا على موافقة قول إمامهم، يكون الإجماع حجة. وإن كان على مخالفة قول إمامهم لا يكون الإجماع (٢) حجة. وفي الحاصل: الحجة عندهم (٣) قول الإمام. ويجوز أن يقولوا: كلاهما حجة، كما قلنا في إجماع الصحابة في حال حياة النبي ﷺ : إن الإجماع حجة، وقول النبي ﷺ وحده حجة أيضًا. وقال أصحاب الظواهر: بأن إجماع الصحابة حجة لا غير. وقال بعضهم: المعتبر هو إجماع عترة الرسول ﷺ . وقال مالك: إن إجماع أهل المدينة وحده كاف، ولا يعتبر إجماع سائر الأمصار دون (٤) إجماعهم. وشبهة المخالف من وجوه ثلاثة (٥): أحدها - إحالة الإجماع وهو من وجهين (٦): أحدهما (٧) - أن الإجماع لا يتحقق، مع اختلاف الأمكنة وتباعدها، قولا، خصوصًا إجماع غير الصحابة ﵃ (٨).

стр. 565

والثاني - أن كل واحد منهم يحتمل أن يكون مخطئًا في قوله ورأيه، والإجماع هو اجتماعهم، ويستحيل أن يكون قول كل واحد منهم محتملا للخطأ، ويكون قول الجميع صوابًا، لأن الإجماع مركب (١) من الآحاد - ألا يرى أنه إذا كان كل واحد من الجماعة أسود يستحيل أن لا يكون الجميع سودًا. وكذا إذا كان كل واحد منهم (٢) مصيبًا، يستحيل أن لا يكون قول الكل صوابًا - فكذا هذا. والوجه الثاني- أن الإجماع لو انعقد: إما أن وينعقد عن نص، أو أمارة. ولا يجوز أن ينعقد عن نص، لأنه لو كان عن نص، لوجب عليهم (٣) نقله. وإذا نقلوه، وقع الاستغناء عن الإجماع، ويكون الحجة النص (٤). ولا يجوز أن ينعقد عن أمارة، لأن الناس خلقوا على همم مختلفة وآراء متفاوتة، فلا يجوز أن يتفقوا على رأي واحد مظنون، بخلاف الاجتماع (٥) على رأي عقلي محض، لأنه يصدر (٦) عن عام. والوجه الثالث - أنه لا دليل على صحة الإجماع، فإن الدليل إما عقلي أو سمعي. والدليل العقلي لا يمكن به إثبات كون (٧) الإجماع موجبًا للعلم قطعًا، لأن العقل يجوز اجتماع أهل العصر على الخطأ، فإن الناس في زمان الفترة كلهم على الكفر والضلال والخطأ. ولذلك (٨) قالوا: إن إجماع المسلمين من الأمم المتقدمة لا يكون حجة. ومن قال إن إجماع
следующие страницы →