← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 19237

ميزان الأصول في نتائج العقول

علاء الدين السمرقندي

Полный текст (813 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

وإن قلتم بالثاني - فربما يستقيم هذا في العقليات، فأما في الشرعيات [فـ] العكس ليس بشرط بالإجماع، فإنه يجوز أن يكون الحكم ثابتاً بعلل، كإباحة القتل: يثبت بالردة، وقتل العمد، وزنا المحصن، ونحو ذلك. يبقى قولكم: يوجد عند وجوده أو يوجد بوجوده: فالأول (١) باطل بالشرط. والثاني ممنوع (٢) أنه يوجد بوجوده، فإن في النص أوصافاً يوجد الحكم عقيب الكل، فلم يتعين (٣) هذا الوصف لوجود الحكم بوجوده، من بين سائر الأوصاف، وليس البعض أولى (٤) من البعض في هذا المعنى، فما لم يبين منى آخر لا يستقيم هذا الكلام (٥)، وإن بين (٦) بطل دعواه. وإن كان وجوده بوجود الكل فإنه لا يحتفل التعدية (٧) إلى موضع آخر، لأنه لا يتصور أن يكون مثله من كل وجه. ومنها - أن يختلف القايسون في مسألة على أقوال معلومة، وعلل كل واحد الأصل بعلة، فبإبطال الواحد علل الخصوم - هل يحكم بصحة علته أم لا؟ فقد اختلف فيه: قال بعض الفقهاء من أصحابنا ﵏ ينظر: إن اتفق أهل الاجتهاد على كون الأصل معلولا، ثم بين كل واحد ممن خالف، علة لقوله، فمن أبطل علة الخصوم كلهم، تتعين علته للصحة.

стр. 632

وإن قال بعض المخالفين منهم: إن الأصل غير معلول، بل الحكم ثابت بالنص أو الإجماع غير معقول المعنى. وغيره من المخالفين قالوا بأنه معلول، وبين كل واحد علته، وادعى صحتها، فمتى أبطل علل المخالفين لا تصح علته. وقال بعض أصحاب الشافعي بأن إبطال علل المخالفين كاف لصحة (١) علته في الحالين. وقال أهل التحقيق من أصحابنا: إنه لا تصح العلة بإبطال علة المخالفين. وجه قول الأولين: إنهم لما اتفقوا على كون النص معلولا، فقد ثبت بإجماع أهل الإجماع أن (٢) العلة واحدة مما ذكروها، وخروج الحق عن الإجماع باطل، كما لا يجوز الخروج عن أقوال الصحابة ﵃ في مسألة بالاتفاق (٣). وكما لا يجوز الخروج عن أقوال المخالفين من أهل العصر عند الأكثرين، وهو قولنا، بخلاف ما إذا كان الأصل غير معلول عند بعضهم، فإنه يجوز أن يكون الحكم ثابتاً بالنص، مقصوراً عليه، فبطلان العلل كلها لا يؤدي إلى إبطال الإجماع، فإنه لا يعتقد الحق في واحد من عللهم. وجه قول الفريق الثاني، وهو أن النص، وإن لم يكن معلولا في زعم البعض، فالباقون اتفقوا على كونه معلولا، فهؤلاء اجتمعوا (٤) على كون واحد من عللهم صحيحة، فيجب اعتبار اتفاقهم فيما بينهم، ولا يعتبر

стр. 633

مخالفة غيرهم في إسقاط اعتبار إجماعهم - ألا ترى أنهم وإن اتفقوا على كون النص معلولا، فأصحاب الظواهر يخالفونهم ولا يقدح مخالفتهم في حجة إجماعهم، فكذلك (١) هذا. وجه قول الفريق الثالث - وهو أن صحة إحدى العلل بإبطال ما وراءها: إما إن كان باعتبار أنه يؤدي إلى خلاف الإجماع وإلى ذهاب الحق عن إجماع الأمة، أو باعتبار إبطال سائر العلل. والأول باطل - فإنه لا إجماع. فإن أصحاب الظواهر خالفوهم، فإنهم ينكرون كون النصوص كلها معلولة. والثاني باطل - فإن إبطال ما وراءها من العلة موجود فيما إذا لم يكن النص معلولا باتفاقهم ولم يدل على صحة العلة، ولأن بطلان سائر العلل: إما أن يثبت بالنص، أو برأي الخصم. والأول باطل - لأنه لا يتصور النص القاطع قي موضع الخلاف مع أهل الديانة (٢). والثاني باطل - لأن رأي الواحد محتمل، فلا يكون حجة على الخصوم وإن عجزوا عن تمشية عللهم، لاحتمال أنها صحيحة، لكن لقلة التأمل عجزوا عن معارضة علة الخصم، وعند التأمل على وجهه يظهر بطلان ما ذكروا (٣) من العلة، بخلاف العال العقلية، لأن ثمة (٤) إنما يعرف بطلان ما وراءها من الأوصاف لاستحالة إضافة الحكم إليها، في تعين ضرورة.

стр. 634

ومنها - الاطراد والملازمة، وجرياخها في الفروع من غير أن يمنعها (١) نص أو علة أقوى منها في إثبات الحكم، وهذا دليل الصحة عند بعضهم. والأصح أنه لا يكون دليل صحة العلة. وهل يكون الاطراد شرط صحة العلة؟ ففيه اختلاف على ما نذكر بين القائلين بتخصيص العلة وبين المنكرين. وجه قول من اكتفى بالاطراد: أن علل الشرع أمارات ودلالات على الأحكام، والموجب لها هو الله تعالى، وشرط صحة الدليل والأمارة هو الاطراد لا غير، كالأمارات الحقيقية، من المنارة الدالة على المسجد والأعلام الدالة على الطرق. وجه قول العامة: وهو أن جعل الاطراد دليل صحة العلة (٢) الشرعية يؤدي إلى التناقض في الشريعة، والله تعالى صان الشريعة عن التناقض، لأن الله تعالى جعل نفي التناقض عن القرآن دليلا على أنه من عنده، بقوله (٣) تعالى: "ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً" (٤). وبيان التناقض: وهو أن أحد الخصمين إذا قال: ما ذكرت من الوصف مطرد في الفروع، فيكون علة لحرمة شيء معين، والآخر يقول: إن ما ذكرت (٥) من الوصف مطرد في الفروع فيكون علة لإباحته، وكل وإحد منهما ينسب علته إلى الشرع، فيؤدي إلى القول بأن الشرع جعل شيثاً واحداً حلالا وحراماً في زمان واحد،. فيكون في هذا نسبة التناقض

стр. 635

إلى الشرع - و (١) هذا محال، بخلاف الأمارات الحسية، فإنها (٢) من العباد، فاحتمال التناقض فيها لا يضر. ولا يقال: إنكم جعلتم دليل صحة العلة هو التأثير، وأحد الخصمين يدعي الحل بعلته، والآخر يدعي (٣) الحرمة بعلته، فقد قلتم بالتناقض، لأنا نقول: كون الوصف مؤثراً في الحكم أمر شرعي، وكل واحد من الخصمين يدعي كون وصفه مؤثراً دون وصف (٤) خصمه، ويمكنه (٥) في الجملة بيان أن الوصف الذي يدعي صاحبه مؤثراً ليس بمؤثر، فمتى جعل ذلك دليلا لا يؤدي إلى التناقض، لأن الصحيح أحدهما، وهو الذي ثبت (٦) تأثيره شرعاً، فأما الاطراد (٧) فأمر حقيقي لا يتصور فيه الإنكار، وبيان أنه ليس بمطرد فيؤدي إلى التناقض لا محالة - فهو (٨) الفرق بينهما. ولأن تفسير الاطراد عندكم هو الجريان في جميع الفروع من غير أن يمنعه مانع من نص مخالف أو معنى معارض. فأما مع قيام المانع، لا يكون مطرداً، فلا يكون حجة. ونحن لا نسلم أنه لا مانع في كل موضع يدعون الاطراد، فيكون دعوى بلا دليل. فإن قالوا: إنا طردناه في جميع الفروع ولم نجد ما يمنعه، فالخصم يقول: إن لم تجدوا فنحن نجد، وعجزكم عن الوقوف على المانع لا يدل على انتفاء المانع، فما لم تقيموا الدليل على أنه لا مانع لا يستقيم دعوى الاطراد، ولا يمكنكم النفي أصلا.

