← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 19237

ميزان الأصول في نتائج العقول

علاء الدين السمرقندي

Полный текст (813 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

وأما بطريق الآحاد، فكثير (١) - من ذلك ما روي عن عبيدة السلماني (٢) أنه قال: ما اجتمع أصحاب رسول الله ﷺ على شيء كاجتماعهم على الأربع قبل الظهر، وتحريم نكاح الأخت في عدة الأخت - والله أعلم. [٨] فصل في: بيان محل الإجماع فنقول: محل الإجماع المتفق عليه هو أمور الدين. فأما أمور الدنيا نحو أمر الحرب وغيره - إذا أجمعوا على الحرب في موضع معين ورأوا ذلك هو الصواب، [فـ] هل يجوز لواحد منهم أو لأكثرهم الخلاف لهم (٣) بعد انقضاء مدة التأمل - اختلفوا فيه: قال بعضهم: إن الإجماع لا يكون حجة فيه. وقال بعضهم: يكون حجة. وجه قول الأولين: إن حال الأمة في أمر الدنيا ليس بأعظم من حال النبي ﷺ في ذلك، وقد روي عن النبي ﷺ (٤) في قصة التلقيح أنه قال: "أنا أعلم بأمور دينكم، وأنتم أعلم بأمور دنياكم". وكذا إذا رأى النبي ﵇ رأيًا (٥) في أمر (٦) الحرب وعند الصحابة (٧) الرأي في غيره،

стр. 562

يراجعونه فيه ويبينون أن الصواب في غيره، إلا إذا بين النبي ﵇ أن ذلك عن وحي - فكذلك (١) الإجماع. وجه قول الآخرين: إن أدلة الإجماع حرمت المخالفة للإجماع (٢)، من غير فصل بين أمور الدين والدنيا، فيجب العمل بها. وكذا نقول في حق (٣) النبي ﵇ في أمر الحرب وغيره: إن قال عن وحي (٤) فهو الصواب، وإن قال عن رأي وتدبير: فإن (٥) كان خطأ، لا يقر عليه ويظهر الصواب، إما بالوحي وإما (٦) بإشارة من أصحابه، فيقر عليه. وفي الإجماع بعد وجوده، لا يحتمل الخطأ، فلا (٧) فرق بين الأمرين. ثم على قول من جعله إجماعًا - هل يجب (٨) العمل به في العصر الثاني أم (٩) لا، كما في الإجماع في أمور الدين؟ • إن (١٠) لم يتغير الحال، فكذلك. • فأما (١١) إذا تغير الحال، [فـ] يجوز لهم المخالفة، لأن أمور الدنيا مبنية على المصالح العاجلة، وذلك يحتمل الزوال ساعة لساعة. والله أعلم (١٢).

стр. 563

فأما (١) في أمور الدين: متى وجد الإجماع سواء كان في أمر شرعي أو في أمر عقلي، يكون الإجماع حجة، إلا (٢) في حكم عقلي: لابد من معرفته حتى يصح الإجماع، نحو معرفة الله تعالى ومعرفة النبوة وصحة المعجزة وصفة العلم والحكمة والعدل لله تعالى، حتي إذا عرفوا الله تعالى على هذه الصفات وعرفوا النبوة وصحة المعجزة، تم أجمعوا على إثبات الوحدانية لله تعالى ونفي الإله الثاني، يكون الإجماع (٣) صحيحًا موجبًا للعلم (٤) قطعًا. وكذا لو أجمعوا على جواز رؤية الله تعالى وخلق أفعال العباد ونحو ذلك، يكون إجماعًا موجبًا للعلم قطعًا - والله أعلم (٥). [٩] فصل في: بيان حكم الإجماع قال عامة أهل القبلة بأن إجماع عصر من الأمة صواب وحجة إن وجد الإجماع بالقول في الوجوب والحل والحرمة ونحوها، وأنه يوجب العلم به قطعًا. فأما (٦) إذا وجد الإجماع من حيث الفعل، فإنه يدل على حسن ما فعلوا وكونه مستحبًا، ولا يدل على الوجوب ما لم توجد قرينة تدل عليه، على ما روي: ما اجتمع أصحاب رسول الله ﷺ على شيء كاجتماعهم على الأربع قبل الظهر (٧). وإنه ليس بواجب ولا فرض.

стр. 564

وقال النظام والقاشاني من المعتزلة: إنه ليس بحجة قطعًا، وإنما هو حجة في حق العمل. وقالت الإمامية (١): إن أجمعوا على موافقة قول إمامهم، يكون الإجماع حجة. وإن كان على مخالفة قول إمامهم لا يكون الإجماع (٢) حجة. وفي الحاصل: الحجة عندهم (٣) قول الإمام. ويجوز أن يقولوا: كلاهما حجة، كما قلنا في إجماع الصحابة في حال حياة النبي ﷺ : إن الإجماع حجة، وقول النبي ﷺ وحده حجة أيضًا. وقال أصحاب الظواهر: بأن إجماع الصحابة حجة لا غير. وقال بعضهم: المعتبر هو إجماع عترة الرسول ﷺ . وقال مالك: إن إجماع أهل المدينة وحده كاف، ولا يعتبر إجماع سائر الأمصار دون (٤) إجماعهم. وشبهة المخالف من وجوه ثلاثة (٥): أحدها - إحالة الإجماع وهو من وجهين (٦): أحدهما (٧) - أن الإجماع لا يتحقق، مع اختلاف الأمكنة وتباعدها، قولا، خصوصًا إجماع غير الصحابة ﵃ (٨).

стр. 565

والثاني - أن كل واحد منهم يحتمل أن يكون مخطئًا في قوله ورأيه، والإجماع هو اجتماعهم، ويستحيل أن يكون قول كل واحد منهم محتملا للخطأ، ويكون قول الجميع صوابًا، لأن الإجماع مركب (١) من الآحاد - ألا يرى أنه إذا كان كل واحد من الجماعة أسود يستحيل أن لا يكون الجميع سودًا. وكذا إذا كان كل واحد منهم (٢) مصيبًا، يستحيل أن لا يكون قول الكل صوابًا - فكذا هذا. والوجه الثاني- أن الإجماع لو انعقد: إما أن وينعقد عن نص، أو أمارة. ولا يجوز أن ينعقد عن نص، لأنه لو كان عن نص، لوجب عليهم (٣) نقله. وإذا نقلوه، وقع الاستغناء عن الإجماع، ويكون الحجة النص (٤). ولا يجوز أن ينعقد عن أمارة، لأن الناس خلقوا على همم مختلفة وآراء متفاوتة، فلا يجوز أن يتفقوا على رأي واحد مظنون، بخلاف الاجتماع (٥) على رأي عقلي محض، لأنه يصدر (٦) عن عام. والوجه الثالث - أنه لا دليل على صحة الإجماع، فإن الدليل إما عقلي أو سمعي. والدليل العقلي لا يمكن به إثبات كون (٧) الإجماع موجبًا للعلم قطعًا، لأن العقل يجوز اجتماع أهل العصر على الخطأ، فإن الناس في زمان الفترة كلهم على الكفر والضلال والخطأ. ولذلك (٨) قالوا: إن إجماع المسلمين من الأمم المتقدمة لا يكون حجة. ومن قال إن إجماع