стр. 636

ثم لم قلتم: إن الاطراد وجريان العلة في معلولها دليل الصحة، ولكن عندنا شرط الصحة فبفواته امتنعت (١) الصحة وثبت الفساد، فأما أن يثبت الصحة بالشرط فلا. قولكم: إن (٢) العلة الشرعية علم ودليل، والاطراد (٣) كاف في الدليل - فنقول: الاطراد كاف لكونه شرط الصحة. أما كونه (٤) دليلا [فـ] إنما يثبت لما (٥) له من وجه الدلالة، كدلالة الدخان على النار. فما لم يثبت وجه الدلالة في العلة على الحكم، لا يثبت العلة، وإن وجد شرط الصحة، والكلام فيه وقع. ومنها - أن كون الوصف مخيلا كاف، هل يكفي لكونه علة؟ قال بعض أصحاب الشافعي: إنه كاف. أما كونه مؤثراً، فيكون (٦) مؤكداً. ثم فسر بعضهم أن المخيل: ما له خيال الصحة. و (٧) هذا التفسير فاسد، لأن الحكم لا يثبت إلا بالعلة الصحيحة قطعاً أو غالباً. فأما ما له احتمال الصحة فلا. وفسر بعضهم المخيل: أن يكون العقل لا يحيله (٨) بأن يكون علة الحكم،

стр. 637

بل (١) يستحسنه لموافقة وملاءمة بينهما، وإن لم يكن لجنس ذلك الوصف أثر في جنس ذلك (٢) الحكم في أصول الشرع. ولكن مع هذا لا يجوز أن يكتفى به، لأن الكلام في العلة الشرعية يجب أن يطلب حجته (٣) من الشرع، لا من العقل وحده، والشرع هو النص والاستدلال، فلا يجوز الحكم بكون الوصف علة شرعاً إلا بهذين الطريقين - والله أعلم. ومنها - قياس الشبه. وكل قياس لابد فيه من الشبه بين الأصل والفرع، حتى يكون (٤) قياساً. ومطلق الشبه ليس بكاف، فإنه (٥) ما من موجودين حادثين (٦) إلا وبينهما نوع مشابهة. لكن القياس الصحيح أن يكون بينهما مشابهة (٧) بوصف مؤثر، والقياس الفاسد أن يكون بينهما مشابهة إما من حيث الصورة أو من حيث الأحكام من غير تأثير في إثبات الحكم (٨)، ثم صار هذا الاسم مختصاً بقياس بين شيئين بينهما شبه بشيء غير مؤثر في الحكم أصلا. ثم اعتبر بعض العلماء الشبه من حيث الصورة، حتى قاس الجلسة الأخيرة في الصلاة ذات الأربع، بالجلسة الأولى، في أنها (٩) غير واجبة، وقال: هذه جلسة مشروعة في الصلاة، يجب أن لا تكون واجبة، قياساً على الجلسة الأولى.

стр. 638

وروي عن الشافعي ﵀ أنه قال: المعتبر هو الشبه بالأحكام، حتى قال: قيمة العبد يجب (١) بالغة ما بلغت، لأن العبد أشبه بالأموال (٢) في الأحكام الكثيرة، ويشبه الأحرار في قليل من الأحكام، فيجب اعتبار كثرة الشبه في الأحكام. ولكن الصحيح قولنا - وهو أنه يجب أن يعتبر الشبه بكل ماله تأثير في الحكم، سواء كان وصفاً أو حكماً، فإن كون البر مطعوماً أو مكيلا من باب الوصف دون الحكم، لا أنه هو الشبه الذي له أثر في الحكم، في الجملة. وكذلك القول بالشبهين: فاسد، لما ذكرنا. وبعض مشايخنا اعتمدوا على الشبهين، لكن يجب أن يكون لكل شبه أثر، فحينئذ يجوز القول به. فصل - في الفرق بين العلة والسبب والدليل (٣): فقد ذكرنا تفسير العلة والدليل في اللغة وعرف الفقهاء (٤). فأما السبب: في اللغة -[فـ] عبارة عن الطريق، قال الله تعالى: "ثم أتبع سبباً" (٥) أي الطريق. وقال الله تعالى خبراً عن فرعون: "لعلي أبلغ الأسباب. أسباب السماوات" (٦) أي أبوابها. ويسمى الحبل سبباً، لأنه طريق يتوصل

стр. 639

به إلى الماء. ويسمى الطريق سببا أيضاً (١)، لأنه يتوصل به إلى الموضع المقصود. وأما في عرف الفقهاء - فهو مستعمل فيما هو موضوع [في] اللغة، وهو ما يتوصل به إلى الحكم من غير أن يثبت به، كالحبل الذي هو سبب يتوصل به إلى الماء، وإن كان يحصل الوصول بالاستقاء. وكذلك الطريق يتوصل به الى المقصد، وإن كان الوصول يحصل (٢) بالمشي، لا به. - بخلاف العلة: فإنها اسم لما يثبت به (٣) الحكم، كالمشي (٤) والاستقاء: علة للوصول (٥). - وبخلاف الدليل: فإنه اسم لما يعرف بسببه المدلول، فكان (٦) طريقاً إلى (٧) معرفة المدلول، وعلة (٨) حصول العلم والمعرفة بالمدلول هو الاستدلال، فيكون قريباً من السبب في الأحكام. ويجوز أن يسمى العلة دليلا، لأنه يحصل بواسطته العلم بالحكم في الفروع عند الاستدلال الذي هو العلة، ويسى سبباً لهذا - والله أعلم. فصل - في تقسيم العلة والسبب والدليل (٩): فنقول:

стр. 640

ذكر القاضي الإمام (١) أبو زيد الدبوسي ﵀ وقال: إن العلة أقسام أربعة: • علة اسماً ومعنى وحكماً - نحو الببيع البات، والعتاق النافذ، والطلاق المنجز. • وعلة اسماً لا معنى ولا حكماً - نحو الطلاق المعلق بالشرط، واليمين في حق وجوب الكفارة قبل الحنث. فإنه يسمى طلاقاً، والأثر والحكم معدوم للحال. • وعلة اسماً ومعنى لا حكماً - تحو البيع بشرط الخيار: فإنه يسمى بيعاً، وهو المؤثر في إثبات الحكم، لكن امتنع الحكم لمكان الخيار في الحال (٢). • وعلة اسماً وحكماً لا معنى - نحو السفر في إثبات الرخصة. فإن السفر يسمى مبيحاً ومرخصاً والحكم يضاف إليه، وهو ثبوت الرخصة والإباحة، والمعنى معدوم: فإن المؤثر في ثبوت الرخصة هو المشقة، لكن السفر أقيم مقامها (٣) تيسيراً. ثم قسم السبب على أربعة أقسام أيضاً: الأول - سبب اسماً وحقيقة ومعنى: وهو السبب المحض. وهو ما (٤) يتوصل به إلى الحكم من غير أن يثبت به على ما ذكرنا. ونظيره من الشرعيات: دلالة السارق على سرقة مال إنسان فسرق، وحبس الفار من القاصد قتله حتى أدركه وقتله، فإن الدلالة والحبس سبب محض، لأنه اعترض عليه فعل فاعل مختار.

стр. 641

والثاني - ما هو سبب اسماً وصورة، لا معنى وحقيقة. نحو الطلاق المعلق، والنذر المعلق، واليمين في حق وجوب الكفارة - فإن التعليق سبب لوقوع الطلاق عند الشرط. وكذا اليمين سبب لصيرورته علة عند الحنث. ولكن (١) من حيث الصورة دون المعنى، فإنه ليس فيه معنى الإفضاء والتوصل، بل هو المانع عن الحكم للحال، ولكن تصور (٢) بصورته، لأنه لولاه لما ثبت الحكم عند وجود الشرط، ولكنه سبب يصير (٣) في معنى العلة، فإن الكلام الأول يصير علة عند الشرط، ويضاف الحكم إليه دون الشرط. والثالث - السبب الذي هو علة العلة. وهو في الحقيقة موجب للحكم، إلا أنه إنما يوجب بواسطة العلة الأخيرة، والحكم وجب بالأخيرة، فصارت العلة الأخيرة مع حكمها، حكمين للعلة الأولى: فمن حيث إن العلة الأخيرة مع حكمها حصلت بالأولى، كانت هي العلة الموجبة حقيقة. ومن حيث إنها لا (٤) تعمل في ثبوت الحكم ألا بواسطة الأخيرة سميت سبباً. ونظيره: الرمي إذا اتصل به الموت، فإن الموت يضاف إلى الرمي بوسائط (٥). وكذا شراء القريب: يفيد الملك، والملك يفيد العتق، فيضاف إلى الشراء، لأنه علة العلة. والرابع - السبب الذي هو علة معنى. و (٦) هو الذي يرجب الحكم بنفسه بلا واسطة علته (٧)، لكن الحكم في حال وجوده لم يثبت، لعدم (٨)

стр. 642

تمامه، بانعدام وصفه، لا بعدم بعضه، كعلة ذات أوصاف (١). فإذا وجد الوصف، والوصف لا يقوم بنفسه، فيقوم بالعلة، فيجب الحكم عند وجود وصفه مستنداً إلى العلة بوصفه، ويكون هو الموجب دون وصفه، فيكون علة من حيث هو الموجب، ويكون سبباً من حيث إنه لم يوجب للحال (٢) ما لم يوجد وصفه، وهو كالنصاب: علة الوجوب، لكن لا (٣) يوجب بدون صفة النماء. فمتى وجد وصف النماء، صار علة للحكم من الأصل، لاستناد الوصف إلى الأصل. وكذا في مرض الموت، وغيره (٤) من النظائر. وهذا الفصل الأخير مشكل. هذا (٥) بيان ما قاله القاضي الإمام أبو زيد الدبوسي (٦) ﵀ على الاختصار في تقسيم العلة والسبب والموانع (٧). ولكنا نقول: هذه التقاسيم إنما تستقيم على قول من يقول بتخصيص العلة، فإن عندهم يجوز أن تكون العلة موجودة ولا يثبت الحكم لمانع (٨)، والموانع تختلف (٩) على قيلهم، وتنقسم أربعة أقسام (١٠): • مانع يدخل في نفس العلة، فيمنع عن الانعقاد، كما في الطلاق المعلق. • ومانع يدخل في الحكم دون العلة، كما في البيع بشرط الخيار.

стр. 643

• ومانع يمنع تمام العلة مع وجود أصلها وركنها، كملك النصاب ونحوه. • ومانع يمنع تمام الحكم، مع أن العلة أوجبت أصل الحكم، كما في خيار الرؤية والعيب، فإن ثمة الملك ثابت والبيع نافذ لكنه غير لازم. فأما على قول من لا يجيز (١) - تخصيص العلة، وهو قولنا، [فـ] العلة في الحقيقة شيء واحد، وهو ما يثبت به إلحكم. والسبب شيء واحد وهو ما يتوصل به إلى الحكم، من غير أن يضاف ثبوته إليه. وما يضاف الحكم إليه، مما يسمى سبباً، فهو علة في الحقيقة، وتسميته سبباً يكون (٢) بطريق المجاز. وإنما (٣) يصح التقسيم عندنا على اعتبار تقسيم الحكم، غير أن الحكم قد يكون ظاهراً، وقد يكون خفياً لا دليل على وجوده للحال: - فإن كان الحكم ثابتاً حال وجود السبب، فهو علة. كالبيع البات. - وإن وجد الحكم بعد وجود فعل العبد باختيار - (٤) منه، مقصوراً على حال ثبوته، يكون الفعل سبباً من وقت وجوده، ويصير علة عند وجود الحكم، مقصوراً عليه، كما في التدبير والاستيلاد. - وإن ظهر الحكم من وقت وجود الفعل، بعد ما كان خفياً، يكون علة من ذلك الوقت، ويسمى سبباً مجازاً.

стр. 644

- وإن ثبت الحكم مقصورًا على حال وجوده من وجه وظهر (١) من وجه من وقت وجود الكلام: • فمن الوجه الذي اقتصر: يكون سببًا من حين (٢) وجود الكلام، ويتم علة من وقت وجود (٣) الحكم. • ومن الوجه الذي ظهر: من وقت وجود الكلام، يكون علة من وقت وجوده، ويكون سببًا من الوجه الذي اقتصر، فيجب التقسيم على هذا الوجه احترازًا عن القول بتخصيص العلة والله أعلم. [٦] فصل في: بيان شرائط القياس والعلة (٤) يحتاج في هذا الفصل إلى: تفسير الشرط لغة. وإلى (٥) بيان حده عند الفقهاء. وإلى بيان الفرق بين الشرط والعلة (٦) والعلامة. وإلى بيان أقسام الشرط.