стр. 566

هذه الأمة حجة، يقول بالدلائل السمعية. فمن لم يجوز اجتماع هذه الأمة على الخطأ عقلا، يلزمه أن لا يجوز إجماع (١) الأمم المتقدمة، إذ العقل لا يختلف، ولأنه يجوز أن تجتمع الأمة بأسرها (٢) على قول واحد، لشبهة دعتهم إليه، لكنهم ظنوها حجة، فأعرضوا عن نقل تلك الشبهة، لظنهم أنها حجة، مما إذا أجمعوا على (٣) خبر متواتر أو سماع عن (٤) النبي ﷺ ، فإنهم لا ينقلون الحجة، لاكتفائهم بنقل الحكم عن نقل الدليل. وإذا احتمل هذا، كيف يكون حجة مع الاحتمال. وهذا بخلاف رواية الجماعة الكثيرة (٥) الحديث عن النبي ﵇،. لأنهم رووا كما (٦) سمعوه حسًا، والكذب من جماعة، لا يتصور منهم (٧) المواضعة، لا يتحقق (٨). أما الإجماع المبني على الظن دون حقيقة العلم [فـ] يدخله الشبهة من جهة الهوى والطبيعة ووسوسة الشيطان، وإن كان لا يحتمل الكذب (٩)، والدليل السمعي في حيز (١٠) الاحتمال وأدنى (١١) وجوهه المجاز والإضمار. وجه قول العامة: الدلائل السمعية، والعقلية. أما السمعية فمنها: [من الكتاب]:

стр. 567

- قول الله تعالى: "أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم" (١) فالله (٢) تعالى ألزم طاعة أولي الأمر وأوجب قبول قولهم والاتباع لرأيهم والانقياد لحكمهم، ولا إجماع بدون رأي أولي الأمر إذا كانوا من أهل الإجماع. فيجب القول بكون الإجماع واجب العمل لامحالة. - ومنها قوله تعالى: "فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول" (٣) أي إلى كتاب الله وسنة الرسول ﵇. فالله (٤) تعالى أمر بالرد إليهما، عند التنازع، لارتفاع التنازع (٥) ووجود الاتفاق والإجماع بينهم (٦). [و] لولا أن العمل بالإجماع (٧) واجب، وأن حكمه حكم الكتاب والسنة، لم يكن للأمر بالرد إليهما عند التنازع، لارتفاع التنازع وحصول الاتفاق والإجماع، معنى وفائدة (٨). - ومنها قوله تعالى: "ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم" (٩) - فالله (١٠) تعالى أخبر أن العلم يحصل بالاستنباط للمستنبطين، والاستنباط هو الاستخراج (١١) بطريق الرأي والاجتهاد، وفي

стр. 568

إجماع الأمة يدخل المستنبطون، بلا خلاف، بين الأمة (١). فلو لم يشهد (٢) بالعلم في (٣) الإجماع، وفيهم المستنبطون الذين شهد الله تعالى لهم بالعلم فيمما استنبطوا، يكون خلفًا في خبر الله تعالى، فيجب القول بكون الإجماع موجبًا للعلم، حتى لا يكون خافًا في خبر الله تعالى و (٤) جل عن ذلك. - ومنها قوله تعالى: "كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر" (٥) فالله تعالى وصف هذه الأمة بكونهم آمرين بالمعروف ناهين (٦) عن المنكر. و (٧) لو لم يجعل ما أجمعوا عليه حقًّا، وقد أمروا بذلك ونهوا عن ضده، لصاروا آمرين بالمنكر ناهين (٨) عن المعروف، وهذا خلف في خبر الله تعالى، جل عن ذلك. - ومنها قوله تعالى: "وكذلك جعلناكم أمة وسطًا لتكونوا شهداء على الناس" (٩). والاستدلال (١٠) بالآية من وجهين: أحدهما - أنه وصف جملتهم بالعدالة، وهي الاستقامة في الدين والقيام بالحق (١١) والصواب. و (١٢) لو جاز خروج الحق عن جملتهم، لكانت (١٣)

стр. 569

شهادة الله تعالى لجملتهم (١) بالحق يكون كذبًا، تعالى الله عن ذلك. ولا يقال إن الأمة لا تخلو عن العصاة والفساق - لأنا نقول إنه ما وصف كل واحد منهم بانفراده بالعدالة، بل وصف جملتهم بذلك (٢) عند اجتماعهم على شيء، لولا أن عند اجتماعهم يظهر (٣) الحق والصواب، وإلا لم يصح (٤) وصف جملتهم بذلك، مع جواز الخطأ والكذب على كل واحد عند الانفراد. والثاني - قال تعالى (٥): "لتكونوا شهداء على الناس" (٦) - وصف جملتهم بكونهم شهداء على الناس (٧) وسماهم بذلك، والشاهد الروم للمخبر بطريق الصدق حقيقة. فأما الكاذب فلا يسمى شاهدًا على الحقيقة، والكلام لحقيقته. [و] لولا أنهم عند الاجتماع صدقة (٨) فيما أخبروا، لم يكن اسم الشهداء لهم بطريق الحق (٩). - ومنها قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ (١٠) فالله (١١) تعالى وصف التابعين للصحابة بالإحسان، وسماهم باسم المدح، وجعلهم أهلا

стр. 570

لرضوانه (١)، [و] لولا أنهم (٢) أصابوا الحق في اتباع الصحابة، وأن الصحابة كانوا على الحق، (٣) لما وصفهم (٤) بذلك - فدل أن خروج الصحابة والتابعين جملة عن الحق والصواب باطل. - ومنها قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ (الآية) " (٥) - ألحق الوعيد الشديد باتباع غير سبيل المؤمنين (٦): وما أجمع عليه المؤمنون وعملوا به، فهو سبيلهم وطريقهم. فلولا أن إجماع المؤمنين حجة (٧) واجب العمل به قطعًا، وإلا لما لحقهم (٨) الوعيد الشديد باتباع غير سبيلهم، ولأنه سوى بين مشاقة الرسول ﷺ وبين اتباع غير سبيل المؤمنين في الوعيد، ثم ترك مشاقة الرسول ﷺ السلام واجب قطعًا، فكذا ترك اتباع غير سبيل المؤمنين. - ومنها قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (٩) - فالله (١٠) تعالى أمر (١١) بالكون مع الصادقين، وهو عبارة عن متابعتهم في أفعالهم. والمراد منه جملتهم، إذ يتصور الكذب من كل واحد منهم عند الانفراد - فهذا دليل على وجود الصدق عند الاجتماع قطعًا.

стр. 571

وأما السنة: - فما (١) روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لا تجتمع أمتي على الضلالة". وروي: "لا تجتمع أمتي على خطأ" (٢). - وروي: "يد الله مع الجماعة". - وروي أنه سئل عن خميرة (٣) يتعاطاها (٤) االجيران فقال ﷺ (٥): "ما رآه المسلمون (٦) حسنًا فهو عند الله حسن". - وروي (٧): الشيطان مع الواحد، ومن الاثنين أبعد". - وروي: "من خالف الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام عن (٨) عنقه". وفي رواية: "من فارق الجماعة". وهذا الحديث ورد (٩) بألفاظ مختلفة. فإن (١٠) ورد بطريق الآحاد، فهو متواتر (١١) من حيث المعنى، لوجهين: أحدهما - أنه روي بروايات مختلفة والمعنى واحد، وهو بمنزلة ما روي في حق حاتم الطائي: أنه أعطى لفلان كذا ولفلان كذا، وكل (١٢) حادثة (١٣) في نفسها في حد الآحاد، ولكن جملتها إخبار عن جود حاتم، فصار جوده ثابتًا بطريق التواتر.

стр. 572

والثاني - أن الصحابة والتابعين أجمعوا على أنه لا يجوز مخالفة ما أجمعوا عليه. وهذا حكم لا يعرف إلا بدليل سمعي (١) - فدل على أنهم سمعوا عن النبي ﷺ هذا الحديث أو نظائره، فيكون كالمنصوص عن النبي ﷺ (٢) تواترًا، فلا يجوز تركه. وأما المعقول [فـ] من وجوه: أحدهما - أن موضع الاتفاق مما جبل العقلاء على الرجوع إليه عند التنازع، بما عندهم من المشابهة بين التنازع فيه وبين الجمع عليه، ليردوا المتنازع فيه إليه في حق الحكم، [فـ] لولا أن الإجماع حجة عند الله تعالى، وإلا لما فزع (٣) الكل إلى الإجماع. فكان رجوعهم إليه، بخلق (٤) الله تعالى طباعهم عليه، دليلا على أنه حجة. كما أن أهل المعقول (٥) لما فزعوا (٦) إلى العقل، عند اشتباه المصلحة عليهم، بخلق الله تعالى العقل داعيًا إلى مباشرة الحسن وطريقًا لمعرفة الأشياء، كان حجة. وكذا متى وقع الاشتباه في الألوان فزعوا (٧) إلى حاسة البصر للتمييز، كان دليلا عليه - فكذا هذا. والثاني - أن (٨) الناس مع اختلاف هممهم وتفاوت أغراضم، لن يتصور اجتماعهم على شيء إلا لداع واحد يدعوهم إليه، أو دواع (٩)

стр. 573

متفقة الدعاء إلى شيء واحد. فأما اختلاف الهمم وتباين الأغراض، فمما (١) يمنعهم عن (٢) الاجتماع على شيء واحد، جزافًا واتفاقًا، كما لا يتصور اتفاق الجماعة (٣) الكثيرة على مأكل واحد ومشرب واحد في يوم واحد. وذلك الداعي لا يخلو: إما إن كان هو التقليد، أو الشبهة، أو الدليل الراجح أو الدليل (٤) الموجب للعلم: • والأول باطل، فإن كثيرًا من الأمة لا يجوزون التقليد في أمور الدين لأهل (٥) الاجتهاد، بل الأكثر منهم على هذا الاعتقاد، فلا يتصور أن يوافقوهم (٦) عليه تقليدًا - دل أنه لا يتصور الإجماع على شيء بالتقليد. • والثاني، وهو اعتراض شبهة دعت الكل إلى (٧) ذلك الحكم - وذلك في موضع غالب الظن والاجتهاد. وهو في خبر الواحد والقياس لرجحان عدالة الراوي، أو رجحان معنى من معاني النصوص في كونه علة الحكم (٨) - فباطل أيضًا، لأنه لا يتصور أن تعم (٩) الشبهة جميع المكلفين، لأن الله تعالى كلفهم طلب الحق والصواب، فلابد أن يكون لهم طريق الوصول إليه. أما الشبهة [فـ] تكون لتحقيق الابتلاء، ليدفع الشبهة بالحجة، بالاستدلال بطريق موضوع للحق والصواب. فأما بدون طريق الوصول، يكون تكليف ما ليس في الوسع، وإنه محال عقلا وشرعًا على ما عرف. ومع قيام طريق الوصول إلى الحق وطريق الوقوع في الشبهة، فطريق (١٠) الحق

стр. 574

أوضح (١)، فلا يتصور أن يقع الكل في الشبهة - مع وجود الاجتهاد وطلب الحق لابتغاء وجه الله تعالى - ويقعوا في الخطأ ولم يكن البعض مصيبًا للحق، فكان (٢) اجتماعهم على حكم دليل الإصابة بيقين، دفعًا (٣) للإحالة. • وإذا بطل الوجهان صح الثالث: أنهم اجتمعوا بدليل (٤) قاطع، وهو الخبر (٥) المتواتر، إلا أنهم تركوا الرواية ونقلوا الحكم بدون (٦) الدليل، لكونه مقصودًا دونه، ألا يرى أن اجتماع جماعة، لايتصور تواطؤهم على الكذب، على رواية ما شاهدوه أو سمعوه من الرسول ﷺ يكون موجبًا علمًا قطعيًا. فإذا (٧) نقلوا الحكم وتركوا الرواية ههنا (٨) يجب أن يكون حجة. والثالث - وهو أنه ثبت بالدليل القطعي على أن نبينا محمدًا (٩) ﷺ خاتم الأنبياء ﵈، وشريعته دائمة قائمة إلى قيام الساعة، فمتى وقعت حوادث ليس فيها نص قاطع من الكتاب والسنة، فمتى أجمعت (١٠) الأمة على حكمها ولم يكن إجماعهم موجبًا للعلم، وخرج الحق عنهم ووقعوا في الخطأ، أو متى اختلفوا في ذلك وخرج الحق عن أقوالهم، فقد انقطعت شريعته في بعض الأشياء، فلا يكون شريعته كلها دائمة قائمة (١١)،