стр. 645

وبيان نواع أما يسمى شرطًا. وإلى بيان شرائط القياس والعلة. أما الشرط في اللغة: فهو (١) عبارة عن العلامة اللازمة (٢). ومنه يسمى أعلام القيامة (٣) "أشراطًا". ومنه يسمى (٤) الصكوك (٥) "شروطًا" لأنها وضعت أعلامًا على العقود التي (٦) تجري بين العاقدين. ومنه يسمى (٧) "الشرطي"، لكونه معلمًا بعلامة يرتميز بها عن غيره. ومنه يسمى الحجام "شراطًا" وفعله "شرطًا" وآلة عمله "مشرطًا" (٨). وأما تفسير الشرط في عرف الشرع، وبيان الفرق بينه وبين العلة والعلامة - فنقول: اختلف الفقهاء فيه (٩): قال بعضهم: الشرط ما يوجد. الحكم عند وجوده، وينعدم عند عدمه. وقال بعضهم: الشرط ما هو علم على الشيء من حيث يضاف (١٠)

стр. 646

إليه الوجود دون الوجوب (١)، بخلاف العلة: فإنها اسم لا يضاف إليه الوجوب، دون الوجود. فلما كان وجوب ذلك الشيء بالعلة، لا بالشرط، كان الشرط علمًا. ومن حيث إن الوجود يضاف إليه كان علة. فكان بين العلامة والعلة (٢). وأما العلامة فهي اسم لما يدل على غيره، من غير أن يكون في ذاته ما يدل عليه، لكن يثبت دلالته، بضرب (٣) اصطلاح ومواضعة أو إخبار من صادق، على ظهور الحكم عند وجوده، فيكون معرفًا محضًا لا يتعلق به وجوب ولا وجود، وإنما يتعلق به الظهور. ولكن هذا لا يصح. وإنما الصحيح أن يقال: الشرط ما يوجد العلة (٤) عند وجوده، أو ما يقف المؤثر على وجوده في ثبوت الحكم. وهذا لأن الحكم يثبت بالعلة، لكن العلة قد يقف على وجود الشرط، فلا ينعقد العلة بدونه، فلا يوجد الحكم لانعدام العلة، لا لانعدام (٥) الشرط، مع قيام العلة. فأما ما توجد العلة بوجوده، فهو علة العلة، وما يوجد به الحكم فهو علة. وكذا ما يظهر به الحكم. وكذا ما يوجد عنده، أو يظهر عنده،

стр. 647

لما ذكرنا: أن العلة توجد عند وجود (١) الشرط، ثم يثبت الحكم بوجود (٢) العلة. ولأن انعدام الحكم لا يكون بعدم الشرط بل يكون على العدم الأصلي، لأن الأصل عدم الحكم، وإنما وجوده بوجود العلة. والعلة توجد عند وجود الشرط. فمتى لم يوجد الشرط لم توجد العلة، فلا يثبت الحكم، وبقي على العدم، لا أن عدمه مضاف إلى عدم الشرط (٣) أو عدم العلة. ولأن هذا إنما يستقيم على قول من يقول بتخصيص العلة: وهو أنه إذا وجدت (٤) العلة ولم يوجد الشرط، امتنع وجود الحكم، لعدم الشرط جمع بقاء العلة. فأما عندنا (٥): متى لم يوجد العلة عند عدم الشرط، فيكون عدم الحكم لعدم العلة، لا (٦) لعدم الشرط. وما قالوا: إن العلة قد يتعلق (٧) به الوجوب دون الوجود: لا يصح، لأن العلة قد يتعلق به الوجوب، وقد يتعلق به الوجود: فإن الكسر علة وجود الإنكسار. وقد يتعلق به الظهور: فإن قضاء القاضي علة (٨) لظهور الملك المدعي، وإن كان ثبوت الملك مضافًا إلى السبب السابق. والله أعلم. فصار الحاصل: أن العلة ما يتعلق بها (٩) الوجوب أو الوجود أو الظهور. و (١٠) الإيجاب والإيجاد والإظهار من الله تعالى. والشرط ما يتعلق به وجود العلة.

стр. 648

والعلامة ما يكون علمًا على ظهور شيء وحصول (١) العلم به، من غير أن يكون له أثر في الوجود والظهور، وإنما الظهور بغيره بمنزلة الدليل: فإت ظهور الشيء وثبوت (٢) العلم به بالاستدلال، لا بالدليل (٣). والله أعلم.

стр. 649

وأما بيان أقسام الشرط - فنقول: الشرط أنواع: - فمحل وجود نفس (١) العلة شرط، لأنه لا وجود للعلة بدون المحل. فالبيع علة ثبوت الملك في المبيع ومحله (٢) البائع. والشراء علة ثبوت الملك في الثمن ومحله (٣) هو المشتري. وكذا محل الحكم أيضًا: شرط، لأن العلة لا يتصور انعقادها بدون الحكم، ولابد للحكم من محل صالح. وكذا وصف محل العلة، ووصف محل (٤) الحكم، من باب الشرط (٥)، فإن محل ثبوت الملك هو المبيع وأوصافه، بأن يكون مالا متقومًا ملومًا ونحو ذلك. وكذا أهلية من يجب له الحكم، ومن يجب عليه، شرط أيضًا. وكذلك (٦) بعض أوصاف من يجب عليه وله (٧): شرط ثبوت الحكم أيضًا. وهذا كله في الحقيقة شروط (٨) العلة، لأن العلة لا توجد إلا عند وجودها، وإن كان بعض الأوصاف يسمى (٩) أهلية. وشرائط الأهلية

стр. 650

هي (١) وصف من يجب له وعليه (٢)، على ما نذكر في فصل الأهلية إن شاء الله تعالى. - ومنها شرط الصحة، لا شرط انعقاد أصل السبب (٣)، كالمساواة في عقد الربا، وقبض البدلين في الصرف، وغير ذلك. فانقسم الشرط (٤) إلى هذه الأنواع ظاهرًا، وفي الحقيقة قسمان: شرط العلة، وشرط الصحة. و (٥) أما بيان [أنواع] (٦) ما يسمى شرطًا - فنقول: هو أنواع ظاهرًا (٧). وفي الحاصل نوعان: شرط حقيقة، وشرط يسمى (٨) مجازًا. والحقيقة نوعان على ما مر: شرط العلة (٩)، وشرط الصحة. لأن (١٠) حد الشرط ما (١١) عرف، وهو ما توجد العلة عند وجوده، لا وجود الحكم ولا وجوبه ولا ظهوره به ولا (١٢) عنده. فإن كان في موضع يسمى شرطًا ويضاف الحكم إليه، إما وجوبًا أو وجودًا أو ظهورًا، يكون علة، ويكون تسمية الشرط له (١٣) مجازًا، لوجود صورة الشرط أو المشابهة بينه وبين الشرط مع كونه علة.

стр. 651

وكذا كل ما لا توجد العلة عند وجوده ويسمى (١) شرطًا، يكون تسمية الشرط له مجازًا. أما مثال الشرط بطريق الحقيقة - فهو كالشهادة في باب النكاح، وشروط الصلاة من الطهارة والنية وستر العورة واستقبال القبلة، فإنه لا صحة للصلاة ولا وجود (٢) لها إلا عند وجود هذه الشروط. وكذلك تعليق الطلاق والعتاق بالشرط، فإنه لا وجود لهما قبل وجود الشرط، وإنما الموجود كلام يصير تطليقًا وإعتاقًا عند وجود الشرط. وقال بعض مشايخنا: إن الشرط ما يمتنع (٣) عنده الحكم دون العلة، [كما] عند الشافعي. فيكون هذا الكلام تطليقًا، ولكن الانطلاق وثبوت الحرمة يثبت عند وجود الشرط. وبنوا على هذا الأصل مسألة تعليق الطلاق بالنكاح، ومسألة التكفير قبل الحنث، والنذر المعلق بالشرط، ولكن هذا يؤدي إلى القول بتخصيص العلة، وهو وجود العلة قبل وجود الشرط ولا حكم له. وظاهر مذهب الشافعي ﵀ أنه لا يقول بتخصيص العلة، فلا يكون ما ذكروا من المسائل على هذا الأصل، على ما يعرف في مسائل الخلاف. وأما الشرط الذي يسمى (٤) به مجازًا لوجود صورته، وهو علة (٥) في الحقيقة أو في معنى علة العلة، فهو نحو شق الزق (٦) وقطع حبل القنديل

стр. 652

وحفر البئر على قارعة الطريق [وحصول] (١) التلف، فإنه يجب الضمان على شاق الزق وقاطع الحبل وحافر البئر - لوجهين: أحدهما - أن هذا علة التاف. فإت الإتلاف المتصور من العباد هو فعل قام به من الحركة يظهر أثرها (٢) على مجرى العادة في تلف المحل (٣)، فإن المتولدات (٤) مفعوك الله تعالى على الحقيقة عندنا، لا فعل للعباد فيها أصلا. وعند المعتزلة: أفعال العباد تسبيبًا لا مباشرة. ولكن إذا كان العبد منهيًا عن الحركة التي يظهر أثرها في تلف شيء معصوم متقوم (٥) يكون علة التلف، في حق وجوب الضمان، صيانة لعصمة الأموال والأنفس، لأن الإتلاف ما يحصل التلف عقيبه غالبًا بطريق العادة وقد وجد، إلا إذا وجد التلف عقيب فعل غيره (٦) عن اختيار، وهو الإيقاع في البئر، كان الإضافة إليه أولى من الإضافة إلى الحفر السابق، إلا أنه في صورة الشرط، لأنه إزالة المانع عن سيلان الدهن، ووقوع القنديل، والوقوع في البئر. وإزالة المانع شرط في الأصل، ولكنه علة شرعًا، فيضاف الحكم إليه، لكونه علة، لا لكونه إزالة المانع. والثاني - وهو أن سيلان الدهن علة التلف، فإنه يختلط بسببه بالتراب، في خرج من أن يخكون منتفعًا به، أو يمتزج بالماء، إلا أن (٧) كونه سببًا، لا خلقة، يثبت (٨) بفعل الله تعالى، فلا (٩) يمكن إضافة الحكم إليه،

стр. 653

فيضاف (١) إلى الشرط الذي هو فعل العباد، احتياطًا في عصمة الأنفس والأموال (٢). وكذلك الثقل علة الوقوع في مكان خال عن الجسم المانع، وإنه (٣) ولا الشق والحفر لما صار كونه سببًا لها (٤)، أو ثقل الماشي عاملا، لأن الثقل إنما يعمل في السقوط في المكان الخالي وهو إزالة (٥) المسكة. وكذا السيلان (٦): إنما يسيل الدهن (٧) إذا لم يكن في الزق، ووجد طريقًا خاليًا عن المانع، فهو بالشق والحفر جعله عاملا، فيصير في معنى علة العلة. نظيره: رمي (٨) السهم إذا أصاب شيئًا محترمًا، فأتلفه، لما قلنا. والوجه الأول أصح. ونوع آخر - يسمى شرطًا وهو في معنى السبب، وهو إزالة المانع عما هو علة، بطريق الاختيار، كمن (٩) حل قيد عبد إنسان حتى أبق، فإنه لا يجب الضمان على الحال، لأن حل القيد إزالة المانع عن الإباق، لكن الإباق فعل فاعل (١٠) مختار، فلا يضاف إلى الحل، فلا يكون شرطًا، لأنه لم توجد العلة عنده لا محالة، لكنه في معنى السبب، لأنه بسبب حل القيد، يتمكن العبد من الإباق، فيكون مفضيًا إليه في الجملة،

стр. 654

لكن السبب متى اعترض عليه فعل فاعل (١) مختار، يضاف الحكم إليه، ولا يضاف إلى الفعل السابق (٢). ولهذا قال أبو حنيفة وأبو يوسف، رحمة الله عليهما، فيمن فتح باب قفص فطار (٣) الطير، أو فتح (٤) باب اصطبل فجرت (٥) الدابة وضلت: إنه لا يضمن، لما ذكرنا. ونوع آخر - إن العلة إذا كانت ذات وصفين، ووجد الوصفان معًا، فكل واحد كل منهما شرط عند الانفراد، لأن الآخر يوجد عنده، وهما جميعًا علة. وإذا وجدا على التعاقب فالعلة هو الوصف الأخير عندنا، خلافًا لزفر ﵀. والأول شرط في معنى السبب (٦). ونوع آخر - عند بعض مشايخنا، هو شرط في معنى العلامة، وهو الإحصان، لأن الشرط ما يمنع انعقاد العلة إلى أن يوجد الشرط، كما في الشرط في تعليق الطلاق والعتاق، فإن صورتهما (٧) موجودة، وتوقف انعقادهما علة (٨) على وجود الشرط. ومثل هذا لا يوجد في الزنا بحال، لأن الزنا لا يتوقف حكمه على إحصان يحدث، فثبت أنه ليس بشرط، ولكنه علافة (٩) لكونه معرفًا لحكم الزنا. ولهذا قلنا: إن الذكورة ليست بشرط في شهود الإحصان، لأنه معرف، وليس بشرط (١٠).

стр. 655

إلا أن هذا لا يصح، لأن الشرط ليس بمانع انعقاد العلة، بل لم ينعقد العلة عند عدم الشرط، فميكون (١) على العدم الأصلي. ألا يرى أن أركان الصلاة إذا وجدت بصورتها لم تنعقد صلاة عند حدوث شروطها بعدها، لكن لابد أن يكون الشرط (٢) مقارنًا حال وجود العلة، لتوجد العلة عند وجوده. والزنا لا ينعقد علة لوجوب الرجم إلا إذا وجد حال وجود الإحصان، فيكون الإحصان شرطًا لانعقاد الزنا علة، فأما في شهود الإحصان [فـ] لم يشترط الذكورة لأنها شرط، فلا (٣) يضاف إليه وجوب الحكم، ولا وجود العلة. فاشتراط (٤) الذكورة في علة العقوبة، لا يكون اشتراطًا فيما هو شرط العلة. وزفر يجعله في معنى علة العلة. ونحن نمنع (٥) - على ما عرف في مسائل الخلاف. والله أعلم. فضل - في بيان (٦) شرائط القياس والعلة: فنقول: لصحة القياس شرائط: منها - وجود أصل معلول، معقول المعنى: إما النص أو (٧) الإجماع، ليعرف الحكم فيه. - ولابد من وصف مؤثر (٨) في ثبوت ذلك الحكم.

стр. 656

- ولابد من وجود فرع وجد فيه مثل ذلك الوصف، ليثبت مثل ذلك الحكم فيه (١). لأن القياس لا يكون إلا بين (٢) شييئن بينهما مشابهة في الوصف المؤثر، ولا وجود له إلا عند وجود الأصل، والفرع، والوصف الدي هو ركن العلة (٣) أو علة، على حسب ما اختلفوا (٤) فيه. فقد وجد حد الشرط في الأصل، والفرع، وهو وجود ركن القياس عندنا (٥). ثم النصوص، في الأصل، هل هي معلولة أم (٦) تحتاج إلى دليل؟ اختلفوا فيه (٧): قال أصحاب الظواهر: إنها غير معلولة لما ذكرنا. وقال بعض القايسين بأنها غير معلولة (٨) في الأصل، إلا إذا قام الدليل من حيث النص والإجماع أنه معلول. وقال عامة مثبتى القياس: إن النصوص معلولة في الأصل، إلا إذا قام الدليل على أنه لا يمكن تعليل بعضها. وهو قول الشافعي وقول بعض أصحابنا، ﵏. وقال بعض أصحابنا: إن النصوص، وإن كانت معلولة في الأصل، ولكن لابد من دليل زائد على أن الأصل، الدي نريد استخراج العلة منه،