стр. 575

فيؤدي إلى الخلف في خبر الله تعالى، جل الله وتعالى (١) عن ذلك -[فـ] وجب القول ضرورة بكون (٢) الإجماع حجة قطعية، فتدوم (٣) الشريعة بوجوده، حتى لا يؤدي إلى المحال. ولا يقال إن (٤) الإجماع دليل في حق العمل، وكذا القياس وخبر الواحد، فلا يؤدي إلى انقطاع الشريعة - لأنا نقول: إنا (٥) نعمل بالقياس وخبر الواحد على اعتبار إصابة الحق ظاهرًا، وعلى الجملة لا يخرج الحق عن أقوال أهل (٦) الاجتهاد، فمتى جوزتم خروج الحق عن أقوال أهل الاجتهاد فيما اختلفوا فيه وفيما أجمعوا عليه، لم يجب العمل بما هو باطل، ويتبين (٧) أن ما أتوا به لم يكن شريعة النبي ﷺ بل يكون عملا بخلاف شريعته ﷺ (٨)، فينقطع شريعته في حق ذلك الحكم أبدًا. والله الموفق للصواب (٩). والجواب عن شبهات الخصوم: - أما [لأول]: دعوى عدم تصور الإجماع وإحالته، فباطلة (١٠): • قولهم: كيف ينعقد الإجماع مع تباعد الأمكنة، فنقول: هذا في زمن الصحابة والتابعين ظاهر، فإن الإسلام قريب وأهل

стр. 576

الاجتهاد أكثرهم بالمدينة، والذي ذهب إلى بعض البلاد يمكن الوقوف على رأيه بالتراسل والتكاتب. فأما بعد ظهور الدين الحق في البلاد، يبلغ حكم الإجماع الحادث في بعض البلاد إليهم بعد مضي الأزمان فينتشر بالنقل، ممن نصب لإظهار الحق بطريق التراسل والكتابة وحضور القاصدين للحج من البلاد، كما ظهر أصل الدين الحق وأصل الشرائع، والكلام في هذا الفصل وقع فأما متى بقي واحد من أهل الاجتهاد على الخلاف فلا إجماع. • وقولهم إنه يحتمل أن يكون واحد منهم مخطئًا - فنقول: أيش (١) تعنون بهذا؟ إن عنيتم أن كل واحد من أهل الإجماع يجوز أن يكون قوله خطأ لو انفرد بذلك، فهذا مسلم. وإن عنيتم به (٢) أن قول (٣) كل واحد منهم (٤) محتمل (٥) للخطأ إذا اجتمعو ا، فهذا ممنوع، وأنه ليس بمحال أن يكون قول الواحد الفرد محتملا للخطأ، وقول الواحد مع الجماعة لا يكون محتملا، لأن الاحتمال إنما نشأ لا لكونه واحدًا، ولكن لكونه منفردًا، ويبطل (٦) وصف الانفراد بالاجتماع (٧). وإنما المحال أن لو (٨) قلنا: إن كل واحد من هؤلاء المجمعين (٩) على هذا

стр. 577

القول المعين مخطئ، والكل في ذلك غير مخطئين، أو قول كل واحد محتمل بانفراده وعند الاجتماع بخلافه (١)، كما ذكرتم من الأمثلة. ونحن لا نقول هكذا، بل نقول: إن انفرد كل واحد من أهل الإجماع مثلا على قول في مسألة واحدة، فقول (٢) كل واحد محتمل للخطأ. فأما إذا قال واحد قولا والآخرون قالوا مثل (٣) قوله، فلا نقول إن قول كل واحد منهم (٤) محتمل للخطأ، فبطل دعواهم. وأما الثاني - فباطل، فإنه يجوز أن يجمعوا عن نص و (٥) دليل قاطع، لكن لم ينقلوه اكتفاء بالإجماع على الحكم. ويجوز (٦) أن يجمعوا بناء على خبر الواحد والقياس، حسنًا للظن بالرواة وتعويلا على ما اعتمدوا عليه من معنى النص علة الحكم (٧)، فإنه يجوز أن يجتمع جماعة (٨) كثيرة على شبهة حملتهم عليه وصارت الشبهة داعية لهم على الإجماع (٩)، فلا يجوز أن يكون الدليل الراجح حاملا لهم على الاجماع، غير أن الشبهة لا تعم الكل والحق يعم - على ما ذكرنا. و [الثالث] (١٠): قولهم إنه لا دليل على صحة الإجماع - لا يصح: فإنا قد أقمنا الدلائل السمعية والعقلية (١١).

стр. 578

• قولهم: إن الدلائل السمعية محتملة - فليس كذلك، وللخصوم عليها شبهات يمكن دفعها بأدنى تأمل ونظر، وقد ذكرناها مع الانفصال عنها في الشرح. • فأما قولهم: إن العقل يجوز اجتماع أهل العصر على الخطأ، فليس هكذا، لما ذكرنا من المعنى (١). • قولهم: إن إجماع الأمم الماضية ليس بحجة، فممنوع - لما ذكرنا من المعنى (٢). • وقولهم: في زمان الفترة الناس كلهم على الكفر والضلال - ليس هكذا، فإنه لابد أن (٣) يكون البعض على الحق، لكن لا قوة لهم ولا غلبة، حتى يظهروا الحق (٤)، وهم يدعون إلى الحق في السر، لغلبة الكفرة وقوتهم وشوكتهم. • وقولهم: إنه يجوز أن يجتمعوا على جواب واحد لشبهة حملتهم على ذلك - فهو ممنوع، على ما ذكرنا (٥) - والله الموفق. وإذا ثبت ما ذكرنا بطل دعوى اختصاص الإجماع بقرابة الرسول ﷺ ، وبالصحابة، والاختصاص (٦) بالمدينة، لأن الدلائل التى تدل على كون الإجماع حجة قطعية لا توجب الفصل بين زمان وزمان، ومكان ومكان، فلا يجوز التقييد من غير دليل. والله أعلم (٧).

стр. 579

[١٠] فصل - وأما بيان أن الإجماع الذي هو حجة قطعية نوع واحد أو أنواع: فقد ذكر بعض مشايخنا الإجماع على أقسام, وجعل البعض موجبًا للعلم قطعًا دون البعض. وهذا ليس بصحيح. وإنما الصحيح أن ما هو إجماع فهو حجة قطعية، لما ذكرنا من الدلائل. أما من طعن في كونه إجماعًا لبعض ما ادعيناه إجماعًا - فالجواب عنه قد مر - والله أعلم.

стр. 580

القول في القياس (١) الكلام في هذا الفصل في مواضع: أحدها - في تفسير القياس لغة. وفي بيان حده وحقيقته في (٢) عرف لسان الفقهاء والمكلمين. وفي بيان مشروعية القياس، وكونه دليلا في الأحكام. وفي بيان أنواع القياس. وفي بيان ركن القياس. وفي بيان شروط (٣) القياس. وفي بيان حكم القياس. وفي بيان الفاسد من القياس والاستدلال. وفي بيان ما يتصل بالقياس من التوابع.

стр. 581

[١] أما بيان تفسير القياس لغة فنقول: إن القياس في اللغة يستعمل في شيئين: أحدهما - التقدير. يقال: قس النعل بالنعل، أي قدره (١) به. ويقال: قاس الجراحة بالميل (٢) إذا قدر عمقها (٣) به. ولهذا سمي الميل مقياسًا ومسبارًا (٤). و [الثاني]- يستعمل في التشبيه (٥). يقال: هذا الثوب قياس هذا الثوب، إذا كان بينهما مشابهة في الصورة والرقعة (٦) أو القيمة. ويقال: هذه المسألة قياس تلك المسألة إذا كان بينهما مشابهة في وصف العلة. ثم الفقهاء والمتكلمون إذا أخذوا حكم الغائب من الشاهد، وحكم الفرع من الأصل، في العقليات والشرعيات، سموا ذلك قياسًا، لتقدير هم الغائب بالشاهد، والفرع بالأصل، في الحكم والعلة وتشبيههم أحدهما بالآخر.

стр. 582

[٢] وأما بيان حد القياس وحقيقته عند الفقهاء والمتكلمين فقد اختلفت عباراتهم. وأكثرها فاسدة. وبعضها قريب من الصحة. نحو قولهم: القياس رد حكم المسكوت عنه إلى المنطوق به. أو اعتبار غير النصوص بالمنصوص، في الحكم، بمعنى جامع بينهما. وهذا فاسد - لأنه (١) ليس (٢) بحد شامل، فإن هذا يستقيم في الشرعيات دون العقليات، لأن السكوت والنطق والنص (٣) يذكر في باب الألفاظ، ولأنه لابد من المعنى الجامع، وبعد بيانه لابد من بيان الصلاح والأثر. ونحو قولهم: القياس هو تعدية حكم الأصل بعلته إلى فرع هو نظيره. وهو فاسد - لأن حكم الأصل من (٤) الحل والحرمة وعلته وصف الأصل، والانتقال على الأوصاف والتعدية محال، ولكن يثبت مثل حكم الأصل بمثل علته في الفرع. ولأن القياس يجري بين المعدومين، بأن يقاس المعدوم بعد الوجود بالمعدوم الذي لم يوجد، كما يقاس زوال العقل وعدمه بسبب الجنون بعدم العقل في الطفل في حق سقوط الخطاب، لمعنى (٥) جامع بينهما، وهو العجز عن تفهم الخطاب وأداء الواجب. وذكر الأصل والفرع في المعدوم فاسد (٦)، لأن (٧) الأصل اسم لشيء يبنى عليه

стр. 583

غيره، والفرع اسم لشيء يبنى على غيره، والمعدوم ليس بشيء، ولأن الأصل سابق والفرع لاحق، ووصف المعدوم بالسبق والتأخر لا يصح. والحد الصحيح أن يقال: القياس إبانة مثل حكم أحد المذكورين بمثل علته في الآخر. • وإنما ذكرنا لفظة (١) "الإبانة" دون لفظة الإثبات والتحصيل، لأن إثبات الحكم وتحصيله وإيجاده فعل الله تعالى، فهو المثبت للأحكام، أما القياس [فـ] فعل القايس، وهو تبيين وإعلام أن حكم الله تعالى كذا وعلته كذا، وهما (٢) موجودان في الموضع المختلف فيه. • وإنما ذكرنا "مثل الحكم"، لأن عين الحكم من الحل والحرمة والوجوب والجواز وصف للأصل (٣)، فلا يتصور في غيره. وكذا العلة وصف الأصل، ولكن يوجد في الفرع مثل حكم الأصل، بمثل تلك العلة. • وإنما ذكرنا "المذكورين" دون الشيئين ودون الأصل والفرع حتي يكون القياس شاملا للمعدوم والموجود، لأن المعدوم يذكر ويسمى وإن لم يكن شيئًا (٤). وإن شئت قلت: تبيين مثل حكم المتفق عليه، في المختلف فيه، بمثل علته. والله تعالى أعلم (٥).

стр. 584

[٣] فصل (١) في: بيان مشروعية القياس فنقول: فالقياس نوعان في الأصل: عقلي وشرعي. فالقياس العقلي حجة وطريق لمعرفة (٢) العقليات عند عامة أهل القبلة. وهو قول البراهمة (٣) من الفلاسفة، المقرين بالصانع المنكرين للأنبياء ﵈. وقال السمنية (٤) من الدهرية (٥): إنه لا طريق لمعرفة الأشياء إلا الحس وأنكرت كون الخبر والعقل من أسباب المعارف. وقالت الملحدة، والإمامية من الروافض (٦)، والمشبهة من الحنابلة (٧)، والخوارج إلا النجدات (٨) منهم: إن القياس ليس بحجة في العقليات. ثم اختلفوا فيما بينهم: قالت الملحدة والإمامية: الحجة هو قول الإمام المعصوم. وقالت الخوارج والمشبهة: إن (٩) إن الحجة هو (١٠) ظاهر الكتاب في العقليات،

стр. 585

دون القياس، إلا أن المشبهة من الحنابلة قالوا (١) في الفروع: إن القياس حجة، لحاجة الناس إليه، لحدوث الحوادث ساعة فساعة، [فـ] لا يوجد حكمها في الكتاب، ولا حاجة إليه في العقليات لوجودها في الكتاب. وهذه المسألة من مسائل الكلام و (٢) تعرف ثمة إن شاء الله تعالى. وأما القياس الشرعي - وهو القياس في أحكام الحوادث التي لا طريق لمعرفتها سوى الشرع، وليس فيها نص ظاهر، فقد اختلف العلماء فيه: قال عامة الفقهاء والمتكلمين: إنه حجة يجب العمل بها. وقال أصحاب الظواهر مثل داود الأصفهاني (٣) ومن تابعه، وقوم من المعتزلة مثل النظام (٤) والقاشاني (٥)

стр. 586

والشطوي (١): إنه ليس بحجة (٢)، وهو قول من نفى القياس العقلي من الملحدة والإمامية والخوارج سوى المشبهة (٣): فإنهم معنا في القياس في الفروع. وجه قول نفاة (٤) القياس: النصوص من الكتاب، والسنة، والدليل العقلي. أما النصوص من الكتاب: -[فـ] قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ (٥). وقال تعالى (٦): ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (٧). والحق اسم لما هو معلوم قطعًا. وكذلك (٨) العلم حقيقة: ما هو ثابت قطعًا ويقينًا، فأما ما فيه احتمال فهو ظن وليس بعلم. والله تعالى نهى عن القول بما ليس بحق، والاتباع لما (٩) ليس بمعلوم، والقياس بخلافه.