стр. 657

أنه معلول، إلا إذا اتفقوا على كونه معلولا (١)، مع اختلافهم في الوصف الذي هو علة، كما في النص الوارد في باب الربا، وهو قوله ﵇: "الحنطة بالحنطة" (٢): اتفقوا (٣) أنه معلول. ولكن عندنا: العلة (٤) وصف كونه مكيلا. وعند الشافعي ﵀: وصف (٥) كونه مطعونًا. وعند مالك ﵀: كونه مقتاتًا (٦). وجه قول الأولين: إن الحكم ثابت بظواهر النصوص، وبالتعليل يتغير حكم النص من حيث الظاهر، فإن في قوله ﵇: "الحنطة بالحنطة، مثلا بمثل، يدًا بيد، والفضل ربا" (٧) حكم النص: حرمة فضل الحنطة على الحنطة في البيع، وبالتعليل يتغير ويصير حكم النص هو حرمة بيع (٨) المكيل بالمكيل في الجنس متفاضلا (٩)، سواء كان حنطة (١٠) أو غيرها. هذا عندنا - وعند الشافعي ﵀، حرمة بيع المطعوم لي المطعوم متفاضلا سواء كان حنطة أو غيرها (١١). وإذا كان

стр. 658

كذلك، فالأصل هو إجراء النص على حكمه دون التغيير، وإنما يثبت التغيير بدليل. وفي قول الفريق الثاني: إن القياس لما كان حجة وواجب العمل به (١)، وذلك لا يكون إلا بالعلة، فكان الأصل هو وجود المعنى المودع في النصوص، حتى يمكن القياس، لأن إيجاب القياس في غير موضع الإمكان لا يجوز، [فـ] يجب أن يكون الأصل هو كون النص معلولا، إلا إذا قام الدليل على أن النص غير معقول المعنى، فيجب التمسك بالأصل. وجه قول الفريق الأخير، وهو أن النصوص على ضربين: معلولة وغير معلولة، وإن كان كونها معلولا هو الأصل، ولكنه ثابت من حيث الظاهر مع الاحتمال، فلا يكون حجة في حق الإلزام على الخصم، بمنزلة ظاهر اليد: حجة في حق الدفع، دون الإلزام على الغير (٢) - كذا هذا. إلا أن الصحيح قول من قال من الفقهاء إن النصوص معلولة في الأصل: - لأن أحكام الله تعالى مبنية على الحكم ومصالح العباد. والمعنى بقولنا (٣) النصوص معلولة هذا: أن أحكام الله تعالى متعلقة بمعان ومصالح (٤) وحكم، فإن كانت معقولة يجب القول بالتعدية، ويجوز (٥) أن يكون البعض: مما لا نعرفه بعقولنا، فيكون الأصل ما قلنا. - ولأن الأصل إذا كان واحدًا، واستخرج منه كل من خالف علة (٦)، لتعلق الحكم بها، فيكون الأصل معلولا باتفاقهم، وإن كان (٧) كل

стр. 659

واحد استخرج من أصل على حدة، فمتى علله (١) بوصف مؤثر ووجد فيه ما هو حد العلة، يكون معلولا أيضًا (٢). فلا حاجة إلى قيام النص أو الإجماع على كونه معلولا - ألا ترى أن الصحابة اختلفوا في أشياء، واستنبط كل واحد منهم (٣) من أصل، غير الأصل الذي استنبط منه صاحبه، ولم ينكر عليه صاحبه، ولم يرد عليه: بأن ما ذكرت من الأصل غير متفق عليه. وما أدى إلى خلاف إجماع الصحابة، فهو باطل. ومنها - أن العلة التي يقاس الفرع على الأصل بها، يجب أن يكون مطردة في جميع الفروع، فيكون الاطراد شرط صحة العلة، لكن لا يكون دليل الصحة على ما مر (٤). وهذا على قول من لم يجوز تخصيص العلة. فأما على قول من يجوز تخصيص العلة، فالاطراد ليس بشرط صحة العلة، بل هو دليل الصحة (٥). والقائلون بتخصيص العلة هم (٦) المعتزلة غير صاحب "المعتمد" من المتأخرين منهم (٧). ومشايخ العراق من أصحابنا ﵏. وبه قال القاضي الإمام أبو زيد ﵀.

стр. 660

وعلى قول مشايخ سمرقند - وهو قول الشيخ أبري منصور الماتريدي ﵀: لا يجوز. وهو قول مشايخ بخارى قديمًا وحديثًا (١). وهو أظهر قولي (٢) الشافعي ﵀. وأصحابه مختلفون فيه. وهذا الاختلاف (٣) في العلة المستنبطة. فأما في العلة المنصوصة [فقد] اختلف من لم يجوز التخصيص في العلة المستنبطة: بعضهم قالوا: يجوز. وبعضهم قالوا: لا يجوز. وجه قول (٤) المجوزين لتخصيص (٥) العلة: وهو أن المعنى للأحكام بمنزلة اللفظ العام في تناول المسيمات الداخلة تحته، فإن المعنى يوجب أن يكون الحكم به ثابتًا في جميع المواضع التي (٦) وجد فيه، كما أن اللفظ يقتضي أن يتناول (٧) جميع المسميات الداخلة تحته. ثم جاز تخصيص الاسم العام بدليل يقوم أنه غير مراد به - فكذا وجب أن يجوز: أن يقوم (٨) دليل آخر يبين أن الحكم غير ثابت به في الموضع المخصوص، والمعنى الجامع بينهما أن كل واحد منهما علم على الأحكام، إذ الأحكام تارة تثبت بالأسماء وتارة بالمعاني، ولأن عامة أحكام الله تعالى وعباداته واجبة على العموم ثم تسقط (٩) في حالة الضرورة والحرج. وهذا هو

стр. 661

تفسير الخصوص، فإن المعاني التي تقتضي الوجوب في حالة الاختيار لم ينعدم حالة الضرورة، ثم امتنع الحكم لمكان الضرورة والحرج. وفي المحرمات من الميتة وغيرها: ثبتت مطاقة لمعان معلومة، ثم أحلت حالة الضرورة مع قيام المعنى الوجب للحرمة، لاعتراض الضرورة. وكذلك قال أصحابنا ﵏ بالقياس والاستحسان، وهو تفسير الخصوص. فإن معنى القياس يوجب الحكم عامًا في كل موضع وجد فيه، ثم استحسنوا في موضع، ولم يثبتوا في موضع الاستحسان ذلك الحكم، بل خلافه مع وجود معنى القياس، لنص ورد أو لضرورة دعت أو لمصاحة ظهرت - وهذا عين تخصيص العلة. وجه قول المنكرين لتخصيص العلة: إن القول بالجواز يؤدي إلى نسبة (١) التناقض إلى الشرع، تعالى الله (٢) وجل، عن ذلك. بيانه أن من بين علة في موضع الإجماع وجعل حدها هو التأثير (٣) أو الاطراد أو الإخالة، على حسب ما اختلفوا فيه، ثم إذا وجدت تلك العلة في موضع آخر متعرية عن الحكم, فلا يخلو: إما أن يقول بأن ذلك الوصف علة شرعًا في ذلك الوضع، لكن امتنع الحكم لمانع. أو يقول بأنه يخرج من أن يكون علة فيه، لمانع شرعًا. فإن قال بأنه علة فيه ولم يثبت الحكم لمانع، فقد نسب التناقض إلى الشرع، لأن (٤) علل الشرع كلها (٥) أمارات ودلائل على أحكام الله تعالى، والدليل ما يظهر به المدلول، فكأن الشرع