стр. 587

- وقال الله (١) تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (٢). والحكم بالقياس ليس بحكم بما أنزل الله (٣)، لأن المنزل هو الكتاب والسنة. - وقال الله (٤) تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ (٥): جعل الكتاب كافيًا، ومن جعل القياس حجة لم يجعل الكتاب كافيًا. - وقال الله تعالى: ﴿وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (٦). وقال تعالى (٧): ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (٨) ". ولو كان القياس حجة (٩)، وهو عندكم حجة (١٠) عند عدم النص، يكون (١١) قولا بأن القرآن ليس تبيانًا لكل شيء، وهو خلاف النص.

стр. 588

وأما السنة: فما (١) روي عن رسول الله ﵇ أنه قال: "لم يزل أمر بني إسرائيل مستقيمًا حتى كثر فيهم أولاد السبايا، فقاسوا ما لم يكن بما قد (٢) كان، فضلوا وأضلوا" وفي رواية: "لم يزل أمر بني إسرائيل على وتيرة حسنة حتى كثر فيهم أولاد السبايا (الحديث) ". وأما الدليل العقلي: فهو (٣) أن القياس أدون البيانين فإنه يحتمل الغلط (٤)، ولهذا لا يكون حجة (٥) عندكم مع قيام النص بخلافه. والله تعالى حكيم، فلا يليق بالحكمة أن يبين أحكامه في حق العباد (٦) بأدون البيانين، مع قدرته على البيان بالأعلى، وهو النص القاطِع. ولأن القياس محتمل للغلط والخطأ، وإنما يجب العمل بالمحتمل باعتبار الحاجة، ولا حاجة به (٧)، فإنه يمكن القضاء في الحوادث (٨) كلها بما في الكتاب والسنة والإجماع، ثم بعد ذلك باستصحاب الحال، والبقاء على حكم العقل (٩). ومع هذه الدلائل لا حاجة إلى المصير إلى القياس. بخلاف القياس العقلى فإنه دليل قاطع. وبخلاف أمر الحرب (١٠)، والتحري في باب القبلة،

стр. 589

لأن ثمة الحاجة ماسة، لعدم إمكان العمل بالدليل العقلي (١) القطعي (٢). ولأن القياس الشرعي، عندكم، هو اعتبار غير المنصوص بالمنصوص (٣) في الحكم، وهذا غير ممكن، لأنه لا يخلو: إما إن كان الحكم في المنصوص عليه يثبت بعين (٤) النص، أو بالمعنى الثابت في النص، أو بهما، أو بالنص في المنصوص وفي الفرع بالمعنى: • إن قالوا: يثبت (٥) بعين النص: [فـ] لا يمكن إثباته في الفرع لعدم النص. • وإن قالوا: إنه (٦) يثبت بمعنى النص، فهو باطل، لأن هذا الوصف لو كان علة الحكم لكان يجب بها الحكم قبل ورود النص، لأنها كانت موجودة، ولا يجوز القول بوجود العلة ولا حكم، ولأن ثبوت الحكم بالنص أمر مقطوع به، وفي ثبوته بالعلة احتمال، فلا يجوز قطعه عن النص وإضافته إلى العلة. ولأن الحكم ملازم للنص، فإنه لم يوجد النص إلا والحكم معه، فأما (٧) العلة [فـ] قد توجد ولا حكم معها (٨)، فكان إضافة الحكم إلى ما يلازمه أولى. • ولا يجوز أن يثبت بهما (٩)، لأن ما ثبت بشيئين لا يتعدى إلى موضع بأحدهما، ولا يمكن في الفرع (١٠) تعدية النص.

стр. 590

• والوجه الرابع (١) باطل، لأن الحكم في النص إذا لم يثبت بمعناه لا يمكن إثباته في الفرع، لأنه لا نص فيه. والمعنى الذي في النص إذا لم يتعلق به الحكم فكيف يتعلق بمثله، بل يجب أن لا يتعلق تحقيقًا للمماثلة بين المعنيين. فإذا (٢) بطلت (٣) هذه الوجوه، بطل القول بالقياس، ضرورة. وأما عامة العلماء [فقد] احتجوا بالكتاب، والسنة، وإجماع الصحابة، والمعقول. أما الكتاب: - فقول الله تعالى (٤): ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (٥) - والاعتبار هو النظر في الحكم الثابت في الشيء: أنه لأي معنى ثبت، ورد نظيره إليه في الحكم وقياس غيره عليه - قال قائلهم: اعتبر الأرض بأسمائها. . واعتبر الصاحب بالصاحب أي قس الصاحب بالصاحب في معرفة أخلاقه وصفاته. والاستدلال: أن الله تعالى أمر بالاعتبار لأولي الأبصار، وهو المقايسة مطلقًا، من غير فصل بين العقليات والشرعيات، فيجب العمل بإطلاقه.

стр. 591

- وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ﴾ (١) أي إلى حكم الله تعالى وحكم (٢) رسوله. ولا شك أن التنازع إنما يقع في الأمر الخفي الذي يحتاج فيه إلى الرأي والاجتهاد، دون الحكم الظاهر الجلي. ولهذا قال الله تعالى (٣): ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ (٤)، فكان (٥) الأمر بالرد إلى حكم الله تعالى وحكم (٦) رسوله ﵇، بواسطة الرأي والاجتهاد، يكون أمرًا (٧) بالمقايسة. وأما السنة: - فما (٨) روي عن رسول الله ﷺ أنه قال لمعاذ ﵁ حين بعثه إلى اليمن قاضيًا: "بم تقضي؟ قال: بكتاب الله تعالى. قال: فإن لم تجد؟ قال: بسنة رسول الله ﵇. قال: فإن لم تجد. قال: أجتهد (٩) في ذلك رأيي (١٠) ". فقال ﵇: "الحمد لله الذي وفق رسول رسوله لما يرضى به رسوله ﷺ (١١) ". و (١٢) لو لم يكن القياس حجة موجبة للعمل بعد الكتاب والسنة، لأنكر عليه رسول الله ﷺ ، لما مدحه به، ولما حمد الله تعالى على توفيقه (١٣) لمعاذ (١٤) بالعمل بالرأي والاجتهاد.