стр. 662

نص على أن هذا الوصف دليل على (١) هذا الحكم أينما وجد، ومتى خلا الدليل عن المدلول، فقد جاءت المناقضة. فإن (٢) قال: يخرج من أن يكون علة شرعًا. فقد نسب التناقض في حد العلة إلى الشرع، فإن (٣) التأثير أو الاطراد الذي جعله علامة العلة ودليلها موجود وليس بعلة. وقد نسب إلى الشرع أن بوجود التأثير صار (٤) هذا الوصف علة أينما وجد وظهر بخلافه. وكل قول يؤدي إلى نسبة التناقض إلى الشرع باطل، لأن التناقض (٥) أمارة الجهل أو السفه، وذا أمارة النقض (٦)، والشرع منزه عن سمات النقض (٧). فأما (٨) تخصيص اللفظ (٩) العام، فالجواب عنه من وجهين: أحدهما - أنه لا فرق بين الأمرين: فإن من علق الحكم بظاهر اللفظ، ثم جوز تخصب ص اللفظ، فقد ناقض (١٠). فإن من قال في قوله تعالى: "اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم" (١١): حكم النص إباحة قتل المشرك باسم الشرك (١٢)، ثم قال بحرمة قتل الذمي مع كونه

стр. 663

مشركًا، فقد ناقض، كما في تخصيص العلة، إلا أن في العام: إذا قام دليل تخصيص الذمي عن النص، تبين أن إباحة القتل غير متعلقة (١) بمطلق اسم المشرك، ولكن بقتل مشرك مقيد بكونه محاربًا، كأنه تعالى (٢) قال في الابتداء: "اقتلوا المشركين المحاربين" فلا يكون المشرك الذي ليس بمحارب مرادًا بالنص، وذكر المطلق على إرادة المقيد جائز، لأن هذا من باب الكلام والإضمار، والتقييد جائز فيه، فلا يؤدي إلى التناقض. فأما المعلل (٣) إذا ذكر الوصف علة على الإطلاق، وادعى كونه علة شرعًا، وبعد قيام التخصيص، يقول إنه علة أيضًا، ولكن امتنع حكمه لمانع، فلم يكن فيه ذكر المطلق على إرادة المقيد، فيكون تناقضًا. ولو قال إنه علة مع ذلك القيد وأراد أن (٤) الشرع جعل ذلك الوصف علة مع ذلك القيد، فلم يكن علة بدونه، فكان (٥) انعدام الحكم لعدم العلة، لا لمانع مع قيام العلة - فهو صحيح، لكن المعلل صار مناقضًا في خبره عن الله تعالى - في جعل الوصف مطلقًا علة (٦). فعلى هذا لا فرق بين تخصيص العام والعلة: فإن من علق الحكم في الموضعين بظاهر اللفظ (٧) والوصف، ثم وجد اللفظ والوصف متعريًا عن الحكم، فقد ناقض. ولو (٨) قال: إني أريد باللفظ المطلق هو المقيد في العام، وبالوصف المطلق المقيد، لم يكل مناقضًا، لكن لا يسمع هذا في حق العلل،

стр. 664

لأنه يجوز المناقضة عليه. فأما في حق العام، في سمع (١)، لقيام الدليل على أنه لا يجوز وصف الله تعالى بالتناقض، ولكن يصير المعلق للحكم بعين اللفظ في العام وبعين الوصف في العلة، مناقضًا إذا وجد في موضع من المواضع من غير حكم - والله الموفق. والثاني - أن الحكم ثابت بظاهر النص على العموم من غير أن يكون متعاقًا بالاسم، كقو له تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ ...﴾ (الآية) " (٢) ثبوت إباحة قتل المشركين لا لكونهم مشركين، حتى يتعلق الحكم باسم المشركين, ولا بمعنى ما. فلما خص أهل الذمة، صىار المراد من العلم البعض، كأنه قال تعالى: "اقتلوا المشركين إلا أهل الذمة" وإطلاق اسم الكل على البعض جائز. أما في العلة [فقد] علق الحكم بالعلة، فيكون التخصيص مناقضة على ما ذكرنا (٣). وقولهم: إن القول بالقياس والاستحسان من باب تخصيص العلة. فليس كذلك، لأنا لا (٤) نقول إن (٥) معنى القياس في موضع الاستحسان قائم، ولا حكم له (٦)، بل تبين (٧) أن ذلك المعنى لم يتعلق به الحكم (٨) وحده، بل به وبالمعنى الذي وجد في موضع الاستحسان، فينعدم الحكم في موضع القياس، لعدم المعنى الوجب لذلك الحكم، بعدم معنى زائد، لا أنه علة، ينعدم الحكم في موضع الاستحسان مع قيامه - فدل أنه ليس من باب تخصيص العلة - والله أعلم.

стр. 665

ومن شرائط صحة القياس أيضًا: أن يكون الحكم في النصوص عليه ثابتًا بالوصف الذي جعل علة، حتى يثبت مثل ذلك الحكم، في غير المنصوص عليه، لوجود (١) مثل ذلك المعنى. أما متى لم يكن الحكم في الأصل ثابتًا بالعلة، فكيف يثبت في الفرع، بمثله. وهذا على قول مشايخ سمرقند. وهو قول الشيخ الإمام الأجل (٢) أبي منصور الماتريدي (٣) ﵀. وهو قول الشافعي ﵀. وقال مشايخ العراق: هذا ليس بشرط، والحكم في النص لا يثبت بالعلة، بل بعين النص، ولكن الوصف في الأصل جعل علمًا على كونه علة للحكم في الفرع (٤). ويبتنى على هذا أن العلة القاصرة في موضع النصل والإجماع، والعلة المتعدية (٥) عنهما إلى الفروع، صحيحة عند الفريق الأول، ولا يجوز عند الفريق الثاني إلا العلة المتعدية (٦). وعلى هذا المذهب أكثر المتأخرين من أصحابنا ﵏ اتباعًا للقاضي الإمام أبي زيد ﵀. وجه قول من قال: إن الحكم لا يثبت بالعلة في المنصوص عليه:

стр. 666

[أولا] أن النص دليل مقطوع به، والعلة دليل من حيث الظاهر، مع الاحتمال، فكان إضافة الحكم إلى الدليل القطعي أولى - على أن إضافة الحكم إلى الدليل المحتمل مع إمكان الإضافة إلى الدليل القطعي من باب السفه في الشاهد، والله تعالى منزه عن صفات النقص، فلا يجوز القول بما يفضي إلى نسبة السفه إليه. ولأن هذا الوصف موجود قبل الشرع، ولا حكم له، ولو كان وجود الوصف يقتضي الحكم لا محالة، يقتضي أن لا يجوز خلوه عن الحكم. ولكن لما كان علة بالشرع، فيكون علة في الموضع الذي جعله الشرع علة، والشرع جعله علة في الفرع لا في النص. ولا يقال: إن الحكم في المنصوص عليه (١) إذا لم يكن ثابتاً بالعلة كيف يتعدى (٢) إلى الفرع ولا نص في الفرع؟ كيف يثبت الحكم في الفرع بالقياس؟ لأنا نقول: بلى ولكن الحكم يثبت بإثبات الله تعالى، فهو المثبت للأحكام، والنص دليل وعلم على حكم الله تعالى، والله تعالى كما جعل النص دليلا على ثبوت الحكم في المنصوص عليه، جعل العلة أمارة ودليلا (٣) على ثبوت الحكم في الفرع، فمتى قاس شيئاً على المنصوص عليه الذي فيه وصف وعلة على ثبوت الحكم في الفرع وقد وجد مثل ذلك الوصف فيه، يكون قياساً صحيحاً. والثاني: أن العلة في موضع النص مؤثرة صالحة لثبوت (٤) الحكم بها في المنصوص عليه، كما هي صالحة مؤثرة في ثبوت الحكم في الفرع،