стр. 592

- وروي أنه قال ﷺ لعبد الله بن مسعود ﵁ حين بعثه قاضيًا: "اقض بالكتاب (١) والسنة إذا وجدتهما (٢)، فإن لم تجد الحكم فيهما اجتهد رأيك (٣) ". - وكذا روي أنه ﵇ قاس في الأحكام: روي (٤) أنه قال لعمر ﵁ حين سأله عن القبلة للصائم هل تفطره؟ فقال (٥) ﷺ (٦): " أرأيت لو تمضمضت بماء ثم مججته أكان يضرك؟ قاك: لا: فقال ﷺ : ففيم (٧) إذن؟ "- قاس القبلة من ثم غيرر إنزال وإيلاج، في نفي فساد الصوم (٨)، على المضمضة من غير ابتلاع. والأحاديث في الباب كثيرة. وأما إجماع الصحابة: فإنهم أجمعوا على كون القياس حجة: حيث اشتغلوا بالقياس في المسائل التي اختلفوا فيها. واختلافهم ظاهر في مسائل كثيرة. فلا يخلو: إما أن يقولوا جزافًا وتبخيتًا (٩)، وهذا لا يظن بالصحابة ﵃. أو بالنص الجلي، أو بالنص الخفي. ولا يتصور الخلاف في موضع النص الجلي المفسر (١٠) بين أرباب الديانة. والاختلاف في معنى النص الخفي

стр. 593

يكون بطريق الاجتهاد والرأي. فإذا انتفى هذان الوجهان تعين القول في ذلك بالرأي والاجتهاد، فيكون إجماعًا منهم على كون القياس حجة في غير موضع النص. كيف وقد روي التنصيص على الاجتهاد والرأي والقياس من البعض - فإنه روي عن أبي بكر ﵁ أنه قال في الكلالة (١): أجىتهد فيه رأيي (٢). وعن عمر ﵁ أنه قال فيها (٣): أقول فبه برأيي. وروي عن علي ﵁ أنه قال: اجتمع رأيي ورأي عمر ﵁ على أن أمهات الأولاد لا يبعن ثم رأيت بيعهن. فقال عبيدة السلماني (٤) ﵁: رأيك مع رأي غيرك أحب إلي من رأيك وحدك (٥). وعن عمر ﵁ أنه كتب في كتاب أبي موسى الأشعري (٦): "اعرف الأمثال والأشباه وقس الأمور عند ذلك". وقال عبد الله بن مسعود ﵁ في مسألة المفوضة (٧): "أجتهد في ذلك رأيي (٨): فإن (٩) كان صوابًا فمن الله تعالى (١٠)، وإن كان خطأ فمن الشبطان والله ورسوله منه بريئان". فثبت أنهم إنما اختلفوا بناء على الاجتهاد والرأي، فيكون إجماعًا منهم على كون القياس حجة. وأما المعقول:

стр. 594

- فهو (١) أن من نفى كون القياس حجة من أهل القبلة: إما أن ينفيه بالحس، أو بضرورة العقل وبديهته (٢)، أو بالنص القاطع، أو بالنص الخفي الراجح نحو خبر الواحد وظاهر الكتاب، أو بالقياس: • لا وجه إلى (٣) أن ينفيه بالحس، لأن نفي كون القياس حجة ليس بأمر محسوس حتى يعرف بالحس. • ولا وجه إلى (٤) أن ينفيه ببديهة العقل، لأن الخلاف لا يجري بين أرباب العقول السليمة، في معرفة البدائه، لاستوائهم في العقول. • ولا وجه إلى (٥) أن ينفيه بالنص القاطع، لأنه لا يتصور الخلاف بين أهل القبلة، في الحكم الثابت بالنص القاطع المفسر (٦). • لم يبق إلا خبر الواحد والقياس: وخبر الواحد محتمل للصدق (٧) والكذب، وترجيح الصدق بعدالة الراوي. ومعرفتها بالقياس والرأي (٨) تكون (٩). وهو أن العدل من يجتنب عن (١٠) سائر الكبائر، فيقاس اجتنابه عن الكذب على اجتنابه عن سائر الكبائر. فكان نفيهم (١١) القياس بالقياس، ومالا ينفك عن القياس (١٢)، فيكون في نفي القياس إثباته، وما كان في نفيه إثباته، فهو ثابت (١٣) ضرورة.

стр. 595

- ولأن القياس (١) حجة في العقليات لمعنى (٢): ذلك المعنى موجود في الشرعيات. وهو أنه (٣) طريق يتوصل به إلى العلم الخفي، الذي قام له دليل وعلامة من حيث الظاهر، بوجود سببه، وهو: التأمل والنظر في العلم الظاهر المحسوس، وذلك هو الأثر، فيستدل بالأثر على المؤثر، كالدخان الدال على النار لكونه أثر النار. أو بالسبر والتقسيم. وغير ذلك من الأعلام التي (٤) يتتعلق بها ذلك الحكم - هذا المعنى موجود في الشرعيات: وهو طريق يتوصل به إلى ما هو خفي، قام دليل على وجوده من حيث الظاهر، وهو الوصف المؤثر في ثبوت الحكم، أو السبر و (٥) التقسيم في أوصاف المنصوص عليه وإبطال جميع الأوصاف فيتعين (٦) الباقي، وغير ذلك. إلا أن الفرق أن: في العقليات يعرف كونه مؤثراً من حيث الحس والعيان والبديهة (٧). وفي الشرعيات بالشرع. فيكون ذلك (٨) دليلا قاطعاً، وهذا دليلا غالباً راجحاً (٩) إذا كان بالاستدلال. فيكون الحكم الثابت ثم (١٠) قطعياً، وههنا بخلافه (١١). ثم القياس العقلي حجة، فكذلك القياس (١٢) الشرعي. إلا أنهما يفترقان من حيث إن الحكم الثابت

стр. 596

ثمة يكون قطعياً (١)، وههنا من حيث الغالب والظن الراجح (٢). وهذه المفارقه لا تمنع من (٣) صحة الاستدلال، لأن العمل بالعلم الغالب والظن الراجح و. اجب عقلا وشرعاً (٤): أما الشرع فالحكم بشهادة الشهود عند رجحان الصدق، وكذا تقليد القضاء والخلافة (٥) عند رجحان الصلاح والسداد في حق المقلد، وإجراء أحكام الإسلام على المسلمين بناء على ظاهر الإسلام، إذ هو أمر باطن لا يوقف عيه (٦) يقيناً. وأما العقل فإن القيام (٧)، من تحت الجدار المائك الذي لي يخشى سقوطه غالباً (٨) والتباعد عنه، واجب عقلا، مع احتمال السلامه جملة (٩). وكذا الفرار والتحرز عن السبع الضاري وقطاع الطريق، واجب عقلا. وكذا (١٠) ركوب البحر للتجارة الرابحه، حال خوف الغرق غالباً، قبيح عقلا، وعند غلبة السلامة، حسن عقلا - وله نظائر في الشرع والعقل. والجواب عن شبهات الخصوم (١١): - أما النصوص [من الكتاب]، فالجواب عن التعلق بها من ثلاثة أوجه: • أحدها - أنه لاحجة لكم (١٢) في ظاهر بعض النصوص من (١٣) قوله تعالى: "تبياناً لكل شيء" (١٤) ونحوه (١٥)، فإنه لا خلاف أنه ليس في ظاهر

стр. 597

القرآن بيان جميع الأحكام بطريق التنصيص، وأن (١) كل الأحكام غير منزل من حيث النص - أن المراد منه من حيث المعاني المودعة فيه: بعضها ظاهر لا يحتاج فيه (٢) إلى الاستخراج، والأغلب يحتاج فيه (٣) إلى الاجتهاد والرأي: فبطل تعلقكم (٤) بظاهر النصوص، ويكون حجة عليكم في أن المراد هو معاني النصوص، واعتبار معاني النصوص هو القياس. • والثاني - أنا نقول بموجبها، فإنا لا نقفوا ولا نتبع ما ليس لنا به علم، ولا نشهد على الله تعالى إلا بالحق والعلم، غير أن العلم نوعان: علم ظاهر راجح، وعلم قطعي. والعلم الراجح كاف في حق العمل، فأما في حق الاعتقاد والشهادة على الله تعالى: إن هذا حكمه، يشترط العلم القطعي، فقلنا بكون القياس حجة في الجملة بدليل قطعي. ونشهد بكونه دليلا عند الله تعالى، والحكم الثابت به حكماً ثابتاً عند (٥) الله تعالى قطعاً، لإجماع الصحابة على ذلك. وإذا كان في موضع متعين فلا نقول إن ذلك القياس دليل قطعي، بل هو دليل ظاهر راجح، والحكم الثابت به كذلك - فنعتبره في حق العمل، احتإطاً مع احتمال الخطأ في الجملة، كما في خبر الواحد والشهادات في حق العباد. • والثالث - أن نقول: المراد منها في حال قيام النص، وبه نقول: إنه لا يجوز العمل به في حال وجود النص، وحملناه (٦) عليه عملا بالدلائل كلها، لأن الإجماع حجة مثل الكتاب، فلا يجوز العمل به على مخالفة إجماع الصحابة.

стр. 598

- وأما ما ذكروا من الأحاديث: • فلا حجة فيها، لأنها من أخبار الآحاد، وخبر الواحد لا يكون حجة إلا في حق العمل. وكون القياس حجة أو لا من باب الاعتقاد، لا من باب العمل، فلا يقبل فيه الآحاد. • وما روينا من الأخبار، وإن كانت (١) من الآحاد في الأصل، ولكن صارت مشهورة لقبول الصحابة إياها، لإجماعهم على كون القياس حجة. ثم يجب حملها على حال (٢) قيام النص، بدليل إجماع الصحابة، أو في حق العمل بموجبه، وخبر الواحد يصلح للعمل. فأما (٣) أنتم [فـ] عملتم به في حق الاعتقاد - والله أعلم. - وأما (٤) قولهم: إن القياس الشرعي أدون البيانين، وهذا ليس بحكمة مع القدرة على البيان بالأعلى - فهذا (٥) باطل: • بالعلم الضروري: فإنه (٦) أقوى من العلم الاستدلالي، فإنه لا يدخل فيه الشبهة، والاستدلالي مما يعتريه (٧) الشبهة (٨)، مع كونه دليلا قطعياً (٩). • وكذا خبر الواحد: حجة، مع أن في قدرة الله تعالى به إن ذلك الحكم بالأعلى.

стр. 599

- ثم نقول: لم قلتم بأنه لا يجوز أن يكون الحكمة في البيان بطريق الخفاء، لا بطريق الظهور بلا شبهة، حتى يكون للسامع (١) فضل العلم بالتأمل (٢)، واستخرج المراد من السؤال، ممن هو أعلم منه. أو يكون فيه تحقيق الابتلاء بالاستدلال - ألا ترى أن الدلائل العقلية، مع كونها قاطعة، يكون، بعضعها خفياً (٣) لا يدرك إلا بالتأمل، حتى جرى الخلاف بين العقلاء فيه. والله تعالى خلق الشبهات بمقابلتها لما رأى كل من الحكم، وإلا لو جعل الدلائل كلها ظاهرة جلية ما وقع الخلاف في شيء من الأحكام العقلية والشرعية، مع أنا لما أقمنا الدلائل على شرعية القياس بالكتاب وإجماع الصحابة يجب القول بوجود الحكمة (٤) فيه، وإن كان أدون البيانين، لأن الله تعالى لا يشرع حكماً من غير حكمة، تعالى الله عن خلافه، ويجب الاعتقاد بأن (٥) فيه حكمة وإن لم نعقل وجهها - والله أعلم. - قولهم: إن القياس دليل محتمل للغلط، وهو حجة عند الحاجة - قلنا: بلى إنه دليل محتمل (٦)، ولكن بالناس حاجة إلى القياس، لأن الحوادث إلى آخر الدهر كثيرة لا تتناهى، وليس في النصوص بيان الكل، فعلى ما شرع الله تعالى: الشرائع والأحكام المنصوصة مقصورة على (٧) الحوادث، [فـ] تقع الحاجة لهم إلى إستنباط المعاني المودعة في النصوص، وإن كان الله تعالى قادراً على شرع الشرائع بطريق لا تمس (٨) بهم (٩) الحاجة

стр. 600

إلى القياس، واستنباط المعاني، ولا يوصف صاحب الشرع بالحاجة. لكن على ما رأى (١) الحكمة في شرع الشرائع على هذا الوجه، تمس الحاجة بالعباد (٢) إلى المعاني المودعة والقياس، وهو أحكم الحاكمين. - قولهم: إن الحكم في موضع الإجماع والنص إما أن يثبت بالنص أو بالعله أو بهما على ما قرروا - فنقول: هذه المسألة اختلاف بين القايسين: • منهم من قال: يثبت الحكم في المنصوص عليه بعين النص لا بالعلة. وإنما (٣) العله وضعت دلالة على ثبوت الحكم في الفروع (٤) - وهو قول مشايخ العراق. • وقال بعضهم: إن الحكم يثبت (٥) بالعله في النص. فمتى وجد مثله في موضع آخر يثبت الحكم فيه - وهو قول مشايخ سمرقند. وهو قول الشافعي ﵀. والإشكالات التي ذكروا (٦) على القولين والانفصال عغ، نذكر في تلك المسألة إن شاء الله تعالى. و (٧) مسألة القياس: هل هو حجة؟ مشكلة. ومن الجانبين شبهات عظيمة. وعلى كل دليل سمعي وعقلي اعتراضات وجوابات. وهي مشروحة في الشرح والله الموفق.
следующие страницы →