стр. 667

إلا أن النص أقوى من العلة، فاستحق حكمها بدليل فوقه. وهذا لا يقدح في كونها مؤثرة في الفرع، لأنه ليس في الفرع دليل أقوى منه. ونظيره: الشركة علة استحقاق الشفعة، والجوار علة أيضاً، وفي موضع الشركة وجدت علتان: الشركة والجوار، لكن الشركة أقوى منه (١)، فيصير علة، وبهذا لا يخرج الجوار من أن يكون علة في غير موضع الشركة - كذلك ههنا. والثالث: ما قاله بعض مشايخنا: إن الحكم في حق المنصوص عليه مضاف (٢) إلى النص دون العلة، وفي حق غير المنصوص عليه مضاف إلى العلة، فيكون الحكم ثابتاً في النص بالعلة في حق الفرع لا في المنصوص عليه - هذا كما قال أصحابنا ﵏ في مسألة الصلح عن (٣) الإنكار: إن المدعى به (٤) ثابت في حق المدعى لا في حق المدعى عليه. وفي حق المدعى عليه ثابت لا في حق المدعي، فيعتبر زعم كل واحد منهما في حقه لا في حق صاحبه، كذا هذا، وفيه نظر. وجه قول مشايخ سمرقند: [أولا]: إن القياس صحيح بإجماع القايسين، وإنما يتحقق القياس [إذا] كان (٥) الحكم ثابتاً في المنصوص عليه بالعلة، حتى يمكن إثبات مثل ذلك الحكم، يمثل تلك (٦) العلة. فأما إذا كان الحكم ثابتاً في الأصل بالنص، لا بالعلة، ولا نص في الفرع ولا يثبت بالعلة في الأصل، لم يتصور

стр. 668

إثبات مثل حكم الأصل، بمثل الوصف الذي في الفرع، وإنما يصح إذا كان الحكم في الأصل ثابتاً بالعلة، ليثبت في الفرع مثله، بمثل ذلك الوصف. فكان إجماعهم على صحة القياس إجماعاً على أن الحكم في الأصل ثابت بالعلة (١). قولهم: إن النص أقوى - فنقول (٢): [أولا]: النص غير مثبت للحكم، ولم يكن ثبوت الحكم مضافاً إليه، وإنما يثبت بالنص معرفة الحكم والعلم به. وإنما المثبت للحكم هو الله تعالى، لكن قد يثبت لمعنى (٣) وسبب لما يرى من الحكمة فيه، ويقام السبب مقامها (٤). وقد يثبت الحكم ابتداء من غير سبب إذا كانت الحكمة في اقتصار الحكم على موضع النص لاغير. فكان حظ العلة ثبوت الحكم. وحظ النص هو معرفة الحكم. فيكون العلة في حق الحكم أقوى من النص، لأن المعرفة بناء على الثبوت وإن كان النص دليلا قاطعاً، والعلة المستنبطة ليست (٥) بقاطعة. على أن العلة قد تكون قاطعة بأن كانت منصوصة - فما قولكم أنه هل يضاف إلى العلة مع الإضافة إلى النص؟ فإن قلتم: لا يضاف، دل أنه لا تأثير لما قلتم. وإن قلتم: إنه (٦) يضاف، دل أن الحكم في المنصوص عليه يضاف إلى العلة. والثاني: إن كان ثبوت الحكم يضاف إلى النص [فإنه] يجوز (٧) أن يكون مضافاً إليهما، لأن العلة الشرعية في الحقيقة دليل حكم الله تعالى،

стр. 669

ويجوز أن يكون لمدلول واحد دلائل، وإن كان البعض أظهر من البعض. والجواب الأول أصح. قولهم: إن هذا الوصف موجود قبل ورود الشرع ولا حكم له - فنقول (١): نحن لا ندعى كون الوصف علة لعينه حتى يقال: يجب أن يثبت به الحكم في كل موضع وجد عينه، وإنما يعرف علة بالشرع، وهو النص والاستدلال باعتبار تأثيره في جنس هذا الحكم في الشرع، وهذا لا يعرف إلا بعد ورود الشرع. ثم بعد (٢) ورود الشرع متى عرف كونه علة بالنص، يكون الحكم مضافاً إليه بالإجماع، في موضع النص وفي الفرع، فكذا إذا عرف بالاستدلال: يجب أن يضاف إلى العلة في المنصوص وغيره. وهو دليل مبتدأ في المسألة: أن العلة إما أن نعرف بالنص أو بالاستدلال. ومتى عرفت (٣) بالنص، تثبت (٤) في كل موضع وجدت فيه العلة. فكذا إذا عرف (٥) بالاستدلال، يجب أن يكون علة، في كل موضع وجد، لأن (٦) دليل صحة العلة هو التأثير الذي به. يعقل كون الوصف علة ويترجح على غيره من الأوصاف. فمتى وجد، ولا يثبت به الحكم، بطل كونه دليلا، لأن الدليل متى وجد ولا يضاف إليه المدلول لا يكون دليلا ويتناقض دلالته - والله أعلم.

стр. 670

ومن شرائط صحة القياس أيضًا: أن لا يكون مخالفًا للنص، لأن الشرع جعل القياس حجة موجبة للعمل (١)، بشرط أن لا يكون مخالفًا للنص، لأن القياس دون النص - قال النبي ﷺ لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: "بم تقضي" قال: "بكتاب الله تعالى" قال: "فإن لم تجد" قال: "بسنة رسول الله ﷺ قال: "فإن لم تجد" قال: "أجتهد في ذلك (٢) رأيي" فقال ﵇: "الحمد لله الذي وفق رسول رسوله". ولأن القياس دليل [من أدلة] الشرع، فلا يجوز أن يكون قياسًا صحيحًا مخالفًا للنص (٣)، لأن دلائل الشرع لا يتناقض، فمتى وجدت المخالفة ظاهرًا، دل على كون القياس فاسدًا - والله أعلم. هذا هو المراد، لا أن القياس صحيح، والنص مخالف له، حتى يقال ورد النص بخلاف القياس - على ما نذكر (٤). ومن شرائط صحة (٥) القياس: أن يكون الحكم الذي يقاس أمرًا شرعيًّا أو عقليًا، لا اسمًا لغويًا. وقال بعض أصحاب الشافعي ﵀: إن (٦) القياس يجري في إثبات الأسامي واللغات. وبنوا على هذا: مسألة النبيذ، وهو المطبوخ المثلث المسكر: إن حكمه و (٧) حكم الخمر سواء، وإن كان النص ورد باسم الخمر، ولكن إنما سمي خمرًا، لكونه مخامرًا للعقل، والنبيذ
следующие страницы →